الآية ٨٤ من سورة يوسف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 12 يوسف > الآية ٨٤ من سورة يوسف

وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَـٰٓأَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَٱبْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ ٱلْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌۭ ٨٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 131 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٨٤ من سورة يوسف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٨٤ من سورة يوسف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وتولى عنهم وقال ياأسفى على يوسف ) أي : أعرض عن بنيه وقال متذكرا حزن يوسف القديم الأول : ( ياأسفى على يوسف ) جدد له حزن الابنين الحزن الدفين .

قال عبد الرزاق ، أخبرنا الثوري ، عن سفيان العصفري ، عن سعيد بن جبير أنه قال : لم يعط أحد غير هذه الأمة الاسترجاع ، ألا تسمعون إلى قول يعقوب ، عليه السلام : ( ياأسفى على يوسف وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم ) أي : ساكت لا يشكو أمره إلى مخلوق قاله قتادة وغيره .

وقال الضحاك : ( فهو كظيم ) كميد حزين .

قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا حماد بن سلمة [ حدثنا أبو موسى ] عن علي بن زيد عن الحسن ، عن الأحنف بن قيس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " إن داود عليه السلام ، قال : يا رب ، إن بني إسرائيل يسألونك بإبراهيم وإسحاق ويعقوب ، فاجعلني لهم رابعا .

فأوحى الله تعالى إليه أن يا داود ، إن إبراهيم ألقي في النار بسببي فصبر ، وتلك بلية لم تنلك ، وإن إسحاق بذل مهجة دمه في سببي فصبر ، وتلك بلية لم تنلك ، وإن يعقوب أخذت منه حبيبه حتى ابيضت عيناه من الحزن ، فصبر ، وتلك بلية لم تنلك " .

وهذا مرسل ، وفيه نكارة ; فإن الصحيح أن إسماعيل هو الذبيح ، ولكن علي بن زيد بن جدعان له مناكير وغرائب كثيرة ، والله أعلم .

وأقرب ما في هذا أن يكون قد حكاه الأحنف بن قيس ، رحمه الله ، عن بني إسرائيل ككعب ووهب ونحوهما ، والله أعلم ، فإن الإسرائيليين ينقلون أن يعقوب كتب إلى يوسف لما احتبس أخاه بسبب السرقة يتلطف له في رده ، ويذكر له أنهم أهل بيت مصابون بالبلاء ، فإبراهيم ابتلي بالنار ، وإسحاق بالذبح ، ويعقوب بفراق يوسف ، في حديث طويل لا يصح ، والله أعلم ، فعند ذلك رق له بنوه

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (84) قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره، بقوله: (وتولى عنهم) ، وأعرض عنهم يعقوب (18) ، (وقال يا أسفا على يوسف)، يعني: يا حَزَنا عليه .

* * * يقال: إن " الأسف " هو أشدُّ الحزن والتندم.

يقال منه ": أسِفْتُ على كذا آسَفُ عليه أسَفًا " .

* * * يقول الله جل ثناؤه: وابيضَّت عينا يعقوب من الحزن ، (فهو كظيم) ، يقول: فهو مكظوم على الحزن ، يعني أنه مملوء منه، مُمْسِك عليه لا يُبينه.

* * * ، صُرِف " المفعول " منه إلى " فعيل "، ومنه قوله: وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ [سورة آل عمران: 134 ] ، وقد بينا معناه بشواهده فيما مضى .

(19) * * * وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

*ذكر من قال ما قلنا في تأويل قوله: (وقال يا أسفا على يوسف) : 19646 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق: (وتولى عنهم)، أعرض عنهم ، وتتَامَّ حزنه ، وبلغ مجهودَه ، حين لحق بيوسف أخوه، وهيَّج عليه حزنه على يوسف ، فقال: (يا أسَفَا على يوسف وابيضَّت عيناه من الحزن فهو كظيم).

19647 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال،حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قوله: (وتولى عنهم وقال يا أسفَا على يوسف)، يقول: يا حزني على يوسف.

19648 - حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا شبابة قال، حدثنا ورقاء ، وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن نمير ، عن ورقاء ، ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله: (يا أسفا على يوسف) ، يا حَزَنَا.

19648- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد: (يا أسفا على يوسف) ، يا جزعاه.

19649- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد: (يا أسفا على يوسف) ، يا جَزَعاه حزنًا.

19650- حدثني المثنى قال، أخبرنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله ، عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد: (يا أسفا على يوسف) ، يا جَزَعَا.

19651 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله: (يا أسفا على يوسف) أي: حَزَناه.

19652- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة: (يا أسفَا على يوسف) ، قال: يا حزناه على يوسف.

(20) 19653- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا محمد بن حميد المعمري ، عن معمر ، عن قتادة ، نحوه .

19654 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج ، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: (وقال يا أسفا على يوسف) .....

(21) 19655 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع ، وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي ، ، عن أبي حجيرة ، عن الضحاك: (يا أسفا على يوسف) ، قال: يا حَزَنَا على يوسف.

19656- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو، عن أبي مرزوق ، عن جويبر، عن الضحاك: (يا أسفَا) ، يا حَزَنَاه.

(22) 19657- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك: (يا أسفا) يا حزنا ، ( على يوسف).

19658 - حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن سفيان العصفري ، عن سعيد بن جبير قال: لم يُعْطَ أحدٌ غيرَ هذه الأمة الاسترجاع ، (23) ألا تسمعون إلى قول يعقوب: (يا أسفَا على يوسف)؟

19659- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا سفيان ، عن سعيد بن جبير، نحوه .

* * * *ذكر من قال ما قلنا في تأويل قوله: (وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم ).

19660 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد: (فهو كظيم)، قال: كظيم الحزن.

19661- حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا شبابة قال، حدثنا ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد: (فهو كظيم) ، قال: كظيم الحزن.

19662- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن نمير ، عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، نحوه .

19663- حدثني المثنى قال، أخبرنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله ، عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد: (فهو كظيم)، قال: الحزن.

19664- حدثني المثنى قال، أخبرنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد: (فهو كظيم) ، مكمود.

(24) 19665- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد: (فهو كظيم) ، قال: كظيمٌ على الحزن.

19666 - حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم ، عن جويبر ، عن الضحاك ، في قوله: (فهو كظيم)، قال: " الكظيم "، الكميد.

19667- حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا المحاربي ، عن جويبر ، عن الضحاك في قوله: (فهو كظيم) ، قال: كميد.

19668- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا جويبر ، عن الضحاك ، في قوله: (كظيم) ، قال: كميد.

19669 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة: (وابيضت عيناه من الحرن فهو كظيم) ، يقول: تردَّدَ حُزْنُه في جوفه، ولم يتكلّم بسوء.

19670- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، في قوله: (فهو كظيم) ، قال: كظيم على الحزن، فلم يقل بأسًا.

19671- حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا الحسين بن الحسن قال، حدثنا ابن المبارك قال، أخبرنا معمر ، عن قتادة ، في قوله: (وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم) قال: كظيم على الحزن فلم يقل إلا خيرًا.

19672 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن يمان ، عن يزيد بن زريع ، عن عطاء الخراساني: (فهو كظيم،) قال: مكروب.

19673 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو ، عن أسباط ، عن السدى: (فهو كظيم) قال: من الغيظ.

19674 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد ، في قوله: (وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم) ، قال: " الكظيم " الذي لا يتكَّلم ، بلغ به الحزن حتى كان لا يكلِّمهم.

* * * ---------------------- الهوامش: (18) انظر تفسير :" التولي" فيما سلف من فهارس اللغة ( ولى ) .

(19) انظر تفسير" الكظم" فيما سلف 7 : 214 .

(20) في المطبوعة ، أسقط قوله :" على يوسف" .

(21) لم يذكر مقالة ابن عباس في تفسير الآية ، سقط من النساخ .

(22) الأثر : 19656 -" عمرو" ، لعله" عمرو بن حماد بن طلحة القناد" ، وهو الذي يروي عنه" سفيان بن وكيع" ، أو" عمرو بن عون" ، وقد أكثر الرواية عنه .

وأما" أبو مرزوق" هذا ، فلم أستطع أن أجد له ذكرًا ، و" أبو مرزوق التجيبي" ، و" أبو مرزوق" الذي روى عن أبي غالب عن أبي أمامة ، أقدم من هذا الذي يروي عن" جوبير" .

فهذا إسناد في النفس منه شيء ، وأخشى أن يكون سقط منه بعض رواته ، فاستبهم على بيانه .

(23) " الاسترجاع" ، هو قولنا نحن المسلمين ، إذا أصابتنا مصيبة : { إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ } .

(24) في المخطوطة :" مكنود" ، والصواب ما في المطبوعة .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وتولى عنهم وقال يا أسفى على يوسف وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم فيه ثلاث مسائل :الأولى : قوله تعالى : وتولى عنهم أي أعرض عنهم ; وذلك أن يعقوب لما بلغه خبر بنيامين تتام حزنه ، وبلغ جهده ، وجدد الله مصيبته له في يوسف فقال : يا أسفى على يوسف ونسي ابنه بنيامين فلم يذكره ; عن ابن عباس .

وقال سعيد بن جبير : لم يكن عند يعقوب ما في كتابنا من الاسترجاع ، ولو كان عنده لما قال : يا أسفى على يوسف قال قتادة والحسن : والمعنى يا حزناه !

وقال مجاهد والضحاك : يا جزعاه !

; قال كثير :فيا أسفا للقلب كيف انصرافه وللنفس لما سليت فتسلتوالأسف شدة الحزن على ما فات .

والنداء على معنى : تعال يا أسف فإنه من أوقاته .

وقال الزجاج : الأصل يا أسفي ; فأبدل من الياء ألف لخفة الفتحة .وابيضت عيناه من الحزن قيل : لم يبصر بهما ست سنين ، وأنه عمي ; قاله مقاتل .

وقيل : قد تبيض العين ويبقى شيء من الرؤية ، والله أعلم بحال يعقوب ; وإنما ابيضت عيناه من البكاء ، ولكن سبب البكاء الحزن ، فلهذا قال : من الحزن .

وقيل : إن يعقوب كان يصلي ، ويوسف نائما معترضا بين يديه ، فغط في نومه ، فالتفت يعقوب إليه ، ثم غط ثانية فالتفت إليه ، ثم غط ثالثة فالتفت إليه سرورا به وبغطيطه ; فأوحى الله تعالى إلى ملائكته : " انظروا إلى صفيي وابن خليلي قائما في مناجاتي يلتفت إلى غيري ، وعزتي وجلالي !

لأنزعن الحدقتين اللتين التفت [ ص: 217 ] بهما ، ولأفرقن بينه وبين من التفت إليه ثمانين سنة ، ليعلم العاملون أن من قام بين يدي يجب عليه مراقبة نظري " .الثانية : هذا يدل على أن الالتفات في الصلاة - وإن لم يبطل - يدل على العقوبة عليها ، والنقص فيها ، وقد روى البخاري عن عائشة قالت : سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الالتفات في الصلاة فقال : هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد .

وسيأتي ما للعلماء في هذا في أول سورة " المؤمنون " موعبا إن شاء الله تعالى .الثالثة : قال النحاس : فإن سأل قوم عن معنى شدة حزن يعقوب - صلى الله عليه وسلم - وعلى نبينا - فللعلماء في هذا ثلاثة أجوبة : منها - أن يعقوب - صلى الله عليه وسلم - لما علم أن يوسف - صلى الله عليه وسلم - حي خاف على دينه ، فاشتد حزنه لذلك .

وقيل : إنما حزن لأنه سلمه إليهم صغيرا ، فندم على ذلك .

والجواب الثالث : وهو أبينها - هو أن الحزن ليس بمحظور ، وإنما المحظور الولولة وشق الثياب ، والكلام بما لا ينبغي وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول ما يسخط الرب .

وقد بين الله جل وعز ذلك بقوله : فهو كظيم أي مكظوم مملوء من الحزن ممسك عليه لا يبثه ; ومنه كظم الغيظ وهو إخفاؤه ; فالمكظوم المسدود عليه طريق حزنه ; قال الله تعالى : إذ نادى وهو مكظوم أي مملوء كربا .

ويجوز أن يكون المكظوم بمعنى الكاظم ; وهو المشتمل على حزنه .

وعن ابن عباس : كظيم مغموم ; قال الشاعر :فإن أك كاظما لمصاب شاس فإني اليوم منطلق لسانيوقال ابن جريج عن مجاهد عن ابن عباس قال : ذهبت عيناه من الحزن فهو كظيم قال : فهو مكروب .

وقال مقاتل بن سليمان عن عطاء عن ابن عباس في قوله : فهو كظيم قال : فهو كمد ; يقول : يعلم أن يوسف حي ، وأنه لا يدري أين هو ; فهو كمد من ذلك .

قال الجوهري : الكمد الحزن المكتوم ; تقول منه كمد الرجل فهو كمد وكميد .

النحاس .

يقال فلان كظيم وكاظم ; أي حزين لا يشكو حزنه ; قال الشاعر :فحضضت قومي واحتسبت قتالهم والقوم من خوف المنايا كظم[ ص: 218 ]

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: وتولى يعقوب عليه الصلاة والسلام عن أولاده بعد ما أخبروه هذا الخبر، واشتد به الأسف والأسى، وابيضت عيناه من الحزن الذي في قلبه، والكمد الذي أوجب له كثرة البكاء، حيث ابيضت عيناه من ذلك.

{ فَهُوَ كَظِيمٌ } أي: ممتلئ القلب من الحزن الشديد، { وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ } أي: ظهر منه ما كمن من الهم القديم والشوق المقيم، وذكرته هذه المصيبة الخفيفة بالنسبة للأولى، المصيبة الأولى.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( وتولى عنهم ) وذلك أن يعقوب عليه السلام لما بلغه خبر بنيامين تتام حزنه ، وبلغ جهده ، وتهيج حزنه على يوسف فأعرض عنهم ( يا أسفى ) يا حزناه ( على يوسف ) والأسف أشد الحزن ( وابيضت عيناه من الحزن ) عمي بصره .

قال مقاتل : لم يبصر بهما ست سنين ( فهو كظيم ) أي : مكظوم مملوء من الحزن ممسك عليه لا يبثه .

وقال قتادة : يردد حزنه في جوفه ولم يقل إلا خيرا .

قال الحسن : كان بين خروج يوسف من حجر أبيه إلى يوم التقى معه ثمانون عاما ، لا تجف عينا يعقوب وما على وجه الأرض يومئذ أكرم على الله من يعقوب .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وتولى عنهم» تاركا خطابهم «وقال يا أسفى» الألف بدل من ياء الإضافة أي يا حزني «على يوسف وابيضت عيناه» انمحق سوادهما وبدل بياضا من بكائه «من الحزن» عليه «فهو كظيم» مغموم مكروب لا يظهر كربه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وأعرض يعقوب عنهم، وقد ضاق صدره بما قالوه، وقال: يا حسرتا على يوسف وابيضَّتْ عيناه، بذهاب سوادهما مِن شدة الحزن فهو ممتلئ القلب حزنًا، ولكنه شديد الكتمان له.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم يصور - سبحانه - ما اعترى يعقوب من أحزانه على يوسف ، جددها فراق بنيامين له فقال - تعالى - ( وتولى عَنْهُمْ وَقَالَ ياأسفى عَلَى يُوسُفَ وابيضت عَيْنَاهُ مِنَ الحزن فَهُوَ كَظِيمٌ ) .وقوله ( ياأسفى ) من الأسف وهو أشد الحزن والتحسر على ما فات من أحداث .

يقال : أسف فلان على كذا يأسف أسفا ، إذا حزن حزناً شديداً .وألفه بدل من ياء المتكلم للتخفيف والأصل يا أسفى .وكظيم بمعنى مكظوم ، وهو الممتلئ بالحزن ولكنه يخفيه من الناس ولا يبديه لهم .ومنه قوله - تعالى - ( والكاظمين الغيظ ) أى : المخففين له ، مأخوذ من كظم فلان السقاء : إذا سده على ما بداخله .والمعنى : وبعد أن استمع يعقوب إلى ما قاله له أبناؤه ، ورد عليهم ..

انتابته الأحزان والهموم ، وتجددت فى قلبه الشجون .

.

فتركهم واعتزل مجلسهم وقال :( ياأسفى عَلَى يُوسُفَ ) أى : يا حزنى الشديد على يوسف أقبل فهذا أوان إقبالك .( وابيضت ) عينا يعقوب من شدة الحزن على يوسف وأخيه حتى ضعف بصره ، حيث انقلب سواد عينيه بياضاً من كثرة البكاء .( فَهُوَ كَظِيمٌ ) أى : ممتلئ زنا على فراق يوسف له ، إلا أنه كاتم لهذا الحزن لا يبوح به لغيره من الناس .قالوا : وإنما تأسف على يوسف دون أخويه - بنيامين وروبيل - مع أن الرزء الأحدث أشد على النفس .

.

.

لأن الرزء فى يوسف كان قاعدة مصيباته التى ترتبت عليها الرزايا والخطوب ولأن حبه ليوسف كان حباً خاصاً لا يؤثر فيه مرور الأعوام .

.

.

ولأن من شأن المصيبة الجديدة أن تذكر بالمصيبة السابقة عليها ، وتهيج أحزانها ، وقد عبر عن هذا المعنى متمم ابن نويرة فى رثائه لأخيه مالك فقال :لقد لامنى عند القبور على البكا ...

رفيقى لتذراف الدموع السوافكفقال أتبكى كل قبر رأيته ...

لقبر ثوى بين اللوى والد كادكفقلت له : إن الشجى يبعث الشجى ...

فدعنى ، فهذا كله قبر مالكوقال صاحب الكشاف : " فإن قلت : كيف جاز لنبى الله يعقوب أن يبلغ به الجزع ذلك المبلغ؟

"قلت : الإِنسان مجبول على أن لا يملك نفسه عند الشدائد من الحزن .ولقد بكى النبى - صلى الله عليه وسلم - على ولده إبراهيم وقال : إن العين تدمع ، والقلب يحزن ، ولا نقول إلا ما يرضى ربنا ، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون .وإنما الجز المذموم ما يقع من الجهلة من الصياح والنياحة ، ولطم الصدور والوجوه وتمزيق الثياب .وعن الحسن أنه بكى على ولده له ، فقيل له فى ذلك؟

فقال : " ما رأيت الله جعل الحزن عارا على يعقوب "

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

واعلم أن يعقوب عليه السلام لما سمع كلام أبنائه ضاق قلبه جداً وأعرض عنهم وفارقهم ثم بالآخرة طلبهم وعاد إليهم.

أما المقام الأول: وهو أنه أعرض عنهم، وفر منهم فهو قوله: ﴿ وتولى عَنْهُمْ وَقَالَ ياأسفى على يُوسُفَ ﴾ .

واعلم أنه لما ضاق صدره بسبب الكلام الذي سمعه من أبنائه في حق بنيامين عظم أسفه على يوسف عليه السلام: ﴿ وَقَالَ يأَبَتِ دَخَلُواْ على يُوسُفَ ﴾ وإنما عظم حزنه على مفارقة يوسف عند هذه الواقعة لوجوه: الوجه الأول: أن الحزن الجديد يقوي الحزن القديم الكامن والقدح إذا وقع على القدح كان أوجع وقال متمم بن نويرة: وقد لامني عند القبور على البكا *** رفيقي لتذراف الدموع السوافك فقال أتبكي كل قبر رأيته *** لقبر ثوى بين اللوى والدكادك فقلت له إن الأسى يبعث الأسى *** فدعني فهذا كله قبر مالك وذلك لأنه إذا رأى قبراً فتجدد حزنه على أخيه مالك فلاموه عليه، فأجاب بأن الأسى يبعث الأسى.

وقال آخر: فلم تنسني أو في المصيبات بعده *** ولكن نكاء القرح بالقرح أوجع والوجه الثاني: أن بنيامين ويوسف كانا من أم واحدة وكانت المشابهة بينهما في الصورة والصفة أكمل، فكان يعقوب عليه السلام يتسلى برؤيته عن رؤية يوسف عليه السلام، فلما وقع ما وقع زال ما يوجب السلوة فعظم الألم والوجد.

الوجه الثالث: أن المصيبة في يوسف كانت أصل مصائبه التي عليها ترتب سائر المصائب والرزايا، وكان الأسف عليه أسفاً على الكل.

الرابع: أن هذه المصائب الجديدة كانت أسبابها جارية مجرى الأمور التي يمكن معرفتها والبحث عنها.

وأما واقعة يوسف فهو عليه السلام كان يعلم كذبهم في السبب الذي ذكروه، وأما السبب الحقيقي فما كان معلوماً له، وأيضاً أنه عليه السلام كان يعلم أن هؤلاء في الحياة وأما يوسف فما كان يعلم أنه حي أو ميت، فلهذه الأسباب عظم وجده على مفارقته وقويت مصيبته على الجهل بحاله.

المسألة الثانية: من الجهال من عاب يعقوب عليه السلام على قوله: ﴿ ياأسفى على يُوسُفَ ﴾ قال: لأن هذا إظهار للجزع وجار مجرى الشكاية من الله وأنه لا يجوز، والعلماء بينوا أنه ليس الأمر كما ظنه هذا الجاهل، وتقريره أنه عليه السلام لم يذكر هذه الكلمة ثم عظم بكاؤه، وهو المراد من قوله: ﴿ وابيضت عَيْنَاهُ مِنَ الحزن ﴾ ثم أمسك لسانه عن النياحة، وذكر مالا ينبغي، وهو المراد من قوله: ﴿ فَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ ثم إنه ما أظهر الشكاية مع أحد من الخلق بدليل قوله: ﴿ إِنَّمَا أَشْكُو بَثّى وَحُزْنِى إِلَى الله ﴾ وكل ذلك يدل على أنه لما عظمت مصيبته وقويت محنته فإنه صبر وتجرع الغصة وما أظهر الشكاية فلا جرم استوجب به المدح العظيم والثناء العظيم.

روي أن يوسف عليه السلام سأل جبريل هل لك علم بيعقوب؟

قال نعم قال: وكيف حزنه؟

قال: حزن سبعين ثكلى وهي التي لها ولد واحد ثم يموت.

قال: فهل له فيه أجر؟

قال: نعم أجر مائة شهيد.

فإن قيل: روي عن محمد بن علي الباقر قال: مر بيعقوب شيخ كبير فقال له أنت إبراهيم فقال: أنا ابن ابنه والهموم غيرتني وذهبت بحسني وقوتي، فأوحى الله تعالى إليه: حتى متى تشكوني إلى عبادي وعزتي وجلالي لو لم تشكني لأبدلنك لحماً خيراً من لحمك ودماً خيراً من دمك فكان من بعد يقول: إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كان ليعقوب أخ مواخ» فقال له: ما الذي أذهب بصرك وقوس ظهرك فقال الذي أذهب بصري البكاء على يوسف وقوس ظهري الحزن على بنيامين، فأوحى الله تعالى إليه أما تستحي تشكوني إلى غيري فقال: إنما أشكو بثي وحزني إلى الله، فقال يا رب أما ترحم الشيخ الكبير قوست ظهري، وأذهبت بصري، فاردد عليَّ ريحانتي يوسف وبنيامين فأتاه جبريل عليه السلام بالبشرى وقال: لو كانا ميتين لنشرتهما لك فاصنع طعاماً للمساكين، فإن أحب عبادي إلي الأنبياء والمساكين، وكان يعقوب عليه السلام إذا أراد الغداء نادى مناديه من أراد الغداء فليتغد مع يعقوب، وإذا كان صائماً نادى مثله عند الإفطار.

وروي أنه كان يرفع حاجبيه بخرقة من الكبر، فقال له رجل: ما هذا الذي أراه بك، قال طول الزمان وكثرة الأحزان، فأوحى الله إليه أتشكوني يا يعقوب فقال: يارب خطيئة أخطأتها فاغفرها لي.

قلنا: إنا قد دللنا على أنه لم يأت إلا بالصبر والثبات وترك النياحة.

وروي أن ملك الموت دخل على يعقوب عليه السلام فقال له: جئت لتقبضني قبل أن أرى حبيبي فقال: لا، ولكن جئت لأحزن لحزنك وأشجو لشجوك، وأما البكاء فليس من المعاصي.

وروي أن النبي عليه الصلاة والسلام: بكى على ولده إبراهيم عليه السلام وقال: «إن القلب ليحزن والعين تدمع، ولا نقول: ما يسخط الرب وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون» وأيضاً فاستيلاء الحزن على الإنسان ليس باختياره، فلا يكون ذلك داخلاً تحت التكليف وأما التأوه وإرسال البكاء فقد يصير بحيث لا يقدر على دفعه، وأما ما ورد في الروايات التي ذكرتم فالمعاتبة فيها إنما كانت لأجل أن حسنات الأبرار سيئات المقربين.

وأيضاً ففيه دقيقة أخرى وهي أن الإنسان إذا كان في موضع التحير والتردد لابد وأن يرجع إلى الله تعالى، فيعقوب عليه السلام ما كان يعلم أن يوسف بقي حياً أم صار ميتاً، فكان متوقفاً فيه وبسبب توقفه كان يكثر الرجوع إلى الله تعالى وينقطع قلبه عن الالتفات عن كل ما سوى الله تعالى إلا في هذه الواقعة، وكان أحواله في هذه الواقعة مختلفة، فربما صار في بعض الأوقات مستغرق الهم بذكر الله تعالى، فإن عن تذكر هذا الواقعة، فكان ذكرها كلا سواها، فلهذا السبب صارت هذا الواقعة بالنسبة إليه، جارية مجرى الإلقاء في النار للخليل عليه السلام ومجرى الذبح لابنه الذبيح.

فإن قيل: أليس أن الأولى عند نزول المصيبة الشديدة أن يقول: ﴿ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجعون  ﴾ حتى يستوجب الثواب العظيم المذكور في قوله: ﴿ أولئك عَلَيْهِمْ صلوات مّن رَّبْهِمْ وَرَحْمَةٌ وأولئك هُمُ المهتدون  ﴾ .

قلنا: قال بعض المفسرين إنه لم يعط الاسترجاع أمة إلا هذه الأمة فأكرمهم الله تعالى إذا أصابتهم مصيبة وهذا عندي ضعيف لأن قوله: ﴿ إِنَّا لِلَّهِ ﴾ إشارة إلى أنا مملوكون لله وهو الذي خلقنا وأوجدنا، وقوله: ﴿ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجعون ﴾ إشارة إلى أنه لابد من الحشر والقيامة، ومن المحال أن أمة من الأمم لا يعرفون ذلك فمن عرف عند نزول بعض المصائب به أنه لابد في العاقبة من رجوعه إلى الله تعالى، فهناك تحصل السلوة التامة عند تلك المصيبة، ومن المحال أن يكون لمؤمن بالله غير عارف بذلك.

المسألة الثالثة: قوله: ﴿ فَلَمَّا دَخَلُواْ على يُوسُفَ ﴾ نداء الأسف وهو كقوله: يا عجباً والتقدير كأنه ينادي الأسف ويقول: هذا وقت حصولك وأوان مجيئك وقد قررنا هذا المعنى في مواضع كثيرة منها في تفسير قوله: ﴿ حَاشَ للَّهِ  ﴾ والأسف الحزن على ما فات.

قال الليث: إذا جاءك أمر فحزنت له ولم تطقه فأنت أسيف أي حزني ومتأسف أيضاً.

قال الزجاج: الأصل ﴿ يا أسفى ﴾ إلا أن ياء الإضافة يجوز إبدالها بالألف لخفة الألف والفتحة.

ثم قال تعالى: ﴿ عَلَى يُوسُفَ وابيضت عَيْنَاهُ مِنَ الحزن ﴾ وفيه وجهان: الوجه الأول: أنه لما قال يا أسفى على يوسف غلبه البكاء، وعند غلبة البكاء يكثر الماء في العين فتصير العين كأنها ابيضت من بياض ذلك الماء وقوله: ﴿ وابيضت عَيْنَاهُ مِنَ الحزن ﴾ كناية عن غلبة البكاء، والدليل على صحة هذا القول أن تأثير الحزن في غلبة البكاء لا في حصول العمى فلو حملنا الابيضاض على غلبة البكاء كان هذا التعليل حسناً ولو حملناه على العمى لم يحسن هذا التعليل، فكان ما ذكرناه أولى وهذا للتفسير مع الدليل رواه الواحدي في البسيط عن ابن عباس رضي الله عنهما.

والوجه الثاني: أن المراد هو العمى قال مقاتل: لم يبصر بهما ست سنين حتى كشف الله تعالى عنه بقميص يوسف عليه السلام وهو قوله: ﴿ فَأَلْقُوهُ على وَجْهِ أَبِى يَأْتِ بَصِيرًا  ﴾ قيل إن جبريل عليه السلام دخل على يوسف عليه السلام حينما كان في السجن فقال إن بصر أبيك ذهب من الحزن عليك فوضع يده على رأسه وقال: ليت أمي لم تلدني ولم أك حزناً على أبي، والقائلون بهذا التأويل قالوا: الحزن الدائم يوجب البكاء الدائم وهو يوجب العمى، فالحزن كان سبباً للعمى بهذه الواسطة، وإنما كان البكاء الدائم يوجب العمى، لأنه يورث كدورة في سوداء العين، ومنهم من قال: ما عمي لكنه صار بحيث يدرك إدراكاً ضعيفاً.

قيل: ما جفت عينا يعقوب من وقت فراق يوسف عليه السلام إلى حين لقائه، وتلك المدة ثمانون عاماً، وما كان على وجه الأرض عبداً أكرم على الله تعالى من يعقوب عليه السلام.

أما قوله تعالى: ﴿ مِنَ الحزن ﴾ فاعلم أنه قرئ ﴿ مِنَ الحزن ﴾ بضم الحاء وسكون الزاي، وقرأ الحسن بفتح الحاء والزاي.

قال الواحدي: واختلفوا في الحزن والحزن فقال قوم: الحزن البكاء والحزن ضد الفرح، وقال قوم: هما لغتان يقال أصابه حزن شديد، وحزن شديد، وهو مذهب أكثر أهل اللغة، وروى يونس عن أبي عمرو قال: إذا كان في موضع النصب فتحوا الحاء والزاي كقوله: ﴿ تَوَلَّوْا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدمع حَزَناً  ﴾ وإذا كان في موضع الخفض أو الرفع ضموا الحاء كقوله: ﴿ مِنَ الحزن ﴾ وقوله: ﴿ أَشْكُو بَثّى وَحُزْنِى إِلَى الله ﴾ قال هو في موضع رفع الابتداء.

وأما قوله تعالى: ﴿ فَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ فيجوز أن يكون بمعنى الكاظم وهو الممسك على حزنه فلا يظهره قال ابن قتيبة: ويجوز أن يكون بمعنى المكظوم، ومعناه المملوء من الحزن مع سد طريق نفسه المصدور من كظم السقاء إذا اشتد على ملئه، ويجوز أيضاً أن يكون بمعنى مملوء من الغيظ على أولاده.

واعلم أن أشرف أعضاء الإنسان هذه الثلاثة، فبين تعالى أنها كانت غريقة في الغم فاللسان كان مشغولاً بقوله: ﴿ يا أسفى ﴾ والعين بالبكاء والبياض والقلب بالغم الشديد الذي يشبه الوعاء المملوء الذي شد ولا يمكن خروج الماء منه وهذه مبالغة في وصف ذلك الغم.

أما قوله تعالى: ﴿ قَالُواْ تالله تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حتى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الهالكين ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قال ابن السكيت يقال: ما زلت أفعله وما فتئت أفعله وما برحت أفعله ولا يتكلم بهن إلا مع الجحد.

قال ابن قتيبة يقال: ما فتيت وما فتئت لغتان فتيا وفتوأ إذا نسيته وانقطعت عنه قال النحويون وحرف النفي هاهنا مضمر على معنى قالوا: ما تفتؤا ولا تفتؤ وجاز حذفه لأنه لو أريد الإثبات لكان باللام والنون نحو والله لتفعلن فلما كان بغير اللام والنون عرف أن كلمة لا مضمرة وأنشدوا قول امرئ القيس: فقلت يمين الله أبرح قاعداً *** والمعنى: لا أبرح قاعداً ومثله كثير.

وأما المفسرون فقال ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة لا تزال تذكره، وعن مجاهد لا تفتر من حبه كأنه جعل الفتور والفتوء أخوين.

المسألة الثانية: حكى الواحدي عن أهل المعاني أن أصل الحرض فساد الجسم والعقل للحزن والحب، وقوله: حرضت فلاناً على فلان تأويله أفسدته وأحميته عليه، وقال تعالى: ﴿ حَرّضِ المؤمنين عَلَى القتال  ﴾ .

إذا عرفت هذا فنقول: وصف الرجل بأنه حرض إما أن يكون لإرادة أنه ذو حرض فحذف المضاف أو لإرادة أنه لما تناهى في الفساد والضعف فكأنه صار عين الحرض ونفس الفساد.

وأما الحرض بكسر الراء فهو الصفة وجاءت القراءة بهما معاً.

إذا عرفت هذا فنقول: للمفسرين فيه عبارات: أحدها: الحرض والحارض هو الفاسد في جسمه وعقله.

وثانيهما: سأل نافع بن الأزرق ابن عباس عن الحرض فقال: الفاسد الدنف.

وثالثها: أنه الذي يكون لا كالأحياء ولا كالأموات، وذكر أبو روق أن أنس بن مالك قرأ: ﴿ حتى تَكُونَ حَرَضاً ﴾ بضم الحاء وتسكين الراء قال يعني مثل عود الأشنان، وقوله: ﴿ أَوْ تَكُونَ مِنَ الهالكين ﴾ أي من الأموات، ومعنى الآية أنهم قالوا لأبيهم إنك لا تزال تذكر يوسف بالحزن والبكاء عليه حتى تصير بذلك إلى مرض لا تنتفع بنفسك معه أو تموت من الغم كأنهم قالوا: أنت الآن في بلاء شديد ونخاف أن يحصل ما هو أزيد منه وأقوى وأرادوا بهذا القول منعه عن كثرة البكاء والأسف.

فإن قيل: لم حلفوا على ذلك مع أنهم لم يعلموا ذلك قطعاً؟

قلنا: إنهم بنوا هذا الأمر على الظاهر.

فإن قيل: القائلون بهذا الكلام وهو قوله: ﴿ تالله ﴾ من هم؟

قلنا: الأظهر أن هؤلاء ليسوا هم الإخوة الذين قد تولى عنهم، بل الجماعة الذين كانوا في الدار من أولاد أولاده وخدمه.

ثم حكى تعالى عن يعقوب عليه السلام أنه قال: ﴿ قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثّى وَحُزْنِى إِلَى الله ﴾ يعني أن هذا الذي أذكره لا أذكره معكم وإنما أذكره في حضرة الله تعالى، والإنسان إذا بث شكواه إلى الله تعالى كان في زمرة المحققين كما قال عليه الصلاة والسلام: «أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بعفوك من غضبك وأعوذ بك منك» والله هو الموفق، والبث هو التفريق قال الله تعالى: ﴿ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلّ دَابَّةٍ  ﴾ فالحزن إذا ستره الإنسان كان هماً وإذا ذكره لغيره كان بثاً وقالوا: البث أشد الحزن والحزن أشد الهم، وذلك لأنه متى أمكنه أن يمسك لسانه عن ذكره لم يكن ذلك الحزن مستولياً عليه وأما إذا عظم وعجز الإنسان عن ضبطه وانطلق اللسان بذكره شاء أم أبى كان ذلك بثاً وذلك يدل على أن الإنسان صار عاجزاً عنه وهو قد استولى على الإنسان، فقوله: ﴿ بَثّى وَحُزْنِى إِلَى الله ﴾ أي لا أذكر الحزن العظيم ولا الحزن القليل إلا مع الله، وقرأ الحسن: ﴿ وَحُزْنِى ﴾ بفتحتين وحزني بضمتين، قيل: دخل على يعقوب رجل وقال: يا يعقوب ضعف جسمك ونحف بدنك وما بلغت سناً عالياً فقال الذي بي لكثرة غمومي، فأوحى الله إليه يا يعقوب أتشكوني إلى خلقي، فقال يارب خطيئة أخطأتها فاغفرها لي فغفرها له، وكان بعد ذلك إذا سئل قال: ﴿ إِنَّمَا أَشْكُو بَثّى وَحُزْنِى إِلَى الله ﴾ وروي أنه أوحى الله إليه إنما وجدت عليكم لأنكم ذبحتم شاة فقام ببابكم مسكين فلم تطعموه، وإن أحب خلقي إليَّ الأنبياء والمساكين فاصنع طعاماً وادع إليه المساكين، وقيل: اشترى جارية مع ولدها فباع ولدها فبكت حتى عميت.

ثم قال يعقوب عليه السلام: ﴿ وَأَعْلَمُ مِنَ الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ أي أعلم من رحمته وإحسانه ما لا تعلمون، وهو أنه تعالى يأتي بالفرج من حيث لا أحتسب، فهو إشارة إلى أنه كان يتوقع وصول يوسف إليه.

وذكروا لسبب هذا التوقع أموراً: أحدها: أن ملك الموت أتاه فقال له: يا ملك الموت هل قبضت روح ابني يوسف؟

قال لا يا نبي الله ثم أشار إلى جانب مصر وقال: أطلبه هاهنا.

وثانيها: أنه علم أن رؤيا يوسف صادقة، لأن أمارات الرشد والكمال كانت ظاهرة في حق يوسف ورؤيا مثله عليه السلام لا تخطئ.

وثالثها: لعله تعالى أوحى إليه أنه سيوصله إليه، ولكنه تعالى ما عين الوقت فلهذا بقي في القلق.

ورابعها: قال السدي: لما أخبره بنوه بسيرة الملك وكمال حاله في أقواله وأفعاله طمع أن يكون هو يوسف وقال: يبعد أن يظهر في الكفار مثله.

وخامسها: علم قطعاً أن بنيامين لا يسرق وسمع أن الملك ما آذاه وما ضربه فغلب على ظنه أن ذلك الملك هو يوسف فهذا جملة الكلام في المقام الأول.

والمقام الثاني: أنه رجع إلى أولاده وتكلم معهم على سبيل اللطف وهو قوله: ﴿ تَعْلَمُونَ يبَنِىَّ اذهبوا فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ ﴾ .

واعلم أنه عليه السلام لما طمع في وجدان يوسف بناء على الأمارات المذكورة قال لبنيه: تحسسوا من يوسف، والتحسس طلب الشيء بالحاسة وهو شبيه بالسمع والبصر، قال أبو بكر الأنباري يقال: تحسست عن فلان ولا يقال من فلان، وقيل: هاهنا من يوسف لأنه أقام من مقام عن، قال: ويجوز أن يقال: من للتبعيض، والمعنى تحسسوا خبراً من أخبار يوسف، واستعلموا بعض أخبار يوسف فذكرت كلمة ﴿ مِنْ ﴾ لما فيها من الدلالة على التجيض، وقرئ ﴿ تَجَسَّسُواْ ﴾ بالجيم كما قرئ بهما في الحجرات.

ثم قال: ﴿ وَلاَ تَايْئَسُواْ مِن رَّوْحِ الله ﴾ قال الأصمعي: الروح ما يجده الإنسان من نسيم الهواء فيسكن إليه وتركيب الراء والواو الحاء يفيد الحركة والاهتزاز، فكلما يهتز انسان له ويلتذ بوجوده فهو روح.

وقال ابن عباس: لا تيئسوا من روح الله يريد من رحمة الله، وعن قتادة: من فضل الله، وقال ابن زيد: من فرج الله، وهذه الألفاظ متقاربة، وقرأ الحسن وقتادة: من روح الله بالضم أي من رحمته.

ثم قال: ﴿ يبَنِىَّ اذهبوا فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَايْئَسُواْ مِن ﴾ قال ابن عباس رضي الله عنهما: إن المؤمن من الله على خير يرجوه في البلاء ويحمده في الرخاء.

واعلم أن اليأس من رحمة الله تعالى لا يحصل إلا إذا اعتقد الإنسان أن الإله غير قادر على الكمال أو غير عالم بجميع المعلومات أو ليس بكريم بل هو بخيل وكل واحد من هذه الثلاثة يوجب الكفر، فإذا كان اليأس لا يحصل إلا عند حصول أحد هذه الثلاثة، وكل واحد منها كفر ثبت أن اليأس لا يحصل إلا لمن كان كافراً والله أعلم، وقد بقي من مباحث هذه الآية سؤالات: السؤال الأول: أن بلوغ يعقوب في حب يوسف إلى هذا الحد العظيم لا يليق إلا بمن كان غافلاً عن الله، فإن من عرف الله أحبه ومن أحب الله لم يتفرغ قلبه لحب شيء سوى الله تعالى، وأيضاً القلب الواحد لا يتسع للحب المستغرق لشيئين، فلما كان قلبه مستغرقاً في حب ولده امتنع أن يقال: إنه كان مستغرقاً في حب الله تعالى.

والسؤال الثاني: أن عند استيلاء الحزن الشديد عليه كان من الواجب أن يشتغل بذكر الله تعالى، وبالتفويض إليه والتسليم لقضائه.

وأما قوله: ﴿ فَلَمَّا دَخَلُواْ على يُوسُفَ ﴾ فذلك لا يليق بأهل الدين والعلم فضلاً عن أكابر الأنبياء.

والسؤال الثالث: لا شك أن يعقوب كان من أكابر الأنبياء، وكان أبوه وجده وعمه كلهم من أكابر الأنبياء المشهورين في جميع الدنيا، ومن كذلك ثم وقعت له واقعة هائلة صعبة في أعز أولاده عليه لم تبق تلك الواقعة خفية، بل لابد وأن يبلغ في الشهرة إلى حيث يعرفها كل أحد لا سيما وقد انقضت المدة الطويلة فيها وبقي يعقوب على حزنه الشديد وأسفه العظيم، وكان يوسف في مصر وكان يعقوب في بعض بلاد الشام قريباً من مصر، فمع قرب المسافة يمتنع بقاء هذه الواقعة مخفية.

السؤال الرابع: لم لم يبعث يوسف عليه السلام أحداً إلى يعقوب ويعلمه أنه في الحياة وفي السلامة ولا يقال: إنه كان يخاف إخوته لأنه بعد أن صار ملكاً قاهراً كان يمكنه إرسال الرسول إليه وإخوته ما كانوا يقدرون على دفع الرسول.

والسؤال الخامس: كيف جاز ليوسف عليه السلام أن يضع الصاع في وعاء أخيه ثم يستخرجه منه ويلصق به تهمة السرقة مع أنه كان بريئاً عنها.

السؤال السادس: كيف رغب في إلصاق هذه التهمة به وفي حبسه عند نفسه مع أنه كان يعلم أنه يزداد حزن أبيه ويقوى.

والجواب عن الأول: أن مثل هذه المحنة الشديدة تزيل عن القلب كل ما سواه من الخواطر.

ثم إن صاحب هذه المحنة الشديدة يكون كثير الرجوع إلى الله تعالى كثير الاشتغال بالدعاء والتضرع فيصير ذلك سبباً لكمال الاستغراق.

والجواب عن الثاني: أن الداعي الإنسانية لا تزول في الحياة العاجلة فتارة كان يقول: ﴿ فَلَمَّا دَخَلُواْ على يُوسُفَ ﴾ وتارة كان يقول: ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ والله المستعان على مَا تَصِفُونَ  ﴾ وأما بقية الأسئلة فالقاضي أجاب عنها بجواب كلي حسن، فقال هذه الوقائع التي نقلت إلينا إما يمكن تخريجها على الأحوال المعتادة أو لا يمكن فإن كان الأول فلا إشكال، وإن كان الثاني فنقول: كان ذلك الزمان زمان الأنبياء عليهم السلام وخرق العادة في هذا الزمان غير مستبعد، فلم يمتنع أن يقال: إن بلدة يعقوب عليه السلام مع أنها كانت قريبة من بلدة يوسف عليه السلام، ولكن لم يصل خبر أحدهما إلى الآخر على سبيل نقض العادة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وتولى عَنْهُمْ ﴾ وأعرض عنهم كراهة لما جاؤا به ﴿ يا أسفى ﴾ أضاف الأسف وهو أشدّ الحزن والحسرة إلى نفسه، والألف بدل من ياء الإضافة، والتجانس بين لفظتي الأسف ويوسف مما يقع مطبوعاً غير متعمل فيملح ويبدع، ونحوه ﴿ اثاقلتم إِلَى الأرض أَرَضِيتُم ﴾ [التوبة: 38] ، ﴿ وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ ﴾ [الأنعام: 26] .

﴿ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ ﴾ [الكهف: 104] ، ﴿ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ ﴾ [النمل: 22] وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «لم تعط أمة من الأمم إنا لله وإنا إليه راجعون عند المصيبة إلا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

ألا ترى إلى يعقوب حين أصابه ما أصابه لم يسترجع.

وإنما قال يا أسفى» .

فإن قلت: كيف تأسف على يوسف دون أخيه ودون الثالث، والرزء الأحدث أشدّ على النفس وأظهر أثراً؟

قلت: هو دليل على تمادي أسفه على يوسف، وأنه لم يقع فائت عنده موقعه، وأنّ الرزء فيه مع تقادم عهده كان غضاً عنده طريا.

وَلَمْ تُنْسِنِي أَوْفَى الْمُصِيبَاتِ بَعْدَهُ ولأنّ الرزء في يوسف كان قاعدة مصيباته التي ترتبت عليها الرزايا في ولده، فكان الأسف عليه أسفاً على من لحق به ﴿ وابيضت عَيْنَاهُ ﴾ إذا كثر الاستعبار محقت العبرة سواد العين وقلبته إلى بياض كدر.

قيل: قد عمي بصره.

وقيل: كان يدرك إدراكاً ضعيفاً.

قرئ: ﴿ من الحزن ﴾ ومن الحزن، الحزن كان سبب البكاء الذي حدث منه البياض، فكأنه حدث من الحزن.

قيل ما جفت عينا يعقوب من وقت فراق يوسف إلى حين لقائه ثمانين عاماً، وما على وجه الأرض أكرم على الله من يعقوب.

وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه سأل جبريل عليه السلام: «ما بلغ من وجد يعقوب على يوسف؟

قال: وجد سبعين ثكلى.

قال: فما كان له من الأجر؟

قال: أجر مائة شهيد، وما ساء ظنه بالله ساعة قط» فإن قلت: كيف جاز لنبي الله أن يبلغ به الجزع ذلك المبلغ؟

قلت: الإنسان مجبول على أن لا يملك نفسه عند الشدائد من الحزن، ولذلك حمد صبره وأن يضبط نفسه حتى لا يخرج إلى ما لا يحسن، ولقد بكى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ولده إبراهيم وقال: «القلب يجزع، والعين تدمع، ولا نقول ما يسخط الرب، وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون» وإنما الجزع المذموم ما يقع من الجهلة من الصياح والنياحة، ولطم الصدور والوجوه، وتمزيق الثياب.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه بكى على ولد بعض بناته وهو يجود بنفسه، فقيل: يا رسول الله، تبكي وقد نهيتنا عن البكاء؟

فقال: «ما نهيتكم عن البكاء وإنما نهيتكم عن صوتين أحمقين: صوت عند الفرح، وصوت عند الترح» وعن الحسن أنه بكى على ولد أو غيره، فقيل له في ذلك، فقال: ما رأيت الله جعل الحزن عاراً على يعقوب ﴿ فَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ فهو مملوء من الغيط على أولاده ولا يظهر ما يسوؤهم، فعيل بمعنى مفعول، بدليل قوله ﴿ وَهُوَ مَكْظُومٌ ﴾ [القلم: 48] من كظم السقاء إذا شدّه على ملئه، والكظم بفتح الظاء: مخرج النفس.

يقال: أخذ بأكظامه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ ﴾ أيْ فَلَمّا رَجَعُوا إلى أبِيهِمْ وقالُوا لَهُ ما قالَ لَهم أخُوهم قالَ: ﴿ بَلْ سَوَّلَتْ ﴾ أيْ سَوَّلَتْ وسَهَّلَتْ.

﴿ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا ﴾ أرَدْتُمُوهُ فَقَدَّرْتُمُوهُ، وإلّا فَما أدْرى المَلِكَ أنَّ السّارِقَ يُؤْخَذُ بِسَرِقَتِهِ.

﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ﴾ أيْ فَأمْرِي صَبْرٌ جَمِيلٌ، أوْ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ أجْمَلُ.

﴿ عَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا ﴾ بِيُوسُفَ وبِنْيامِينَ وأخِيهِما الَّذِي تَوَقَّفَ بِمِصْرَ.

﴿ إنَّهُ هو العَلِيمُ ﴾ بِحالِي وحالِهِمْ.

﴿ الحَكِيمُ ﴾ في تَدْبِيرِهِما.

﴿ وَتَوَلّى عَنْهُمْ ﴾ وأعْرَضَ عَنْهم كَراهَةً لِما صادَفَ مِنهم.

﴿ وَقالَ يا أسَفى عَلى يُوسُفَ ﴾ أيْ يا أسَفًا تَعالَ فَهَذا أوانُكَ، والأسَفُ أشَدُّ الحُزْنِ والحَسْرَةِ، والألِفُ بَدَلٌ مِن ياءِ المُتَكَلِّمِ، وإنَّما تَأسَّفَ عَلى يُوسُفَ دُونَ أخَوَيْهِ والحادِثُ رُزْؤُهُما لِأنَّ رُزْأهُ كانَ قاعِدَةَ المُصِيباتِ وكانَ غَضًّا آخِذًا بِمَجامِعِ قَلْبِهِ، ولِأنَّهُ كانَ واثِقًا بِحَياتِهِما دُونَ حَياتِهِ، وفي الحَدِيثِ: «لَمْ تُعْطَ أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ عِنْدَ المُصِيبَةِ إلّا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ  » .

ألا تَرى إلى يَعْقُوبَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حِينَ أصابَهُ ما أصابَهُ لَمْ يَسْتَرْجِعْ وقالَ ﴿ يا أسَفى ﴾ .

﴿ وابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الحُزْنِ ﴾ لِكَثْرَةِ بُكائِهِ مِنَ الحُزْنِ كَأنَّ العَبْرَةَ مَحَقَتْ سَوادَهُما.

وقِيلَ ضَعُفَ بَصَرُهُ.

وقِيلَ عَمِيَ، وقُرِئَ « مِنَ الحَزَنِ» وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ التَّأسُّفِ والبُكاءِ عِنْدَ التَّفَجُّعِ، ولَعَلَّ أمْثالَ ذَلِكَ لا تَدْخُلُ تَحْتَ التَّكْلِيفِ فَإنَّهُ قَلَّ مَن يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الشَّدائِدِ، ولَقَدْ بَكى رَسُولُ اللَّهِ  عَلى ولَدِهِ إبْراهِيمَ وقالَ: «القَلْبُ يَجْزَعُ والعَيْنُ تَدْمَعُ، ولا نَقُولُ ما يُسْخِطُ الرَّبَّ، وإنَّما عَلَيْكَ يا إبْراهِيمُ لَمَحْزُونُونَ» .

﴿ فَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ مَمْلُوءٌ مِنَ الغَيْظِ عَلى أوْلادِهِ مُمْسِكٌ لَهُ في قَلْبِهِ لا يُظْهِرُهُ، فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَهُوَ مَكْظُومٌ ﴾ مِن كَظَمَ السِّقاءَ إذا شَدَّهُ عَلى مَلْئِهِ، أوْ بِمَعْنى فاعِلٍ كَقَوْلِهِ: ﴿ والكاظِمِينَ الغَيْظَ ﴾ مِن كَظَمَ الغَيْظَ إذا اجْتَرَعَهُ، وأصْلُهُ كَظَمَ البَعِيرُ جَرَّتَهُ إذا رَدَّها في جَوْفِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وتولى عنهم} واعرض عنهم كراهة لما جاءوا به {وقال يا أسفى عَلَى يُوسُفَ} أضاف الأسف وهو أشد الحزن والحسرة إلى نفسه والألف بدل من ياء الإضافة والتجانس بين الأسف ويوسف غير متكلف ونحوه اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم وهم ينهون عنه وينأون عنه وتحسبون انهم يحسنون صنعا من سبأ بنبأ وإنما تأسف على يوسف دون أخيه وكبيرهم لتمادي أسفه على يوسف دون الآخرين وفيه دليل على أن الرزء فيه مع تقادم عهده كان غضاً عنده طرياً {وابيضت عَيْنَاهُ} إذ أكثر الاستعبار ومحقت العبرة سواد العين وقلبته لى بياض كدر وقيل قد عمي بصره وقيل يدرك إدراكاً ضعيفاً {مِنَ الحزن} لأن الحزن سبب البكاء الذي حدث منه البياض فكأنه حدث من الحزن قيل ما جفت عينا يعقوب من وقت فراق يوسف إلى حين لقائه ثمانين عاماً وما على وجه الأرض أكرم على الله من يعقوب ويجوز للنبي عليه السلام

أن يبلغ به الجزع ذلك المبلغ لأن الإنسان مجبول على أن لا يملك نفسه عند الحزن فلذلك حمد صبره ولقد بكى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ولده إبراهيم وقال القلب يجزع والعين تدمع ولا نقول ما يسخط الرب وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون وإنما المذموم الصياح والنياحة ولطم الصدور والوجوه وتمزيق الثياب {فَهُوَ كظيم} مملوء من الغيظ على

يوسف (٨٥ _ ٨٨)

أولاده ولا يظهر ما يسوءهم فعيل بمعنى مفعول بدليل قوله إِذْ نادى وهو مكظوم من كظم السقاء إذا شده على ملئه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وتَوَلّى ﴾ أيْ أعْرَضَ عَنْهم كَراهَةً لِما جاءُوا بِهِ ﴿ وقالَ يا أسَفى عَلى يُوسُفَ ﴾ الأسَفُ أشَدُّ الحُزْنِ عَلى ما فاتَ والظّاهِرُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أضافَهُ إلى نَفْسِهِ والألِفُ بَدَلٌ مِن ياءِ المُتَكَلِّمِ لِلتَّخْفِيفِ والمَعْنى يا أسَفى تَعالَ فَهَذا أوانُكَ وقِيلَ: الألِفُ ألِفُ النُّدْبَةِ والهاءُ مَحْذُوفَةٌ والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ الأوَّلُ وإنَّما تَأسَّفَ عَلى يُوسُفَ مَعَ أنَّ الحادِثَ مُصِيبَةُ أخَوَيْهِ لِأنَّ رُزْأهُ كانَ قاعِدَةَ الأرْزاءِ عِنْدَهُ وإنْ تَقادَمَ عَهْدُهُ أخْذًا بِمَجامِعِ قَلْبِهِ لا يَنْساهُ ولا يَزُولُ عَنْ فِكْرِهِ أبَدًا ولَمْ تُنْسِنِي أوْفى المُصِيباتِ بُعْدَهُ ولَكِنَّ نَكاءَ القُرْحِ بِالقُرْحِ أوْجَعُ ولا يَرُدُّ أنَّ هَذا مُنافٍ لِمَنصِبِ النُّبُوَّةِ إذْ يَقْتَضِي ذَلِكَ مَعْرِفَةَ اللَّهِ تَعالى ومَن عَرَفَهُ سُبْحانَهُ أحَبَّهُ ومَن أحَبَّهُ لَمْ يَتَفَرَّغْ قَلْبُهُ لِحُبِّ ما سِواهُ لِما قِيلَ: إنَّ هَذِهِ مَحَبَّةٌ طَبِيعِيَّةٌ ولا تَأْبى الِاجْتِماعَ مَعَ حُبِّهِ تَعالى وقالَ الإمامُ: إنَّ مِثْلَ هَذِهِ المَحَبَّةِ الشَّدِيدَةِ تُزِيلُ عَنِ القَلْبِ الخَواطِرَ ويَكُونُ صاحِبُها كَثِيرَ الرُّجُوعِ إلَيْهِ تَعالى كَثِيرَ الدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ فَيَصِيرُ ذَلِكَ سَبَبًا لِكَمالِ الِاسْتِغْراقِ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما لِلصُّوفِيَّةِ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهم في هَذا المَقامِ في بابِ الإشارَةِ وقِيلَ: لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ واثِقًا بِحَياتِهِما عالِمًا بِمَكانِهِما طامِعًا بِإيابِهِما وأمّا يُوسُفُ فَلَمْ يَكُنْ في شَأْنِهِ ما يُحَرِّكُ سِلْسِلَةَ رَجائِهِ سِوى رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى وفَضْلِهِ وفِيهِ بَحْثٌ.

وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ لَمْ تُعْطَ أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ إلّا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ  أيْ لَمْ يُعَلَّمُوهُ ولَمْ يُوَفَّقُوا لَهُ عِنْدَ نُزُولِ المُصِيبَةِ بِهِمْ ألا يَرى إلى يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ أصابَهُ ما أصابَهُ لَمْ يَسْتَرْجِعْ وقالَ ما قالَ وفي ﴿ أسَفى ﴾ .

﴿ ويُوسُفَ ﴾ تَجْنِيسٌ نَفِيسٌ مِن غَيْرِ تَكَلُّفٍ وهو مِمّا يَزِيدُ الكَلامَ الجَلِيلَ بَهْجَةً ﴿ وابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الحُزْنِ ﴾ أيْ بِسَبَبِهِ وهو في الحَقِيقَةِ سَبَبٌ لِلْبُكاءِ والبُكاءُ سَبَبٌ لِابْيِضاضِ عَيْنِهِ فَإنَّ العَبْرَةَ إذا كَثُرَتْ مَحَقَتْ سَوادَ العَيْنِ وقَلَبَتْهُ إلى بَياضٍ كَدِرٍ فَأُقِيمَ سَبَبُ السَّبَبِ مَقامَهُ لِظُهُورِهِ والِابْيِضاضُ قِيلَ إنَّهُ كِنايَةٌ عَنِ العَمى فَيَكُونُ قَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالكُلِّيَّةِ واسْتَظْهَرَهُ أبُو حَيّانَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فارْتَدَّ بَصِيرًا ﴾ وهو يُقابَلُ بِالأعْمى وقِيلَ: لَيْسَ كِنايَةً عَنْ ذَلِكَ والمُرادُ مِنَ الآيَةِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ صارَتْ في عَيْنَيْهِ غِشاوَةٌ بَيْضَتْهُما وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يُدْرِكُ إدْراكًا ضَعِيفًا وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في حُكْمِ العَمى بِالنِّسْبَةِ إلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وكانَ الحَسَنُ مِمَّنْ يَرى جَوازَهُ.

فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِهِ وابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ قالَ: كانَ مُنْذُ خَرَجَ يُوسُفُ مِن عِنْدِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى يَوْمَ رَجَعَ ثَمانُونَ سَنَةً لَمْ يُفارِقِ الحُزْنُ قَلْبَهُ ودُمُوعُهُ تَجْرِي عَلى خَدَّيْهِ ولَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتّى ذَهَبَ بَصَرُهُ وما عَلى الأرْضِ يَوْمَئِذٍ واللَّهِ أكْرَمَ عَلى اللَّهِ تَعالى مِنهُ والظّاهِرُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَحْدُثْ لَهُ هَذا الأمْرُ عِنْدَ الحادِثِ الأخِيرِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ لَيْثِ بْنِ أبِي سُلَيْمٍ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ دَخَلَ عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ في السِّجْنِ فَعَرَفَهُ فَقالَ لَهُ: أيُّها المَلِكُ الكَرِيمُ عَلى رَبِّهِ هَلْ لَكَ عِلْمٌ بِيَعْقُوبَ قالَ: نَعَمْ قالَ: ما فَعَلَ قالَ: ابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الحُزْنِ عَلَيْكَ قالَ: فَما بَلَغَ مِنَ الحُزْنِ قالَ: حَزِنَ سَبْعِينَ مُشْكِلَةً قالَ: هَلْ لَهُ عَلى ذَلِكَ مِن أجْرٍ قالَ: نَعَمْ أجْرُ مِائَةِ شَهِيدٍ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ ( مِنَ الحَزَنِ ) بِفَتْحِ الحاءِ والزّايِ وقَرَأ قَتادَةُ بِضَمِّهِما واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ عَلى جَوازِ التَّأسُّفِ والبُكاءِ عِنْدَ النَّوائِبِ ولَعَلَّ الكَفَّ عَنْ أمْثالِ ذَلِكَ لا يَدْخُلُ تَحْتَ التَّكْلِيفِ فَإنَّهُ قَلَّ مَن يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الشَّدائِدِ.

وقَدْ رَوى الشَّيْخانِ مِن حَدِيثِ أنَسٍ «أنَّهُ  بَكى عَلى ولَدِهِ إبْراهِيمَ وقالَ: إنَّ العَيْنَ تَدْمَعُ والقَلْبَ يَخْشَعُ ولا نَقُولُ إلّا ما يُرْضِي رَبَّنا وإنّا لِفِراقِكَ يا إبْراهِيمُ لَمَحْزُونُونَ» وإنَّما المَنهِيُّ عَنْهُ ما يَفْعَلُهُ الجَهَلَةُ مِنَ النِّياحَةِ ولَطْمِ الخُدُودِ والصُّدُورِ وشَقِّ الجُيُوبِ وتَمْزِيقِ الثِّيابِ ورَوَيا أيْضًا مِن حَدِيثِ أُسامَةَ «أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ رُفِعَ إلَيْهِ صَبِيٌّ لِبَعْضِ بَناتِهِ يَجُودُ بِنَفْسِهِ فَأقْعَدَهُ في حِجْرِهِ ونَفْسُهُ تَتَقَعْقَعُ كَأنَّها في شَنٍّ فَفاضَتْ عَيْناهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالَ سَعْدٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما هَذا فَقالَ: هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَها اللَّهُ تَعالى فِيمَن شاءَ مِن عِبادِهِ وإنَّما يَرْحَمُ اللَّهُ تَعالى مِن عِبادِهِ الرُّحَماءَ» وفي الكَشّافِ «أنَّهُ قِيلَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: تَبْكِي وقَدْ نَهَيْتَنا عَنِ البُكاءِ قالَ ما نَهَيْتُكم عَنِ البُكاءِ وإنَّما نَهَيْتُكم عَنْ صَوْتَيْنِ أحْمَقَيْنِ صَوْتٍ عِنْدَ الفَرَحِ وصَوْتٍ عِنْدَ التَّرَحِ» وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ بَكى عَلى ولَدٍ أوْ غَيْرِهِ فَقِيلَ لَهُ في ذَلِكَ فَقالَ: ما رَأيْتُ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ الحُزْنَ عارًا عَلى يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ فَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ .

(84) .

أيْ مَمْلُوءٌ مِنَ الغَيْظِ عَلى أوْلادِهِ مُمْسِكٌ لَهُ في قَلْبِهِ لا يُظْهِرُهُ وقِيلَ: مَمْلُوءٌ مِنَ الحُزْنِ مُمْسِكٌ لَهُ لا يُبْدِيهِ وهو مِن كَظْمِ السِّقاءِ إذا شَدَّهُ بَعْدَ مَلْئِهِ فَفَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ أيْ مَكْظُومٌ فَهو كَما جاءَ في يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ إذْ نادى وهو مَكْظُومٌ ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى فاعِلٍ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ والكاظِمِينَ ﴾ مِن كَظْمِ الغَيْظِ إذا تَجَرَّعَهُ أيْ شَدِيدُ التَّجَرُّعِ لِلْغَيْظِ أوِ الحُزْنِ لِأنَّهُ لَمْ يَشْكِهِ إلى أحَدٍ قَطُّ وأصْلُهُ مِن كَظْمِ البَعِيرِ جَرَّتَهُ إذا رَدَّها في جَوْفِهِ فَكَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَرُدُّ ذَلِكَ في جَوْفِهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى مِن غَيْرِ أنْ يُطْلِعَ أحَدًا عَلَيْهِ وفي الكَلامِ مِنَ الِاسْتِعارَةِ عَلى الوَجْهَيْنِ ما لا يَخْفى ورُجِّحَ الأخِيرُ مِنهُما بِأنَّ فَعِيلًا بِمَعْنى فاعِلٍ مُطَّرَدٌ ولا كَذَلِكَ فَعِيلًا بِمَعْنى <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها يعني: سل أهل القرية.

قال الكلبي: وهي قرية من قرى مصر.

ويقال: هي مصر بعينها.

ويقال: هو المنزل الذي أذن المؤذن فيه، إنكم لسارقون وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها يعني: سل أهل العير الذين كانوا معنا من أرض كنعان وَإِنَّا لَصادِقُونَ في قولنا.

فرجعوا إلى يعقوب بذلك القول، فاتهمهم يعقوب فقال: كلما خرجتم من عندي، نقصتم واحداً، ذهبتم مرة فنقصتم يوسف.

وذهبتم مرة فنقصتم شمعون، وذهبتم الآن ونقصتم بنيامين، فقد صرتم كالذئاب يأكل بعضهم بعضاً.

ثم قال تعالى: قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً يعني: قال يعقوب: اشتهت وزينت لكم قلوبكم أَمْراً فصنعتموه فَصَبْرٌ جَمِيلٌ يعني: على صبر جميل حسن، من غير جزع، لا أشكو فيه إلى أحد عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً يعني: لعل الله أن يرد عليّ يوسف ويهوذا وبنيامين إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ بمكانهم الْحَكِيمُ أن يحكم بردّهم عليّ.

قوله تعالى: وَتَوَلَّى عَنْهُمْ يعني: أعرض عن بنيه وخرج عنهم وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ يعني: يا حزنا على يوسف، والأسف: أشد الحسرة وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ يعني: من البكاء فَهُوَ كَظِيمٌ يعني: مغموماً مكروباً، يتردد الحزن في جوفه.

والكظيم والكاظم بمعنى واحد، مثل القدير والقادر.

وهو الممسك على حزنه، لا يظهره ولا يشكوه.

وروي عن الحسن أنه قال: مكث يعقوب ثمانين سنة ما تجف دموعه، ولا يفارق قلبه الحزن يوماً، وما كان على الأرض يومئذٍ أحد أكرم على الله منه.

قال: وألقي يوسف في الجب وهو يومئذٍ ابن سبع سنين، وغاب عن أبيه ثمانين سنة، وعاش بعد ما جمع الله شمله ثلاثاً وعشرين سنة.

وروي عن ابن عباس أنه قال: «غاب يوسف عنه اثنين وعشرين سنة» .

وقال سعيد بن جبير: ما أعطيت أمة من الأمم إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ [البقرة: 156] غير هذه الأمة، ولو كان أوتيها أحد قبلكم لأوتيها يعقوب حين قال: يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ وروي عن إبراهيم بن ميسرة أنه قال: لو أن الله أدخلني الجنة، لعاتبت يوسف بما فعل بأبيه، حيث لم يكتب إليه كتابا، ولم يعلمه حاله، ليسكن ما به من الغم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله: أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً ...

الآية: الظاهر منه أنه قالها إِفصاحاً كأنه أسَرَّ لهم كراهيةَ مقالتهم، ثم نجَهَهُمْ بقوله: أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً: أي: لسوءِ أفعالكم، واللَّه أعلم أنْ كان ما وصفتموه حقًّا، وفي اللفظ إِشارةٌ إِلى تكذيبهم وممَّا يُقَوِّي هذا عِنْدِي أنهم تركُوا الشَّفاعة بأنفسهم، وعدَلُوا إِلى الشفاعة بأبيهم عليه السلام، وقالتْ فرقة: لم يقُلْ هذا الكلامَ إِلا في نَفْسه، وإِنه تفسيرٌ للذي أسَرَّ في نفسه، فكأَنَّ المراد: قال في نَفْسِهِ: أنتم شرُّ مكاناً، وذكر الطبريُّ هنا قصصاً اختصاره أنَّه لما استخرجت السقايةُ مِنْ رَحْلِ يامين، قال إخوته:

يا بَنِي رَاحِيلَ، لاَ يَزَالُ البلاءُ يَنَالُنَا مِنْ جِهَتِكُمْ، فقال يَامِينُ: بل بَنُو رَاحِيلَ ينالُهُمُ البلاءُ منكم، ذهبتم بأخِي، فَأَهْلَكْتُمُوهُ، ووضع هذا الصُّواعَ في رَحْلِي الذي وَضَعَ الدراهمَ في رحالِكُمْ، فقالوا: لا تَذْكُر الدراهم، لَئَلاَّ نؤْخَذَ بها، ثم دَخَلُوا على يوسُفَ، فأخذ الصُّواع، فَنَقَرَهُ، فَطَنَّ، فقال: إِنه يخبر أنَّكم ذهبتم بأخٍ لكم، فَبِعْتُمُوهُ، فَسَجَدَ يامين، وقال: أيها العزيزُ، سَلْ صُوَاعَكَ هذا يُخْبِرُكَ بالحقِّ، في قصص يَطولُ آثرنا اختصاره.

وروي أن رُوبِيلَ غَضِبَ، وقَفَّ شَعْرَه، حتى خرج من ثيابِهِ، فأمر يوسُفُ بنيًّا له، فمسَّه فسكَنَ غضبه، فقال رُوبيلُ: لقد مسَّني أحدٌ من ولد يعقُوبَ، ثم إِنهم تشاوَرُوا في محارَبَةِ يُوسُفَ، وكانوا أَهْلَ قُوَّةٍ، لا/ يُدَانَوْنَ في ذلك، فلما أحَسَّ يوسُفُ بذلك، قام إِلى رُوبِيلَ، فلبَّبه وصَرَعَهُ، فرأَوا من قوّته ما استعظموه، وقالوا: يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ ...

الآية، وخاطبوه باسم العزيز، إِذ كان في تِلْكَ الخُطَّةَ بعَزْلِ الأول أو موته، على ما رُوِيَ في ذلك، وقولهم: فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ يحتمل أنْ يكونَ ذلك منْهم مجازاً، ويحتمل أنْ يكون حقيقةً علَى طريقِ الحَمَالَةِ حتى يَصِلَ يَامِينُ إِلى أَبيه، ويعرف يعقوبُ جليَّة الأمر، فمَنَع يوسُفُ من ذلك، وقال: مَعاذَ اللَّهِ ...

الآية.

وقوله سبحانه: فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ ...

الآية: يقال: يَئِسَ واستيأس بمعنًى واحدٍ، قال البخاريُّ: خَلَصُوا نَجِيًّا: اعتزلوا، والجَمْع أَنْجِيَةٌ، وللاثنين والجمع نَجِيٌّ

وأَنْجِيَة انتهى.

وقال الهَرَوِيُّ: خَلَصُوا نَجِيًّا: أي تميّزوا عن الناس متناجين انتهى.

وكَبِيرُهُمْ: قال مجاهدٌ هو شَمْعُونُ، كان كبيرهم رَأْياً وعِلْماً، وإِن كان رُوبِيلُ أَسنَّهم «١» ، وقال قتادة: هو روبيلُ، لأَنه أسنُّهم «٢» ، وهذا أظهرُ ورجَّحه الطبريُّ «٣» ، وذكرهم أخوهم ميثاقَ أبيهم: لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ [يوسف: ٦٦] .

وقوله: فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ: قال: ص: «بَرَحَ» التامَّةُ بمعنى ذَهَبَ وظَهَرَ ومنه: برح الخَفَاء، أي: ظهر، والمتوجَّه هنا: معنى «ذهب» ، لكنَّه لا ينصب الظرف المكانيَّ المختصَّ إِلا بواسطة، فاحتيج إِلى تضمينه معنى «فارق» ، والأرض مفعولٌ به، ولا يجوزُ أنْ تكون «أبرح» : ناقصةٌ انتهى.

وقوله: ارْجِعُوا إِلى أَبِيكُمْ: الأمر بالرجُوعِ قيلَ: هُوَ مِنْ قولِ كبيرهم، وقيل: من قَوْلِ يوسُفَ، والأول أظهرُ، وذكر الطبرِيُّ أَنَّ يوسُفَ قال لهم: إِذا أتيتم أباكم فاقرؤوا علَيْه السَّلام، وقولوا له: إِنَّ مَلِكَ مِصْرَ يدْعُو لك أَلاَّ تمُوتَ حَتَّى تَرَى ولدك يوسُفَ، ليعلم أَنَّ في أرض مِصْرَ صِدِّيقين مثله، وقرأ الجمهور: «سَرَقَ» ، وروي عن الكسائي «٤» وغيره:

«سُرِقَ» - ببنائه للمفعول-.

وَما شَهِدْنا إِلَّا بِما عَلِمْنا: أي: باعتبار الظَّاهر، والعِلْمُ في الغَيْبِ إِلى اللَّه، ليْسَ ذلك في حِفْظنا، هذا تأويل ابْن إِسحاق، ثم استشهدوا بالقرية التي كانوا فيهَا، وهي مِصْر قاله ابن عباس «٥» ، والمراد أهْلُها، قال البُخَارِيُّ: سَوَّلَتْ: أي: زَيَّنَتْ، وقولُ يعقُوبَ:

عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً يعنى بيوسُفَ ويَامِينَ ورُوبِيلَ الذي لَمْ يَبْرَحِ الأرض،

ورجاؤه هذا مِنْ جهاتٍ، منها: حُسْن ظَنِّه باللَّه سبحانه في كلِّ حالٍ، ومنها: رؤيا يوسُفَ المتقدِّمة فإِنه كان ينتظرُها، ومنها: ما أخبروهُ عَنْ مَلِكِ مِصْر أنه يدعو له برؤْية ابنه.

وقوله سبحانه: وَتَوَلَّى عَنْهُمْ: أي: زال بوجْهه عنْهم مُلْتَجِئاً إِلى اللَّه: وَقالَ: يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ.

قال الحسن: خُصَّت هذه الأمَّة بالاسترجاع ألا ترى إلى قول يعقوب:

يا أَسَفى «١» .

قال ع «٢» : والمراد يا أسفَي، لكنْ هذه لُغَةُ مَنْ يردُّ ياء الإِضافة ألفاً نحو:

يا غُلاَما، ويَا أَبَتَا، ولا يبعد أَنْ يجتمع الاسترجاع، ويَا أَسْفَى لهذه الأُمَّة، وليعقوب عليه السلام، وروي أن يعقوبَ عليه السلام/ حَزِنَ حُزْنَ سبعين ثَكْلَى، وأُعطِيَ أَجْرَ مَائَةِ شهيدٍ، وما ساءَ ظَنَّهُ باللَّه قطُّ، رواه الحسن عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم «٣» ، فَهُوَ كَظِيمٌ بمعنى: كاظِمٍ، كما قال: وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ [آل عمران: ١٣٤] ووصف يعقوب بذلك، لأنه لم يَشْكُ إِلى أحَدٍ، وإِنما كان يكْمد في نَفْسه، ويُمْسِك همَّه في صَدْره، فكان يكظمه، أي: يردُّه إِلى قلبه.

ت وهذا ينظر إلى قول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «القَلْبُ يَحْزَنُ وَالعَيْنُ تَدْمَعُ وَلاَ نَقُولُ إِلاَّ ما يرضي الرّبّ ...

» الحديث، ذكر هذا صلّى الله عليه وسلّم عنْدَ مَوْتِ ولده إِبراهيم «٤» ، قال ابن المبارِك في «رقائقه» : أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادة في قوله تعالى: وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ، قَالَ: كَظم على الحُزْنِ، فلم يقُلْ إِلا خَيْراً «٥» انتهى، قال ابن العربيِّ في «أحكامه» : وفي الحديث الصحيح عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، أنَّه قال في ابنه إِبراهيم: «إِنَّ العَيْنَ تَدْمَعُ، وَالَقْلَبَ يَحْزَنُ، وَلاَ نَقُولُ إِلاَّ مَا يُرْضِي الرَّبَّ، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ» ، وقال أيضا في الصحيح صلّى الله عليه وسلّم: «إِنَّ اللَّهَ لاَ يُعَذِّبُ بِدَمْعِ العَيْنِ، وَلاَ بِحُزْنِ القَلْبِ، وَإِنَّمَا يُعَذِّبُ بِهَذَا- وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ- أَوْ يَرْحَمُ» «٦» انتهى.

خرَّجه البخاريُّ وغيره.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَوَلّى عَنْهُمْ ﴾ أيْ: أعْرَضَ عَنْ ولَدِهِ أنْ يُطِيلَ مَعَهُمُ الخُطَبَ، وانْفَرَدَ بِحُزْنِهِ، وهَيَّجَ عَلَيْهِ ذِكْرَ يُوسُفَ ﴿ وَقالَ يا أسَفى عَلى يُوسُفَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يا طُولَ حُزْنِي عَلى يُوسُفَ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الأسَفُ: أشَدُّ الحَسْرَةِ.

قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَقَدْ أُعْطِيَتْ هَذِهِ الأُمَّةُ عِنْدَ المُصِيبَةِ ما لَمْ يُعْطَ الأنْبِياءُ قَبْلَهم ﴿ إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ  ﴾ ، ولَوْ أُعْطِيَها الأنْبِياءُ لَأُعْطِيَها يَعْقُوبُ، إذْ يَقُولُ: ﴿ يا أسَفى عَلى يُوسُفَ ﴾ .

فَإنْ قِيلَ: هَذا لَفْظُ الشَّكْوى، فَأيْنَ الصَّبْرُ ؟

فالجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ شَكا إلى اللَّهِ تَعالى، لا مِنهُ.

والثّانِي: أنَّهُ أرادَ بِهِ الدُّعاءَ، فالمَعْنى: يارَبِّ ارْحَمْ أسَفِي عَلى يُوسُفَ.

وذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْ بَعْضِ اللُّغَوِيِّينَ أنَّهُ قالَ: نِداءُ يَعْقُوبَ الأسَفَ في اللَّفْظِ مِنَ المَجازِ الَّذِي يُعْنى بِهِ غَيْرُ المُظْهَرِ في اللَّفْظِ، وتَلْخِيصُهُ: يا إلَهِي ارْحَمْ أسَفِي، أوْ أنْتَ راءٍ أسَفِي، وهَذا أسَفِي، فَنادى الأسَفَ في اللَّفْظِ، والمُنادى في المَعْنى سِواهُ، كَما قالَ: ﴿ يا حَسْرَتَنا ﴾ والمَعْنى: يا هَؤُلاءِ تَنَبَّهُوا عَلى حَسْرَتِنا، قالَ: والحُزْنُ ونُفُورُ النَّفْسِ مِنَ المَكْرُوهِ والبَلاءِ لا عَيْبَ فِيهِ ولا مَأْثَمَ إذا لَمْ يَنْطِقِ اللِّسانُ بِكَلامٍ مُؤَثِّمٍ ولَمْ يَشْكُ إلّا إلى رَبِّهِ، فَلَمّا كانَ قَوْلُهُ: " يا أسَفى " شَكْوى إلى رَبِّهِ، كانَ غَيْرَ مَلُومٍ.

وقَدْ رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّ أخاهُ ماتَ، فَجَزِعَ الحَسَنُ جَزَعًا شَدِيدًا، فَعُوتِبَ في ذَلِكَ، فَقالَ: ما وجَدْتُ اللَّهَ عابَ عَلى يَعْقُوبَ الحُزْنَ حَيْثُ قالَ: ﴿ يا أسَفى عَلى يُوسُفَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الحُزْنِ ﴾ أيِ: انْقَلَبَتْ إلى حالِ البَياضِ.

وهَلْ ذَهَبَ بَصَرُهُ، أمْ لا، فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ ذَهَبَ بَصَرُهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: ضَعُفَ بَصَرُهُ لِبَياضٍ تَغَشّاهُ مِن كَثْرَةِ البُكاءِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

وقالَ مُقاتِلٌ: لَمْ يُبْصِرْ بِعَيْنَيْهِ سِتَّ سِنِينَ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وقَوْلُهُ: ﴿ مِنَ الحُزْنِ ﴾ أيْ: مِنَ البُكاءِ، يُرِيدُ أنَّ عَيْنَيْهِ ابْيَضَّتا لِكَثْرَةِ بُكائِهِ، فَلَمّا كانَ الحُزْنُ سَبَبًا لِلْبُكاءِ، سُمِّيَ البُكاءُ حُزْنًا.

وقالَ ثابِتٌ البُنانِيُّ: دَخَلَ جِبْرِيلُ عَلى يُوسُفَ، فَقالَ: أيُّها المَلِكُ الكَرِيمُ عَلى رَبِّهِ، هَلْ لَكَ عِلْمٌ بِيَعْقُوبَ ؟

قالَ: نَعَمْ.

قالَ: ما فَعَلَ، قالَ: ابْيَضَّتْ عَيْناهُ، قالَ: ما بَلَغَ حُزْنُهُ ؟

قالَ: حُزْنُ سَبْعِينَ ثَكْلى، قالَ: فَهَلْ لَهُ عَلى ذَلِكَ مِن أجْرٍ ؟

قالَ: أجْرُ مِائَةِ شَهِيدٍ.

وقالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: ما فارَقَ يَعْقُوبَ الحُزْنُ ثَمانِينَ سَنَةً، وما جَفَّتْ عَيْنُهُ، وما أحَدٌ يَوْمَئِذٍ أكْرَمُ عَلى اللَّهِ مِنهُ حِينَ ذَهَبَ بَصَرُهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ الكَظِيمُ بِمَعْنى الكاظِمِ، وهو المُمْسِكُ عَلى حُزْنِهِ فَلا يُظْهِرُهُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وقَدْ شَرَحْنا هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ والكاظِمِينَ الغَيْظَ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَتَوَلّى عنهم وقالَ يا أسَفى عَلى يُوسُفَ وابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الحُزْنِ فَهو كَظِيمٌ ﴾ ﴿ قالُوا تاللهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتّى تَكُونَ حَرَضًا أو تَكُونَ مِنَ الهالِكِينَ ﴾ ﴿ قالَ إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللهِ وأعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ المَعْنى: أنَّهُ لَمّا ساءَ ظَنُّهُ بِهِمْ ولَمْ يُصَدِّقْ قَوْلَهم بَلِ اسْتَرابَ بِهِ ﴿ وَتَوَلّى عنهُمْ ﴾ أيْ زالَ بِوَجْهِهِ عنهُمْ، وجَعَلَ يَتَفَجَّعُ ويَتَأسَّفُ.

قالَ الحَسَنُ: خُصَّتْ هَذِهِ الأُمَّةُ بِالِاسْتِرْجاعِ، ألاَ تَرى إلى قَوْلِ يَعْقُوبَ: ﴿ يا أسَفى ﴾ ؟

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والمُرادُ: يا أسَفِي، لَكِنْ هَذِهِ لُغَةُ مَن يَرُدُّ ياءَ الإضافَةِ ألِفًا نَحْوُ: يا أبَتا ويا غُلاما.

وَنادى الأسَفَ عَلى مَعْنى: احْضُرْ فَهَذا مِن أوقاتِكَ.

وقِيلَ: قَوْلُهُ: "يا أسَفى" عَلى جِهَةِ النُدْبَةِ، وحَذْفُ الهاءِ الَّتِي هي في النُدْبَةِ عَلامَةُ المُبالَغَةِ في الحُزْنِ تَجَلُّدًا مِنهُ عَلَيْهِ السَلامُ، إذْ كانَ قَدِ ارْتَبَطَ إلى الصَبْرِ الجَمِيلِ.

وقِيلَ: قَوْلُهُ: "يا أسَفى" نِداءٌ فِيهِ اسْتِغاثَةٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا يَبْعُدُ أنْ يَجْتَمِعَ "الِاسْتِرْجاعُ" و"يا أسَفا" لِهَذِهِ الأُمَّةِ ولِيَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَلامُ.

﴿ وابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الحُزْنِ ﴾ أيْ: مِن مُلازَمَةِ البُكاءِ الَّذِي هو ثَمَرَةُ الحُزْنِ، ورُوِيَ «أنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَلامُ حَزِنَ حُزْنَ سَبْعِينَ ثَكْلى، وأُعْطِيَ أجْرَ مِائَةِ شَهِيدٍ، وما ساءَ ظَنُّهُ بِاللهِ قَطُّ،» رَواهُ الحَسَنُ عَنِ النَبِيِّ  .

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ: "الحَزَنِ" بِفَتْحِ الحاءِ والزايِ، وقَرَأ قَتادَةُ بِضَمِّهِما، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِضَمِّ الحاءِ وسُكُونِ الزايِ.

" وهو كَظِيمٌ " بِمَعْنى: كاظِمٌ، كَما قالَ: ﴿ والكاظِمِينَ الغَيْظَ  ﴾ ، ووَصَفَ يَعْقُوبَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ لَمْ يَشْكُ إلى أحَدٍ، وإنَّما كانَ يَكْمَدُ في نَفْسِهِ ويُمْسِكُ هَمَّهُ في صَدْرِهِ، وكانَ يَكْظِمُهُ أيْ يَرُدُّهُ إلى قَلْبِهِ ولا يُرْسِلُهُ بِالشَكْوى والغَضَبِ والضَجَرِ، وقالَ ناسٌ: "كَظِيمٌ" بِمَعْنى: مَكْظُومٌ.

وقَدْ وصَفَ اللهُ تَعالى يُونُسَ عَلَيْهِ السَلامُ بِمَكْظُومٍ في قَوْلِهِ: ﴿ إذْ نادى وهو مَكْظُومٌ  ﴾ ، وهَذا إنَّما يَتَّجِهُ عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ مَلِيءٌ بِحُزْنِهِ، فَكَأنَّهُ كَظَمَ بَثَّهُ في صَدْرِهِ، وجَرْيُ "كَظِيمٌ" عَلى بابِ "كاظِمٍ" أبْيَنُ، وفَسَّرَ ناسٌ "الكَظِيمَ" بِالمَكْرُوبِ وبِالمَكْدُورِ، وذَلِكَ كُلُّهُ مُتَقارِبٌ.

وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: الأسَفُ إذا كانَ مِن جِهَةِ مَن هو أقَلُّ مِنَ الإنْسانِ فَهو غَضَبٌ، ومِنهُ قَوْلُ اللهِ تَعالى: ﴿ فَلَمّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنهُمْ  ﴾ ، ومِنهُ قَوْلُ الرَجُلِ الَّذِي ذَهَبَتْ لِخادِمِهِ الشاةُ مِنَ الغَنَمِ: "فَأسِفْتُ فَلَطَمْتُها"، وإذا كانَ مِن جِهَةٍ لا يُطِيقُها فَهو هَمٌّ وحُزْنٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَحْرِيرُ هَذا المَنزَعِ أنَّ الأسَفَ يُقالُ في الغَضَبِ ويُقالُ في الحُزْنِ، وكُلُّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ يَحْزِرُ حالَهُ الَّتِي يُقالُ عَلَيْها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالُوا تاللهِ تَفْتَأُ ﴾ الآيَةَ.

المَعْنى: تاللهِ لا تَفْتَأُ، فَتُحْذَفُ (لا) في هَذا المَوْضِعِ مِنَ القَسَمِ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْها، فَمِن ذَلِكَ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: فَقُلْتُ يَمِينُ اللهِ أبْرَحُ قاعِدًا ∗∗∗ ولَوْ قَطَعُوا رَأْسِي لَدَيْكِ وأوصالِي ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: تاللهِ يَبْقى عَلى الأيّامِ ذُو حِيَدٍ ∗∗∗ ∗∗∗ بِمُشْمَخِرٍّ بِهِ الظَيّانُ والآسُ أرادَ: لا يَبْرَحُ، ولا يَبْقى.

وقالَ الزَجّاجِيُّ: وقَدْ تُحْذَفُ أيْضًا (ما) في هَذا المَوْضِعِ، وخَطَّأهُ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ.

ومِنَ المَواضِعِ الَّتِي حُذِفَتْ فِيها (لا) ويَدُلُّ عَلَيْها الكَلامُ، قَوْلُ الشاعِرِ: فَلا -وَأبِي دَهْماءَ- زالَتْ عَزِيزَةً ∗∗∗ ∗∗∗ عَلى قَوْمِها ما فَتَّلَ الزَنْدَ قادِحُ وقَوْلُهُ: "ما فَتَّلَ الزَنْدَ قادِحُ" يُوجِبُ أنَّ المَحْذُوفَ (لا)، ولَيْسَتْ (ما).

و(فَتِئَ) بِمَنزِلَةِ زالَ وبَرِحَ في المَعْنى والعَمَلِ، تَقُولُ: "واللهِ لا فَتِئْتُ قاعِدًا" كَما تَقُولُ: "لا زِلْتُ ولا بَرِحْتُ"، ومِنهُ قَوْلُ أوسِ بْنِ حَجَرٍ: فَما فَتِئَتْ حَتّى كَأنَّ غُبارَها ∗∗∗ ∗∗∗ سُرادِقُ يَوْمٍ ذِي رِياحٍ تَرَفَّعُ و"الحَرَضُ": الَّذِي قَدْ نَهِكَهُ الهَرَمُ أوِ الحُبُّ أوِ الحُزْنُ إلى حالِ فَسادِ الأعْضاءِ والبَدَنِ والحِسِّ، وعَلى هَذا المَعْنى قِراءَةُ الجُمْهُورِ: "حَرَضًا" بِفَتْحِ الراءِ والحاءِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ بِضَمِّهِما، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "حُرْضًا" بِضَمِّ الحاءِ وسُكُونِ الراءِ، وهَذا كُلُّهُ المَصْدَرُ يُوصَفُ بِهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ والمُفْرَدُ والجَمْعُ بِلَفْظٍ واحِدٍ، كَعَدْلٍ وعُدُوٍّ، وقِيلَ في قِراءَةِ الحَسَنِ: إنَّهُ فُتاتُ الأشْنانِ، أيْ: بالِيًا مُتَفَتِّتًا، ويُقالُ مِن هَذا المَعْنى الَّذِي هو شَنُّ الهَمِّ والهَرَمِ: "رَجُلٌ حارِضٌ"، ويُثَنّى هَذا البِناءُ ويُجْمَعُ ويُؤَنَّثُ وَيُذَّكَّرُ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ الشاعِرِ: إنِّي امْرُؤٌ لَجَّ بِي حُبٌّ فَأحْرَضَنِي ∗∗∗ ∗∗∗ حَتّى بَلِيَتْ وحَتّى شَفَّنِيَ السَقَمُ وقَدْ سُمِعَ مِنَ العَرَبِ "رَجُلٌ مُحْرَضٌ"، قالَ الشاعِرُ وهو امْرُؤُ القَيْسِ: أرى المَرْءَ ذا الأذْوادِ يُصْبِحُ مُحْرَضًا ∗∗∗ ∗∗∗ كَإحْراضِ بَكْرٍ في الدِيارِ مَرِيضِ والحَرَضُ -بِالجُمْلَةِ-: الَّذِي فَسَدَ ودَنا مَوْتُهُ، قالَ مُجاهِدٌ: الحَرَضُ: ما دُونَ المَوْتِ، قالَ قَتادَةُ: الحَرَضُ: البالِي الهَرِمُ، وقالَ نَحْوَهُ الضَحّاكُ والحَسَنُ، وقالَ الحَسَنُ: "حَرَضًا": مَعْناهُ: فاسِدٌ لا عَقْلَ لَهُ، فَكَأنَّهم قالُوا عَلى جِهَةِ التَعْنِيفِ لَهُ: أنْتَ لا تَزالُ تَذْكُرُ يُوسُفَ إلى حالِ القُرْبِ مِنَ الهَلاكِ، أو إلى الهَلاكِ، فَأجابَهم يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَلامُ رادًّا عَلَيْهِمْ: إنِّي لَسْتُ مِمَّنْ يَجْزَعُ ويَضْجَرُ فَيَسْتَحِقُّ التَعْنِيفَ، وإنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللهِ.

و"البَثُّ": ما في صَدْرِ الإنْسانِ مِمّا هو مُعْتَزِمٌ أنْ يَبُثَّهُ ويَنْشُرَهُ، وأكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ البَثُّ في المَكْرُوهِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: البَثُّ: أشَدُّ الحُزْنِ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ البَثُّ في المَخْفِيِّ عَلى الجُمْلَةِ، ومِنهُ قَوْلُ المَرْأةِ في حَدِيثِ "أمِّ زَرْعٍ": (وَلا يُولِجُ الكَفَّ لِيَعْلَمَ البَثَّ)، وَمِنهُ قَوْلُهُمْ: "أبُثُّكَ حَدِيثِي".

وقَرَأ عِيسى: "وَحَزَنِي" بِفَتْحِ الحاءِ والزايِ.

وحَكى الطَبَرِيُّ بِسَنَدٍ أنَّ يَعْقُوبَ دَخَلَ عَلى فِرْعَوْنَ وقَدْ سَقَطَ حاجِباهُ عَلى عَيْنَيْهِ مِنَ الكِبَرِ، فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ: ما بَلَغَ بِكَ هَذا يا إبْراهِيمُ؟

فَقالُوا: إنَّهُ يَعْقُوبُ، فَقالَ: ما بَلَغَ بِكَ هَذا يا يَعْقُوبُ ؟

قالَ لَهُ: طُولُ الزَمانِ وكَثْرَةُ الأحْزانِ، فَأوحى اللهُ إلَيْهِ: يا يَعْقُوبُ، أتَشْكُونِي إلى خَلْقِي؟

فَقالَ: يا رَبِّ، خَطِيئَةٌ فاغْفِرْها لِي.

وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ إلى الحَسَنِ قالَ: كانَ بَيْنَ خُرُوجِ يُوسُفَ عن يَعْقُوبَ إلى دُخُولِ يَعْقُوبَ عَلى يُوسُفَ ثَمانُونَ سَنَةً لَمْ يُفارِقِ الحُزْنُ قَلْبَهُ، ولَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتّى كُفَّ بَصَرُهُ، وما في الأرْضِ يَوْمَئِذٍ أكْرَمُ عَلى اللهِ مِن يَعْقُوبَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ أعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ  ﴾ يَحْتَمِلُ أنَّهُ أشارَ إلى حُسْنِ ظَنِّهِ بِاللهِ وجَمِيلِ عادَةِ اللهِ عِنْدَهُ، ويَحْتَمِلُ أنَّهُ أشارَ إلى الرُؤْيا المُنْتَظَرَةِ، أو إلى ما وقَعَ في نَفْسِهِ عن قَوْلِ مَلِكِ مِصْرَ: إنِّي أدْعُو لَهُ بِرُؤْيَةِ ابْنِهِ قَبْلَ المَوْتِ، وهَذا هو حُسْنُ الظَنِّ الَّذِي قَدَّمْناهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

انتقال إلى حكاية حال يعقوب عليه السلام في انفراده عن أبنائه ومناجاته نفسه، فالتولي حاصل عقب المحاورة.

و ﴿ تولى ﴾ : انصرف، وهو انصراف غَضَب.

ولمّا كان التولّي يقتضي الاختلاء بنفسه ذكر من أخواله تجدد أسفه على يوسف عليه السلام فقال: ﴿ يا أسفى على يوسف ﴾ والأسف؛ أشد الحزن، أسِف كحزن.

ونداء الأسف مجاز.

نزّل الأسف منزلة من يعقل فيقول له: احضر فهذا أوان حضورك، وأضاف الأسف إلى ضمير نفسه لأن هذا الأسف جزئي مختص به من بين جزئيات جنس الأسف.

والألف عوض عن ياء المتكلم فإنها في النداء تبدل ألفاً.

وإنما ذكر القرآن تحسّره على يوسف عليه السلام ولم يذكر تحسره على ابنيه الآخرين لأن ذلك التحسّر هو الذي يتعلق بهذه القصة فلا يقتضي ذكرُه أن يعقوب عليه السلام لم يتحسّر قط إلاّ على يوسف، مع أن الواو لا تفيد ترتيب الجمل المعطوفة بها.

وكذلك عطف جملة ﴿ وابيضت عيناه من الحزن ﴾ إذ لم يكن ابيضاض عينيه إلا في مدة طويلة.

فكل من التولّي والتحسر واببيضاض العينين من أحواله إلاّ أنها مختلفة الأزمان.

وابيضاض العينين: ضعُف البصر.

وظاهره أنه تبدّل لون سوادهما من الهزال.

ولذلك عبّر ب ﴿ وابيضت عيناه ﴾ دون عميت عيناه.

و ﴿ من ﴾ في قوله: ﴿ من الحزن ﴾ سببية.

والحزن سبب البكاء الكثير الذي هو سبب ابيضاض العينين.

وعندي أن ابيضاض العينين كناية عن عدم الإبصار كما قال الحارث بن حلزة: قبل ما اليوم بيّضَتْ بعيون الن *** اس فيها تغيض وإباء وأن الحزن هو السبب لعدم الإبصار كما هو الظاهر.

فإن توالي إحساس الحزن على الدماغ قد أفضى إلى تعطيل عمل عصب الإبصار؛ على أن البكاء من الحزن أمر جبليّ فلا يستغرب صدوره من نبيء، أو أن التصبّر عند المصائب لم يكن من سنة الشريعة الإسرائيلية بل كان من سننهم إظهار الحَزن والجزع عند المصائب.

وقد حكت التوراة بكاء بني إسرائيل على موسى عليه السلام أربعين يوماً، وحَكت تمزيق بعض الأنبياء ثيابهم من الجزع.

وإنما التصبر في المصيبة كمال بلغت إليه الشريعة الإسلامية.

والكظيم: مبالغة للكاظم.

والكَظم: الإمساك النفساني، أي كاظم للحزن لا يظهره بين الناس، ويبكي في خلوته، أو هو فعيل بمعنى مفعول، أي محزون كقوله: {وهو مكظوم.

وجملة قالوا تالله } محاورة بنيه إياه عندما سمعوا قوله: ﴿ يا أسفى على يوسف ﴾ وقد قالها في خلوته فسمعوها.

والتاء حرف قسم، وهي عوض عن واو القسم.

قال في «الكشاف» في سورة الأنبياء: «التاء فيها زيادة معنى وهو التعجب».

وسلمه في «مغني اللبيب»، وفسره الطيبي بأن المقسم عليه بالتاء يكون نادر الوقوع لأن الشيء المتعجب منه لا يكثر وقوعه ومن ثم قل استعمال التاء إلا مع اسم الجلالة لأن القسم باسم الجلالة أقوى القسم.

وجواب القسم هو ﴿ تفتأ تذكر يوسف ﴾ باعتبار ما بعده من الغاية، لأن المقصود من هذا اليمين الإشفاق عليه بأنه صائر إلى الهلاك بسبب عدم تناسيه مصيبة يوسف عليه السلام وليس المقصود تحقيق أنه لا ينقطع عن تذكر يوسف.

وجواب القسم هنا فيه حرف النفي مقدر بقرينة عدم قرنه بنون التوكيد لأنه لو كان مثبتاً لوجب قرنه بنون التوكيد فحذف حرف النفي هنا.

ومعنى ﴿ تفتأ ﴾ تفتر.

يقال: فتئ من باب علم، إذا فتر عن الشيء.

والمعنى: لا تفتر في حال كونك تذكر يوسف.

ولملازمة النفي لهذا الفعل ولزوم حال يعقب فاعله صار شبيهاً بالأفعال الناقصة.

و ﴿ حرضاً ﴾ مصدر هو شِدة المرض المشفي على الهلاك، وهو وصف بالمصدر، أي حتى تكون حرضاً، أي بالِياً لا شعور لك.

ومقصودهم الإنكار عليه صداً له عن مداومة ذكر يوسف عليه السلام على لسانه لأن ذكره باللسان يفضي إلى دوام حضوره في ذهنه.

وفي جعلهم الغاية الحرض أو الهلاك تعريض بأنه يذكر أمراً لا طمع في تداركه، فأجابهم بأن ذكره يوسف عليه السلام موجه إلى الله دْعاءً بأن يردّه عليه.

فقوله: ﴿ يا أسفى على يوسف ﴾ تعريض بدعاء الله أن يزيل أسفه بردّ يوسف عليه السلام إليه لأنه كان يعلم أن يوسف لم يهلك ولكنه بأرض غربة مجهولة، وعلم ذلك بوحي أو بفراسة صادقة وهي المسماة بالإلهام عند الصوفية.

فجملة ﴿ إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله ﴾ مفيدة قصر شكواه على التعلّق باسم الله، أي يشكو إلى الله لا إلى نفسه ليجدد الحزن، فصارت الشكوى بهذا القصد ضراعة وهي عبادة لأن الدعاء عبادة، وصار ابييضاض عينيه الناشئ عن التذكر الناشئ عن الشكوى أثراً جسدياً ناشئاً عن عبادة مثل تفطّر أقدام النبي صلى الله عليه وسلم من قيام الليل.

والبَثّ: الهمّ الشديد، وهو التفكير في الشيء المُسيء.

والحزن: الأسف على فائت.

فبينَ الهمّ والحزننِ العمومُ والخصوص الوجهي، وقد اجتمعا ليعقوب عليه السلام لأنه كان مهتماً بالتفكير في مصير يوسف عليه السلام وما يعترضه من الكرب في غربته وكان آسفاً على فراقه.

وقد أعقب كلامه بقوله: ﴿ وأعلم من الله ما لا تعلمون ﴾ لينبّههم إلى قصور عقولهم عن إدراك المقاصد العَالية ليعلموا أنهم دون مرتبة أن يعلّموه أو يلوموه، أي أنا أعلم علماً من عند الله علّمنيه لا تعلمونه وهو علم النبوءة.

وقد تقدم نظير هذه الجملة في قصة نوح عليه السلام من سورة الأعراف فهي من كلام النبوءة الأولى.

وحكي مثلها عن شعيب عليه السلام في سورة الشعراء.

وفي هذا تعريض برد تعرضهم بأنه يطمع في المحال بأن ما يحسبونه محالاً سيقع.

ثم صرح لهم بشيء ممّا يعلمه وكاشفهم بما يحقق كذبهم ادعاء ائتكال الذئب يوسف عليه السلام حين أذنه الله بذلك عند تقدير انتهاء البلوى فقال: ﴿ يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ﴾ .

فجملة ﴿ يا بني اذهبوا ﴾ مستأنفة استئنافاً بيانياً، لأن في قوله: ﴿ وأعلم من الله ما لا تعلمون ﴾ ما يثير في أنفسهم ترقب مكاشفته على كذبهم فإن صاحب الكيد كثير الظنون ﴿ يحسبون كل صيحة عليهم ﴾ [المنافقون: 4].

والتحسّس بالحاء المهملة: شدة التطلّب والتعرّف، وهو أعم من التجسس بالجيم فهو التطلّب مع اختفاء وتستر.

والرّوْح بفتح الراء: النفَس بفتح الفاء استعير لكشف الكرب لأن الكرب والهمّ يطلق عليهما الغَمّ وضيق النفَس وضيق الصدر، كذلك يطلق التنفس والتروح على ضد ذلك، ومنه استعارة قولهم: تنفس الصبح إذا زالت ظلمة الليل.

وفي خطابهم بوصف البُنوّة منه ترقيق لهم وتلطف ليكون أبعث على الامتثال.

وجملة إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون } تعليل للنهي عن اليأس، فموقع ﴿ إنّ ﴾ التعليل.

والمعنى: لا تيأسوا من الظفر بيوسف عليه السلام معتلين بطول مدة البعد التي يبعد معها اللقاء عادة.

فإن الله إذا شاء تفريج كربة هيّأ لها أسبابها، ومن كان يؤمن بأن الله واسع القدرة لا يُحيل مثل ذلك فحقّه أن يأخذ في سببه ويعتمد على الله في تيسيره، وأما القوم الكافرون بالله فهم يقتصرون على الأمور الغالبة في العادة وينكرون غيرها.

وقرأ البزي بخُلف عنه ﴿ ولا تأْيَسُوا ﴾ و ﴿ إنه لا يَأيس ﴾ بتقديم الهمزة على الياء الثانية، وتقدم في قوله: ﴿ فلمّا استيأسوا منه ﴾ [سورة يوسف: 80].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بَلْ سَهَّلَتْ.

الثّانِي: بَلْ زَيَّنَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا في قَوْلِكم إنَّ ابْنِي سَرَقَ وهو لا يَسْرِقُ، وإنَّما ذاكَ لِأمْرٍ يُرِيدُهُ اللَّهُ تَعالى.

﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا ﴾ يَعْنِي يُوسُفَ وأخِيهِ المَأْخُوذِ في السَّرِقَةِ وأخِيهِ المُتَخَلِّفِ مَعَهُ فَهم ثَلاثَةٌ.

﴿ إنَّهُ هو العَلِيمُ الحَكِيمُ ﴾ يَعْنِي العَلِيمُ بِأمْرِكُمُ، الحَكِيمُ في قَضائِهِ بِما ذَكَرْتُمْ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَتَوَلّى عَنْهم وقالَ يا أسَفى عَلى يُوسُفَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ واجَزَعاهُ قالَهُ مُجاهِدٌ، ومِنهُ قَوْلُ كَثِيرٍ: فَيا أسَفًا لِلْقَلْبِ كَيْفَ انْصِرافُهُ ولِلنَّفْسِ لَمّا سُلِّيَتْ فَتَسَلَّتِ الثّانِي: مَعْناهُ يا جَزَعاهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

قالَ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ يَرْثِي رَسُولَ اللَّهِ  : فَيا أسَفا ما وارَتِ الأرْضُ واسْتَوَتْ ∗∗∗ عَلَيْهِ وما تَحْتَ السَّلامِ المُنَضَّدِ وَفِي هَذا القَوْلِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ بِهِ الشَّكْوى إلى اللَّهِ تَعالى ولَمْ يُرِدْ بِهِ الشَّكْوى مِنهُ رَغَبًا إلى اللَّهِ تَعالى في كَشْفِ بَلائِهِ.

الثّانِي: أنَّهُ أرادَ بِهِ الدُّعاءَ، وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مُضْمَرٌ وتَقْدِيرُهُ يا رَبِّ ارْحَمْ أسَفِي عَلى يُوسُفَ.

﴿ وابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الحُزْنِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ ضَعُفَ بَصَرُهُ لِبَياضٍ حَصَلَ فِيهِ مِن كَثْرَةِ بُكائِهِ.

الثّانِي: أنَّهُ ذَهَبَ بَصَرُهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

﴿ فَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ الكَمَدُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: أنَّهُ الَّذِي لا يَتَكَلَّمُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّالِثُ: أنَّهُ المَقْهُورُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، قالَ الشّاعِرُ: فَإنْ أكُ كاظِمًا لِمُصابِ شاسٍ ∗∗∗ فَإنِّي اليَوْمَ مُنْطَلِقٌ لِسانِي والرّابِعُ: أنَّهُ المُخْفِي لِحُزْنِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ، مَأْخُوذٌ مِن كَظْمِ الغَيْظِ وهو إخْفاؤُهُ، قالَ الشّاعِرُ: فَحَضَضْتُ قَوْمِي واحْتَسَبْتُ قِتالَهم ∗∗∗ والقَوْمُ مِن خَوْفِ المَنايا كُظَّمُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالُوا تاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ مَعْناهُ لا تَزالُ تَذْكُرُ يُوسُفَ، قالَ أوْسُ بْنُ حُجْرٍ: فَما فَتِئَتْ خَيْلٌ تَثُوبُ وتَدَّعِي ∗∗∗ ويَلْحَقُ مِنها لاحِقٌ وتَقَطَّعُ أيْ فَما زالَتْ.

وَقالَ مُجاهِدٌ: تَفْتَأُ بِمَعْنى تَفْتُرُ.

﴿ حَتّى تَكُونَ حَرَضًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ.

أحَدُها: يَعْنِي هَرِمًا، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: دَنَفًا مِنَ المَرَضِ، وهو ما دُونُ المَوْتِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الفاسِدُ العَقْلِ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ.

وَأصْلُ الحَرَضِ فَسادُ الجِسْمِ والعَقْلِ مِن مَرَضٍ أوْ عِشْقٍ، قالَ العَرْجِيُّ.

(إنِّي امْرُؤٌ لَجَّ بِي حُبٌّ فَأحْرَضَنِي ∗∗∗ حَتّى بَلِيتُ وحَتّى شَفَّنِي السَّقَمُ ﴿ أوْ تَكُونَ مِنَ الهالِكِينَ ﴾ يَعْنِي مَيْتًا مِنَ المَيِّتِينَ قالَهُ الجَمِيعُ.

فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ صَبَرَ يُوسُفُ عَنْ أبِيهِ بَعْدَ أنْ صارَ مَلِكًا مُتَمَكِّنًا بِمِصْرَ، وأبُوهُ بِحَرّانَ مِن أرْضِ الجَزِيرَةِ؟

وهَلّا عَجَّلَ اسْتِدْعاءَهُ ولَمْ يَتَعَلَّلْ بِشَيْءٍ بَعْدَ شَيْءٍ؟

قِيلَ يُحْتَمَلُ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنْ يَكُونَ فَعَلَ ذَلِكَ عَنْ أمْرِ اللَّهِ تَعالى، ابْتِلاءً لَهُ لِمَصْلَحَةٍ عَلِمَها فِيهِ لِأنَّهُ نَبِيٌّ مَأْمُورٌ.

الثّانِي: أنَّهُ بُلِيَ بِالسِّجْنِ، فَأحَبَّ بَعْدَ فِراقِهِ أنْ يَبْلُوَ نَفْسَهُ بِالصَّبْرِ.

الثّالِثُ: أنَّ في مُفاجَأةِ السُّرُورِ خَطَرًا وأحَبَّ أنْ يُرَوِّضَ نَفْسَهُ بِالتَّدْرِيجِ.

الرّابِعُ: لِئَلّا يَتَصَوَّرُ المَلِكُ الأكْبَرُ فاقَةَ أهْلِهِ بِتَعْجِيلِ اسْتِدْعائِهِمْ حِينَ مَلَكَ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالَ إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ ﴾ في بَثِّي وجْهانِ: أحَدُهُما: هَمِّي، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: حاجَتِي، حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

والبَثُّ تَفْرِيقُ الهَمِّ بِإظْهارِ ما في النَّفْسِ.

وَإنَّما شَكا ما في نَفْسِهِ فَجَعَلَهُ بَثًّا وهو مَبْثُوثٌ.

﴿ وَأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أعْلَمُ أنَّ رُؤْيا يُوسُفَ صادِقَةٌ، وأنِّي ساجِدٌ لَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ أحَسَّتْ نَفْسُهُ حِينَ أخْبَرُوهُ فَدَعا المَلِكَ وقالَ: لَعَلَّهُ يُوسُفُ، وقالَ لا يَكُونُ في الأرْضِ صِدِّيقٌ إلّا نَبِيٌّ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

وَسَبَبُ قَوْلِ يَعْقُوبَ ﴿ إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ ﴾ ما حُكِيَ أنَّ رَجُلًا دَخَلَ عَلَيْهِ فَقالَ: ما بَلَغَ بِكَ ما أرى؟

قالَ: طُولُ الزَّمانِ وكَثْرَةُ الأحْزانِ.

فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: يا يَعْقُوبُ تَشْكُونِي؟

فَقالَ: خَطِيئَةً أخْطَأْتُها فاغْفِرْها لِي.

وَكانَ بَعْدَ ذَلِكَ يَقُولُ ﴿ إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ ﴾ <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق، عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله: ﴿ يا أسفى على يوسف ﴾ قال: يا حزناً.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ يا أسفى على يوسف ﴾ قال: يا حزناً على يوسف.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ يا أسفى على يوسف ﴾ قال: يا جزعاً.

وأخرج أبو عبيد وابن سعيد وابن أبي شيبة وابن المنذر، عن يونس رضي الله عنه قال: لما مات سعيد بن الحسن حزن عليه الحسن حزناً شديداً، فكلم الحسن في ذلك فقال: ما سمعت الله عاب على يعقوب عليه السلام الحزن.

وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن جرير وأبو الشيخ، عن الحسن رضي الله عنه قال: كان منذ خرج يوسف عليه السلام من عند يعقوب عليه السلام إلى يوم رجع، ثمانون سنة لم يفارق الحزن قلبه، ودموعه تجري على خديه.

ولم يزل يبكي حتى ذهب بصره.

والله ما على وجه الأرض يومئذ خليقة أكبر على الله من يعقوب.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: لم يعط أحد الاسترجاع غير هذه الأمة، ولو أعطيها أحد لأعطيها يعقوب عليه السلام.

ألا تستمعون إلى قوله: ﴿ يا أسفى على يوسف ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم، عن الأحنف بن قيس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن داود قال: يا رب، إن بني إسرائيل يسألونك بإبراهيم وإسحق ويعقوب، فاجعلني لهم رابعاً.

فأوحى الله إليه أن إبراهيم ألقي في النار بسببي فصبر، وتلك بلية لم تنلك.

وأن إسحاق بذل مهجة دمه في سببي فصبر، وتلك بلية لم تنلك، وأن يعقوب أخدت منه حبيبه حتى ابيضت عيناه من الحزن فصبر، وتلك بلية لم تنلك» .

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ فهو كظيم ﴾ قال: حزين.

وأخرج ابن الأنباري في الوقف، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- إن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ فهو كظيم ﴾ ما الكظيم؟

قال: المغموم.

قال فيه قيس بن زهير: فإن أك كاظماً لمصاب شاس ** فإني اليوم منطلق لساني وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فهو كظيم ﴾ قال: كظم الحزن.

وأخرج ابن المبارك وعبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فهو كظيم ﴾ قال: كظم على الحزن، فلم يقل إلا خيراً، أو في لفظ: يردد حزنه في جوفه ولم يتكلم بسوء.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن عطاء الخراساني رضي الله عنه في قوله: ﴿ فهو كظيم ﴾ قال: فهو مكروب.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ كظيم ﴾ قال: مكروب.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن الضحاك رضي الله عنه قال: الكظيم الكمد.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ فهو كظيم ﴾ قال: مكمود.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن ابن زيد رضي الله عنه قال: الكظيم الذي لا يتكلم، بلغ به الحزن حتى كان لا يكلمهم.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ليث بن أبي سليم رضي الله عنه أن جبريل عليه السلام، دخل على يوسف عليه السلام في السجن فعرفه، فقال له: أيها الملك الكريم على ربه، هل لك علم بيعقوب؟

قال نعم.

قال: ما فعل؟

قال: ابيضت عيناه من الحزن عليك.

قال: فماذا بلغ من حزنه؟

قال: حزن سبعين مثكلة.

قال: هل له على ذلك من أجر؟

قال: نعم.

أجر مائة شهيد.

وأخرج ابن جرير من طريق ليث، عن ثابت البناني رضي الله عنه مثله سواء.

وأخرج ابن جرير من طريق ليث بن أبي سليم، عن مجاهد رضي الله عنه قال: حدثت أن جبريل عليه السلام، دخل على يوسف عليه السلام وهو بمصر في صورة رجل، فلما رآه يوسف عليه السلام عرفه، فقام إليه فقال: أيها الملك الطيب ريحه، الطاهر ثيابه، الكريم على ربه، هل لك بيعقوب من علم؟

قال: نعم.

قال: فكيف هو؟...

فقال: ذهب بصره.

قال: وما الذي أذهب بصره؟

قال: الحزن عليك.

قال: فما أعطي على ذلك؟

قال: أجر سبعين شهيداً.

وأخرج ابن جرير، عن عبد الله بن أبي جعفر رضي الله عنه قال: دخل جبريل عليه السلام على يوسف عليه السلام في السجن فقال له يوسف: يا جبريل، ما بلغ من حزن أبي؟

قال: حزن سبعين ثكلى.

قال: فما بلغ أجره من الله؟

قال: أجر مائة شهيد.

وأخرج ابن أبي شيبة عن خلف بن حوشب مثله.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن وهب بن منبه رضي الله عنه قال: لما أتى جبريل عليه السلام يوسف عليه السلام بالبشرى وهو في السجن قال: هل تعرفني أيها الصديق؟

قال: أرى صورة طاهرة، وريحاً طيبة لا تشبه أرواح الخاطئين.

قال: فإني رسول رب العالمين، وأنا الروح الأمين.

قال: فما الذي أدخلك إلى مدخل المذنبين، وأنت أطيب الطيبين، ورأس المقربين، وأمين رب العالمين؟؟؟...

قال: ألم تعلم يا يوسف، أن الله يطهر البيوت بمطهر النبيين؟

وأن الأرض التي تدخلونها هي أطيب الأرضين؟

وأن الله قد طهر بك السجن وما حوله بأطهر الطاهرين وابن المطهرين؟

إنما يتطهر بفضل طهرك وطهر آبائك الصالحين المخلصين.

قال: كيف تسميني بأسماء الصديقين وتعدني من المخلصين، وقد دخلت مدخل المذنبين، وسميت بالضالين المفسدين؟...

قال: لم يفتن قلبك الحزن، ولم يدنس حريتك الرق، ولم تطع سيدتك في معصية ربك، فلذلك سماك الله بأسماء الصديقين، وعدّك مع المخلصين، وألحقك بآبائك الصالحين.

قال: هل لك علم بيعقوب؟

قال: نعم، وهب الله له الصبر الجميل، وابتلاه بالحزن عليك فهو كظيم.

قال: فما قدر حزنه؟

قال: سبعين ثكلى.

قال: فماذا له من الأجر؟

قال: قدر مائة شهيد.

وأخرج ابن جرير، عن عكرمة رضي الله عنه قال: أتى جبريل عليه السلام، يوسف عليه السلام وهو في السجن، فسلم عليه، فقال له يوسف: أيها الملك الكريم على ربه، الطيب ريحه، الطاهر ثيابه، هل لك علم بيعقوب؟

قال: نعم، ما أشد حزنه!..

قال: ماذا له من الأجر؟

قال: أجر سبعين ثكلى.

قال: أفتراني لاقيه؟

قال: نعم.

فطابت نفس يوسف.

وأخرج ابن جرير، عن الحسن رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه سئل «ما بلغ وجد يعقوب على ابنه؟

قال: وجد سبعين ثكلى.

قيل فما كان له من الأجر؟

قال: أجر مائة شهيد، وما ساء ظنه بالله ساعة من ليل أو نهار» .

وأخرج أحمد في الزهد، عن عمرو بن دينار أنه ألقي على يعقوب عليه السلام حزن سبعين مثكل، ومكث في ذلك الحزن ثمانين عاماً.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَتَوَلَّى عَنْهُمْ ﴾ قال المفسرون (١) قال ابن عباس (٢) ﴿ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ ﴾ ، الأسف: الحزن على ما فات، قال الليث (٣) (٤) وقوله تعالى: ﴿ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ ﴾ مما يدل على تجدد وجده بيوسف لفقد بنيامين (٥) (٦) فقلتُ له إنَّ الأسَى يَبْعَثُ الأسَى ....

فَدَعْني (٧) وذلك أنه رأى قبرًا فتجدد حزنه على أخيه مالك، وليم على ذلك، فأجاب بأن الأسى يبعث الأسى، عامة أهل العلم (٨)  : ﴿ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ ﴾ ليس منه جزعًا مذمومًا يوجب الإثم؛ لأن الحزن مع حفظ اللسان من الشكوى من الله تعالى كاسب أجرًا وموجب مثوبة، يدل على هذا ما روي (٩) قال ابن عباس (١٠) ﴿ يَا أَسَفَى ﴾ : يا طول حزني على يوسف.

قال الحسن (١١) وقال قتادة (١٢) (١٣) (١٤) وقوله تعالى: (﴿وَابْيَضَّتْ) (١٥) (١٦) وفسر ابن عباس (١٧) وقال قوم: هما لغتان، يقال: أصابه حُزْنٌ شديد وحَزَنٌ شديد، وهذا مذهب أكثر أهل اللغة (١٨) (١٩) ﴿ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا ﴾ \[التربة:92\]، وإذا كان في موضع الخفض أو الرفع فهو بضم الحاء كقوله ﴿ مِنَ الْحُزْنِ ﴾ .

(١) الثعلبي 7/ 102 ب، القرطبي 9/ 247، البغوي 4/ 267.

(٢) ذكره الثعلبي 7/ 102 ب، البغوي 267، "زاد المسير" 4/ 269.

(٣) "تهذيب اللغة" (أسف) 1/ 161، و"اللسان" (أسف) 1/ 79.

(٤) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 125.

(٥) في (ب): (ابن يامين).

(٦) هو متمم بن نويرة بن جمرة بن ثعلبة بن يربوع أبو نهشل، صحابي، شاعر فحل، اشتهر في الجاهلية والإسلام، أشهر شعره رثاؤه لأخيه مالك، توفي سنة 30هـ، == انظر: "الشعر والشعراء" ص 209، والبيتان في "شرح ديوان الحماسة" للمرزوقي 2/ 797، الحماسية (265) وفيها: (وقالوا أتبكي ..).

(٧) ) (فدعني) ساقط من (ج).

(٨) القرطبي 9/ 249، و"زاد المسير" 4/ 270، ابن عطية 8/ 50، الرازي 18/ 193.

(٩) أخرجه ابن جرير الطبري 13/ 46 بسنده إلى ليث بن أبي سليم في هذه وغيره بأسانيد مختلفة، الطبري 13/ 46 - 48.

وأخرجه ابن أبي شيبة عن خلف بن حوشب، وأخرجه عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم 7/ 2186، وأبو الشيخ عن وهب بن منبه كما في "الدر" 4/ 56.

(١٠) الطبري 3883، وابن المنذر وابن أبي حاتم 7/ 2185، وانظر.

"الدر" 4/ 56.

(١١) الطبري 13/ 48 وأخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 56.

(١٢) الطبري 13/ 39، وابن أبي شيبة وابن المنذر كما في "الدر" 4/ 56، عبد الرزاق 2/ 327.

(١٣) الطبري 13/ 38 - 39، وابن أبي شيبة وابن المنذر كما في "الدر" 4/ 56، الثعلبي 7/ 102 ب.

(١٤) الطبري 13/ 46، وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وابن المنذر وابن أبي حاتم 7/ 2186، وأبو الشيخ عن حبيب بن ثابت كما في "الدر" 4/ 57.

(١٥) ما بين القوسين بياض في (أ).

(١٦) "تفسير مقاتل" 156 أ، الثعلبي 7/ 103 أ، "زاد المسير" 4/ 270.

(١٧) القرطبي 9/ 248، و"زاد المسير" 4/ 271.

(١٨) "تهذيب اللغة" 1/ 807، و"اللسان" (حزن) 1/ 861، و"الاشتقاق" لابن دريد 100.

(١٩) "تهذيب اللغة" (حزن) 4/ 364.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وتولى عَنْهُمْ ﴾ لما لم يصدقهم أعرض عنهم ورجع إلى التأسف ﴿ وَقَالَ ياأسفى عَلَى يُوسُفَ ﴾ تأسف على يوسف دون أخيه الثاني والثالث، الذاهبين، لأن حزنه عليه كان أشدّ لإفراط محبته ولأن مصيبته كانت السابقة ﴿ وابيضت عَيْنَاهُ مِنَ الحزن ﴾ أي من البكاء الذي هو ثمرة الحزن، فقيل إنه عميَ، وقيل إنه كان يدرك إدراكاً ضعيفاً، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن يعقوب حزن حزن سبعين ثكلى وأعطي أجر مائة شهيد، وما ساء ظنه بالله قط ﴿ فَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ قيل إنه فعيل بمعنى فاعل أي كاظم لحزنه لا يظهره لأحد، ولا يشكو إلا لله وقيل: بمعنى مفعول كقوله: ﴿ إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ ﴾ [القلم: 48] أي مملوء القلب بالحزن، أو بالغيظ على أولاده، وقيل الكظيم: الشديد الحزن ﴿ تَالله تَفْتَؤُاْ ﴾ أي لا تفتؤ، والمعنى لا تزال، وحذف حرف النفي لأنه لا يلتبس بالإثبات: لأنه لو كان إثباتاً لكان مؤكداً باللام والنون ﴿ حَرَضاً ﴾ أي مشرفاً على الهلاك ﴿ قَالَ إِنَّمَآ أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى الله ﴾ ردّ عليهم في تفنيدهم له: أي إنما أشكو إلى الله لا إليكم ولا إلى غيركم، والبث: أشدّ الحزن ﴿ وَأَعْلَمُ مِنَ الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ أي أعلم من لطفه ورأفته ورحمته ما يوجب حسن ظنّي به وقوة رجائي فيه.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ مزجاة ﴾ بالإمالة: حمزة وعلي وخلف ﴿ حزني ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن عامر وأبو عمرو.

﴿ قالوا إنك ﴾ على الخبر أو على حذف حرف الاستفهام: ابن كثير ويزيد.

﴿ أئنك ﴾ بهمزتين: عاصم وحمزة وعلي وخلف وهشام يدخل بينهما مدة.

﴿ أينك ﴾ بهمز ثم ياء: نافع غير قالون وسهل ويعقوب غير زيد ﴿ آينك ﴾ بهمزة ممدودة ثم ياء: أبو عمرو وزيد وقالون.

﴿ من يتقي ﴾ بالياء في الحالين: ابن مجاهد وأبو عون عن قنبل.

الباقون بغير ياء ﴿ إني أعلم ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو ﴿ ربي إنه ﴾ بالفتح أيضاً: أبو جعفر وأبو عمرو ﴿ أبي إذ ﴾ بالفتح أيضاً عندهم ﴿ إخوتي ﴾ ﴿ ربي ﴾ بفتح الياء أيضاً: يزيد والنجاري عن ورش وقالون غير الحلواني والله أعلم.

الوقوف: ﴿ كظيم ﴾ ه ﴿ الهالكين ﴾ ه ﴿ لا تعلمون ﴾ ه ﴿ ولا تيأسوا من روح الله ﴾ ط ﴿ الكافرون ﴾ ه ﴿ وتصدق علينا ﴾ ط ﴿ المتصدقين ﴾ ه ﴿ جاهلون ﴾ ه ﴿ لأنت يوسف ﴾ ط ﴿ أخي ﴾ ز لتعجيل الشكر مع اختلاف الجملتين.

﴿ علينا ﴾ ط لاحتمال أنه ابتداء إخبار من الله، وإن كان من قول يوسف جاز الوقوف أيضاً لاتحاد القائل مع الابتداء بأن ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ الخاطئين ﴾ ه ﴿ اليوم ﴾ ط لاختلاف الجملتين نفياً وإثباتاً أو خبراً ودعاء ﴿ لكم ﴾ ط لاحتمال الاستئناف والحال أوضح ﴿ الراحمين ﴾ ه ﴿ يأتي بصيراً ﴾ ج لطول الكلام واعتراض الجواب مع اتفاق الجملتين ﴿ أجمعين ﴾ ه ﴿ تفندون ﴾ ه ﴿ القديم ﴾ ه ﴿ بصيراً ﴾ ج لاحتمال أن يكون ما بعده جواب "لما" وقوله ﴿ ألقاه ﴾ حالاً بإضمار "قد" ﴿ ما لا تعلمون ﴾ ه ﴿ خاطئين ﴾ ه ﴿ ربي ﴾ ط ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ آمنين ﴾ ه ﴿ سجداً ﴾ ج ﴿ من قبل ﴾ ز لتمام الجملة لفظاً دون المعنى.

﴿ حقاً ﴾ ط لتمام بيان الجملة الأولى وابتداء جملة عظمى ﴿ إخوتي ﴾ ط ﴿ لما يشاء ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ الأحاديث ﴾ ج لحق حذف حرف النداء مع اتصال الكلام ﴿ والآخرة ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتصال الثناء بالدعاء ﴿ الصالحين ﴾ ه.

التفسير: لما سمع يعقوب ما سمع من حال ابنه ضاق قلبه جداً ﴿ وتولى عنهم ﴾ أي أعرض عن بنيه الذين جاءوا بالخبر وفارقهم ﴿ وقال يا أسفي على يوسف ﴾ الأسف أشد الحزن.

والألف فيه مبدل من ياء الإضافة ونداء الأسف كنداء الويل وقد مر في المائدة.

والتجانس بين لفظي الأسف ويوسف لا يخفى حسنه وهو من الفصاحة اللفظية.

وكيف تأسف على يوسف دون أخيه الآخر الذي أقام بمصر والرزء الأحدث أشد؟

الجواب لأن الحزن الجديد يذكر العتيق والأسى يجلب الأسى، ولأن رزء يوسف كان أصل تلك الرزايا فكان الأسف عليه أسفاً على الكل ولأنه كان عالماً بحياة الآخرين دون حياة يوسف ﴿ وابيضت عيناه من الحزن ﴾ أي من البكاء الذي كان سببه الحزن.

قال الحكماء: إذا كثر الاستعبار أوجب كدورة في سواد العين مائلة فيكون منها العمى لإيلام الطبقات ولا سيما القرنية وانصباب الفضول الردية إليها.

قال مقاتل: لم يبصر ست سنين حتى كشفه الله تعالى بقميص يوسف.

وقال آخرون: لم يبلغ حد العمى وكان يدرك إدراكاً ضعيفاً، أو المراد بالبياض غلبة البكاء كأن العين ابيضت من بياض ذلك الماء.

روي أنه لم تجف عين يعقوب من وقت فراق يوسف إلى حين لقائه ثمانين عاماً وما على وجه الأرض أكرم على الله من يعقوب.

وعن رسول الله  أنه سأل جبريل ما بلغ من وجد يعقوب على يوسف؟

وجد سبعين ثكلى.

قال: فما كان له من الأجر؟

قال: أجر مائة شهيد وما ساء ظنه بالله ساعة قط.

ونقل أن جبريل  دخل على يوسف حين ما كان في السجن فقال: إن بصر أبيك ذهب من الحزن عليك.

فوضع يوسف يده على رأسه وقال: ليت أمي لم تلدني فلم أكن حزناً على أبي، قال أكثر أهل اللغة: الحزن والحزن لغتان بمعنى.

وقال بعضهم: الحزن بالضم فالسكون البكاء، والحزن بفتحتين ضد الفرح، وقد روى يونس عن أبي عمروا قال: إذا كان في موضع النصب فتحوا كقوله ﴿ تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً  ﴾ وإذا كان في موضع الجر أو الرفع ضموا كقوله من الحزن.

وقوله: ﴿ إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله ﴾ قال: هو في موضع رفع بالابتداء قيل: كيف جاز لنبي الله أن يبلغ به الجزع ذلك المبلغ؟

وأجيب بأن المنهي من الجزع هو الصياح والنياحة وضرب الخد وشق الثوب لا البكاء ونفثة المصدور، فلقد بكى رسول الله  على ولده إبراهيم وقال: القلب يجزع والعين تدمع ولا نقول ما يسخط الرب وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون.

ومما يدل على أن يعقوب  أمسك لسانه عن النياحة وعما لا ينبغي قوله: ﴿ فهو كظيم ﴾ "فعيل" بمعنى "مفعول" أي مملوء من الغيظ على أولاده من غير إظهار ما يسوءهم، أو مملوء من الحزن مع سد طريق نفثة المصدور من كظم السقاء إذا شده على ملئه، أو بمعنى الفاعل أي الممسك لحزنه غير مظهر إياه.

والحاصل أنه غرق ثلاثة أعضاء شريفة منه في بحر المحنة: فاللسان كان مشغولاً بذكر ﴿ يا أسفا ﴾ والعين كانت مستغرقة في البكاء، والقلب كان مملوءاً من الحزن.

ومثل هذا إذا لم يكن بالاختيار لم يدخل تحت التكليف فلا يوجب العقاب.

يروى أن ملك الموت دخل على يعقوب فقال له: جئتني لتقبضني قبل أن أرى حبيبي؟

قال: لا ولكن جئت لأحزن لحزنك وأشجو لشجوك.

عن النبي  : " لم تعط أمة من الأمم ﴿ إنا لله وإنا إليه راجعون ﴾ عند المصيبة إلا أمة محمد، ألا ترى إلى يعقوب حين أصابه ما أصابه لم يسترجع وإنما قال يا أسفا" وضعف هذه الرواية فخر الدين الرازي في تفسيره وقال: من المحال أن لا تعرف أمة من الأمم أن الكل من الله وأن الرجوع لا محالة إليه.

وأقول: هذا نوع من المكابرة فإن منكري المبدأ والمعاد أكثر من حصباء الوادي، على أن المراد من الإعطاء الإرشاد إلى هذا الذكر وخصوصاً عند المصيبة وقد أخبر الصادق  أن هذا مما خصت هذه الأمة به والله أعلم، ﴿ قالوا ﴾ الأظهر أنهم ليسوا أولاده الذين تولى عنهم وإنما هم جماعة كانوا في الدار من خدمه وأولاد أولاده.

﴿ تالله تفتؤ ﴾ أراد "لا تفتؤ" فحذف حرف النفي لعدم الإلباس إذ لو كان إثباتاً لم يكن بد من اللام والنون.

قال ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة أي لا تزال تذكر.

وعن مجاهد: لا تفتر من حبه كأنه جعل الفتور والفتوء أخوين.

قال أبو زيد: ما فتئت أذكره أي ما زلت لا يتكلم به إلا مع الجحد ﴿ حتى تكون حرضاً ﴾ وصف بالمصدر للمبالغة.

والحرض فساد في الجسم والعقل للحزن والحب حتى لا يكون كالأحياء ولا كالأموات، أرادوا أنك تذكر يوسف بالحزن والبكاء عليه حتى تشفى على الهلاك أو تهلك فأجابهم بقوله: ﴿ إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله ﴾ قالت العلماء: إذا أسر الإنسان حزنه كان هماً، وإذا لم يقدر على إسراره فذكر لغيره كان بثاً.

فالبث أصعب الهم الذي لا يصبر عليه صاحبه فيبثه إلى الناس.

فمعنى الآية إني لا أذكر الحزن الشديد ولا القليل إلا مع الله ملتجئاً إليه وداعياً له فخلوني وشكايتي.

وهذا مقام العارفين الصديقين كقول نبينا  "أعوذ بك منك" .

ويحتمل أن يكون هذا معنى توليه عنهم أي تولى عنهم إلى الله والشكاية إليه.

يحكى أنه دخل على يعقوب رجل وقال له: ضعف جسمك ونحف بدنك وما بلغت سناً عالياً.

فقال: الذي بي لكثرة غمومي.

فأوحى الله إليه يا يعقوب أتشكوني إلى خلقي؟

فقال: يا رب خطيئة أخطأتها فاغفرها لي فغفر له.

فكان بعد ذلك إذا سأل قال: ﴿ إنما أشكو بثي وحزني إلى الله ﴾ وروي أنه أوحي إلى يعقوب إنما وجدت - أي غضبت - عليكم لأنكم ذبحتم شاة فقام ببابكم مسكين فلم تطعموه وإن أحب خلقي إليّ الأنبياء ثم المساكين فاصنع طعاماً وادع عليه المساكين.

وقيل: اشترى جارية مع ولدها فباع ولدها فبكت حتى عميت.

واعلم أن حال يعقوب في تلك الواقعة كانت مختلفة؛ فتارة كان مستغرقاً في بحار معرفة الله، وتارة كان يستولى عليه الحزن والأسف فلهذا كانت هذه الحادثة بالنسبة إليه كإلقاء إبراهيم في النار، وكابتلاء إسحق بالذبح، وكان شغل همه بيوسف بغير اختيار منه، وكذا تأسفه عليه، وما روي أنه عوتب على ذلك فلأن حسنات الأبرار سيئات المقربين.

وبالحقيقة كانت واقعة يعقوب أمراً خارق العادة أراد الله  بذلك ابتلاءه وتمادي أسفه وحزنه وإلا فمع غاية شهرته وشدة محبته وقرب المسافة بينه وبين ابنه كيف خفي حال يوسف ولم لم يبعث يوسف إليه رسولاً بعد تملكه وقدرته، ولم زاد في حزن أبيه بحبس أخيه عنده؟‍!

أما قوله: ﴿ وأعلم من الله ما لا تعلمون ﴾ فمعناه أعلم من رحمته وإحسانه ما لا تعلمون، فأرجو أن يأتيني الفرج من حيث لا أحتسب.

وقيل: إنه رأى ملك الموت في المنام فقال له: يا ملك الموت هل قبضت روح ابني يوسف؟

قال: لا يا نبي الله.

ثم أشار إلى جانب مصر وقال: اطلبه ههنا.

وقيل: إنه كان قد رأى أمارات الرشد والكمال في يوسف علم أن رؤياه صادقة لا تخطىء.

وقال السدي: أخبره بنوه بسيرة الملك وكماله حاله في أقواله وأفعاله أنه ابنه، أو علم أن بنيامين لا يسرق وسمع أن الملك ما آذاه فغلب على ظنه أن الملك هو يوسف.

وقيل: أوحى الله تعالى إليه أنه سيلقى ابنه ولكنه ما عين الوقت فلذلك قال ما قال.

ثم دعا بنيه على سبيل التطلف فقال: ﴿ يا بنيّ اذهبوا فتحسسوا من يوسف ﴾ وهو طلب الشيء بالحاسة كالتسمع والتبصر ومثله التجسس بالجيم.

وقد قرىء بهما وربما يخص الجيم بطلب الخبر في ضد الخير ﴿ ولا تيأسوا من روح الله ﴾ من فرجه وتنفيسه وقرىء بالضم أي من رحمته التي تحيا بها العباد.

قال الأصمعي: الروح ما يجده الإنسان من نسيم الهواء فيسكن إليه، والتركيب يدل على الحركة والهزة فكل ما تهتز بوجوده وتلتذ به فهو روح ﴿ إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ﴾ لأن هذا اليأس دليل على أنه اعتقد أن الله  غير قادر على كل المقدورات، أو غير عالم بجميع المعلومات، أو ليس بجواد مطلق ولا حكيم لا يفعل العبث، وكل واحدة من هذه العقائد كفر فضلاً عن جميعها اللَّهم إني لا أيأس من روحك فافعل بي ما أنت أهله.

ثم ههنا إضمار والتقدير فقبلوا وصية أبيهم وعادوا إلى مصر ﴿ فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز ﴾ أي الملك القادر المنيع ﴿ مسنا وأهلنا الضر ﴾ الفقر والحاجة إلى الطعام وعنوا بأهلهم من خلفهم ﴿ وجئنا ببضاعة مزجاة ﴾ مدفوعة يدفعها كل تاجر رغبة عنها من أزجيته إذا دفعته قال  ﴿ ألم تر أن الله يزجي سحاباً  ﴾ ومنه قوله: "فلان يزجي العيش" أي يدفع الزمان بالقليل.

قال الكلبي.

هي من لغة العجم.

وقيل: لغة القبط.

والأصح أنها عربية لوضوح اشتقاقها.

قيل: كانت بضاعتهم الصوف والسمن.

وقيل: الصنوبر والحبة الخضراء.

وقيل: سويق المقل والأقط.

وقيل: دراهم زيوفاً لا تؤخذ إلا بنقص لأنها لم يكن عليها صورة يوسف وكانت دراهم مصر ينقش عليها صورته.

﴿ فأوف لنا الكيل ﴾ الذي هو حقنا.

﴿ وتصدق علينا ﴾ واعلم أنهم طلبوا المسامحة بما بين الثمنين وأن يسعر لهم بالرديء كما يسعر بالجيد.

واختلف العلماء في أنه هل كان ذلك منهم طلب الصدقة؟

فقال سفيان بن عيينة: إن الصدقة كانت حلالاً على الأنبياء سوى محمد  .

وقال آخرون: أرادوا بالصدقة التفضل بالإغماض عن رداءة البضاعة وبإيفاء الكيل والصدقات محظورة على الأنبياء كلهم.

وقوله: ﴿ إن الله يجزي المتصدقين ﴾ يمكن تنزيله على القولين لأن كل إحسان يبتغى به وجه الله فإن ذلك لا يضيع عنده والصدقة العطية التي ترجى بها المثوبة عند الله ومن ثم لم يجوز العلماء أن يقال: الله تعالى متصدق أو اللَّهم تصدق علي بل يجب أن يقال: اللَّهم أعطني أو تفضل علي أو ارحمني.

كان يعقوب أمرهم بالتحسس من يوسف وأخيه والمتحسس يجب عليه أن يتوسل إلى مطلوبه بجميع الطرق كما قيل: الغريق يتعلق بكل شيء.

فبدأوا بالعجز والاعتراف بضيق اليد وإظهار الفاقة فرقق الله  قلبه وارفضت عيناه فعند ذلك قال: ﴿ هل علمتم ما فعلتم بيوسف ﴾ وقيل: أدوا إليه كتاب يعقوب: من يعقوب إسرائيل الله بن إسحق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله إلى عزيز مصر أما بعد، فإنا أهل بيت موكل بنا البلاء.

أما جدي فشدت يداه ورجلاه ورمي به في النار ليحرق فنجاه الله  وجعلت النار عليه برداً وسلاماً، وأما أبي فوضع السكين على قفاه ليقتل ففداه الله، وأما أنا فكان لي ابن وكان أحب أولادي إلي فذهب به إخوته إلى البرية ثم أتوني بقميصه ملطخاً بالدم وقالوا قد أكله الذئب فذهب عيناي من بكائي عليه، ثم كان لي ابن وكان أخاه من أمه وكنت أتسلى به فذهبوا به ثم رجعوا وقالوا إنه سرق وإنك حبسته لذلك، وإنما أهل بيت لا نسرق ولا نلد سارقاً فإن رددته علي وإلا دعوت عليك دعوة تدرك السابع من ولدك والسلام.

فلما قرأ يوسف الكتاب لم يتمالك وعيل صبره فقال لهم ذلك.

وروي أنه لما قرأ الكتاب بكى وكتب الجواب: "اصبر كما صبروا تظفر كما ظفروا".

وقوله: ﴿ هل علمتم ﴾ استفهام يفيد تعظيم الواقعة ومعناه ما أعظم الأمر الذي ارتكبتم من يوسف وما أقبح ما أقدمتم عليه كما يقال للمذنب: هل تدري من عصيت.

وفيه تصديق لقوله  : ﴿ لتنبئهم بأمرهم هذا  ﴾ وأما فعلهم بأخيه فتعريضهم إياه للغم بإفراده عن أخيه لأبيه وأمه وإيذاؤهم له بالاحتقار والامتهان.

وقوله: ﴿ إذ أنتم جاهلون ﴾ جارٍ مجرى الاعتذار عنهم كأنه قال: إنما أقدمتم على ذلك الفعل القبيح المنكر حال ما كنتم في أوان الصبا وزمان الجهالة: والغرة إزالة للخجالة عنهم فإن مطية الجهل الشباب وتنصحاً لهم في الدين أي هل علمتم قبحه فتبتم لأن العلم بالقبح يدعو إلى التوبة غالباً فآثر كما هو عادة الأنبياء حق الله على نفسه في المقام الذي يتشفى المغيظ وينفث المصدور ويدرك ثأره الموتور.

وقيل: إنما نفى العلم عنهم لأنهم لم يعملوا بعلمهم.

ولما كلمهم بذلك ﴿ قالوا أئنك لأنت يوسف ﴾ عرفوه بالخطاب الذي لا يصدر إلا عن حنيف مسلم عن سنخ إبراهيم، أو تبسم  فعرفوه بثناياه وكانت كاللؤلؤ المنظوم، أو رفع التاج عن رأسه فنظروا إلى علامة بقرنه تشبه الشامة البيضاء كان ليعقوب وسارة مثلها ﴿ قال أنا يوسف ﴾ صرح بالاسم تعظيماً لما جرى عليه من ظلم إخوته كأنه قال: أنا الذي ظلمتموني على أشنع الوجوه والله أوصلني إلى أعظم المناصب، أنا ذلك الأخ الذي قصدتم قتله ثم صرت كما ترون ولهذا قال: ﴿ وهذا أخي ﴾ مع أنهم كانوا يعرفونه لأن مقصوده أن يقول وهذا أيضاً كان مظلوماً كما كنت صار منعماً عليه من الله وذلك قوله: ﴿ قد منَّ الله علينا ﴾ أي بكل خير دنيوي وأخروي أو بالجمع بعد التفرقة ﴿ إنه ﴾ أي الشأن ﴿ من يتق ﴾ عقاب الله ﴿ ويصبر ﴾ عن معاصيه وعلى طاعته ﴿ فإن الله لا يضيع أجر المحسنين ﴾ أراد أجرهم فاكتفى من الربط بالعموم.

ومن قرأ ﴿ يتقي ﴾ بإثبات الياء فوجهه أن يجعل "من" بمعنى "الذي"، ويجوز على هذا الوجه أن يكون قوله: ﴿ ويصبر ﴾ في موضع الرفع إلا أنه حذفت الحركة للتخفيف أو المشاكلة.

وفي الآية دليل على براءة ساحة يوسف ونزاهة جانبه من كل سوء وإلا لم يكن من المتقين الصابرين.

﴿ قالوا تالله لقد آثرك الله علينا ﴾ اعتراف منهم بتفضيله عليهم بالتقوى والصبر وسيرة المحسنين وصورة الأحسنين.

ولا يلزم من ذلك أن لا يكون أنبياء وإن احتج به بعضهم لأن الأنبياء متفاوتون في الدرجات ﴿ تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض  ﴾ ﴿ وإن كنا ﴾ وإن شأننا أنا كنا خاطئين.

قال أبو عبيدة: خطىء وأخطأ بمعنى واحد.

وقال الأموي: المخطىء من أراد الصواب فصار إلى غيره ومنه قولهم: "المجتهد يخطىء ويصيب".

والخاطىء من تعمد ما لا ينبغي.

قال أبو علي الجبائي: إنهم لم يعتذروا عن ذلك الذي فعلوا بيوسف لأنه وقع منهم قبل البلوغ ومثل ذلك لا يعد ذنباً، وإنما اعتذروا من حيث إنهم أخطئوا بعد ذلك حين لم يظهروا لأبيهم ما فعلوه ليعلم أنه حي وأن الذئب لم يأكله.

واعترض عليه فخر الدين الرازي بأنه يبعد من مثل يعقوب أن يبعث جمعاً من الصبيان من غير أن يبعث معهم رجلاً بالغاً عاقلاً، فالظاهر أنه وقع ذلك منهم بعد البلوغ.

سلمنا لكن ليس كل ما لا يجب الاعتذار عنه لا يحسن الاعتذار عنه، ولما اعترفوا بفضله عليهم وبكونهم متعمدين للإثم ﴿ قال ﴾ يوسف ﴿ لا تثريب عليكم ﴾ لا تأنيب ولا توبيخ.

وقيل: لا أذكر لكم ذنبكم.

وقيل: لا مجازاة لكم عندي على ما فعلتهم.

وقيل: لا تخليط ولا إفساد عليكم واشتقاقه من الثرب وهو الشحم الذي هو غاشية الكرش ومعناه إزالة الثرب كالتجليد والتقريد لإزالة الجلد والقراد وذلك لأنه إذا ذهب منه الثرب كان في غاية الهزال والعجف فصار مثلاً للتقريع المدنف المضني.

وقوله: ﴿ اليوم ﴾ إما أن يتعلق بالتثريب أو بالاستقرار المقدر على عليكم أي لا أثربكم اليوم الذي هو مظنة التثريب فما ظنكم بغيره.

ثم ابتدأ فدعا لهم بمغفرة ما فرط منهم ليكون عقاب الدارين مزالاً عنهم.

وأصل الدعاء أن يقع على لفظ المستقبل فإذا أوقعوه لفظ الماضي فذلك للتفاؤل، ويحتمل أن يكون ﴿ اليوم ﴾ متعلقاً بالدعاء فيكون فيه بشارة بعاجل غفران الله لتجدد توبتهم وحدوثها في ذلك اليوم.

يروى أن إخوته لما عرفوه أرسلوا إليه إنك تدعونا إلى طعامك بكرة وعشياً ونحن نستحيي منك لما فرط منا فيك.

فقال يوسف: إن أهل مصر وإن ملكت فيهم فإنهم ينظرون إليّ شزراً ويقولون: سبحان من بلغ عبداً بيع بعشرين درهماً ما بلغ، ولقد شرفت الآن بكم وعظمت في العيون حيث علم الناس أنكم إخوتي وأني من حفدة إبراهيم.

عن رسول الله  أنه أخذ يوم الفتح بعضادتي باب الكعبة فقال لقريش: ما ترونني فاعلاً بكم؟

قالوا: نظن خيراً أخ كريم وابن أخ كريم وقد قدرت.

فقال  : أقول ما قال أخي يوسف ﴿ لا تثريب عليكم اليوم ﴾ .

قال عطاء الخراساني: طلب الحوائج إلى الشباب أسهل منها إلى الشيوخ، ألا ترى إلى قول يوسف لإخوته ﴿ لا تثريب عليكم اليوم ﴾ وقول يعقوب: ﴿ سوف أستغفر لكم ﴾ ولما عرفهم يوسف نفسه سألهم عن أبيهم فقالوا ذهبت عيناه فقال: ﴿ اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيراً ﴾ كقولك جاء البنيان محكماً ومثله ﴿ فارتد بصيراً ﴾ أو المراد يأت إلى وهو بصير دليله قوله: ﴿ وأتوني بأهلكم أجمعين ﴾ قيل: هو القميص المتوارث الذي كان في تعويذ يوسف.

وكان من الجنة أوحى الله إليه أن فيه عافية كل مبتلي وشفاء كل سقيم.

وقالت الحكماء: لعله علم أن أباه ما كان أعمى وإنما صار ضعيف البصر من كثرة البكاء فإذا ألقى عليه قميصه صار منشرح الصدر فتقوى روحه ويزول ضعفه.

روي أن يهوذا حمل القميص وقال: أنا أحزنته بحمل القميص ملطوخاً بالدم فأفرحه كما أحزنته، فحمله وهو حافٍ حاسر من مصر إلى كنعان وبينهما مسيرة ثمانين فرسخاً.

عن الكلبي: كان أهله نحواً من سبعين إنساناً.

وقال مسروق: دخل قوم يوسف مصر وهم ثلاثة وتسعون من بين رجل وامرأة وخرجوا منها مع موسى ومقاتلتهم نحو من ستمائة ألف.

﴿ ولما فصلت العير ﴾ خرجت من عريش مصر فصل من البلد فصولاً انفصل منه وجاوز حيطانه، وفصل مني إليه كتاب إذا نفذ وإذا كان فصل متعدياً كان مصدره الفصل ﴿ قال أبوهم ﴾ لمن حوله من قومه ﴿ إن لأجد ﴾ بحاسة الشم ﴿ ريح يوسف ﴾ قال مجاهد: هبت ريح فصفقت القميص ففاحت رائحة الجنة في الدنيا فعلم يعقوب أنه ليس في الدنيا من ريح الجنة إلا ما كان من ذلك القميص.

قال أهل التحقيق: إن الله  أوصل إليه ريح يوسف عند انقضاء مدة المحنة ومجيء أوان الروح والفرح من مسيرة ثمان، ومنع من وصول خبره إليه مع قرب البلدين في مدة ثمانين سنة أو أربعين عند الأكثرين وكلاهما معجزة ليعقوب خارقة للعادة، وذلك يدل على أن كل سهل فهو في زمان المحنة صعب وكل صعب فإنه في زمان الإقبال سهل.وقوله: ﴿ لولا أن تفندون ﴾ جوابه محذوف أي لولا تفنيدكم إياي لصدّقتموني.

والتفنيد النسبة إلى الفند وهو الخرف وتغير العقل من هرم يقال: شيخ مفند ولا يقال عجوز مفندة لأنها لم تكن ذات رأي فتفند في الكبر.

﴿ قالوا ﴾ يعني الحاضرين عنده ﴿ تالله إنك لفي ضلالك القديم ﴾ أي فيما كنت فيه قدماً من البعد عن الصواب في إفراط محبة يوسف كما قال بنوه ﴿ إن أبانا لفي ضلال مبين  ﴾ .

وقيل: لفي شقائك القديم بما تكابد على يوسف من الأحزان.

قال الحسن: إنما قالوا هذه الكلمة الغليظة لاعتقادهم أن يوسف قد مات.

﴿ فلما أن جاء ﴾ "أن صلة" أي فلما جاء مثل ﴿ فلما ذهب عن إبراهيم الروع  ﴾ وقيل: هي مع الفعل في محل الرفع بفعل مضمر أي فلما ظهر أن جاء البشير وهو يهوذا ﴿ ألقاه ﴾ طرحه البشير أو يعقوب على وجهه ﴿ فارتد بصيراً ﴾ أي انقلب من العمى إلى البصر أو من الضعف إلى القوة ﴿ قال ألم أقل لكم ﴾ جوز في الكشاف أن يكون مفعوله محذوفاً وهو قوله: ﴿ إني لأجد ريح يوسف ﴾ أو قوله: ﴿ ولا تيأسوا من روح الله ﴾ ويكون قوله: ﴿ إني أعلم ﴾ كلاماً مستأنفاً.

والظاهر أن مفعوله قوله: ﴿ إني أعلم من الله ما لا تعلمون ﴾ وذلك أنه كان قال لهم: ﴿ إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون ﴾ وروي أنه سأل البشير كيف يوسف؟

فقال: هو ملك مصر.

قال: ما أصنع بالملك على أي دين تركته؟

قال: على دين الإسلام.

قال: الآن تمت النعمة.

ثم إن أولاده أخذوا يعتذرون إليه فوعدهم الاستغفار.

قال ابن عباس والأكثرون: أراد أن يستغفر لهم في وقت السحر لأنه أرجى الأوقات إجابة.

وعن ابن عباس في رواية أخرى أخر إلى ليلة الجمعة تحرياً لوقت الإجابة.

وقيل: أخر لتعرف حالهم في الإخلاص.

وقيل: استغفر لهم في الحال ووعدهم دوام الاستغفار في الاستقبال.

فقد روي أنه كان يستغفر لهم كل ليلة جمعة في نيف وعشرين سنة.

روي أنه قام إلى الصلاة في وقت السحر فلما فرغ رفع يديه وقال: اللَّهم اغفر لي جزعي على يوسف وقلة صبري عنه واغفر لولدي ما أتوا إلى أخيهم فأوحي إليه أن الله قد غفر لك ولهم أجمعين.

وروي أنهم قالوا له - وقد علتهم الكآبة - وما يغني عنا عفوكما إن لم يعف عنا ربنا فإن لم يوح إليك بالعفو فلا قرت لنا عين أبداً.

فاستقبل الشيخ القبلة قائماً يدعو وقام يوسف خلفه يؤمن وقاموا خلفهما أذلة خاشعين عشرين سنة حتى جهدوا وظنوا أنهم هلكوا نزل جبريل فقال: إن الله قد أجاب دعوتك في ولدك وعقد مواثيقهم بعدك على النبوة.

واختلاف الناس في نبوتهم مشهور، يحكى أنه وجه يوسف إلى أبيه جهازاً ومائتي راحلة ليتجهز إليه بمن معه،وخرج يوسف والملك في أربعة آلاف من الجند والعظماء وأهل مصر بأجمعهم فتلقوا يعقوب وهو يمشي ويتوكأ على يهوذا، فنظر إلى الخيل والناس فقال: يا يهوذا أهذا فرعون مصر؟

قال: لا هذا ولدك: فلما لقيه قال يعقوب: السلام عليك يا مذهب الأحزان.

فأجابه يوسف وقال: يا أبت بكيت حتى ذهب بصرك ألم تعلم أن القيامة تجمعنا؟

قال: بلى ولكن خشيت أن تسلب دينك فيحال بيني وبينك.

ومعنى ﴿ آوى إليه أبويه ﴾ ضمهما إليه واعتنقهما.

قال ابن إسحق: كانت أمة باقية إلى ذلك الوقت أو ماتت إلى أن الله  أحياها ونشرها من قبرها تحقيقاً لرؤيا يوسف.

وقيل: المراد بأوبويه أبوه وخالته لأن أمه ماتت في النفاس بأخيه بنيامين حتى قيل إن بنيامين بالعبرية ابن الوجع، ولما توفيت أمه تزوج أبوه بخالته فسماها الله  أحد الأبوين لأن الخالة تدعى أماً لقيامها مقام الأم، أو لأن الخالة أم كما أن العم أب فيكف وقد اجتمع ههنا الأمران.

قال السدي: كان دخولهم على يوسف قبل دخولهم على مصر كأنه حين استقبلهم نزل لأجلهم في خيمة أو بيت هناك فدخلوا عليه وضم إليه أبويه ﴿ وقال ادخلوا مصر ﴾ فعلى هذا جاز أن يكون الاستثناء عائداً إلى الدخول.

وعن ابن عباس: ادخلوا مصر أي أقيموا بها.

وقوله: ﴿ إن شاء الله آمنين ﴾ تعلق بالدخول المكيف بالأمن فكأنه قيل: اسلموا وأمنوا في دخولكم وإقامتكم إن شاء الله وجواب الشرط بالحقيقة محذوف والتقدير ادخلوا مصر آمنين إن شاء الله دخلتم آمنين، أراد الأمن على أنفسهم وأموالهم وأهليهم بحيث لا يخافون أحداً وكانوا فيما سلف يخافون ملك مصر، أو أراد الأمن من القحط والشدة أو من تعييره إياهم بالجرم السالف.

﴿ ورفع أبويه على العرش ﴾ السرير الرفيع الذي كان يجلس عليه ﴿ وخروا له سجداً ﴾ لسائل أن يقول: السجود لا يجوز لغير الله فكيف سجدوا ليوسف؟

وأيضاً تعظيم الأبوين تالي تعظيم الله  فمن أين جاز سجدة أبويه له؟

والجواب عن ابن عباس في رواية عطاء أن المراد خرّوا لأجل وجدانه سجداً لله فكانت سجدة الشكر لله  ، وكذا التأويل في قوله: ﴿ والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين  ﴾ أي أنها سجدت لله تعالى لأجل طلب مصلحتي وإعلاء منصبي.

وأحسن من هذا أن يقال: إنهم جعلوا يوسف كالقبلة وسجدوا لله شكراً على لقائه، أو يراد بالسجدة التواضع التام على ما كانت عادتهم في ذلك الزمان من التحية، ولعلها ما كانت إلا انحناء دون تعفير الجبهة.

واعترض على هذا الوجه بأن لفظ الخرور يأباه.

بأن الخرور قد يعني به المرور قال  .

﴿ لم يخروا عليها صماً وعمياناً  ﴾ أي لم يمروا.

وقيل: الضمير عائد إلى إخوته فقط.

ورد بأن قوله: ﴿ هذا تأويل رؤياي ﴾ من قبل ينبو عنه.

وأجيب بأن التعبير لا يلزم أن يكون مطابقاً للرؤيا من كل الوجوه فيحتمل أن تكون السجدة في حق الإخوة التواضع التام، وفي حق أبويه مجرد ذهابهما من كنعان إلى مصر، ففيه تعظيم تام للولد.

وقيل: إنما سجد الأبوان لئلا تحمل الأنفة إخوته على عدم السجود فيصير سبباً لثوران الفتن وإحياء الأحقاد والضغائن، أو لعله  أمر يعقوب بتلك السجدة لحكمة خفية لا يعرفها إلا الله  ، ورضي بذلك يوسف موافقة لأمر الله ويؤيده ما روي عن ابن عباس أن يوسف لما رأى سجودهم له اقشعر جلده ولكن لم يقل شيئاً وكأن الأمر بتلك السجدة كان من تمام التشديد والبلية والله أعلم.

﴿ وقد أحسن بي ﴾ يقال: أحسن به وإليه بمعنى.

﴿ إذ أخرجني من السجن ﴾ لم يذكر إخراجه من البئر لأنه نوع تثريب للإخوة وقد قال: ﴿ لا تثريب عليكم ﴾ ولأنه لم يكن نعمة لأنه حينئذ صار عبداً وصار.

مبتلى بالمرأة ولأن هذا الإخراج أقرب وأشمل ﴿ وجاء بكم من البدو ﴾ أي من البادية سمى المكان باسم المصدر لظهور الشخص فيه من بعيد، وكان يعقوب وولده بأرض كنعان أهل مواش يتنقلون في المياه والصحارى.

قال ابن الأنباري.

بدا موضع معروف هنالك.

روي عن ابن عباس أن يعقوب كان قد تحول إليه وسكن فيه ومنه قدم إلى يوسف، على هذا كان يعقوب وولده أهل الحضر والبدو قصد هذا الموضع الذي يقال له بدا والمعنى جاء بكم من قصد بدا ذكره الواحدي في البسيط.

قال الجبائي والكعبي والقاضي: إنه  أخبر عن يوسف أنه أضاف الإحسان إلى الله ونسب النزغ إلى الشيطان وهو الإفساد والإغراء، ففيه دليل على أن الخير من الله دون الشر.

وأجيب بأنه إنما راعى الأدب وإلا فليس فعل الشيطان إلا الوسوسة، وأما صرف الداعية إلى الشر فلا يقدر عليه إلا الله فإن العاقل لا يريد ضرر نفسه.

﴿ إن ربي لطيف لما يشاء ﴾ فإذا أراد حصول أمر هيأ أسبابه وإن كان في غاية البعد عن الأوهام.

﴿ إنه هو العليم ﴾ بالوجه الذي تسهل به الصعاب ﴿ الحكيم ﴾ في أفعاله حتى تجيء على الوجه الأصوب والنحو الأصلح.

يحكى أن يوسف أخذ بيد يعقوب وطاف به في خزائنه فأدخله خزائن الورق والذهب وخزائن الحلي والثياب والسلاح وغير ذلك، فلما أدخله خزائن القراطيس قال: يا بني ما أعقك عندك هذه القراطيس وما كتبت إليّ على ثمان مراحل!

قال: أمرني جبريل.

قال: أو ما تسأله؟

قال: أنت أبسط إليه مني فسأله قال جبريل: الله أمرني بذلك لقولك: ﴿ وأخاف أن يأكله الذئب  ﴾ قال: فهلا خفتني.

ثم إن يعقوب أقام معه أربعاً وعشرين سنة ثم مات وأوصى أن يدفنه بالشام إلى جنب أبيه إسحق فمضى بنفسه ودفنه ثم عاد إلى مصر وعاش بعد ذلك ثلاثاً وعشرين سنة.

فلما تم أمره وعلم أنه لا يدوم له قال: ﴿ رب آتيتني من الملك ﴾ شيئاً من ملك الدنيا أو من ملك مصر لأنه كان دون ملك فوقه ﴿ وعلمتني من تأويل الأحاديث ﴾ بعضاً من ذلك لأنه لا يمكن أن يحصل للإنسان في العمر المتناهي والاستعداد المعين المحصور سوى المتناهي من السعادات الدنيوية والكمالات الأخروية ﴿ فاطر السموات والأرض ﴾ منادى ثان أو صفة النداء الأول أي مبدعهما على النحو الأفضل من مادة سابقة كالدخان أو من عدم محض ﴿ أنت وليي في الدنيا والآخرة ﴾ لا يتولى إصلاح مهماتي في الدارين غيرك.

ولما قدم النداء والثناء كما هو شرط الأدب الحسن ذكر المسألة فقال ﴿ توفني مسلماً ﴾ أراد الوفاة على حال الإسلام والختم بالحسنى كقول يعقوب لولده: ﴿ ولا تموتن إلى وأنتم مسلمون  ﴾ ﴿ وألحقني بالصالحين ﴾ من آبائي أو على العموم.

قيل: الصلاح أول درجات المؤمنين الصالحين فالواصل إلى الغاية وهي النبوة كيف يليق به أن يطلب البداية؟

والجواب إن أراد الإلحاق بالآباء فظاهر، وإن أراد العموم فكذلك لأن طلب الصلاح غير الإلحاق بأهل الصلاح فإن اجتماع النفوس المشرقة بالأنوار الإلهية له أثر عظيم وفوائد جمة كالمرآة المستنيرة المتقابلة التي يتعاكس أضواؤها ويتكامل أنوارها إلى حيث لا تطيقها الضعيفة، هذا مع أن الختم على الصلاح نهاية مراتب الصديقين.

وههنا بحث للأشاعرة وهو أن التوفي على الإسلام والإلحاق بأهل الصلاة لو لم يكن من فعل الله  كان طلبه من الله جارياً مجرى قول القائل: افعل يا من لا يفعل.

وهل هذا إلا كتشنيع المعتزلة علينا إذ كان الفعل من الله فكيف يجوز أن يقول للمكلف افعل مع أنه ليس بفاعل؟

أجاب الجبائي والكعبي بأن المراد ألطف بي بالإقامة على الإسلام إلى أن أموت فألحق بالصلحاء.

ورد بأنه عدول عن الظاهر مع أن كل ما في مقدور الله من الألطاف فقد فعله في حق الكل.

سؤال آخر: الأنبياء يعلمون أنهم يموتون على الإسلام ألبتة.

فما الفائدة في الطلب؟

الجواب: العلم الإجمالي لا يغني عن العلم التفصيلي ولا سيما في مقام الخشية والرهبة.

وقال في التفسير الكبير: المطلوب ههنا حالة زائدة على الإسلام الذي هو ضد الكفر وهي الاستسلام لحكم الله والرضا بقضائه.

وعن قتادة وكثير من المفسرين أنه تمنى الموت واللحوق بدار البقاء في زمرة الصلحاء ولم يتمن الموت نبي قبله ولا بعده.

قال أهل التحقيق: لا يبعد من الرجل العاقل إذا كمل عقله أن تعظم رغبته في الموت لوجوه منها: أن مراتب الموجودات ثلاث: المؤثر الذي لا يتأثر وهو الإله  وتقدس، والمتأثر الذي لا يؤثر وهو عالم الأجساد فإنها قابلة للتشكيل والتصوير والصفات المختلفة والأعراض المتضادة، ويتوسطهما قسم ثالث هو عالم الأرواح لأنها تقبل الأثر والتصرف من العالم الإلهي، ثم إذا أقبلت على عالم الأجساد تصرفت فيه وأثرت.

وللنفوس في التأثير والتأثر مراتب غير متناهية لأن تأثيرها بحسب تأثرها مما فوقها والكمال الإلهي غير متناه فإذن لا تنفك النفس من نقصان ما، والناقص إذا حصل له شعور بنقصانه وقد ذاق لذة الكمال بقي في القلق وألم الطلب ولا سبيل له إلى دفع هذا القلق والألم إلا الموت فحينئذ يتمنى الموت.

ومنها أن سعادات الدنيا ولذاتها سريعة الزوال مشرفة على الفناء والألم الحاصل عند زوالها أشد من اللذة الحاصلة عند وجدانها، ثم إنها مخلوطة بالمنغصات والأراذل من الخلق يشاركون الأفاضل فيها بل ربما كانت حصة الأراذل أكثر فلا جرم يتمنى العاقل موته ليتخلص من هذه الآفات.

ومنها أن اللذات الجسمانية لا حقيقة لها لأن حاصلها يرجع إلى دفع الآلام.

وقد قررنا هذا المعنى فيما سلف.

ومنها أن مداخل اللذات الدنيوية ثلاثة: لذة الأكل ولذة الوقاع ولذة الرياسة ولكل منها عيوب؛ فلذة الأكل مع أنها غير باقية بعد البلع فإن المأكول يتخلط بالبصاق المجتمع في الفم ولا شك أنه شيء منفر، ثم لما يصل إلى المعدة يستحيل إلى ما ذكره منفر فكيف به ومن هنا قالت العقلاء: من كانت همته ما يدخل في جوفه كانت قيمته ما يخرج من بطنه، هذا مع اشتراك الحيوانات الخسيسة فيها.

وأيضاً اشتداد الجوع حاجة والحاجة نقص وآفة وكذا الكلام في لذة النكاح وعيوبها مع أن فيها احتياجاً إلى زيادة المال، والنفقة للزوج والولد وما يلزمهما، والاحتياج إلى المال يلقي المرء في مهالك الاكتساب ومهاوي الانتجاع، ولذة الرياسة أدنى عيوبها أن كل واحد يكره بالطبع أن يكون خادماً مأموراً ويحب أن يكون مخدوماً، فسعي الإنسان في الرياسة سعي في مخالفة كل من سواه.

ولا ريب أن هذا أمر صعب الحصول منيع المرام وإذا ناله كان على شرف الزوال في كل حين وأوان لأن كثرة الأسباب توجب قوة حصول الأثر فيكون دائماً في الحزن والخوف.

فإذا تأمل العاقل في هذه المعاني علم قطعاً أنه لا صلاح في اللذات العاجلة ولكن النفس جبلت على طلبها والرغبة فيها فيكون دائماً في بحر الآفات وغمرات الحسرات فحينئذ يتمنى زوال هذه الحياة.

وقد سبق منا في تمني الموت كلام آخر في سورة البقرة في تفسير قوله: ﴿ فتمنوا الموت إن كنتم صادقين  ﴾ فليتذكر.

قال أهل السير: لما توفي يوسف تخاصم أهل مصر وتشاحوا في دفنه كل يحب أن يدفن في محلتهم حتى هموا بالقتال، فرأوا من الرأي أن عملوا له صندوقاً من مرمر فجعلوه فيه ودفنوه في النيل بمكان يمر عليه الماء ثم يصل إلى مصر ليكونوا فيه شرعاً.

وولد له إفراثيم وميشا وولد لإفراثيم نون ولنون يوشع فتى موسى، ثم بقي يوسف هناك إلى أن بعث الله موسى فأخرج عظامه من مصر ودفنها عند قبر أبيه والله  أعلم بحقائق الأمور.

التأويل: إن يعقوب الروح لا يتأسف على فوات شيء من المخلوقات إلا على يوسف القلب لأنه مرآة جمال الحق لا يشاهد الحق إلا فيها فلذلك أبيضت عيناه في انتظارها فلامه على ذلك الأوصاف البشرية بقولهم ﴿ تفتؤ تذكر يوسف ﴾ وأين أهل السلوة من أهل العشق، أين الخلي من الشجي، ولا بد للمحب من ملامة الخلق فأول ملامتي آدم  حين قالت الملائكة لأجله ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها  ﴾ بل أول ملامتي هو الله  حين قالوا له: ﴿ أتجعل فيها ﴾ وذلك أنه أول محب ادعى المحبة وهو قوله ﴿ يحبهم ﴾ ﴿ وأعلم من الله ما لا تعلمون  ﴾ من جماله وكماله ﴿ اذهبوا فتحسسوا ﴾ فيه أن الواجب على كل مسلم أن يطلب يوسف قلبه وبنيامين سره، وإن ترك لطف الله واليأس عن وجدانه كفر.

فلما رأت الأوصاف البشرية آثار العزة من رب العزة على صفحات أحوال يوسف القلب حين وصلوا بتيسير أحكام الشريعة وتدبير آداب الطريقة إلى سرداقات حضرة القلب ﴿ قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا ﴾ وهم القوى الإنسانية ﴿ ضر ﴾ البعد عن الحضرة الربانية ﴿ وجئنا ببضاعة مزجاة ﴾ من الأعمال البدنية ﴿ فأوف لنا الكيل ﴾ بإفاضة سجال العوارف وإسباغ ظلال العواطف ﴿ إذ أنتم جاهلون ﴾ إذ كنتم على صفة الظلومية والجهولية ﴿ لقد آثرك الله علينا ﴾ بالطلب والصدق والشوق والمحبة والوصول والوصال ﴿ وإن كنا لخاطئين ﴾ في الإقبال على استيفاء الحظوظ الحيوانية التي تضر القلب والسر والروح ﴿ لا تثريب عليكم اليوم ﴾ لأنه صدر منها ما صدر بحكمة من الله تعالى وتربية القلب وإن كان مضراً له ظاهراً كما أن صنيع إخوة يوسف في البداية صار سبباً لرفعة منزلته في النهاية ﴿ اذهبوا بقميصي ﴾ وهو نور جمال الله ﴿ ولما فصلت ﴾ عير واردات القلب وهبت نفحات ألطاف الحق ﴿ إنك لفي ضلالك القديم ﴾ .

يا عاذل العاشقين دع فئة *** أضلها الله كيف ترشدها ﴿ فارتد بصيراً ﴾ لأن الروح كان بصيراً في بدو الفطرة ثم عمي لتعلقه بالدنيا وتصرفه فيها ثم صار بصيراً بوارد من القلب: ورد البشير بما أقر الأعينا *** وشفى النفوس فنلن غايات المنى والقلب في بدو الأمر كان محتاجاً إلى الروح في الاستكمال، فلما كمل وصلح لقبول فيضان الحق بين إصبعين ونال مملكة الخلافة بمصر القربة في النهاية صار الروح محتاجاً إليه لاستنارته بأنوار الحق، وذلك أن القلب بمثابة المصباح في قبول نار النور الإلهي والروح كالزيت فيحتاج المصباح في البداية إلى الزيت في قبول النار، ولكن الزيت يحتاج إلى المصباح في البداية وتزكيته في النهاية لتقبل بواسطة النار ﴿ ادخلوا مصر إن شاء الله ﴾ لأنه لا يصل إلى الحضرة الأحدية إلا بجذبة المشيئة آمنين من الانقطاع والانفصال ﴿ وخروا له سجداً ﴾ لما رأوه وعرفوه أنه عرش الحق  ، فالسجدة كانت في الحقيقة لرب العرش لا للعرش ﴿ هذا تأويل رؤياي من قبل ﴾ إن كنت نائماً في نوم العدم ﴿ إذ أخرجني من السجن ﴾ سجن الوجود ولم يقل من الجب لأنه لا يخرج من جب البشرية ما دام في الدنيا ﴿ من البدو ﴾ بدو الطبيعة ﴿ آتيتني من الملك ﴾ ملك الوصال والوصول ﴿ فاطر سموات ﴾ عالم الأرواح وأرض البشرية ﴿ توفني مسلماً ﴾ أخرجني من قيد الوجود المجازي وأبقني ببقائك مع الباقين بك بفضلك وكرمك.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا ٱسْتَيْأَسُواْ مِنْهُ ﴾ .

قيل: أيسوا عن أن يُرَدّ إليهم أخوهم.

﴿ خَلَصُواْ نَجِيّاً ﴾ .

قيل: خلوا من الناس وخلصوا منهم؛ يتناجون فيما بينهم في أمر أخيهم، أو في الانصراف إلى أبيهم، أو في المقام فيه.

﴿ قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوۤاْ ﴾ .

قال أهل التأويل: كبيرهم في العقل ليس في السن؛ وهو فلان.

قال بعضهم: وهو يهوذا، وقال بعضهم: هو شمعون.

ولكن لا نعلم من كان قائل هذا لهم، ولا نحتاج إلى معرفة ذلك؛ سوى أن فيه: ﴿ قَالَ كَبِيرُهُمْ ﴾ إمَّا أن كان كبيرهم في العقل؛ أو كبيرهم في السن.

﴿ أَلَمْ تَعْلَمُوۤاْ أَنَّ أَبَاكُمْ ﴾ (ألم تعلموا) و(ألم تروا) حرفان يستعملان في أحد أمرين: في الأمر؛ أن اعلموا ذلك، أو في موضع التنبيه والتقرير؛ وهاهنا كأنه قال ذلك على التقرير والتنبيه؛ أي: قد علمتم ﴿ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَّوْثِقاً مِّنَ ٱللَّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ ﴾ .

هذا يدل أن التأويل في قوله: ﴿ إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ  ﴾ هو إلا أن يعمكم أمرٌ ويجمعكم؛ فتهلكون فيه جميعاً، وليس كما قال بعض أهل التأويل: إلا أن يجيء ما يمنعكم عن ردّه؛ أي: إلا أن تغلبوا فتعجزوا عن ردّه؛ لأنه قد جاء ما يمنعهم عن ردّه، ثم أبي أكبرهم الرجوع إلى أبيه؛ دل أن التأويل هو هذا، ومن يقول: إن التأويل في قوله: ﴿ إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ  ﴾ إلا أن يجيء ما يمنعكم عن الردّ؛ استدل بقوله: ﴿ ٱرْجِعُوۤاْ إِلَىٰ أَبِيكُمْ فَقُولُواْ يٰأَبَانَا إِنَّ ٱبْنَكَ سَرَقَ ﴾ ؛ فلو كان على ما يعمهم ويجمعهم، لم يكن ليأمرهم بالرجوع إلى أبيهم؛ دل أنه ما ذكر.

وأما أهل التأويل الأول يقولون: إن قوله: ﴿ ٱرْجِعُوۤاْ إِلَىٰ أَبِيكُمْ ﴾ ليس على الأمر؛ ولكن إذا رجعتم إلى أبيكم؛ فقولوا: إن ابنك سرق وكذلك يخرج قوله: ﴿ وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِي كُنَّا فِيهَا وَٱلْعِيْرَ ٱلَّتِيۤ أَقْبَلْنَا فِيهَا ﴾ ليس على الأمر؛ ولكن لو سألت أهل القرية وأهل العير؛ لأخبروك أنه كما قلنا؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ ٱرْجِعُوۤاْ ﴾ ليس على الأمر؛ ولكن لو رجعتم إليه؛ فقولوا كذا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ ﴾ .

أي: من قبل ما ضيعتم أمر أبيكم في يوسف؛ أو ضيعتم أمر الله ووعده في يوسف.

﴿ فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلأَرْضَ حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِيۤ أَبِيۤ ﴾ .

[هذا يحتمل وجهين: يحتمل حتى يأذن لي أبي بالرجوع إليه؛ إذا ظهر عنده عذرنا وصدقنا في أمره ابنه أو يأذن لي أبي] بالمنازعة في القتال مع الملك حتى أستنقذ أخي وأستخلصه منه.

﴿ أَوْ يَحْكُمَ ٱللَّهُ لِي ﴾ في الرجوع أيضاً أو في القتال معه.

﴿ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَاكِمِينَ ﴾ أو يحكم الله لي بإظهار عذرنا وصدقنا عند أبينا.

﴿ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَاكِمِينَ ﴾ في إظهار العذر؛ لأنه إذا حكم بإظهار العذر ظهر ذلك في الخلق جميعاً، ولا كذلك حكم غيره؛ لأن كل من يحكم بحكم؛ يجوز إنما يحكم بحكم؛ هو حكم الله؛ فهو خير الحاكمين وكذلك قوله: ﴿ وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ  ﴾ لأن من رحم من الخلق؛ إنما يرحم برحمته؛ فهو أرحم الراحمين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱرْجِعُوۤاْ إِلَىٰ أَبِيكُمْ ﴾ .

يحتمل على الأمر؛ على ما هو [في] الظاهر.

ويحتمل ما ذكرنا؛ أي: لو رجعتم إليه؛ فقولوا: يا أبانا إن ابنك سرق يشبه أن يكون هذا منه تعريضاً في التخطئة؛ على ما كان يؤثره على غيره من الأولاد؛ أي الذي كنت تؤثره علينا بالمحبة وميل القلب إليه - قد سرق، ويشبه أن يكون ليس على التعريض؛ ولكن على الإخبار؛ على ما ظهر عندهم من ظاهر الأمر.

﴿ وَمَا شَهِدْنَآ إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا ﴾ بما أخرج المتاع من وعائه.

﴿ وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ ﴾ .

هذا على التأويل الذي قيل في قوله: ﴿ إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ ﴾ أي: يعمكم ويجمعكم؛ أي: ما كنا نعلم - وقت إعطاء العهد والميثاق - أنه يسرق؛ وإلا لم نعطك العهد على ذلك.

ويحتمل: ﴿ وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ ﴾ وقت ما أخرج المتاع من وعائه؛ واتهم أنه سرق، أو لم يسرق، أو هو وضع الصاع في رحله، أو غيره وضع أي: ما كنا نعلم في الابتداء أن الأمر يرجع إلى هذا؛ وإلا لم نخرجه معنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِي كُنَّا فِيهَا وَٱلْعِيْرَ ٱلَّتِيۤ أَقْبَلْنَا فِيهَا ﴾ .

أي لو سألت أهل القرية وأهل العير؛ لأخبروك أنه على ما نقول.

﴿ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ ﴾ على ذلك؛ على ما ظهر لنا؛ من استخراج الإناء من وعائه والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً ﴾ .

فإن قيل: كيف قال لهم: ﴿ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً ﴾ وجعل ما أخبروه من تسويل أنفسهم وتزيينها؛ ولم يخالفوه فيما أمرهم في أمر بنيامين، ولا تركوا شيئاً مما أمرهم به؛ وليس هذا كالأول؛ الذي قال لهم في أمر يوسف: ﴿ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً...

﴾ الآية؛ لأنه قد كان منهم خلاف لما أمرهم به؛ والسعي على إهلاكه، فكان ما ذكر من تسويل أنفسهم وتزيينها في موضع التسويل والتزيين، وأمَّا هاهنا فلم يأت منهم إليه خلاف، ولا ترك لأمره؛ فكيف قال: ﴿ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً ﴾ لكن يشبه أن يكون قال ذلك؛ لأنهم لما اتّهموا جميعاً بالسرقة؛ فقيل: ﴿ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ  ﴾ قالوا: ﴿ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ  ﴾ قطعوا فيه القول؛ أنهم لم يكونوا سارقين، وهو كان فيهم؛ فكيف قطعتم فيه القول بالسرقة ﴿ إِنَّ ٱبْنَكَ سَرَقَ ﴾ ؛ ولكن سولت لكم أنفسكم أمراً من البغض والعداوة؛ من الإيثار له وليوسف عليهم؛ والميل إليهما دونهم؛ حيث قالوا: ﴿ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ  ﴾ والله أعلم.

فسولت لكم أنفسكم ببغضكم وعداوتكم حتى تركتم التفحص عن حاله وأمره، أن لا كل من وجد في رحله شيء يكون هو واضع ذلك الشيء؛ بل قد يضع غيره فيه؛ على غير علم منه.

وقوله: ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ﴾ .

قد ذكرناه.

وقوله: ﴿ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً ﴾ .

قال أهل التأويل: قال: ﴿ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً ﴾ ؛ لأنهم صاروا جماعة؛ يوسف وبنيامين أخوه، ويهوذا وشمعون قد تخلفا لسبب حبس يوسف أخاه، أو يوسف وأخوه.

وقال بعض أهل التأويل: إن جبريل أتى يعقوب على أحسن صورة؛ فسأله عن يوسف؛ أفي الأحياء أم في الأموات؟

فقال: بل هو في الأحياء؛ فقال عند ذلك: ﴿ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً ﴾ .

أو علم يعقوب أن يوسف في الأحياء، وأنه غير هالك؛ لما رأى يوسف؛ من الرؤيا؛ من سجود الكواكب والشمس والقمر له؛ علم أنه في الأحياء، وأنه لا يهلك إلا بعد خروج رؤياه، وغير ذلك من الدلائل، لكنه كان لا يعلم أين هو؟

فقال ذلك ﴿ إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ ﴾ .

أي أعرض عنهم وعاتبهم؛ حين أخبروه أن ابنه سرق.

وقال: ﴿ يَٰأَسَفَىٰ عَلَى يُوسُفَ ﴾ .

قيل: يا حزنا على يوسف، وقيل يا جزعا.

وقال القتبي: الأسف أشد الحسرة؛ وأصله: أن الأسف كأنه النهاية في الحزن: أن الحزين إذا بلغ غايته ونهايته؛ يقال: أسف.

وهو النهاية في الغضب أيضاً.

كقوله: ﴿ فَلَمَّآ آسَفُونَا  ﴾ أي: لما أغضبونا ﴿ ٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ  ﴾ وقوله  : ﴿ وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَٰنَ أَسِفاً  ﴾ .

وقوله: ﴿ يَٰأَسَفَىٰ عَلَى يُوسُفَ ﴾ .

يحتمل أن يكون لا على إظهار القول باللسان؛ ولكن إخبار عما في ضميره، وذلك جائز؛ كقوله: ﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ  ﴾ أخبر عما في قلوبهم؛ لا أن قالوا ذلك باللسان.

ويحتمل القول به على غير قصد منه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ .

الكظم: هو كف النفس عن الجزع؛ وترديد الحزن في الجوف على غير إظهار في أفعاله، والجزع هو ما يظهر في أفعاله؛ والذي يهيج الحزن هو الذي يهيج الغضب، إلا أن الحزن يكون على من فوقه؛ والغضب على من تحت يده، وسبب هيجانهما واحد، أو أن يكون الكظيم: هو الذي يمسك الحزن في قلبه والغم، كأنه هو الذي يستر ويغطي القلب؛ إذا حل به، والهم: هو ما يبعث على القصد من الهم به.

والحزن: هو على ما يؤثر التغيير في الخلقة؛ ولا يظهر في الأفعال [والجزع يظهر في الأفعال] ولا يغير الخلقة عن حالها، لذلك عمل في ضعف نفس يعقوب، وعمل في إهلاك بعضه، حيث ذهبت عيناه وابيضت من الحزن، والكظيم: ما ذكرنا؛ هو الذي يردد الحزن في جوفه ولا يظهر ويكفه عن الجزع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ تَاللهِ ﴾ .

هو يمينهم مكان: والله أو بالله، وكذلك قال إبراهيم: ﴿ وَتَٱللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ تَفْتَؤُاْ تَذْكُرُ يُوسُفَ ﴾ .

أي لا تزال تذكر يوسف ولا تنسى ذكره؛ حتى تسلو؛ من حزنه، كأنهم دَعَوْه إلى السلوّ من حزنه؛ لأنه بالذكر يتجدد الحزن ويحدث، فقالوا له: لا تزال تذكر يوسف.

﴿ حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضاً ﴾ .

قيل: دنفاً وقيل: ﴿ حَرَضاً ﴾ : هرماً؛ وأصل الحرض: الضعف.

﴿ أَوْ تَكُونَ مِنَ ٱلْهَالِكِينَ ﴾ .

كذلك صار يعقوب ضعيفاً في بدنه من الحزن؛ وصار بعض بدنه من الهالكين؛ حيث ابيضت عيناه؛ وذهبتا من الحزن.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ إِنَّمَآ أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى ٱللَّهِ ﴾ .

قال القتبي: الحرض: الدنف، والبث: أشدّ الحزن؛ لأن صاحبه لا يصبر عليه حتى يَبُثَّه؛ أي: يشكوه، وكذلك روي في الخبر: (مَنْ بَثَّ فلم يصبر)؛ أي: شكا، وما ذكر من الشكاية إلى الله ليس على إظهار ذلك باللسان؛ ولكن إمساك في القلب.

وقال الحسن: ﴿ أَشْكُو بَثِّي ﴾ أي: حاجتي وحزني إلى الله، ويشبه أن يكون البث والحزن واحداً ذكر على التكرار.

وقال بعضهم: الحرض: الذي قد ذهب عقله من الكبر.

﴿ أَوْ تَكُونَ مِنَ ٱلْهَالِكِينَ ﴾ فتموت والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: قوله: أعلم من الله من تحقيق رؤيا يوسف؛ أنه كائن ما لا تعلمون: أنتم وأنا سنسجد له.

وقال ابن عباس -  -: [قوله]: ﴿ وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ أنه حي لم يمت وهو ما ذكر؛ أنه كان يعلم من الله ما لا يعلمون هم.

ويشبه أن يكون قوله: أعلم من الله؛ أي: أنتفع بعلمي ما لا تنتفعون أنتم، وأصله: أن إخوة يوسف لو علموا أن أمر يوسف يبلغ ما بلغ من الملك والعز - ما قصدوا قصد تغييبه عن والده، ولا سعوا فيه فيما سعوا من إفساد أمره، لكنهم لم يعلموا والله أعلم - أو علم من الله شيئاً لم يبين ما لا يعلمون هم؛ كقول إبراهيم [...]، وما ذكر أهل التأويل: أن يعقوب قال: كذا؛ من النياح على يوسف والجزع عليه؛ لا يحتمل ذلك؛ لأنه قال - حين أخبروه بذلك -: ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ﴾ وما ذكروا هم منه ليس هو بصبر؛ فضلا أن يكون جميلا.

وقوله: ﴿ يٰبَنِيَّ ٱذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ ﴾ .

قال أهل التأويل: تحسسوا: اطلبوه واستخبروا عنه وعن أخيه، لكن غير هذا كأنه أقرب؛ وهو من وقوع الحس عليه؛ كأنه قال: اذهبوا فانظروا إليه وإلى أخيه؛ لأنهم إن لم يكونوا يعلمون أن يوسف أين هو - فلقد كانوا يعلمون من حال أخيه بنيامين أنه أين هو؛ فلو كان على الطلب والبحث والاستخبار؛ على ما قاله أهل التأويل؛ إن احتمل في يوسف فذلك لا يحتمل في أخيه؛ إذ هم كانوا يعلمون مكانه وأين هو؛ وإن كانوا لا يعلمون مكان يوسف ولا أين هو، وهو إنما أمرهم أن يتحسسوا عنهما جميعاً؛ فدل - والله أعلم - أنه من وقوع الحسّ والبصر عليهما؛ لا من البحث والطلب - والله أعلم - فكأنه علم بالوحي أنه هنالك وأخوه معه، لكنه لم يخبر بنيه أنه هنالك؛ لما علم أنهم يتكاسلون ويتثاقلون عن الذهاب إليه؛ فإنما أمرهم بذلك أمر تعريض لا أمر تصريح.

أو أن يكون قوله: ﴿ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ ﴾ على الإضمار؛ أي: تحسسوا من يوسف واسألوا منه ردَّ أخيه؛ لما علم أن أخاه يكون معه.

وقال عامة أهل التأويل: إنما قال لهم هذا؛ وعلم أنه في الأحياء؛ لأنه رأى ملك الموت؛ فقال له: هل قبضت روح يوسف مما قبضت من الأرواح؟

قال: لا.

وقال بعضهم: رأى في المنام ملك الموت؛ فقال له ما ذكرنا؛ فعند ذلك قال هذا القول.

لكنا نقول: إنه كان عالماً بأنه في الأحياء؛ ليس بهالك؛ لما رأى من الرؤيا وغيره؛ فعلم أنه لا يهلك إلا بعد خروج رؤياه على الصدق والحق، لكنه لم يكن يعلم أنه أين هو من قبل، ثم علم من بعدُ بالوحي عن مكانه وحاله؛ فأمر بنيه أن يأتوه؛ فينظروا إليه وإلى أخيه.

وأصل هذا: أن ما حَلّ بيعقوب - من فوت يوسف وغيبته عنه - محنة امتحنه ربه، وبلية ابتلاه بها؛ يبتلى بذلك؛ حسرة عليه؛ ألا ترى أن يوسف لو أراد أن يُعْلِم أباه يعقوب عن مكانه وحاله؛ لقدر عليه؛ لأنه كان يعلم بمكان أبيه، وأن يعقوب لا يعلم بمكان يوسف؛ فلم يعلمه إلا بعد الأمر بالإعلام.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ ﴾ .

قيل: من رحمة الله.

﴿ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْكَافِرُونَ ﴾ .

أخبر أنه لا ييئس من رحمة الله إلا القوم الكافرون؛ لأن مَنْ آمن يعلم أنه متقلب في رحمة الله ونعمته فلا ييئس من رحمته، وأمّا الكافر؛ فإنه لا يعلم رحمة الله ولا تقلبه في رحمته؛ فييئس من رحمته.

فنهاهم عن الإياس؛ لما كان عندهم أنه هالك؛ حيث قالوا: ﴿ إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ ٱلْقَدِيمِ  ﴾ لما قال لهم: ﴿ إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ  ﴾ وأخوه كان محبوساً بالسرقة؛ والمحبوس لا يرد في حكمهم.

أو يقول: نهاهم؛ وإن لم يكونوا آيسين؛ ثم قوله: ﴿ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْكَافِرُونَ ﴾ خبر عن الله؛ أخبر أنه لا ييئس من [رحمة الله] إلا القوم الكافرون، وكذلك ما بشر إبراهيم بالولد؛ حيث قالوا: ﴿ بَشَّرْنَاكَ بِٱلْحَقِّ فَلاَ تَكُن مِّنَ ٱلْقَانِطِينَ  ﴾ نهاه عن القنوط؛ ولا يحتمل أن يكون إبراهيم قانطاً عن ذلك؛ لكنه نهاه ثم أخبر فقال: ﴿ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ ٱلضَّآلُّونَ  ﴾ والآية ترد على المعتزلة قولهم؛ لقولهم: إن صاحب الكبيرة خالد مخلد في النار وأنه ليس بكافر؛ وهو آيس - على قولهم - من رَوْح الله، وقد أخبر أنه ﴿ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْكَافِرُونَ ﴾ وهم يقولون: إن صاحب الكبيرة آيس من رَوْح الله، وهو ليس بكافر.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وابتعد معرضًا عنهم، وقال: يا شدة حزني على يوسف، وصار سواد عينيه بياضًا من كثرة ما بكى عليه، فهو مملوء حزنًا وهمًّا، يكتم حزنه عن الناس.

<div class="verse-tafsir" id="91.rK1Vq"

مزيد من التفاسير لسورة يوسف

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14 / 29.5
الإضاءة 99%
البدر بعد 1 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله