الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > سورة 15 الحجر > الآية ٢
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 5 دقيقة قراءةقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رُبَما ﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ " رُبَّما " مُشَدَّدَةً.
وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وعَبْدُ الوارِثِ " رُبَما " بِالتَّخْفِيفِ.
قالَ الفَرّاءُ: أسَدٌ وتَمِيمٌ يَقُولُونَ: " رُبَّما " بِالتَّشْدِيدِ، وأهْلُ الحِجازِ وكَثِيرٌ مِن قَيْسٍ يَقُولُونَ: " رُبَّما " بِالتَّخْفِيفِ.
وتَيْمُ الرَّبابِ يَقُولُونَ: " رَبَّما " بِفَتْحِ الرّاءِ.
وقِيلَ: إنَّما قُرِئَتْ بِالتَّخْفِيفِ، لِما فِيها مِنَ التَّضْعِيفِ، والحُرُوفُ المُضاعَفَةُ قَدْ تُحْذَفُ، نَحْوُ " إنَّ " و " لَكِنَّ " فَإنَّهم قَدْ خَفَّفُوها.
قالَ الزَّجّاجُ: يَقُولُونَ: رُبَّ رَجُلٍ جاءَنِي، ورُبَ رَجُلٍ جاءَنِي، وأنْشَدَ: أزُهَيْرُ إنْ يَشِبِ القَذالُ فَإنِنِي رُبَ هَيْضَلٍ مَرْسٍ لَفَفْتُ بِهَيْضَلِ هَذا البَيْتُ لِأبِي كَبِيرٍ الهُذَلِيِّ، وفي دِيوانِهِ: رُبَ هَيْضَلٍ لَجِبٍ لَفَفْتُ بِهَيْضَلِ والهَيْضَلُ: جَمْعُ هَيْضَلَةٍ، وهي الجَماعَةُ يُغْزى بِهِمْ، يَقُولُ: لَفَفْتُهم بِأعْدائِهِمْ في القِتالِ.
و " رُبَّ " كَلِمَةٌ مَوْضُوعَةٌ لِلتَّقْلِيلِ، كَما أنَّ " كَمْ " لِلتَّكْثِيرِ، وإنَّما زِيدَتْ " ما " مَعَ " رُبَّ " لِيَلِيَها الفِعْلُ، تَقُولُ: رُبَّ رَجُلٍ جاءَنِي، ورُبَّما جاءَنِي زَيْدٌ.
وقالَ الأخْفَشُ: أُدْخِلَ مَعَ " رُبَّ " ما، لِيُتَكَلَّمَ بِالفِعْلِ بَعْدَها، وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَ " ما " بِمَنزِلَةِ " شَيْءٍ "، فَكَأنَّكَ قُلْتَ: رُبَّ شَيْءٍ، أيْ: رُبَّ ودٍّ يَوَدُّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا.
وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: " ما " هاهُنا بِمَعْنى " حِينٍ " فالمَعْنى: رُبَّ حِينٍ يَوَدُّونَ فِيهِ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ مَتى يَقَعُ هَذا مِنَ الكُفّارِ، عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ في الآخِرَةِ.
ومَتى يَكُونُ ذَلِكَ ؟
فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ إذا اجْتَمَعَ أهْلُ النّارِ في النّارِ ومَعَهم مَن شاءَ اللَّهُ مِن أهْلِ القِبْلَةِ، قالَ الكُفّارُ لِلْمُسْلِمِينَ: ألَمْ تَكُونُوا مُسْلِمِينَ ؟
قالُوا: بَلى، قالُوا: فَما أغْنى عَنْكم إسْلامُكم، وقَدْ صِرْتُمْ مَعَنا في النّارِ ؟
قالُوا: كانَتْ لَنا ذُنُوبٌ فَأُخِذْنا بِها؛ فَسَمِعَ اللَّهُ ما قالُوا، فَأمَرَ بِمَن كانَ في النّارِ مِن أهْلِ القِبْلَةِ فَأُخْرِجُوا، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ الكَفّارُ، قالُوا: يا لَيْتَنا كُنّا مُسْلِمِينَ فَنُخْرَجَ كَما أُخْرِجُوا، رَواهُ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ عَنِ النَّبِيِّ ، وَذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، ومُجاهِدٌ، وعَطاءٌ، وأبُو العالِيَةِ، وإبْراهِيمُ.
والثّانِي: أنَّهُ ما يَزالُ اللَّهُ يَرْحَمُ ويَشْفَعُ حَتّى يَقُولَ: مَن كانَ مِنَ المُسْلِمِينَ فَلْيَدْخُلِ الجَنَّةَ، فَذَلِكَ حِينَ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ، رَواهُ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّ الكُفّارَ إذا عايَنُوا القِيامَةَ، ودُّوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.
والرّابِعُ: أنَّهُ كُلَّما رَأى أهْلُ الكُفْرِ حالًا مِن أحْوالِ القِيامَةِ يُعَذَّبُ فِيها الكافِرُ ويَسْلَمُ مِن مَكْرُوهِها المُؤْمِنُ، ودُّوا ذَلِكَ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ في الدُّنْيا، إذا عايَنُوا وتَبَيَّنَ لَهُمُ الضَّلالُ مِنَ الهُدى وعَلِمُوا مَصِيرَهم، ودُّوا ذَلِكَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
فَإنْ قِيلَ: إذا قُلْتُمْ: إنَّ " رُبَّ " لِلتَّقْلِيلِ، وهَذِهِ الآيَةُ خارِجَةٌ مُخْرَجَ الوَعِيدِ، فَإنَّما يُناسِبُ الوَعِيدَ تَكْثِيرُ ما يُتَواعَدُ بِهِ، فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ: أحَدُهُنَّ: أنَّ " رُبَّما " تَقَعُ عَلى التَّقْلِيلِ والتَّكْثِيرِ، كَما يَقَعُ النّاهِلُ عَلى العَطْشانِ والرَّيّانِ، والجَوْنُ عَلى الأسْوَدِ والأبْيَضِ.
والثّانِي: أنَّ أهْوالَ القِيامَةِ وما يَقَعُ بِهِمْ مِنَ الأهْوالِ تَكْثُرُ عَلَيْهِمْ، فَإذا عادَتْ إلَيْهِمْ عُقُولُهم، ودُّوا ذَلِكَ.
والثّالِثُ: أنَّ هَذا الَّذِي خُوِّفُوا بِهِ، لَوْ كانَ مِمّا يُوَدُّ في حالٍ واحِدَةٍ مِن أحْوالِ العَذابِ، أوْ كانَ الإنْسانُ يَخافُ النَّدَمَ إذا حَصَلَ فِيهِ ولا يَتَيَقَّنُهُ، لَوَجَبَ عَلَيْهِ اجْتِنابُهُ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ جاءَ بَعْدَ " رُبَّما " مُسْتَقْبَلٌ، وسَبِيلُها أنْ يَأْتِيَ بَعْدَها الماضِي، تَقُولُ: رُبَّما لَقِيتُ عَبْدَ اللهِ ؟
فالجَوابُ: أنَّ ما وعَدَ اللَّهُ حَقٌّ، فَمُسْتَقْبَلُهُ بِمَنزِلَةِ الماضِي، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ وَإذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ وَنادى أصْحابُ الجَنَّةِ ﴾ ﴿ وَلَوْ تَرى إذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ ﴾ ، عَلى أنَّ الكِسائِيَّ والفَرّاءَ حَكَيا عَنِ العَرَبِ أنَّهم يَقُولُونَ: رُبَّما يَنْدَمُ فُلانٌ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ رُبَّما تَجْزَعُ النُّفُوسُ مِنَ الأمْـ ∗∗∗ ـرِ لَهُ فُرْجَةٌ كَحَلِّ العِقالِ <div class="verse-tafsir"