الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > تفسير سورة الهمزة
تفسيرُ سورةِ الهمزة كاملةً من زاد المسير (ابن الجوزي) (جمال الدين ابن الجوزي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 6 دقيقة قراءةسُورَةُ الهُمَزَةِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ قالَ هِبَةُ اللَّهِ المُفَسِّرُ: وقَدْ قِيلَ: إنَّها مَدَنِيَّةٌ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ هَلْ نَزَلَتْ في حَقِّ شَخْصٍ بِعَيْنِهِ، أمْ نَزَلَتْ عامَّةً؟
عَلى قَوْلَيْنِ.
أحَدُهُما: نَزَلَتْ في حَقِّ شَخْصٍ بِعَيْنِهِ.
ثُمَّ فِيهِ سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: الأخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ السُّدِّيُّ، وابْنُ السّائِبِ.
والثّانِي: العاصُ بْنُ وائِلٍ السَّهْمِيُّ، قالَهُ عُرْوَةُ.
والثّالِثُ: جَمِيلُ بْنُ عامِرٍ، قالَهُ ابْنُ أبِي نُجَيْحٍ.
والرّابِعُ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، ومُقاتِلٌ.
والخامِسُ: أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.
والسّادِسُ: أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ عامَّةً لا في شَخْصٍ بِعَيْنِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ ﴾ اخْتَلَفُوا في الهُمَزَةِ واللُّمَزَةِ هَلْ هُما بِمَعْنًى واحِدٍ، أمْ مُخْتَلِفانِ؟
عَلى قَوْلَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّهُما مُخْتَلِفانِ.
ثُمَّ فِيهِما سَبْعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ الهُمَزَةَ: المُغْتابُ، واللُّمَزَةَ: العَيّابُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّ الهُمَزَةَ: الَّذِي يَهْمِزُ الإنْسانَ في وجْهِهِ.
واللُّمَزَةَ: يَلْمِزُهُ إذا أدْبَرَ عَنْهُ، قالَهُ الحَسَنُ، وعَطاءٌ، وأبُو العالِيَةِ.
والثّالِثُ: أنَّ الهُمَزَةَ: الطَّعّانُ في النّاسِ، واللُّمَزَةَ: الطَّعّانُ في أنْسابِ النّاسِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والرّابِعُ: أنَّ الهُمَزَةَ: بِالعَيْنِ، واللُّمَزَةَ: بِاللِّسانِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والخامِسُ: أنَّ الهُمَزَةَ: الَّذِي يَهْمِزُ النّاسَ بِيَدِهِ ويَضْرِبُهُمْ، واللُّمَزَةَ: الَّذِي يَلْمِزُهم بِلِسانِهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والسّادِسُ: أنَّ الهُمَزَةَ: الَّذِي يَهْمِزُ بِلِسانِهِ، واللُّمَزَةَ: الَّذِي يَلْمِزُ بِعَيْنِهِ، قالَهُ سُفْيانٌ الثَّوْرِيُّ.
والسّابِعُ: أنَّ الهُمَزَةَ: المُغْتابُ، واللُّمَزَةَ: الطّاعِنُ عَلى الإنْسانِ في وجْهِهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الهُمَزَةَ: العَيّابُ الطَّعّانُ، واللُّمَزَةَ مِثْلُهُ.
وأصْلُ الهَمْزِ واللَّمْزِ: الدَّفْعُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وكَذَلِكَ قالَ الزَّجّاجُ: الهُمَزَةُ اللُّمَزَةُ: الَّذِي يَغْتابُ النّاسَ ويَغُضُّهم.
قالَ الشّاعِرُ: إذا لَقِيتُكَ عَنْ كُرْهٍ تُكاشِرُنِي وإنْ تَغَيَّبْتُ كُنْتَ الهامِزَ اللُّمَزَهْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِي جَمَعَ مالا ﴾ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ، ورَوْحٌ: " جَمَّعَ " بِالتَّشْدِيدِ.
والباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعَدَّدَهُ ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِتَشْدِيدِ الدّالِ.
وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، والحَسَنُ، وابْنُ يَعْمَرَ بِتَخْفِيفِها.
وَلِلْمُفَسِّرِينَ في مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أحْصى عَدَدَهُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والثّانِي: أعَدَّهُ لِما يَكْفِيهِ في السِّنِينَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ " عَدَّدَهُ " بِالتَّشْدِيدِ، فَمَعْناهُ: عَدَّدَهُ لِلدُّهُورِ.
ومَن قَرَأ " عَدَدَهُ " بِالتَّخْفِيفِ، فَمَعْناهُ: جَمَعَ مالًا وعَدَدًا.
أيْ: وقَوْمًا اتَّخَذَهم أنْصارًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَحْسَبُ أنَّ مالَهُ أخْلَدَهُ ﴾ أخْلَدَهُ بِمَعْنى يُخَلِّدُهُ، والمَعْنى: يَظُنُّ مالَهُ مانِعًا لَهُ مِنَ المَوْتِ، فَهو يَعْمَلُ عَمَلَ مَن لا يَظُنُّ أنَّهُ يَمُوتُ " كَلّا " أيْ: لا يُخَلِّدُهُ مالُهُ ولا يَبْقى لَهُ ﴿ لَيُنْبَذَنَّ ﴾ أيْ: لِيُطْرَحَنَّ ﴿ فِي الحُطَمَةِ ﴾ وهو اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ.
سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تُحَطِّمُ ما يُلْقى فِيها، أيْ: تَكْسِرُهُ، فَهي تَكْسِرُ العَظْمَ بَعْدَ أكْلِها اللَّحْمَ.
ويُقالُ لِلرَّجُلِ الأكُولِ: إنَّهُ لَحُطَمَةٌ.
وقَرَأ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وعُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، والحَسَنُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: " لَيُنْبَذانِّ " بِألِفٍ مَمْدُودَةٍ، وبِكَسْرِ النُّونِ، وتَشْدِيدِها، أيْ: هو ومالُهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ ﴾ أيْ: تَأْكُلُ اللَّحْمَ والجُلُودَ حَتّى تَقَعَ عَلى الأفْئِدَةِ فَتُحْرِقُها.
قالَ الفَرّاءُ: يَبْلُغُ ألَمُها الأفْئِدَةَ.
والاطِّلاعُ والبُلُوغُ قَدْ يَكُونانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، والعَرَبُ تَقُولُ: مَتّى طَلَعْتَ أرْضَنا؟
أيْ: بَلَغْتَ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ، أيْ: تُوفِي عَلَيْها وتُشْرِفُ.
وخَصَّ الأفْئِدَةَ، لِأنَّ الألَمَ إذا صارَ إلى الفُؤادِ ماتَ صاحِبُهُ، فَأخْبَرَ أنَّهم في حالِ مَن يَمُوتُ، وهم لا يَمُوتُونَ.
وقَدْ ذَكَرْنا تَفْسِيرَ " المُؤْصَدَةِ " في سُورَةِ [البَلَدِ: ٢٠] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي عَمَدٍ ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ، وخَلَفٌ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ، إلّا حَفْصًا بِضَمِّ العَيْنِ، وإسْكانِ المِيمِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: وهي أوْتادُ الأطْباقِ الَّتِي تُطْبِقُ عَلى أهْلِ النّارِ.
و " في " بِمَعْنى الباءِ.
والمَعْنى: مُطْبَقَةٌ بِعَمَدٍ.
قالَ قَتادَةُ: وكَذَلِكَ هو في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ.
وقالَ مُقاتِلٌ: أُطْبِقَتِ الأبْوابُ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ شُدَّتْ بِأوْتادٍ مِن حَدِيدٍ، حَتّى يَرْجِعَ عَلَيْهِمْ غَمُّها وحَرُّها.
و " مُمَدَّدَةٍ " صِفَةُ العَمَدِ، أيْ: أنَّها مَمْدُودَةٌ مُطَوَّلَةٌ، وهي أرْسَخُ مِنَ القَصِيرَةِ.
وقالَ قَتادَةُ: هي عُمُدٌ يُعَذَّبُونَ بِها في النّارِ.
وقالَ أبُو صالِحٍ: ﴿ فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ ﴾ قالَ: القُيُودُ الطِّوالُ.