الإسلام > القرآن > تفسير > التسهيل > تفسير سورة يوسف
تفسيرُ سورةِ يوسف كاملةً من التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) (ابن جزي الكلبي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 57 دقيقة قراءة﴿ الكتاب المبين ﴾ يعني القرآن، والمبين يحتمل أن يكون بمعنى البيِّن، فيكون غير متعد، أو يكون متعدياً بمعنى أنه أبان الحق أي أظهره ﴿ لَّعَلَّكُمْ ﴾ يتعلق بأنزلناه أو بعربياً.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَحْسَنَ القصص ﴾ يعني قصة يوسف، أو قصص الأنبياء على الإطلاق، والقصص يكون مصدراً أو اسم مفعول؛ بمعنى المقصوص، فإن أريد به هنا المصدر فمفعول نقصّ محذوف، لأن ذكر القرآن يدل عليه ﴿ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الغافلين ﴾ الضمير في قبله للقصص أي من الغافلين عن معرفته، وفي هذا احتجاج على أنه من عند الله؛ لكونه جاء به من غير تعليم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِذْ قَالَ ﴾ العامل فيه اذكر المضمر، أو القصص ﴿ ياأبت ﴾ أي يا أبي والتاء للمبالغة، وقيل: للتأنيث وكسرت دلالة على ياء المتكلم والتاء عوض من ياء المتكلم ﴿ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجدين ﴾ كرر الفعل لطول الكلام، وأجرى الكواكب والشمس والقمر مجرى العقلاء في ضمير الجماعة لما وصفها بفعل من يعقل، وهو السجود وتأويل الكواكب في المنام إخوته، والشمس والقمر أبواه؛ وسجودهم له تواضعهم له ودخولهم تحت كنفه وهو ملك ﴿ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ على إِخْوَتِكَ ﴾ إنما قال ذلك لأنه علم أن تأويلها ارتفاع منزلته فخاف عليه من الحسد ﴿ يَجْتَبِيكَ ﴾ يختارك ﴿ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأحاديث ﴾ قيل: هي عبارة الرؤيا، واللفظ أعم من ذلك ﴿ ءَالِ يَعْقُوبَ ﴾ يعني ذريته.
<div class="verse-tafsir"
﴿ آيات لِّلسَّائِلِينَ ﴾ أي لمن سأل عنها، رُوي أن اليهود سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قصة يوسف أو أمروا قريشاً أن يسألوه عنها، فهم السائلون على هذا، واللفظ أعم من ذلك ﴿ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ ﴾ هو بنيامين، وهو أصغر من يوسف، ويقال إنه شقيق يوسف، وكان أصغر أولاد يعقوب ﴿ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ ﴾ أي: جماعة نقدر على النفع والضر بخلاف الصغيرين، والعصبة: العشرة فما فوقها إلى الأربعين ﴿ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ﴾ أي: خطأ وخروج عن الصواب بإفراط حبة ليوسف وأخيه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ ﴾ أي: لا يشارككم غيره في محبته لكم وإقباله عليكم ﴿ قَوْماً صالحين ﴾ أي: بالتوبة والاستقامة وقيل: هو صلاح حالهم مع أبيهم ﴿ قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ ﴾ هو يهوذا، وقيل: روبيل ﴿ غيابت الجب ﴾ غوره وما غاب منه ﴿ السيارة ﴾ جمع سيار، وهم القوم الذين يسيرون في الأرض للتجارة، وغيرها ﴿ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ ﴾ أي هذا هو الرأي إن فعلتموه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا على يُوسُفَ ﴾ أي: لم تخاف عليه منا، وقرأ السبع تأمنا، بالإدغام والإشمام لأن أصله بضم النون الأولى ﴿ يَرْتَعْ ﴾ من قرأه بكسر العين فهو من الرعي أي من رعي الإبل، أو من رعي بعضهم لبعض، وحراسته، ومن قرأ بالإسكان، فهو من الرتع وهو الإقامة في الخصب والتنعم، والتاء على هذا أصلية، ووزن الفعل يفعل، ووزنه على الأول نفتعل، ومن قرأ: يرتع ويلعب بالياء فالضمير ليوسف، ومن قرأ بالنون فالضمير للمتكلمين وهم إخوته، وإنما قالوا: نلعب، لأنهم لم يكونوا حينئذ أنبياء، وكان اللعب من المباح للتعلم كالمسابقة بالخيل.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وأجمعوا ﴾ أي: عزموا، وجواب لما محذوف، وقيل: إنه أجمعوا، أو وأوحينا على زيادة الواو ﴿ وَأَوْحَيْنَآ ﴾ يحتمل أن يكون هذا الوحي بواسطة ملك، أو بإلهام، والضمير في إليه ليوسف، وقيل: ليعقوب والأول هو الصحيح، ﴿ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ في موضع الحال من لتنبئنهم أي: لا يشعرون حين تنبئهم فيكون خطاباً ليوسف عليه السلام، أو من أوحينا لا يشعرون حين أوحينا إليه فيكون خطاباً للنبي صلى الله عليه وسلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ نَسْتَبِقُ ﴾ أي: نجري على أقدامنا لننظر أينا يسبق ﴿ وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا ﴾ أي بمصدّق لمقالتنا ﴿ وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ ﴾ أي لا تصدّقنا ولو كنا عندك من أهل الصدق، فكيف وأنت تتهمنا، وقيل: معناه لا تصدقنا وإن كنا صادقين في هذه المقالة، فذلك على وجه المغالطة منهم، والأول أظهر ﴿ وَجَآءُوا على قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ ﴾ أي: ذي كذب أو وصف بالمصدر مبالغة، وروي أنهم لطخو قمصه بدم جَدْي، وقالوا ليعقوب: هذا دمه في قميصه فقال لهم: ما بال الذئب أكله ولم يخرق قميصه، فاستدل بذلك على كذبهم ﴿ سَوَّلَتْ ﴾ أي زينت ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ﴾ وعد من نفسه بالصبر، وارتفاعه على أنه مبتدأ تقديره: صبر جميل أمثل، أو خبر مبتدأ تقديره: شأني صبر جميل.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ ﴾ رُوي أن هؤلاء السيارة من مَدْين، وقيل: هم أعراب ﴿ وَارِدَهُمْ ﴾ الوارد هو الذي يستقي الماء لجماعة، ونقل السهيلي أن اسم هذا الوارد مالك بن دعر من العرب العاربة، ولم يكن له ولد فسأل يوسف أن يدعو له بالولد فدعا له، فرزقه الله اثني عشر ولداً، أعقب كل واحد منهم قبيلة ﴿ قَالَ يابشرى ﴾ أي نادى البشرى كقولك: يا حسرة، وأضافها إلى نفسه، وقرئ يا بشرى بحذف ياء المتكلم، والمعنى كذلك وقيل: على هذه القراءة نادى رجلاً منهم اسمه بشرى، وهذا بعيد، ولما أدلى الوارد الحبل في الجب تعلق به يوسف فحينئذ قال: يا بشراي هذا غلام ﴿ وَأَسَرُّوهُ بضاعة ﴾ الضمير الفاعل للسيارة والضمير المفعول ليوسف أي أخفوه من الرفقة، أو قالوا لهم: دفعة لنا قوم لنبيعه لهم بمصر ﴿ وَشَرَوْهُ ﴾ أي باعوه، والضمير أيضاً للذين أخذوه، وقيل: الضمير لإخوة يوسف وأنهم رجعوا إليه فقالوا: للسيارة هذا عبدنا ﴿ بِثَمَنٍ بَخْسٍ ﴾ أي ناقص عن قيمته، وقيل: البخس هنا الظلم ﴿ دراهم مَعْدُودَةٍ ﴾ عبارة عن قلتها ﴿ وَكَانُواْ ﴾ الضمير للذين أخذوه أو لإخوته.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَقَالَ الذي اشتراه ﴾ يعني العزيز، وكان حاجب الملك وخازنه، وقال السهلي: اسمه قطفير ﴿ مِن مِّصْرَ ﴾ هو البلد المعروف، ولذلك لم ينصرف، وكان يوسف قد سيق إلى مصر فنودي عليه في السوق حتى بلغ ثمنه وزنه ذهباً، وقيل: فضة فاشتراه العزيز ﴿ تَأْوِيلِ الأحاديث ﴾ قد تقدم ﴿ والله غالب على أَمْرِهِ ﴾ في عود الضمير وجهان: أحدهما أن يعود على الله فالمعنى أنه يفعل ما يشار لا رادّ لأمره، والثاني: أنه يعود على يوسف أي يدبر الله أمره بالحفظ له والكرامة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ بَلَغَ أَشُدَّهُ ﴾ قيل: الأشدّ البلوغ، وقيل: ثماني عشرة سنة؛ وقيل: ثلاث وثلاثون، وقيل: أربعون ﴿ حُكْماً ﴾ هي الحكمة والنبوة ﴿ وراودته التي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ ﴾ أي: طلبت منه ما يكون من الرجل إلى المرأة وهي زليخا امرأة العزيز ﴿ وَغَلَّقَتِ الأبواب ﴾ روي أنها كانت سبع أبواب ﴿ هَيْتَ لَكَ ﴾ اسم فعل معناه تعال وأقبل، وقرئ بفتح الهاء وكسرها وبفتح التاء وضمها، والمعنى في ذلك كله واحد، وحركة التاء للبناء، وأما من قرأ بالهمز فهو فعل من تهيأتُ كقولك: جئت ﴿ مَعَاذَ الله ﴾ منصوب على المصدرية، والمعنى أعوذ بالله ﴿ إِنَّهُ ربي ﴾ يحتمل ان يكون الضمير لله تعالى، أو للذي اشتراه، لأن السيد يقال له رب، فالمعنى لا ينبغي لي أن أخونه ﴿ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظالمون ﴾ الضمير للأمر والشأن، ويحتمل ذلك في الأوّل أي الضمير.
رقم الصفحة <div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا ﴾ أكثرَ الناسُ الكلام في هذه الآية حتى ألفوا فيها التآليف، فمنهم مُفْرِط ومفرّط، وذلك أن منهم من جعل همّ المرأة وهمّ يوسف من حيث الفعل الذي أرادته، وذكروا في ذلك روايات من جلوسه بين رجليها، وحلت التكة وغير ذلك، مما لا ينبغي أن يقال به لضعف نقله، ولنزاهة الأنبياء عن مثله، ومنهم من جعل أنها همت به لتضربه على امتناعه وهمّ بها ليقتلها أو يضربها ليدفعها وهو بعيد، يرده قوله: لولا أن رأى برهان ربه، ومنهم من جعل همها به من حيث مرادها وهمه بها ليدفعها، وهذا أيضاً بعيد، لاختلاف سياق الكلام، والصواب إن شاء الله: إنها همت به من حيث مرادها وهمّ بها كذلك، لكنه لم يعزم على ذلك، ولم يبلغ إلى ما ذكر من حل التكة وغيرها؛ بل كان همه خطرة خطرت على قلبه لم يطعها ولم يتابعها، ولكنه بادر بالتوبة والإقلاع عن تلك الخطرة حتى محاها من قلبه لما رأى برهان ربه، ولا يقدح هذا في عصمة الأنبياء لأن الهمّ بالذنب ليس بذنب ولا نقص عليه في ذلك، فإنه من همَّ بذنب ثم تركه كتبت له حسنة ﴿ لولا أَن رَّأَى برهان رَبِّهِ ﴾ جوابه محذوف تقديره: لولا أن رأى برهان ربه لخالطها، وإنما حذف لأن قوله همّ بها يدل عليه، وقد قيل: إن ﴿ هم بها ﴾ هو الجواب، وهذا ضعيف لأن جواب لولا لا يتقدم عليها، واختلف في البرهان الذي رآه، فقيل ناداه جبريل يا يوسف أتكون في ديوان الأنبياء وتفعل فعل السفهاء، وقيل: رأى يعقوب ينهاه، وقيل: تفكر فاستبصر، وقيل: رأى زليخا غطت وجه صنم لها حياء منه، فقال: أنا أولى أن أستحي من الله ﴿ كذلك لِنَصْرِفَ عَنْهُ ﴾ الكاف في موضع نصب متعلقة بفعل مضمر، التقدير: ثبتناه مثل ذلك التثبيت، أو في موضع رفع تقديره: الأمر مثل ذلك ﴿ السواء والفحشآء ﴾ خيانة سيده والوقوع في الزنا ﴿ المخلصين ﴾ قرئ بفتح اللام حيث وقع أي الذين أخلصهم الله لطاعته، وبالكسر أي الذي أخلصوا دينهم لله.
<div class="verse-tafsir"
﴿ واستبقا الباب ﴾ معناه: سبق كل واحد منهما صاحبه إلى الباب فقصد هو الخروج والهروب عنها، وقصدت هي أن تردّه، فإن قيل: كيف قال هنا الباب بالإفراد وقد قال بالجمع وغلقت الأبواب فالجواب أن المراد هنا الباب البرّاني الذي هو المخرج من الدار ﴿ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ ﴾ أي قطعته من وراء، وذلك أنها قبضت قميصه من خلفه لتردّه فتمزق القميص، والقدّ القطع بالطول، والقّطُّ القطع بالعرض ﴿ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا ﴾ أي وجدا زوجها عند الباب ﴿ قَالَتْ مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سواءا إِلاَّ أَن يُسْجَنَ ﴾ لما رأت الفضيحة عكست القضية، وادعت أن يوسف راودها عن نفسها، فذكرت جزاء كل من فعل ذلك على العموم، ولم تصرح بذكر يوسف لدخوله في العموم، وبناء على أن الذنب ثابت عليه بدعواها، وما جزاء يحتمل أن تكون ما نافية أو استفهامية ﴿ قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي ﴾ برّأ نفسه من دعواها ﴿ وَشَهِدَ شَاهِدٌ ﴾ قيل: هو ابن عمها وقيل: كان طفلاً في المهد فتكلم، وكونه من أهلها أوجبُ للحجة عليها وأوثق لبراءة يوسف، وكونه لم يتكلم قط، ثم تكلم بذلك كرامة ليوسف عليه السلام، والتقدير شهد شاهد فقال: أو ضمنت الشهادة معنى القول ﴿ إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ ﴾ لأنها كانت تدافعه فتقدّ قميصه من قبل ﴿ وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ ﴾ لأنها جذبته إلى نفسها حين فرّ منها فقدّت قميصه من دبر ﴿ فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ ﴾ فاعل رأى زوجها أو الشاهد ﴿ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ ﴾ الضمير للأمر أو لقولها ما جزاء ﴿ يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا ﴾ أي اكتمه ولا تحدث به، ويوسف منادى حذف منه حرف النداء لأنه قريب، وفي حذف الحرف إشارة إلى تقريبه وملاطفته ﴿ واستغفري لِذَنبِكِ ﴾ خطاب لها، وذلك من كلام زوجها أو من كلام الشاهد ﴿ مِنَ الخاطئين ﴾ جاء بلفظ التذكير، ولم يقل من الخاطئات تغليباً للذكور.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي المدينة ﴾ أي في مصر، روى أنهن خمس نسوة: امرأة الساقي، وامرأة الخباز، وامرأة صاحب الدواب، وامرأة صاحب السجن، وامرأة الحاجب ﴿ فتاها ﴾ أي خادمها، والفتى يقال بمعنى: الشاب، وبمعنى الخادم ﴿ شَغَفَهَا ﴾ بلغ شغاف قلبها وهو غلافه، وقيل: السويداء منه، وقيل: الشغاف داء يصل إلى القلب ﴿ سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ ﴾ أي بقولهم وسماه مكراً لأنه كان في خفية، وقيل: كانت قد استكتمتهن سرها فأفشينه عليها ﴿ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئاً ﴾ أي أعتدت لهن ما يتكأ عليه من الفرش ونحوها، وقيل: المتكأ طعام، وقرئ في الشاذ متكأ بسكون التاء وتنوين الكاف، وهو الأترج، وإعطائها السكاكين لهن يدل على أن الطعام كان مما يقطع بالسكاكين كالأترج، وقيل: كان لحماً ﴿ وَقَالَتِ اخرج عَلَيْهِنَّ ﴾ أمر ليوسف، وإنما أطاعها لأنه كان مملوك زوجها ﴿ أَكْبَرْنَهُ ﴾ أي عظمن شأنه وجماله.
﴿ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ﴾ أي اشتغلن بالنظر إليه وبهتن من جماله حتى قطعن أيديهن وهنّ لا يشعرن كما يقطع الطعام ﴿ حاش للَّهِ ﴾ معناه براءة وتنزيه: أي تنزيه الله وتعجب من قدرته على خلقة مثله، وحاش في باب الاستثناء تخفض على أنها حرف، وأجاز المبرد النصب بها على أن تكون فعلاً وأما هنا فقال أبو علي الفارسي: إنها فعل، والدليل على ذلك من وجهين: أحدهما أنها دخلت على لام الخبر وهو اللام في قوله لله، ولا يدخل الحرف على حرف، والآخر أنها حذفت منها الألف على قراءة الجماعة، والحروف لا يحذف منها شيء وقرأها أبو عمرو بالألف على الأصل وإنما تحذف من الأفعال كقولك: لم يك ولا أدري، والفاعل بحاش ضمير يعود على يوسف تقديره: بَعُدَ يوسف عن الفاحشة لخوف الله وقال الزمخشري: إن حاش وضع موضع المصدر، كأنه قال: تنزيهاً، ثم قال: لله ليبين من ينزه قال: وإنما حذف منه التنوين مراعاة لأصله من الحرفية ﴿ مَا هذا بَشَراً ﴾ أخرجنه من البشر وجعلنه من الملائكة؛ مبالغة في وصف الحسن ﴿ إِنْ هاذآ إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ * قَالَتْ فذلكن الذي لُمْتُنَّنِي فِيهِ ﴾ توبيخ لهن على اللوم ﴿ فاستعصم ﴾ أي طلب العصمة وامتنع مما أرادت منه ﴿ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ ﴾ أي أميل وكلامه هذا تضرع إلى الله ﴿ ثُمَّ بَدَا لَهُمْ ﴾ أي ظهر والفاعل محذوف تقديره: رأى والضمير في لهم لزوجها وأهلها، أو من تشاور معه في ذلك ﴿ رَأَوُاْ الآيات ﴾ أي الأدلة على براءته.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَدَخَلَ مَعَهُ السجن فَتَيَانِ ﴾ أي شابان، وقيل: هنا محذوف لابد منه وهو فسجنوه، وكان يوسف قد قال لأهل السجن: إني أعبر الرؤيا، وكذلك سأله الفتيان عن منامهما، وقيل: إنهما استعملاها ليجرباه، وقيل رأيا ذلك حقاً ﴿ أَعْصِرُ خَمْراً ﴾ قيل فيه: سمى العنب خمراً بما يؤول إليه وقيل: هي لغة ﴿ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ المحسنين ﴾ قيل: معناه في تأويل الرؤيا، وقيل: إحسانه إلى أهل السجن ﴿ قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ ﴾ الآية: تقتضي أنه وصف لهما نفسه بكثرة العلم، ليجعل ذلك وصلة إلى دعائهما لتوحيد الله، وفيه وجهان: أحدهما أنه قال يخبرهما بكل مايأتيهما في الدنيا من طعام قبل أن يأتيهما، وذلك من الإخبار بالغيوب الذي هو معجزة الأنبياء، والآخر أنه قال: لا يأتيكما طعام في المنام إلا أخبرتكما بتأويله قبل أن يظهر تأويله في الدنيا ﴿ ذلكما مِمَّا عَلَّمَنِي ربي ﴾ رُوي أنهما قالا له: من أين لك هذا العلم وأنت لست بكاهن ولا منجم؟
فقال: ذلكما مما علمني ربي ﴿ إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بالله ﴾ يحتمل أن يكون هذا الكلام تعليلاً لما قبله من قوله: علمني ربي أو يكون استئنافاً.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ياصاحبي السجن ﴾ نسبهما إلى السجن إما لأنهما سكناه أو لأنهما صاحباه فيه، كأنه قال يا صاحبيَّ في السجن ﴿ ءَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ ﴾ الآية: دعاهما إلى توحيد الله، وأقام عليهما الحجة رغبة في إيمانهما ﴿ مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَآءً ﴾ أوقع الأسماء هنا موقع المسميات والمعنى سميتم ما لا يستحق الألوهية آلهة ثم عبدتموها ﴿ مِن سلطان ﴾ أي حجة وبرهان ﴿ فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً ﴾ يعني الملك ﴿ وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا ﴾ الظن هنا يحتمل أن يكون بمعنى اليقين، لأن قوله: قضي الأمر يقتضي ذلك، أو يكون على بابه، لأنه عبارة الرؤيا ظن ﴿ اذكرني عِندَ رَبِّكَ ﴾ يعني الملك ﴿ فأنساه الشيطان ذِكْرَ رَبِّهِ ﴾ قيل: الضمير ليوسف، أي نسي في ذلك الوقت أن يذكر الله، ورجا غيره فعاقبه الله على ذلك بأن لبث في السجن، وقيل: الضمير للذي نجا منهما، وهو الساقي.
أي نسي ذكر يوسف عند ربه، فأضاف الذكر إلى ربه إذ هو عنده، والرب على هذا التأويل الملك ﴿ بِضْعَ سِنِينَ ﴾ البضع من الثلاثة إلى العشرة، وقيل: إلى التسعة، وروي أن يوسف عليه السلام سجن خمس سنين أولاً، ثم سجن بعد قوله ذلك سبع سنين.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَقَالَ الملك ﴾ هو ملك مصر الذي كان العزيز خادماً له واسمه ريّان بن الوليد، وقيل: مصعب بن الريان، وكان من الفراعنة، وقيل: إنه فرعون موسى عمَّر أربعمائة سنة حتى أدركه موسى وهذا بعيد ﴿ إني أرى ﴾ في المنام ﴿ سَبْعَ بقرات سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ ﴾ أي ضِعاف في غاية الهزال ﴿ ياأيها الملأ ﴾ خطاب لجلسائه وأهل دولته ﴿ لِلرُّءْيَا تَعْبُرُونَ ﴾ أي: تعرفون تأويلها، يقال: عبرت الرؤيا بتخفيف الباء وأنكر بعضهم التشديد، وهو مسموع من العرب، وأدخلت اللام على المفعول به لما تقدم عن الفعل ﴿ قالوا أضغاث أحلام ﴾ أي تخاليطها وأباطيلها، وما يكون منها من حديث نفس ووسوسة شيطان بحيث لا يعبر، وأصل الأضغاث ما جمع من أخلاط النبات، واحدة ضغث، فإن قيل: لم قال أضغاث أحلام بالجمع، وإنما كانت الرؤيا واحدة؟
فالجواب أن هذا كقولك فلان يركب الخيل وإن ركب فرساً واحداً ﴿ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأحلام بعالمين ﴾ إما أن يريدوا تأويل الأحلام الباطلة، أو تأويل الأحلام على الإطلاق وهو الأظهر.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَقَالَ الذي نَجَا مِنْهُمَا ﴾ هو ساقي الملك ﴿ وادكر بَعْدَ أُمَّةٍ ﴾ أي بعد حين ﴿ يُوسُفُ أَيُّهَا الصديق ﴾ يقدر قبله محذوف لابد منه وهو فأرسلوه فقال: يا يوسف، وسماه صديقاً لأنه كان قد جرب صدقه في تعبير الرؤيا وغيرها، والصديق مبالغة من الصدق ﴿ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بقرات ﴾ أي فيمن رأى سبع بقرات وكان الملك قد رأى سبع بقرات سمان أكلتهن سبع عجاف فعجب كيف علتهن وكيف وسعت في بطونهنّ، ورأى سبع سنبلات خضر، وقد التفت بها سبع يابسات حتى غطت خضرته ﴿ تَزْرَعُونَ سَبْعُ سِنِينَ ﴾ هذا تعبير للرؤيا، وذلك أنه عبر البقرات السمان بسبع سنين مخصبة وعبر البقرات العجاف بسبع سنين مجدبة فكذلك السنبلات الخضر واليابسة ﴿ دَأَباً ﴾ بسكون الهمزة وفتحها مصدر دأب على العمل إذا داوم عليه، وهو مصدر في موضع الحال ﴿ فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ ﴾ هذا بأيٌ أرشدهم يوسف إليه، وذلك أن أرض مصر لا يبقى فيها الطعام عامين، فعلمهم حيلة يبقى بها من السنين المخصبة إلى السنين المجدبة، وهي أن يتركوه في سنبله غير مدروس، فإن الحبة إذا بقيت في غشائها انحفظت ﴿ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ ﴾ أي لا تدرسوا منه إلا ما يحتاج إلى الأكل خاصة ﴿ سَبْعٌ شِدَادٌ ﴾ يعني سبع سنين ذات شدّة وجوع ﴿ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ ﴾ أي تأكلون فيهنّ ما اخترتم من الطعام في سنبله، وأسند الأكل إلى السنين مجازاً ﴿ مِّمَّا تُحْصِنُونَ ﴾ أي تخزنون وتخبئون ﴿ ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذلك عَامٌ ﴾ هذا زيادة على ما تقتضيه الرؤيا، وهو الإخبار بالعام الثامن ﴿ يُغَاثُ الناس ﴾ يحتمل أن يكون من الغيث يمطرون، أو من الغوث: أي يفرج الله عنهم ﴿ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ﴾ أي يعصرون الزيتون والعنب والسمسم وغير ذلك مما يعصر ﴿ وَقَالَ الملك ائتوني بِهِ ﴾ قيل: هنا محذوف، وهو فرجع الرسول إلى الملك فقص عليه مقالة يوسف، فرأى علمه وعقله، فقال: ائتوني به ﴿ قَالَ ارجع إلى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ ﴾ لما أمر الملك بإخراج يوسف من السجن، وإتيانه إليه أراد يوسف أن يبرئ نفسه مما نسب إليه، من مراودة امرأة العزيز عن نفسها، وأن يعلم الملك وغيره أنه سجن ظلماً، فذكر طرفاً من قصته لينظر الملك فيها فيتبين له الأمر، وكان هذا الفعل من يوسف صبراً وحلماً، إذا لم يُجِبْ إلى الخروج من السجن ساعةَ دُعِيَ إلى ذلك بعد طول المدّة، ومع ذلك فإنه لم يذكر امرأة العزيز رعياً لذمام زوجها وستراً لها، بل ذكر النسوة التي قطعن أيديهنّ ﴿ قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ ﴾ الآية جمع الملك النسوة وامرأة العزيز معهن، فسألهنّ عن قصة يوسف، وأسند المراودة إلى جميعهن، لأنه لم يكن عنده علم بأنّ امرأة العزيز هي التي راودته وحدها ﴿ قُلْنَ حاش للَّهِ ﴾ تبرئة ليوسف أو تبرئة لأنفسهن من مراودته وتكون تبرئة ليوسف بقولهن: ما علمنا عليه من سوء ﴿ الآن حَصْحَصَ الحق ﴾ اي تبين وظهر، ثم اعترفت على نفسها بالحق.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ذلك لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بالغيب ﴾ قيل: إنه من كلام امرأة العزيز متصلاً بما قبله، والضمير في يعلم وأخنه على هذا ليوسف عليه السلام أي: ليعلم يوسف أني لم أكذب عليه في حال غيبته، والإشارة بذلك إلى توقفه عن الخروج من السجن حتى تظهر براءته ﴿ وَمَآ أُبَرِّىءُ نفسي ﴾ اختلف أيضاً هل هو من كلام امرأة العزيز، أو من كلام يوسف، فإن كان من كلامها فهو اعتراف بعد الاعتراف، وإن كان من كلامه فهو اعتراف بما همْ به على وجه خطورة على قلبه، لا على وجه العزم والقصد، وقاله في عموم الأحوال على وجه التواضع ﴿ إِنَّ النفس لأَمَّارَةٌ بالسواء ﴾ النفس هنا للجنس والنفوس ثلاثة أنواع: أمارة بالسوء، ولوّامة وهي التي تلوم صاحبها، ومطمئنة ﴿ إِلاَّ مَا رَحِمَ ربي ﴾ استثناء من النفس إذ هي بمعنى النفوس، أي الأنفس المرحومة وهي المطمئنة، فما على هذا بمعنى الذي، ويحتمل أن تكون ظرفية أي إلا حين رحمة الله ﴿ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي ﴾ أي: أجعله خاصتي وخلاصتي قال أولاً ائتوني به، فلما تبين له حاله قال: أستخلصه لنفسي ﴿ فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ اليوم لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ ﴾ أي فلما رأى حُسن كلامه وعرف وفور عقله وعلمه قال: إنك اليوم لدينا مكين أمين، والمكين من التمكين، والأمين من الأمانة ﴿ قَالَ اجعلني على خَزَآئِنِ الأرض ﴾ لما فهم يوسف من الملك أنه يريد تصريفه والاستعانة به قال له ذلك، وإنما طلب منه الولاية رغبة منه في العدل وإقامة الحق والإحسان، وكان هذا الملك كافراً، ويستدل بذلك على أنه يجوز للرجل الفاضل أن يعمل للرجل الفاجر إذا علم أنه يصلح بعض الأحوال، وقيل: إن الملك أسلم، وأراد بقوله خزائن الأرض: أرض مصر إذ لم يكن للملك غيرها، والخزائن كل ما يخزن من طعام ومال وغير ذلك ﴿ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ﴾ صفتان تعمان وجوه المعرفة والضبط للخزائن وقيل: حفيظ للحساب عليم بالألسن، واللفظ أعم من ذلك، ويستدل بذلك أنه يجوز للرجل أن يعرف بنفسه ويمدح نفسه بالحق إذا جعل أمره وإذا كان في ذلك فائدة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وكذلك مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأرض ﴾ الإشارة بذلك إلى ما تقدم من جميل صنع الله به، ورُوي أن الملك ولاه في موضع العزيز، وأسند إليه جميع الأمور حتى تغلب على أمره أنه باع من أهل مصر في أعوام القحط الطعام بالدنانير والدراهم في السنة الأولى حتى لم يبق لهم شيء منها، ثم بالحلي، ثم بالدواب ثم بالضياع والعقار ثم برقابهم حتى تملكهم جميعاً ثم أعتقهم وردّ عليهم أملاكهم ﴿ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَشَآءُ ﴾ الرحمة هنا يراد بها الدنيا وكذلك الأجر في قوله: ولا نضيع أجر المحسنين بدليل قوله بعد ذلك: ولأجر الآخرة خير، فأخبر تعالى أن رحمته في الدنيا يصيب بها من يشاء من مؤمن وكافر ومطيع وعاص، وأن المحسن لابد له من أجره في الدنيا، فالأول: في المشيئة، والثاني: واقع لا محالة، ثم أخبر أن أجر الآخرة خير من ذلك كله: للذين آمنوا، وكانوا يتقون، وفي الآية إشارة إلى أن يوسف عليه السلام جمع الله له بين خيري الدنيا والآخرة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَجَآءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ ﴾ كان سبب مجيئهم أنهم أصابتهم مجاعة في بلادهم، فخرجوا إلى مصر ليشتروا بها من الطعام الذي ادخره يوسف ﴿ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ ﴾ إنما أنكروه لبعد العهد به وتغيير سنة أو لأنه كان متلثماً، روى أنهم دخلوا عليه وهو على هيئة عظيمة من الملك وأنه سألهم عن أحوالهم، وأخبروه أنهم تركوا أخاً لهم، فحينئذ قال لهم: ائتوني بأخ لكم من أبيكم وهو بنيامين شقيق يوسف ﴿ وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ ﴾ الجهاز ما يحتاج إليه المسافر من زاد وغيره، والمراد به هنا الطعام الذي باع منهم ﴿ خَيْرُ المنزلين ﴾ أي المضيفين ﴿ وَإِنَّا لفاعلون ﴾ أي نفعل ذلك لا محالة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَقَالَ لفتيانه ﴾ جمع فتى وهو الخادم سواء كان حراً أو عبداً ﴿ اجعلوا بضاعتهم فِي رِحَالِهِمْ ﴾ أمر أن يجعلوا البضاعة التي اشتروا منه بها الطعام في أوعيتهم ﴿ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَآ ﴾ أي لعلهم يعرفون اليد والكرامة في ردّ البضاعة إليهم، وليس الضمير للبضاعة ﴿ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ أي لعل معرفتهم بها تدعوهم إلى الرجوع وقصد برد البضاعة إليه مع الطعام استئلافهم بالإحسان إليهم ﴿ مُنِعَ مِنَّا الكيل ﴾ إشارة إلى قوله: ﴿ وإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ﴾ فهو خوف من المنع في المستقبل ﴿ نَكْتَلْ ﴾ وزنه نفتعل من الكيل ﴿ مَا نَبْغِي ﴾ ما استفهامية ونبغي بمعنى نطلب، والمعنى أي شيء نطلبه بعد هذه الكرامة وهي ردّ البضاعة مع الطعام ويحتمل أن تكون ما نافية ونبغي من البغي: أي لا نتعدى على أخينا ولا نكذب على الملك ﴿ وَنَمِيرُ أَهْلَنَا ﴾ أي نسوق لهم الطعام ﴿ وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ﴾ يريدون بعير أخيهم إذ كان يوسف لا يعطى إلا كيل بعير من الطعام لكل إنسان فأعطاهم عشرة أبعرة ومنعهم الحادي عشر لغيبة صاحبه حتى يأتي.
والبعير الجمل ﴿ ذلك كَيْلٌ يَسِيرٌ ﴾ إن كانت الإشارة إلى الأحمال فالمعنى أنها قليلة لا تكفيهم حتى يضاف إليها كيل بعير، وإن كانت الإشارة إلى كيل بعير، فالمعنى أنه يسير على يوسف أي قليل عنده أو سهل عليه، فلا يمنعهم منه ﴿ حتى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِّنَ الله ﴾ أراد أن يحلفوا له ولتأتنني به جواب اليمين ﴿ إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ ﴾ أي إلا تغلبوا فلا تطيقون الإيتان به.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يابني لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ واحد ﴾ خاف عليهم من العين إن دخلوا مجتمعين إذ كانوا أهل جمال وهيبة ﴿ مَّا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ ﴾ جواب لما والمعنى أن ذلك لا يدفع ما قضاه الله ﴿ إِلاَّ حَاجَةً ﴾ استثناء منقطع، والحاجة هنا هي شفقته عليهم ووصيته لهم ﴿ آوى إِلَيْهِ أَخَاهُ ﴾ أي ضمه ﴿ قَالَ إني أَنَاْ أَخُوكَ ﴾ أخبره بأنه أخوه، واستكتمه ذلك ﴿ فَلاَ تَبْتَئِسْ ﴾ أي لا تحزن فهو من البؤس ﴿ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ الضمير لإخوة يوسف، ويعني ما فعلوا بيوسف وأخيه، ويحتمل أن يكون لفتيانه: أي لا تبالي بما تراه من تحيلي في أخذك ﴿ جَعَلَ السقاية فِي رَحْلِ أَخِيهِ ﴾ السقاية هي الصواع، وهي إناء يشرب فيه الملك ويأكل فيه الطعام، وكان من فضة، وقيل من ذهب، وقصد بجعله في رحل أخيه أن يحتال على إمساكه معه إذ كان شرع يعقوب أن من سرق استعبده المسروق له.
﴿ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ ﴾ أي نادى مناد ﴿ أَيَّتُهَا العير ﴾ أي أيتها الرفقة ﴿ إِنَّكُمْ لسارقون ﴾ خطاب لأخوة يوسف، وإنما استحل أن يرميهم بالسرقة لما في ذلك من المصلحة من إمساك أخيه، وقيل: إن حافظ السقاية نادى: إنكم لسارقون، بغير أمر يوسف وهذا بعيد لتفتيش الأوعية ﴿ وَلِمَن جَآءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ ﴾ أي لمن وجده ورده حِملُ بعير من طعام على وجه الجُعلْ ﴿ وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ ﴾ أي ضامن لحمل البعير لمن ردّ الصواع، وهذا من كلام المنادي.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قَالُواْ تالله لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأرض ﴾ أي استشهدوا بعلمهم لما ظهر لهم من ديانتهم في دخولهم أرضهم؛ حتى كانوا يجعلون الأكِمّة في أفواه إبلهم لئلا تنال زروع الناس ﴿ قَالُواْ فَمَا جَزَآؤُهُ إِن كُنتُمْ كاذبين ﴾ أي قال فتيان يوسف: ما جزاء آخذ الصواع إن كنتم كاذبين في قولكم: وما كنا سارقين، فالضمير في قوله جزاؤه يعود على الأخذ المفهوم من الكلام ﴿ قَالُواْ جَزَآؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ ﴾ المعنى أن إخوة يوسف أفتو فيما سئلوا عنه فقالوا: جزاء السارق أن يستعبد، ويؤخذ في السرقة، وأما الإعراب فيحتمل وجهين: الأول: أن يكون جزاؤه الأول مبتدأ ومن مبتدأ ثان وهي شرطية أو موصولة، وخبرها فهو جزاؤه، والجملة خبر جزاؤه الأول، والوجه الثاني: أن يكون من خبر المبتدأ الأول على حذف مضاف، وتقديره جزاؤه أخذ من وجد في رحله وتم الكلام.
ثم قال فهو جزاؤه أي هذا الحكم جزاؤه ﴿ وكذلك نَجْزِي الظالمين ﴾ [الأعراف: 41] من كلام إخوة يوسف أي هذا حكمنا في السارق، وقد كان هذا الحكم في أول الإسلام، ثم نسخ بقطع الأيدي ﴿ فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ ﴾ هذا تمكين للحيلة ورفع للتهمة ﴿ ثُمَّ استخرجها مِن وِعَآءِ أَخِيهِ ﴾ ليصح له بذلك إمساكه معه، وإنما أنث الصواع في هذا الموضع لأنه سقاية، أو لأن الصواع يذكر ويؤنث.
﴿ كذلك كِدْنَا لِيُوسُفَ ﴾ أي صنعنا له هذا الصنع ﴿ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الملك ﴾ أي في شرعة أو عادته، لأنه إنما كان جزاء السارق عنده أن يضرب ويضاعف عليه الغرم، ولكن حكم في هذه القضية آل يعقوب ﴿ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَآءُ ﴾ يعني الرفعة بالعلم بدليل ما بعده ﴿ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ﴾ أي فوق كل عالم من هو أعلم منه من البشر، أو الله عز وجل.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قالوا إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ ﴾ الضمير في قالوا لإخوة يوسف، وأشاروا إلى يوسف، ومعنى كلامهم إن يسرق بنيامين، فقد سرق أخوه يوسف من قبل، فهذا الأمر إنما صدر من ابني راحيل لأمِنّا، وقصدوا بذلك رفع المعرّة عن أنفسهم، ورموا بها يوسف وشقيقه، واختلف في السرقة التي رموا بها يوسف على ثلاثة أقوال: الأول: أن عمته ربته، فأراد والده أن يأخذه منها، وكانت تحبه ولا تصبر عنه، فجعلت عليه منطقة لها، ثم قالت إنه أخذها فاستعبدته بذلك وبقي عندها ألى أن ماتت، والثاني: أنه أخذ صمناً لجدّه والد أمه فكسره، والثالث: أنه كان يأخذ الطعام من دار أبيه ويعطيه المساكين ﴿ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ ﴾ قال الزمخشري: الضمير للجملة التي بعد ذلك وهي قوله: أنتم شرّ مكاناً، والمعنى قال في قوله: أنتم شر مكاناً وقال ابن عطية: الضمير للحرارة التي وجد في نفسه من قولهم فقد سرق أخ له من قبل وأسر كراهية مقالتهم ثم جاهرهم بقوله أنتم شر مكاناً أي لسوء أفعالكم ﴿ والله أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ ﴾ إشارة إلى كذبهم فيما وصفوه به من السرقة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً ﴾ استعطافاً وكانوا قد أعلموه بشدّة محبة أبيه فيه ﴿ فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ ﴾ على وجه الضمان والاسترهان، والانقياد، وهذا هو الأظهر لقوله: معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده ﴿ مِنَ المحسنين ﴾ أي أحسنت إلينا فيما فعلت معنا من قبل أو على الإطلاق ﴿ استيأسوا ﴾ أي يئسوا ﴿ خَلَصُواْ نَجِيّاً ﴾ أي انفردوا عن غيرهم يناجي بعضهم بعضاً، والنجي يكون بمعنى المناجي أو مصدراً ﴿ قَالَ كَبِيرُهُمْ ﴾ قيل: كبيرهم في السن وهو روبيل، وقيل كبيرهم في الرأي هو: شمعون، وقيل: يهوذا ﴿ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ ﴾ تحتمل ﴿ ما ﴾ وجوها: الأول: أن تكون زائدة، والثاني: أن تكون مصدرية ومحلها الرفع بالابتداء تقديره وقع من قبل تفريطكم في يوسف، والثالث: أن تكون موصولة ومحلها أيضاً الرفع كذلك، والأول أظهر ﴿ فَلَنْ أَبْرَحَ الأرض ﴾ يريد الموضع الذي وقعت فيه القصة ﴿ ارجعوا إلى أَبِيكُمْ ﴾ من قول كبيرهم، وقيل: من قول يوسف وهو بعيد ﴿ إِنَّ ابنك سَرَقَ ﴾ قرأ الجمهور بفتح الراء والسين، وروي عن الكسائي سرق بضم السين وكسر وتشديد الراء أي نسبت له السرقة ﴿ وَمَا شَهِدْنَآ إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا ﴾ أي قولنا لك إن ابنك: إنما هو شهادة بما علمنا من ظاهر ما جرى ﴿ وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ ﴾ أي لا نعلم الغيب هل ذلك حق في نفس الأمر، أم لا، إذ يمكن أن يدس الصواع في رحله من غير علمه.
وقال الزمخشري: المعنى ما شهدنا إلا بما علمنا من سرقته وتيقناه، لأن الصواع استخرج من وعائه، وما كنا للغيب حافظين أي ما علمنا أنه سيسرق حين أعطيناك الميثاق، وقراءة سرق بالفتح تعضد قول الزمخشري، والقراءة بالضم تعضد القول الأول ﴿ وَسْئَلِ القرية ﴾ واسأل أهل القرية، وكذلك أهل العير: يعنون الرفقة، هذا هو قول الجمهور وقيل: المراد سؤال القرية بنفسها والعير بنفسها ولا يبعد أن تخبره الجمادات لأنه نبيّ والأول أظهر وأشهر على أنه مجاز، والقرية هنا هي مصر ﴿ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ ﴾ قبله محذوف تقديره: فرجعوا إلى أبيهم فقالوا له هذا الكلام فقال بل سولت الآية ﴿ بِهِمْ جَمِيعاً ﴾ وأخاه بنيامين، وأخاهم الكبير الذي قال لن أبرح الأرض.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وتولى عَنْهُمْ ﴾ لما لم يصدقهم أعرض عنهم ورجع إلى التأسف ﴿ وَقَالَ ياأسفى عَلَى يُوسُفَ ﴾ تأسف على يوسف دون أخيه الثاني والثالث، الذاهبين، لأن حزنه عليه كان أشدّ لإفراط محبته ولأن مصيبته كانت السابقة ﴿ وابيضت عَيْنَاهُ مِنَ الحزن ﴾ أي من البكاء الذي هو ثمرة الحزن، فقيل إنه عميَ، وقيل إنه كان يدرك إدراكاً ضعيفاً، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن يعقوب حزن حزن سبعين ثكلى وأعطي أجر مائة شهيد، وما ساء ظنه بالله قط ﴿ فَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ قيل إنه فعيل بمعنى فاعل أي كاظم لحزنه لا يظهره لأحد، ولا يشكو إلا لله وقيل: بمعنى مفعول كقوله: ﴿ إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ ﴾ [القلم: 48] أي مملوء القلب بالحزن، أو بالغيظ على أولاده، وقيل الكظيم: الشديد الحزن ﴿ تَالله تَفْتَؤُاْ ﴾ أي لا تفتؤ، والمعنى لا تزال، وحذف حرف النفي لأنه لا يلتبس بالإثبات: لأنه لو كان إثباتاً لكان مؤكداً باللام والنون ﴿ حَرَضاً ﴾ أي مشرفاً على الهلاك ﴿ قَالَ إِنَّمَآ أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى الله ﴾ ردّ عليهم في تفنيدهم له: أي إنما أشكو إلى الله لا إليكم ولا إلى غيركم، والبث: أشدّ الحزن ﴿ وَأَعْلَمُ مِنَ الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ أي أعلم من لطفه ورأفته ورحمته ما يوجب حسن ظنّي به وقوة رجائي فيه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يابني اذهبوا ﴾ يعني إلى الأرض التي تركتم بها أخويكم ﴿ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ ﴾ أي تعرّفوا خبرهما، والتحسّس طلب الشيء بالحواس؛ السمع والبصر، وإنما لم يذكر الولد الثالث، لأنه بقي هناك اختياراً منه، ولأن يوسف وأخاه كانا أحب إليه ﴿ وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ الله ﴾ أي من رحمة الله ﴿ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ الله إِلاَّ القوم الكافرون ﴾ إنما جعل اليأس من صفة الكافر، لأن سببه تكذيب الربوبية أو جهلاً بصفات الله من قدرته وفضله ورحمته ﴿ فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ ﴾ أي على يوسف وقيل: هذا محذوف تقديره فرجعوا إلى مصر ﴿ الضر ﴾ يريدون به المجاعة أو الهم على إخوتهم ﴿ بِبِضَاعَةٍ مزجاة ﴾ يعنون الدراهم التي جاؤوا بها لشراء الطعام، والمزجاة القليلة، وقيل: الرديئة، وقيل: الناقصة، وقيل: إن بضاعتهم كانت عروضاً فلذلك قالوا هذا ﴿ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ ﴾ قيل: يعنون بما بين الدراهم الجياد ودراهم من فوق وقيل: أوف لنا الكيل الذي هو حقنا وزدنا على حقنا، وسموا الزيادة صدقة، ويقتضي هذا أن الصدقة كانت حلالاً للأنبياء قبل محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل: تصدق علينا برد أخينا إلينا ﴿ إِنَّ الله يَجْزِي المتصدقين ﴾ قال النقاش: هو من المعاريض وذلك أنهم كانوا يعتقدون أنه كافر، لأنهم لم يعرفوه، فظنوا أنه على دين أهل مصر، فلو قالوا: إن الله يجزيك بصدقتك كذبوا، فقالوا لفظاً يوهم أنهم أرادوه وهم لم يريدوه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ ﴾ لما شكوا إليه رقَّ لهم وعرّفهم بنفسه، ورُوِي أنه كان يكلمهم وعلى وجهه لثام، ثم أزال اللثام ليعرفوه، وأراد بقوله ما فعلتم بيوسف وأخيه: التفريق بينهما في الصغر، ومضرتهم ليوسف وإذايتهم أخيه من بعده، فإنهم كانوا يذلونه ويشتمونه ﴿ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ ﴾ اعتذار عنهم، فيحتمل أن يريد الجهل بقبح ما فعلوه أو جهل الشبابُ ﴿ قالوا أَءِنَّكَ لأَنتَ يُوسُفُ ﴾ قرئ بالاستفهام والخبر، فالخبر على أنهم عرفوه؛ والاستفهام على أنهم عرفوه؛ والاستفهام على أنهم توهموا أنه هو ولم يحققوه ﴿ مَن يَتَّقِ وَيَِصْبِرْ ﴾ قيل إنه أراد من يتق في ترك المعصية، ويصبر على السجن، واللفظ أعم من ذلك ﴿ آثَرَكَ الله عَلَيْنَا ﴾ أي فضلك ﴿ لخاطئين ﴾ أي عاصين، وفي كلامهم استعطاف واعتراف ﴿ لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ﴾ عفو جميل، والتثريب التعنيف والعقوبة، وقوله اليوم راجع إلى ما قبله فيوقف عليه، وهو يتعلق بالتثريب، أو بالمقدر في عليكم من معنى الاستقرار؛ وقيل: إنه يتعلق بيغفر، وهذا بعيد لأنه تحكم على الله؛ وإنما يغفر دعاء، فكأنه أسقط حق نفسه بقوله: لا تثريب عليكم اليوم، ثم دعا إلى الله أن يغفر لهم حقه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ اذهبوا بِقَمِيصِي ﴾ روي أن هذا القميص كان لإبراهيم كساه الله له حين أخرج من النار، وكان من ثياب الجنة، ثم صار لإسحاق، ثم ليعقوب، ثم دفعه يعقوب ليوسف، وهذا يحتاج إلى سند يوثق به، والظاهر أنه كان قميص يوسف الذي بمنزلة قميص كل أحد ﴿ يَأْتِ بَصِيراً ﴾ الظاهر أنه علم ذلك بوحي من الله ﴿ فَصَلَتِ العير ﴾ أي خرجت من مصر متوجهة إلى يعقوب ﴿ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ﴾ كان يعقوب ببيت المقدس، ووجد ريح القميص وبينهما مسافة بعيدة ﴿ لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ ﴾ أي تلومونني أو تردون علي قولي، وقيل: معناه تقولون: ذهب عقلك، لأن الفند هو الخرف ﴿ ضلالك القديم ﴾ أي ذهابك عن الصواب، بإفراط محبتك في يوسف قديماً ﴿ فَلَمَّآ أَن جَآءَ البشير ﴾ روي أن البشير يهوذا لأنه كان جاء بقميص الدم فقال لإخوته: إني ذهبت إليه بقميص القرحة فدعوني أذهب إليه بقميص الفرحة ﴿ قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ ربي ﴾ وعدهم بالاستغفار لهم، فقيل سوّفهم إلى السَّحَر لأن الدعاء يستجاب فيه، وقيل إلى ليلة الجمعة ﴿ فَلَمَّا دَخَلُواْ على يُوسُفَ ﴾ هنا محذوفات يدل عليها الكلام، وهي فرحل يعقوب بأهله حتى بلغوا يوسف ﴿ آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ ﴾ أي ضمهما، وأراد بالأبوين أباه وأمه، وقيل أباه وخالته لأن أمه كانت قد ماتت، وسمى الخالة على هذا أمّا ﴿ إِن شَآءَ الله ﴾ راجع إلى الأمن الذي في قوله آمنين.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى العرش ﴾ أي على سرير الملك ﴿ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَاً ﴾ كان السجود عندهم تحية وكرامة لا عبادة ﴿ وَقَالَ ياأبت هذا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ ﴾ يعني حين رأى أحد عشر كوكباً والشمس والقمر يسجدون له، وكان بين رؤياه وبين ظهور تأويلها ثمانون عاماً وقيل أربعون ﴿ أَحْسَنَ بي ﴾ يقال أحسن إليه وبه ﴿ أَخْرَجَنِي مِنَ السجن ﴾ إنما لم يقل أخرجني من الجب لوجهين: أحدهما: أن في ذكر الجب خزي لإخوته، وتعريفهم بما فعلوه فترك ذكره توقيراً لهم.
والآخر: أنه خرج من الجب إلى الرق، ومن السجن إلى الملك، فالنعمة به أكثر ﴿ وَجَآءَ بِكُمْ مِّنَ البدو ﴾ أي من البادية وكانوا أصحاب إبل وغنم، فعدّ من النعم مجيئهم للحاضرة ﴿ نَّزغَ الشيطان ﴾ أي أفسد وأغوى ﴿ لَطِيفٌ لِّمَا يَشَآءُ ﴾ أي لطيف التدبير لما يشاء من الأمور ﴿ مِنَ الملك ﴾ من للتبعيض، لأنه لم يعطه إلا بعض ملك الدنيا بل بعض ملك مصر ﴿ تَوَفَّنِى مُسْلِماً ﴾ لما عدد النعم التي أنعم الله بها عليه اشتاق إلى لقاء ربه ولقاء الصالحين من سلفه وغيرهم، فدعا بالموت.
وقيل ليس ذلك دعاء بالموت، وإنما دعا أن الله يتم عليه النعم بالوفاة على الإسلام إذا حان أجله.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ذَلِكَ مِنْ أَنْبَآءِ الغيب ﴾ احتجاج على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بإخباره بالغيوب ﴿ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ ﴾ الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم تأكيداً لحجته والضمير لأخوة يوسف ﴿ إِذْ أجمعوا ﴾ أي عزموا ﴿ وَهُمْ يَمْكُرُونَ ﴾ يعني فعلهم بيوسف ﴿ وَمَآ أَكْثَرُ الناس ﴾ عموم لأن الكفار أكثر من المؤمنين، وقيل أراد أهل مكة ﴿ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ﴾ اعتراض أي لا يؤمنون، ولو حرصت على إيمانهم ﴿ وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ﴾ أي لست تسألهم أجراً على الإيمان، فيثقل عليهم بسبب ذلك، وهكذا معناه حيث وقع ﴿ وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ ﴾ يعني المخلوقات والحوادث الدالة على الله سبحانه ﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بالله إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ ﴾ نزلت في كفار العرب الذي يقرون بالله ويعبدون معه غيره، وقيل: في أهل الكتاب لقولهم: عزير ابن الله والمسيح ابن الله ﴿ غاشية ﴾ هي ما يغشى ويعم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ هذه سبيلي ﴾ إشارة إلى شريعة الإسلام ﴿ أَدْعُو إلى الله على بَصِيرَةٍ ﴾ أي أدعو الناس إلى عبادة الله، وأنا على بصيرة من أمري وحجة واضحة ﴿ أَنَاْ وَمَنِ اتبعني ﴾ أنا تأكيد للضمير في أدعو، ومن اتبعني معطوف عليه وعلى بصيرة في موضع الحال وقيل: أنا مبتدأ وعلى بصيرة خبره، فعلى هذا يوقف على قوله أدعو إلى الله، وهذا ضعيف ﴿ وسبحان الله ﴾ تقديره وأقول سبحان الله ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً ﴾ ردّ على من أنكر أن يكون النبي من البشر، وقيل فيه إشارة إلى أنه لم يبعث رسولاً من النساء ﴿ مِّنْ أَهْلِ القرى ﴾ أي من أهل المدن، لا من أهل البوادي، فإن الله لم يبعث رسولاً من أهل البادية لجفائهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ حتى إِذَا استيأس الرسل ﴾ متصل بالمعنى بقوله وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً إلى قومه عاقبة الذين من قبلهم، ويأسهم: يحتمل أن يكون من إيمان قومهم أو من النصر، والأول أحسن ﴿ وظنوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ ﴾ قرئ بتشديد الذال وتخفيفها، فأما التشديد فالضمير في ظنوا وكذبوا للرسل، والظن يحتمل أن يكون على بابه، أو بمعنى اليقين: أي علم الرسل أن قومهم قد كذبوهم فيئسوا من إيمانهم، وأما التخفيف، فالضميران فيه للقوم المرسل إليهم، أي ظنوا أن الرسل قد كذبوهم فيما ادعوه من الرسالة، أو من النصرة عليهم ﴿ فِي قَصَصِهِمْ ﴾ الضمير للرسل على الإطلاق، أو ليوسف وإخوته ﴿ مَا كَانَ حَدِيثاً يفترى ﴾ يعني القرآن ﴿ ولكن تَصْدِيقَ الذي بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ تقدم معناه في البقرة.