تفسير سورة يوسف الآية ٨٤ عند زاد المسير

الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > سورة 12 يوسف > الآية ٨٤

وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَـٰٓأَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَٱبْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ ٱلْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌۭ ٨٤

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 4 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَوَلّى عَنْهُمْ ﴾ أيْ: أعْرَضَ عَنْ ولَدِهِ أنْ يُطِيلَ مَعَهُمُ الخُطَبَ، وانْفَرَدَ بِحُزْنِهِ، وهَيَّجَ عَلَيْهِ ذِكْرَ يُوسُفَ ﴿ وَقالَ يا أسَفى عَلى يُوسُفَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يا طُولَ حُزْنِي عَلى يُوسُفَ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الأسَفُ: أشَدُّ الحَسْرَةِ.

قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَقَدْ أُعْطِيَتْ هَذِهِ الأُمَّةُ عِنْدَ المُصِيبَةِ ما لَمْ يُعْطَ الأنْبِياءُ قَبْلَهم ﴿ إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ  ﴾ ، ولَوْ أُعْطِيَها الأنْبِياءُ لَأُعْطِيَها يَعْقُوبُ، إذْ يَقُولُ: ﴿ يا أسَفى عَلى يُوسُفَ ﴾ .

فَإنْ قِيلَ: هَذا لَفْظُ الشَّكْوى، فَأيْنَ الصَّبْرُ ؟

فالجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ شَكا إلى اللَّهِ تَعالى، لا مِنهُ.

والثّانِي: أنَّهُ أرادَ بِهِ الدُّعاءَ، فالمَعْنى: يارَبِّ ارْحَمْ أسَفِي عَلى يُوسُفَ.

وذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْ بَعْضِ اللُّغَوِيِّينَ أنَّهُ قالَ: نِداءُ يَعْقُوبَ الأسَفَ في اللَّفْظِ مِنَ المَجازِ الَّذِي يُعْنى بِهِ غَيْرُ المُظْهَرِ في اللَّفْظِ، وتَلْخِيصُهُ: يا إلَهِي ارْحَمْ أسَفِي، أوْ أنْتَ راءٍ أسَفِي، وهَذا أسَفِي، فَنادى الأسَفَ في اللَّفْظِ، والمُنادى في المَعْنى سِواهُ، كَما قالَ: ﴿ يا حَسْرَتَنا ﴾ والمَعْنى: يا هَؤُلاءِ تَنَبَّهُوا عَلى حَسْرَتِنا، قالَ: والحُزْنُ ونُفُورُ النَّفْسِ مِنَ المَكْرُوهِ والبَلاءِ لا عَيْبَ فِيهِ ولا مَأْثَمَ إذا لَمْ يَنْطِقِ اللِّسانُ بِكَلامٍ مُؤَثِّمٍ ولَمْ يَشْكُ إلّا إلى رَبِّهِ، فَلَمّا كانَ قَوْلُهُ: " يا أسَفى " شَكْوى إلى رَبِّهِ، كانَ غَيْرَ مَلُومٍ.

وقَدْ رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّ أخاهُ ماتَ، فَجَزِعَ الحَسَنُ جَزَعًا شَدِيدًا، فَعُوتِبَ في ذَلِكَ، فَقالَ: ما وجَدْتُ اللَّهَ عابَ عَلى يَعْقُوبَ الحُزْنَ حَيْثُ قالَ: ﴿ يا أسَفى عَلى يُوسُفَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الحُزْنِ ﴾ أيِ: انْقَلَبَتْ إلى حالِ البَياضِ.

وهَلْ ذَهَبَ بَصَرُهُ، أمْ لا، فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ ذَهَبَ بَصَرُهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: ضَعُفَ بَصَرُهُ لِبَياضٍ تَغَشّاهُ مِن كَثْرَةِ البُكاءِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

وقالَ مُقاتِلٌ: لَمْ يُبْصِرْ بِعَيْنَيْهِ سِتَّ سِنِينَ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وقَوْلُهُ: ﴿ مِنَ الحُزْنِ ﴾ أيْ: مِنَ البُكاءِ، يُرِيدُ أنَّ عَيْنَيْهِ ابْيَضَّتا لِكَثْرَةِ بُكائِهِ، فَلَمّا كانَ الحُزْنُ سَبَبًا لِلْبُكاءِ، سُمِّيَ البُكاءُ حُزْنًا.

وقالَ ثابِتٌ البُنانِيُّ: دَخَلَ جِبْرِيلُ عَلى يُوسُفَ، فَقالَ: أيُّها المَلِكُ الكَرِيمُ عَلى رَبِّهِ، هَلْ لَكَ عِلْمٌ بِيَعْقُوبَ ؟

قالَ: نَعَمْ.

قالَ: ما فَعَلَ، قالَ: ابْيَضَّتْ عَيْناهُ، قالَ: ما بَلَغَ حُزْنُهُ ؟

قالَ: حُزْنُ سَبْعِينَ ثَكْلى، قالَ: فَهَلْ لَهُ عَلى ذَلِكَ مِن أجْرٍ ؟

قالَ: أجْرُ مِائَةِ شَهِيدٍ.

وقالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: ما فارَقَ يَعْقُوبَ الحُزْنُ ثَمانِينَ سَنَةً، وما جَفَّتْ عَيْنُهُ، وما أحَدٌ يَوْمَئِذٍ أكْرَمُ عَلى اللَّهِ مِنهُ حِينَ ذَهَبَ بَصَرُهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ الكَظِيمُ بِمَعْنى الكاظِمِ، وهو المُمْسِكُ عَلى حُزْنِهِ فَلا يُظْهِرُهُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وقَدْ شَرَحْنا هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ والكاظِمِينَ الغَيْظَ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.3 / 29.5
الإضاءة 29%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله