التسهيل لعلوم التنزيل سورة هود

الإسلام > القرآن > تفسير > التسهيل > تفسير سورة هود

تفسيرُ سورةِ هود كاملةً من التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) (ابن جزي الكلبي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 52 دقيقة قراءة

تفسير سورة هود كاملةً (ابن جزي الكلبي)

الٓر ۚ كِتَـٰبٌ أُحْكِمَتْ ءَايَـٰتُهُۥ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ١

﴿ الر ﴾ ﴿ كتاب ﴾ يعني القرآن، وهو خبر ابتداء مضمر ﴿ أُحْكِمَتْ ﴾ أي اتقنت فهو من الإحكام للشيء ﴿ ثُمَّ فُصِّلَتْ ﴾ قيل معناه بينت وقيل قطعت سورة سورة، وثم هنا ليست للترتيب في الزمان، وإنما هي لترتيب الأحوال: كقولك فلان كريم الأصل ثم كريم الفعل.

<div class="verse-tafsir"

أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّا ٱللَّهَ ۚ إِنَّنِى لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌۭ وَبَشِيرٌۭ ٢ وَأَنِ ٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَـٰعًا حَسَنًا إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِى فَضْلٍۢ فَضْلَهُۥ ۖ وَإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍۢ كَبِيرٍ ٣

﴿ أَلاَّ تعبدوا إِلاَّ الله ﴾ أن مفسرة وقيل مصدرية في موضع مفعول من أجله، أو بدل من الآيات، أو يكون كلاماً مستأنفاً منقطعاً عما قبله، على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويدل على ذلك قوله: إنني لكم منه نذير وبشير ﴿ وَأَنِ استغفروا رَبَّكُمْ ثُمَّ توبوا إِلَيْهِ ﴾ أي استغفروه مما تقدم من الشرك والمعاصي، ثم ارجعوا إليه بالطاعة والاستقامة عليها ﴿ يُمَتِّعْكُمْ متاعا حَسَناً ﴾ أي ينفعكم في الدنيا بالأرزاق، والنعم، والخيرات، وقيل: هو طيب عيش المؤمن برجائه في الله ورضاه بقضائه، لأنه الكافر قد يتمتع في الدنيا بالأرزاق ﴿ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى ﴾ يعني إلى الموت ﴿ وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ ﴾ أي يعطي في الآخرة كل ذي عمل جزاء عمله، والضمير يحتمل أن يعود على الله تعالى أو على ذي فضل ﴿ وَإِن تَوَلَّوْاْ ﴾ خطاب للناس، وهو فعل مستقبل حذفت منه إحدى التاءين ﴿ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ ﴾ يعني يوم القيامة أو غيره كيوم بدر.

<div class="verse-tafsir"

أَلَآ إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا۟ مِنْهُ ۚ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ۚ إِنَّهُۥ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ٥

﴿ أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ ﴾ قيل: كان الكفار إذا لقيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يردون إليه ظهورهم، لئلا يرونه من شدة البغض والعداوة، والضمير في منه على هذا يعود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل إن ذلك عبارة عما تنطوي عليه صدورهم من البغض والغل، وقيل: هو عبارة عن إعراضهم لأن من أعرض عن شيء انثنى عنه وانحرف، والضمير في منه على هذا يعود على الله تعالى أي يريدون أن يستخفوا من الله تعالى؛ فلا يطلع رسوله ولا المؤمنون على ما في قلوبهم ﴿ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ ﴾ أي يجعلونها أغشية وأغطية، كراهية لاستماع القرآن، والعامل في حين يعلم ما يسرون، وقيل: المعنى يريدون أن يستخفوا حين يستغشون ثيابهم، فيوقف عليه على هذا، ويكون يعلم استئنافاً.

<div class="verse-tafsir"

۞ وَمَا مِن دَآبَّةٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ۚ كُلٌّۭ فِى كِتَـٰبٍۢ مُّبِينٍۢ ٦

﴿ وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأرض إِلاَّ عَلَى الله رِزْقُهَا ﴾ وعدٌ وضمان صادق، فإن قيل: كيف قال: على الله بلفظ الوجوب، وإنما هو تفضل، لأن الله لا يجب عليه شيء؟

فالجواب: أنه ذكره كذلك تأكيداً في الضمان، لأنه لما وعد به صار واقعاً لا محالة لأنه لا يخلف الميعاد ﴿ وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ﴾ المستودع صلب الأب والمستقر بطن المرأة وقيل: المستقر المكان في الدنيا والمستودع القبر.

<div class="verse-tafsir"

وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍۢ وَكَانَ عَرْشُهُۥ عَلَى ٱلْمَآءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًۭا ۗ وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُم مَّبْعُوثُونَ مِنۢ بَعْدِ ٱلْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا سِحْرٌۭ مُّبِينٌۭ ٧

﴿ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المآء ﴾ دليل على أن العرش والماء كانا موجودين قبل خلق السموات والأرض ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ ﴾ أي ليختبركم اختباراً تقوم به الحجة عليكم، لأنه كان عالماً بأعمالكم قبل خلقكم ويتعلق ليبلوكم بخلق ﴿ سِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾ يحتمل أن يشيروا إلى القرآن، أو إلى القول بالبعث؛ يعنون أنه باطل كبطلان السحر.

<div class="verse-tafsir"

وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِلَىٰٓ أُمَّةٍۢ مَّعْدُودَةٍۢ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُۥٓ ۗ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ ٨

﴿ وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ العذاب ﴾ يحتمل أن يريد عذاب الدنيا أو الآخرة ﴿ إلى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ ﴾ أي إلى وقت محدود ﴿ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ ﴾ أي أي شيء يمنع هذا العذاب الموعود به، وقولهم ذلك على وجه التكذيب والاستخفاف.

<div class="verse-tafsir"

وَلَئِنْ أَذَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ مِنَّا رَحْمَةًۭ ثُمَّ نَزَعْنَـٰهَا مِنْهُ إِنَّهُۥ لَيَـُٔوسٌۭ كَفُورٌۭ ٩

﴿ وَلَئِنْ أَذَقْنَا ﴾ الآية: ذم لمن يقنط عند الشدائد، ولمن يفتخر ويتكبر عند النعم، والرحمة هنا والنعماء يراد بهما الخيرات الدنيوية، والإنسان عام يراد به الجنس والاستثناء على هذا متصل، وقيل: المراد بالإنسان الكافر فالاستثناء منقطع.

<div class="verse-tafsir"

فَلَعَلَّكَ تَارِكٌۢ بَعْضَ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيْكَ وَضَآئِقٌۢ بِهِۦ صَدْرُكَ أَن يَقُولُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَآءَ مَعَهُۥ مَلَكٌ ۚ إِنَّمَآ أَنتَ نَذِيرٌۭ ۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ وَكِيلٌ ١٢

﴿ فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يوحى إِلَيْكَ ﴾ الآية: كان الكفار يقترحون على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتي بكنز أو يأتي معه ملك، وكانوا يستهزؤن بالقرآن فقال الله تعالى له: فلعلك تارك أن تلقي إليهم بعض ما أنزل إليك ويثقل عليك تبليغهم من أجل استهزائهم، أو لعلك يضيق صدرك من أجل أن يقولوا: لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك، والمقصود بالآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم عن قولهم حتى يبلغ الرسالة، ولا يبالي بهم، وإنما قال ضائق، ولم يقل ضيق ليدل على اتساع صدره عليه السلام وقلة ضيقه ﴿ إِنَّمَآ أَنتَ نَذِيرٌ ﴾ أي ليس عليك إلا الإنذار والتبليغ والله هو الوكيل، الذي يقضي بما شاء من إيمانهم أو كفرهم.

<div class="verse-tafsir"

أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا۟ بِعَشْرِ سُوَرٍۢ مِّثْلِهِۦ مُفْتَرَيَـٰتٍۢ وَٱدْعُوا۟ مَنِ ٱسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ ١٣ فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا۟ لَكُمْ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَآ أُنزِلَ بِعِلْمِ ٱللَّهِ وَأَن لَّآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ ١٤

﴿ أَمْ يَقُولُونَ افتراه ﴾ أم هنا منقطعة بمعنى بل والهمزة والضمير في افتراه لما يوحى إليه ﴿ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ ﴾ تحداهم أولاً بعشر سور فلما بان عجزهم تحداهم بسورة واحدة فقال: فأتوا بسورة من مثله، والمماثلة المطلوبة في فصاحته وعلومه ﴿ مفتريات ﴾ صفة لعشر سور، وذلك مقابلة لقولهم افتراه، وليست المماثلة في الافتراء ﴿ وادعوا مَنِ استطعتم ﴾ أي استعينوا بمن شئتم ﴿ فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُواْ ﴾ فيها وجهان: أحدهما: أن تكون مخاطبة من الله للنبي صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين.

أي: إن لم يستجب الكفار إلى ما دعوتموهم إليه من معارضة القرآن؛ فاعلموا أنه من عند الله، وهذا على معنى دوموا على عملكم بذلك أو زيدوا يقيناً به، والثاني أن يكون خطاباً من النبي صلى الله عليه وسلم للكفار؛ أي إن لم يستجب من تدعونه من دون الله إلى شيء من المعارضة ولا قدر جميعكم عليه؛ فاعلموا أنه من عند الله، وهذا أقوى من الأول لقوله: فهل أنتم مسلمون؟

ومعنى بعلم الله: بإذنه، أو بما لا يعلمه إلا الله من الغيوب وقوله: ﴿ فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ ﴾ لفظه استفهام، ومعناه استدعاء إلى الإسلام وإلزام للكفار أن يسلموا، لما قال الدليل على صحة الإسلام لعجزهم عن الإيتان بمثل القرآن.

<div class="verse-tafsir"

مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَـٰلَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ ١٥ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ إِلَّا ٱلنَّارُ ۖ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا۟ فِيهَا وَبَـٰطِلٌۭ مَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ١٦

﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ الحياة الدنيا وَزِينَتَهَا ﴾ الآية: نزلت في الكفار الذين يريدون الدنيا، ولا يريدون الآخرة؛ إذ هم لا يصدقون بها وقيل: نزلت في أهل الرياء من المؤمنين الذين يريدون بأعمالهم الدنيا، حسبما ورد في الحديث في القارئ، والمنفق، والمجاهد، الذين أرادوا أن يقال لهم ذلك؛ إنهم أول من تسعر بهم النار والأول أرجح؛ لتقدم ذكر الكفار المناقضين للقرآن، فإنما قصد بهذه الآية أولئك ﴿ نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أعمالهم فِيهَا ﴾ نوف إليهم أجور أعمالهم بما يغبطهم فيها من الصحة والرزق، والضمير في فيها يعود على الدنيا والمجرور متعلق بقوله نوف أو بأعمالهم ﴿ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا ﴾ الضمير في فيها هنا يعود على الآخرة إن تعلق المجرور بحبط ويعود على الدنيا إن تعلق بصنعوا.

<div class="verse-tafsir"

أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍۢ مِّن رَّبِّهِۦ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌۭ مِّنْهُ وَمِن قَبْلِهِۦ كِتَـٰبُ مُوسَىٰٓ إِمَامًۭا وَرَحْمَةً ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِۦ ۚ وَمَن يَكْفُرْ بِهِۦ مِنَ ٱلْأَحْزَابِ فَٱلنَّارُ مَوْعِدُهُۥ ۚ فَلَا تَكُ فِى مِرْيَةٍۢ مِّنْهُ ۚ إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ ١٧

﴿ أَفَمَن كَانَ على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ ﴾ والمراد بمن كان على بينة من ربه: النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون لقوله بعد ذلك ﴿ أولئك يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ ، ومعنى البينة: البرهان العقلي والأمر الجلي ﴿ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ ﴾ الضمير في يتلوه للبرهان وهو البينة ولمن كان على بينةمن ربه، والضمير في منه للرب تعالى، ويتلوه هنا بمعنى يتبعه، والشاهد: يريد به القرآن فالمعنى يتبع ذلك البرهان شاهد من الله وهو القرآن، فيزيد وضوحه وتعظم دلالته، وقيل: إن الشاهد المذكور هنا هو علي بن أبي طالب ﴿ وَمِن قَبْلِهِ كتاب موسى ﴾ أي ومن قبل ذلك الكتاب الشاهد كتاب موسى، وهو أيضاً دليل آخر متقدم، وقد قيل: أقوال كثيرة في معنى هذه الآية وأرجحها ما ذكرنا ﴿ وَمِنَ الأحزاب ﴾ [الرعد: 36] أي من أهل مكة.

<div class="verse-tafsir"

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَىٰ رَبِّهِمْ وَيَقُولُ ٱلْأَشْهَـٰدُ هَـٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ كَذَبُوا۟ عَلَىٰ رَبِّهِمْ ۚ أَلَا لَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ ١٨ ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًۭا وَهُم بِٱلْـَٔاخِرَةِ هُمْ كَـٰفِرُونَ ١٩ أُو۟لَـٰٓئِكَ لَمْ يَكُونُوا۟ مُعْجِزِينَ فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ۘ يُضَـٰعَفُ لَهُمُ ٱلْعَذَابُ ۚ مَا كَانُوا۟ يَسْتَطِيعُونَ ٱلسَّمْعَ وَمَا كَانُوا۟ يُبْصِرُونَ ٢٠ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ ٢١ لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ هُمُ ٱلْأَخْسَرُونَ ٢٢ إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَأَخْبَتُوٓا۟ إِلَىٰ رَبِّهِمْ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ ٢٣

﴿ وَيَقُولُ الأشهاد ﴾ جمع شاهد كأصحاب، ويحتمل أن يكون من الشهادة؛ فيراد به الملائكة والأنبياء أو من الشهود بمعنى الحضور، فيراد به كل من حضر الموقف ﴿ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً ﴾ أي: يطلبون اعوجاجها أو يصفونها بالاعوجاج، ﴿ لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِزِينَ ﴾ أي لا يفلتون ﴿ يضاعف لَهُمُ العذاب ﴾ إخبار عن تشديد عذابهم وليس بصفة لأولياء ﴿ مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السمع ﴾ الآية: ما نافية والضمير للكفار، والمعنى وصفهم بأنهم لا يسمعون ولا يبصرون كقولهم: ﴿ خَتَمَ الله على قُلُوبِهمْ ﴾ [البقرة: 7] الآية، وقيل غير ذلك، وهو بعيد ﴿ لاَ جَرَمَ ﴾ أي لابد ولا شك ﴿ وأخبتوا ﴾ أي: خشعوا وقيل: أنابوا.

<div class="verse-tafsir"

۞ مَثَلُ ٱلْفَرِيقَيْنِ كَٱلْأَعْمَىٰ وَٱلْأَصَمِّ وَٱلْبَصِيرِ وَٱلسَّمِيعِ ۚ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ٢٤ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِۦٓ إِنِّى لَكُمْ نَذِيرٌۭ مُّبِينٌ ٢٥

﴿ مَثَلُ الفريقين ﴾ يعني المؤمنين والكافرين ﴿ كالأعمى والأصم والبصير والسميع ﴾ شبَّه الكفار بالأعمى والأصم، وشبّه المؤمنين بالبصير والسميع، فهو على هذا تمثيل للمؤمنين بمثالين، وتمثيل للكافرين بمثالين، وقيل: التقدير كالأعمى والأصم، والبصير والسميع، فالواو لعطف الصفات، فهو على هذا تمثيل للمؤمنين بمثال واحد، وهو من جمع بين السمع والبصر، وتمثيل للكفار بمثال واحد وهو من جمع بين العَمى والصم.

<div class="verse-tafsir"

أَن لَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّا ٱللَّهَ ۖ إِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍۢ ٢٦ فَقَالَ ٱلْمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن قَوْمِهِۦ مَا نَرَىٰكَ إِلَّا بَشَرًۭا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَىٰكَ ٱتَّبَعَكَ إِلَّا ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِىَ ٱلرَّأْىِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍۭ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَـٰذِبِينَ ٢٧

﴿ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ ﴾ وصف اليوم بالأليم على وجه المجاز لوقوع الألم فيه ﴿ أَرَاذِلُنَا ﴾ جمع أرذل وهم سفلة الناس، وإنما وصفوهم بذلك لفقرهم، جهلاً منهم واعتقاداً أن الشرف هو بالمال والجاه، وليس الأمر كما اعتقدوا، بل المؤمنين كانوا أشرف منهم على حال فقرهم وخمولهم في الدنيا، وقيل: إنهم كانوا حاكة وحجَّامين، واختار ابن عطية أنهم أرادوا أنهم أراذل في أفعالهم لقول نوح: وما علمي بما كانوا يعملون ﴿ بَادِيَ الرأي ﴾ أي أول الرأي من غير نظر ولا تدبير، وبادي منصوب على الظرفية: أصله وقت حدوث أول رأيهم، والعمل فيه اتبعوك على أصح الأقوال، والمعنى: اتبعك الأراذل من غير نظر ولا تثبت، وقيل: هو صفة لبشراً مثلنا: أي غير مثبت في الرأي ﴿ وَمَا نرى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ ﴾ أي من مزية وشرف، والخطاب لنوح عليه السلام ومن معه.

<div class="verse-tafsir"

قَالَ يَـٰقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍۢ مِّن رَّبِّى وَءَاتَىٰنِى رَحْمَةًۭ مِّنْ عِندِهِۦ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَـٰرِهُونَ ٢٨ وَيَـٰقَوْمِ لَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا ۖ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ ۚ وَمَآ أَنَا۠ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ ۚ إِنَّهُم مُّلَـٰقُوا۟ رَبِّهِمْ وَلَـٰكِنِّىٓ أَرَىٰكُمْ قَوْمًۭا تَجْهَلُونَ ٢٩ وَيَـٰقَوْمِ مَن يَنصُرُنِى مِنَ ٱللَّهِ إِن طَرَدتُّهُمْ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ٣٠ وَلَآ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلَآ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ وَلَآ أَقُولُ إِنِّى مَلَكٌۭ وَلَآ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِىٓ أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ ٱللَّهُ خَيْرًا ۖ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِىٓ أَنفُسِهِمْ ۖ إِنِّىٓ إِذًۭا لَّمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ ٣١

﴿ على بَيِّنَةٍ مِّن ربي ﴾ أي على برهان وأمر جلي، وكذلك في قصة صالح وشعيب ﴿ وآتاني رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ ﴾ يعني النبوّة ﴿ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ ﴾ أي خفيت عليكم، والفاعل على هذا البينة أو الرحمة ﴿ أَنُلْزِمُكُمُوهَا ﴾ أي أنكرهكم على قبولها قهراً؟

وهذا هو جواب أرأيتم: ومعنى الآية أن نوحاً عليه السلام قال لقومه: أرأيتم إن هداني الله وأضلكم أأجبركم على الهدى وأنتم له كارهون؟

﴿ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً ﴾ الضمير في عليه عائد على التبليغ ﴿ وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ الذين آمنوا ﴾ يقتضي أنهم طلبوا منه طرد الضعفاء ﴿ إِنَّهُمْ ملاقوا رَبِّهِمْ ﴾ المعنى أنه يجازيهم على إيمانهم ﴿ مَن يَنصُرُنِي مِنَ الله إِن طَرَدتُّهُمْ ﴾ أي: من يدفع عني عقاب الله إن ظلمتهم بالطرد ﴿ وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ الله ﴾ الآية: أي لا أدعي ما ليس لي فتنكرون قولي ﴿ تزدري ﴾ أي تحتقر من قولك: زريت الرجل إذا قصرت به، والمراد بالذين تزدري أعينهم: ضعفاء المؤمنين ﴿ إني إِذاً لَّمِنَ الظالمين ﴾ أي إن قلت للمؤمنين: لن يؤتيهم الله خيراً، والخير هنا يحتمل أن يريد به خير الدنيا والآخرة.

<div class="verse-tafsir"

قَالُوا۟ يَـٰنُوحُ قَدْ جَـٰدَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَٰلَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ ٣٢ قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُم بِهِ ٱللَّهُ إِن شَآءَ وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ ٣٣ وَلَا يَنفَعُكُمْ نُصْحِىٓ إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ ۚ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ٣٤

﴿ جادلتنا ﴾ الجدال هو المخاصمة والمراجعة في الحجة ﴿ فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ ﴾ أي بالعذاب ﴿ وَلاَ يَنفَعُكُمْ نصحي ﴾ الآية: جزاء قوله: إن أردت أن أنصح لكم هو ما دل عليه قوله: نصحي وجزاء قوله: إن كان الله يريد أن يغويكم: هو ما دل عليه قوله: لا ينفعكم نصحي، فتقديرها: إن أراد الله أن يغويكم لن ينفعكم نصحي إن نصحت لكم، ثم استأنف قوله هو ربكم، ولا يجوز أن يكون ربكم هو جواب الشرط ﴿ أَمْ يَقُولُونَ افتراه ﴾ الآية: الضمير في يقولون لكفار قريش، وفي افتراه لمحمد صلى الله عليه وسلم، وهذا قول جميع المفسرين، واختار ابن عطية أن تكون في شأن نوح عليه السلام، فيكون الضمير في يقولون لقوم نوح، وفي افتراه لنوح لئلا يعترض ما بين قصة نوح بغيرها وهو بعيد.

<div class="verse-tafsir"

أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ ۖ قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُۥ فَعَلَىَّ إِجْرَامِى وَأَنَا۠ بَرِىٓءٌۭ مِّمَّا تُجْرِمُونَ ٣٥ وَأُوحِىَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُۥ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ ءَامَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا۟ يَفْعَلُونَ ٣٦ وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَـٰطِبْنِى فِى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا۟ ۚ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ ٣٧

﴿ إِجْرَامِي ﴾ أي ذنبي ﴿ فَلاَ تَبْتَئِسْ ﴾ أي فلا تحزن ﴿ واصنع الفلك بِأَعْيُنِنَا ﴾ أي تحت نظرنا وحفظنا ﴿ وَوَحْيِنَا ﴾ أي وتعليمنا لك كيف تصنع الفلك ﴿ وَلاَ تخاطبني فِي الذين ظلموا ﴾ أي لا تشفع لي فيهم، فإني قد قضيت عليهم بالغرق.

<div class="verse-tafsir"

وَيَصْنَعُ ٱلْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌۭ مِّن قَوْمِهِۦ سَخِرُوا۟ مِنْهُ ۚ قَالَ إِن تَسْخَرُوا۟ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ ٣٨ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌۭ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌۭ مُّقِيمٌ ٣٩ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ قُلْنَا ٱحْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّۢ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ وَمَنْ ءَامَنَ ۚ وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلٌۭ ٤٠

﴿ وَكُلَّمَا ﴾ يحتمل أن يكون جوابها سخروا منه، أو قال إن تسخروا ﴿ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ تهديد، ومن يأتيه منصوب بتعلمون ﴿ عَذَابٌ يُخْزِيهِ ﴾ هو الغرق والعذاب المقيم عذاب النار ﴿ حتى إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا ﴾ غاية لقوله: ويصنع الفلك ﴿ وَفَارَ التنور ﴾ الذي يوقد فيه عند ابن عباس وغيره، ورُوي أنه كان تنور آدم خلص إلى نوح، وقيل: التنور وجه الأرض ﴿ قُلْنَا احمل فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثنين ﴾ المراد بالزوجين: الذكر والأنثى من الحيوان، وقرئ من كل بغير تنوين فعمل احمل في اثنين ومن قرأ بالتنوين عمل احمل في زوجين، وجعل اثنين نعت له على جهة التأكيد ﴿ وَأَهْلَكَ ﴾ أي قرابتك، وهو معطوف على ما عمل فيه احمل ﴿ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القول ﴾ أي من قضي عليه بالعذاب فهو مستثنى من أهله، والمراد بذلك ابنه الكافر وامرأته ﴿ وَمَنْ آمَنَ ﴾ معطوف على أهلك، أي احمل أهلك ومن آمن من غيرهم ﴿ وَمَآ آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ ﴾ قيل: كانوا ثمانين وقيل عشرة وقيل ثمانية.

<div class="verse-tafsir"

۞ وَقَالَ ٱرْكَبُوا۟ فِيهَا بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْر۪ىٰهَا وَمُرْسَىٰهَآ ۚ إِنَّ رَبِّى لَغَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ٤١ وَهِىَ تَجْرِى بِهِمْ فِى مَوْجٍۢ كَٱلْجِبَالِ وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبْنَهُۥ وَكَانَ فِى مَعْزِلٍۢ يَـٰبُنَىَّ ٱرْكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ ٱلْكَـٰفِرِينَ ٤٢ قَالَ سَـَٔاوِىٓ إِلَىٰ جَبَلٍۢ يَعْصِمُنِى مِنَ ٱلْمَآءِ ۚ قَالَ لَا عَاصِمَ ٱلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ ۚ وَحَالَ بَيْنَهُمَا ٱلْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُغْرَقِينَ ٤٣

﴿ وَقَالَ اركبوا فِيهَا ﴾ الضمير في قال لنوح، والخطاب لمن كان معه، والضمير في فيها للسفينة، وروي أنهم ركبوا فيها أول يوم من رجب، واستقرت على الجودي يوم عاشوراء ﴿ بِسْمِ الله مجراها ومرساها ﴾ اشتقاق مجراها من الجري، واشتقاق مرساها من الإرساء، وهو الثبوت.

أو من وقوف السفينة، ويمكن أن يكونا ظَرْفَين للزمان أو المكان، أو مصدرين، ويحتمل الإعراب من وجهين: أحدهما: أن يكون اسم الله في موضع الحال من الضمير في اركبوا، والتقدير: اركبوا متبركين باسم الله أو قائلين بسم الله، فيكون مجراها ومرساها على هذا ظرفين للزمان بمعنى وقت إجرائها وإرسائها أو ظرفين للمكان، ويكون العامل فيه ما في قوله بسم الله من معنى الفعل في موضع خبر ويكون قوله: بسم الله متصلاً مع ما قبله، والجملة كلام واحد، والوجه الثاني: أن يكون كلامين فيوقف على اركبوا فيها ويكون بسم الله في موضع خبر، ومجراها ومرساها مبتدأ بمعنى المصدر أي إجراؤها وإرساؤه ويكون بسم الله على هذا مستأنفاً غير متصل بما قبله ولكنه من كلام نوح حسبما روي أن نوحاً كان إذا أراد أن يجري بالسفينة قال بسم الله فتجري، وإذا أراد وقوفها قال بسم الله فتقف ﴿ وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كالجبال ﴾ روي أن الماء طبق ما بين السماء والأرض، فصار الكل كالبحر، قاله ابن عطية وهذا ضعيف، وأين كان الموج كالجبال على هذا، وصوّبه الزمخشري وقال: كانت تجري في موج كالجبال قبل التطبيق كذا، وقبل أن يغمر الماء الجبال ﴿ ونادى نُوحٌ ابنه ﴾ كان اسمه كنعان، وقيل: يام وكان له ثلاث بنون سواه وهم: سام وحام ويافث، ومنهم تناسل الخلق ﴿ فِي مَعْزِلٍ ﴾ أي في ناحية ﴿ لاَ عَاصِمَ اليوم مِنْ أَمْرِ الله إِلاَّ مَن رَّحِمَ ﴾ يحتمل أربعة أوجه: أحدها: أن يكون عاصم بمعنى ذي عصمة أي معصوم ومن رحم: بمعنى مفعول أي من رحم الله، فالمعنى لا معصوم إلا من رحمه الله والاستثناء على هذين الوجهين متصل، والثالث: أن يكون عاصم اسم فاعل ومن رحم بمعنى المفعول، والمعنى لا عاصم من أمر الله لكن من رحمه الله فهو المعصوم، والرابع: عكسه والاستثناء على هذين منقطع.

<div class="verse-tafsir"

وَقِيلَ يَـٰٓأَرْضُ ٱبْلَعِى مَآءَكِ وَيَـٰسَمَآءُ أَقْلِعِى وَغِيضَ ٱلْمَآءُ وَقُضِىَ ٱلْأَمْرُ وَٱسْتَوَتْ عَلَى ٱلْجُودِىِّ ۖ وَقِيلَ بُعْدًۭا لِّلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ ٤٤ وَنَادَىٰ نُوحٌۭ رَّبَّهُۥ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ٱبْنِى مِنْ أَهْلِى وَإِنَّ وَعْدَكَ ٱلْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ ٱلْحَـٰكِمِينَ ٤٥ قَالَ يَـٰنُوحُ إِنَّهُۥ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ۖ إِنَّهُۥ عَمَلٌ غَيْرُ صَـٰلِحٍۢ ۖ فَلَا تَسْـَٔلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌ ۖ إِنِّىٓ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ ٤٦ قَالَ رَبِّ إِنِّىٓ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْـَٔلَكَ مَا لَيْسَ لِى بِهِۦ عِلْمٌۭ ۖ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِى وَتَرْحَمْنِىٓ أَكُن مِّنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ ٤٧ قِيلَ يَـٰنُوحُ ٱهْبِطْ بِسَلَـٰمٍۢ مِّنَّا وَبَرَكَـٰتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰٓ أُمَمٍۢ مِّمَّن مَّعَكَ ۚ وَأُمَمٌۭ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌۭ ٤٨

﴿ ابلعي مَآءَكِ ﴾ عبارة عن جفوف الأرض من الماء ﴿ أَقْلِعِي ﴾ أي أمسكي عن المطر ورُوي أنها أمطرت من كل موضع منها ﴿ وَغِيضَ المآء ﴾ أي نقص ﴿ وَقُضِيَ الأمر ﴾ أي تمّ وكمل ﴿ واستوت عَلَى الجودي ﴾ أي استقرت السفينة على الجودي وهو جبل بالموصل ﴿ وَقِيلَ بُعْداً ﴾ أي هلاكاً، وانتصب على المصدر ﴿ وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ ﴾ يحتمل أن يكون هذا النداء قبل الغرق، فيكون العطف من غير ترتيب، أو يكون بعده ﴿ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابني مِنْ أَهْلِي ﴾ أي: وقد وعدتني أن تنجي أهلي ﴿ قَالَ يانوح إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ﴾ أي ليس من أهلك الذين وعدتك بنجاتهم لأنه كافر، ولقوله: ونادى نوح ابنه ﴿ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالح ﴾ فيه ثلاث تأويلات على قراءة الجمهور: أحدها: أن يكون الضمير في إنه لسؤال نوح نجاة ابنه، والثاني: أن يكون الضمير لابن نوح وحذف المضاف من الكلام تقديره: إنه ذو عمل غير صالح، والثالث: ان يكون الضمير لابن نوح، وعمل: مصدر وصف به مبالغة كقولك: رجل صوم، وقرأ الكسائي ﴿ عمل ﴾ بفعل ماض ﴿ غير صالح ﴾ بالنصب، والضمير على هذا لابن نوح بلا إشكال ﴿ فَلاَ تَسْئَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ﴾ أي لا تطلب مني أمراً لا تعلم أصواب هو أم غير صواب، حتى تقف على كنهه، فإن قيل: لم سمي نداءه سؤالاً، ولا سؤال فيه؟

فالجواب أنه تضمن السؤال وإن لم يصرح به ﴿ إني أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الجاهلين ﴾ أن في موضع مفعول من أجله تقديره: أعظك كراهة أن تكون من الجاهلين، وليس في ذلك وصف له بالجهل، بل فيه ملاطفة وإكرام ﴿ اهبط بسلام مِّنَّا ﴾ أي اهبط من السفينة بسلامة ﴿ وعلى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ ﴾ أي ممن معك في السفينة، واختار الزمخشري أن يكون المعنى من ذرية من معك، ويعني به المؤمنين إلى يوم القيامة، فمن على هذا لابتداء الغاية، والتقدير على أمم ناشئة ممن معك، وعلى الأول تكون من لبيان الجنس ﴿ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ﴾ يعني نمتعهم متاع الدنيا وهم الكفار إلى يوم القيامة.

<div class="verse-tafsir"

تِلْكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهَآ إِلَيْكَ ۖ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ أَنتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـٰذَا ۖ فَٱصْبِرْ ۖ إِنَّ ٱلْعَـٰقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ ٤٩ وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًۭا ۚ قَالَ يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُۥٓ ۖ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ ٥٠ يَـٰقَوْمِ لَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ۖ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى ٱلَّذِى فَطَرَنِىٓ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ٥١ وَيَـٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًۭا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا۟ مُجْرِمِينَ ٥٢

﴿ تِلْكَ مِنْ أَنْبَآءِ الغيب ﴾ أشارة إلى القصة، وفي الآية دليل على أن القرآن من عند الله؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يعلم ذلك قبل الوحي ﴿ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ ﴾ يعني في عبادتهم لغير الله ﴿ يُرْسِلِ السمآء عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً ﴾ السماء هنا المطر ومدراراً بناء تكثير من الدر يقال: در المطر واللبن وغيره، وفي الآية دليل على أن الاستغفار والتوبة سبب لنزول الأمطار، ورُوي أن عاداً كان حبس عنهم المطر ثلاث سنين، فأمرهم بالتوبة والاستغفار، ووعدهم على ذلك بالمطر، والمراد بالتوبة هنا الرجوع عن الكفر، ثم عن الذنوب، لأن التوبة من الذنوب لا تصح إلا بعد الإيمان.

<div class="verse-tafsir"

قَالُوا۟ يَـٰهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍۢ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِىٓ ءَالِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ٥٣ إِن نَّقُولُ إِلَّا ٱعْتَرَىٰكَ بَعْضُ ءَالِهَتِنَا بِسُوٓءٍۢ ۗ قَالَ إِنِّىٓ أُشْهِدُ ٱللَّهَ وَٱشْهَدُوٓا۟ أَنِّى بَرِىٓءٌۭ مِّمَّا تُشْرِكُونَ ٥٤ مِن دُونِهِۦ ۖ فَكِيدُونِى جَمِيعًۭا ثُمَّ لَا تُنظِرُونِ ٥٥ إِنِّى تَوَكَّلْتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبِّى وَرَبِّكُم ۚ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلَّا هُوَ ءَاخِذٌۢ بِنَاصِيَتِهَآ ۚ إِنَّ رَبِّى عَلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ ٥٦

﴿ قَالُواْ ياهود مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ ﴾ أي بمعجزة، وذلك كذب منهم وجحود، أو يكون معناه بآية تضطرنا إلى الإيمان بك، وإن كان قد أتاهم بآية نظرية ﴿ عَن قَوْلِكَ ﴾ أي بسبب قولك ﴿ إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعتراك بَعْضُ آلِهَتِنَا بسواء ﴾ معناه ما نقول إلا أن بعض آلهتنا أصابك بجنون لما سببتها ونهيتنا عن عبادتها ﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ ﴾ هذا أمر بمعنى التعجيز أي: لا تقدرون أنتم ولا آلهتكم على شيء، ثم ذكر سبب قوته في نفسه وعدم مبالاته بهم، فقال: إني توكلت على الله الآية ﴿ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَآ ﴾ أي: هي في قبضته وتحت قهره، والأخذ بالناصية تمثيل ذلك، وهذه الجملة تعليل لقوة توكله على الله وعدم مبالاته بالخلق ﴿ إِنَّ رَبِّي على صراط مُّسْتَقِيمٍ ﴾ يريد أن أفعال الله جميلة وقوله صدق ووعده حق، فالاستقامة تامة.

<div class="verse-tafsir"

فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّآ أُرْسِلْتُ بِهِۦٓ إِلَيْكُمْ ۚ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّى قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُۥ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ رَبِّى عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ حَفِيظٌۭ ٥٧ وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًۭا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ بِرَحْمَةٍۢ مِّنَّا وَنَجَّيْنَـٰهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍۢ ٥٨

﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ﴾ أصل تولوا هنا تتولوا لأنه فعل مستقبل حذفت منه تاء المضارعة، فإن قيل: كيف وقع الإبلاغ جواباً للشرط، وقد كان الإبلاغ قبل التولي؟

فالجواب: أن المعنى إن تتولوا فلا عتب عليّ لأني قد أبلغتكم رسالة ربي ﴿ وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئاً ﴾ أي لا تنقصونه شيئاً: أي إذا أهلككم واستخلف غيركم ﴿ وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا ﴾ إن قيل: لم قال هنا وفي قصة شعيب ولما بالواو وقال في قصة صالح ولوط: فلما بالفاء؟

فالجواب على ما قال الزمخشري: أنه وقع ذلك في قصة صالح ولوط بعد الوعيد، فجيء بالفاء التي تقتضي التسبيب كما تقول وعدته فلما جاء الميعاد بخلاف قصة هود وشعيب، فإنه لم يتقدم ذلك فيهما فعطف بالواو ﴿ ونجيناهم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ ﴾ يحتمل أن يريد به عذاب الآخرة، ولذلك عطفه على النجاة الأولى التي أراد بها النجاة من الريح، ويحتمل أن يريد بالثاني أيضاً الريح، وكرره إعلاماً بأنه عذاب غليظ، وتعديداً للنعمة في نجاتهم.

<div class="verse-tafsir"

وَتِلْكَ عَادٌۭ ۖ جَحَدُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا۟ رُسُلَهُۥ وَٱتَّبَعُوٓا۟ أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍۢ ٥٩ وَأُتْبِعُوا۟ فِى هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا لَعْنَةًۭ وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۗ أَلَآ إِنَّ عَادًۭا كَفَرُوا۟ رَبَّهُمْ ۗ أَلَا بُعْدًۭا لِّعَادٍۢ قَوْمِ هُودٍۢ ٦٠

﴿ وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ ﴾ في جميع الرسل هنا وجهان: أحدهما: أن من عصى رسولاً واحداً لزمه عصيان جميعهم فإنهم متفقون على الإيمان بالله وعلى توحيده، والثاني: أن يراد الجنس كقولك: فلان يركب الخيل إن لم يركب إلا فرساً واحداً ﴿ ألا إِنَّ عَاداً كَفَرُواْ رَبَّهُمْ ﴾ هذا تشنيع لكفرهم، وتهويل بحرف التنبيه وبتكرار اسم عاد ﴿ أَلاَ بُعْداً ﴾ أي هلاكاً وهذا دعاء عليهم وانتصابه بفعل مضمر، فإن قيل: كيف دعا عليهم بالهلاك بعد أن هلكوا؟

فالجواب أن المراد أنهم أهل لذلك ﴿ لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ ﴾ بيان لأن عاداً اثنان: إحداهما قوم هود، والأخرى إرم.

<div class="verse-tafsir"

۞ وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَـٰلِحًۭا ۚ قَالَ يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُۥ ۖ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَٱسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّى قَرِيبٌۭ مُّجِيبٌۭ ٦١ قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّۭا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّۢ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍۢ ٦٢ قَالَ يَـٰقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍۢ مِّن رَّبِّى وَءَاتَىٰنِى مِنْهُ رَحْمَةًۭ فَمَن يَنصُرُنِى مِنَ ٱللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُۥ ۖ فَمَا تَزِيدُونَنِى غَيْرَ تَخْسِيرٍۢ ٦٣ وَيَـٰقَوْمِ هَـٰذِهِۦ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمْ ءَايَةًۭ فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِىٓ أَرْضِ ٱللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوٓءٍۢ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌۭ قَرِيبٌۭ ٦٤ فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا۟ فِى دَارِكُمْ ثَلَـٰثَةَ أَيَّامٍۢ ۖ ذَٰلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍۢ ٦٥ فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَـٰلِحًۭا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ بِرَحْمَةٍۢ مِّنَّا وَمِنْ خِزْىِ يَوْمِئِذٍ ۗ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلْقَوِىُّ ٱلْعَزِيزُ ٦٦ وَأَخَذَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ٱلصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا۟ فِى دِيَـٰرِهِمْ جَـٰثِمِينَ ٦٧ كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا۟ فِيهَآ ۗ أَلَآ إِنَّ ثَمُودَا۟ كَفَرُوا۟ رَبَّهُمْ ۗ أَلَا بُعْدًۭا لِّثَمُودَ ٦٨

﴿ هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ الأرض ﴾ لأن آدم خلق من تراب ﴿ واستعمركم فِيهَا ﴾ أي جعلكم تعمرونها.

فهو من العمران للأرض، وقيل: هو من العمر نحو استبقاكم من البقاء ﴿ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً ﴾ أي: كنا نرجو أن ننتفع بك حتى قلت ما قلت، وقيل: المعنى كنا نرجو أن تدخل في ديننا ﴿ فِي دَارِكُمْ ﴾ أي بلدكم ﴿ ثلاثة أَيَّامٍ ﴾ قيل: إنها الخميس والجمعة والسبت، لأنهم عقروا الناقة يوم الأربعاء، وأخذهم العذاب يوم الأحد ﴿ وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ ﴾ معطوف على نجينا أي نجيناهم من خزي يومئذ ﴿ جاثمين ﴾ ذكر في الأعراف و ﴿ كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَآ ﴾ أي: كأن لم يقيموا فيها والضمير للدار، وكذلك في قصة شعيب.

<div class="verse-tafsir"

وَلَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَٰهِيمَ بِٱلْبُشْرَىٰ قَالُوا۟ سَلَـٰمًۭا ۖ قَالَ سَلَـٰمٌۭ ۖ فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍۢ ٦٩ فَلَمَّا رَءَآ أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةًۭ ۚ قَالُوا۟ لَا تَخَفْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍۢ ٧٠

﴿ وَلَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُنَآ ﴾ الرسل هنا الملائكة ﴿ إبراهيم بالبشرى ﴾ بشروه بالولد ﴿ قَالُواْ سلاما ﴾ نصب على المصدر والعامل فيه فعل مضمر تقديره سلمنا عليكم سلاما ﴿ قَالَ سلام ﴾ تقديره عليكم سلام وسلام عليكم، وهذا على أن يكون بمعنى التحية، وإنما رفع جوابه ليدل على إثبات السلام، فيكون قد حيَّاهم بأحسن مما حيَّوه، ويحتمل أن يكون السلام بمعنى السلامة، ونصب الأول لأنه بمعنى الطلب، ورفع الثاني لأنه في معنى الخبر ﴿ فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ ﴾ أي ما لبث مجيئه بل عجل وما نافية وأن جاء فاعل لبث ﴿ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ ﴾ أي مشوي، وفعيل هنا بمعنى مفعول ﴿ نَكِرَهُمْ ﴾ أي أنكرهم ولم يعرفهم، يقال: نكر وأنكر بمعنى واحد ﴿ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً ﴾ قيل: إنه لم يعرفهم فخاف منهم لما لم يأكلوا طعامه، وقيل: عرف أنهم ملائكة ولكن خاف أن يكونوا أرسلوا بما يخاف فأمنوه بقولهم: لا تخف.

<div class="verse-tafsir"

وَٱمْرَأَتُهُۥ قَآئِمَةٌۭ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَـٰهَا بِإِسْحَـٰقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَـٰقَ يَعْقُوبَ ٧١ قَالَتْ يَـٰوَيْلَتَىٰٓ ءَأَلِدُ وَأَنَا۠ عَجُوزٌۭ وَهَـٰذَا بَعْلِى شَيْخًا ۖ إِنَّ هَـٰذَا لَشَىْءٌ عَجِيبٌۭ ٧٢ قَالُوٓا۟ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ ۖ رَحْمَتُ ٱللَّهِ وَبَرَكَـٰتُهُۥ عَلَيْكُمْ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ ۚ إِنَّهُۥ حَمِيدٌۭ مَّجِيدٌۭ ٧٣

﴿ وامرأته قَآئِمَةٌ ﴾ قيل: قائمة خلف الستر، وقيل: قائمة في الصلاة، وقيل: قائمة تخدم القوم، واسمها سارة ﴿ فَضَحِكَتْ ﴾ قيل: معناه حاضت، وهو ضعيف، وقال الجمهور: هو الضحك المعروف واختلفوا من أي شيء ضحكت، فقيل: سروراً بالولد الذي بشرت به؛ ففي الكلام على هذا تقديم وتأخير، وقيل: سروراً بالأمن بعد الخوف، وقيل: سروراً بهلاك قوم لوط ﴿ فبشرناها بإسحاق ﴾ أسند البشارة إلى ضمير الله تعالى، لأنها كانت بأمره ﴿ وَمِن وَرَآءِ إسحاق يَعْقُوبَ ﴾ أي من بعده وهو ولده، وقيل: الوراء ولد الولد ويعقوب بالرفع مبتدأ، وبالفتح معطوف على إسحاق ﴿ قَالَتْ ياويلتى ﴾ الألف فيه مبدلة من المتكلم، كذلك في يا لهفي ويا أسفي ويا عجباً، ومعناه التعجب من الولادة، وروي أنها كانت حينئذ بنت تسع وتسعين سنة، وإبراهيم، ابن مائة سنة ﴿ رَحْمَتُ الله وبركاته عَلَيْكُمْ ﴾ يحتمل الدعاء والخبر ﴿ أَهْلَ البيت ﴾ أي أهل بيت إبراهيم، وهو منصوب بفعل مضمر على الاختصاص، أو منادى ﴿ حَمِيدٌ ﴾ أي محمود ﴿ مَّجِيدٌ ﴾ من المجد وهو العلو والشرف.

<div class="verse-tafsir"

فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَٰهِيمَ ٱلرَّوْعُ وَجَآءَتْهُ ٱلْبُشْرَىٰ يُجَـٰدِلُنَا فِى قَوْمِ لُوطٍ ٧٤ إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّٰهٌۭ مُّنِيبٌۭ ٧٥ يَـٰٓإِبْرَٰهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَآ ۖ إِنَّهُۥ قَدْ جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ ۖ وَإِنَّهُمْ ءَاتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍۢ ٧٦

﴿ يجادلنا ﴾ هو جواب لما على أن يكون المضارع في موضع الماضي، أو على تقدير ظل أو أخذ يجادلنا ويكون: يجادلنا مستأنفاً والجواب محذوف، ومعنى جداله كلامه من الملائكة في رفع العذاب عن قوم لوط، وقد ذكر في اللغات ﴿ لَحَلِيمٌ ﴾ وفي براءة أواه.

﴿ ياإبراهيم أَعْرِضْ عَنْ هاذآ ﴾ أي قلنا: يا إبراهيم أعرض عن هذا يعني عن المجادلة فيهم فقد نفذ القضاء بعذابهم.

<div class="verse-tafsir"

وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطًۭا سِىٓءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًۭا وَقَالَ هَـٰذَا يَوْمٌ عَصِيبٌۭ ٧٧ وَجَآءَهُۥ قَوْمُهُۥ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ ۚ قَالَ يَـٰقَوْمِ هَـٰٓؤُلَآءِ بَنَاتِى هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِى ضَيْفِىٓ ۖ أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌۭ رَّشِيدٌۭ ٧٨ قَالُوا۟ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِى بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّۢ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ ٧٩ قَالَ لَوْ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةً أَوْ ءَاوِىٓ إِلَىٰ رُكْنٍۢ شَدِيدٍۢ ٨٠ قَالُوا۟ يَـٰلُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوٓا۟ إِلَيْكَ ۖ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍۢ مِّنَ ٱلَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلَّا ٱمْرَأَتَكَ ۖ إِنَّهُۥ مُصِيبُهَا مَآ أَصَابَهُمْ ۚ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ ٱلصُّبْحُ ۚ أَلَيْسَ ٱلصُّبْحُ بِقَرِيبٍۢ ٨١ فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَـٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةًۭ مِّن سِجِّيلٍۢ مَّنضُودٍۢ ٨٢ مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ ۖ وَمَا هِىَ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ بِبَعِيدٍۢ ٨٣

﴿ وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سياء بِهِمْ ﴾ الرسل هم الملائكة ومعنى سيء بهم أصابه سوء وشجر لما ظن أنهم من بني آدم وخاف عليهم من قومه ﴿ يَوْمٌ عَصِيبٌ ﴾ أي شديد ﴿ وَجَآءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ ﴾ أي يسرعون وكانت امرأة لوط قد أخبرتهم بنزول الأضياف عنده، فأسرعوا ليعملوا بهم عملهم الخبيث ﴿ وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ السيئات ﴾ أي كانت عادتهم إتيان الفواحش في الرجال ﴿ قَالَ ياقوم هؤلاء بناتي ﴾ المعنى فتزوجوهن، وإنما قال ذلك ليقي أضيافه ببناته، وقيل: اسم بناته الواحدة رئيا، والأخرى غوثا وأن اسم امرأته الهالكة والهة، واسم امرأة نوح والقة ﴿ قَالُواْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ ﴾ أي: ما لنا فيهم أرب ﴿ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ ﴾ يعنون نكاح الذكور ﴿ قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً ﴾ جواب لو محذوف تقديره: لو كانت لي قدرة على دفعكم لفعلت، ويحتمل أن تكون لو للتمني ﴿ أَوْ آوي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ ﴾ معنى آوي ألجأ، والمراد بالركن الشديد: ما يلجأ إليه من عشيرة وأنصار يحمونه من قومه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يرحم الله أخي لوطاً؛ لقد كان يأوي إلى ركن شديد يعني إلى الله والملائكة ﴿ قَالُواْ يالوط إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ ﴾ الضمير في قالوا للملائكة، والضمير في لن يصلوا لقوم لوط، وذلك أن الله طمس على أعينهم حينئذ ﴿ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ ﴾ أي اخرج بهم بالليل، فإن العذاب ينزل بأهل هذه المدائن، وقرئ فأسر بوصل الألف وقطعها، وهما لغتان يقال سرى وأسرى ﴿ بِقِطْعٍ مِّنَ الليل ﴾ أي قطعة منه ﴿ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ ﴾ نُهوا عن الالتفات؛ لئلا تتفطر أكبادهم على قريتهم، وقيل: يلتفت معناه يلتوي ﴿ إِلاَّ امرأتك ﴾ قرئ بالنصب والرفع، فالنصب استثناء من قوله بأسر بأهلك، فيقتضي هذا أنه لم يخرجها مع أهله، والرفع بدل من ولا يلتفت منكم أحد، ورُوي على هذا أنه أخرجها معه، وأنها التفتت وقالت: يا قوماه فأصابها حجر فقتلها ﴿ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصبح ﴾ أي وقت عذابهم الصبح ﴿ أَلَيْسَ الصبح بِقَرِيبٍ ﴾ ذكر أنهم لما قالوا: إن موعدهم الصبح قال لهم لوط: هلا عذبوا الآن فقالوا له: أليس الصبح بقريب ﴿ جَعَلْنَا عاليها سافلها ﴾ الضمير للمدائن رُوي أن جبريل أدخل جناحه تحت مدائن قوم لوط، واقتلعها فرفعها حتى سمع أهل السماء صراخ الديكة ونباح الكلاب، ثم أرسلها مقلوبة ﴿ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً ﴾ أي على المدائن، والمراد أهلها.

روي أنه من كان منهم خارج المدائن أصابته حجارة من السماء، وأما من كان في المدائن فهلك لما قلبت ﴿ مِّن سِجِّيلٍ ﴾ قيل: معناه من ماء وطين، وإنما كان من الآجر المطبوخ وقيل: من سجله إذا أرسله، وقيل: هو لفظ أعجمي ﴿ مَّنْضُودٍ ﴾ أي مضموم بعضه فوق بعض ﴿ مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ ﴾ معناه: معلَّمة بعلامة، رُوي أنه كان فيها بياض وحمرة، وقيل كان في كل حجر اسم صاحبه ﴿ وَمَا هِيَ مِنَ الظالمين بِبَعِيدٍ ﴾ الضمير للحجارة والمراد بالظالمين كفار قريش، فهذا تهديد لهم أي ليس الرمي بالحجارة ببعيد منهم لأجل كفرهم، وقيل: الضمير للمدائن، فالمعنى ليست ببعيدة منهم أفلا يعتبرون بها كقوله: ﴿ وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى القرية التي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السوء ﴾ [الفرقان: 40] وقيل: إن الظالمين على العموم.

<div class="verse-tafsir"

۞ وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًۭا ۚ قَالَ يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُۥ ۖ وَلَا تَنقُصُوا۟ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ ۚ إِنِّىٓ أَرَىٰكُم بِخَيْرٍۢ وَإِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍۢ مُّحِيطٍۢ ٨٤ وَيَـٰقَوْمِ أَوْفُوا۟ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ ۖ وَلَا تَبْخَسُوا۟ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا۟ فِى ٱلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ٨٥ بَقِيَّتُ ٱللَّهِ خَيْرٌۭ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ۚ وَمَآ أَنَا۠ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍۢ ٨٦ قَالُوا۟ يَـٰشُعَيْبُ أَصَلَوٰتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَآ أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِىٓ أَمْوَٰلِنَا مَا نَشَـٰٓؤُا۟ ۖ إِنَّكَ لَأَنتَ ٱلْحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ ٨٧ قَالَ يَـٰقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍۢ مِّن رَّبِّى وَرَزَقَنِى مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًۭا ۚ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَآ أَنْهَىٰكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا ٱلْإِصْلَـٰحَ مَا ٱسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِىٓ إِلَّا بِٱللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ٨٨

﴿ إني أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ ﴾ يعني رخص الأسعار وكثرة الأرزاق ﴿ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ ﴾ يوم القيامة أو يوم عذابهم في الدنيا ﴿ بَقِيَّتُ الله خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ أي ما أبقاه الله لكم من رزقه ونعمته، ﴿ أصلاوتك تَأْمُرُكَ ﴾ الصلاة هي المعروفة ونسب الأمر إليها مجاز كقوله: ﴿ إِنَّ الصلاة تنهى عَنِ الفحشآء والمنكر ﴾ [العنكبوت: 45] والمعنى أصلاتك تأمرك أن نترك عبادة الأوثان، وإنما قال الكفار هذا على وجه الاستهزاء ﴿ أَوْ أَن نَّفْعَلَ في أموالنا مَا نَشَاءُ ﴾ يعنون ما كانوا عليه من بخس المكيال والميزان، وأن نفعل عطف على أن نترك ﴿ إِنَّكَ لأَنتَ الحليم الرشيد ﴾ قيل: إنهم قالوا ذلك على وجه التهكم والاستهزاء، وقيل: معناه الحليم الرشيد عن نفسك ﴿ وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً ﴾ أي سالماً من الفساد الذي أدخلتم في أموالكم، وجواب أرأيتم محذوف يدل عليه المعنى وتقديره: أرأيتم إن كنت على بينة من ربي أيصلح لي ترك تبليغ رسالته ﴿ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أخالفكم إلى مَآ أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ﴾ يقال: خالفني فلان إلى كذا إذا قصده وأنت مول عنه، وخالفني عنه إذا ولى عنه وأنت قاصده.

<div class="verse-tafsir"

وَيَـٰقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِىٓ أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَآ أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَـٰلِحٍۢ ۚ وَمَا قَوْمُ لُوطٍۢ مِّنكُم بِبَعِيدٍۢ ٨٩ وَٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّى رَحِيمٌۭ وَدُودٌۭ ٩٠ قَالُوا۟ يَـٰشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًۭا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَىٰكَ فِينَا ضَعِيفًۭا ۖ وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَـٰكَ ۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍۢ ٩١ قَالَ يَـٰقَوْمِ أَرَهْطِىٓ أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَٱتَّخَذْتُمُوهُ وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيًّا ۖ إِنَّ رَبِّى بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌۭ ٩٢

﴿ وياقوم لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شقاقي أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَآ أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ ﴾ أي لا يكسبنكم عدواتي أن يصيبكم مثل عذاب الأمم المتقدمة، وشقاقي فاعل، وأن يصيبكم مفعول ﴿ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ ﴾ يعني في الزمان لأنهم كانوا أقرب الأمم الهالكين إليهم، ويحتمل أن يراد ببعيد في البلاد ﴿ مَا نَفْقَهُ ﴾ أي ما نفهم ﴿ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً ﴾ أي: ضعيف الانتصار والقدرة، وقيل: نحيل البدن، وقيل: أعمى ﴿ وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لرجمناك ﴾ الرهط: القرابة والرجم بالحجارة أو بالسب ﴿ قَالَ ياقوم أرهطي أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ الله ﴾ هذا توبيخ لهم فإن قيل: إنما وقع كلامهم فيه وفي رهطه وأنهم هم الأعزة دونه فكيف طابق جوابه كلامهم؟

فالجواب أن تهاونهم به وهو رسول الله تهاون بالله فلذلك قال: أرهطي أعزُّ عليكم من الله ﴿ واتخذتموه وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيّاً ﴾ الضمير في اتخذتموه لله تعالى أو لدينه وأمره، والظهري ما يطرح وراء الظهر ولا يعبأ به، وهو منسوب إلى الظهر بتغيير النسب.

<div class="verse-tafsir"

وَيَـٰقَوْمِ ٱعْمَلُوا۟ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنِّى عَـٰمِلٌۭ ۖ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌۭ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَـٰذِبٌۭ ۖ وَٱرْتَقِبُوٓا۟ إِنِّى مَعَكُمْ رَقِيبٌۭ ٩٣

﴿ اعملوا على مَكَانَتِكُمْ ﴾ تهديد ومعنى مكانتكم تمكنكم في الدنيا وعزتكم فيها ﴿ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ ﴾ عذاب الدنيا والآخرة ﴿ وارتقبوا ﴾ تهديد.

<div class="verse-tafsir"

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَـٰتِنَا وَسُلْطَـٰنٍۢ مُّبِينٍ ٩٦ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَإِي۟هِۦ فَٱتَّبَعُوٓا۟ أَمْرَ فِرْعَوْنَ ۖ وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍۢ ٩٧ يَقْدُمُ قَوْمَهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فَأَوْرَدَهُمُ ٱلنَّارَ ۖ وَبِئْسَ ٱلْوِرْدُ ٱلْمَوْرُودُ ٩٨ وَأُتْبِعُوا۟ فِى هَـٰذِهِۦ لَعْنَةًۭ وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ بِئْسَ ٱلرِّفْدُ ٱلْمَرْفُودُ ٩٩ ذَٰلِكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلْقُرَىٰ نَقُصُّهُۥ عَلَيْكَ ۖ مِنْهَا قَآئِمٌۭ وَحَصِيدٌۭ ١٠٠ وَمَا ظَلَمْنَـٰهُمْ وَلَـٰكِن ظَلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ ۖ فَمَآ أَغْنَتْ عَنْهُمْ ءَالِهَتُهُمُ ٱلَّتِى يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍۢ لَّمَّا جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ ۖ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍۢ ١٠١ وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَآ أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ وَهِىَ ظَـٰلِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُۥٓ أَلِيمٌۭ شَدِيدٌ ١٠٢ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةًۭ لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ ٱلْـَٔاخِرَةِ ۚ ذَٰلِكَ يَوْمٌۭ مَّجْمُوعٌۭ لَّهُ ٱلنَّاسُ وَذَٰلِكَ يَوْمٌۭ مَّشْهُودٌۭ ١٠٣

﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا موسى بآياتنا ﴾ أي بالمعجزات ﴿ وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ ﴾ أي برهان بين ﴿ يَقْدُمُ قَوْمَهُ ﴾ أي يتقدم قدّامهم في النار كما كانوا في الدنيا يتبعونه على الضلال والكفر ﴿ فَأَوْرَدَهُمُ النار ﴾ الورود هنا بمعنى: الدخول، وذكره بلفظ الماضي لتحقق وقوعه ﴿ وَيَوْمَ القيامة ﴾ عطف على في هذه فإن المراد به في الدنيا ﴿ بِئْسَ الرفد المرفود ﴾ أي العطية المعطاة ﴿ قَآئِمٌ وَحَصِيدٌ ﴾ باق وداثر ﴿ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ ﴾ حجة على التوحيد ونفي الشريك ﴿ تَتْبِيبٍ ﴾ أي تخسير ﴿ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ الناس ﴾ أي يجمعون فيه للحساب والثواب والعقاب، وإنما عبر باسم المفعول دون الفعل ليدل على ثبوت الجمع لذلك اليوم، لأن لفظ مجموع أبلغ من لفظ يجمع ﴿ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ ﴾ أي يحضره الأولون والآخرون.

<div class="verse-tafsir"

يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِۦ ۚ فَمِنْهُمْ شَقِىٌّۭ وَسَعِيدٌۭ ١٠٥ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُوا۟ فَفِى ٱلنَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌۭ وَشَهِيقٌ ١٠٦ خَـٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌۭ لِّمَا يُرِيدُ ١٠٧ ۞ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ سُعِدُوا۟ فَفِى ٱلْجَنَّةِ خَـٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَ ۖ عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍۢ ١٠٨

﴿ يَوْمَ يَأْتِ ﴾ العامل في الظرف لا تكلم أو فعل مضمر؛ وفاعل يأت ضمير يعود على يوم مشهود وقال الزمخشري يعود على الله تعالى كقوله: ﴿ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ ﴾ [الأنعام: 158] ويعضده عود الضمير عليه في قوله بإذنه ﴿ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ ﴾ الضمير يعود على أهل الموقف الذي دل عليهم قوله: لا تكلم نفس ﴿ زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ ﴾ الزفير: إخراج النفس، والشهيق ردّه، وقيل: الزفير صوت المحزون، والشهيق صوت الباكي، وقيل: الزفير من الحلق، والشهيق من الصدر ﴿ خالدين فِيهَا مَا دَامَتِ السماوات والأرض ﴾ فيه وجهان أحدهما أن يراد به سموات الآخرة وأرضها وهي دائمة أبداً، والآخر أن سكون عبارة عن التأبيد كقول العرب: ما لاح كوكب وما ناح الحمام وشبه ذلك مما يقصد به الدوام ﴿ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ ﴾ في هذا الاستثناء ثلاثة أقوال: قيل إنه على طريق التأدب مع الله كقولك: إن شاء الله، وإن كان الأمر واجباً، وقيل: المراد به زمان خروج المذنبين من النار، ويكون الذين شقوا على هذا يعم الكفار والمذنبين، وقيل: استثنى مدة كونهم في الدنيا وفي البرزخ، وأما الاستثناء في أهل الجنة فيصح فيه القول الأول والثالث دون الثاني ﴿ غَيْرَ مَجْذُوذٍ ﴾ أي غير مقطوع.

<div class="verse-tafsir"

فَلَا تَكُ فِى مِرْيَةٍۢ مِّمَّا يَعْبُدُ هَـٰٓؤُلَآءِ ۚ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُهُم مِّن قَبْلُ ۚ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍۢ ١٠٩ وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ فَٱخْتُلِفَ فِيهِ ۚ وَلَوْلَا كَلِمَةٌۭ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ ۚ وَإِنَّهُمْ لَفِى شَكٍّۢ مِّنْهُ مُرِيبٍۢ ١١٠ وَإِنَّ كُلًّۭا لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَـٰلَهُمْ ۚ إِنَّهُۥ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌۭ ١١١

﴿ فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّمَّا يَعْبُدُ هؤلاء ﴾ المرية الشك والإشارة إلى عبدة الأصنام، أي لا تشك في فساد دين هؤلاء ﴿ مَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُم ﴾ أي: هم متبعون لآبائهم تقليداً من غير برهان ﴿ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ ﴾ يعني من العذاب ﴿ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ ﴾ يعني: القدر، وذلك أن الله قضى أن يفصل بينهم يوم القيامة فلا يفصل في الدنيا ﴿ وَإِنَّ كُلاًّ ﴾ قرئ بتشديد إن وبتخفيفها، وإعمالها عمل الثقيلة، والتنوين في كل عوضاً من المضاف إليه يعني كلهم، واللام في لما موطئة للقسم، وما زائدة، وليوفينّهم خبر إن، وقرئ لما بالتشديد على أن تكون إن نافية، ولمّا بمعنى إلا ﴿ لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أعمالهم ﴾ اي جزاء أعمالهم.

<div class="verse-tafsir"

فَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا۟ ۚ إِنَّهُۥ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌۭ ١١٢ وَلَا تَرْكَنُوٓا۟ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ فَتَمَسَّكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ ١١٣ وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَىِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفًۭا مِّنَ ٱلَّيْلِ ۚ إِنَّ ٱلْحَسَنَـٰتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّٰكِرِينَ ١١٤

﴿ وَلاَ تركنوا إِلَى الذين ظَلَمُواْ ﴾ يعني: الكفار، وقيل: إنهم الظلمة من الولاة وغيرهم ﴿ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ ﴾ مستأنف غير معطوف، وإنما قال: ثم لبعد النصرة ﴿ وَأَقِمِ الصلاوة ﴾ الآية: يراد بها الصلوات المفروضة، فالطرف الأول الصبح والطرف الثاني الظهر والعصر، والزلف من الليل المغرب والعشاء ﴿ إِنَّ الحسنات يُذْهِبْنَ السيئات ﴾ لفظه عام، وخصصه أهل التأويل بأن الحسنات الصلوات الخمس، ويمكن أن يكون ذلك على وجه التمثيل، رُوي أن رجلاً قبل امرأة ثم ندم، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم وصلى معه الصلاة؛ فنزلت الآية فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أين السائل، فقال هذا انذا؛ فقال قد غُفر لك، فقال الرجل: ألي خاصة أو المسلمين عامة، فقال للمسلمين عامة، والآية على هذا مدنية، وقيل: إن الآية كانت قبل ذلك ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم للرجل مستدلاً بها، فالآية على هذا مكية كسائر السورة، وإنما تُذهب الحسنات عند الجمهور الصغائر إذا اجتنبت الكبائر ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى الصلوات، أو إلى كل ما تقدم من وعظ ووعد ووعيد.

<div class="verse-tafsir"

فَلَوْلَا كَانَ مِنَ ٱلْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُو۟لُوا۟ بَقِيَّةٍۢ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْفَسَادِ فِى ٱلْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًۭا مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ ۗ وَٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مَآ أُتْرِفُوا۟ فِيهِ وَكَانُوا۟ مُجْرِمِينَ ١١٦

﴿ فَلَوْلاَ ﴾ تحضيض بمعنى هلا ﴿ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ ﴾ أي أولو خير ودين بقي لهم دون غيرهم ﴿ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ استثناء منقطع معناه: ولكن قليلاً ممن أنجينا من القرون ينهون عن الفساد في الأرض، وقيل: هو متصل فإن الكلام الذي قبله في حكم النفي كأنه قال: ما كان فيهم من ينهى عن الفساد في الأرض إلا قليلاً، على أن الوجه في مثل هذا البدل ويجوز فيه النصب ﴿ الذين ظَلَمُواْ ﴾ يعني الذين لم ينهو عن الفساد.

<div class="verse-tafsir"

وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍۢ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ١١٧ وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةًۭ وَٰحِدَةًۭ ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ١١٨ إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ ۗ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ ١١٩ وَكُلًّۭا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِۦ فُؤَادَكَ ۚ وَجَآءَكَ فِى هَـٰذِهِ ٱلْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌۭ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ ١٢٠ وَقُل لِّلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ٱعْمَلُوا۟ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَـٰمِلُونَ ١٢١ وَٱنتَظِرُوٓا۟ إِنَّا مُنتَظِرُونَ ١٢٢

﴿ بِظُلْمٍ ﴾ هذا المجرور في موضع الحال من ربك والمعنى أنه لا يهلك أهل القرى ظالماً لهم، تعالى الله عن ذلك ﴿ وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ الناس أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ يعني مؤمنة لا خلاف بينهم في الإيمان ﴿ وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ﴾ يعني في الأديان والملل والمذاهب ﴿ ولذلك خَلَقَهُمْ ﴾ قيل: الإشارة إلى الاختلاف، وقيل: إلى الرحمة وقيل إليهما ﴿ وَكُلاًّ نَّقُصُّ ﴾ انتصب كلا بنقص وما بدل من كلا ﴿ وَجَآءَكَ فِي هذه الحق ﴾ الإشارة إلى السورة ﴿ اعملوا...

وانتظروا ﴾ تهديد لهم وإقامة حجة عليهم.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله