الآية ٦١ من سورة الأنفال

الإسلام > القرآن > سور > سورة 8 الأنفال > الآية ٦١ من سورة الأنفال

۞ وَإِن جَنَحُوا۟ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ٦١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 95 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٦١ من سورة الأنفال: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٦١ من سورة الأنفال عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى : إذا خفت من قوم خيانة فانبذ إليهم عهدهم على سواء ، فإن استمروا على حربك ومنابذتك فقاتلهم ، ( وإن جنحوا ) أي : مالوا ( للسلم ) أي المسالمة والمصالحة والمهادنة ، ( فاجنح لها ) أي : فمل إليها ، واقبل منهم ذلك ؛ ولهذا لما طلب المشركون عام الحديبية الصلح ووضع الحرب بينهم وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تسع سنين ؛ أجابهم إلى ذلك مع ما اشترطوا من الشروط الأخر .

وقال عبد الله بن الإمام أحمد : حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي ، حدثنا فضيل بن سليمان - يعني النميري - حدثنا محمد بن أبي يحيى ، عن إياس بن عمرو الأسلمي ، عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إنه سيكون بعدي اختلاف - أو : أمر - فإن استطعت أن يكون السلم ، فافعل .

وقال مجاهد : نزلت في بني قريظة .

وهذا فيه نظر ؛ لأن السياق كله في وقعة بدر ، وذكرها مكتنف لهذا كله .

وقول ابن عباس ، ومجاهد ، وزيد بن أسلم ، وعطاء الخراساني ، وعكرمة ، والحسن ، وقتادة : إن هذه الآية منسوخة بآية السيف في " براءة " : ( قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ) الآية [ التوبة : 29 ] فيه نظر أيضا ؛ لأن آية براءة فيها الأمر بقتالهم إذا أمكن ذلك ، فأما إذا كان العدو كثيفا ، فإنه تجوز مهادنتهم ، كما دلت عليه هذه الآية الكريمة ، وكما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الحديبية ، فلا منافاة ولا نسخ ولا تخصيص ، والله أعلم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (61) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وإما تخافنّ من قوم خيانة وغدرًا, فانبذ إليهم على سواء وآذنهم بالحرب =(وإن جنحوا للسلم فاجنح لها)، وإن مالوا إلى مسالمتك ومتاركتك الحربَ, إما بالدخول في الإسلام, وإما بإعطاء الجزية, وإما بموادعة, ونحو ذلك من أسباب السلم والصلح (56) =(فاجنح لها)، يقول: فمل إليها, وابذل لهم ما مالوا إليه من ذلك وسألوكه.

* * * يقال منه: " جنح الرجل إلى كذا يجنح إليه جنوحًا ", وهي لتميم وقيس، فيما ذكر عنها, تقول: " يجنُح "، بضم النون، وآخرون: يقولون: " يَجْنِح " بكسر النون, وذلك إذا مال, ومنه قول نابغة بني ذبيان: جَــوَانِحَ قَــدْ أَيْقَــنَّ أَنَّ قَبِيلَــهُ إذَا مَـا التَقَـى الجمْعـانِ أَوَّلُ غَـالِبِ (57) جوانح: موائل.

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 16245- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: (وإن جنحوا للسلم) قال: للصلح، ونسخها قوله: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [سورة التوبة: 5] 16246- حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: (وإن جنحوا للسلم)، إلى الصلح=(فاجنح لها)، قال: وكانت هذه قبل " براءة ", وكان نبي الله صلى الله عليه وسلم يوادع القوم إلى أجل, فإما أن يسلموا، وإما أن يقاتلهم, ثم نسخ ذلك بعد في " براءة " فقال: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ، وقال: وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً ، [سورة التوبة: 36]، ونبذ إلى كل ذي عهد عهده, وأمره بقتالهم حتى يقولوا " لا إله إلا الله " ويسلموا, وأن لا يقبلَ منهم إلا ذلك.

وكلُّ عهد كان في هذه السورة وفي غيرها, وكل صلح يصالح به المسلمون المشركين يتوادعون به، فإن " براءة " جاءت بنسخ ذلك, فأمر بقتالهم على كل حال حتى يقولوا: " لا إله إلا الله ".

16247- حدثنا ابن حميد قال: حدثنا يحيى بن واضح, عن الحسين, عن يزيد, عن عكرمة والحسن البصري قالا ( وإن جنحوا للسلم فاجنح لها)، نسختها الآية التي في " براءة " قوله: قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ ، إلى قوله: وَهُمْ صَاغِرُونَ [سورة التوبة: 29] 16248- حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا أحمد بن المفضل قال: حدثنا أسباط, عن السدي: (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها)، يقول: وإن أرادوا الصلح فأرده.

16249- حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق,(وإن جنحوا للسلم فاجنح لها)، أي: إن دعوك إلى السلم =إلى الإسلام= فصالحهم عليه.

(58) 16250- حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله: (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها)، قال: فصالحهم.

قال: وهذا قد نسخه الجهاد.

* * * قال أبو جعفر: فأما ما قاله قتادة ومن قال مثل قوله، من أن هذه الآية منسوخة, فقولٌ لا دلالة عليه من كتاب ولا سنة ولا فطرة عقل.

وقد دللنا في غير موضع من كتابنا هذا وغيره على أن الناسخ لا يكون إلا ما نفى حكم المنسوخ من كل وجه.

فأما ما كان بخلاف ذلك، فغير كائنٍ ناسخا.

(59) وقول الله في براءة: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ، غير نافٍ حكمُه حكمَ قوله.(وإن جنحوا للسلم فاجنح لها)، لأن قوله: (وإن جنحوا للسلم)، إنما عني به بنو قريظة, وكانوا يهودًا أهلَ كتاب, وقد أذن الله جل ثناؤه للمؤمنين بصلح أهل الكتاب ومتاركتهم الحربَ على أخذ الجزية منهم.

وأما قوله: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ فإنما عُني به مشركو العرب من عبدة الأوثان، الذين لا يجوز قبول الجزية منهم.

فليس في إحدى الآيتين نفي حكم الأخرى, بل كل واحدة منهما محكمة فيما أنـزلت فيه.

16251- حدثني محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (وإن جنحوا للسلم)، قال: قريظة.

* * * وأما قوله: (وتوكل على الله)، يقول: فوِّض إلى الله، يا محمد، أمرك, واستكفِه، واثقًا به أنه يكفيك (60) كالذي:- 16252- حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق: (وتوكل على الله)، إن الله كافيك.

(61) * * * وقوله: (إنه هو السميع العليم)، يعني بذلك: إن الله الذي تتوكل عليه، " سميع "، لما تقول أنت ومن تسالمه وتتاركه الحربَ من أعداء الله وأعدائك عند عقد السلم بينك وبينه, وما يشترط كل فريق منكم على صاحبه من الشروط (62) =" العليم "، بما يضمره كل فريق منكم للفريق الآخر من الوفاء بما عاقده عليه, ومن المضمر ذلك منكم في قلبه، والمنطوي على خلافه لصاحبه.

(63) ------------------------ الهوامش: (56) انظر تفسير " السلم " فيما سلف 4 : 251 - 255 .

(57) ديوانه : 43 ، من شعره المشهور في عمرو بن الحارث الأعرج ، حين هرب إلى الشأم ، من النعمان بن المنذر في خبر المتجردة ، وقبله ، ذكر فيها غارة جيشه ، والنسور التي تتبع الجيش : إذَا مَـا غَـزَوْا بِـالجَيْشِ , حَلَّقَ فَوْقَهُمْ عَصَــائِبُ طَـيْرٍ تَهْتَـدِي بِعَصَـائِبِ يُصَــاحبْنَهُمْ حَـتَّى يُغِـرْنَ مُغَـارَهم مِـنَ الضَّارِيَـاتِ بالدِّمَـاءِ الـدَّوَارِبِ تَـرَاهُنَّ خَـلْفَ القـومِ خُـزْرًا عُيُونهَا جُـلُوسَ الشُّـيُوخِ فِـي ثِيَابِ المَرَانِبِ جَــوانِحَ قَــدْ أيْقَـنَّ .

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

وهذا من جيد الشعر وخالصه .

(58) الأثر : 16249 - سيرة ابن هشام 2 : 330 ، وهو تابع الأثر السالف رقم : 16244 ، وفي السيرة : " إلى السلم على الإسلام " .

(59) انظر مقالته في " النسخ " فيما سلف 11 : 209 ، وما بعده وما قبله في فهارس الكتاب ، وفي فهارس العربية والنحو وغيرها .

(60) انظر تفسير " التوكل " فيما سلف ص : 15 تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(61) الأثر : 16252 - سيرة ابن هشام 2 : 330 ، وهو تابع الأثر السالف رقم : 16249 .

(62) في المطبوعة : " ويشرط كل فريق .

.

.

" ، وفي المخطوطة : " ويشترط .

.

.

" ، والصواب بينهما ما أثبت .

(63) انظر تفسير " سميع " و " عليم " فيما سلف من فهارس اللغة ( سمع ) ، ( علم ) .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم [ ص: 397 ] فيه مسألتان :الأولى : وإن جنحوا للسلم فاجنح لها إنما قال لها لأن السلم مؤنثة .

ويجوز أن يكون التأنيث للفعلة .

والجنوح الميل .

يقول : إن مالوا - يعني الذين نبذ إليهم عهدهم - إلى المسالمة ، أي الصلح ، فمل إليها .

وجنح الرجل إلى الآخر : مال إليه ، ومنه قيل للأضلاع جوانح ، لأنها مالت على الحشوة .

وجنحت الإبل : إذا مالت أعناقها في السير .

وقال ذو الرمة :إذا مات فوق الرحل أحييت روحه بذكراك والعيس المراسيل جنحوقال النابغة :جوانح قد أيقن أن قبيلةإذا ما التقى الجمعان أول غالب يعني الطير .

وجنح الليل إذا أقبل وأمال أطنابه على الأرض .

والسلم والسلام هو الصلح .

وقرأ الأعمش وأبو بكر وابن محيصن والمفضل ( للسلم ) بكسر السين .

الباقون بالفتح .

وقد تقدم معنى ذلك في " البقرة " مستوفى .

وقد يكون السلام من التسليم .

وقرأ الجمهور فاجنح بفتح النون ، وهي لغة تميم .

وقرأ الأشهب العقيلي ( فاجنح ) بضم النون ، وهي لغة قيس .

قال ابن جني : وهذه اللغة هي القياس .الثانية : وقد اختلف في هذه الآية ، هل هي منسوخة أم لا .

فقال قتادة وعكرمة : نسخها فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم .

وقاتلوا المشركين كافة وقالا : نسخت " براءة " كل موادعة ، حتى يقولوا لا إله إلا الله .

ابن عباس : الناسخ لها فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم .

وقيل : ليست بمنسوخة ، بل أراد قبول الجزية من أهل الجزية .

وقد صالح أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ومن بعده من الأئمة كثيرا من بلاد العجم ، على ما أخذوه منهم ، وتركوهم على ما هم فيه ، وهم قادرون على استئصالهم .

وكذلك صالح رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرا من أهل البلاد على مال يؤدونه ، من ذلك خيبر ، رد أهلها إليها بعد الغلبة على أن يعملوا ويؤدوا النصف .

قال ابن إسحاق : قال مجاهد عنى بهذه الآية قريظة ، لأن الجزية تقبل منهم ، فأما المشركون فلا يقبل منهم شيء .

وقال السدي وابن زيد .

: [ ص: 398 ] معنى الآية إن دعوك إلى الصلح فأجبهم .

ولا نسخ فيها .

قال ابن العربي : وبهذا يختلف الجواب عنه ، وقد قال الله عز وجل : فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم .

فإذا كان المسلمون على عزة وقوة ومنعة ، وجماعة عديدة ، وشدة شديدة فلا صلح ، كما قال :فلا صلح حتى تطعن الخيل بالقناوتضرب بالبيض الرقاق الجماجموإن كان للمسلمين مصلحة في الصلح ، لنفع يجتلبونه ، أو ضرر يدفعونه ، فلا بأس أن يبتدئ المسلمون به إذا احتاجوا إليه .

وقد صالح رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل خيبر على شروط نقضوها فنقض صلحهم .

وقد صالح الضمري وأكيدر دومة وأهل نجران ، وقد هادن قريشا لعشرة أعوام حتى نقضوا عهده .

وما زالت الخلفاء والصحابة على هذه السبيل التي شرعناها سالكة ، وبالوجوه التي شرحناها عاملة .

قال القشيري : إذا كانت القوة للمسلمين فينبغي ألا تبلغ الهدنة سنة .

وإذا كانت القوة للكفار جاز مهادنتهم عشر سنين ، ولا تجوز الزيادة .

وقد هادن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل مكة عشر سنين .

قال ابن المنذر : اختلف العلماء في المدة التي كانت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أهل مكة عام الحديبية ، فقال عروة : كانت أربع سنين .

وقال ابن جريج : كانت ثلاث سنين .

وقال ابن إسحاق : كانت عشر سنين .

وقال الشافعي رحمه الله : لا تجوز مهادنة المشركين أكثر من عشر سنين ، على ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم عام الحديبية ، فإن هودن المشركون أكثر من ذلك فهي منتقضة ، لأن الأصل فرض قتال المشركين حتى يؤمنوا أو يعطوا الجزية .

وقال ابن حبيب عن مالك رضي الله عنه : تجوز مهادنة المشركين السنة والسنتين والثلاث ، وإلى غير مدة .

قال المهلب : إنما قاضاهم النبي صلى الله عليه وسلم هذه القضية التي ظاهرها الوهن على المسلمين ، لسبب حبس الله ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مكة ، حين توجه إليها فبركت .

وقال : حبسها حابس الفيل .

على ما خرجه البخاري من حديث المسور بن مخرمة .

ودل على جواز صلح المشركين ومهادنتهم دون مال يؤخذ منهم ، إذا رأى ذلك الإمام وجها .

ويجوز عند الحاجة للمسلمين عقد الصلح بمال يبذلونه للعدو ، لموادعة النبي صلى الله عليه وسلم عيينة بن حصن الفزاري ، والحارث بن عوف المري يوم الأحزاب ، على أن يعطيهما ثلث ثمر المدينة ، وينصرفا بمن معهما من غطفان ويخذلا قريشا ، ويرجعا بقومهما عنهم .

وكانت هذه المقالة [ ص: 399 ] مراوضة ولم تكن عقدا .

فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم منهما أنهما قد أنابا ورضيا استشار سعد بن معاذ وسعد بن عبادة ، فقالا : يا رسول الله ، هذا أمر تحبه فنصنعه لك ، أو شيء أمرك الله به فنسمع له ونطيع ، أو أمر تصنعه لنا ؟

فقال : بل أمر أصنعه لكم فإن العرب قد رمتكم عن قوس واحدة ، فقال له سعد بن معاذ : يا رسول الله ، والله قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك وعبادة الأوثان ، لا نعبد الله ولا نعرفه ، وما طمعوا قط أن ينالوا منا ثمرة ، إلا شراء أو قرى ، فحين أكرمنا الله بالإسلام ، وهدانا له وأعزنا بك ، نعطيهم أموالنا !

والله لا نعطيهم إلا السيف ، حتى يحكم الله بيننا وبينهم .

فسر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : أنتم وذاك .

وقال لعيينة والحارث : انصرفا فليس لكما عندنا إلا السيف .

وتناول سعد الصحيفة ، وليس فيها شهادة أن لا إله إلا الله فمحاها .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقول تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِنْ جَنَحُوا‏}‏ أي‏:‏ الكفار المحاربون، أي‏:‏ مالوا ‏{‏لِلسَّلْمِ‏}‏ أي‏:‏ الصلح وترك القتال‏.‏ ‏{‏فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ‏}‏ أي‏:‏ أجبهم إلى ما طلبوا متوكلًا على ربك، فإن في ذلك فوائد كثيرة‏.‏ منها‏:‏ أن طلب العافية مطلوب كل وقت، فإذا كانوا هم المبتدئين في ذلك، كان أولى لإجابتهم‏.‏ ومنها‏:‏ أن في ذلك إجمامًا لقواكم، واستعدادا منكم لقتالهم في وقت آخر، إن احتيج لذلك‏.‏ ومنها‏:‏ أنكم إذا أصلحتم وأمن بعضكم بعضًا، وتمكن كل من معرفة ما عليه الآخر، فإن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه،‏.‏فكل من له عقل وبصيرة إذا كان معه إنصاف فلا بد أن يؤثره على غيره من الأديان، لحسنه في أوامره ونواهيه، وحسنه في معاملته للخلق والعدل فيهم، وأنه لا جور فيه ولا ظلم بوجه، فحينئذ يكثر الراغبون فيه والمتبعون له‏.‏ فصار هذا السلم عونا للمسلمين على الكافرين‏.‏ ‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( وإن جنحوا للسلم ) أي : مالوا إلى الصلح ، ( فاجنح لها ) أي : مل إليها وصالحهم .

روي عن قتادة والحسن : أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى : " فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم " براءة - 5 " ( وتوكل على الله ) !

ثم بالله ، ( إنه هو السميع العليم )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وإن جنحوا» مالوا «للسَّلْم» بكسر السين وفتحها: الصلح «فاجنح لها» وعاهدهم، وقال ابن عباس: هذا منسوخ بآية السيف وقال مجاهد: مخصوص بأهل الكتاب إذ نزلت في بني قريظة «وتوكل على الله» ثق به «إنه هو السميع» للقول «العليم» بالفعل.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وإن مالوا إلى ترك الحرب ورغبوا في مسالمتكم فمِلْ إلى ذلك -أيها النبي- وفَوِّضْ أمرك إلى الله، وثق به.

إنه هو السميع لأقوالهم، العليم بنيَّاتهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أمر - تعالى - رسوله - صلى الله عليه - بقبول السلم والمصالحة ، إذا ما رغب أعداؤه فى ذلك ، وكانت ظواهرهم وأفعالهم تدل على صدق نواياهم فقال - تعالى - : ( وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ .

.

.

عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) .قوله ( جَنَحُواْ ) من الجنوح بمعنى الميل ، يقال : جنح فلان للشئ وإليه - يجنح - مثلث النون - جنوحاً .

أى : مال إليه .قال القرطبى : والجنح : الميل .

وجنح الرجل إلى الآخر : مال إليه .

ومنه قيل للأضلاع جوانح ، لأنها مالت على الحشورة - بضم الحاء وكسرها - أى : الأمعاه .وجنحت الإِبل : إذا مالت أعناقها فى السير قال ذو الرمة :إذا مات فوق الرحل أحييت روحه ...

بذكراك والعيس المراسيل جنحوقرأ الأعمش وأبو بكر وابن محيص " للسلم " - بكسر السين - وقرأ الباقون بالفتح .

وإنما قال ( لَهَا ) لأن السلم مؤنثة - تأنيث نقيضها وهى الحرب .

.

ويجوز أن يكون التأنيث للفعلة .والمعنى : عليك - أيها الرسول الكريم - أن تنكل فى الحرب بأولئك الكافرين الناقضين لعهودهم فى كل مرة ، وأن تهيئ ما استطعت من قوة لإِرهابهم فإن مالوا بعد ذلك إلى ( لِلسَّلْمِ ) أى : المسالمة والمصالحة فوافقهم ومل إليها ما دامت المصلحة فى هذه المسالمة .وقوله ( وَتَوَكَّلْ عَلَى الله إِنَّهُ هُوَ السميع العليم ) معطوف على ( فاجنح لَهَا ) لقصد التثبيت وبعث الطمأنينة فى قلبه .أى : اقبل المسالمة ما دام فيها مصلحتك ، وفوض أمرك إلى الله - تعالى - ولا تخش مكرهم وكيدهم وغدرهم ، إنه - سبحانه - ( هُوَ السميع ) لأقوالهم ( العليم ) بأحوالهم ، فيجازيهم بما يستحقون ، ويرد كيدهم فى نحورهم .وعبر - سبحانه - عن جنوحهم إلى السلم بحرف ( إِن ) الذى يعبر به عن الشئ المشكوك فى وقوعه ، للإِشارة إلى أنهم ليسوا أهلاً لاختيار المسالمة أو المصالحة لذاتها ، وإنما هم جنحوا إليها لحاجة فى نفوسهم ، فعلى المؤمنين أن يكونوا دائماً على حذر منهم ، وألا يأمنوا مكرهم .هذا وقد اختلف العلماء فيمن عنى بهذه الآية ، فمنهم من يرى أن المعنى بها أهل الكتاب ، ومنهم من يرى أن الآية عامة ، أى تشمل أهل الكتاب والمشركين .

ثم اختلفوا بعد ذلك فى كونها منسوخة أولاً؟وقد حكى ابن جرير معظم هذه الخلافات ورجح أن المقصود بهذه الآية جماعة من أهل الكتاب ، وأن الآية ليست منسوخة فقال ما ملخصه :عن قتادة أن قوله ( وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فاجنح لَهَا ) منسوخة بقوله فى سورة براءة ( فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ) وبقوله ( وَقَاتِلُواْ المشركين كَآفَّةً ) فقد كانت هذه - أي الآية التى معنا وهى قوله - تعالى - ( وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ .

.

.

) قبل براءة .

كان النبى - صلى الله عليه وسلم - يوادع القول إلى أجل ، فإما أن يسلموا ، وإما أن يقاتلهم ، ثم نسخ ذلك بعد براءة فقال : ( فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ) وعن عكرمة والحسن البصرى قالا : ( وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ .

.

.

) نسختها الآية التى فى براءة وهى قوله - تعالى - ( قَاتِلُواْ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله وَلاَ باليوم الآخر )الآية .ثم قال ابن جرير : فأما ما قاله قتادة ومن قال مثل قوله من أن الآية منسوخة ، فقول لا دلالة عليه من كتاب ولا سنة ولا فطرة عقل .لأن قوله ( وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فاجنح لَهَا .

.

) إنما عنى به بنو قريظة - كما قال مجاهد - وكانوا يهودا أهل كتاب وقد أذن الله - جل ثناؤه - للمؤمنين بصلح أهل الكتاب ، ومتاركتهم الحرب ، على أخذ الجزئية منهم ، وأما قوله : ( فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ) فإنما عنى به مشركو العرب ن عبدة الأوثان ، الذين لا يجوز قبول الجزية منهم ، فليس فى إحدى الآتين نفى حكم الأخرى ، بل كل واحدة منهما محكمة فيما أنزلت فيه .

.هذا ما يراه ابن جرير .

أما ابن كثير فقد وافقه على أن الآية ليست منسوخة ، وخالفه فى أن المقصود بها بنو قريظة ، فهو يرى أن الآية عامة فقد قال - رحمه الله - :قوله : ( وَإِن جَنَحُواْ ) أى : مالوا ( لِلسَّلْمِ ) أى المسالمة والمصالحة والمهادنة ( فاجنح لَهَا ) أى : فمل إليها واقبل منهم ذلك .

ولهذا لما طلب المشركون عام الحديبية الصلح ووضع الحرب بينهم وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تسع سنين أجابهم إلى ذلك مع ما اشترطوا من الشروط الأخر .

.وقال مجاهد : نزلت فى بنى قريظة ، وهذا فيه نظر ، لأن السياق كله فى موقعه بدر ، وذكرها مكتنف لها كله .وقال ابن عباس ومجاهد وزيد بن أسلم وعطاء الخراسانى وعكرمة والحسن وقتادة : إن الآية منسوخة بآية السيف فى براءة ، وهى قوله - تعالى - ( قَاتِلُواْ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله وَلاَ باليوم الآخر وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ الله وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الحق مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب حتى يُعْطُواْ الجزية عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ) وفيه نظر أيضاً ، لأن آية براءة فيها الأمر بقتالهم إذا أمكن ذلك ، فأما إذا كان العدو كثيفاً فإنه يجوز مهادنتهم كما دلت عليه هذه الآية الكريمة ( وَإِن جَنَحُواْ ) وكما فعل النبى - صلى الله عليه وسلم - يوم الحديبية ، فلا منافاة ولا نسخ ولا تخصيص .

.ويبدو لنا أن ما ذهب إليه ابن كثير أرجح ، لأن الآية الكريمة تقرر مبدأ عاماً فى معاملة الأعداء ، وهو أنه من الجائز مهادنتهم ومسالمتهم ما دام ذلك فى مصلحة المسلمين .ولعل هذا هو ما قصده صاحب الكشاف بقوله عند تفسير الآية - " والصحيح أن الأمر موقوف على ما يرى فيه الإِمام صلاح الإِسلام وأهله من حرب أو سلم .

وليس يحتم أن يقاتلوا أبداً .

أو يجابوا إلى الهدنة أبداً " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

واعلم أنه لما بين ما يرهب به العدو من القوة والاستظهار، بين بعده أنهم عند الإرهاب إذا جنحوا أي مالوا إلى الصلح، فالحكم قبول الصلح.

قال النضر: جنح الرجل إلى فلان، وأجنح له إذا تابعه وخضع له، والمعنى: إن مالوا إلى الصلح فمل إليه وأنث الهاء في لها، لأنه قصد بها قصد الفعلة والجنحة كقوله: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ أراد من بعد فعلتهم.

قال صاحب الكشاف: السلم تؤنث تأنيث نقيضها وهي الحرب.

قال الشاعر: السلم تأخذ منها ما رضيت به *** والحرب تكفيك من أنفاسها جرع وقرأ أبو بكر عن عاصم للسلم بكسر السين، والباقون بالفتح وهما لغتان.

قال قتادة هذه الآية منسوخة بقوله: ﴿ اقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ  ﴾ وقوله: ﴿ قاتلوا الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله  ﴾ وقال بعضهم الآية غير منسوخة لكنها تضمنت الأمر بالصلح إذا كان الصلاح فيه، فإذا رأى مصالحتهم فلا يجوز أن يهادنهم سنة كاملة، وإن كانت القوة للمشركين جاز مهادنتهم للمسلمين عشر سنين ولا يجوز الزيادة عليها اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه هادن أهل مكة عشر سنين، ثم إنهم نقضوا العهد قبل كمال المدة.

أما قوله تعالى: ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى الله ﴾ فالمعنى فوض الأمر فيما عقدته معهم إلى الله ليكون عوناً لك على السلامة، ولكي ينصرك عليهم إذا نقضوا العهد وعدلوا عن الوفاء، ولذلك قال: ﴿ إِنَّهُ هُوَ السميع العليم ﴾ تنبيهاً بذلك على الزجر عن نقض الصلح، لأنه عالم بما يضمره العباد، وسامع لما يقولون.

قال مجاهد الآية نزلت في قريظة والنضير.

وورودها فيهم لا يمنع من إجرائها على ظاهر عمومها.

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

جنح له وإليه: إذا مال.

والسلم تؤنث تأنيث نقيضها وهي الحرب قال: السِّلْمُ تَأْخُذُ مِنْهَا مَا رَضِيتَ بِه ** وَالْحَرْبُ يَكْفِيكَ مِنْ أَنْفَاسِهَا جُرَعُ وقرئ بفتح السين وكسرها.

وعن ابن عباس رضي الله عنه أن الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿ قاتلوا الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله ﴾ [التوبة: 29] وعن مجاهد بقوله: ﴿ فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ﴾ [التوبة: 5] والصحيح أن الأمر موقوف على ما يرى فيه الإمام صلاح الإسلام وأهله من حرب أو سلم، وليس بحتم أن يقاتلوا أبداً، أو يجابوا إلى الهدنة أبداً وقرأ الأشهب العقيلي: ﴿ فاجنح ﴾ بضم النون ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى الله ﴾ ولا تخف من إبطانهم المكر في جنوحهم إلى السلم، فإنّ الله كافيك وعاصمك من مكرهم وخديعتهم.

قال مجاهد، يريد قريظة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَأعِدُّوا ﴾ أيُّها المُؤْمِنُونَ ﴿ لَهُمْ ﴾ لِناقِضِي العَهْدِ أوِ الكُفّارِ.

﴿ ما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ ﴾ مِن كُلِّ ما يُتَقَوّى بِهِ في الحَرْبِ.

وَعَنْ عَقَبَةَ بْنِ عامِرٍ سَمِعْتُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَقُولُ عَلى المِنبَرِ «ألا إنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ قالَها ثَلاثًا» ولَعَلَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ خَصَّهُ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ أقْواهُ.

﴿ وَمِن رِباطِ الخَيْلِ ﴾ اسْمٌ لِلْخَيْلِ الَّتِي تُرْبَطُ في سَبِيلِ اللَّهِ، فِعالٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ أوْ مَصْدَرٌ سُمِّي بِهِ يُقالُ رَبَطَ رَبْطًا ورِباطًا ورابَطَ مُرابَطَةً ورِباطًا، أوْ جَمْعُ رَبِيطٍ كَفَصِيلٍ وفِصالٍ.

وقُرِئَ « رُبُطِ الخَيْلِ» بِضَمِّ الباءِ وسُكُونِها جَمْعُ رِباطٍ وعَطْفُها عَلى القُوَّةِ كَعَطْفِ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ عَلى المَلائِكَةِ.

﴿ تُرْهِبُونَ بِهِ ﴾ تُخَوِّفُونَ بِهِ، وعَنْ يَعْقُوبَ ﴿ تُرْهِبُونَ ﴾ بِالتَّشْدِيدِ والضَّمِيرُ لِـ ﴿ ما اسْتَطَعْتُمْ ﴾ أوْ لِلْإعْدادِ.

﴿ عَدُوَّ اللَّهِ وعَدُوَّكُمْ ﴾ يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ.

﴿ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ ﴾ مِن غَيْرِهِمْ مِنَ الكَفَرَةِ.

قِيلَ هُمُ اليَهُودُ وقِيلَ المُنافِقُونَ وقِيلَ الفُرْسُ.

﴿ لا تَعْلَمُونَهُمُ ﴾ لا تَعْرِفُونَهم بِأعْيانِهِمْ.

﴿ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ﴾ يَعْرِفُهم.

﴿ وَما تُنْفِقُوا مِن شَيْءٍ في سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إلَيْكُمْ ﴾ جَزاؤُهُ.

﴿ وَأنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ ﴾ بِتَضْيِيعِ العَمَلِ أوْ نَقْصِ الثَّوابِ.

﴿ وَإنْ جَنَحُوا ﴾ مالُوا ومِنهُ الجَناحُ.

وقَدْ يُعَدّى بِاللّامِ وإلى.

﴿ لِلسَّلْمِ ﴾ لِلصُّلْحِ أوِ الِاسْتِسْلامِ.

وقَرَأ أبُو بَكْرٍ بِالكَسْرِ.

﴿ فاجْنَحْ لَها ﴾ وعاهِدْ مَعَهم وتَأْنِيثُ الضَّمِيرِ لِحَمْلِ السَّلْمِ عَلى نَقِيضِها فِيهِ.

قالَ: السِّلْمُ تَأْخُذُ مِنها ما رَضِيَتْ بِهِ.

.

.

والحَرْبُ يَكْفِيكَ مِن أنْفاسِها جَرَعُ وَقُرِئَ « فاجْنُحْ» بِالضَّمِّ.

﴿ وَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ ﴾ ولا تَخْفَ مِن إبْطانِهِمْ خِداعًا فِيهِ، فَإنَّ اللَّهَ يَعْصِمُكَ مِن مَكْرِهِمْ ويُحِيقُهُ بِهِمْ.

﴿ إنَّهُ هو السَّمِيعُ ﴾ لِأقْوالِهِمْ.

﴿ العَلِيمُ ﴾ بِنِيّاتِهِمْ.

والآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بِأهْلِ الكِتابِ لِاتِّصالِها بِقِصَّتِهِمْ وقِيلَ عامَّةٌ نَسَخَتْها آيَةُ السَّيْفِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وإن جنحوا} مالوا جنح له وإليه مال {لِلسَّلْمِ} للصلح وبكسر السين أبو بكر وهو مؤنث تأنيث

الأنفال (٦١ _ ٦٦)

ضدها وهو الحرب {فاجنح لَهَا} فمل إليها {وَتَوَكَّلْ عَلَى الله} ولا تخف من إبطانهم المكر في جنوحهم إلى السلم فإن الله كافيك وعاصمك من مكرهم {إِنَّهُ هُوَ السميع العليم} لأقوالك {العليم} بأحوالك

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وإنْ جَنَحُوا ﴾ الجُنُوحُ المَيْلُ ومِنهُ جَناحُ الطّائِرِ لِأنَّهُ يَتَحَرَّكُ ويَمِيلُ ويُعَدّى بِاللّامِ وبِإلى أيْ وإنْ مالُوا ( ﴿ لِلسَّلْمِ ﴾ ) أيِ: الِاسْتِسْلامِ والصُّلْحِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو بَكْرٍ بِكَسْرِ السِّينِ وهو لُغَةٌ ( ﴿ فاجْنَحْ لَها ﴾ ) أيْ لِلسَّلْمِ، والتَّأْنِيثُ لِحَمْلِهِ عَلى ضِدِّهِ وهو الحَرْبُ فَإنَّهُ مُؤَنَّثٌ سَماعِيٌّ، وقالَ أبُو البَقاءِ: إنَّ السَّلْمَ مُؤَنَّثٌ ولَمْ يُذَكَّرْ حَدِيثُ الحَمْلِ وأنْشَدُوا: السَّلْمُ تَأْخُذُ مِنها ما رَضِيتَ بِهِ والحَرْبُ تَكْفِيكَ مِن أنْفاسِها جُرَعُ وقَرَأ الأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ ( فاجْنُحْ ) بِضَمِّ النُّونِ عَلى أنَّهُ مِن جَنَحَ يَجْنَحُ كَقَعَدَ يَقْعُدُ وهي لُغَةُ قَيْسٍ والفَتْحُ لُغَةُ تَمِيمٍ وهي الفُصْحى، والآيَةُ قِيلَ مَخْصُوصَةٌ بِأهْلِ الكِتابِ فَإنَّها كَما قالَ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ: نَزَلَتْ في بَنِي قُرَيْظَةَ وهي مُتَّصِلَةٌ بِقِصَّتِهِمْ بِناءً عَلى أنَّهُمُ المَعْنِيُّونَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ( ﴿ الَّذِينَ عاهَدْتَ ﴾ ) إلَخْ، والضَّمِيرُ في ﴿ وأعِدُّوا لَهُمْ ﴾ لَهم، وقِيلَ: هي عامَّةٌ لِلْكَفّارِ لَكِنَّها مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ لِأنَّ مُشْرِكِي العَرَبِ لَيْسَ لَهم إلّا الإسْلامُ أوِ السَّيْفُ بِخِلافِ غَيْرِهِمْ فَإنَّهُ تُقْبَلُ مِنهُمُ الجِزْيَةُ، ورُوِيَ القَوْلُ بِالنَّسْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، وصَحَّحَ أنَّ الأمْرَ فِيمَن تُقْبَلُ مِنهُمُ الجِزْيَةُ عَلى ما يَرى فِيهِ الإمامُ صَلاحَ الإسْلامِ وأهْلِهِ مِن حَرْبٍ أوْ سِلْمٍ ولَيْسَ بِحَتْمٍ أنْ يُقاتِلُوا أبَدًا أوْ يُجابُوا إلى الهُدْنَةِ أبَدًا، وادَّعى بَعْضُهم أنَّهُ لا يَجُوزُ لِلْإمامِ أنْ يُهادِنَ أكْثَرَ مِن عَشْرِ سِنِينَ اقْتِداءً بِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَإنَّهُ صالَحَ أهْلَ مَكَّةَ هَذِهِ المُدَّةَ ثُمَّ إنَّهم نَقَضُوا قَبْلَ انْقِضائِها كَما مَرَّ فَتَذَكَّرْ، ( ﴿ وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ ﴾ ) أيْ فَوِّضْ أمْرَكَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ ولا تَخَفْ أنْ يُظْهِرُوا لَكَ السَّلْمَ وجَوانِحُهم مَطْوِيَّةٌ عَلى المَكْرِ والكَيْدِ ( إنَّهُ ) جَلَّ شَأْنُهُ ( ﴿ هُوَ السَّمِيعُ ﴾ ) فَيَسْمَعُ ما يَقُولُونَ في خَلَواتِهِمْ مِن مَقالاتِ الخِداعَ ( ﴿ العَلِيمُ ﴾ ) فَيَعْلَمُ نِيّاتِهِمْ فَيُؤاخِذُهم بِما يَسْتَحِقُّونَهُ ويَرُدُّ كَيْدَهم في نَحْرِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ، يعني: السلاح.

وروى عقبة بن عامر أن النبي  قرأ على المنبر: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ قال: «أَلاَ إنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ» ثلاثاً.

وفي خبر آخر زيادة: «لَهْوَ المُؤْمِنِ فِي الخَلاءِ وَقُوَّتُهُ عِنْدَ القِتَالِ» .

وروي عن عكرمة قال أي ثلاثا: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ قال: الحصون.

وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ، قال: الإناث من الخيل.

ثم قال: تُرْهِبُونَ بِهِ، يعني: تخوفون بالسلاح عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ، يعني: كفار العرب، وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ، يعني: بني قريظة.

لاَ تَعْلَمُونَهُمُ، يعني: لا تعرفونهم.

اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ، يعني: يعرفهم ويعرفكم، فأعدوا لهم أيضا.

وقال مقاتل: وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ أي: من دون كفار العرب، يعني: اليهود.

وقال السدي: وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ أهل فارس.

ثم قال: وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، يعني: السلاح والخيل.

يُوَفَّ إِلَيْكُمْ ثوابه.

وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ، أي: لا تنقصون من ثواب أعمالكم.

ويقال: إن الجن لا يدخل في بيت فيه قوس وسهام.

قوله تعالى: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ، يقول: إن أرادوا الصلح ومالوا إليه، فَاجْنَحْ لَها يعني: مل إليها وأرده يعني: صالحهم.

قرأ عاصم في رواية أبي بكر وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ بالكسر، وقرأ الباقون بالنصب.

وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ، يعني: ثق بالله وإن نقضوا العهد والصلح، فإني أنصرك ولا أخذلك.

إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، يعني السَّمِيعُ بمقالتهم، الْعَلِيمُ بنقض العهد.

قال الفقيه: إنما يجوز الصلح إذا لم يكن للمسلمين قوة القتال، فأما إذا كان للمسلمين قوة فلا ينبغي أن يصالحوهم، وينبغي أن يقاتلوهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية إن لم يكونوا من العرب.

وإنّما لم توضع الجزية على العرب وتوضع على غير العرب، حتى لا تبقى بقية الكفر في أنساب النبيّ  ، لأن العرب كلهم من نسبه، ولا توضع حتى يسلموا أو يقتلوا.

وإنما أمر الله تعالى نبيه بالصلح، حين كانت الغلبة للمشركين، وكانت بالمسلمين قلة.

ثم قال الله تعالى: وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ بالصلح، يعني: يهود بني قريظة أرادوا أن يصالحوك لتكف عنهم، حتى إذا جاء مشركو العرب أعانوهم عليك.

قال الله تعالى: فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ، يعني: إن أرادوا إن يخدعوك، حسبك الله بالنصرة لك.

هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ، وأعانك وقواك بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ، يعني: الأنصار وهم قبيلتان: الأوس والخزرج.

قوله تعالى: وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ، يعني: ليّن قلوبهم من العداوة التي كانت بين الأوس والخزرج في الجاهلية.

لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مآ أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ، يعني: ما قدرت أن تؤلف بينهم، وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ بالإسلام.

إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ حكم بالألفة بين الأنصار بعد العداوة، وحكم بالنصر على أعدائه.

وروى أبو إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود قال: «نزلت هذه الآية في المتحابين في الله» لَوْ أَنْفَقْتَ مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مآ أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ وقال عبد الله: «المؤمن متألف يألف ويؤلف، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ، فيه أقوال: قيل: هم المنافِقُونَ، وقيل: فَارس، وقيل: غير هذا.

قال ع «١» : ويحسُنُ أن يقدَّر قوله: لاَ تَعْلَمُونَهُمُ، بمعنى: لا تَعْلَمُونهم فَازِعِينَ رَاهِبينَ.

وقال ص: لا تعلمُونَهُمْ بمعنى: لا تَعْرِفُونهم، فيتعدَّى لواحدٍ، ومَنْ عدَّاه إِلى اثنين، قدَّره: محاربين، واستُبْعِدَ لعدم تقدُّم ذكره، فهو ممنوعٌ عند بعضهم، وعزيز جدّا عند بعضهم انتهى.

وقوله سبحانه: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها جَنَحَ الرَّجُلُ إِلى الأمْرِ إِذا مال إِليه، وعاد الضميرُ في «لها» مؤنَّثاً إِذ «السَّلْم» بمعنى المسالمة والهُدْنَة، وذهب جماعةٌ من المفسِّرين إِلى أَن هذه الآية منسوخةٌ، والضمير في «جَنَحُوا» هو للذين نُبِذَ إِليهم على سواءٍ.

وقوله سبحانه: وَإِنْ يُرِيدُوا/ أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ ...

الآية: الضمير في قوله: «وإِن يريدوا» عائدٌ على الكفَّار الذين قال فيهم: وَإِنْ جَنَحُوا، أي: وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ، بأنْ يُظْهِروا السَّلْم، ويُبْطِنُوا الغَدْر والخيانة، فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ، أي:

كافيك ومعطيك نصره، وأَيَّدَكَ: معناه: قوَّاك وَبِالْمُؤْمِنِينَ، يريد الأنصارَ، بذلك تظاهَرَتْ أقوالُ المفسَّرين.

وقوله: وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ...

الآية: إشارة إلى العداوة التي كانَتْ بين الأوْسِ والخَزْرَجِ.

قال ع «٢» : ولو ذَهَبَ ذاهبٌ إِلى عمومِ المؤمنين في المهاجرين والأنصارِ، وجعل التأليف ما كَانَ بيْنَ جميعهم من التحابِّ، لساغ ذلك، وقال ابنُ مَسْعُود: نزلَتْ هذه الآية في المتحابِّين في الله «٣» .

وقال مجاهد: إِذا تَرَاءَى المتحابَّانِ في اللَّه، وتصَافَحَا، تَحَاتَّتْ خطاياهما، فقال له عَبْدَةُ بنُ أبي لُبَابَةَ «١» : إِن هذا لَيَسِيرٌ، فقال له: لا تَقُلْ ذلك، فإِن اللَّه تعالَى يَقُولُ: لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ، قال عَبْدَةُ: فعرفْتُ أنه أفْقَهُ مني «٢» .

قال ع «٣» : وهذا كلُّه تمثيلٌ حَسَنٌ بالآية، لا أنَّ الآية نزلَتْ في ذلك، وقد رَوَى سهْلُ بن سعد، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قَالَ: «المؤمن مَألَفَةٌ لاَ خَيْرَ فِيمَنْ لاَ يَأْلَفُ وَلاَ يُؤلَفُ» «٤» .

قال ع «٥» : والتشابه سَبَبُ الأُلْفَة، فمَنْ كان من أهْل الخَيْر، أَلِفَ أشباهَهُ وأَلِفُوهُ.

ت: وفي «صحيح البخاريِّ» : «الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فما تَعَارَفَ مِنْهَا ائتلف، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اختلف» «٦» .

انتهى، وروى مالكٌ في «الموطإ» ، عن أبي هريرة قال: قَالَ

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالَ "لَها" ولَمْ يَقُلْ: "إلَيْها"؟

فالجَوابُ: أنَّ "اللّامَ" و"إلى" تَنُوبُ كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما عَنِ الأُخْرى.

وفِيمَن أُرِيدَ بِهَذِهِ الآَيَةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: المُشْرِكُونَ، وأنَّها نُسِخَتْ بِآَيَةِ السَّيْفِ.

والثّانِي: أهْلُ الكِتابِ.

فَإنْ قِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في تَرْكِ حَرْبِهِمْ إذْ بَذَلُوا الجِزْيَةَ وقامُوا بِشَرْطِ الذِّمَّةِ، فَهي مَحْكَمَةٌ.

وَإنْ قِيلَ: نَزَلَتْ في مُوادَعَتِهِمْ عَلى غَيْرِ جِزْيَةٍ، تَوَجَّهَ النَّسْخُ لَها بِآَيَةِ الجِزْيَةِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَأعِدُّوا لَهم ما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ ومِن رِباطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وعَدُوَّكم وآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللهِ يَعْلَمُهم وما تُنْفِقُوا مِن شَيْءٍ في سَبِيلِ اللهِ يُوَفَّ إلَيْكم وأنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ ﴾ ﴿ وَإنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فاجْنَحْ لَها وتَوَكَّلْ عَلى اللهِ إنَّهُ هو السَمِيعُ العَلِيمُ ﴾ المُخاطَبَةُ في هَذِهِ الآيَةِ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "لَهُمْ" عائِدٌ عَلى الَّذِينَ يُنْبَذُ إلَيْهِمُ العَهْدُ، أو عَلى الَّذِينَ لا يُعْجِزُونَ عَلى تَأْوِيلِ مَن تَأوَّلَ ذَلِكَ في الدُنْيا، ويُحْتَمَلُ أنْ يُعِيدَهُ عَلى جَمِيعِ الكُفّارِ المَأْمُورِ بِحَرْبِهِمْ في ذَلِكَ الوَقْتِ ثُمَّ اسْتَمَرَّتِ الآيَةُ في الأُمَّةِ عامَّةً، إذِ الأمْرُ قَدْ تَوَجَّهَ بِحَرْبِ جَمِيعِ الكُفّارِ.

وقالَ عِكْرِمَةُ مَوْلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: القُوَّةُ: ذُكُورُ الخَيْلِ، والرِباطُ: الإناثُ، وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: القُوَّةُ: الرَمْيُ، واحْتَجَّتْ بِحَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ أنَّ رَسُولَ اللهِ  قالَ: « "ألا إنَّ القُوَّةَ الرَمْيُ، ألا إنَّ القُوَّةَ الرَمْيُ، ألا إنَّ القُوَّةَ الرَمْيُ"»، وقالَ السُدِّيُّ: القُوَّةُ: السِلاحُ، وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى عُمُومِ اللَفْظَةِ، وذَكَرَ عن مُجاهِدٍ أنَّهُ رُئِيَ يَتَجَهَّزُ وعِنْدَهُ جَوالِقُ فَقالَ: هَذا مِنَ القُوَّةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا هو الصَوابُ، والخَيْلُ والمَرْكُوبُ في الجُمْلَةِ والمَحْمُولُ عَلَيْهِ مِنَ الحَيَوانِ والسِلاحِ كُلِّهِ والمَلابِسُ الباهِيَةُ والآلاتُ والنَفَقاتُ كُلُّها داخِلَةٌ في القُوَّةِ، وأُمِرَ المُسْلِمُونَ بِإعْدادِ ما اسْتَطاعُوا مِن ذَلِكَ، ولَمّا كانَتِ الخَيْلُ هي أصْلَ الحُرُوبِ وأوزارَها والَّتِي عُقِدَ الخَيْرُ في نَواصِيها، وهي أقْوى القُوى وحُصُونُ الفُرْسانِ خَصَّها اللهُ بِالذِكْرِ تَشْرِيفًا، عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ: ﴿ مَن كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ  ﴾ ، وعَلى نَحْوِ قَوْلِهِ: ﴿ فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ  ﴾ ، وهَذا كَثِيرٌ، ونَحْوُهُ قَوْلُ رَسُولِ اللهِ  : "جُعِلَتْ لِيَ الأرْضُ مَسْجِدًا وطَهُورًا، هَذا في البُخارِيِّ وغَيْرِهِ، وقالَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ: « "جُعِلَتْ لِيَ الأرْضُ مَسْجِدًا وتُرابُها طَهُورًا"»، فَذَكَرَ التُرابَ عَلى جِهَةِ التَحَفِّي بِهِ، إذْ هو أعْظَمُ أجْزاءِ الأرْضِ مَعَ دُخُولِهِ في عُمُومِ الحَدِيثِ الآخَرِ، ولَمّا كانَتِ السِهامُ مِن أنْجَعِ ما يُتَعاطى في الحَرْبِ وأنْكاهُ في العَدُوِّ وأقْرَبِهِ تَناوُلًا لِلْأرْواحِ خَصَّها رَسُولُ اللهِ  بِالذِكْرِ والتَنْبِيهِ عَلَيْها، وقَدْ رُوِيَ عنهُ  أنَّهُ قالَ: « "إنَّ اللهَ تَعالى يُدْخِلُ بِالسَهْمِ الواحِدِ الثَلاثَةَ مِنَ المُسْلِمِينَ الجَنَّةَ، صانِعَهُ والَّذِي يَحْتَسِبُ في صَنْعَتِهِ والَّذِي يَرْمِي بِهِ"»، وقالَ عَمْرُو بْنُ عنبَسَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ  يَقُولُ: « "مَن رَمى بِسَهْمٍ في سَبِيلِ اللهِ أصابَ العَدُوَّ أو أخْطَأ فَهو كَعِتْقِ رَقَبَةٍ"»، وقالَ رَسُولُ اللهِ  : « "ارْمُوا وارْكَبُوا، وأنْ تَرْمُوا أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ تَرْكَبُوا"».

ورِباطُ الخَيْلِ جَمْعُ رَبْطٍ كَكَلْبٍ وكِلابٍ، ولا يَكْثُرُ رَبْطُها إلّا وهي كَثِيرَةٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الرِباطُ مَصْدَرًا مِن رَبَطَ، كَصاحَ صِياحًا ونَحْوِهِ، لِأنَّ مَصادِرَ الثُلاثِيِّ غَيْرِ المَزِيدِ لا تَنْقاسُ، وإنْ جَعَلْناهُ مُصْدَرًا مِن رابَطَ فَكَأنَّ ارْتِباطَ الخَيْلِ واتِّخاذَها يَفْعَلُهُ كُلُّ واحِدٍ لِفِعْلِ آخَرَ لَهُ فَتَرابَطَ المُؤْمِنُونَ بَعْضُهم بَعْضًا.

فَإذا رَبَطَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم فَرَسًا لِأجْلِ صاحِبِهِ فَقَدْ حَصَلَ بَيْنَهم رِباطٌ، وذَلِكَ الَّذِي حَضَّ في الآيَةِ عَلَيْهِ، وقَدْ قالَ  : « "مَنِ ارْتَبَطَ فَرَسًا في سَبِيلِ اللهِ فَهو كالباسِطِ يَدَهُ بِالصَدَقَةِ لا يَقْبِضُها"»، والأحادِيثُ في هَذا المَعْنى كَثِيرَةٌ.

وقَرَأ الحَسَنُ، وعَمْرُو بْنُ دِينارٍ، وأبُو حَيَوَةَ: "وَمِن رُبُطِ" بِضَمِّ الراءِ والباءِ، وهو جَمْعُ رِباطٍ كَكِتِابٍ وكُتُبٍ، كَذا نَصَّهُ المُفَسِّرُونَ، وفي جَمْعِهِ وهو مَصْدَرٌ غَيْرُ مُخْتَلِفٍ نَظَرٌ.

و ﴿ تُرْهِبُونَ ﴾ مَعْناهُ: تُفْزِعُونَ وتُخَوِّفُونَ، والرَهْبَةُ: الخَوْفُ، قالَ طُفَيْلٌ الغَنَوِيُّ: ويْلُ أمِّ حَيٍّ دَفَعْتُمْ في نُحُورِهِمْ ∗∗∗ بَنِي كِلابٍ غَداةَ الرُعْبِ والرَهْبِ ومِنهُ راهِبُ النَصارى، يُقالُ: رَهِبَ إذا خافَ، فَـ "تُرْهِبُونَ" مُعَدًّى بِالهَمْزَةِ.

وقَرَأ الحَسَنُ، ويَعْقُوبُ: "تُرَهِّبُونَ" بِفَتْحِ الراءِ وشَدِّ الهاءِ مَعْدًّى بِالتَضْعِيفِ، ورُوِيَتْ عن أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: وزَعَمَ عَمْرٌو أنَّ الحَسَنَ قَرَأ: "يُرْهِبُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ وخَفَّفَها، فَهو عَلى هَذا تَعَدّى بِالتَضْعِيفِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ: "تُخْزُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ذَكَرَها الطَبَرِيُّ تَفْسِيرًا لا قِراءَةً، وأثْبَتَها أبُو عَمْرٍو الدانِي قِراءَةً.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَدُوَّ اللهِ وعَدُوَّكُمْ ﴾ ذَكَرَ الصِفَتَيْنِ وإنْ كانَتْ مُتَقارِبَةً إذْ هي مُتَغايِرَةُ المَعْنى، وبِذِكْرِهِما يَتَقَوّى الذَمُّ وتَتَّضِحُ وُجُوهِ بُغْضِنا لَهُمْ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيُّ: "عَدُوًّا لِلَّهِ" بِتَنْوِينِ "عَدُوٍّ" وبِلامٍ في المَكْتُوبَةِ، والمُرادُ بِهاتَيْنِ الصِفَتَيْنِ مَن قَرُبَ وصاقَبَ مِنَ الكُفّارِ وكانَتْ عَداوَتُهُ مُتَحَرِّكَةً بَعْدُ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِها جَمِيعُ الكُفّارِ، ويُبَيَّنَ هَذا مِنِ اخْتِلافِهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ ﴾ الآيَةُ، قالَ مُجاهِدٌ: الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَآخَرِينَ ﴾ إلى قُرَيْظَةَ، وقالَ السُدِّيُّ: إلى أهْلِ فارِسَ، وَقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الإشارَةُ إلى المُنافِقِينَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الإشارَةُ إلى الجِنِّ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هم كُلُّ عَدُوٍّ لِلْمُسْلِمِينَ غَيْرَ الفِرْقَةِ الَّتِي أمَرَ النَبِيُّ  أنْ يُشَرِّدَ بِهِمْ مَن خَلْفَهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا الخِلافُ إنَّما يَنْبَغِي أنْ يَتَرَتَّبَ عَلى ما يَتَوَجَّهُ مِنَ المَعْنى في قَوْلِهِ: ﴿ لا تَعْلَمُونَهُمُ ﴾ ، فَإذا حَمَلْنا قَوْلَهُ: ﴿ لا تَعْلَمُونَهُمُ ﴾ عَلى عُمُومِهِ، ونَفَيْنا عِلْمَ المُؤْمِنِينَ بِهَذِهِ الفِرْقَةِ المُشارِ إلَيْها جُمْلَةً واحِدَةً، وكانَ العِلْمُ بِمَعْنى المَعْرِفَةِ لا يَتَعَدّى إلّا إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ لَمْ يَثْبُتْ مِنَ الخِلافِ في قَوْلِهِ: "وَآخَرِينَ" إلّا قَوْلُ مَن قالَ: "الإشارَةُ إلى المُنافِقِينَ"، وقَوْلُ مَن قالَ: "الإشارَةُ إلى الجِنِّ"، وإذا جَعَلْنا قَوْلَهُ: ﴿ لا تَعْلَمُونَهُمُ ﴾ مَجازًا بَيِّنًا أو نَحْوَ هَذا مِمّا تُفِيدُ بِهِ نَفْيَ العِلْمِ عنهم حَسُنَتِ الأقْوالُ، وكانَ العِلْمُ مُتَعَدِّيًا إلى مَفْعُولَيْنِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: هَذا الوَجْهُ أشْبَهُ عِنْدِي، ورَجَّحَ الطَبَرِيُّ أنَّ الإشارَةَ إلى الجِنِّ، وأسْنَدَ في ذَلِكَ ما رُوِيَ مِن أنَّ صَهِيلَ الخَيْلِ يُنَفِّرُ الجِنَّ، وأنَّ الشَيْطانَ لا يَدْخُلُ دارًا فِيها فَرَسٌ لِلْجِهادِ، ونَحْوُ هَذا، وفِيهِ -عَلى احْتِمالِهِ- نَظَرٌ، وكانَ الأهَمَّ في هَذِهِ الآياتِ أنْ يَبْرُزَ مَعْناها في كُلِّ ما يُقَوِّي المُسْلِمِينَ عَلى عَدُوِّهِمْ مِنَ الإنْسِ وهُمُ المُحارِبُونَ والَّذِينَ يُدافِعُونَ عَلى الكُفْرِ، ورَهْبَتُهم مِنَ المُسْلِمِينَ هي النافِعَةُ لِلْإسْلامِ وأهْلِهِ، ورَهْبَةُ الجِنِّ فَزَعُهم لا غِناءَ لَهُ في ظُهُورِ الإسْلامِ، وهو أجْنَبِيٌّ جِدًّا، والأولى أنْ يُتَأوَّلَ أنَّ المُسْلِمِينَ إذا ظَهَرُوا وعَزُّوا هابَهم مَن جاوَرَهم مِنَ العَدُوِّ المُحارِبِ لَهُمْ، فَإذا اتَّصَلَتْ حالُهم تِلْكَ بِمَن بَعُدَ مِنَ الكُفّارِ داخَلَتْهُ الهَيْبَةُ وإنْ لَمْ يَقْصِدِ المُسْلِمُونَ إرْهابَهُمْ، فَأُولَئِكَ هُمُ الآخَرُونَ.

ويَحْسُنُ أنْ يُقَدَّرَ قَوْلُهُ: ﴿ لا تَعْلَمُونَهُمُ ﴾ بِمَعْنى: "لا تَعْلَمُونَهم فازِعِينَ راهِبَيْنِ ولا تَظُنُّونَ ذَلِكَ بِهِمْ، واللهُ تَعالى يَعْلَمُهم بِتِلْكَ الحالَةِ"، ويَحْسُنُ أيْضًا أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى المُنافِقِينَ عَلى جِهَةِ الطَعْنِ عَلَيْهِمْ، والتَنْبِيهِ عَلى سُوءِ حالِهِمْ، ولِيَسْتَرِيبَ بِنَفْسِهِ كُلُّ مَن يَعْلَمُ مِنها نِفاقًا إذا سَمِعَ الآيَةَ، ولِفَزَعِهِمْ ورَهْبَتِهِمْ غِناءٌ كَثِيرٌ في ظُهُورِ الإسْلامِ وعُلُوِّهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ مِن دُونِهِمْ ﴾ بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: دُونَ أنْ يَكُونَ هَؤُلاءِ، فَـ "دُونَ" في كَلامِ العَرَبِ و"مِن دُونِ" يَقْتَضِي عَدَمَ المَذْكُورِ بَعْدَها مِنَ النازِلَةِ الَّتِي هي فِيها القَوْلُ، ومِنهُ المَثَلُ: "وَأُمِرَّ دُونَ عُبَيْدَةَ الوَذَمُ".

تَفَضَّلَ تَبارَكَ تَعالى بِعِدَةِ المُؤْمِنِينَ عَلى إنْفاقِهِمْ في سَبِيلِ اللهِ بِأنَّ النَفَقَةَ لا بُدَّ أنْ تُوَفّى، أيْ أنْ تُجازى ويُثابَ عَلَيْها، ولُزُومُ هَذا هو في الآخِرَةِ، وقَدْ يُمْكِنُ أنْ يُجازِيَ اللهُ تَعالى بَعْضَ المُؤْمِنِينَ في الدُنْيا مُجازاةً مُضاعَفَةً إلى مُجازاةِ الآخِرَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فاجْنَحْ لَها ﴾ الآيَةُ، الضَمِيرُ في "جَنَحُوا" هو لِلَّذِينِ نُبِذَ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ، وجَنَحَ الرَجُلُ إلى الأمْرِ إذا مالَ إلَيْهِ وأعْطى يَدَهُ فِيهِ، ومِنهُ قِيلَ لِلْأضْلاعِ: جَوانِحُ لِأنَّها مالَتْ عَلى الحَشْوَةِ، ولِلْخِباءِ: جَناحٌ، وجَنَحَتِ الإبِلُ: إذا مالَتْ أعْناقُها في السَيْرِ، وقالَ ذُو الرُمَّةِ: إذا ماتَ فَوْقَ الرَحْلِ أحْيَيْتُ رُوحَهُ ∗∗∗ بِذِكْراكِ والعِيسُ المَراسِيلُ جُنَّحُ وجَنَحَ اللَيْلُ إذا أقْبَلَ وأمالَ أطْنابَهُ عَلى الأرْضِ.

ومِنهُ قَوْلُ النابِغَةِ:.

جَوانِحُ قَدْ أيْقَنَّ أنَّ قَبِيلَهُ ∗∗∗ ∗∗∗ إذا ما التَقى الجَمْعانِ أوَّلُ غالِبِ أيْ مَوائِلُ.

وقالَ لَبِيدٌ: جُنُوحُ الهالِكِيِّ عَلى يَدَيْهِ ∗∗∗ ∗∗∗ مُكِبًّا يَجْتَلِي نُقَبَ النِصالِ وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "لِلسَّلْمِ" بِفَتْحِ السِينِ وشَدِّها، وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ بَكْرٍ: "لِلسِّلْمِ" بِكَسْرِها وشَدِّها، وهُما لُغَتانِ في المُسالَمَةِ.

ويُقالُ أيْضًا: "السَلَمُ" بِفَتْحِ السِينِ واللامِ، ولا أحْفَظُها قِراءَةً.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "فاجْنَحْ" بِفَتْحِ النُونِ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، وقَرَأ الأشْهَبُ العَقِيلِيُّ: "فاجْنُحْ" بِضَمِّ النُونِ، وهي لُغَةُ قَيْسٍ، قالَ أبُو الفَتْحِ: وهَذِهِ القِراءَةُ هي القِياسُ، لِأنَّ فَعَلَ إذا كانَ غَيْرَ مُتَعَدٍّ فَمُسْتَقْبَلُهُ.

يَفْعُلُ بِضَمِّ العَيْنِ أقِيسُ، قَعَدَ يَقْعُدُ أقِيسُ مَن جَلَسَ يَجْلِسُ، وعادَ الضَمِيرُ في "لَها" مُؤَنَّثًا إذِ السَلْمُ بِمَعْنى المُسالَمَةِ والهُدْنَةُ، وقِيلَ: السَلْمُ مُؤَنَّثَةٌ كالحَرْبِ، ذَكَرَهُ النَحّاسُ، وقالَ أبُو حاتِمٍ: يُذَكَّرُ السَلْمُ.

وقالَ قَتادَةُ، والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآياتِ القِتالِ في "بَراءَةٍ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدْ يُحْتَمَلُ ألّا يَتَرَتَّبَ نَسْخُها بِها بِأنْ يُعْنى بِهَذِهِ مَن تَجُوزُ مُصالَحَتُهُ، وتَبْقى تِلْكَ في "بَراءَةٍ" في عَبَدَةِ الأوثانِ، وإلى هَذا ذَهَبَ الطَبَرِيُّ، وقَوْلُ الجَماعَةِ صَحِيحٌ أيْضًا إذا كانَ الجُنُوحُ إلى سِلْمِ العَرَبِ مُسْتَقِرًّا في صَدْرِ الإسْلامِ فَنَسَخَتْ ذَلِكَ آيَةُ "بَراءَةٍ" وَنُبِذَتْ إلَيْهِمْ عُهُودُهُمْ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلا تَهِنُوا وتَدْعُوا إلى السَلْمِ وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ  ﴾ الآيَةُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ بَعِيدٌ مِن أنْ يَقُولَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، لِأنَّ الآيَتَيْنِ مَدَنِيَّتانِ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلى اللهِ ﴾ أمْرٌ في ضِمْنِهِ وعِيدٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

قال من بيان أحوال معاملة العدوّ في الحرب: من وفائهم بالعهد، وخيانتهم، وكيف يحلّ المسلمون العهد معهم إن خافوا خيانتهم، ومعاملتهم إذا ظفروا بالخائنين، والأمر بالاستعداد لهم؛ إلى بيان أحكام السلم إن طلبوا السلم والمهادنة، وكفّوا عن حالة الحرب.

فأمر الله المسلمين بأن لا يأنفوا من السلم وأن يوافقوا من سأله منهم.

والجنوح: المَيْل، وهو مشتقّ من جناح الطائِر: لأنّ الطائِر إذا أراد النزول مال بأحد جناحيه، وهو جناح جانبه الذي ينزل منه، قال النابغة يصف الطير تتبع الجيش: قد أيقنَّ أنّ قبيلَه *** إذا ما التقى الجمعان أوَّلُ غالب فمعنى ﴿ وإن جنحوا للسلم ﴾ إن مالوا إلى السلم ميل القاصد إليه، كما يميل الطائِر الجانح.

وإنّما لم يقل: وإن طلبوا السلم فأجبهم إليهم، للتنبيه على أنّه لا يسعفهم إلى السلم حتى يعلم أن حالهم حال الراغب، لأنّهم قد يظهرون الميل إلى السلم كيداً، فهذا مقابل قوله: ﴿ وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء ﴾ [الأنفال: 58] فإن نبذ العهد نبذ لحال السلم.

واللام في قوله: ﴿ للسلم ﴾ واقعة موقع (إلى) لتقوية التنبيه على أنّ ميلهم إلى السلم ميل حق، أي: وإن مالوا لأجل السلم ورغبة فيه لا لغرض آخر غيره، لأنّ حقّ ﴿ جَنح ﴾ أن يعدّى ب (إلى) لأنّه بمعنى مال الذي يعدّى بإلى فلا تكون تعديته باللام إلاّ لغرض، وفي «الكشّاف»: أنّه يقال جنح له وإليه.

والسلم بفتح السين وكسرها ضدّ الحرب.

وقرأه الجمهور بالفتح، وقرأه حمزة، وأبو بكر عن عاصم، وخلَف بكسر السين وحقّ لفظه التذكير، ولكنّه يؤنّث حملاً على ضدّه الحرب وقد ورد مؤنّثاً في كلامهم كثيراً.

والأمر بالتوكّل على الله، بعد الأمر بالجنوح إلى السلم، ليكون النبي صلى الله عليه وسلم معتمداً في جميع شأنه على الله تعالى، ومفوّضاً إليه تسيير أموره، لتكون مدّة السلم مدّة تقوّ واستعداد، وليكفيه الله شرّ عدوّه إذا نقضوا العهد، ولذلك عُقب الأمر بالتوكّل بتذكيره بأنّ الله السميع العليم، أي السميع لكلامهم في العهد، العليمُ بضمائرهم، فهو يعاملهم على ما يعلم منهم.

وقوله: ﴿ فاجنح لها ﴾ جيء بفعل ﴿ اجنح ﴾ لمشاكلة قوله ﴿ جنحوا...

﴾ .

وطريق القصر في قوله: ﴿ هو السميع العليم ﴾ أفاد قصر معنى الكمال في السمع والعلم، أي: فهو سميع منهم ما لا تسمع ويعلم ما لا تعلم.

وقصر هذين الوصفين بهذا المعنى على الله تعالى عقب الأمر بالتوكل عليه يفضي إلى الأمر بقصر التوكّل عليه لا على غيره.

وفي الجمع بين الأمر بقصر التوكل عليه وبين الأمر بإعداد ما استطاع من القوة للعدوّ: دليل بَيِّن على أنّ التوكّل أمر غير تعاطي أسباب الأشياء، فتعاطي الأسباب فيما هي من مقدور الناس، والتوكّل فيما يخرج عن ذلك.

واعلم أنّ ضمير جمع الغائبين في قوله: ﴿ وإن جنحوا للسلم ﴾ وقع في هذه الآية عقب ذكر طوائف في الآيات قبلَها، منهم مشركون في قوله تعالى: ﴿ وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم ﴾ [الأنفال: 48]، ومنهم من قيل: إنّهم من أهل الكتاب، ومنهم من تردّدت فيهم أقوال المفسّرين: قيل: هم من أهل الكتاب، وقيل: هم من المشركين، وذلك قوله: ﴿ إن شر الدوآب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون الذين عاهدت منهم ﴾ [الأنفال: 55، 56] الآية.

قيل: هم قريظة والنضير وبنو قينقاع، وقيل: هم من المشركين، فاحتمل أن يكون ضمير ﴿ جنحوا ﴾ عائداً إلى المشركين.

أو عائداً إلى أهل الكتاب، أو عائداً إلى الفريقين كليهما.

فقيل: عاد ضمير الغيبة في قوله: ﴿ وإن جنحوا للسلم ﴾ إلى المشركين، قاله قتادة، وعكرمة، والحسن، وجابر بن زيد، ورواه عطاء عن ابن عبّاس، وقيل: عاد إلى أهل الكتاب، قاله مجاهد.

فالذين قالوا: إنّ الضمير عائِد إلى المشركين، قالوا: كان هذا في أوّل الأمر حين قلّة المسلمين، ثم نسخ بآية سورة براءة (5) ﴿ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ﴾ الآية.

ومن قالوا الضمير عائد إلى أهل الكتاب قالوا هذا حكم باق، والجنوح إلى السلم إمّا بإعطاء الجزية أو بالموادعة.

والوجه أن يعود الضمير إلى صنفي الكفار: من مشركين وأهل الكتاب، إذ وقع قبله ذكر الذين كفروا في قوله: ﴿ إن شر الدواب عند الله الذين كفروا ﴾ [الأنفال: 55] فالمشركون من العرب لا يقبل منهم إلاّ الإسلام بعد نزول آية براءة، فهي مخصّصة العمومَ الذي في ضمير ﴿ جنحوا ﴾ أو مبيّنة إجمالَه، وليست من النسخ في شيء.

قال أبو بكر بن العربي: «أما من قال إنها منسوخة بقوله: ﴿ فاقتلوا المشركين ﴾ [التوبة: 5] فدعوى، فإنّ شروط النسخ معدومة فيها كما بيّنّاه في موضعه».

وهؤلاء قد انقضى أمرهم.

وأمّا المشركون من غيرهم، والمجوس، وأهل الكتاب، فيجري أمر المهادنة معهم على حسب حال قوّة المسلمين ومصالحهم وأنّ الجمع بين الآيتين أوْلى: فإن دَعَوا إلى السلم قبل منهم، إذا كان فيه مصلحة للمسلمين.

قال ابن العربي: فإذا كان المسلمون في قوّة ومنعة وعدّة: فلاَ صلح حتى تُطعَن الخيل بالقنا *** وتضربَ بالبيض الرقاققِ الجماجمُ وإن كان للمسلمين مصلحة في الصلح لانتفاع يجلب به أو ضرّ يندفع بسببه فلا بأس أن يبتدئ المسلمون به إذا احتاجوا إليه، وأن يجيبوا إذا دُعوا إليه.

قد صالح النبي صلى الله عليه وسلم أهلَ خيبر، ووادع الضمري، وصالح أكيد رَدُومة، وأهلَ نجران، وهادن قريشاً لعشرة أعوام حتى نَقضوا عهده».

أمّا ما همّ به النبي صلى الله عليه وسلم من مصالحة عُيَينة بن حصن، ومن معه، على أن يعطيهم نصف ثِمار المدينة فذلك قدْ عدَل عنه النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن قال سعد بن عبادة، وسعد بن مُعاذ، في جماعةِ الأنصار: لا نعطيهم إلاّ السيف.

فهذا الأمر بقبول المهادنة من المشركين اقتضاه حال المسلمين وحاجتهم إلى استجمام أمورهم وتجديد قوتهم، ثم نسخ ذلك، بالأمر بقتالهم المشركين حتى يؤمنوا، في آيات السيف.

قال قتادة وعِكرمة: نَسختْ براءة كلّ مواعدة وبقي حكم التخيير بالنسبة لمن عدا مشركي العرب على حسب مصلحة المسلمين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فاجْنَحْ لَها ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: وإنْ مالُوا إلى المُوادَعَةِ فَمِلْ إلَيْها.

والثّانِي: وإنْ تَوَقَّفُوا عَنِ الحَرْبِ مُسالَمَةً لَكَ فَتَوَقَّفْ عَنْهم مُسالَمَةً لَهم.

والثّالِثُ: وإنْ أظْهَرُوا الإسْلامَ فاقْبَلْ مِنهم ظاهِرَ إسْلامِهِمْ وإنْ تَخَلَّفَ باطِنُ اعْتِقادِهِمْ.

وَفِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها عامَّةٌ في مُوادَعَةِ كُلِّ مَن سَألَها مِنَ المُشْرِكِينَ ثُمَّ نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ  ﴾ قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ.

والثّانِي: أنَّها في أهْلِ الكِتابِ خاصَّةً إذا بَذَلُوا الجِزْيَةَ.

والثّالِثُ: أنَّها في قَوْمٍ مُعَيَّنِينَ سَألُوا المُوادَعَةَ فَأمَرَ بِإجابَتِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإن جنحوا للسلم ﴾ قال: قريظة.

وأخرج أبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإن جنحوا للسلم فاجنح لها ﴾ قال: نزلت في بني قريظة، نسختها ﴿ فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم...

﴾ [ محمد: 35] إلى آخر الآية.

وأخرج ابن مردويه عن عبد الرحمن بن أبزي رضي الله عنه أن النبي كان يقرأ ﴿ وإن جنحوا للسلم ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وإن جنحوا للسلم ﴾ قال: الطاعة.

وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وإن جنحوا للسلم فاجنح لها ﴾ قال: إن رضوا فارض.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإن جنحوا للسلم فاجنح لها ﴾ يقول: إذا أرادوا الصلح فأرده.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما.

أنه قرأ ﴿ وإن جنحوا للسلم ﴾ يعني بالخفض وهو الصلح.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مبشر بن عبيد رضي الله عنهما أنه قرأ ﴿ وإن جنحوا للسلم ﴾ يعني بفتح السين يعني الصلح.

وأخرج أبو عبيد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وإن جنحوا للسلم فاجنح لها ﴾ قال: نسختها هذه الآية ﴿ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ﴾ [ التوبة: 29] إلى قوله: ﴿ صاغرون ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر والنحاس في ناسخه وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإن جنحوا للسلم ﴾ أي الصلح ﴿ فاجنح لها ﴾ قال: كانت قبل براءة، وكان النبي يوادع الناس إلى أجل، فإما أن يسلموا وإما أن يقاتلهم، ثم نسخ ذلك في براءة فقال: ﴿ اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ﴾ [ التوبة: 5] وقال: ﴿ قاتلوا المشركين كافة ﴾ [ التوبة: 36] نبذ إلى كل ذي عهد عهده، وأمره أن يقاتلهم حتى يقولوا لا إله إلا الله ويسلموا، وأن لا يقبلوا منهم إلا ذلك، وكل عهد كان في هذه السورة وغيرها وكل صلح يصالح به المسلمون المشركين يتواعدون به، فإن براءة جاءت بنسخ ذلك، فأمر بقتالهم قبلها على كل حال حتى يقولوا لا إله إلا الله.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا ﴾ الآية، قال النضر: جنح الرجل إلى فلان وجنح له: إذا تابعه وخضع له (١) جنوح الهالكيّ على يديه ...

مكبًا يجتلي (٢) (٣) وقال أبو زيد: جنح الرجل يجنح جنوحًا: إذا أعطى بيده، أو عدل إلى ما يحب القوم (٤) والمفسرون وأهل المعاني قالوا في هذه الآية: إن مالوا إلى الصلح فمل إليه (٥) (٦) (٧) وأنث الهاء في (لها) لأنه قصد بها قصد (الفَعْلَة) و (الجنحة) كقوله: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ  ﴾ أراد من بعد فَعْلَتهم، ويجوز أن تكون الهاء والألف للسلم في لغة من يؤنثه (٨) (٩) (١٠) فلا تضيقن إن السلم واسعة ...

ملساء ليس بها وعث ولا ضيق (١١) (١٢) (١٣) ومكاشح لولاك أصبح جانحًا ...

للسلم يرقى حَيّتي وضِبابي (١٤) والكلام في السلم قد مضى في سورة البقرة [208].

قال مجاهد (١٥) (١٦) ﴿ وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ ﴾ : يعني: قريظة.

وقال الحسن: يعني: المشركين وأهل الكتاب (١٧) وأكثر المفسرين على أن هذا منسوخ (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) ﴿ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ  ﴾ ، ونحو ذلك روى عطاء الخرساني، عن ابن عباس (٢٣) (٢٤) (٢٥) (٢٦)  فإنه هادن أهل مكة عشر سنين (٢٧) (٢٨) (٢٩) وقوله تعالى: ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ﴾ قال مجاهد: وثق بالله (٣٠) ﴿ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ قال عطاء: يريد لقولكم ﴿ الْعَلِيمُ ﴾ بما في قلوبكم من الوفاء، وقلوبهم من النقض (٣١) (١) إلى هنا انتهى قول النضر بن شميل فيما نقله عنه الأزهري، وقد نقله الواحدي بمعناه، ونصه: جنح الرجل إلى الحرورية، وجنح لهم: إذ تابعهم وخضع لهم اهـ.

وقد نسب الأزهري ما بعده مع الاستشهاد بالبيت المذكور إلى الليث، وهو بنصه في كتاب "العين" (جنح) 4/ 83 انظر: "تهذيب اللغة" (جنح) 1/ 665 - 666.

(٢) في (م): (يحتكى).

(٣) البيت في "ديوان لبيد" ص 105ن ونسب إليه أيضًا في "سيرة ابن هشام" 2/ 321، و"تهذيب اللغة" (جنح) 1/ 665، و"لسان العرب" (جنح) 2/ 697.

والهالكي: الحداد، نسبة للهالك بن عمرو الأسدي أول من عمل الحدادة من العرب، والنقب: الصدأ، انظر: "لسان العرب" (هلك) و (نقب).

(٤) "الحجة للقراء السبعة" 4/ 158 ، ولم أجده في كتاب "النوادر في اللغة" لأبي زيد.

(٥) ساقط من (ح).

(٦) انظر: "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 191، و"تفسير ابن جرير" 10/ 33، و"معاني القرآن وإعرابه" 2/ 422، و"الحجة للقراء السبعة" 4/ 158، و"تفسير الثعلبي" 6/ 69 ب، والبغوي 3/ 373، والزمخشري 2/ 166.

(٧) لم أقف عليه.

(٨) قال ابن فارس في "مجمل اللغة" (سلم) 2/ 468: السلم: الصلح يذكر ويؤنث اهـ.

وقال الزمخشري في "الكشاف" 2/ 166: والسلم تؤنث تأنيث نقيضها وهي الحرب.

(٩) هو: أحمد بن يحيى (ثعلب)، تقدمت ترجمته.

(١٠) هو: سلمة بن عاصم النحوي الكوفي، أبو محمد، راوية الفراء وناشر كتبه، كان أديبًا فاضلًا عالمًا؛ مع ورعٍ شديد، وتأله عظيم، وكثرة عباده، توفي بعد سنة 270 هـ.

انظر: "مراتب النحويين" ص 149، و"إنباه الرواة" 2/ 56، و"طبقات القراء" لابن الجزري 1/ 311، و"بغية الوعاة" 1/ 596.

(١١) لم أعثر على قائله، وهو بلا نسبة في "المذكر والمؤنث" للفراء ص20، و"المذكر والمؤنث" لابن الأنباري 1/ 485، و"شرح القصائد السبع" ص 262، و"شرح المعلقات" للتبريزي ص 168، و"اللمع" لابن جني ص 310.

(١٢) قال الفراء في "معاني القرآن" 1/ 416: (فاجنح لها): إن شئت جعلت (لها) كناية عن السلم لأنها مؤنثة، وإن شئت جعلته للفعلة كما قال: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ، ولم يذكر قبله إلا فعلاً، فالهاء للفعلة.

(١٣) أنشد أبو بكر البيت في "المذكر والمؤنث" 1/ 486، ولم يذكر ما قبله في هذا الكتاب.

(١٤) البيت لإبراهيم بن هرمة كما في "ديوانه" ص 70.

والمكاشح: المضمر العداوة.

ومعنى يرقى: يتعوذ.

والضباب: قال في "لسان العرب" (ضبب) 4/ 2543 الضَّب والضَّب: الغيظ والحقد، وقيل: هو الضغن والعداوة، وجمعه ضباب، قال الشاعر: فما زالت رقاك تسل ضغني ...

وتخرج من مكامنها ضبابي والمعنى: لولا المخاطب لجنح الخصم للسلم ومال إليه، وصار يتودد للشاعر ليسل غيظه وحقده.

(١٥) رواه ابن جرير 10/ 34 وابن أبي حاتم 5/ 1725، والثعلبي 6/ 70 أ، وهو في "تفسير مجاهد" ص 357.

(١٦) "الوسيط" 2/ 469، ورواه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 184 عنه، عن ابن عباس.

(١٧) ذكره هود بن محكم "تفسيره" 2/ 102 دون ذكر أهل الكتاب، وكذلك المصنف في "الوسيط" 2/ 469.

(١٨) لعله يعني مفسري السلف وقد ذهب كثير من المتأخرين إلى أنها محكمة كابن جرير 10/ 34، والسمرقندي 2/ 24، والزمخشري 2/ 166، وابن كثير 2/ 356 وغيرهم؛ لإمكان الجمع بين الآيات فالمشركون يقاتلون كافة حتى يجنحوا إلى السلم، ولا يجوز للمسلمين أن يبدؤا بطلب الصلح ابتداءً وقت قوتهم وعلوهم، ومال بعضهم إلى القول بالنسخ كالكيا الهراسي في "أحكام القرآن" 3/ 165، والثعلبي 6/ 69/ ب، والبغوي 3/ 373 إذ لم يذكروا غير القول به، وجوّزه ابن الجوزي 3/ 376 بناءً على من أريد بهذه الآية، ويحسن التنبيه إلى ما سبق بيانه إلى أن اصطلاح السلف في النسخ أوسع من اصطلاح المتأخرين فلا ينبغي الاغترار به، والحكم على رفع حكم الآية من جميع الوجوه بناءًا عليه، وانظر في القول بنسخ هذه الآية: "تفسير الطبري" 10/ 34، و"الإيضاح" لمكي ص 259، و"تفسير ابن كثير" 2/ 356 - 357، و"النسخ في القرآن الكريم" 1/ 566.

(١٩) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 1/ 361، وابن جرير 10/ 34، وابن أبي حاتم 5/ 1725، والنحاس في "الناسخ والمنسوخ" 2/ 385.

(٢٠) رواه ابن جرير وابن أبي حاتم في الموضعين السابقين.

(٢١) انظر المصدرين السابقين، نفس الموضع، و"تفسير البغوي" 3/ 373.

(٢٢) رواه ابن جرير 1/ 34، وابن أبي حاتم، الموضع السابق.

(٢٣) رواه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 194، وابن الجوزي في "الناسخ والمنسوخ" ص 347، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 5/ 1725 أ.

والبيهقي في "السنن الكبرى" كتاب السير، باب: ما جاء في نسخ العفو عن المشركين 9/ 20، وانظر: "الدر المنثور" 3/ 360، وفي سنده عثمان بن عطاء الخرساني، ضعيف كما في "الكاشف" 2/ 222، ثم إن أباه لم يسمع من ابن عباس كما في "تهذيب التهذيب" 3/ 71 - 72.

(٢٤) لعله القشيري فقد نقل عنه القرطبي 8/ 40 بعض هذا القول، وهو صاحب تفسير كبير اسمه: "التيسير في التفسير"، فرغ منه قبل عام 410 هـ، ووصف بالجودة.

انظر: "معجم المفسرين" 1/ 300، وانظر: معنى هذا القول في كتاب "الأم" 4/ 236، 269، 270.

(٢٥) في (ج): (والعزة).

(٢٦) انظر: أحكام الصلح مع الكفار في كتاب "الأم" 4/ 268 - 272، و"المغني" 13/ 155 - 163، و"الجامع لأحكام القرآن" 8/ 39 - 41.

(٢٧) روى ذلك الإمام أحمد 4/ 325 في ثنايا قصة صلح الحديبية، وكذلك ابن إسحاق في "السيرة" 3/ 366، وأصل القصة في "الصحيحين"، و"صحيح البخاري" (4180)، (4181) كتاب: المغازي، باب: غزوة الحديبية 5/ 258، و"صحيح مسلم" كتاب الجهاد، باب: صلح الحديبية 3/ 1409 (1783).

(٢٨) ساقط من (س).

(٢٩) انظر: "السيرة النبوية" 4/ 10.

(٣٠) لم أقف عليه، وقد ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 469، والسمرقندي في "تفسيره" 2/ 24 بلا نسبة.

(٣١) لم أقف عليه، وقد ذكر في المصدرين السابقين، الموضوع نفسه، بلا نسبة.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فاجنح لَهَا ﴾ السلم هنا المهادنة، والآية منسوخة بآية القتال في براءة، لأن مهادنة كفار العرب لا تجوز ﴿ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ﴾ قيل: المراد، بين قلوب الأوس والخزرج إذ كانت بينهما عداوة فذهبت بالإسلام، واللفظ عام.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ تتوفى ﴾ بتاء التأنيث: شامي.

الباقون: بالتذكير ﴿ ولا يحسبن ﴾ بياء الغيبة: ابن عامر ويزيد وحمزة وحفص والمفضل.

الآخرون: بتاء الخطاب.

﴿ أنهم ﴾ بالفتح: ابن عامر ﴿ السلم ﴾ بكسر السين: أبو بكر وحماد ﴿ ترهبون ﴾ بالتشديد: رويس.

الباقون: بالتخفيف من الإرهاب ﴿ وإن يكن منكم ﴾ بالياء التحتانية: أبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم وحمزة وعلي وخلف.

الباقون: بالتاء الفوقانية ﴿ وعلم ﴾ مبنياً للمفعول ﴿ ضعفاء ﴾ بالمد جمعاً: يزيد وقرأ حمزة وعاصم غير المفضل وخلف لنفسه ﴿ ضعفاً ﴾ بفتح الضاد.

الآخرون بالضم.

﴿ فإن لم يكن منكم مائة ﴾ بالتحتانية: عاصم وحمزة وعلي وخلف.

الوقوف: ﴿ كفروا ﴾ لا لأن فاعل ﴿ يتوفى ﴾ الملائكة.

وما قيل إن المتوفي هنا الله غير صحيح لاختلال النظم وفساد المعنى لأن الكفار لا يستحقون أن يتوفاهم الله بلا واسطة.

﴿ وأدبارهم ﴾ ج لحق الإضمار أي يقولون ذوقوا ﴿ الحريق ﴾ ه ﴿ للعبيد ﴾ ه لا لتعلق الكاف ﴿ فرعون ﴾ لا للعطف.

﴿ من قبلهم ﴾ ط ﴿ بذنوبهم ﴾ ط ﴿ العقاب ﴾ ه ﴿ بأنفسهم ﴾ لا لعطف "أنّ" على "أنَّ" ﴿ عليم ﴾ ه لا للكاف ﴿ من قبلهم ﴾ ط ﴿ بآيات ربهم ﴾ ج لاختلاف الجملتين من الفاء ﴿ آل فرعون ﴾ ج لأن الواو تصلح للاستئناف والحال ﴿ ظالمين ﴾ ه ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ج لاحتمال الوصف واحتمال النصب والرفع على الذم ﴿ لا يتقون ﴾ ه ﴿ يذكرون ﴾ ه ﴿ على سواء ﴾ ط ﴿ الخائنين ﴾ ه ﴿ سبقوا ﴾ ط لمن قرأ ﴿ إنهم ﴾ بالكسر ﴿ لا يعجزون ﴾ ه ﴿ من دونهم ﴾ ج لاحتمال الجملة الجملة بعده الوصف والاستئناف ﴿ لا تعلمونهم ﴾ ج لذلك ﴿ يعلمهم ﴾ ط ﴿ لا تظلمون ﴾ ه ﴿ على الله ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ حسبك الله ﴾ ط ﴿ بين قلوبهم ﴾ الأول ط ﴿ بينهم ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ من المؤمنين ﴾ ه ﴿ على القتال ﴾ ط ﴿ مائتين ﴾ ج لابتداء الشرط مع العطف ﴿ لا يفقهون ﴾ ه ﴿ ضعفاً ﴾ ج ﴿ مائتين ﴾ ج ﴿ بإذن الله ﴾ ط ﴿ الصابرين ﴾ ه.

التفسير: لما شرح أحوال هؤلاء الكفار في حياتهم شرح أحوالهم حين وفاتهم.

وجواب "لو" محذوف، وترى في معنى الماضي الخاصية "لو"، وكذا ﴿ يتوفى ﴾ لخاصية "إذ" وإذ نصب على الظرف قاله في الكشاف.

ويمكن أن يكون مفعولاً به والمعنى لو رأيت أو عاينت أو شاهدت وقت قبض الملائكة أرواح الكفار لرأيت أمراً فظيعاً.

﴿ يضربون وجوههم وأدبارهم ﴾ قال مجاهد: يريد بالأدبار الأستاه ولكن الله كريم يكني.

وفي تخصيص العضوين بالضرب نوع من الخزي والنكال.

وعن ابن عباس: المراد ما أقبل منهم وما أدبر.

وذلك أن المشركين كانوا إذا أقبلوا بوجوههم إلى المسلمين ضربوا وجوههم بالسيف.

وإذا ولّوا ضربوا أدبارهم فلا جرم قابلهم الله بمثله في وقت خروج أرواحهم.

ومعنى ﴿ عذاب الحريق ﴾ مقدمة عذاب النار أو عذاب النار نفسها في الآخرة تبشيراً لهم بذلك.

وعن ابن عباس أن معهم مقامع من حديد كلما ضربوا بها التهبت النار.

قوله ﴿ ذلك بما قدمت أيديكم ﴾ الآية قد مر تفسيرها في آخر آل عمران، ويحتمل أن يكون هنا حكاية كلام الملائكة.

ولما بين  ما أنزله بأهل بدر من الكفار عاجلاً أم آجلاً ذكر أن هذه سنة في فرق الكفرة كلهم فقال ﴿ كدأب آل فرعون ﴾ يريد أن عادتهم وعملهم الذي داموا عليه كعادة آل فرعون فجوزي هؤلاء بالقتل والسبي كما جوزي أولئك بالإهلاك والإغراق.

ثم ذكر ما يجري مجرى العلة في العقاب الذي أنزله بهم فقال ﴿ ذلك بأن الله لم يك ﴾ حذف النون لكثرة الاستعمال.

ومعنى الآية أن ذلك العذاب أو الانتقام بسبب أن الله لم يستقم في حكمته وتدبيره أن يغير ﴿ نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما ﴾ بهم من الأحوال والأخلاق.

والغرض أن آل فرعون ومشركي مكة قد فتح الله عليهم أبواب الخيرات وأزال الموانع وسهل السبل ومنّ عليهم بإنزال الكتب وإرسال الرسل، ثم إنهم قابلوا هذه النعم بالكفر والفسوق والعصيان فلا جرم استحقوا تبديل النعم بالنقم والمنح بالمحن ﴿ وأن الله سميع ﴾ للأقوال ﴿ عليم ﴾ بالأحوال فيجزي كل فريق بما يستأهله.

ثم ذكر مرة أخرى قوله ﴿ كدأب آل فرعون ﴾ وفي التكرير بعد التأكيد فوائد استنبطها العلماء منها أن الثاني كالتفصيل للأول لأن الإغراق كالبيان للأخذ بالذنوب.

ومنها أن الأول لعله في حال الموت والثاني لما بعد الموت.

قلت: ويشبه أن يكون بالعكس لأن الإهلاك والإغراق بحال الموت أنسب.

ومنها أن الأول إخبار عن عذاب لم يمكن الله أحداً من فعله وهو ضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم عند نزع أرواحهم.

والثاني إخبار عن عذاب مكن الناس من فعل مثله وهو الإهلاك والإغراق.

ومنها أن المراد في الأول ﴿ كدأب آل فرعون ﴾ فيما فعلوا وفي الثاني ﴿ كدأب آل فرعون ﴾ فيما فُعل بهم فهم فاعلون في الأول ومفعولون في الثاني.

ومنها أن المراد بالأول كفرهم بالله، وبالثاني تكذيبهم الأنبياء لأن التقدير: كذبوا الرسل برد آيات ربهم.

ومنها أن يجعل الضمير في ﴿ كفروا ﴾ و ﴿ كذبوا ﴾ لكفار قريش أي كفروا بآيات الله كدأب آل فرعون، وكذبوا بآيات ربهم كدأب آل فرعون.

ومنها أن الأول إشارة إلى أنهم أنكروا دلائل الإليهة فكان لازمه الأخذ، والثاني إشارة إلى أنهم أنكروا دلائل التربية والإحسان فكان لازمه الإهلاك والإغراق.

ثم ختم الآية بقوله ﴿ وكل كانوا ظالمين ﴾ أي وكل واحد من غرقى القبط وقتلى قريش وممن قبلهم من الكفرة كانوا ظالمي أنفسهم بالكفر والمعاصي، وظالمي غيرهم بالإيذاء والإيحاش، فلا جرم دمرهم الله بسبب ظلمهم.

ثم خص من الظلمة سرهم فقال ﴿ إن شر الدواب ﴾ الآية.

جعلهم شر الدواب لأن شر الناس الكفار وشر الكفار المصرون منهم وأشار إلى هذا بقوله ﴿ فهم لا يؤمنون ﴾ وشر المصرين الناكثون للعهود وأشار إليهم بقوله ﴿ الذين عاهدت منهم ﴾ و "من" للتبعيض ومفعول ﴿ عاهدت ﴾ محذوف أي الذين عاهدتهم وهم بعض أولئك الكفرة يعني الأشراف الذين معهم تليق المعاهدة ﴿ ثم ينقضون ﴾ عطف المستقبل على الماضي لفائدة الاستمرار وأن من شأنهم نقض العهد ﴿ في كل مرة ﴾ من مرات المعاهدة.

ومعنى "ثم" تبعيد النقض عن المعاهدة.

قال ابن عباس: هم بنو قريظة نقضوا عهد رسول الله  وأعانوا عليه المشركين بالسلاح يوم بدر وقالوا: قد نسينا وأخطأنا ثم عاهدهم فنكثوا وأعانوا عليه يوم الخندق ﴿ وهم لا يتقون ﴾ عاقبة الغدر وما فيه من العار والنار.

ثم أمر رسوله بالمخاشنة معهم والغلظة عليهم جزاء على قبح فعلهم وسوء عقيدتهم فقال ﴿ فأما تثقفنهم ﴾ تصادفنهم وتظفرن بهم في الحرب ﴿ فشرد بهم من خلفهم ﴾ والتشريد التفريق مع الاضطراب أي ففرق عن محاربتك من وراءهم.

وقال عطاء: معناه أكثر فيهم القتل حتى يخافك غيرهم.

والضمير في ﴿ لعلهم يذكرون ﴾ لمن خلفهم لأنه إذا نكل بالناكثين وقتلهم شر قتلة لن يجسر عليه أحد بعدهم اتعاظاً بحالهم ﴿ وإما تخافنّ من قوم ﴾ معاهدين ﴿ خيانة ﴾ ونكثاً بأمارات تلوح لك ﴿ فانبذ إليهم ﴾ فاطرح إليهم العهد ﴿ على سواء ﴾ على طريق مستوٍ قصد أي أخبرهم أخباراً مكشوفاً بيناً أنك قطعت ما بينك وبينهم ولا تناجزهم الحرب وهم على توهم بقاء العهد فيكون ذلك خيانة منك.

وقيل: على استواء في العلم بنقض العهد.

وقيل: على استواء في العداوة.

قال في الكشاف: الجار والمجرور في موضع الحال كأنه قيل: فانبذ إليهم ثابتاً على طريق قصد سوي، أو حاصلين على استواء في العلم، أو العداوة على أنها حال من النابذ والمنبوذ إليهم معاً.

قلت: ويحتمل أن يكون حالاً من المنبوذ أي حال كون المنبوذ وهو العهد واقعاً على طريق واضح فيكون كناية عن تحقير شأن العهد إذ ذاك، أو عن انكشاف حاله في النبذ.

قال أهل العلم: إن آثار نقض العهد إذا ظهرت فإما أن تظهر ظهوراً محتملاً أو ظهوراً مقطوعاً به.

فإن كان الأول وجب الإعلام به كما هو مذكور في الآية.

وذلك أن قريظة عاهدوا النبي  ثم أجابوا أبا سفيان ومن معه من المشركين إلى مظاهرتهم على رسول الله صلى الله عليه وآله خوف الغدر منهم به وبأصحابه فههنا يجب على الإمام أن ينبذ إليهم على سواء ويؤذنهم بالحرب، أما إذا ظهر نقض العهد ظهوراً قطعياً فلا حاجة إلى نبذ العهد إليهم كما فعل رسول الله  بأهل مكة لما نقضوا العهد.

ثم بيّن حال من فاته يوم بدر ولم يتمكن من التشفي منه والانتقام كيلا يبقى حسرة في قلبه فقد كان فيهم من بلغ في أذيته مبلغاً عظيماً فقال ﴿ ولا يحسبن ﴾ من قرأ بتاء الخطاب فمفعوله الأول ﴿ الذين كفروا ﴾ وثانيه ﴿ سبقوا ﴾ أي فاتوا وأفلتوا من أن يظفر بهم ﴿ إنهم لا يعجزون ﴾ كل من المكسورة والمفتوحة تعليل له إلا أن المكسورة على طريقة الاستئناف كأن سائلاً سأل ما لهم لا يحسبون سابقين؟

فأجيب بما أجيب.

والمفتوحة تعليل صريح والجار محذوف أي لأنهم يعجزون الله من الانتقام منهم ولا يجدون طالبهم عاجزاً عن إدراكهم.

أو عجزت فلاناً وعجزته جعلته أو وجدته عاجزاً.

والمراد لا تحسبنهم أنهم لما تخلصوا من الأسر والقتل يوم بدر فقد تخلصوا من العقاب عاجلاً أم آجلاً.

ومن قرأ بالياء التحتانية تذكر فيه وجوهاً منها "أن" فاعله ﴿ الذين كفروا ﴾ ومفعولاه ﴿ سبقوا ﴾ على أن الأصل أن سبقوا فحذفت "أن" كقوله ﴿ ومن آياته يريكم البرق ﴾ ويؤيده قراءة ابن مسعود أنهم سبقوا.

ومنها أن الفعل وقع على أنهم لا يعجزون على أن لا صلة وسبقوا في موضع الحال.

ومنها أن المفعول الأول محذوف للعلم به والتقدير لا يحسبنهم أو لا يحسبن أنفسهم الذين كفروا وسبقوا.

ومنها أن فاعله محذوف أي لا يحسبن قبيل المؤمنين الذين كفروا سبقوا.

ثم إنه لما أنفق لأصحاب النبي  في قصة بدر أن قصدوا الكفار بلا آلة وعدة، أمرهم أن لا يعودوا لمثله ويتأهبوا لقتال الأعداء فقال ﴿ وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ﴾ عن عكرمة: هي الحصون.

وعن عقبة بن عامر أن رسول الله  قرأ هذه الآية على المنبر ثم قال: إلا إن القوة الرمي قالها ثلاثاً ومات عقبة عن سبعين قوساً في سبيل الله والأصح أنها عامة في كل ما يتقوى به في الحرب من آلة وعدّة.

وقوله  : "القوة الرمي" كقوله: "الحج عرفة" وفيه تنبيه على أن المذكور جزء شريف في جملة المقصود ﴿ ومن رباط الخيل ﴾ هو اسم للخيل التي تربط في سبيل الله الخمس فما فوقها.

ويجوز أن يكون جمع ربيط كفصال وفصيل، والظاهر أنه بمعنى المرابط.

ويجوز أن يكون قوله ﴿ ومن رباط الخيل ﴾ تخصيصاً للخيل من بين ما يتقوّى به كقوله ﴿ وجبريل وميكائيل ﴾ فلا ريب أن ربط الخيل من أقوى آلات الجهاد.

روي عن ابن سيرين أنه سئل عمن أوصى بثلث ماله في الحصون فقال: يشتري به الخيل فتربط في سبيل الله ويغزي عليها.

فقيل له: إنما أوصى في الحصون.

فقال: ألم تسمع قول الشاعر: ولقد علمت على توقّي الردى *** أن الحصون الخيل لا مدر القرى وعن عكرمة أن الخيل ههنا الإناث لأنها أولى بالربط لتفيد النسل.

وقيل: هي الفحول لأنها أقوى على الكر والفر.

والظاهر العموم.

ثم ذكر ما لأجله أمر بإعداد هذه الأشياء فقال ﴿ ترهبون به ﴾ أي بما استطعتم ﴿ عدو الله وعدوكم ﴾ لأن الكفار إذا علموا تأهب المسلمين للقتال لم يجسروا عليهم وخافوهم وربما يدعوهم ذلك إلى الانقياد والطاعة ﴿ وآخرين من دونهم ﴾ يريد بالأوّلين أهل مكة وبالآخرين اليهود على قول ولكنه لا يجاريه قوله ﴿ لا تعلمونهم الله يعلمهم ﴾ والمنافقين على قول.

واعترض عليه بأنهم لا يرهبون لانخراطهم في سلك المسلمين ظاهراً.

وأجيب بأن الخائن خائف فلكما اشتدت شوكة المسلمين ازداد المنافقون في أنفسهم خوفاً ورعباً فربما يدعوهم ذلك إلى الإخلاص.

وعن السدي: هم أهل فارس.

وروي ابن جريج عن سليمان بن موسى أنهم كفرة الجن وجاء في الحديث إن الشيطان لا يقرب صاحب فرس ولا داراً فيها فرس عتيق وروي أن صهيل الخيل يرهب الجن.

وقيل: المراد بالآخرين أعداء المرء من دينه فإن المسلم قد يعاديه مسلم آخر.

ثم رغبهم في الإنفاق في باب الجهاد فقال ﴿ وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم ﴾ أي ثوابه ﴿ وأنتم لا تظلمون ﴾ لا تنقصون من ثواب أعمالكم شيئاً.

ثم رخص في المصالحة إن مال الأعداء إليها فقال ﴿ وإن جنحوا للسلم ﴾ الآية جنح له وإليه جنوحاً إذا مال.

وإنما قيل ﴿ فاجنح لها ﴾ لأن السلم تؤنث تأنيث نقيضها وهي الحرب، أو بتأويل الخصلة أو الفعلة.

عن ابن عباس ومجاهد أن الآية منسوخة بقوله ﴿ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله  ﴾ وبقوله { ﴿ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم  ﴾ والأوْلى أن يقال: إنها ثابتة فليس بحتم أن يقاتل المشركون أبداً، أو يجابوا إلى الهدنة أبداً، وإنما الأمر موقوف على ما يرى فيه الإمام صلاح الإسلام وذويه، فإذا رأى الصلاح في الصلح فذاك.

والمصلحة قد تظهر عند ضعف المسلمين إما لقلة العدد أو لقلة المال وبعد العدوّ وقد تكون مع القوة للطمع في إسلامهم أو قبولهم الجزية إذا خالطوا المسلمين أو بأن يعينوه على قتال غيرهم.

وأما مدة المهادنة فإذا لم يكن بالمسلمين ضعف ورأى الإمام الصلاح في المهادنة فقد قال الشافعي يهادن أربعة أشهر فما دونها لقوله  ﴿ فسيحوا في الأرض أربعة أشهر  ﴾ وذلك كان في أقوى ما كان رسول الله  منصرفه من تبوك.

وإن كان بالمسلمين ضعف جازت الزيادة بحسب الحاجة إلى عشر سنين اقتداء برسول الله  حين صالح أهل مكة بالحديبية على وضع القتال عشر سنين: إلا أنهمنقضوا العهد قبل كمال المدة وإن نقضت المدة والحاجة باقية استأنف العقد.

ثم قال ﴿ وتوكل على الله ﴾ أي فوض الأمر فيما عقدته معهم إلى الله ليكون عوناً لك على السلامة وينصرك عليهم.

إذا نقضوا العهد وعدلوا عن الوفاء كما كان من شأن قريظة والنضير.

وعن مجاهد نزلت فيهم ﴿ إنه هو السميع ﴾ للأقوال ﴿ العليم ﴾ بالأحوال.

وفيه زجر عن نقض الصلح ما أمكن.

ثم ذكر حكماً من أحكام المهادنة فقال ﴿ وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك ﴾ محسبك وكافيك ﴿ الله ﴾ والمعنى أنهم إن صالحوا على سبيل المخادعة وجب قبول ذلك الصلح لأن الحكم فيه يبنى على الظاهر كما أن أصل الإيمان مبني على الظاهر.

ولا تنافي بين هذه الاية وبين ما تقدم من قوله ﴿ وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم  ﴾ لأن هذه المخادعة محمولة على أمور خيفة تدل على الغل والنفاق، وذلك الخوف محمول على أمارة قوية يدل على كونهم قاصدين للشر وإثارة الفتنة.

ثم أكد كون الله  كافياً له بقوله ﴿ هو الذي أيدك بنصره ﴾ أي من غير واسطة أسباب معتادة.

﴿ وبالمؤمنين ﴾ أي بوساطة الأنصار.

ثم بين أنه كيف أيده بالمؤمنين فقال ﴿ وألف بين قلوبهم ﴾ قال جمع من المفسرين: هم الأوس والخزرج كان بينهم من الحروب والوقائع ما أهلك أشرافهم ودق جماجمهم، فرفع الله  ذلك بلطيف صنعه، والأولى حمله على العموم والتأليف بين قلوب من بعث إليهم رسول الله  من الآيات الباهرة لأن العرب لما فيهم من الحمية والعصبية والانطواء على الضغائن في الأمور المستحقرة لم تكد تأتلف أهواؤهم وينتظم شملهم، ثم ائتلفت قلوبهم على اتباع رسول الله حتى بذلوا دونه المهج والأرواح والأموال فليس ذلك الأمن مقلب القلوب والأحوال.

والتحقيق في الباب أن المحبة لا تحصل إلا عند تصور حصول خير من المحبوب.

ثم إن كان سبب انعقاد المحبة أمراً سريع التغير كالمال أو الجاه أو اللذة الجسمانية كانت تلك المحبة بصدد الزوال والاضمحلال، فالمعشوق يريد العاشق لماله، والعاشق يحب المعشوق لاستيفاء لذة بهيمية، فمهما حصل مرادهما كانا متحابين ومتى لم يحصل عادا متباغضين وإن كان سبب انعقاد المودة كمالاً حقيقياً روحانياً دائماً لم يتصور لها تغير وزوال.

ثم إن العرب كانوا قبل مقدم النبي  مقبلين على المفاخرة والتسابق في المار والجاه والتعصب والتفرق، فلا جرم كانوا متحابين تارة ومتباغضين أخرى، فلما جاءهم النبي  إلى عبادة الله  والإعراض عن الدنيا والإقبال على تحصيل السعادة الأبدية الروحانية توحد مطلبهم وصاروا إخواناً متراحمين متحابين في الله ولله.

﴿ إنه عزيز حكيم ﴾ أي قادر قاهر على تقليب القلوب والدواعي فاعل لكل ما يفعل على وجه الإحكام والإتقان أو على حسب المصالح على اختلاف القولين في مسألة الجبر والقدر.

قال القاضي: لولا ألطاف الله  ساعة فساعة لما حصلت هذه الأحوال.

ونظيره أنه يضاف علم الولد وأدبه إلى أبيه أنه لم يحصل ذلك إلا بمعونة الأب وتربيته، وأجيب بأنه عدول عن الظاهر والآية صريحة في أن العقائد والإرادات والكراهات كلها بخلق الله  وإيجاده، اللهم يا مصرف القلوب ومقلبها ثبت قلبي على دينك ووفقني لمتابعة نبيك إنك قادر على ما تشاء ولا يكون إلا ما تشاء.

ثم إنه  لما وعد نبيه النصر والكفاية عند مخادعة الأعداء وعده النصر والكفاية على الإطلاق فقال ﴿ يا أيها النبي حسبك الله ﴾ ومحل ﴿ ومن اتبعك ﴾ منصوب بمنزلة "زيداً" في قولك "حسبك وزيداً درهم" قال الفراء: وليس بكثير في كلامهم أن يقولوا حسبك وأخيك بل المستعمل أن يقال: حسبك وحسب أخيك بإعادة الجار.

فلو كان قوله ﴿ ومن اتبعك ﴾ مجروراً لقيل حسبك وحسب من اتبعك.

ومعنى الآية كفاك وكفى أتباعك من المؤمنين الله ناصراً.

وجوّز أن يكون محل الرفع أي كفاك الله وكفاك المؤمنون فيكون كقوله ﴿ هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين ﴾ ويؤكده ما روي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه أسلم مع النبي  ثلاثة وثلاثون رجلاً وست نسوة ثم أسلم عمر فصاروا أربعين فأنزل الله  الآية.

ثم بيّن  أن كفايته مشروطة بالجد والاجتهاد في الجهاد فقال ﴿ يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال ﴾ والتحريض.

في اللغة كالتحضيض وهو الحث على الشيء.

وذكروا في اشتقاقه أنه من الحرض وهو الإشراف على الهلاك من شدّة الضنى كأنه ينسبه إلى الهلاك لو تخلف عن المأمور، أو كأنه يأمره أن يبالغ فيه وفي تحصيله حتى يدنو من التلف.

وفي قوله ﴿ إن يكن منكم عشرون صابرون ﴾ عدّة من الله وبشارة بأن الجماعة من المؤمنين إن صبروا غلبوا عشرة أمثالهم بعون الله وتأييده.

واعترض عليه بأنه يلزم منه أن لا يغلب قط مائتان من الكفار عشرين من المؤمنين، ويمكن أن يجاب بعد تسليم وقوع مثل ذلك أن الخلل لعله يكون من فقدان الشرط وهو الصبر.

قال بعض العلماء: هذا خبر في معنى الأمر كقوله { ﴿ والوالدات يرضعن  ﴾ ﴿ والمطلقات يتربصن  ﴾ بدليل قوله ﴿ الآن خفف الله عنكم ﴾ والنسخ أبدل على رغبتهم في أن يلقوا قبله من تأكيد ضميرهمالمتصل بالمنفصل وتعريف الخبر، أو من جهة تعريف الخبر وإقحام الفصل.

قال الفراء: قد جمع بين "إما" و "أن" في هذه الآية بخلاف قوله ﴿ وما يعذبهم ﴾ ﴿ وإما يتوب عليهم ﴾ لأن الفعل ههنا في موضع أمر بالاختيار أعني في موضع نصب كقول القائل: اختر ذا أو ذا.

كأنهم قالوا: اختر أن تلقى بخلاف تلك الآية فإن الأمر لا يصلح هناك.

قال موسى للسحرة ألقوا ما ترغبون فيه ازدراء بشأنهم وقلة مبالاة وثقة بأن الأمر الإلهي يغلب ولن بالكفر كفر.

فالجواب من وجوه: أحدها: أنه إنما أمرهم بشرط أن يعلموا في فعلهم أن يكون حقاً فإذا لم يكن كذلك فلا أمر ألبتة كقول القائل: اسقني الماء من الجرة.

فهذا إنما يكون أمراً بشرط حصول الماء من الجرة.

والثاني: أن موسى علم أنهم جاءوا لذلك فلا بد أن يفعلوه ودفع النزاع في التقديم والتأخير.

الثالث: أنه أذن لهم في الإتيان بذلك السحر ليتمكن من الإقدام على إبطاله كمن يريد سماع شبهة ملحد ليبحث عنها ويكشف عن ضعفها يقول له: هات وقل ومراده أن يجيب عنها ويبين لكل أحد ضعفها وسقوطها ﴿ فلما ألقوا سحروا أعين الناس  ﴾ قال القاضي: لو كان السحر حقاً لكانوا قد سحروا قلوبهم لا أعينهم فثبت أنهم خيلوا إليها ما الحقيقة بخلافه.

وقال الواحدي: بل المراد أنهم قلبوا الأعين عن صحة إدراكها بسبب تلك التمويهات.

وروي أنهم أتوا بالحبال والعصي ولطخوا تلك الحبال بالزئبق وجعلوا الزئبق دواخل العصي فلما أثر تسخين الشمس فيها تحركت والتوى بعضها على بعض فخيل إلى الناس أنها تسعى { ﴿ واسترهبوهم  ﴾ أي أرهبوهم والسين زائدة كأنهم استدعوا رهبتهم.

وقال الزجاج: اشتدت رهبة الناس فبعثوا جماعة ينادون عند إلقاء ذلك أيها الناس احذروا فهذا هو الاسترهاب ﴿ وجاؤا بسحر عظيم  ﴾ كما زعموا أن ذلك سحر لا يطيقه سحرة أهل الأرض.

عن ابن عباس أنه خيل إلى موسى  أن حبالهم وعصيهم حيات مثل عصا موسى فأوحى الله عزّ وجلّ إليه أن الق عصاك.

وفي رواية الواحدي عنه أن المراد بالوحي ههنا الإلهام وههنا إضمار والتقدير: فألقاها فإذا هي تلقف.

قال الجوهري: لقفت الشيء بالكسر ألقفه وتلقفته أيضاً تناولته بسرعة و "ما" في ما يأفكون موصولة أو مصدرية بمعنى ما يأفكونه أي يقلبونه عن الحق إلى الباطل ويزوّرونه، أو أفكهم نحوه ودنوت منه وجدت القشعريرة فقال لي: من الرجل؟

قلت له: من العرب سمعت بك وبجمعك ومشيت معه حتى إذا تمكنت منه قتلته بالسيف وأسرعت إلى رسول الله  وذكرت أني قتلته فأعطاني عصاه وقال: أمسكها فإنها آية بيني وبينك يوم القيامة.

وقال عكرمة: إنما أمر الرجل أن يصبر لعشرة والعشرة لمائة حال ما كان المسلمون قليلين فلما كثروا خفف الله عنهم ولهذا قال ابن عباس: أيما رجل فر من ثلاثة فمل يفر، فإن فر من اثنين فقد فر.

والحاصل أن الجمهور ادّعوا أن قوله ﴿ الآن خفف الله عنكم ﴾ ناسخ لحكم الآية المتقدمة وأنكر ذلك أبو مسلم الأصفهاني قال: لأن لفظ الآية ورد على الخبر.

سلمنا أنه بمعنى الأمر لكن لم قلتم إن التقدير ليكن العشرون يغلب فإن قيل: إن إلقاءهم الحبال والعصي معارضة المعجز بالسحر وذلك كفر والأمر صابرين في مقابلة المائتين، ولم لا يجوز أن يكون المراد إن حصل عشرون صابرون في مقابلة المائتين فليشتغلوا بجهادهم وإذا كان الشرط غير حاصل في حق هؤلاء لقوله ﴿ وعلم أن فيكم ضعفاً ﴾ فلا جرم لم يثبت ذلك الحكم فلا يتصور النسخ.

ولفظ التخفيف لا يقتضي ورود التثقيل قبله لأن مثل هذا الكلام قد تقوله العرب ابتداء.

ومما يدل على عدم النسخ تقارن الآيتين، والناسخ يجب أن يكون بعد المنسوخ بزمان.

وهذا حاصل قول أبي مسلم وهو إنما يستحق الجواب لو لم يحصل قبله إطباق على حصول هذا النسخ والله تعالى أعلم.

ومعنى قوله ﴿ وعلم أن فيكم ضعفاً ﴾ ظهر معلومه فلا يبقى لهشام حجة في مذهبه أنه  لا يعلم الجزئيات إلا بعد وقوعها.

والمراد بالضعف قبل الضعف في البدن وقيل في البصيرة والاستقامة في الدين وكانوا متفاوتين في ذلك.

والظاهر أن المراد الضعف الإنساني المذكور في قوله ﴿ وخلق الإنسان ضعيفاً  ﴾ .

التأويل: ﴿ يضربون وجوههم وأدبارهم ﴾ لأن الكافر ذاهب عن الدنيا مع تعلقه بها فيحصل له ألم من جهة الخلف ويقبل على الآخرة ولا نور له يبصر به ما أمامه فيحصل له تألم من قدام و ﴿ لم يك مغيراً نعمة ﴾ مبدلاً حسن تقديم واستعداد أعطاهم الله بضده ﴿ حتى يغيروا ﴾ بالكفر والتكذيب ﴿ ما بأنفسهم ﴾ من نعم الاستعداد الفطري ﴿ الذين عاهدت منهم ﴾ يا روح في الأزل لأن نورك وصفتك غلب على ظلمة النفس وصفاتها ﴿ فشرد ﴾ يا روح ﴿ بهم من خلفهم ﴾ أي بالغ في تبديل صفات النفس وفي تزكيتها بحيث يؤثر نور تبدلها في الصفات التي وراءها ﴿ فانبذ إليهم على سواء ﴾ أي أظهر عداوتك معهم ﴿ وجاهدهم ﴾ أنهم لا يعجزون أي النفوس الكافرة تحت تصرفي فلا تقنطوا من رحمتي في إصلاح حالهم من قوة الروح وغلبات صفاتها وإعداده بمداومة الذكر وقطع التعلق ومن رباط الخيل} ومن ربط القلب بطريق المراقبة لئلا يلتفت إلى الدنيا وزينتها ﴿ ترهبون ﴾ من نفوس شياطين الإنس ﴿ لا تعلمونهم ﴾ أنهم عدّوكم من الأحباب والأصدقاء والأقرباء ﴿ الله يعلمهم ﴾ أنهم عدوّ لكم كقوله ﴿ إن من أزواجكم وأولادكم  ﴾ ﴿ وما تنفقوا من شيء ﴾ من شهوات النفس ولذاتها وزينتها بطريق الذكر والمراقبة ﴿ يوف إليكم ﴾ فوائد من تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً ﴿ وألف بين قلوبهم ﴾ بين الروح والقلب والسر وبين النفس وصفاتها.

﴿ لو أنفقت ما في أرض ﴾ وجودك من السعي والجد والاجتهاد لما بين الروح النوراني والنفس الظلماني من التضاد ﴿ ولكن الله ألف ﴾ بين الروح والنفس وبين القلب والقالب ليكون الشخص الإنساني طلسماً على كنز وجوده لم يكسر الطلسم للوصول إلى الكنز والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَابِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ \[ذكر هاهنا شر الدواب عند الله الذين لا يؤمنون وذكر\] في آية أخرى: ﴿ إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَابِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلصُّمُّ ٱلْبُكْمُ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ ﴾ ، هم شر الدواب؛ حيث سمعوا الآيات والحق وعقلوها فلم يؤمنوا بها، أي: لم ينتفعوا بما عقلوا مما وقع في مسامعهم، ومما درسوا كمن لا سمع له ولا لسان، نفى عنهم ذلك؛ لما لم ينتفعوا بما عقلوا.

ويحتمل أن يكون في الآخرة، أي: يبعثون يوم القيامة صمّاً بكماً عمياً؛ لما لم ينتفعوا في الدنيا بهذه الحواس؛ كقوله: ﴿ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً...

﴾ الآية [الإسراء: 97].

وقوله: ﴿ إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَابِّ عِندَ ٱللَّهِ ﴾ .

﴿ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ هو كما ذكر في آية أخرى: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ كَٱلأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ  ﴾ ، أخبر أن الذين كفروا وكذبوا بآياته أضل من الأنعام، وقد ذكرنا فائدة قوله: ﴿ بَلْ هُمْ أَضَلُّ  ﴾ في موضعه.

ويحتمل قوله: ﴿ شَرَّ ٱلدَّوَابِّ ﴾ أي: شر من يدب على وجه الأرض من الممتحنين ﴿ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ ، ثم ليكونوا بهذا الوصف إذا ختموا بالكفر وترك الإيمان.

ثم اختلف فيه: قال بعضهم: نزل في بني قريظة؛ حيث عاهدوا رسول الله، ثم أعانوا مشركي مكة على رسول الله بالسلاح وغيره، فأقالهم رسول الله، وكانوا يقولون: نسينا وأخطأنا، ثم عاهدهم ثانية، فنقضوا العهد، فذلك قوله: ﴿ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ ﴾ : نقض العهد، أو لا يتقون الشرك.

وقال بعضهم: نزل قوله: ﴿ إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَابِّ...

﴾ إلى آخر الآية، في المردة والفراعنة من الكفار، كانوا عقلوا ما سمعوا ودرسوا، ولكن غيروه فلم يؤمنوا به؛ على هذا حمل أهل التأويل تأويل الآية إلى ما ذكرنا، وإلا صرف الآية إلى أهل النفاق أولى؛ لأنهم هم المعروفون بنقض العهد مرة بعد مرة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي ٱلْحَرْبِ ﴾ .

قيل: تأمرنهم في الحرب.

وقيل: تلقينهم في الحرب.

وقيل: تجدنهم في الحرب.

﴿ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ ﴾ .

قيل: نكل بهم من بعدهم، أي: اصنع بهم ما ينكلون من خلفهم، أي: يمتنعون.

وقيل: فعظ بهم من خلفهم، أي: من سواهم.

الآية نزلت في قوم علم الله أنهم لا يؤمنون، وكانت عادتهم نقض العهد، فأمر - عز وجل - رسوله أن ينكل هؤلاء؛ ليكون ذلك عبرة وزجراً لمن بعدهم إن لم يكن ذلك لهم زجراً، فيكون في تنكيل هؤلاء منفعة لغيرهم، إذا رأي غيرهم أنه فعل بهؤلاء ما ذكر يكون ذلك زجراً لهم عن مثل صنيعهم؛ ولهذا قال: ﴿ وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَٰوةٌ  ﴾ ، من رأى أنه يقتل به امتنع عن قتل آخر، فيكون في ذلك حياة الخلق.

وكذلك جعل الله في القتال مع العدو ونصب الحرب فيما بينهم رحمة؛ لأن في الطباع النفار عن القتل، فإذا رأى أنه يقتل بتركه الإسلام أجاب إلى ذلك؛ إشفاقاً على نفسه، وخوفاً على تلف مهجته، فيكون في القتال رحمة، وكذلك جميع ما جعل الله فيما بين الخلق من العقوبات في النفس وما دون النفس جعل زواجر وموانع عن المعاودة إلى مثله؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ ﴾ : عظة وزجراً لمن بعدهم.

﴿ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴾ .

لكي يذكروا النكال فلا ينقضوا العهد، وكذلك كل مرغوب في الدنيا ومرهوب جعل دواعي وزواجر لموعود في الآخرة، وجعل كل لذيذ وشهي في الدنيا لما وعد في الآخرة [في الجنة]، وكل كريه وقبيح زاجراً له عن الموعود في الآخرة في النار؛ على هذا بناء أمر الدنيا.

والتشريد: قال أبو عبيدة: معناه من التفرقة، أي: فرق بهم.

وقال القتبي: قوله: ﴿ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ ﴾ أي: افعل بهم فعلا من العقوبة والتنكيل يتفرق به من وراءهم من الأعداء.

قال: ويقال: شرد بهم: سمع بهم، بلغة قريش.

وقيل: نكلهم، أي: اجعلهم عظة لمن وراءهم وعبرة، وهو ما ذكرنا.

وقال أبو عوسجة: التنكيل: التخويف والرد عما يكره، والنكال: العذاب.

وقال غيره: ﴿ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ ﴾ ، أي: اخلفهم بهم بما صنع هؤلاء.

وقال أبو عبيدة: التشريد في الكلام: التبديد والتفريق؛ وبعضه قريب من بعض.

قال أبو عوسجة: قوله: ﴿ فَشَرِّدْ بِهِم ﴾ ، أي: نكل بهم حتى يخافك من خلفهم، والشريد: الطريد، والشريد - أيضاً -: القليل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَٱنْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ ﴾ \[قال بعضهم: قوله تخافن: تعلمن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء\].

أي: لا تفعل بهم مثل ما فعلوا من الخيانة فتكون أنت وهم في الخيانة سواء؛ لأن عندهم أنكم معاهدون على عهد بعد عهد، ولكن انبذ إليهم، ثم ناصب فيما بينهم الحرب.

وقال بعضهم: هو على حقيقة الخوف، يقول: إذا خفت منهم النقض أو الخيانة ﴿ فَٱنْبِذْ إِلَيْهِمْ ﴾ ، أي: ألق إليهم نقضك؛ لتكون أنت وهم في العلم بالنقض سواء.

قال أبو عبيدة: قوله: ﴿ فَٱنْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ ﴾ ، أي: أظهر لهم أنك عدو، وأنك مناصب لهم؛ حتى يعلموا ذلك فيصيروا على ذلك سواء.

وقال بعضهم: ﴿ سَوَآءٍ ﴾ ، أي: على أمرين.

قال أبو عبيد: قال غير واحد من أهل العلم: ﴿ فَٱنْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ ﴾ : أعلمهم أنك تريد أن تحاربهم؛ حتى يصيروا مثلك في العلم؛ فذلك السواء.

قال الكيساني: السواء: العدل.

وقال: ﴿ فَٱنْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ ﴾ ، أي: سر إليهم، وقد علموا بك وعلمت بهم.

وبعضه قريب من بعض.

وحاصل التأويل: هو التأويلان اللذان ذكرتهما، والله  أعلم.

وأصل العهد ما ذكر عز وجل في آية أخرى، وهو قوله: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوۤاْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ  ﴾ .

أمر - عز وجل - بإتمام العهد إلى المدة، إذا لم ينقضونا شيئاً ولم يخونوا، ولم يظاهروا علينا أحداً منهم، فإذا فعلوا شيئاً من ذلك قلنا أن ننقض العهد الذي كان بيننا وبينهم.

وكذلك ابتداء العهد [فيما] بيننا وبينهم إذا سألونا ليس للإمام أن يعطي لهم العهد إذا لم يكن في العهد منفعة للمسلمين - منفعة ظاهرة - وخير لهم؛ فعلى ذلك ما دام يرجو في العهد منفعة للمسلمين وخيراً لهم فعليه مراعاة ذلك العهد وحفظه، فإذا خاف منهم أو اطلع على خيانة منهم، فله نقضه، والله أعلم.

ثم إذا كانت تلك الخيانة من جملتهم أو ممن له منعة، فله أن يناصبهم الحرب، وإن لم ينبذ إليهم.

وإذا كان ذلك من بعض على سبيل التلصص والسرقة، فليس له أن يحاربهم إلا بعد النبذ إليهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُوۤاْ إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ ﴾ .

قال بعضهم: لا تحسبن الذين نجوا وتخلصوا منك - يا محمد - من المشركين [يوم بدر] أني لا أظفرك بهم في غيره من الحروب والمغازي، وأنهم يفوتون ويعجزون الله عن ذلك.

وقال بعضهم: ولا تحسبن الذين كفروا أنهم يعجزون ويفوتون عن نقمة الله وعذابه.

وقرأ بعضهم بنصب الألف: ﴿ إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ ﴾ ، فمن قرأ بالنصب طرح "لا" وجعلها صلة، وقال: لا تحسبن أنهم يعجزون.

وأما قراءة العامة: فهي بالخفض: ﴿ إِنَّهُمْ ﴾ فهو على الابتداء، فقال: إنهم لا يعجزون [على الابتداء].

[وقيل: العجز: السبق].

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ ﴾ .

قال بعضهم: وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة، ولا تخرجوا إلى الحرب في المغازي، كما خرجتم إلى بدر بلا سلاح ولا قوة؛ لأنه أراد أن يجعل حرب بدر آية؛ ليميز بين المحق والمبطل، وبين الحق والباطل؛ لذلك أمركم بالخروج إليها بلا سلاح ولا عدة، وأما غيرها من الحروب والمغازي فلا تخرجوا إليها إلا مستعدين لها.

وبعد: فإنهم إنما تركوا الاستعداد طاعة لربهم، وفي الاشتغال بالاستعداد ترك للطاعة له، وأمر - عز وجل - بالاعتداد لهم ما استطاعوا من الأسباب؛ لما أن ذلك أرهب للعدو من ترك الاستعداد، وإن كان - عز وجل - قادراً أن ينصرهم على عدوهم بلا سبب يجعله لأنفسهم، وهو كقوله: ﴿ لأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِّنَ ٱللَّهِ  ﴾ .

فأمر الله بالأسباب في الحروب، وإن كان قادراً على نصر أوليائه على عدوه بلا سبب، لكنه أمر بالأسباب؛ لما أن جميع أمور الدنيا جعلها بالأسباب، من نحو الموت والحياة وجميع الأشياء، وإن كان يقدر على إبقاء الإنسان والخلائق جميعاً بلا غذاء يجعل لهم، والموت بلا مرض ولا سبب؛ ولكن فصل بما ذكرنا.

ثم اختلف في قوله: ﴿ مِّن قُوَّةٍ ﴾ ؛ قال بعضهم: القوة: الرمي، وعلى ذلك رووا عن رسول الله  قال: " ﴿ وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ ﴾ فقال: ألا إن القوة الرمي، قال ذلك ثلاثاً" .

ويحتمل قوله: ﴿ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ ﴾ : ما تقوون به [في] الحروب.

قال بعضهم: القوة: السلاح.

وقال غيرهم: الخيل.

وأمكن أن تكون جميع أسباب الحرب.

وفيه دلالة أن القوة التي هي أسباب الفعل يجوز أن تتقدم، ويكون قوله: ﴿ لَوِ ٱسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ  ﴾ أراد استطاعة الأسباب لا استطاعة الفعل، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ﴾ ، أمر برباط الخيل والإعداد للحرب؛ رهبة للعدو.

﴿ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ﴾ اختلف [أهل التأويل فيه]: قال بعضهم: ترهبون برباط الخيل المشركين.

وقال: ﴿ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ ﴾ .

اليهود والنصارى، وهؤلاء الذين كانوا فيما بينهم يرهب هؤلاء أيضاً.

وقال بعضهم: ﴿ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ ﴾ : [المنافقين] الذين كانوا فيما بينهم لا يعرفونهم كانوا طلائع للمشركين وعيوناً لهم يخبرونهم عن حال المؤمنين ما يرهب هؤلاء أيضاً.

وقال آخرون: قوله: ﴿ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ ﴾ : هم الشياطين، ورووا على ذلك [خبراً] عن رسول الله  [أنه] قال: "هم الشياطين" ، وقال: "لن يخبل الشياطين إنساناً في داره فرس عتيق" ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ ﴾ \[هم\] الأعداء الذين يكونون من بعد إلى يوم القيامة ﴿ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ﴾ ، فإن كان ذلك، ففيه دلالة بقاء الجهاد إلى يوم القيامة.

وقال بعضهم: ﴿ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ ﴾ : الشياطين، ﴿ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ﴾ وهو كقوله: ﴿ إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ  ﴾ .

فإن قيل: [أي] رهبة تقع للشياطين فيما ذكر من رباط الخيل والسلاح الذي ذكر؛ قيل: يكون لهم رهبة في قمع أوليائهم، أو يكون لأوليائهم رهبة نسب ذلك إليهم، وذلك كثير في القرآن.

وقوله: ﴿ عَدْوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ﴾ .

سمى عدواً لله وعدواً للمؤمنين؛ ليعلم أن من اعتقد عداوة الله صار عدوّاً للمؤمنين، ومن اعتقد ولاية الله صار وليّاً للمؤمنين، ومن كان وليّاً للمؤمنين يكون وليّاً لله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ ﴾ .

أخبر أن ما أنفقوا في سبيل الله يوفى إليهم ذلك، إما الخلف في الدنيا؛ كقوله: ﴿ وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ  ﴾ ، وإما في الآخرة الثواب.

﴿ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ ﴾ [يحتمل وجهين: يحتمل: ﴿ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ ﴾ ]: فيما يأمركم بالجهاد في سبيل الله، واتخاذ العدة والإنفاق فيها؛ إذ أنفسكم وأموالكم لله له أن يأخذها منكم.

والثاني: ﴿ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ ﴾ في الثواب في الآخرة، أي: يعطيكم الثواب في الآخرة أو الخلف في الدنيا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا ﴾ .

قرئ بالنصب: ﴿ لِلسَّلْمِ ﴾ ، وقرئ بالخفض: ﴿ لِلسَّلْمِ ﴾ .

وقال أهل اللغة: من قرأ بالنصب: ﴿ لِلسَّلْمِ ﴾ ، حمله على المصالحة والموادعة، ومن قرأ بالخفض: ﴿ لِلسَّلْمِ ﴾ ، جعل ذلك في الإسلام.

وتأويله - والله أعلم -: أي: إذا خضعوا للصلح وطلبوه منك فاجنح لهم، أي: مل إليهم، ولا يمنعك عن الصلح معهم ما كان منهم من نقض العهد؛ على ما ذكر في قوله: ﴿ ٱلَّذِينَ عَاهَدْتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ ﴾ ، يقول: لا يمنعك عن الصلح إذا طلبوا ذلك ما كان منهم من النقض ونكث العهود.

﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ﴾ .

ولا تخف خيانتهم ونقضهم العهد، فإن الله يطلعك ويكفيك على ذلك.

ومنهم من قال: قوله: ﴿ وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ ﴾ ، أي: إذا خضعوا وتواضعوا للإسلام، فاقبل منهم واخضع لهم؛ كقوله: ﴿ وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ  ﴾ أمره بخفض الجناح لهم.

ذكر - هاهنا - أنهم إذا طلبوا الصلح منا يلزمنا أن نعطيهم، وإذا لم يطلبوا منا ذلك لا يحل لنا أن نطلب منهم الصلح، إلا أن نضطر إلى ذلك، وهو ما ذكر في آية أخرى؛ حيث قال: ﴿ فَلاَ تَهِنُواْ وَتَدْعُوۤاْ إِلَى ٱلسَّلْمِ وَأَنتُمُ ٱلأَعْلَوْنَ  ﴾ ، نهانا أن ندعوهم إلى الصلح ولنا قوة وعدة للقتال معهم، وأما إذا كانوا طلبوا منا ذلك أولا فيجابون إلى ذلك.

ويحتمل ما ذكرنا، أي: لا يمنعك ما كان منهم من نقض العهد.

وقوله: ﴿ فَٱجْنَحْ لَهَا ﴾ يحتمل ذكره بالتأنيث، أي: للمسالمة والمصالحة.

وقال بعضهم: السلم هو مؤنث؛ كقول القائل: السلم تأخذ منا ما رضيت به *** والحرب يكفيك من أنفاسها جرع فإن قيل: ما المعنى في قول من قال بالإسلام بقوله: ﴿ فَٱجْنَحْ لَهَا ﴾ وهو كان يدعو إلى الإسلام، وهو لا شك أنه كان يقبل منهم الإسلام؟

قيل: يحتمل أن يكون الأمر بالقبول أمراً بترك المؤاخذة بما كان منهم في حال نقض العهد؛ لأن من قولنا: أن ما أصابوا في حال العهد من الجراحات والأخذ يتبعون بها ويؤاخذون إذا أسلموا، وإذا نقضوا العهد ثم أصابوا شيئاً من ذلك ثم أسلموا، لم يؤاخذوا بذلك، فيحتمل أن يقول له: فاجنح لها، ولا تؤاخذهم بما كان منهم في حال نقض العهد.

وقال الحسن: هذا منسوخ، نسخة قوله: ﴿ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ...

﴾ الآية [التوبة: 29].

وقال بعضهم نسخة قوله: ﴿ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ...

﴾ الآية [التوبة: 5].

وقال بعضهم: نسخة قوله: ﴿ فَلاَ تَهِنُواْ وَتَدْعُوۤاْ إِلَى ٱلسَّلْمِ وَأَنتُمُ ٱلأَعْلَوْنَ  ﴾ .

والوجه فيه ما ذكرنا: أن الإمام إذا رأى الصلح والموادعة نظراً للمسلمين، أجابهم إلى ذلك وصالحهم، فإذا طلبوا منه الصلح وبالمسلمين قوة القتال والحرب معهم، لم يجبهم إلى ذلك، وما ذكر هؤلاء من نسخة فذلك لا نعرفه، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وإن مالوا إلى الصلح وتَرْكِ قتالك، فَمِلْ -أيها الرسول- إليه، وعاهدهم، واعتمد على الله، وثق به، فلن يخذلك، إنه هو السميع لأقوالهم، العليم بنياتهم وأفعالهم.

من فوائد الآيات من فوائد العقوبات والحدود المرتبة على المعاصي أنها سبب لازدجار من لم يعمل المعاصي، كما أنها زجر لمن عملها ألا يعاودها.

من أخلاق المؤمنين الوفاء بالعهد مع المعاهدين، إلّا إن وُجِدت منهم الخيانة المحققة.

يجب على المسلمين الاستعداد بكل ما يحقق الإرهاب للعدو من أصناف الأسلحة والرأي والسياسة.

جواز السلم مع العدو إذا كان فيه مصلحة للمسلمين.

<div class="verse-tafsir" id="91.l9QYb"

مزيد من التفاسير لسورة الأنفال

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله