الإسلام > القرآن > سور > سورة 15 الحجر > الآية ٢ من سورة الحجر
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 150 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢ من سورة الحجر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ) إخبار عنهم أنهم سيندمون على ما كانوا فيه من الكفر ، ويتمنون لو كانوا مع المسلمين في الدار الدنيا .
ونقل السدي في تفسيره بسنده المشهور عن ابن عباس ، وابن مسعود ، وغيرهما من الصحابة : أن الكفار لما عرضوا على النار ، تمنوا أن لو كانوا مسلمين .
وقيل : المراد أن كل كافر يود عند احتضاره أن لو كان مؤمنا .
وقيل : هذا إخبار عن يوم القيامة ، كما في قوله تعالى : ( ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين ) [ الأنعام : 27 ] وقال سفيان الثوري : عن سلمة بن كهيل ، عن أبي الزعراء ، عن عبد الله في قوله : ( ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ) قال : هذا في الجهنميين إذ رأوهم يخرجون من النار .
وقال ابن جرير : حدثنا المثنى ، حدثنا مسلم ، حدثنا القاسم ، حدثنا ابن أبي فروة العبدي أن ابن عباس وأنس بن مالك كانا يتأولان هذه الآية : ( ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ) يتأولانها : يوم يحبس الله أهل الخطايا من المسلمين مع المشركين في النار .
قال : فيقول لهم المشركون : ما أغنى عنكم ما كنتم تعبدون في الدنيا .
قال : فيغضب الله لهم بفضل رحمته ، فيخرجهم ، فذلك حين يقول : ( ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ) وقال عبد الرزاق : أخبرنا الثوري ، عن حماد ، عن إبراهيم ، عن خصيف ، عن مجاهد قالا : يقول أهل النار للموحدين : ما أغنى عنكم إيمانكم ؟
فإذا قالوا ذلك ، قال : أخرجوا من كان في قلبه مثقال ذرة ، قال : فعند ذلك قوله : ( [ ربما ] يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ) وهكذا روي عن الضحاك ، وقتادة ، وأبي العالية ، وغيرهم .
وقد ورد في ذلك أحاديث مرفوعة ، فقال الحافظ أبو القاسم الطبراني .
حدثنا محمد بن العباس هو الأخرم ، حدثنا محمد بن منصور الطوسي ، حدثنا صالح بن إسحاق الجهبذ - دلني عليه يحيى بن معين - حدثنا معرف بن واصل ، عن يعقوب بن أبي نباتة عن عبد الرحمن الأغر ، عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إن ناسا من أهل لا إله إلا الله يدخلون النار بذنوبهم ، فيقول لهم أهل اللات والعزى : ما أغنى عنكم قولكم : لا إله إلا الله وأنتم معنا في النار ، فيغضب الله لهم ، فيخرجهم ، فيلقيهم في نهر الحياة ، فيبرءون من حرقهم كما يبرأ القمر من خسوفه ، فيدخلون الجنة ، ويسمون فيها الجهنميين " فقال رجل : يا أنس ، أنت سمعت هذا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟
فقال أنس : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار " .
نعم ، أنا سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول هذا .
ثم قال الطبراني : تفرد به الجهبذ الحديث الثاني : وقال الطبراني أيضا : حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، حدثنا أبو الشعثاء علي بن حسن الواسطي ، حدثنا خالد بن نافع الأشعري ، عن سعيد بن أبي بردة ، عن أبيه ، عن أبي موسى - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إذا اجتمع أهل النار في النار ، ومعهم من شاء الله من أهل القبلة ، قال الكفار للمسلمين : ألم تكونوا مسلمين ؟
قالوا : بلى .
قالوا : فما أغنى عنكم الإسلام !
فقد صرتم معنا في النار ؟
قالوا : كانت لنا ذنوب فأخذنا بها .
فسمع الله ما قالوا ، فأمر بمن كان في النار من أهل القبلة فأخرجوا ، فلما رأى ذلك من بقي من الكفار قالوا : يا ليتنا كنا مسلمين فنخرج كما خرجوا " .
قال : ثم قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ( الر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ) ورواه ابن أبي حاتم من حديث خالد بن نافع به ، وزاد فيه : ( بسم الله الرحمن الرحيم ) ، عوض الاستعاذة .
الحديث الثالث : وقال الطبراني أيضا : حدثنا موسى بن هارون ، حدثنا إسحاق بن راهويه قال : قلت لأبي أسامة : أحدثكم أبو روق - واسمه عطية بن الحارث - : حدثني صالح بن أبي طريف قال : سألت أبا سعيد الخدري فقلت له : هل سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول في هذه الآية : ( ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ) ؟
قال : نعم ، سمعته يقول : " يخرج الله ناسا من المؤمنين من النار بعدما يأخذ نقمته منهم " .
وقال : " لما أدخلهم الله النار مع المشركين قال لهم المشركون : تزعمون أنكم أولياء الله في الدنيا ، فما بالكم معنا في النار ؟
فإذا سمع الله ذلك منهم ، أذن في الشفاعة لهم فتشفع الملائكة والنبيون ، ويشفع المؤمنون ، حتى يخرجوا بإذن الله ، فإذا رأى المشركون ذلك ، قالوا : يا ليتنا كنا مثلهم ، فتدركنا الشفاعة ، فنخرج معهم " .
قال : " فذلك قول الله : ( ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ) فيسمون في الجنة الجهنميين من أجل سواد في وجوههم ، فيقولون : يا رب ، أذهب عنا هذا الاسم ، فيأمرهم فيغتسلون في نهر الجنة ، فيذهب ذلك الاسم عنهم " ، فأقر به أبو أسامة ، وقال : نعم .
الحديث الرابع وقال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين ، حدثنا العباس بن الوليد النرسي حدثنا مسكين أبو فاطمة ، حدثني اليمان بن يزيد ، عن محمد بن حمير عن محمد بن علي ، عن أبيه ، عن جده قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " منهم من تأخذه النار إلى ركبتيه ، ومنهم من تأخذه النار إلى حجزته ، ومنهم من تأخذه النار إلى عنقه ، على قدر ذنوبهم وأعمالهم ، ومنهم من يمكث فيها شهرا ثم يخرج منها ، ومنهم من يمكث فيها سنة ثم يخرج منها ، وأطولهم فيها مكثا بقدر الدنيا منذ يوم خلقت إلى أن تفنى ، فإذا أراد الله أن يخرجوا منها قالت اليهود والنصارى ومن في النار من أهل الأديان والأوثان لمن في النار من أهل التوحيد : آمنتم بالله وكتبه ورسله ، فنحن وأنتم اليوم في النار سواء ، فيغضب الله لهم غضبا لم يغضبه لشيء فيما مضى ، فيخرجهم إلى عين في الجنة ، وهو قوله : ( ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ) .
اختلفت القراء في قراءة قوله ( رُبَمَا ) فقرأت ذلك عامة قرّاء أهل المدينة وبعض الكوفيين ( رُبَمَا ) بتخفيف الباء، وقرأته عامة قرّاء الكوفة والبصرة بتشديدها.
والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إنهما قراءتان مشهورتان ، ولغتان معروفتان بمعنى واحد، قد قرأ بكلّ واحدة منهما أئمة من القرّاء، فبأيتهما قرأ القارئ فهو مصيب.
واختلف أهل العربية في معنى " ما " التي مع " ربّ"، فقال بعض نحويي البصرة: أدخل مع ربّ " ما " ليتكلم بالفعل بعدها، وإن شئت جعلت " ما " بمنـزلة شيء، فكأنك قلت: ربّ شيء، يود: أي ربّ ودّ يودّه الذين كفروا.
وقد أنكر ذلك من قوله بعض نحويِّي الكوفة، وقال: المصدر لا يحتاج إلى عائد، والودّ قد وقع على " لو "، ربما يودون لو كانوا: أن يكونوا ، قال: وإذا أضمر الهاء في " لو " فليس بمفعول، وهو موضع المفعول، ولا ينبغي أن يترجم المصدر بشيء، وقد ترجمه بشيء، ثم جعله ودّا، ثم أعاد عليه عائدا.
فكان الكسائي والفرّاء يقولان: لا تكاد العرب توقع " ربّ" على مستقبل، وإنما يوقعونها على الماضي من الفعل كقولهم: ربما فعلت كذا، وربما جاءني أخوك ، قالا وجاء في القرآن مع المستقبل: ربما يودّ، وإنما جاز ذلك لأن ما كان في القرآن من وعد ووعيد وما فيه، فهو حقّ كأنه عيان، فجرى الكلام فيما لم يكن بعد مجراه فيما كان، كما قيل وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وقوله وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ كأنه ماض وهو منتظر لصدقه في المعنى، وأنه لا مكذّب له، وأن القائل لا يقول إذا نَهَى أو أمر فعصاه المأمور يقول: أما والله لربّ ندامة لك تذكر قولي فيها لعلمه بأنه سيندم، والله ووعده أصدق من قول المخلوقين.
وقد يجوز أن يصحب ربما الدائم وإن كان في لفظ يفعل، يقال: ربما يموت الرجل فلا يوجد له كفن، وإن أُوليت الأسماء كان معها ضمير كان، كما قال أبو داود: رُبَّمَــا الجــامِلُ المُــؤَبَّل فِيهِــمُ وعنـــاجِيجُ بَيْنَهُـــنَّ المِهَـــارُ (1) فتأويل الكلام: ربما يودّ الذين كفروا بالله فجحدوا وحدانيته لو كانوا في دار الدنيا مسلمين.
كما حدثنا عليّ بن سعيد بن مسروق الكندي، قال: ثنا خالد بن نافع الأشعري، عن سعيد بن أبي بردة، عن أبي بردة، عن أبي موسى، قال: بلغنا أنه إذا كان يوم القيامة، واجتمع أهل النار في النار ومعهم من شاء الله من أهل القبلة، قال الكفار لمن في النار من أهل القبلة: ألستم مسلمين؟
قالوا: بلى، قالوا: فما أغنى عنكم إسلامكم وقد صرتم معنا في النار؟
قالوا: كانت لنا ذنوب فأخذنا بها ، فسمع الله ما قالوا، فأمر بكل من كان من أهل القبلة في النار فأخرجوا، فقال من في النار من الكفار: يا ليتنا كنا مسلمين ، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ * رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ .
حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا عمرو بن الهيثم أبو قَطن القُطْعيّ، ورَوح القيسيّ، وعفان بن مسلم واللفظ لأبي قَطن قالوا: ثنا القاسم بن الفضل بن عبد الله بن أبي جروة، قال: كان ابن عباس وأنس بن مالك يتأولان هذه الآية ( رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ) قالا ذلك يوم يجمع الله أهل الخطايا من المسلمين والمشركين في النار.
وقال عفان: حين يحبس أهل الخطايا من المسلمين والمشركين ، فيقول المشركون: ما أغنى عنكم ما كنتم تعبدون ، زاد أبو قطن: قد جُمِعنا وإياكم ، وقال أبو قَطن وعفان: فيغضب الله لهم بفضل رحمته ، ولم يقله روح بن عبادة ، وقالوا جميعا: فيخرجهم الله، وذلك حين يقول الله ( رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ).
حدثنا الحسن، قال: ثنا عفان، قال: ثنا أبو عوانة، قال: ثنا عطاء بن السائب، عن مجاهد، عن ابن عباس، في قوله ( رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ) قال: يدخل الجنة ويرحم حتى يقول في آخر ذلك: من كان مسلما فليدخل الجنة ، قال: فذلك قوله ( رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ).
حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله ( رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ) ذلك يوم القيامة يتمنى الذين كفروا لو كانوا موحدين.
حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان عن سلمة بن كهيل، عن أبي الزعراء، عن عبد الله، في قوله ( رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ) قال: هذا في الجهنميين إذا رأوهم يخرجون من النار.
حدثني المثنى، قال: أخبرنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا ابن أبي فروة العبدي أن ابن عباس وأنس بن مالك كانا يتأوّلان هذه الآية ( رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ) يتأوّلانها يوم يحبس الله أهل الخطايا من المسلمين مع المشركين في النار، قال: فيقول لهم المشركون: ما أغنى عنكم ما كنتم تعبدون في الدنيا، قال: فيغضب الله لهم بفضل رحمته، فيخرجهم، فذلك حين يقول ( رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ) حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عطاء بن السائب، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: ما يزال الله يُدخل الجنة، ويرحم ويشفع حتى يقولَ: من كان من المسلمين فليدخل الجنة ، فذلك قوله ( رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ).
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، عن هشام الدَّستوائي، قال: ثنا حماد، قال: سألت إبراهيم عن هذه الآية ( رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ) قال: حدثت أن المشركين قالوا لمن دخل النار من المسلمين: ما أغنى عنكم ما كنتم تعبدون ، قال: فيغضب الله لهم، فيقول للملائكة والنبيين: اشفعوا ، فيشفعون، فيخرجون من النار، حتى إن إبليس ليتطاول رجاء أن يخرج معهم ، قال: فعند ذلك يودّ الذين كفروا لو كانوا مسلمين.
حدثني المثنى، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، عن إبراهيم، أنه قال في قول الله عزّ وجلّ: ( رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ) قال: يقول من في النار من المشركين للمسلمين: ما أغنت عنكم " لا إله إلا الله " قال: فيغضب الله لهم، فيقول: من كان مسلما فليخرج من النار ، قال: فعند ذلك ( يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ).
حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن حماد، عن إبراهيم في قوله ( رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ) قال: إن أهل النار يقولون: كنا أهل شرك وكفر، فما شأن هؤلاء الموحدين ما أغنى عنهم عبادتهم إياه ، قال: فيخرج من النار من كان فيها من المسلمين.
قال: فعند ذلك ( يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ).
حدثنا الحسن بن يحيى، أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوريّ، عن حماد، عن إبراهيم، عن خصيف، عن مجاهد، قال: يقول أهل النار للموحدين: ما أغنى عنكم إيمانكم؟
قال: فإذا قالوا ذلك، قال: أخرجوا من كان في قلبه مثقال ذرّة ، فعند ذلك ( يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ).
حدثني المثنى، قال: ثنا مسلم، قال: ثنا هشام، عن حماد، قال: سألت إبراهيم عن قول الله عزّ وجلّ( رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ) قال: الكفار يعيرون أهل التوحيد: ما أغنى عنكم لا إله إلا الله ، فيغضب الله لهم، فيأمر النبيين والملائكة فيشفعون، فيخرج أهل التوحيد، حتى إن إبليس ليتطاول رجاء أن يخرج، فذلك قوله ( رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ).
حدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا عبد السلام، عن خصيف، عن مجاهد، قال: هذا في الجهنميين، إذا رأوهم يخرجون من النار ( يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ).
حدثني المثنى، قال: ثنا الحجاج بن المنهال، قال: ثنا حماد، عن عطاء بن السائب، عن مجاهد، قال: إذا فرغ الله من القضاء بين خلقه، قال: من كان مسلما فليدخل الجنة ، فعند ذلك ( يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ).
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، وحدثني الحسن، قال: ثنا شبابة، قال: ثنا ورقاء، وحدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ( رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ) قال: يوم القيامة.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن جويبر، عن الضحاك في قوله ( رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ) قال: فيها وجهان اثنان، يقولون: إذا حضر الكافر الموت ودّ لو كان مسلما.
ويقول آخرون: بل يعذّب الله ناسا من أهل التوحيد في النار بذنوبهم، فيعرفهم المشركون فيقولون: ما أغنت عنكم عبادة ربكم ، وقد ألقاكم في النار ، فيغضب لهم فيخرجهم، فيقول ( رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ).
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، في قوله ( رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ) قال: نـزلت في الذين يخرجون من النار.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ) وذلك والله يوم القيامة، ودّوا لو كانوا في الدنيا مسلمين.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ( رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ) (2) .
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عطاء، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: ما يزال الله يدخل الجنة ويشفع حتى يقول: من كان من المسلمين فليدخل الجنة ، فذلك حين يقول ( رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ).
------------------------ الهوامش: (1) البيت لأبي داود الإيادي ( خزانة الأدب 4 : 188 ) وهو شاهد على أن رب المكفوفة بما لا تدخل إلا على الفعل عند سيبويه ، وهذا البيت شاذ عنده ، لدخول رب المكفوفة فيه على الجملة الإسمية ، فإن الجامل مبتدأ والمؤبل صفة وفيهم هو الخبر ، وتكون رب كما قال أبو حيان من حروف الابتداء ، تدخل على الجمل فعلية أو اسمية للقصد إلى تقليل النسبة المفهومة من الجملة ، فإذا قلت : ربما قام زيد فكأنك قللت النسبة المفهومة من قيام زيد ، وكذلك إذا قلت ربما زيد شاعر ، قللت نسبة شعر زيد ، وعن بعضهم أن رب المكفوفة نقلت من معنى التقليل إلى معنى التحقيق ، كما نقلت قد الداخلة على المضارع في نحو قوله تعالى " قد يعلم ما أنتم عليه " من معنى التقليل إلى معنى التحقيق .
ودخولها على الجملة الاسمية مذهب المبرد والزمخشري وابن مالك .
والجامل : الجماعة من الإبل ، لا واحد لها من لفظها ويقال إبل مؤبلة : إذا كان للقنية ، والعناجيج : الخيل الطوال الأعناق ، واحدها : عنجوج ، والمهار : جمع مهر ، وهو ولد الفرس ، والأنثى مهرة .
(2) أي بمثل حديث بشر قبله ، لأن كلا الإسنادين ينتهي إلى قتادة .
قوله تعالى : ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين رب لا تدخل على الفعل ، فإذا لحقتها " ما " هيأتها للدخول على الفعل تقول : ربما قام زيد ، وربما يقوم زيد .
ويجوز أن تكون ما نكرة بمعنى شيء ، ويود صفة له ; أي رب شيء يود الكافر .
وقرأ نافع وعاصم ربما مخفف الباء .
الباقون مشددة ، وهما لغتان .
قال أبو حاتم : أهل الحجاز يخففون ربما ; قال الشاعر :ربما ضربة بسيف صقيل بين بصرى وطعنة نجلاءوتميم وقيس وربيعة يثقلونها .
وحكي فيها : ربما وربما ، وربتما وربتما ، بتخفيف الباء وتشديدها أيضا .
وأصلها أن تستعمل في القليل وقد تستعمل في الكثير ; أي يود الكفار في أوقات كثيرة لو كانوا مسلمين ; قاله الكوفيون .
ومنه قول الشاعر :ألا ربما أهدت لك العين نظرة قصاراك منها أنها عنك لا تجديوقال بعضهم : هي للتقليل في هذا الموضع ; لأنهم قالوا ذلك في بعض المواضع لا في كلها ; لشغلهم بالعذاب ، والله أعلم .
قال : ربما يود وهي إنما تكون لما وقع ; لأنه لصدق [ ص: 4 ] الوعد كأنه عيان قد كان .
وخرج الطبراني أبو القاسم من حديث جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن ناسا من أمتي يدخلون النار بذنوبهم فيكونون في النار ما شاء الله أن يكونوا ثم يعيرهم أهل الشرك فيقولون ما نرى ما كنتم تخالفونا فيه من تصديقكم وإيمانكم نفعكم فلا يبقى موحد إلا أخرجه الله من النار - ثم قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - - ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين .
قال الحسن " إذا رأى المشركون المسلمين وقد دخلوا الجنة ومأواهم في النار تمنوا أنهم كانوا مسلمين .
وقال الضحاك : هذا التمني إنما هو عند المعاينة في الدنيا حين تبين لهم الهدى من الضلالة .
وقيل : في القيامة إذا رأوا كرامة المؤمنين وذل الكافرين .
فأما من قابل هذه النعمة العظيمة بردها والكفر بها، فإنه من المكذبين الضالين، الذين سيأتي عليهم وقت يتمنون أنهم مسلمون، أي: منقادون لأحكامه وذلك حين ينكشف الغطاء وتظهر أوائل الآخرة ومقدمات الموت، فإنهم في أحوال الآخرة كلها يتمنون أنهم مسلمون، وقد فات وقت الإمكان، ولكنهم في هذه الدنيا مغترون.
( ربما ) قرأ أبو جعفر ، ونافع ، وعاصم بتخفيف الباء والباقون بتشديدها ، وهما لغتان ، ورب للتقليل وكم للتكثير ، ورب تدخل على الاسم ، وربما على الفعل ، يقال : رب رجل جاءني ، وربما جاءني رجل ، وأدخل ما هاهنا للفعل بعدها .
( يود ) يتمنى ( الذين كفروا لو كانوا مسلمين ) .
واختلفوا في الحال التي يتمنى الكافر فيها الإسلام .
قال الضحاك : حالة المعاينة .
وقيل : يوم القيامة .
والمشهور أنه حين يخرج الله المؤمنين من النار .
وروي عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا اجتمع أهل النار في النار ، ومعهم من شاء الله من أهل القبلة ، قال الكفار لمن في النار من أهل القبلة : ألستم مسلمين ؟
قالوا بلى ، قالوا : فما أغنى عنكم إسلامكم وأنتم معنا في النار ؟
قالوا : كانت لنا ذنوب فأخذنا بها ، فيغضب الله تعالى لهم [ بفضل رحمته ] فيأمر بكل من كان من أهل القبلة في النار فيخرجون منها ، فحينئذ يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين .
فإن قيل : كيف قال " ربما " وهي للتقليل وهذا التمني يكثر منه الكفار ؟
قلنا : قد تذكر " ربما " للتكثير ، أو أراد : أن شغلهم بالعذاب لا يفرغهم للندامة إنما يخطر ذلك ببالهم أحيانا .
«رُبَّمَا» بالتشديد والتخفيف «يود» يتمنى «الذين كفروا» يوم القيامة إذا عاينوا حالهم وحال المسلمين «لو كانوا مسلمين» ورب للتكثير فإنه يكثر منهم تمني ذلك وقيل للتقليل فإن الأهوال تدهشهم فلا يفيقون حتى يتمنوا ذلك إلا في أحيان قليلة.
سيتمنى الكفار حين يرون خروج عصاة المؤمنين من النار أن لو كانوا موحدين؛ ليخرجوا كما خرجوا.
ثم بين - سبحانه - أن الكافرين سيندمون بسبب كفرهم فى وقت لا ينفع فيه الندم ، فقال - تعالى - : ( رُّبَمَا يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ ) قال الشوكانى ما ملخصه : قرأ نافع وعاصم بتخفيف الباء من ( ربما ) ، وقرأ الباقون بتشديدها .
.
وأصلها أن تستعمل فى القليل وقد تستعمل فى الكثير .قال الكوفيون : أى يود الكفار فى أوقات كثيرة لو كانوا مسلمين .وقيل : " هى هنا للتقليل ، لأنهم ودوا ذلك فى بعض المواضع لا فى كلها لشغلهم بالعذاب .
.
.
.
" .وقد حاول بعض المفسرين الجمع بين القولين فقال : من قال بأن ( ربما ) هنا للتكثير نظر إلى كثرة تمنيهم أن لو كانوا مؤمنين ، ومن قال بأنها للتقليل نظر إلى قلة زمان إفاقتهم من العذاب بالنسبة إلى زمان دهشتهم منه ، وهذا لا ينافى أن التمنى يقع كثيراً منهم فى زمن إفاقتهم القليل ، فلا تخالف بين القولين .والمعنى : ود الذين كفروا عندما تنكشف لهم الحقائق ، فيعرفون أنهم على الباطل ، وأن المؤمنين على الحق ، أن لو كانوا مسلمين ، حتى ينجوا من الخزى والعقاب .ودخلت ( رب ) هنا على الفعل المضارع ( يود ) مع اختصاصها بالدخول على الفعل الماضى ، للإِشارة إلى أن أخبار الله - تعالى - بمنزلة الواقع المحقق سواء أكانت للمستقبل أم لغيره .قال صاحب الكشاف : " فإن قلت : لم دخلت على المضارع وقد أبوا دخولها إلا على الماضى؟
قلت : لأن المترقب فى أخبار الله - تعالى - بمنزلة الماضى المقطوع به فى تحققه ، فكأنه قيل : " ربما ود الذين كفروا .
.
" " .و ( لو ) فى قوله ( لو كانوا مسلمين ) يصح أن تكون امتناعية ، وجوابها محذوف ، والتقدير : لو كانوا مسلمين لسروا بذلك .ويصح أن تكون مصدرية ، والتقدير : ود الذين كفروا كونهم مسلمين .وعلى كلا المعنيين فهى مستعملة فى التمنى الذى هو طلب حصول الأمر الممتنع الحصول .وقال - سبحانه - ( لو كانوا .
.
.
) بفعل الكون الماضى ، للإِشعار بأنهم يودون الدخول فى الإِسلام ، بعد مضى وقت التمكن من الدخول فيه .وعبر - سبحانه - عن متمناهم بالغيبة ( كانوا ) ، نظراً لأن الكلام مسوق بصدد الإِخبار عنهم ، وليس بصدد الصدور منهم ، ولو كان كذلك لقيل : لو كنا مسلمين .هذا ، وللمفسرين أقوال فى الوقت الذى ود فيه الكافرون أن لو كانوا مسلمين ، فمنهم من يرى أن ودادتهم هذه تكون فى الدنيا ، ومنهم من يرى أنها تكون عند الموت ، ومنهم من يرى أنها تكون عند الحساب ، وعند عفو الله عن عصاة المؤمنين .والحق أن هذه الودادة تكون فى كل موطن يعرف فيه الكافرون بطلان كفرهم ، وفى كل وقت ينكشف لهم فيه أن الإِسلام هو الدين الحق .فهم تمنوا أن لو كانوا مسلمين فى الدنيا ، عندما رأوا نصر الله لعباده المؤمنين ، فى غزوة بدر وفى غزوة الفتح وفى غيرهما ، فعن ابن مسعود - رضى الله عنه - : " ود كفار قريش ذلك يوم بدر حين رأوا نصر الله للمسلمين " .وهم تمنوا ذلك عند الموت كما حكى عنهم - سبحانه - ذلك فى آيات كثيرة منها قوله - تعالى - : ( حتى إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ الموت قَالَ رَبِّ ارجعون لعلي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ .
.
.
) وهم يتمنون ذلك عندما يعرضون على النار يوم القيامة .
قال - تعالى - ( وَلَوْ ترى إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النار فَقَالُواْ ياليتنا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ المؤمنين ) وهم يتمنون ذلك عندما يرون عصاة المؤمنين ، وقد أخرجهم الله - تعالى برحمته من النار .وقد ذكر الإِمام ابن كثير هنا جملة من الأحاديث الدالة على ذلك منها : ما أخرجه الطبرانى عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن ناساً من أهل " لا إله إلا الله " يدخلون النار بذنوبهم ، فيقول لهم أهل اللات والعزى : ما أغنى عنكم قولكم " لا إله إلا الله " وأنتم معنا فى النار؟
قال فيغضب الله لهم ، فيخرجهم ، فيلقيهم فى نهر الحياة فيبرأون من حرقهم كما يبرأ القمر من خسوفه ، فيدخلون الجنة .
ويسمون فيها الجهنميين " .فقال رجل : يا أنس ، أنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
فقال أنس : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من كذب على متعمداً فليتبوأ مقعده من النار " نعم ، أنا سمعت النبى صلى الله عليه وسلم يقول هذا .قال بعض العلماء : وأقوال العلماء فى هذا الآية راجعة إلى شئ واحد ، لأن من يقول : إن الكافر إذا احتضر تمنى أن لو كان مسلماً ، ومن يقول : إنه إذا عاين النار تمنى أن لو كان مسلماً .
.
كل ذلك راجع إلى أن الكفار إذا عاينوا الحقيقية ندموا على الكفر وتمنوا أنهم لو كانوا مسلمين .وفى هذه الآية ما فيها من تثبيت المؤمنين ، ومن تبشيرهم بأنه على الحق ، ومن حض للكافرين على الدخول فى الإِسلام قبل فوات الأوان ، ومن تحذير لهم من سوء عاقبة الكفر والطغيان .
اعلم أن قوله: ﴿ تِلْكَ ﴾ إشارة إلى ما تضمنته السورة من الآيات.
والمراد بالكتاب والقرآن المبين الكتاب الذي وعد الله تعالى به محمداً صلى الله عليه وسلم وتنكير القرآن للتفخيم، والمعنى: تلك الآيات آيات ذلك الكتاب الكامل في كونه كتاباً وفي كونه قرآناً مفيداً للبيان.
أما قوله: ﴿ رُّبَمَا يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ نافع وعاصم ﴿ رُّبَمَا ﴾ خفيفة الباء والباقون مشددة قال أبو حاتم: أهل الحجاز يخففون ربما، وقيس وبكر يثقلونها، وأقول في هذه اللفظة لغات، وذلك لأن الراء من رب وردت مضمومة ومفتوحة، أما إذا كانت مضمومة فالباء قد وردت مشددة ومخففة وساكنة وعلى كل التقديرات تارة مع حرف ما، وتارة بدونها وأيضاً تارة مع التاء وتارة بدونها وأنشدوا: أسمى ما يدريك أن رب فتية *** باكرت لذتهم بأذكر مسرع ورب بتسكين الباء وأنشدوا بيت الهذلي: أزهير أن يشب القذال فإنني *** رب هيضل مرس كففت بهيضل والهيضل جماعة متسلحة، وأيضاً هذه الكلمة قد تجيء حالتي تشديد الباء وتخفيفها مع حرف ما كقولك: ربما وربما وتارة مع التاء، وحرف ما كقولك: ربتما وربتما هذا كله إذا كانت الراء من رب مضمومة وقد تكون مفتوحة، فيقال: رب وربما وربتما حكاه قطرب قال أبو علي: من الحروف ما دخل عليه حرف التأنيث، نحو: ثم وثمت، ورب وربت، ولا ولات، فهذه اللغات بأسرها رواها الواحدي في البسيط.
المسألة الثانية: رب حرف جر عند سيبويه، ويلحقها ما على وجهين: أحدهما: أن تكون نكرة بمعنى شيء، وذلك كقوله: رب ما تكره النفوس من الأم *** ر له فرجة كحل العقال فما في هذا البيت اسم والدليل عليه عود الضمير إليه من الصفة، فإن المعنى رب شيء تكرهه النفوس وإذا عاد الضمير إليه كان اسماً ولم يكن حرفاً، كما أن قوله تعالى: ﴿ أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ ﴾ لما عاد الضمير إليه علمنا بذلك أنه اسم، ومما يدل على أن ماء قد يكون اسماً إذا وقعت بعد رب وقوع من بعدها في قول الشاعر: يا رب من ينقص أزوادنا *** رحن على نقصانه واغتدين فكما دخلت رب على كلمة من وكانت نكرة، فكذلك تدخل على كلمة (ما) فهذا ضرب والضرب الآخر أن تدخل ما كافة كما في هذه الآية والنحويون يسمون ما هذه الكافة يريدون أنها بدخلوها كفت الحرف عن العمل الذي كان له، وإذا حصل هذا الكف فحينئذ تتهيأ للدخول على ما لم تكن تدخل عليه، ألا ترى أن رب إنما تدخل على الإسم المفرد نحو رب رجل يقول ذاك ولا تدخل على الفعل، فلما دخلت ما عليها هيأتها للدخول على الفعل كهذه الآية، والله أعلم.
المسألة الثالثة: اتفقوا على أن رب موضوعة للتقليل، وهي في التقليل نظيرة كم في التكثير، فإذا قال الرجل: ربما زارنا فلان، دل ربما على تقليله الزيارة.
قال الزجاج: ومن قال إن رب يعني بها الكثرة، فهو ضد ما يعرفه أهل اللغة، وعلى هذا التقدير: فهاهنا سؤال، وهو أن تمني الكافر الإسلام مقطوع به، وكلما رب تفيد الظن، وأيضاً أن ذلك التمني يكثر ويتصل، فلا يليق به لفظة ﴿ رُّبَمَا ﴾ مع أنها تفيد التقليل.
والجواب عنه من وجوه: الوجه الأول: أن من عادة العرب أنهم إذا أرادوا التكثير ذكروا لفظاً وضع للتقليل، وإذا أرادوا اليقين ذكروا لفظاً وضع للشك، والمقصود منه: إظهار التوقع والاستغناء عن التصريح بالغرض، فيقولون: ربما ندمت على ما فعلت، ولعلك تندم على فعلك، وإن كان العلم حاصلاً بكثرة الندم ووجوده بغير شك، ومنه قول القائل: قد أترك القرن مصفراً أنامله *** والوجه الثاني: في الجواب أن هذا التقليل أبلغ في التهديد، ومعناه: أنه يكفيك قليل الندم في كونه زاجراً عن هذا الفعل فكيف كثيره؟
والوجه الثالث: في الجواب أن يشغلهم العذاب عن تمني ذاك إلا في القليل.
المسألة الرابعة: اتفقوا على أن كلمة رب مختصة بالدخول على الماضي كما يقال: ربما قصدني عبد الله، ولا يكاد يستعمل المستقبل بعدها.
وقال بعضهم: ليس الأمر كذلك والدليل عليه قول الشاعر: ربما تكره النفوس من الأمر *** وهذا الاستدلال ضعيف، لأنا بينا أن كلمة رب في هذا البيت داخلة على الاسم وكلامنا في أنها إذا دخلت على الفعل وجب كون ذلك الفعل ماضياً، فأين أحدهما من الآخر؟
إلا أني أقول قول هؤلاء الأدباء إنه لا يجوز دخول هذه الكلمة على الفعل المستقبل لا يمكن تصحيحه بالدليل العقلي، وإنما الرجوع فيه إلى النقل والاستعمال، ولو أنهم وجدوا بيتاً مشتملاً على هذا الاستعمال لقالوا إنه جائز صحيح وكلام الله أقوى وأجل وأشرف، فلم لم يتمسكوا بوروده في هذه الآية على جوازه وصحته.
ثم نقول إن الأدباء أجابوا عن هذا السؤال من وجهين: الأول: قالوا: إن المترقب في أخبار الله تعالى بمنزلة الماضي المقطوع به في تحققه، فكأنه قيل: ربما ودوا.
الثاني: أن كلمة ما في قوله: ﴿ رُّبَمَا يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ ﴾ اسم و ﴿ يَوَدُّ ﴾ صفة له، والتقدير: رب شيء يوده الذين كفروا.
قال الزجاج: ومن زعم أن الآية على إضمار كان وتقديره ربما يود الذين كفروا فقد خرج بذلك عن قول سيبويه ألا ترى أن كان لا تضمر عنده ولم يجز عبد الله المقبول وأنت تريد كان عبد الله المقبول.
المسألة الخامسة: في تفسير الآية وجوه على مذهب المفسرين فإن كل أحد حمل قوله: ﴿ رُّبَمَا يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ ﴾ على محمل آخر، والأصح ما قاله الزجاج فإنه قال: الكافر كلما رأى حالاً من أحوال العذاب ورأى حالاً من أحوال المسلم ود لو كان مسلماً، وهذا الوجه هو الأصح.
وأما المتقدمون فقد ذكروا وجوهاً.
قال الضحاك: المراد منه ما يكون عند الموت، فإن الكافر إذا شاهد علامات العقاب ود لو كان مسلماً.
وقيل: إن هذه الحالة تحصل إذا اسودت وجوههم، وقيل: بل عند دخولهم النار ونزول العذاب، فإنهم يقولون: ﴿ أَخّرْنَا إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرسل ﴾ وروى أبو موسى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا كان يوم القيامة واجتمع أهل النار في النار ومعهم من شاء الله من أهل القبلة قال الكفار لهم: ألستم مسلمين؟
قالوا بلى، قالوا: فما أغنى عنكم إسلامكم، وقد صرتم معنا في النار، فيتفضل الله تعالى بفضل رحمته، فيأمر بإخراج كل من كان من أهل القبلة من النار، فيخرجون منها، فحينئذ يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين» وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية.
وعلى هذا القول أكثر المفسرين، وروى مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ما يزال الله يرحم المؤمنين، ويخرجهم من النار، ويدخلهم الجنة بشفاعة الأنبياء والملائكة، حتى أنه تعالى في آخر الأمر يقول: من كان من المسلمين فليدخل الجنة.
قال: فهنالك يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين.
قال القاضي: هذه الروايات مبنية على أنه تعالى يخرج أصحاب الكبائر من النار، وعلى أن شفاعة الرسول مقبولة في إسقاط العقاب، وهذان الأصلان عنده مردودان، فعند هذا حمل هذا الخبر على وجه يطابق قوله ويوافق مذهبه وهو أنه تعالى يؤخر إدخال طائفة من المؤمنين الجنة بحيث يغلب على ظن هؤلاء الكفرة أنه تعالى لا يدخلهم الجنة، ثم إنه تعالى يدخلهم الجنة فيزداد غم الكفرة وحسرتهم وهناك يودون لو كانوا مسلمين، قال فبهذه الطريق تصحح هذه الأخبار، والله أعلم.
فإن قيل: إذا كان أهل القيامة قد يتمنون أمثال هذه الأحوال وجب أن يتمنى المؤمن الذي يقل ثوابه درجة المؤمن الذي يكثر ثوابه، والمتمني لما لم يجده يكون في الغصة وتألم القلب وهذا يقضي أن يكون أكثر المؤمنين في الغصة وتألم القلب.
قلنا: أحوال أهل الآخرة لا تقاس بأحوال أهل الدنيا، فالله سبحانه أرضى كل أحد بما فيه ونزع عن قلوبهم طلب الزيادات كما قال: ﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ ﴾ ، والله أعلم.
أما قوله تعالى: ﴿ ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الأمل فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: المعنى: دع الكفار يأخذوا حظوظهم من دنياهم فتلك أخلاقهم ولا خلاق لهم في الآخرة وقوله: ﴿ وَيُلْهِهِمُ الأمل ﴾ يقال: لهيت عن الشيء ألهي لهياً، وجاء في الحديث أن ابن الزبير كان إذا سمع صوت الرعد لهى عن حديثه.
قال الكسائي والأصمعي: كل شيء تركته فقد لهيت عنه وأنشد: صرمت حبالك فاله عنها زينب *** ولقد أطلت عتابها لو تعتب فقوله فاله عنها أي اتركها وأعرض عنها.
قال المفسرون: شغلهم الأمل عند الأخذ بحظهم عن الإيمان والطاعة فسوف يعلمون.
المسألة الثانية: احتج أصحابنا بهذة الآية على أنه تعالى قد يصد عن الإيمان ويفعل بالمكلف ما يكون له مفسدة في الدين، والدليل عليه أنه تعالى قال لرسوله: ﴿ ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الأمل ﴾ فحكم بأن إقبالهم على التمتع واستغراقهم في طول الأمل يلهيهم عن الإيمان والطاعة ثم إنه تعالى أذن لهم فيها، وذلك يدل على المقصود.
قالت المعتزلة: ليس هذا إذناً وتجويزاً بل هذا تهديد ووعيد.
قلنا ظاهر قوله: ﴿ ذَرْهُمْ ﴾ إذن أقصى ما في الباب أنه تعالى نبه على أن إقبالهم على هذه الأعمال يضرهم في دينهم، وهذا عين ما ذكرناه من أنه تعالى أذن في شيء مع أنه نص على كون ذلك الشيء مفسدة لهم في الدين.
المسألة الثالثة: دلت الآية على أن إيثار التلذذ والتنعم وما يؤدي إليه طول الأمل ليس من أخلاق المؤمنين، وعن بعضهم التمرغ في الدنيا من أخلاق الهالكين، والأخبار في ذم الأمل كثيرة فمنها ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يهرم ابن آدم ويشب فيه اثنان: الحرص على المال وطول الأمل».
وعنه صلى الله عليه وسلم أنه نقط ثلاث وقال: «هذا ابن آدم، وهذا الأمل، وهذا الأجل، ودون الأمل تسع وتسعون منية فإن أخذته إحداهن، وإلا فالهرم من ورائه».
وعن علي عليه السلام أنه قال: إنما أخشى عليكم اثنين: طول الأمل واتباع الهوى، فإن طول الأمل ينسي الآخرة، واتباع الهوى يصد عن الحق، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قرئ: (ربما) و (ربّتما) بالتشديد.
و (ربما)، (وربَما) بالضم والفتح مع التخفيف.
فإن قلت: لم دخلت على المضارع وقد أبوا دخولها إلا على الماضي؟
قلت: لأن المترقب في إخبار الله تعالى بمنزلة الماضي المقطوع به في تحققه، فكأنه قيل: ربما ودّ.
فإن قلت: متى تكون ودادتهم؟
قلت: عند الموت، أو يوم القيامة إذا عاينوا حالهم وحال المسلمين.
وقيل: إذا رأوا المسلمين يخرجون من النار، وهذا أيضاً باب من الودادة.
فإن قلت: فما معنى التقليل؟
قلت: هو وارد على مذهب العرب في قولهم: لعلك ستندم على فعلك، وربما ندم الإنسان على ما فعل، ولا يشكون في تندمه، ولا يقصدون تقليله، ولكنهم أرادوا: ولو كان الندم مشكوكاً فيه أو كان قليلاً لحق عليك أن لاتفعل هذا الفعل، لأنّ العقلاء يتحرّزون من التعرّض للغم المظنون، كما يتحرّزون من المتيقن ومن القليل منه، كما من الكثير، وكذلك المعنى في الآية: لو كانوا يودّون الإسلام مرة واحدة، فبالحري أن يسارعوا إليه، فكيف وهم يودّونه في كل ساعة ﴿ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ ﴾ حكاية ودادتهم، وإنما جيء بها على لفظ الغيبة لأنهم مخبر عنهم، كقولك: حلف بالله ليفعلنّ.
ولو قيل: حلف بالله لأفعلن ولو كنا مسلمين لكان حسناً سديداً وقيل: تدهشهم أهوال ذلك اليوم فيبقون مبهوتين، فإن حانت منهم إفاقة في بعض الأوقات من سكرتهم تمنوا، فلذلك قلل ﴿ ذَرْهُمْ ﴾ يعني اقطع طمعك من ارعوائهم، ودعهم عن النهي عما هم عليه والصدّ عنه بالتذكرة والنصيحة، وخلهم ﴿ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ ﴾ بدنياهم وتنفيذ شهواتهم، ويشغلهم أملهم وتوقعهم لطول الأعمار واستقامة الأحوال، وأن لا يلقوا في العاقبة إلا خيراً ﴿ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ سوء صنيعهم.
والغرض الإيذان بأنهم من أهل الخذلان، وأنهم لا يجيء منهم إلا ما هم فيه، وأنه لا زاجر لهم ولا واعظ إلا معاينة ما ينذرون به حين لا ينفعهم الوعظ، ولا سبيل إلى اتعاظهم قبل ذلك فأمر رسوله بأن يخليهم وشأنهم ولا يشتغل بما لا طائل تحته، وأن يبالغ في تخليتهم حتى يأمرهم بما لا يزيدهم إلا ندماً في العاقبة.
وفيه إلزام للحجة ومبالغة في الإنذار وإعذار فيه.
وفيه تنبيه على أن إيثار التلذذ والتنعم وما يؤدّي إليه طول الأمل.
وهذه هجيرى أكثر الناس ليس من أخلاق المؤمنين، وعن بعضهم: التمرغ في الدنيا من أخلاق الهالكين.
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ الحِجْرِ مَكِّيَّةٌ وهي تِسْعٌ وتِسْعُونَ آيَةً بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ الر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ وقُرْآنٍ مُبِينٍ ﴾ الإشارَةُ إلى آياتِ السُّورَةِ و ﴿ الكِتابِ ﴾ هو السُّورَةُ، وكَذا القُرْآنُ وتَنْكِيرُهُ لِلتَّفْخِيمِ أيْ آياتُ الجامِعِ لِكَوْنِهِ كِتابًا كامِلًا وقُرْآنًا يُبَيِّنُ الرُّشْدَ مِنَ الغَيِّ بَيانًا غَرِيبًا.
﴿ رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ ﴾ حِينَ عايَنُوا حالَ المُسْلِمِينَ عِنْدَ نُزُولِ النَّصْرِ أوْ حُلُولِ المَوْتِ أوْ يَوْمَ القِيامَةِ.
وقَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ ﴿ رُبَما ﴾ بِالتَّخْفِيفِ، وقُرِئَ « رَبَما» بِالفَتْحِ والتَّخْفِيفِ وفِيهِ ثَمانِ لُغاتٍ ضَمُّ الرّاءِ وفَتْحُها مَعَ التَّشْدِيدِ والتَّخْفِيفِ وبِتاءِ التَّأْنِيثِ ودُونِها، وما كافَّةٌ تَكُفُّهُ عَنِ الجَرِّ فَيَجُوزُ دُخُولُهُ عَلى الفِعْلِ وحَقُّهُ أنْ يَدْخُلَ الماضِيَ لَكِنْ لَمّا كانَ المُتَرَقَّبُ في أخْبارِ اللَّهِ تَعالى كالماضِي في تَحَقُّقِهِ أُجْرِيَ مَجْراهُ.
وقِيلَ: ما نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ كَقَوْلِهِ: رُبَّما تَكْرَهُ النُّفُوسُ مِنَ الأمْ.
.
.
رِ لَهُ فُرْجَةً كَحَلِّ العِقالِ وَمَعْنى التَّقْلِيلِ فِيهِ الإيذانُ بِأنَّهم لَوْ كانُوا يَوَدُّونَ الإسْلامَ مَرَّةً فَبِالحَرِيِّ أنْ يُسارِعُوا إلَيْهِ، فَكَيْفَ وهم يَوَدُّونَهُ كُلَّ ساعَةٍ.
وقِيلَ تَدْهَشُهم أهْوالُ القِيامَةِ فَإنْ حانَتْ مِنهم إفاقَةٌ في بَعْضِ الأوْقاتِ تَمَنَّوْا ذَلِكَ، والغَيْبَةُ في حِكايَةِ وِدادَتِهِمْ كالغَيْبَةِ في قَوْلِكَ: حَلَفَ بِاللَّهِ لَيَفْعَلَنَّ.
<div class="verse-tafsir"
{ربما} بالتخفيف مدنى وعاصم وبالتشديد غيرهما وما هي الكافة لأنها حرف يجر ما بعده ويختص بالاسم النكرة فإذا كفت وقع بعدها الفعل الماضي والاسم وإنما جاز {يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ} لأن المترقب في أخبار الله تعالى بمنزلة الماضي المقطوع به في تحقيقه فكانه قيل ربما ود وودادتهم تكون عند النزاع أو يوم القيامة إذا عاينوا حالهم وحال المسلمين أو إذا رأوا المسلمين يخرجون من النار فيتمنى الكافر لو كان مسلماً كذا رُوى عن ابن عباس رضي الله عنهما {لَوْ كَانُواْ مَسْلِمِينَ} حكاية ودادتهم وإنما جيء بها على لفظ الغيبة لأنهم مخبر عنهم كقولك حلف بالله ليفعلن ولو قيل حلف لأفعلن ولو كنا مسلمين لكان حسنا وإنما قلل برب لأن أهوال القيامة تشغلهم على التمني فإذا أفاقوا من سكرات العذاب ودوا لو
كانوا مسلمين وقول من قال إن رب يعني بها الكثرة سهو لأنه ضد ما يعرفه أهل اللغة لأنها وضعت للتقليل
ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بَيَّنَ شَأْنَ الآياتِ لِتَوْجِيهِ المُخاطَبِينَ إلى حُسْنِ تَلَقِّي ما فِيها مِنَ الأحْكامِ والقَصَصِ والمَواعِظِ شَرَعَ جَلَّ شَأْنُهُ في بَيانِ المُتَضَمِّنِ فَقالَ عَزَّ قائِلًا: ﴿ رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ بِما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ ﴿ لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ ﴾ مُؤْمِنِينَ بِذَلِكَ، وقِيلَ: المُرادُ كُفْرُهم بِالكِتابِ والقُرْآنِ وبِكَوْنِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى ووِدادَتُهُمُ الِانْقِيادُ لِحُكْمِهِ والإذْعانِ لِأمْرِهِ، وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّ كُفْرَهم إنَّما كانَ بِالجُحُودِ، وفِيهِ نَظَرٌ، وهَذِهِ الوِدادَةُ يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رُؤْيَتِهِمْ خُرُوجَ العُصاةِ مِنَ النّارِ.
أخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبَيْهَقِيُّ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأنْسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّهُما تَذاكَرا هَذِهِ الآيَةَ فَقالا: هَذا حَيْثُ يَجْمَعُ اللَّهُ تَعالى بَيْنَ أهْلِ الخَطايا مِنَ المُسْلِمِينَ والمُشْرِكِينَ في النّارِ فَيَقُولُ المُشْرِكُونَ: ما أغْنى عَنْكم ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ فَيَغْضَبُ اللَّهُ تَعالى لَهم فَيُخْرِجُهم بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: ««قالَ رَسُولُ اللَّهِ : إنَّ ناسًا مِن أُمَّتِي يُعَذَّبُونَ بِذُنُوبِهِمْ فَيَكُونُونَ في النّارِ ما شاءَ اللَّهُ تَعالى أنْ يَكُونُوا ثُمَّ يُعَيِّرُهم أهْلُ الشِّرْكِ فَيَقُولُونَ: ما نَرى ما كُنْتُمْ فِيهِ مِن تَصْدِيقِكم نَفْعَكم فَلا يَبْقى مُوَحِّدٌ إلّا أخْرَجَهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ النّارِ ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ الآيَةَ»».
وأخْرَجَ غَيْرُ واحِدٍ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وأبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ وأبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ نَحْوَ ذَلِكَ يَرْفَعُهُ كُلٌّ إلى رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ السَّلَفِ الصّالِحِ، فَقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: إنَّ القَوْلَ بِهِ بابٌ مِنَ الوِدادَةِ بَيْتٌ مِنَ السَّفاهَةِ قَعِيدَتُهُ عَقِيدَتُهُ الشَّوْهاءُ، وقالَ الضَّحّاكُ: إنَّ ذَلِكَ في الدُّنْيا عِنْدَ المَوْتِ وانْكِشافَ وخامَةِ الكُفْرِ لَهُمْ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ الآيَةَ في كُفّارِ قُرَيْشٍ ودُّوا ذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ حِينَ رَأوُا الغَلَبَةَ لِلْمُسْلِمِينَ، وفي رِوايَةٍ عَنْهُ وعَنْ أُناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّ ذَلِكَ حِينَ ضُرِبَتْ أعْناقُهم فَعُرِضُوا عَلى النّارِ.
وذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ أنَّ هَذِهِ الوِدادَةَ مِنَ الكُفّارِ عِنْدَ كُلِّ حالَةٍ يُعَذَّبُ فِيها الكافِرُ ويَسْلَمُ المُسْلِمُ، «ورُبَّ» عَلى كَثْرَةِ وُقُوعِها في كَلامِ العَرَبِ لَمْ تَقَعْ في القُرْآنِ إلّا في هَذِهِ الآيَةِ، ويُقالُ فِيها رُبَّ بِضَمِّ الرّاءِ وتَشْدِيدِ الباءِ وفَتْحِها ورَبَّ بِفَتْحِ الرّاءِ ورُبُّ بِضَمِّهِما ورُبَتَ بِالضَّمِّ وفَتْحِ الباءِ والتّاءِ ورُبْتَ بِسُكُونِ التّاءِ ورَبَتَ بِفَتْحِ الثَّلاثَةِ ورَبَتْ بِفَتْحِ الأوَّلَيْنِ وسُكُونِ التّاءِ وتَخْفِيفِ الباءِ مِن هَذِهِ السَّبْعَةِ ورُبَّتا بِالضَّمِّ وفَتْحِ الباءِ المُشَدَّدَةِ ورُبْ بِالضَّمِّ والسُّكُونِ ورَبْ بِالفَتْحِ والسُّكُونِ فَهَذِهِ سَبْعَ عَشْرَةَ لُغَةً حَكاها ما عَدا رُبَّتا ابْنُ هِشامٍ في المُغْنِي وحَكى أبُو حَيّانَ إحْدى عَشْرَ مِنها- رُبَّتا- وإذا اعْتُبِرَ ضَمُّ الِاتِّصالِ بِما والتَّجَرُّدُ مِنها بَلَغَتِ اللُّغاتُ ما لا يَخْفى، وزَعَمَ ابْنُ فَضالَةَ في الهَوامِلِ والعَوامِلِ أنَّها ثُنائِيَّةُ الوَضْعِ كَقَدْ وأنَّ فَتْحَ الباءِ مُخَفَّفَةً دُونَ التّاءِ ضَرُورَةٌ وأنَّ فَتْحَ الرّاءِ مُطْلَقًا شاذٌّ، وهي حَرْفُ جَرٍّ خِلافًا لِلْكُوفِيَّةِ.
والأخْفَشُ في أحَدِ قَوْلَيْهِ.
وابْنُ الطَّراوَةِ زَعَمُوا أنَّها اسْمٌ مَبْنِيٌّ كَكَمْ واسْتَدَلُّوا عَلى اسْمِيَّتِها بِالإخْبارِ عَنْها في قَوْلِهِ: إنْ يَقْتُلُوكَ فَإنَّ قَتْلَكَ لَمْ يَكُنْ عارًا عَلَيْكَ ورُبَّ قَتْلٍ عارُ فَرُبَّ عِنْدَهم مُبْتَدَأٌ وعارٌ خَبَرُهُ، وتَقَعُ عِنْدَهم مَصْدَرًا كَرُبَّ ضَرْبَةٍ ضَرَبْتُ، وظَرْفًا كَرُبَّ يَوْمَ سِرْتُ، ومَفْعُولًا بِهِ كَرُبَّ رَجُلٍ ضَرَبْتُ، واخْتارَ الرَّضِيُّ اسْمِيَّتَها إلّا أنَّ إعْرابَها عِنْدَهُ رَفْعٌ أبَدًا عَلى أنَّها مُبْتَدَأٌ لا خَبَرَ لَهُ كَما اخْتارَ ذَلِكَ في قَوْلِهِمْ: أقَلُّ رَجُلٍ يَقُولُ ذَلِكَ إلّا زَيْدًا، وقالَ: إنَّها إنْ كُفَّتْ بِما فَلا مَحَلَّ لَها حِينَئِذٍ لِكَوْنِها كَحَرْفِ النَّفْيِ الدّاخِلِ عَلى الجُمْلَةِ ومَنَعَ ذَلِكَ البَصْرِيُّونَ بِأنَّها لَوْ كانَتِ اسْمًا لَجازَ أنْ يَتَعَدّى إلَيْها الفِعْلُ بِحَرْفِ الجَرِّ فَيُقالُ بِرُبَّ رَجُلٍ عالِمٌ مَرَرْتُ، وأنْ يَعُودَ عَلَيْها الضَّمِيرُ ويُضافَ إلَيْها وجَمِيعُ عَلاماتِ الِاسْمِ مُنْتَفِيَةٌ عَنْها، وأُجِيبَ عَنِ البَيْتِ بِأنَّ المَعْرُوفَ- وبَعْضٌ- بَدَلَ رُبَّ، وإنْ صَحَّتْ تِلْكَ الرِّوايَةُ فَعارٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو عارٌ كَما صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ: يا رُبَّ هَيْجا هي خَيْرٌ مِن دَعَةٍ.
والجُمْلَةُ صِفَةُ المَجْرُورِ أوْ خَبَرُهُ إذْ هو في مَوْضِعِ مُبْتَدَأٍ، ويُرَدُّ قِياسُها عَلى كَمْ كَما قالَ أبُو عَلِيٍّ: إنَّهم لَمْ يَفْصِلُوا بَيْنَها وبَيْنَ المَجْرُورِ كَما فَصَلُوا بَيْنَ كَمْ وما تَعْمَلُ فِيهِ وفي مُفادِها أقْوالٌ: أحَدُها أنَّها لِلتَّقْلِيلِ دائِمًا وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ، وعُدَّ في البَسِيطِ مِنهُمُ الخَلِيلُ، وسِيبَوَيْهِ، والأخْفَشُ، والمازِنِيُّ، والفارِسِيُّ، والمُبَرِّدُ، والكِسائِيُّ، والفَرّاءُ، وهِشامٌ وخَلْقٌ آخَرُونَ ثانِيها أنَّها لِلتَّكْثِيرِ دائِمًا وعَلَيْهِ صاحِبُ العَيْنِ وابْنُ دَرَسْتَوَيْهِ وجَماعَةٌ، ورُوِيَ عَنِ الخَلِيلِ ثالِثُها واخْتارَهُ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ وِفاقًا لِلْفارابِيِّ وطائِفَةٌ أنَّها لِلتَّقْلِيلِ غالِبًا والتَّكْثِيرِ نادِرًا.
رابِعُها عَكْسُهُ وجُزِمَ بِهِ في التَّسْهِيلِ واخْتارَهُ ابْنُ هِشامٍ في المُغْنِي.
وخامِسُها أنَّها لَهُما مِن غَيْرِ غَلَبَةٍ لِأحَدِهِما نَقَلَهُ أبُو حَيّانَ عَنْ بَعْضِ المُتَأخِّرِينَ.
سادِسُها أنَّها لَمْ تُوضَعْ لِواحِدٍ مِنهُما بَلْ هي حِرَفُ إثْباتٍ لا يَدُلُّ عَلى تَكْثِيرٍ ولا تَقْلِيلٍ وإنَّما يُفْهَمُ ذَلِكَ مِن خارِجٍ واخْتارَهُ أبُو حَيّانَ.
سابِعُها أنَّها لِلتَّكْثِيرِ في المُباهاةِ ولِلتَّقْلِيلِ فِيما عَداهُ وهو قَوْلُ الأعْلَمِ.
وابْنُ السَّيِّدِ.
ثامِنُها أنَّها لِمُبْهَمِ العَدَدِ وهو قَوْلُ ابْنِ الباذَشِ وابْنِ طاهِرٍ وتُصَدَّرُ وُجُوبًا غالِبًا، ونَحْوَ قَوْلِهِ: تَيَقَّنْتُ أنَّ رُبَّ امْرِئٍ خُيِّلَ خائِنًا ∗∗∗ أمِينٌ وخَوّانٌ يُخالِ أمِينا وقَوْلِهِ: ولَوْ عَلِمَ الأقْوامُ كَيْفَ خَلَّفْتُهم ∗∗∗ لَرُبَّ مُفْدٍ في القُبُورِ وحامِدُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ كَما قالَ الشِّمْنِيُّ ضَرُورَةً، وقالَ أبُو حَيّانَ: المُرادُ تَصَدُّرُها عَلى ما تَتَعَلَّقُ بِهِ فَلا يُقالُ: لَقِيتُ رُبَّ رَجُلٍ عالِمٍ، وذَكَرُوا أنَّها قَدْ تُسْبَقُ بِألا كَقَوْلِهِ: ألا رُبَّ مَأْخُوذٍ بِإجْرامِ غَيْرِهِ ∗∗∗ فَلا تَسْأمَنَّ هُجْرانَ مَن كانَ أجْرَما وبِيا صُدِّرَ جَوابُ شَرْطٍ غالِبًا كَقَوْلِهِ: فَإنْ أمْسَ مَكْرُوبًا فَيا رُبَّ فِتْيَةٍ.
ومِن غَيْرِ الغالِبِ يا رُبَّ كاسِيَةٍ الحَدِيثَ ولا تَجُرُّ غَيْرَ نَكِرَةٍ وأجازَ بَعْضُهم جَرَّها المُعَرَّفَ بِألِ احْتِجاجًا بِقَوْلِهِ: رُبَّما الجامِلِ المُؤَبَّلِ فِيهِمْ ∗∗∗ وعَناجِيجَ بَيْنَهُنَّ المِهارُ وأجابَ الجُمْهُورُ بِأنَّ الرِّوايَةَ بِالرَّفْعِ وإنْ صَحَّ الجَرُّ فَألْ زائِدَةٌ، وفي وُجُوبِ نَعْتِ مَجْرُورِها خُلْفٌ فَقالَ المُبَرِّدُ وابْنُ السَّرّاجِ، والفارِسِيُّ وأكْثَرُ المُتَأخِّرِينَ وعُزِّيَ لِلْبَصْرِيِّينَ يَجِبُ لِإجْرائِها مَجْرى حَرْفِ النَّفْيِ حَيْثُ لا تَقَعُ إلّا صَدْرًا ولا يُقَدَّمُ عَلَيْها ما يَعْمَلُ في الِاسْمِ بَعْدَها، وحُكْمُ حَرْفِ النَّفْيِ أنْ يَدْخُلَ عَلى جُمْلَةٍ فالأقْيَسُ في مَجْرُورِها أنْ يُوصَفَ بِجُمْلَةٍ لِذَلِكَ، وقَدْ يُوصَفُ بِما يَجْرِي مَجْراها مِن ظَرْفٍ أوْ مَجْرُورٍ أوِ اسْمِ فاعِلٍ أوْ مَفْعُولٍ وجَزَمَ بِهِ ابْنُ هِشامٍ في المُغْنِي وارْتَضاهُ الرَّضِيُّ، وقالَ الأخْفَشُ والفَرّاءُ والزَّجّاجُ وابْنُ طاهِرٍ وابْنُ خَرُوفٍ وغَيْرُهم لا يَجِبُ وتَضَمُّنُها القِلَّةَ أوِ الكَثْرَةَ يَقُومُ مَقامَ الوَصْفِ واخْتارَهُ ابْنُ مالِكٍ وتَبِعَهُ أبُو حَيّانَ ونَظَرَ في الِاسْتِدْلالِ المَذْكُورِ بِما لا يَخْفى، وتَجُرُّ مُضافًا إلى ضَمِيرِ مَجْرُورِها مَعْطُوفًا بِالواوِ كَرُبَّ رَجُلٍ وأخِيهِ ولا يُقاسُ عَلى ذَلِكَ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، وما حَكاهُ الأصْمَعِيُّ مِن مُباشَرَةِ رُبَّ لِلْمُضافِ إلى الضَّمِيرِ حَيْثُ قالَ لِأعْرابِيَّةٍ ألِفُلانٍ أبٌ أوْ أخٌ؟
فَقالَتْ: رُبَّ أبِيهِ رُبَّ أخِيهِ تُرِيدُ رُبَّ أبٍ لَهُ رُبَّ أخٍ لَهُ تَقْدِيرًا لِلِانْفِصالِ لِكَوْنِ ”أبٍ وأخٍ“ مِنَ الأسْماءِ الَّتِي يَجُوزُ الوَصْفُ بِها فَلا يُقاسُ عَلَيْهِ اتِّفاقًا، وتَجُرُّ ضَمِيرًا مُفْرَدًا مُذَكَّرًا يُفَسِّرُهُ نَكِرَةٌ مَنصُوبَةٌ مُطابِقَةٌ لِلْمَعْنى الَّذِي يَقْصِدُهُ المُتَكَلِّمُ غَيْرُ مَفْصُولَةٍ عَنْهُ وسُمِعَ جَرُّهُ في قَوْلِهِ: ورُبَّهُ عَطَبٍ أنْقَذَتْ مِن عَطَبِهِ عَلى نِيَّةِ مِن وهو شاذٌّ، وجَوَّزَ الكُوفِيَّةُ مُطابَقَةَ الضَّمِيرِ لِلنَّكِرَةِ المُفَسِّرَةِ تَثْنِيَةً وجَمْعًا وتَأْنِيثًا كَما في قَوْلِهِ: رُبَّها فِتْيَةٍ دَعَوْتُ إلى ما ∗∗∗ يُورِثُ الحَمْدَ دائِمًا فَأجابُوا والأصَحُّ أنَّ هَذا الضَّمِيرَ مَعْرِفَةٌ جَرى مَجْرى النَّكِرَةِ، واخْتارَ ابْنُ عُصْفُورٍ تَبَعًا لِجَماعَةٍ أنَّهُ نَكِرَةٌ وأنَّ جَرَّها إيّاها لَيْسَ قَلِيلًا ولا شاذًّا خِلافًا لِابْنِ مالِكٍ، وأنَّها زائِدَةٌ في الإعْرابِ لا المَعْنى، وأنَّ مَحَلَّ مَجْرُورِها عَلى حَسَبِ العامِلِ لا لازِمِ النَّصْبِ بِالفِعْلِ الَّذِي بَعْدَ أوْ بِعامِلٍ مَحْذُوفٍ خِلافًا لِلزَّجّاجِ ومُتابِعِيهِ في قَوْلِهِمْ: بِذَلِكَ لِما يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِن تَعَدِّي الفِعْلِ المُتَعَدِّي بِنَفْسِهِ إلى مَفْعُولِهِ بِالواسِطَةِ وهو لا يَحْتاجُ إلَيْها فَيُعْطَفُ عَلى مَحَلِّهِ كَما يُعْطَفُ عَلى لَفْظِهِ كَقَوْلِهِ: وسِنٍّ كَسُنَّيْقِ سَناءً وسَنَمًا ∗∗∗ ذُعِرَتْ بِمِدَلاحِ الهَجِيرِ نُهُوضِ وأنَّها تَتَعَلَّقُ كَسائِرِ حُرُوفِ الجَرِّ وقالَ الرُّمّانِيُّ وابْنُ طاهِرٍ لا تَتَعَلَّقُ كالحِرَفِ الزّائِدَةِ وإنَّ التَّعَلُّقَ بِالعامِلِ الَّذِي يَكُونُ خَبَرًا لِمَجْرُورِها أوْ عامِلًا في مَوْضِعِهِ أوْ مُفَسِّرًا لَهُ قالَهُ أبُو حَيّانَ، وقالَ ابْنُ هِشامٍ: قَوْلُ الجُمْهُورِ أنَّها مُعَدِّيَةٌ لِلْعامِلِ إنْ أرادُوا المَذْكُورَ فَخَطَأٌ إنَّهُ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ أوْ مَحْذُوفًا يُقَدَّرُ بِحَصَلَ ونَحْوِهِ كَما صَرَّحَ بِهِ جَماعَةٌ فَفِيهِ تَقْدِيرُ ما مَعْنى الكَلامِ مُسْتَغْنًى عَنْهُ ولَمْ يَلْفَظْ بِهِ في وقْتٍ، ثُمَّ عَلى التَّعْلِيقِ قالَ لَكَذَهُ: حَذَفَهُ لَحْنٌ، والخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ نادِرٌ كَقَوْلِهِ: ودَوِيَّةُ قَفْرٍ تَمَشّى نِعامُها ∗∗∗ كَمَشْيِ النَّصارى في خِفافِ اليَرَنْدَجِ أيْ قَطَعَتَها ويَرُدُّ لَكِذَةُ هَذا وقَوْلَهُمْ: رُبَّ رَجُلٍ قائِمٍ ورُبَّ ابْنَةٍ خَيْرٍ مِنَ ابْنٍ، وقَوْلَهُ: ألا رُبَّ مَن تَغْتَشُّهُ لَكَ ناصِحُ ∗∗∗ ومُؤْتَمَنٌ بِالغَيْبِ غَيْرُ أمِينِ والفارِسِيُّ والجَزْوَلِيُّ كَثِيرٌ وبِهِ جَزَمَ ابْنُ الحاجِبِ.
ورابِعُها واجِبٌ كَما نَقَلَهُ صاحِبُ البَسِيطِ عَنْ بَعْضِهِمْ وخامِسُها، ونُقِلَ عَنِ ابْنِ أبِي الرَّبِيعِ يَجِبُ حَذْفُهُ إنْ قامَتِ الصِّفَةُ مَقامَهُ وإلّا جازَ الأمْرانِ سَواءٌ كانَ دَلِيلٌ أمْ لا؟
ويَجِبُ عِنْدَ المُبَرِّدِ والفارِسِيُّ وابْنُ عُصْفُورٍ، وهو المَشْهُورُ كَما قالَ أبُو حَيّانَ: ورَأيُ الأكْثَرِينَ كَوْنُهُ ماضِيًا مَعْنًى، وقالَ ابْنُ السَّرّاجِ: يَأْتِي حالًا، وابْنُ مالِكٍ يَأْتِي مُسْتَقْبَلًا واخْتارَهُ في البَحْرِ إلّا أنَّهُ قالَ بِقِلَّتِهِ وكَثْرَةِ وُقُوعِ الماضِي، وأنْشَدَ لَهُ قَوْلَ سُلَيْمٍ القُشَيْرِيِّ: ومُعْتَصِمٍ بِالجُبْنِ مِن خَشْيَةِ الرَّدى ∗∗∗ سَيَرْدى وغازٍ مُشْفِقٍ سَيَؤُبُ وقَوْلَ هِنْدٍ: يا رُبَّ قائِلَةٍ غَدًا ∗∗∗ يا لَهْفَ أُمِّ مُعاوِيَةَ وجَعَلَ كابْنِ مالِكٍ الآيَةَ مِن ذَلِكَ وتَأوَّلَها الأكْثَرُونَ بِأنَّهُ وضَعَ فِيها المُضارِعَ مَوْضِعَ الماضِي عَلى حَدِّ ونُفِخَ في الصُّورِ وتَعَقَّبَهُ ابْنُ هِشامٍ بِأنَّ فِيهِ تَكَلُّفًا لِاقْتِضائِهِ أنَّ الفِعْلَ المُسْتَقْبَلَ عَبَّرَ بِهِ عَنْ ماضٍ مُتَجَوِّزٍ بِهِ عَنِ المُسْتَقْبَلِ، وأجابَ الشِّمْنِيُّ بِأنَّهُ لا تَكَلُّفَ فِيهِ لِأنَّهم قالُوا: إنَّ هَذِهِ الحالَةَ المُسْتَقْبِلَةَ جُعِلَتْ بِمَنزِلَةِ الماضِي المُتَحَقِّقِ فاسْتَعْمَلَ مَعَها رُبَما المُخْتَصَّةِ بِالماضِي وعَدَلَ إلى لَفْظِ المُضارِعِ لِأنَّهُ كَلامُ مَن لا خُلْفَ في أخْبارِهِ فالمُضارِعُ عِنْدَهُ بِمَنزِلَةِ الماضِي فَهو مُسْتَقْبَلٌ في التَّحْقِيقِ ماضٍ بِحَسَبِ التَّأْوِيلِ وهو كَما تَرى، وعَنْ أبِي حَيّانَ أنَّهُ أجابَ عَنْ بَيْتِ هِنْدٍ بِأنَّهُ مِن بابِ الوَصْفِ بِالمُسْتَقْبَلِ لا مِن بابِ تَعَلُّقِ رُبَّ بِما بَعْدَها وهو نَظِيرُ قَوْلِكَ، رُبَّ مُسِيءٍ اليَوْمَ يُحْسِنُ غَدًا أيْ رُبَّ رَجُلٍ يُوصَفُ بِهَذا الوَصْفِ.
وتَأوَّلَ الكُوفِيُّونَ كَما في المُطَوَّلِ الآيَةَ بِأنَّها بِتَقْدِيرِ كانَ أيْ رُبَما كانَ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَحُذِفَ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمالِ كانَ بَعْدَ رُبَما، وضَعَّفَ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ بِأنَّ هَذا لَيْسَ مِن مَواضِعِ إضْمارِ كانَ، وفي جَمْعِ الجَوامِعِ وشَرْحِهِ أنَّ- ما- تُزادُ بَعْدَ رُبَّ فالغالِبُ الكَفُّ وإيلائُها حِينَئِذٍ الفِعْلَ الماضِيَ لِأنَّ التَّكْثِيرَ أوِ التَّقْلِيلَ إنَّما يَكُونُ فِيما عُرِفَ حَدُّهُ والمُسْتَقْبَلُ مَجْهُولٌ كَقَوْلِهِ: رُبَّما أوْفَيْتُ في عِلْمٍ ∗∗∗ تَرْفَعْنَ ثَوْبِي شِمالاتُ وقَدْ يَلِيها المُضارِعُ كَ ﴿ رُبَما يَوَدُّ ﴾ الآيَةَ وقَدْ يَلِيها الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ نَحْوَ: رُبَّما الجامِلُ المُؤَبَّلُ فِيهِمْ.
وقَدْ لا تُكَفُّ نَحْوَ: رُبَّما ضَرْبَةٍ بِسَيْفٍ صَقِيلٍ ∗∗∗ بَيْنَ بُصْرى وطَعْنَةٍ نَجْلاءَ وقِيلَ: يَتَعَيَّنُ بَعْدَها الفِعْلِيَّةُ إذا كُفَّتْ وإلَيْهِ ذَهَبَ الفارِسِيُّ وأوَّلُ البَيْتِ عَلى أنَّ ما نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ بِجُمْلَةٍ حُذِفَ مُبْتَدَأُها أيْ رُبَّ شَيْءٍ هو الجامِلُ، وقَدْ يُحْذَفُ الفِعْلُ بَعْدَها كَقَوْلِهِ: فَذَلِكَ إنْ يَلْقَ الكَرِيهَةَ يَلْقَها ∗∗∗ حَمِيدًا وإنْ يَسْتَغْنِ يَوْمًا فَرُبَّما وقَدْ تَلْحَقُ بِها ما ولا تُكَفُّ كَقَوْلِهِ: ماوِيُّ يا رُبَّتَما غارَةٍ ∗∗∗ شَعْواءَ كالكَيَّةِ بِالمِيسَمِ انْتَهى.
وبِنَحْوِ تَأْوِيلِ الفارِسِيِّ البَيْتَ أوَّلَ بَعْضُهُمُ الآيَةَ فَقالَ: إنَّ ما نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ بِجُمْلَةِ ( يَوَدُّ ) إلى آخِرِهِ والعائِدُ مَحْذُوفٌ، والفِعْلُ المُتَعَلِّقُ بِهِ رُبَّ مَحْذُوفٌ أيْ رُبَّ شَيْءٍ يَوَدُّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا تَحَقَّقَ وثَبَتَ ونَحْوَهُ قَوْلُ ابْنِ أبِي الصَّلْتِ: رُبَّما تَجْزَعُ النُّفُوسُ مِنَ الأمْرِ ∗∗∗ لَهُ فُرْجَةٌ كَحَلِّ العِقالِ والتَزَمَ كَوْنَ المُتَعَلِّقِ مَحْذُوفًا لِأنَّها حِينَئِذٍ لا يَجُوزُ تَعَلُّقُها بِيَوَدُّ ولا بُدَّ لَها مِن فِعْلٍ تَتَعَلَّقُ بِهِ عَلى ما صَحَّحَهُ جَمْعٌ، وأمّا عَلى ما اخْتارَهُ الرَّضِيُّ مِن كَوْنِها مُبْتَدَأً لا خَبَرَ لَهُ والمَعْنى قَلِيلٌ أوْ كَثِيرٌ وِدادُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا حاجَةَ إلَيْهِ، وهَذا التَّأْوِيلُ عَلى ما قالَ السَّمَرْقَنْدِيُّ أحَدُ قَوْلَيِ البَصْرِيِّينَ، وتَعَقَّبَهُ العَلّامَةُ التَّفْتازانِيُّ بِأنَّهُ لا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ التَّعَسُّفِ وبَتْرِ النَّظْمِ الكَرِيمِ أيْ قَطْعِ ﴿ لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ ﴾ عَمّا قَبْلَهُ، ووَجْهُ التَّعَسُّفِ أنَّ المَعْنى عَلى تَقْلِيلٍ أوْ تَكْثِيرٍ وِدادُهم لا عَلى تَقْلِيلِ أوْ تَكْثِيرِ شَيْءٍ إلّا أنْ يُرادَ رُبَّ شَيْءٍ يَوَدُّونَهُ مِن حَيْثُ إنَّهم يَوَدُّونَهُ، والمُخْتارُ عِنْدِي ما اخْتارَهُ أبُو حَيّانَ وكَذا صاحِبُ اللُّبِّ مِن أنَّ رُبَّ تَدْخُلُ عَلى الماضِي والمُضارِعِ إلّا أنَّ دُخُولَها عَلى الماضِي أكْثَرُ، ومَن تَتَبَّعَ أشْعارَ العَرَبِ رَأى فِيها مِمّا دَخَلَتْ فِيهِ عَلى المُضارِعِ ما يَبْعُدُ ارْتِكابُ التَّأْوِيلِ مَعَهُ كَما لا يَخْفى عَلى المُنْصِفِ المُتَتَبِّعِ واخْتَلَفُوا في مُفادِها هُنا فَذَهَبَ جَمْعٌ كَثِيرٌ إلى أنَّهُ التَّقْلِيلُ وهو ظاهِرُ أكْثَرِ الآثارِ حَيْثُ دَلَّتْ عَلى أنَّ وِدادَهم ذَلِكَ عِنْدَ خُرُوجِ عُصاةِ المُسْلِمِينَ مِن جَهَنَّمَ وبَقائِهِمْ فِيها.
نَعَمْ زَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الحَقَّ أنَّ ما فِيها مَحْمُولٌ عَلى شِدَّةِ وِدادِهِمْ إذْ ذاكَ وأنَّ نَفْسَ الوِدادِ لَيْسَ مُخْتَصًّا بِوَقْتٍ دُونَ وقْتٍ بَلْ هو مُتَقَرِّرٌ مُسْتَمِرٌّ في كُلِّ آنٍ يَمُرُّ عَلَيْهِمْ.
ووَجْهُ الزَّمَخْشَرِيِّ الإتْيانُ بِأداةِ التَّقْلِيلِ عَلى هَذا بِأنَّهُ وارِدٌ عَلى مَذْهَبِ العَرَبِ في قَوْلِهِمْ: لَعَلَّكَ سَتَنْدَمُ عَلى فِعْلِكَ ورُبَّما نَدِمَ الإنْسانُ عَلى ما فَعَلَ ولا يَشُكُّونَ في تَنَدُّمِهِ ولا يَقْصِدُونَ تَقْلِيلَهُ ولَكِنَّهم أرادُوا لَوْ كانَ النَّدَمُ مَشْكُوكًا فِيهِ أوْ قَلِيلًا لَحَقَّ عَلَيْكَ أنْ لا تَفْعَلَ هَذا الفِعْلَ لَأنَّ العُقَلاءَ يَتَحَرَّزُونَ مِنَ التَّعَرُّضِ لِلْغَمِّ المَظْنُونِ كَما يَتَحَرَّزُونَ مِنَ التَّعَرُّضِ لِلْغَمِّ المُتَيَقَّنِ ومِنَ القَلِيلِ مِنهُ كَما مِنَ الكَثِيرِ، وكَذَلِكَ المَعْنى في الآيَةِ لَوْ كانُوا يَوَدُّونَ الإسْلامَ مَرَّةً واحِدَةً فَبِالحَرِيِّ أنْ يُسارِعُوا إلَيْهِ فَكَيْفَ وهَمَ يَوَدُّونَهُ في كُلِّ ساعَةٍ اهـ.
والكَلامُ عَلَيْهِ عَلى ما قِيلَ مِنَ الكِنايَةِ الإيمائِيَّةِ وفي ذَلِكَ مِنَ المُبالَغَةِ ما لا يَخْفى، قالَ ابْنُ المُنِيرِ: لا شَكَّ أنَّ العَرَبَ تُعَبِّرُ عَنِ المَعْنى بِما يُؤَدِّي عَكْسَ مَقْصُودِهِ كَثِيرًا، ومِنهُ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ ﴿ وقَدْ تَعْلَمُونَ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكُمْ ﴾ المَقْصُودُ مِنهُ تَوْبِيخُهم عَلى أذاهم لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى تَوَفُّرِ عِلْمِهِمْ بِرِسالَتِهِ ومُناصَحَتِهِ لَهُمْ، وقَوْلُهُ: قَدْ أتْرُكُ القَرْنَ مُصْفَرًّا أنامِلُهُ فَإنَّهُ إنَّما يَتَمَدَّحُ بِالإكْثارِ مِن ذَلِكَ وقَدْ عَبَّرَ بِقَدِ المُفِيدَةِ لِلتَّقْلِيلِ، وقَدِ اخْتَلَفَ تَوْجِيهُ عُلَماءِ البَيانِ لِذَلِكَ فَمِنهم مَن وجَّهَهُ بِما ذُكِرَ عَنِ الزَّمَخْشَرِيِّ مِنَ التَّنْبِيهِ بِالأدْنى عَلى الأعْلى، ومِنهم مَن وجَّهَهُ بِأنَّ المَقْصُودَ في ذَلِكَ الإيذانُ بِأنَّ المَعْنى قَدْ بَلَغَ الغايَةَ حَتّى كادَ أنْ يَرْجِعَ إلى الضِّدِّ وذَلِكَ شَأْنُ كُلِّ ما بَلَغَ نِهايَتَهُ أنْ يَعُودَ إلى عَكْسِهِ، وقَدْ أفْصَحَ المُتَنَبِّي عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ولَجُدْتَ حَتّى كِدْتَ تَبْخَلُ حائِلًا ∗∗∗ لِلْمُنْتَهى ومِنَ السُّرُورِ بُكاءُ وكِلا الوَجْهَيْنِ يَحْمِلُ الكَلامَ عَلى المُبالَغَةِ بِنَوْعٍ مِنَ الإيقاظِ إلَيْها، والعُمْدَةُ في ذَلِكَ عَلى سِياقِ الكَلامِ لِأنَّهُ إذا اقْتَضى مَثَلًا تَكْثِيرًا فَدَخَلَتْ فِيهِ عِبارَةٌ يُشْعِرُ ظاهِرُها بِالتَّقْلِيلِ اسْتَيْقَظَ السّامِعُ لِأنَّ المُرادَ المُبالَغَةُ عَلى إحْدى الطَّرِيقَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ، وقالَ في الكَشْفِ: الأصْلُ في هَذا البابِ أنَّ اسْتِعارَةَ أحَدِ الضِّدَّيْنِ لِلْآخَرِ تُفِيدُ المُبالَغَةَ لِلتَّعْكِيسِ ولا تَخْتَصُّ بِالتَّهَكُّمِ والتَّمْلِيحِ عَلى ما يُوهِمُهُ ظاهِرُ لَفْظِ صاحِبِ المِفْتاحِ في مَوْضِعٍ فَهو الَّذِي عَدَّ المَفازَةَ مِن هَذا القَبِيلِ لِقَصْدِ التَّفاؤُلِ، ثُمَّ قَدْ يُخْتَصَرُ مَوْقِعُها بِفائِدَةٍ زائِدَةٍ كَما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في هَذا المَقامِ، ولَيْسَ في ذَلِكَ كِنايَةٌ إيمائِيَّةٌ وإنَّما ذَلِكَ مِن فَوائِدِ هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ وسَيَجِيءُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ كَلامٌ أتَمُّ بَسْطًا في سُورَةِ التَّكْوِيرِ اه.
والحَقُّ أنَّهُ لا مانِعَ مِنَ القَوْلِ بِالكِنايَةِ الإيمائِيَّةِ كَما لا يَخْفى، وقِيلَ: إنَّ التَّقْلِيلَ بِالنِّسْبَةِ إلى زَمانِ ذَهابِ عَقْلِهِمْ مِنَ الدَّهْشَةِ بِمَعْنى أنَّهُ تُدْهِشُهم أهْوالَ القِيامَةِ فَيُبْهَتُونَ فَإنْ وُجِدَتْ مِنهم إفاقَةٌ ما تَمَنَّوْا ذَلِكَ، وظاهِرُ صَنِيعِ العَلّامَةِ التَّفْتازانِيِّ في المُطَوَّلِ اخْتِيارُهُ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مُسْتَعارَةً لِلتَّكْثِيرِ والقَوْلُ بِالِاسْتِعارَةِ لَهُ لا يَحْتاجُ إلَيْهِ عَلى القَوْلِ المَحْكِيِّ عَنْ صاحِبِ العَيْنِ ومَن مَعَهُ حَسْبَما سَمِعْتُ، وذَكَرَ ابْنُ الحاجِبِ أنَّها نُقِلَتْ مِنَ التَّقْلِيلِ إلى التَّحْقِيقِ كَما تُنْقَلُ قَدْ إذا دَخَلَتْ عَلى المُضارِعِ مِنهُ إلَيْهِ.
ومَفْعُولُ ( يَوَدُّ ) مَحْذُوفٌ أيِ الإسْلامَ بِدَلالَةِ ﴿ لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ ﴾ بِناءً عَلى أنَّ ( لَوْ ) لِلتَّمَنِّي والجُمْلَةُ في مَوْقِعِ الحالِ أيْ قائِلِينَ لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ، وتَقْدِيرُ المَفْعُولِ ما ذَكَرْنا هو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ، وقالَ الشِّهابُ: تَقْدِيرُهُ النَّجاةُ ولا يَنْبَغِي تَقْدِيرُ الإسْلامِ لِأنَّهُ يَصِيرُ تَقْدِيرُهُ يَوَدُّوا الإسْلامُ لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ وهو حَشْوٌ وفِيهِ نَظَرٌ.
وقالَ صاحِبُ الفَرائِدِ: أنَّ ( لَوْ كانُوا ) إلى آخِرِهِ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ المَفْعُولِ.
وتُعِقِّبَ بِأنَّهُ غَيْرُ ظاهِرٍ إذْ لَيْسَ ذَلِكَ مِمّا يَعْمَلُ في الجُمَلِ إلّا أنْ يَكُونَ بِمَعْنى ذَكَرُوا التَّمَنِّيَ ويَجْرِي مَجْرى القَوْلِ عَلى مَذْهَبِ بَعْضِ النُّحاةِ.
والغَيْبَةُ في حِكايَةِ وِدادَتِهِمْ كالغَيْبَةِ في قَوْلِكَ: حَلَفَ بِاللَّهِ تَعالى لَيَفْعَلْنَّ ولَوْ قُلْتَ لَأفْعَلَنَّ لَجازَ، وعَلى ذَلِكَ جاءَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ ﴾ بِالنُّونِ والياءِ وإيثارُ الغَيْبَةِ أكْثَرُ لِئَلّا يَلْبَسَ والتَّعْلِيلُ بِقِلَّةِ التَّقْدِيرِ لَيْسَ بِشَيْءٍ كَما كَشَفَ ذَلِكَ في الكَشْفِ، وأنْكَرَ قَوْمٌ وُرُودَ (لَوْ) لِلتَّمَنِّي، وقالُوا: لَيْسَتْ قِسْمًا بِرَأْسِها وإنَّما هي الشَّرْطِيَّةُ أُشْرِبَتْ مَعْنى التَّمَنِّي وعَلى الأوَّلِ الأصَحُّ لا جَوابَ لَها عَلى الأصَحِّ.
وقَدْ نَصَّ عَلى ذَلِكَ ابْنُ الضّائِعِ وابْنُ هِشامٍ الخَضْراوِيُّ، ونَقْلُ أنَّهُما قالا تَحْتاجُ إلى جَوابٍ كَجَوابِ الشَّرْطِ سَهْوٌ، وذَكَرَ أبُو حَيّانَ أنَّ الَّذِي يَظْهَرُ أنَّها لا بُدَّ لَها مِن جَوابٍ لَكِنَّهُ التَزَمَ حَذْفَهُ لِإشْرابِها مَعْنى التَّمَنِّي لِأنَّهُ مَتى أُمْكِنَ تَقْلِيلُ القَواعِدِ وجَعْلُ الشَّيْءِ مِن بابِ المَجازِ كانَ أوْلى مِن تَكْثِيرِ القَواعِدِ وادِّعاءِ الِاشْتِراكِ لِأنَّهُ يَحْتاجُ إلى وضْعَيْنِ والمَجازُ لَيْسَ فِيهِ إلّا وضْعٌ واحِدٌ وهو الحَقِيقَةُ، وقِيلَ: إنَّها هُنا امْتِناعِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ والجَوابُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ لَفازُوا ومَفْعُولُ ( يَوَدُّ ) ما عَلِمْتَ، وزَعَمَ بَعْضُهم مَصْدَرِيَّتَها فِيما إذا وقَعَتْ بَعْدَ ما يَدُلُّ عَلى التَّمَنِّي فالمَصْدَرُ حِينَئِذٍ هو المَفْعُولُ وهو عَلى القَوْلِ بِأنَّ ما نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ بَدَلٌ مِنها كَما في البَحْرِ.
وقَرَأ عاصِمٌ ونافِعٌ «رُبَما» بِتَخْفِيفِ الباءِ وعَنْ أبِي عَمْرٍو التَّخْفِيفُ والتَّشْدِيدُ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما رُبَّتَما بِزِيادَةِ تاءٍ هَذا، وإنَّما أطْنَبْتُ الكَلامَ في هَذِهِ الآيَةِ لا سِيَّما فِيما يَتَعَلَّقُ- بِرُبَّ- لِما أنَّهُ قَدْ جَرى لِي بَحْثٌ في ذَلِكَ مَعَ بَعْضِ العِظامِيِّينَ فَأبانَ عَنْ جَهْلٍ عَظِيمٍ وحُمْقٍ جَسِيمٍ، ورَأيْتُهُ ورَبِّ الكَعْبَةِ أجْهَلَ مَن رَأيْتُ مِن صِغارِ الطَّلَبَةِ- بِرُبَّ- نَعَمْ لَهُ مِنَ العِظامِيِّينَ أمْثالٌ أصَمَّهُمُ اللَّهُ تَعالى وأعْمى بالَهَمْ وقَلَّلَهم ولا أكْثَرَ أمْثالَهم.
<div class="verse-tafsir"
مكية، وهي تسعون وتسع آيات.
قال الله عزّ وجلّ: الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ أي: هذه آيات الكتاب وَقُرْآنٍ مُبِينٍ أي: بيّن حلاله، وحرامه.
والكتاب والقرآن واحد.
وقال قتادة في قوله: وَقُرْآنٍ مُبِينٍ بيّن الله هداه ورشده، وخيره، رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ قرأ نافع وعاصم رُبَما بالتخفيف.
وقرأ الباقون بالتشديد وقال عاصم: قرأت عند زر بن حبيش رُبَما بالتشديد.
فقال: إنك لتحب الرَّب.
وقال: هي رُبَّمَا مخففة، ولكن معناهما واحد.
فالتخفيف لغة بعض العرب، واللغة الظاهرة بالتشديد، أي: ربما يأتي على الكافر يوم يتمنى أنه كان أسلم.
ويقال: أقسم الله بالألف، واللام، والراء، إن هذا القرآن حق، وهو يبين لكم الحق من الباطل.
وأقسم أنه رُبَّ يومٍ يأتي على الكافر يتمنى أنه ليت كان مؤمناً في الدنيا.
يقول الكافر: يا ليتني كنت مؤمناً في الدنيا.
أي: يوم القيامة.
وذلك أن الكافر كلما رأى حالاً من أحوال العذاب، ورأى حالاً من أحوال المسلمين، وَدَّ أن لو كان مسلماً.
وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: «يخرج من النار حين يقال: أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان.
فيتمنى الكافر أن لو كان مؤمناً» ، فذلك قوله رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ.
وروي حماد بن أبي سليمان قال: سألت إبراهيم النخعي عن هذه الآية.
قال: «نزلت في الكفار، يعيرون أهل التوحيد ويقولون: ما أغنى عنكم إيمانكم، وأنتم معنا، فيغضب الله لهم، فيأمر الله النبيين والملائكة فيشفعون، فيخرج أهل التوحيد من النار، حتى إن إبليس يتطاول رجاء أن يخرج، ويتمنى الكافر أن لو كان مسلماً في الدنيا» .
قال: حدّثنا الخليل بن أحمد.
قال: حدثنا محمد بن شوكر.
قال: حدّثنا القاسم قال: حدّثنا أبو حنيفة، عن يزيد بن صهيب، عن جابر بن عبد الله.
قال: سألته عن الشفاعة.
فقال: «يعذب الله قوماً من أهل الإيمان، ثم يخرجهم منها بشفاعة محمد .
قلت له: فأين قوله: يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها [المائدة: 37] قال: اقرأ ما قبلها إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا [غافر: 10] الآية.
يعني: إن تلك الآية نزلت في الكفار.
وقال مجاهد: إذا أخرج من النار من قال لا إله إلا الله، فعند ذلك يقولون: يا ليتنا كنا مسلمين، وعن أبي العالية مثله.
ثم قال تعالى: ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا يقول: اتركهم وخلّ عنهم يا محمد في الدنيا يأكلوا ويتمتعوا يَأْكُلُوا كالأنعام، وَيَتَمَتَّعُوا بعيشهم في الدنيا، لا تهمهم الآخرة ولا يعرفون ما في غد وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ يعني: يشغلهم الأمل الطويل عن الطاعة، وعن ذِكْرِ الله تعالى.
ويقال: يشغلهم طول الأمل عن الطاعة، وذكر الأجل فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ وهذا وعيد لهم، أي يعرفون ما نزل بهم من العذاب والشدة يوم القيامة.
<div class="verse-tafsir"
[تفسير سورة الحجر]
مكية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
قوله عز وجل: الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ: قال مجاهد وقتادة:
الْكِتابِ: في الآية: ما نزل من الكُتُب قَبْل القرآن «١» ، ويحتمل أنْ يراد ب الْكِتابِ القرآن: ثم تُعْطَفُ الصفَةُ عليه، و «رُبَّمَا» : للتقليلِ، وقد تجيء شاذَّةً «٢» للتكثير.
وقال قوم: إِن هذه مِنْ ذلك، وأنكر الزَّجَّاج أنْ تجيءَ «رُبَّ» للتكثيرِ، واختلف المتأوِّلون في الوَقْت الذي يَوَدُّ فيه الكفَّار أنْ يكونوا مسلمين، فقالَتْ فرقة: هو عند معاينة المَوْتِ، حَكَى ذلك الضَّحَّاك «٣» ، وقالَتْ فرقة: هو عند معايَنَةِ أهْوَالِ يومِ القيَامَة، وقال ابنُ عبَّاس وغيره: هو عِنْدَ دخولهم النَّار، ومعرفَتِهِم، بدخولِ المؤمنين الجَنَّة «٤» ، وروي فيه حديث من طريق أبي موسى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رُبَما ﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ " رُبَّما " مُشَدَّدَةً.
وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وعَبْدُ الوارِثِ " رُبَما " بِالتَّخْفِيفِ.
قالَ الفَرّاءُ: أسَدٌ وتَمِيمٌ يَقُولُونَ: " رُبَّما " بِالتَّشْدِيدِ، وأهْلُ الحِجازِ وكَثِيرٌ مِن قَيْسٍ يَقُولُونَ: " رُبَّما " بِالتَّخْفِيفِ.
وتَيْمُ الرَّبابِ يَقُولُونَ: " رَبَّما " بِفَتْحِ الرّاءِ.
وقِيلَ: إنَّما قُرِئَتْ بِالتَّخْفِيفِ، لِما فِيها مِنَ التَّضْعِيفِ، والحُرُوفُ المُضاعَفَةُ قَدْ تُحْذَفُ، نَحْوُ " إنَّ " و " لَكِنَّ " فَإنَّهم قَدْ خَفَّفُوها.
قالَ الزَّجّاجُ: يَقُولُونَ: رُبَّ رَجُلٍ جاءَنِي، ورُبَ رَجُلٍ جاءَنِي، وأنْشَدَ: أزُهَيْرُ إنْ يَشِبِ القَذالُ فَإنِنِي رُبَ هَيْضَلٍ مَرْسٍ لَفَفْتُ بِهَيْضَلِ هَذا البَيْتُ لِأبِي كَبِيرٍ الهُذَلِيِّ، وفي دِيوانِهِ: رُبَ هَيْضَلٍ لَجِبٍ لَفَفْتُ بِهَيْضَلِ والهَيْضَلُ: جَمْعُ هَيْضَلَةٍ، وهي الجَماعَةُ يُغْزى بِهِمْ، يَقُولُ: لَفَفْتُهم بِأعْدائِهِمْ في القِتالِ.
و " رُبَّ " كَلِمَةٌ مَوْضُوعَةٌ لِلتَّقْلِيلِ، كَما أنَّ " كَمْ " لِلتَّكْثِيرِ، وإنَّما زِيدَتْ " ما " مَعَ " رُبَّ " لِيَلِيَها الفِعْلُ، تَقُولُ: رُبَّ رَجُلٍ جاءَنِي، ورُبَّما جاءَنِي زَيْدٌ.
وقالَ الأخْفَشُ: أُدْخِلَ مَعَ " رُبَّ " ما، لِيُتَكَلَّمَ بِالفِعْلِ بَعْدَها، وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَ " ما " بِمَنزِلَةِ " شَيْءٍ "، فَكَأنَّكَ قُلْتَ: رُبَّ شَيْءٍ، أيْ: رُبَّ ودٍّ يَوَدُّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا.
وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: " ما " هاهُنا بِمَعْنى " حِينٍ " فالمَعْنى: رُبَّ حِينٍ يَوَدُّونَ فِيهِ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ مَتى يَقَعُ هَذا مِنَ الكُفّارِ، عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ في الآخِرَةِ.
ومَتى يَكُونُ ذَلِكَ ؟
فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ إذا اجْتَمَعَ أهْلُ النّارِ في النّارِ ومَعَهم مَن شاءَ اللَّهُ مِن أهْلِ القِبْلَةِ، قالَ الكُفّارُ لِلْمُسْلِمِينَ: ألَمْ تَكُونُوا مُسْلِمِينَ ؟
قالُوا: بَلى، قالُوا: فَما أغْنى عَنْكم إسْلامُكم، وقَدْ صِرْتُمْ مَعَنا في النّارِ ؟
قالُوا: كانَتْ لَنا ذُنُوبٌ فَأُخِذْنا بِها؛ فَسَمِعَ اللَّهُ ما قالُوا، فَأمَرَ بِمَن كانَ في النّارِ مِن أهْلِ القِبْلَةِ فَأُخْرِجُوا، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ الكَفّارُ، قالُوا: يا لَيْتَنا كُنّا مُسْلِمِينَ فَنُخْرَجَ كَما أُخْرِجُوا، رَواهُ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ عَنِ النَّبِيِّ ، وَذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، ومُجاهِدٌ، وعَطاءٌ، وأبُو العالِيَةِ، وإبْراهِيمُ.
والثّانِي: أنَّهُ ما يَزالُ اللَّهُ يَرْحَمُ ويَشْفَعُ حَتّى يَقُولَ: مَن كانَ مِنَ المُسْلِمِينَ فَلْيَدْخُلِ الجَنَّةَ، فَذَلِكَ حِينَ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ، رَواهُ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّ الكُفّارَ إذا عايَنُوا القِيامَةَ، ودُّوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.
والرّابِعُ: أنَّهُ كُلَّما رَأى أهْلُ الكُفْرِ حالًا مِن أحْوالِ القِيامَةِ يُعَذَّبُ فِيها الكافِرُ ويَسْلَمُ مِن مَكْرُوهِها المُؤْمِنُ، ودُّوا ذَلِكَ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ في الدُّنْيا، إذا عايَنُوا وتَبَيَّنَ لَهُمُ الضَّلالُ مِنَ الهُدى وعَلِمُوا مَصِيرَهم، ودُّوا ذَلِكَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
فَإنْ قِيلَ: إذا قُلْتُمْ: إنَّ " رُبَّ " لِلتَّقْلِيلِ، وهَذِهِ الآيَةُ خارِجَةٌ مُخْرَجَ الوَعِيدِ، فَإنَّما يُناسِبُ الوَعِيدَ تَكْثِيرُ ما يُتَواعَدُ بِهِ، فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ: أحَدُهُنَّ: أنَّ " رُبَّما " تَقَعُ عَلى التَّقْلِيلِ والتَّكْثِيرِ، كَما يَقَعُ النّاهِلُ عَلى العَطْشانِ والرَّيّانِ، والجَوْنُ عَلى الأسْوَدِ والأبْيَضِ.
والثّانِي: أنَّ أهْوالَ القِيامَةِ وما يَقَعُ بِهِمْ مِنَ الأهْوالِ تَكْثُرُ عَلَيْهِمْ، فَإذا عادَتْ إلَيْهِمْ عُقُولُهم، ودُّوا ذَلِكَ.
والثّالِثُ: أنَّ هَذا الَّذِي خُوِّفُوا بِهِ، لَوْ كانَ مِمّا يُوَدُّ في حالٍ واحِدَةٍ مِن أحْوالِ العَذابِ، أوْ كانَ الإنْسانُ يَخافُ النَّدَمَ إذا حَصَلَ فِيهِ ولا يَتَيَقَّنُهُ، لَوَجَبَ عَلَيْهِ اجْتِنابُهُ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ جاءَ بَعْدَ " رُبَّما " مُسْتَقْبَلٌ، وسَبِيلُها أنْ يَأْتِيَ بَعْدَها الماضِي، تَقُولُ: رُبَّما لَقِيتُ عَبْدَ اللهِ ؟
فالجَوابُ: أنَّ ما وعَدَ اللَّهُ حَقٌّ، فَمُسْتَقْبَلُهُ بِمَنزِلَةِ الماضِي، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ وَإذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ وَنادى أصْحابُ الجَنَّةِ ﴾ ﴿ وَلَوْ تَرى إذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ ﴾ ، عَلى أنَّ الكِسائِيَّ والفَرّاءَ حَكَيا عَنِ العَرَبِ أنَّهم يَقُولُونَ: رُبَّما يَنْدَمُ فُلانٌ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ رُبَّما تَجْزَعُ النُّفُوسُ مِنَ الأمْـ ∗∗∗ ـرِ لَهُ فُرْجَةٌ كَحَلِّ العِقالِ <div class="verse-tafsir"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الحِجْرِ هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةُ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ الر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ وقُرْآنٍ مُبِينٍ ﴾ ﴿ رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ ﴾ ﴿ ذَرْهم يَأْكُلُوا ويَتَمَتَّعُوا ويُلْهِهِمُ الأمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ وَما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلا ولَها كِتابٌ مَعْلُومٌ ﴾ ﴿ ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها وما يَسْتَأْخِرُونَ ﴾ "الر"، تَقَدَّمَ القَوْلُ في الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ في أوائِلِ السُورِ، و"تِلْكَ" يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ إشارَةً إلى حُرُوفِ المُعْجَمِ بِحَسْبِ بَعْضِ الأقْوالِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ إشارَةً إلى الحِكَمِ والعِبَرِ ونَحْوَها الَّتِي تَضَمَّنَتْها آياتُ التَوْراةِ والإنْجِيلِ، وعَطَفَ القُرْآنَ عَلَيْهِ، قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: "الكِتابُ" في الآيَةِ ما نَزَلَ مِنَ الكُتُبِ قَبْلَ القُرْآنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِـ "الكِتابِ" القُرْآنُ، ثُمَّ تُعْطَفُ الصِفَةُ عَلَيْهِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ: "رُبَما" بِتَخْفِيفِ الباءِ، وقَرَأ الباقُونَ بِشَدِّها، إلّا أنَّ أبا عَمْرٍو قَرَأها عَلى الوَجْهَيْنِ، وهُما لُغَتانِ، ورُوِيَ عن طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ "رُبَّتَما" بِزِيادَةِ التاءِ، وَهِيَ لُغَةٌ، و"رُبَّما" لِلتَّقْلِيلِ، وقَدْ تَجِيءُ شاذَّةً لِلتَّكْثِيرِ، وقالَ قَوْمٌ: إنَّ هَذِهِ مِن تِلْكَ، ومِنهُ: رُبَّ كَأْسٍ هَرَقْتَ يابْنَ لُؤَيٍّ.
وأنْكَرُ الزُجاجُ أنْ تَجِيءَ "رُبَّ" لِلتَّكْثِيرِ.
و"ما" الَّتِي تَدْخُلُ عَلَيْها "رُبَّ" قَدْ تَكُونُ اسْمًا نَكِرَةً بِمَنزِلَةِ "شَيْءٍ"، وذَلِكَ إذا كانَ في الكَلامِ ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلَيْهِ كَقَوْلِ الشاعِرِ: رُبَّما تَكْرَهُ النُفُوسُ مِنَ الأُمْـ ∗∗∗ ∗∗∗ ـرِ لَهُ فُرْجَةٌ كَحَلِّ العِقالِ التَقْدِيرُ: رُبَّ شَيْءٍ.
وقَدْ تَكُونُ حَرْفًا كافًّا لِـ "رُبَّ" ومُوَطِّئًا لَها لِتَدْخُلَ عَلى الفِعْلِ، إذْ لَيْسَ مِن شَأْنِها أنْ تَدَخُّلَ إلّا عَلى الأسْماءِ، وذَلِكَ إذا لَمْ يَكُنْ ثَمَّ ضَمِيرٌ عائِدٌ، كَقَوْلِ الشاعِرِ: رُبَّما أوفَيْتُ في عَلَمٍ ∗∗∗ ∗∗∗ تَرْفَعن ثَوْبِي شَمالُاتُ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكَذَلِكَ تَدْخُلَ "ما" عَلى "مِن" كافَّةً في نَحْوِ قَوْلِهِ: "وَكانَ رَسُولُ اللهِ مِمّا يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ"، ونَحْوَ قَوْلِ الشاعِرِ: وإنّا لَمِمّا نَضْرِبُ الكَبْشَ ضَرْبَةً ∗∗∗ ∗∗∗ عَلى رَأْسِهِ تُلْقِي اللِسانَ مِنَ الفَمِ قالَ الكِسائِيُّ، والفِراءُ: البابُ في "رُبَّما" أنْ تَدْخُلَ عَلى الفِعْلِ الماضِي، ودَخَلَتْ هُنا عَلى المُسْتَقْبَلِ إذْ هَذِهِ الأفْعالُ المُسْتَقْبَلَةُ مِن كَلامِ اللهِ تَعالى لَمّا كانَتْ صادِقَةً واقِعَةً ولا بُدَّ تَجْرِي مَجْرى الماضِي الواقِعِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدْ تَدْخُلُ "رُبِّ" عَلى الماضِي الَّذِي يُرادُ بِهِ الِاسْتِقْبالُ، وتَدْخُلُ عَلى العَكْسِ.
والظاهِرُ في "رُبَما" في هَذِهِ الآيَةِ أنْ "ما" حَرْفٌ كافٍّ، هَكَذا قالَ أبُو عَلِيٍّ، قالَ: ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ اسْمًا، ويَكُونُ في "يَوَدُّ" ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلَيْهِ، التَقْدِيرُ: رُبَّ ودٍّ، أو شَيْءٌ يَوَدُّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ، ويَكُونُ ﴿ لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ ﴾ بَدَلًا مِن "ما".
وَقالَتْ فِرْقَةٌ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: رُبَّما كانَ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذا لا يُجِيزُهُ سِيبَوَيْهِ، لَأنَّ "كانَ" لا تُضْمَرُ عِنْدَهُ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في الوَقْتِ الَّذِي يَوَدُّ فِيهِ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ -فَقالَتْ فَرِقَةٌ: هو عِنْدَ مُعايَنَةِ المَوْتِ في الدُنْيا، حَكى ذَلِكَ الضِحاكُ، وفِيهِ نَظَرٌ؛ إذْ لا يَقِينَ لِلْكافِرِ حِينَئِذٍ بِحُسْنِ حالِ المُسْلِمِينَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو عِنْدَ مُعايَنَةِ أهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وهَذا بَيِّنٌ؛ لَأنَّ حُسْنَ حالِ المُسْلِمِينَ ظاهِرٌ فَيُوَدُّ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وأنَسُ بْنُ مالِكٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هو عِنْدَ دُخُولِهِمُ النارَ ومَعْرِفَتِهِمْ بِدُخُولِ المُؤْمِنِينَ الجَنَّةَ، واحْتُجَّ لِهَذا القَوْلِ بِحَدِيثٍ رُوِيَ في هَذا مِن طَرِيقِ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ، وهو «أنَّ اللهَ تَعالى إذا أدْخَلَ عُصاةَ المُسْلِمِينَ النارَ نَظَرَ إلَيْهِمُ الكُفّارُ فَقالُوا: ألَيْسَ هَؤُلاءِ مِنَ المُسْلِمِينَ؟
فَماذا أغْنَتْ عنهم لا إلَهَ إلّا اللهُ؟
فَيَغْضَبُ اللهُ تَعالى لِقَوْلِهِمْ، فَيَقُولُ: أخْرَجُوا مِنَ النارِ كُلَّ مُسْلِمٍ؟
قالَ رَسُولُ اللهِ : "فَحِينَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ".» وهَذا يَقِينُهم فِيهِ مُتَمَكِّنٌ بِحُسْنِ حالِ المُسْلِمِينَ، فَمِن حَيْثُ هَذا كُلُّهُ واحِدٌ في كُلِّ قَوْلٍ فَـ "رُبَما" لِلتَّقْلِيلِ، لَأنَّهم كانُوا في الدُنْيا لا يَوَدُّونَ الإسْلامَ في كُلِّ أوقاتِهِمْ، ومِن حَيْثُ مَوْطِنُ الآخِرَةِ يَدُومُ وِدُّهم فِيهِ جَعَلَ بَعْضَ الناسِ "رُبَما" هَذِهِ لِلتَّكْثِيرِ، إذْ كَلَّما تَذَكَّرَ أمْرَهُ ودَّ لَوْ كانَ مُسْلِمًا.
و"لَوَ" في هَذِهِ الآيَةِ الَّتِي لِلتَّمَنِّي، ويَدْخُلُها الِامْتِناعُ مِنَ الشَيْءِ لِامْتِناعِ غَيْرِهِ بِإضْمارٍ يُوَضِّحُهُ المَعْنى، وذَلِكَ أنَّهم ودُّوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ فَيَنْجَوْنَ النِجاءَ الَّذِي مانِعُهُ أنْ لَمْ يَكُونُوا مُسْلِمِينَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومِنَ العِبَرِ في هَذِهِ الآيَةِ حَدِيثُ الوابِصِيِّ الَّذِي في ذَيْلِ الأمالِي، ومُقْتَضاهُ أنَّهُ ارْتَدَّ ونَسِيَ القُرْآنَ إلّا هَذِهِ الآيَةَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَرْهم يَأْكُلُوا ويَتَمَتَّعُوا ﴾ الآيَةُ، وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ، وما فِيهِ مِنَ المُهادَنَةِ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَيْفِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ وعِيدٌ ثانٍ، وحَكى الطَبَرِيُّ عن بَعْضِ العُلَماءِ أنَّهُ قالَ: الأوَّلُ في الدُنْيا، والثانِي في الآخِرَةِ، فَكَيْفَ تَطِيبُ حَياةٌ بَيْنَ هَذَيْنَ الوَعِيدَيْنِ؟
ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ وَيُلْهِهِمُ الأمَلُ ﴾ أيْ يَشْغَلُهم أمَلُهم في الدُنْيا والتَزَيُّدُ فِيها عَنِ النَظَرِ والإيمانِ بِاللهِ ورَسُولِهِ.
ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ وَما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلا ولَها ﴾ الآيَةُ، أيْ: لا تَسْتَبْطِئْنَّ هَلاكَهُمْ، فَلَيْسَ مِن قَرْيَةٍ إلّا مُهْلَكَةٌ بِأجْلٍ وكِتابٍ.
ومَعْنى [مَعْلُومٌ] مَحْدُودٌ، والواوُ في قَوْلِهِ: "وَلَها" هي واوُ الحالِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "إلّا لَها" بِغَيْرِ واوٍ، وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: هَذِهِ الواوُ هي الَّتِي تُعْطِي أنَّ الحالَةَ الَّتِي بَعْدَها في اللَفْظِ هي في الزَمانِ قَبْلَ الحالَةِ الَّتِي قَبِلَ الواوِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى إذا جاءُوها وفُتِحَتْ أبْوابُها ﴾ وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
<div class="verse-tafsir"
استئناف ابتدائي وهو مفتتح الغرض وما قبله كالتنبيه والإنذار.
و ﴿ ربما ﴾ مركبة من (رب).
وهو حرف يدل على تنكير مدخوله ويجر ويختص بالأسماء.
وهو بتخفيف الباء وتشديدها في جميع الأحوال.
وفيها عدة لغات.
وقرأ نافع وعاصم وأبو جعفر بتخفيف الباء.
وقرأ الباقون بتشديدها.
واقترنت بها (ما) الكافة ل (ربّ) عن العمل.
ودخول (ما) بعد (رب) يكُف عملها غالباً.
وبذلك يصح دخولها على الأفعال.
فإذا دخلت على الفعل فالغالب أن يراد بها التقليل.
والأكثر أن يكون فعلاً ماضياً، وقد يكون مضارعاً للدلالة على الاستقبال كما هنا.
ولا حاجة إلى تأويله بالماضي في التحقق.
ومن النحويين من أوجب دخولها على الماضي، وتأول نحو الآية بأنه منزّل منزلة الماضي لتحققه.
ومعنى الاستقبال هنا واضح لأن الكفار لم يَودّوا أن يكونوا مسلمين قبل ظهور قوة الإسلام من وقت الهجرة.
والكلام خبر مستعمل في التهديد والتهويل في عدم اتباعهم دين الإسلام.
والمعنى: قد يود الذين كفروا لو كانوا أسلموا.
والتقليل هنا مستعمل في التهكم والتخويف، أي احذروا وَدادتكم أن تكونوا مسلمين، فلعلها أن تقع نادراً كما يقول العرب في التوبيخ: لعلك ستندم على فعلك، وهم لا يشكون في تندمه، وإنما يريدون أنه لو كان الندم مشكوكاً فيه لكان حقاً عليك أن تفعل ما قد تندم على التفريط فيه لكي لا تندم، لأن العاقل يتحرز من الضُر المظنون كما يتحرز من المتيقن.
والمعنى أنهم قد يودّون أن يكونوا أسلموا ولكن بعد الفوات.
والإتيان بفعل الكون الماضي للدلالة على أنهم يودون الإسلام بعد مضي وقت التمكن من إيقاعه، وذلك عندما يقتلون بأيدي المسلمين، وعند حضور يوم الجزاء، وقد ودّ المشركون ذلك غير مرة في الحياة الدنيا حين شاهدوا نصر المسلمين.
وعن ابن مسعود: ودّ كفارُ قريش ذلك يوم بدر حين رأوا نصر المسلمين.
ويتمنّون ذلك في الآخرة حين يساقون إلى النار لكفرهم، قال تعالى: ﴿ ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتّخذت مع الرسول سبيلا ﴾ [سورة الفرقان: 27].
وكذلك إذا أخرج عصاة المسلمين من النار ودّ الذين كفروا في النار لو كانوا مسلمين، على أنهم قد ودُّوا ذلك غير مرة وكتموه في نفوسهم عناداً وكفراً.
قال تعالى: ﴿ ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نردّ ولا نكذّب بآيات ربّنا ونكون من المؤمنين بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ﴾ [سورة الأنعام: 27، 28]، أي فلا يصرحون به.
ولو } في ﴿ لو كانوا مسلمين ﴾ مستعملة في التمني لأن أصلها الشرطية إذ هي حرف امتناع لامتناع، فهي مناسبة لمعنى التمني الذي هو طلب الأمر الممتنع الحصول، فإذا وقعت بعد ما يدل على التمني استعملت في ذلك كأنها على تقدير قول محذوف يقوله المتمني، ولما حذف فعل القول عدل في حكاية المقول إلى حكايته بالمعنى.
فأصل ﴿ لو كانوا مسلمين ﴾ لو كُنّا مسلمين.
والتزم حذف جواب ﴿ لو ﴾ اكتفاء بدلالة المقام عليه ثم شاع حذف القول، فأفادت ﴿ لو ﴾ معنى المصدرية فصار المعنى: يودّ الذين كفروا كونهم مسلمين، ولذلك عَدُّوها من حروف المصدرية وإنما المصدر معنى عارض في الكلام وليس مدلولها بالوضع.
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ الحِجْرِ مَكِّيَّةٌ بِاتِّفاقٍ إلّا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي والقُرْآنَ العَظِيمَ ﴾ فَمَدَنِيَّةٌ.
﴿ الر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ وقُرْآنٍ مُبِينٍ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الكِتابَ هو القُرْآنُ، جَمَعَ لَهُ بَيْنَ الِاسْمَيْنِ.
الثّانِي: أنَّ الكِتابَ هو التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، ثُمَّ قَرَنَها بِالقُرْآنِ بِالقُرْآنِ المُبِينِ.
وَفي المُرادِ بِالمُبِينِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: المُبِينُ إعْجازَهُ حَتّى لا يُعارَضَ.
الثّانِي: المُبِينُ الحَقَّ مِنَ الباطِلِ حَتّى لا يُشْكَلا.
الثّالِثُ: المُبِينُ الحَلالَ مِنَ الحَرامِ حَتّى لا يَشْتَبِها.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ ﴾ وفي زَمانِ هَذا التَّمَنِّي ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: عِنْدَ المُعايَنَةِ في الدُّنْيا حِينَ يَتَبَيَّنُ لَهُمُ الهُدى مِنَ الضَّلالَةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: في القِيامَةِ إذا رَأوْا كَرامَةَ المُؤْمِنِينَ وذُلَّ الكافِرِينَ.
الثّالِثُ: إذا دَخَلَ المُؤْمِنُ الجَنَّةَ، والكافِرُ النّارَ.
وَقالَ الحَسَنُ: إذا رَأى المُشْرِكُونَ المُؤْمِنِينَ وقَدْ دَخَلُوا الجَنَّةَ وصارُوا هم إلى النّارِ تَمَنَّوْا أنَّهم كانُوا مُسْلِمِينَ.
وَرُبَّما مُسْتَعْمَلَةٌ في هَذا المَوْضِعِ لِلْكَثِيرِ، وإنْ كانَتْ في الأصْلِ مَوْضُوعَةً لِلتَّقْلِيلِ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ألا رُبَّما أهْدَتْ لَكَ العَيْنُ نَظْرَةً قُصاراكَ مِنها أنَّها عَنْكَ لا تُجْدِي وَقالَ بَعْضُهم هي لِلتَّقْلِيلِ أيْضًا في هَذا المَوْضِعِ؛ لِأنَّهم قالُوا ذَلِكَ في بَعْضِ المَواضِعِ لا في كُلِّها.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ الر ﴾ و ﴿ الم ﴾ قال: فواتح يفتتح بها كلامه ﴿ تلك آيات الكتاب ﴾ قال التوراة والإِنجيل.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ الر تلك آيات الكتاب ﴾ قال: الكتب التي كانت قبل القرآن ﴿ وقرآن مبين ﴾ قال: مبين، والله هداه ورشده وخيره.
قوله تعالى: ﴿ ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ﴾ .
أخرج ابن أبي حاتم من طريق السدي، عن أبي مالك وأبي صالح عن ابن عباس وعن مرة، عن ابن مسعود وناس من الصحابة في قوله: ﴿ ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ﴾ قالوا: ودّ المشركون يوم بدر حين ضربت أعناقهم حين عرضوا على النار أنهم كانوا مؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ربما يود الذين كفروا ﴾ قال: ذلك يوم القيامة، يتمنى الذين كفروا ﴿ لو كانوا مسلمين ﴾ قال: موحدين.
وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله: ﴿ ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ﴾ قال: هذا في الجهنميين، إذا رأوهم يخرجون من النار.
وأخرج سعيد بن منصور وهناد بن السري في الزهد، وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه، والبيهقي في البعث والنشور، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ما زال الله يشفع ويدخل الجنة ويشفع ويرحم، حتى يقول: من كان مسلماً فليدخل الجنة.
فذلك قوله: ﴿ ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ﴾ .
وأخرج ابن المبارك في الزهد وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في البعث، عن ابن عباس وأنس رضي الله عنهما، أنهما تذاكرا هذه الآية ﴿ ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ﴾ فقالا: هذا حيث يجمع الله بين أهل الخطايا من المسلمين والمشركين في النار، فيقول المشركون: ما أغنى عنكم ما كنتم تعبدون...
!
فيغضب الله لهم، فيخرجهم بفضل رحمته.
وأخرج سعيد بن منصور وهناد والبيهقي، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ﴾ قال: إذا خرج من النار من قال لا إله إلا الله.
وأخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه بسند صحيح، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن ناساً من أمي يعذبون بذنوبهم فيكونون في النار ما شاء الله أن يكونوا، ثم يعيرهم أهل الشرك فيقولون: ما نرى ما كنتم فيه من تصديقكم نفعكم.
فلا يبقى موحد إلا أخرجه الله تعالى من النار، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ﴾ » .
وأخرج ابن أبي عاصم في السنة وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه، وابن مردويه والبيهقي في البعث والنشور، عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا اجتمع أهل النار في النار ومعهم من شاء الله من أهل القبلة، قال الكفار للمسلمين: ألم تكونوا مسلمين؟
قالوا: بلى.
قالوا: فما أغنى عنكم الإِسلام وقد صرتم معنا في النار؟
قالوا: كانت لنا ذنوب فأخذنا بها.
فسمع الله ما قالوا، فأمر بكل من كان في النار من أهل القبلة فأخرجوا، فلما رأى ذلك من بقي من الكفار قالوا: يا ليتنا كنا مسلمين فنخرج كما خرجوا، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ الر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ﴾ » .
وأخرج اسحق ابن راهويه وابن حبان والطبراني وابن مردويه، عن أبي سعيد الخدري أنه سئل: هل سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الآية شيئاً ﴿ ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ﴾ ؟
قال: نعم، سمعته يقول: «يُخْرج الله أناساً من المؤمنين من النار بعدما يأخذ نقمته منهم لما أدخلهم الله النار مع المشركين، قال لهم المشركون: ألستم كنتم تزعمون أنكم أولياء الله في الدنيا، فما بالكم معنا في النار؟
فإذا سمع الله ذلك منهم أذن في الشفاعة لهم، فيشفع الملائكة والنبيون والمؤمنون حتى يخرجوا بإذن الله، فاذا رأى المشركون ذلك قالوا: يا ليتنا كنا مثلهم فتدركنا الشفاعة فنخرج معهم.
فذلك قول الله: ﴿ ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ﴾ قال: فيسمون في الجنة الجهنميين من أجل سواد في وجوههم، فيقولون: يا ربنا، أذهب عنا هذا الاسم، يأمرهم فيغتسلون في نهر الجنة فيذهب ذلك الاسم عنهم» .
وأخرج هناد بن السري والطبراني في الأوسط وأبو نعيم، عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن ناساً من أهل لا إله إلا الله يدخلون النار بذنوبهم، فيقول لهم أهل اللات والعزى: ما أغنى عنكم قول لا إله إلا الله وأنتم معنا في النار؟
فيغضب الله لهم فيخرجهم فيلقيهم في نهر الحياة، فيبرؤون من حرقهم كما يبرأ القمر من خسوفه، فيدخلون الجنة ويسمون فيها الجهنميين» .
وأخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: أول من يأذن الله عز وجل له يوم القيامة في الكلام والشفاعة، محمد صلى الله عليه وسلم، فيقال له: «قلْ تسمعْ وسلْ تُعْطَه.
قال: فَيَخرُّ ساجداً فيثني على الله ثناء لم يُثْنِ عليه أحدٌ، فيقال: ارفع رأسك.
فيرفع رأسه فيقول: أي رب، أمتي..
أمتي..
فيخرج له ثلث من في النار من أمته، ثم يقال: قل تسمع، وسل تعط.
فيخرّ ساجداً فيثني على الله ثناء لم يثنه أحد.
فيقال: ارفع رأسك.
فيرفع رأسه ويقول: أي رب، أمتي..
أمتي..
فيخرج له ثلث آخر من أمته، ثم يقال له: قل تسمع، وسل تعط.
فيخرّ ساجداً فيثني على الله ثناء لم يثنه أحد.
فيقال: ارفع رأسك.
فيرفع رأسه ويقول: رب، أمتي..
أمتي..
فيخرج له الثلث الباقي» .
فقيل للحسن: أن أبا حمزة يحدث بكذا وكذا.
فقال: يرحم الله أبا حمزة، نسي الرابعة.
قيل: وما الرابعة؟
قال: من ليست له حسنة إلا لا إله إلا الله.
فيقول: رب، أمتي..
أمتي..
فيقال له: يا محمد، هؤلاء ينجيهم الله برحمته حتى لا يبقى أحد ممن قال لا إله إلا الله، فعند ذلك يقول أهل جهنم ﴿ ما لنا من شافعين، ولا صديق حميم فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين ﴾ وقوله: ﴿ ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ﴾ .
وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: يقوم نبيكم رابع أربعة، فيشفع فلا يبقى في النار إلا من شاء الله من المشركين، فذلك قوله: ﴿ ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن شاهين في السنة، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أصحاب الكبائر من موحّدي الأمم كلها، الذين ماتوا على كبائرهم غير نادمين ولا تائبين، من دخل منهم جهنم لا تزرقّ أعينهم ولا تسودّ وجوههم، ولا يقرنون بالشياطين ولا يغلون بالسلاسل، ولا يجرعون الحميم ولا يلبسون القطران، حرم الله أجسادهم على الخلود من أجل التوحيد، وصورهم على النار من أجل السجود، فمنهم من تأخذه النار إلى قدميه ومنهم من تأخذه النار إلى عقبيه، ومنهم من تأخذه النار إلى فخذيه، ومنهم من تأخذه النار إلى حجزته، ومنهم من تأخذه النار إلى عنقه، على قدر ذنوبهم وأعمالهم، ومنهم من يمكث فيها شهراً ثم يخرج منها، ومنهم من يمكث فيها سنة ثم يخرج منها، وأطولهم فيها مكثاً بقدر الدنيا منذ يوم خلقت إلى أن تفنى، فإذا أراد الله أن يخرجهم منها، قالت اليهود والنصارى ومن في النار من أهل الأديان والأوثان، لمن في النار من أهل التوحيد: آمنتم بالله وكتبه ورسله، فنحن وأنتم اليوم في النار سواء.
فيغضب الله لهم غَضَباً لم يغضَبْه لشيء فيما مضى، فيخرجهم إلى عين بين الجنة والصراط فينبتون فيها نبات الطراثيث في حميل السيل، ثم يدخلون الجنة...
مكتوب في جباههم: هؤلاء الجهنميون عتقاء الرحمن.
فيمكثون في الجنة ما شاء الله أن يمكثوا، ثم يسألون الله تعالى أن يمحو ذلك الاسم عنهم، فيبعث الله ملكاً فيمحوه، ثم يبعث الله ملائكة معهم مسامير من نار فيطبقونها على من بقي فيها، يسمرونها بتلك المسامير فينساهم الله على عرشه ويشتغل عنهم أهل الجنة بنعيمهم ولذاتهم.
وذلك قوله: ﴿ ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ﴾ » .
وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه، عن زكريا بن يحيى صاحب القضيب قال: سألت أبا غالب رضي الله عنه عن هذه الآية ﴿ ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ﴾ فقال: حدثني أبو أمامة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «انها نزلت في الخوارج حين رأوا تجاوز الله عن المسلمين وعن الأمة والجماعة، قالوا: يا ليتنا كنا مسلمين» .
وأخرج الحاكم في الكنى، عن حماد رضي الله عنه قال: سألت إبراهيم عن هذه الآية ﴿ ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ﴾ قال: حدثت أن أهل الشرك قالوا لمن دخل النار من أهل الإِسلام: ما أغنى عنكم ما كنتم تعبدون...؟
فيغضب الله لهم فيقول للملائكة والنبيين: اشفعوا لهم.
فيشفعون لهم فيخرجون، حتى ان إبليس ليتطاول رجاء أن يدخل معهم، فعند ذلك ﴿ يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ وقُرئ ﴿ رُبَمَا ﴾ بالتخفيف، قال السُّكّري (١) (٢) رُبَّما تَكْرَهُ النُّفُوسُ مِنَ الأمْرِ ...
لها فَرْجةٌ كَحَلِّ العِقَالِ (٣) فـ (ما) في هذا البيت اسم لما يُقَدَّر من عَوْد الذكر إليه من الصفة، المعنى: رب شيء تكره النفوس، وإذا عاد إليها الهاء كان اسمًا ولم يجز أن يكون الحرف (٤) ﴿ أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ ﴾ ما عاد الذكر إليه علمت بذلك أنه اسم، ويدلك على أن (ما) قد تكون اسمًا إذا وقعت بعد رب وقوع (من) بعدها (٥) (٦) (٧) وكما دخلت على (مَنْ) وكانت نكرة، كذلك تدخل على (ما) فهذا ضرب، والضرب الآخر: أن تدخل (ما) كافة، نحو الآية، والنحويون يسمّون (ما) هذه الكافة؛ يريدون أنها بدخولها كفت الحرفَ عن العمل الذي كان له، وهيأته لدخوله على ما لم يدخل عليه، ألا ترى أن (رب) إنما تدخل على الاسم المفرد؛ نحو: رب رجل يقول ذلك، ولا تدخل على الفعل، فلما دخلت (ما) عليها هيأتها للدخول على الفعل كهذه الآية (٨) ﴿ رُبَمَا يَوَدُّ ﴾ فجاء بعد ربما بفعل مستقبل، وسبيلها أن يأتي بعدها الماضي كما يقال: ربما قصدني عبد الله، ولا يكاد يستعمل المستقبل بعدها؟
قال ابن الأنباري: المستقبل في هذا بمنزلة الماضي، وإنما جاز الماضي هاهنا وهو لأمر لم يأت؛ لأن القرآن نَزَّل وعده ووعيده وما كان فيه كأنه عيان، فجرى الكلام فيما لم يكن منه كمجراه في الكائن، ألا ترى إلى قوله: ﴿ وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا ﴾ كأنه ماضٍ وهو منتظَر؛ لصدقه، وكذلك قوله: ﴿ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ﴾ وقوله تعالى: ﴿ وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ ﴾ وهذا معنى قول الفراء في هذه الآية (٩) ﴿ يَوَدُّ ﴾ في الآية على لفظ المضارع؛ لأنه حكايته لحال آتية، كما أن قوله: ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ ﴾ حكايته لحال آتية أيضًا، ومن حكايته الحال قول القائل (١٠) جَارِيةٌ في رَمَضَانَ الماضِي ...
تُقَطِّعُ الحَدِيثَ بالإيمَاضِ (١١) قال ومن زعم أن الآية على إضمار (كان) وتقديره: ربما كان يود الذين كفروا، فقد خرج بذلك عن قول سيبويه (١٢) ﴿ يَوَدُّ ﴾ صفة له؛ وذلك أن (ما) لعمومها تقع على كل شيء، فيجوز أن يعني بها الودّ؛ كأنه في هذا الوجه أيضًا حكاية حال، ألا ترى أنه لم يكن بَعْدُ، انتهى كلامه.
(١٣) (١٤) ماويَّ يَا ربَّتَما غارةٍ ...
شَعْواءَ كاللَّذْعةِ بالِمِيسمَ (١٥) وإن قيل لِمَ (١٦) ﴿ رُبَمَا ﴾ بالتخفيف (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) أَسُمَيَّ ما يُدْرِيكِ أن رُبَ فِتْية ...
بَاكَرْتُ لذَّتَهُمْ بِأدْكَنَ مُتْرَعِ (٢١) ويسكنون أيضًا في التخفيف فيقولون: رُبْ رَجُلٍ، وأنشد بيت الهذلي: أزُهَيْرُ إن يَشِبِ القَذَالُ فإنني (٢٢) (٢٣) (٢٤) (٢٥) قال: "إذا كان يوم القيامة واجتمع أهل النار في النار، ومعهم من شاء الله من أهل القلبة، قال الكفار لهم: ألستم مسلمين؟
قالوا: بلى، قالوا فما أغنى عنكم إسلامكم وقد صرتم معنا في النار؟
فيغضب الله لهم بفضل رحمته فيأمر بكل من كان من أهل القبلة في النار فيخرجون منها فحينئذ ﴿ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ﴾ وقرأ رسول الله هذه الآية" (٢٦) (٢٧) (٢٨) (٢٩) (٣٠) (٣١) ﴿ رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ الآية (٣٢) وقال الضحاك: إذا احتضر الكافر وعلم أنه صائر إلى جهنم ودَّ أنه كان مسلمًا (٣٣) (٣٤) (٣٥) قال ابن الأنباري: هذا الكلام معناه من الله التهديد، والمعنى: أن هذا لو كان مما يتمنى مرة واحدة من الدهر لكانت المسارعة إليه عند الإمكان واجبة، فكيف والتمني له يتصل ويكثر (٣٦) ﴿ ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا ﴾ الآية، وهذا كله معنى قول الزجاج، قال: وجائز أن تكون أهوال القيامة تشغلهم عن التَّمَنّي، فإذا أفاقوا من سكرةٍ من سكراتِ العذاب ودّوا ذلك (٣٧) (٣٨) (٣٩) (١) الحسن بن الحسين بن العلاء، أبو سعيد النحويّ اللغويّ، المعروف بابن السكري، أخذ عن أبي حاتم السجستاني، والرياشي، كان راوية للبصريين، وكان ثقة ديناً صادقاً، له: كتاب "الوحوش"، وكتاب "النبات"، و"أشعار هذيل" مات سنة 275 هـ، وقيل (290 هـ)، وكان مولده سنة (202 هـ) انظر: "طبقات النحويين واللغويين" ص 183.
"الفهرست" ص 217، "نزهة الألباء" ص 160، "البلغة" ص 296، "البغية" 1/ 502.
(٢) انظر: "الكتاب" باب الجر 1/ 419.
(٣) "ديوان أمية بن أبي الصلت" ص 444 وفيه: (تجزع) بدل (تكره)، وورد البيت في "الكتاب" 2/ 109، 315، "اللسان" (فرج) 6/ 3369، "الخزانة" 6/ 108، 10/ 9، وورد غير منسوب في "البيان والتبيين" 3/ 224 برواية (تجزع)، "المقتضب" 1/ 42، "جمهرة اللغة" 1/ 463، "إيضاح الشعر" ص295، 445، "معاني الحروف" للرماني ص 156، "تفسير الطوسي" 6/ 314 برواية (تجزع)، "أمالي ابن الشجري" 2/ 554، "أساس البلاغة" 2/ 191 (فرج)، "تفسير ابن عطية" 8/ 277 "تفسير ابن الجوزي" 4/ 382 برواية "تجزع"، "إنباه الرواة" 4/ 134، "شرح المفصل" 3/ 4، "تفسير أبي حيان" 5/ 443، "همع الهوامع" 1/ 22، 316، "شرح الأشموني" 1/ 192، (الفَرجة) بالفتح قيل: الراحة من حزن أو مرض، و (الفُرجة) بالضم: الخلل بين الشيئين، (العقال) بالكسر: الحبل الذي يشد به قوائم الإبل، والمعنى: ربّ شيء تكرهه النفوس من الأمور الحادثة الشديدة، وله فَرجة سهلة سريعة تعقب الضيقَ والشدة؛ كحل عقال الدابة.
(٤) ورد في "تفسير الطوسي" 6/ 460 بنصه.
(٥) في جميع النسخ: (بحدها)، والمثبت هو الصحيح، وموافق للمصدر.
(٦) هو عمرو بن قميئة جاهلي.
(٧) ملحقات "ديوانه" ص 81، وورد في: "الكتاب" 2/ 108، "الأزهية" ص 101، "أمالي ابن الشجري" 3/ 219،64، وورد بلا نسبة في: "الحيوان" 3/ 466، "المقتضب" 1/ 41، "المسائل البغداديات" ص 566 (صدره)، "تفسير الفخر الرازي" 19/ 152، "شرح المفصل" 4/ 11، "معجم الشعراء" ص 27 وقد نسبه إلى عمرو بن لأي جاهلي.
(الأذواد)، جمع ذود، وهو القطيع من الإبل ما بين الثلاث إلى الثلاثين، يعني أنهم أعزاء لا يستطيع أحد صد إبلهم عن مرعى، مما لهم من قوة ومنعة، (اغتدين) غدا يغدُو غدْوًا وغُدواً، واغتدى: بكَّر، والاغْتداء، الغُدُوُّ.
"اللسان" (غدو) 6/ 3221.
(٨) "الحجة للقراء" 5/ 36 وهو نقل طويل مع اختصار يسير، وانظر: "تفسير الطوسي" 6/ 314، الفخر الرازي 19/ 152.
(٩) "معاني القرآن" للفراء 2/ 82.
(١٠) منسوب لرؤبة وهو في ملحقات "ديوانه" ص 176 وروايته: لقد أتى في رمضان الماض ...
جارية في درعها الفضفاضِ تُقطّعُ الحديث بالإيماض ...
أبيض من أختِ بني إباضِ (١١) ورد غير منسوب في: "تفسير الطوسي" 6/ 314، "غرائب التفسير" 1/ 585، "الفريد في إعراب القرآن" 3/ 185 "اللسان" (رمض) 3/ 1730، "الخزانة" 1/ 156، "الإنصاف" ص 124 برواية: جارية في درعها الفَضْفَاض والمعنى أن القوم كانوا يتحدثون فأومضت امرأة فتركوا الحديث واشتغلوا بالنظر إليها لبراعة جمالها.
(١٢) لأن هذا ليس من مواضع إضمار كان عنده؛ فكان لا تضمر عنده إلا حيث يكون حذف مقتضيها، وفي موضع تقوى الدلالة عليها.
ذكره المنتجب في "الفريد في إعراب القرآن" 3/ 185، وانظر: "تفسير أبي حيان" 5/ 444.
(١٣) "الحجة للقراء" 5/ 39 بنصه.
(١٤) والبيت لضمرة بن ضمرة النهشلي (جاهلي).
(١٥) ورد البيت منسوباً في: "نوادر أبي زيد" ص 253، "المعاني الكبير" 2/ 1005، "الخزانة" 9/ 384.
وورد غير منسوب في "تهذيب اللغة" (ماء) 9/ 3314، 9/ 3814 (رب) 2/ 1339، (موا) 4/ 3467، "الحجة للقراء" 5/ 35، "الإنصاف" ص90، "شرح المفصل" 8/ 31، "أمالي ابن الشجري" 2/ 413، "اللسان" (ربب) 3/ 1552، "الخزانة" 11/ 196، ورواية "النوادر والمعاني" و"الحجة" و"الأمالي": (بل ربتما).
(ماويّ): أراد ماويّ؛ من أسماء النساء، فرخَّم، (الشعواء) الغارة الكثيرة المنتشرة؛ أراد الخيل التي تغير، (المِيسم) ما يوسم به البحير بالنار.
(١٦) في (أ)، (د): (لو)، والمثبت من (ش)، (ع) وهو الصحيح لاستقامة المعنى به.
(١٧) هما نافع وعاصم.
انظر: "السبعة" ص 366، "إعراب القراءات السبع" 1/ 339، "علل القراءات" 1/ 293، "الحجة للقراء" 5/ 35.
(١٨) في جميع النسخ: (خفف)، والمثبت هو الصحيح لاستقامة الكلام، وموافقة المصدر.
(١٩) ورد في "الحجة للقراء" 5/ 41 بنصه، وانظر: "تفسير الطوسي" 6/ 316.
(٢٠) للحادرة أو الحويدرة؛ واسمه قطبة بن أوس الذبياني (جاهلي).
(٢١) "ديوان الحادرة" ص 56، وورد في "المفضَّليات" ص 46، "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 171، "علل القراءات" 1/ 293، "شرح اختيارات المفضل" 1/ 225، وورد بلا نسبة في "إعراب القراءات السبع" وعللها 1/ 340وفيه: (سُخرتهم) بدل (لذتهم)، "المُنصف" (3/ 129) وفيه: (ما أدراك)، وفي الديوان وجميع المصادر ما عدا علل القراءات بدايته برواية: (فَسُمَيَّ)، وهو تَرْخيم سُمَيَّة.
(باكرتُ لذتهم) أسرعت إليهم لأمتعهم، (الأدكن المترع) الزِّق المليء بالخمر.
(٢٢) في جميع المصادر - ما عدا الديوان والزجاج والطوسي وابن الجوزي (فإنه).
(٢٣) "شرح أشعار الهذليين" ص 1070، وورد في "تفسير الطوسي" 6/ 316، "أمالي ابن الشجري" 3/ 48، إيضاح شواهد الإيضاح 1/ 287، "تفسير ابن الجوزي" 4/ 380، "الخزانة" 9/ 537، وورد غير منسوب في: "المحتسب" (ع) 2/ 343، "أمالي ابن الشجري" 2/ 179، "الإنصاف" ص 247، "شرح المفصل" 8/ 31، "الممتع في التصريف" 2/ 627، "المقّرِب" 8/ 200، "رصف المباني" ص 141، 270، "الخزانة" 9/ 535، وفي الديوان وجميع المصادر - ما عدا "تفسير ابن == الجوزي" و"المقرب" و"الرصف" و"الخزانة"- برواية (لَجِبٍ) بدل (مَرِسٍ) ولا يختلف المعنى.
(زهير) مرخَّم زهيرة، وهي ابنته، (القذال) ما بين الأذن والقفا، (مَرِسٍ) ذو مَرَاسَة وشدة، (لَجِبٍ) من قولهم جيشٌ لجب؛ عرمرم، ذو جَلَبة وكثرة.
(٢٤) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 171 بتصرف يسير.
(٢٥) "الحجة للقراء" 5/ 41 بنصمي (٢٦) أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" 2/ 405 بنحوه، والطبري في "تفسيره" 14/ 2 بنحوه، والحاكم في "المستدرك" 2/ 242 بنحوه، وصححه ووافقه الذهبي، والبيهقي في "البعث" ص 91، وأورده ابن كثير في "تفسيره" 2/ 600 - 601 وعزاه إلى الطبراني لم أقف عليه وابن أبي حاتم، وأوده الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 45، قال وفيه خالد بيت نافع الأشعري، قال عنه أبو داود: متروك، وبقية رجاله ثقات، وأورده السيوطي في "الدر" 4/ 172 وزاد نسبته إلى ابن مردويه، وورد دون سند في "تفسير البغوي" 4/ 367 - 368، وابن الجوزي 4/ 380، والفخر الرازي 19/ 154 وهذا الحديث يدور على خالد بن نافع الأشعري، وهو ضعيف بل قال عنه أبو داود متروك، ولم يوافق الذهبي على تركه، وقال: هذا تجاوز فلا يستحق == الترك وقد حدث عنه أحمد ومسدد "الميزان" 2/ 166، ومع ذلك فالحديث ضعيف بهذا الإسناد؛ لضعف خالد الأشعري، لكن له شواهد عن ابن عباس وأنس ما لذلك صحح الألباني الحديث في تحقيقه لكتاب "السنة" لابن أبي عاصم 2/ 406.
(٢٧) "تفسير مجاهد" ص 339 مختصرًا، وأخرجه عبد الرزاق 2/ 345 بنحوه عن مجاهد، والطبري 14/ 3 بمعناه عن مجاهد وأبي العالية، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 7 عن مجاهد، "تفسير السمرقندي" 2/ 214 عن مجاهد وأبي العالية، "الطوسي" 6/ 317 عن مجاهد، "تفسير ابن الجوزي" 4/ 381 عن مجاهد وأبي العالية، وابن كثير 2/ 600 - 601 عن مجاهد وأبي العالية، ولم أقف على القول في تفسير مقاتل ولا منسوباً إليه ولا إلى السدي.
(٢٨) حمّاد بن سلمة بن دينار البصري، أبو سلمة، أحد الأعلام، ثقة عابد، روى عن قتادة وابن أبي مليكة وثابت، وروى عنه ابن المبارك ووكيع وابن مهدي، قال ابن معين: إذا رأيت من يقع فيه فاتهمه على الإسلام، مات سنة (167هـ)، "الجرح والتعديل" 3/ 140، "الكاشف" 1/ 349، "تقريب التهذيب" ص 178 رقم (1499).
(٢٩) أخرجه عبد الرزاق 2/ 345 بنحوه، و"الطبري" 14/ 5 بنصه وبنحوه بعدة روايات، وورد بنحوه في: "معاني القرآن" للنحاس 4/ 7، "تفسير السمرقندي" 2/ 214، "تفسير ابن الجوزي" 4/ 381.
(٣٠) أخرجه ابن المبارك في "الزهد" ص 558، والطبري 14/ 5، والبيهقي في البعث ص 89، كلهم من طريق القاسم بن الفضل، "تفسير ابن الجوزي" 4/ 381، "الدر المنثور" 4/ 172 وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.
(٣١) في (أ)، (د): (ما أنزل)، والمثبت من (ش)، (ع) وهو الصحيح.
(٣٢) "أخرجه الطبري" 14/ 5 بنصه، من طريق عطاء بن السائب "صحيحة"، وأورده الثعلبي 2/ 145 ب بنصه، وأخرجه الحاكم في "المستدرك" 2/ 351 وصححه، والبيهقي في "البعث والنشور" ص 89 بنصه، "تفسير ابن الجوزي" 4/ 381، الفخر الرازي 19/ 154، الشوكاني 3/ 124 وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور وهناد السريّ وابن المنذر.
(٣٣) "أخرجه الطبري" 14/ 4 بنحوه، "تفسير البغوي" 4/ 367، وابن الجوزي 4/ 381، الفخر الرازي 19/ 154، "تفسير القرطبي" 10/ 2، والخازن 3/ 88.
(٣٤) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 172 بنصه.
(٣٥) في الجميع: (نظره)، والمثبت هو الصحيح وبه يستقيم المعنى.
(٣٦) "تفسير ابن الجوزي" 4/ 382، وورد هذا المعنى في "تفسير الزمخشري" 2/ 310، والبيضاوي 1/ 267، وابن جزي 2/ 143.
(٣٧) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 172 بتصرف.
(٣٨) "تفسير الفخر الرازي" 19/ 153، والخازن 3/ 88.
(٣٩) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 173 بنصه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ تِلْكَ آيَاتُ الكتاب وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ ﴾ يحتمل أن يريد بالكتاب الكتب المتقدمة، وعطف القرآن عليها، والظاهر أنه القرآن وعطفه عطف الصفات ﴿ رُّبَمَا ﴾ قرئ بالتخفيف والتشديد وهما لغتان.
وما حرف كافة لرب، ومعنى رب التقليل، وقد تكون للتكثير، وقيل: إن هذه منه، وقيل: إنما عبر عن التكثير بأداة التقليل كقوله: ﴿ قَدْ نرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السمآء ﴾ [البقرة: 144]، و ﴿ قَدْ يَعْلَمُ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ ﴾ [النور: 64]، وقيل إن معنى التقليل في هذه أنهم لو كانوا يودون الإسلام مرة واحدة لوجب أن يسارعوا إليه، فكيف وهم يودونه مراراً كثيرة، ولا تدخل إلا على الماضي ﴿ يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ ﴾ قيل: إن ذلك عند الموت، وقيل: في القيامة، وقيل: إذا خرج عصاة المسلمين من النار، وهذا هو الأرجح لحديث روي في ذلك ﴿ ذَرْهُمْ ﴾ وما بعده تهديد ﴿ كِتَابٌ مَّعْلُومٌ ﴾ أي وقت محدود.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ربما ﴾ بفتح الباء مخففة: أبو جعفر ونافع وعاصم غير الشموني.
و ﴿ ربما ﴾ بضم الباء خفيفة: الشموني.
الباقون بالفتح والتشديد ﴿ ما ننزل ﴾ بالنون ﴿ الملائكة ﴾ بالنصب: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد.
﴿ ما تنزل ﴾ بضم التاء وفتح الزاي المشددة ﴿ الملائكة ﴾ بالرفع: أبو بكر وحماد الباقون مثله، ولكن بفتح التاء ﴿ ما تنزل ﴾ بالإدغام: البزي وابن فليح ﴿ سكرت ﴾ خفيفة: ابن كثير ﴿ فتحنا ﴾ بالتشديد: يزيد ﴿ الريح ﴾ على التوحيد: حمزة وخلف ﴿ صراط على ﴾ بكسر اللام ورفع الياء على النعت: يعقوب الآخرون ﴿ عليّ ﴾ جاراً ومجروراً ﴿ وعيون ﴾ بكسر العين: حمزة وعلي وابن كثير وابن ذكوان والأعشى ويحيى وحماد.
الباقون بضمها ﴿ نبىء عبادي ﴾ مثل نبئنا عبادي أني بالفتح فيهما: {أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.
والآخرون بالإسكان.
الوقوف ﴿ آلر ﴾ قف كوفي ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ مسلمين ﴾ ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ معلوم ﴾ ه ﴿ وما يستأخرون ﴾ ه ﴿ لمجنون ﴾ ه ط لأن التحضيض له صدر الكلام ﴿ الصادقين ﴾ ه ﴿ منظرين ﴾ ه ﴿ لحافظون ﴾ ه ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ يستهزءُون ﴾ ه ﴿ المجرمين ﴾ ه ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ يعرجون ﴾ ه ﴿ مسحورون ﴾ ه ﴿ للناظرين ﴾ لا ﴿ رجيم ﴾ لا ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ موزون ﴾ ه ﴿ برازقين ﴾ ه ﴿ خزائنه ﴾ ز لاتفاق الجملتين مع الفصل بي معنيي الجمع في التقدير والتفريق في التنزيل.
﴿ فأسقيناكموه ﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف أو الحال ﴿ بخازنين ﴾ ه ﴿ الوارثون ﴾ ه ﴿ المستأخرين ﴾ ه ﴿ يحشرهم ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ مسنون ﴾ ه ج لاتفاق الجملتين مع تقدم المفعول في الثانية ﴿ السموم ﴾ ه ﴿ مسنون ﴾ ه ﴿ ساجدين ﴾ ه ﴿ أجمعون ﴾ ه لا ﴿ إلا إبليس ﴾ ط ﴿ الساجدين ﴾ ه ﴿ مسنون ﴾ ه ﴿ رجيم ﴾ ه ﴿ الدين ﴾ ه ﴿ يبعثون ﴾ ه ﴿ من المنظرين ﴾ لا ه ﴿ المعلوم ﴾ ه ﴿ أجمعين ﴾ لا ه ﴿ المخلصين ﴾ ه ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ الغاوين ﴾ ه ﴿ أجمعين ﴾ ه ﴿ أبواب ﴾ ط ﴿ مقسوم ﴾ ه ﴿ وعيون ﴾ ه لإرادة القول بعده ﴿ آمنين ﴾ ه ﴿ متقابلين ﴾ ه ﴿ بمخرجين ﴾ ه ﴿ الرحيم ﴾ لا ﴿ الأليم ﴾ ه.
التفسير قال جار الله: ﴿ تلك ﴾ إشارة إلى ما تضمنته السورة من الآي والكتاب والقرآن المبين السورة.
وتنكير القرآن للتفخيم وقال آخرون: الكتاب والقرآن المبين هو الكتاب الذي وعد الله محمداً والمعنى تلك الآيات آيات ذلك الكتاب الكامل في كونه كتاباً وفي كونه قرآناً مفيداً للبيان.
أما قوله ﴿ ربما يود ﴾ فذكر السكاكي أن فيه سبع لغات أخر بعد المشهورة: رب بالراء مضمومة، والباء مخففة مفتوحة أو مضمومة أم مسكنة، ورب بالراء مفتوحة والباء كذلك مشددة، وربة بالتاء مفتوحة والباء كذلك أي مفتوحة مخففة أو مشددة، وإنما دخل على المضارع مع أنه مختص بالماضي لأن المترقب فيأخبار الله بمنزلة الماضي المقطوع به في تحققه فكأنه قيل: ربما ود.
و"ما" هذه كافة أي تكف رب عن العمل فتتهيأ بذلك للدخول على الفعل.
وقيل: إن "ما" بمعنى شيء أي رب شيء يوده الذين كفروا.
ورب للتقليل فأورد عليه أن تمنيهم يكثر ويتواصل فما معنى التقليل؟
وأجيب بأنه على عادة العرب إذا أرادوا التكثير ذكروا لفظاً وضع لأجل التقليل كما إذا أرادوا اليقين ذكروا لفظاً وضع للشك.
والمقصود إظهار الترفع والاستغناء عن التصريح بالتعريض فيقولون: ربما ندمت على ما فعلت، ولعلك تندم على فعلك.
وإن كان العلم حاصلاً بكثرة الندم ووجوده بغير شك أرادوا لو كان الندم قليلاً أو مشكوكاً فيه لحق عليك أن لا تفعل هذا الفعل لأن العقلاء يتحرزون من الغم القليل كما يحذرون من الكثير، ومن الغم المظنون كما من المتيقن.
فمعنى الآية لو كانوا يودون الإسلام مرة واحدة كان جديراً بالمسارعة إليه فكيف وهو يودونه في كل ساعة.
وقوله ﴿ لو كانوا مسلمين ﴾ إخبار عن ودادتهم كقولك "حلف بالله ليفعلن".
ولو قيل "لو كنا مسلمين" جاز من حيث العربية كقولك "حلف بالله لأفعلن".
ومتى تكون هذه الودادة؟
قال الزجاج: إن الكافر كلما رأى حالاً من أحوال العذاب أو رأى أحوالاً من أحوال المسلم ود لو كان مسلماً.
وعلى هذا فقد قيل في وجه التقليل: إن العذاب يشغلهم عن كثير التمني فلذلك قلل.
وقال الضحاك: هي عند الموت إذا شاهد أمارات العذاب.
وقيل: إذا اسودت وجوههم.
روي عن النبي "إذا كان يوم القيامة اجتمع أهل النار ومعهم من شاء الله من أهل القبلة.
فقال الكفار لهم: ألستم مسلمين؟
قالوا: بلى قالوا: فما أغنى عنكم من إسلامكم وقد صرتم معنا في النار؟
فيغضب الله لهم فيأمر لكل من كان من أهل القبلة بالخروج فحينئذٍ يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين.
وقرأ رسول الله الآية" .
وروى مجاهد عن ابن عباس أنه قال: ما يزال الله يرحم المؤمنين ويخرجهم من النار ويدخلهم الجنة بشفاعة الملائكة والأنبياء حتى إنه في آخر الأمر يقول: من كان من المسلمين فليدخل الجنة فهناك يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ﴿ ذرهم ﴾ ظاهره أمر لرسول الله بأنه يخليهم وشأنهم، فاحتجت الأشاعرة به على أنه وتعالى قد يصد عن الإيمان ويفعل بالمكلف ما يكون مفسدة في الدين.
وقالت المعتزلة: ليس هذا إذناً وتجويزاً وإنما هو تهديد ووعيد وقطع طمع النبي عن ارعوائهم، وفيه أنهم من أهل الخذلان ولا يجيء منهم إلا ما هم فيه، ولا زاجر لهم ولا واعظ إلا معاينة ما ينذرون به حين لا ينفعهم الوعظ.
وفي الآية تنبيه على أن إيثار التلذذ والتمتع وما يؤدي إليه طول الأمل ليس من أخلاق المؤمنين ﴿ و ﴾ معنى ﴿ يلههم الأمل ﴾ يشغلهم الرجاء عن الإيمان والطاعة.
لهيت عن الشيء بالكسر ألهى لهياً إذا سلوت عنه وتركت ذكره وأضربت عنه.
وألهاني غيره.
عن أنس أن النبي خط خطاً وقال: هذا الإنسان.
وخط آخر إلى جنبه وقال: هذا أجله.
وخط آخر بعيداً منه فقال: هذا الأمل.
فبينما هو كذلك إذا جاءه الأقرب ﴿ فسوف يعلمون ﴾ سوء صنيعهم مزيد تأكيد للتهديد.
ثم ذكر ما هو نهاية في الزجر والتحذير فقال ﴿ وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب ﴾ أي مكتوب ﴿ معلوم ﴾ وهو أجلها الذي كتب في اللوح.
قال جار الله: قوله ﴿ ولها كتاب ﴾ جملة واقعة صفة لقرية والواو لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف.
وذكر السكاكي في المفتاح أن هذا سهو لأن الفصل بين الموصوف والصفة لا يجوز ولكن الجملة حال من قرية ومثل هذا جائز، ولو كان ذو الحال نكرة محضة كقولك "جاءني رجلٌ وعلى كتفه سيف" لعدم التباس الحال بالوصف لمكان الفاصلة بالواو، وكيف وقد زادت الفاصلة في الآية بكلمة ﴿ إلا ﴾ وذو الحال قريب من المعرفة إذ التقدير: وما أهلكنا قرية من القرى من قبل إفادة من الاستغراق.
قال قوم: المراد بهذا الهلاك عذاب الاستئصال الذي كان ينزله الله بالمكذبين المعاندين من الأمم السالفة.
وقال آخرون: أراد الموت والأول أقرب لأنه في الزجر أبلغ وكأنه قيل: إن هذا الإمهال لا ينبغي أن يغتر به العاقل فإن لكل أمة وقتاً معيناً في نزول العذاب لا يتقدم ولا يتأخر.
وقيل: أراد مجموع الأمرين.
قال صاحب النظم: إذا كان السبق واقعاً على شخص فمعناه جاز وخلف كقولك "سبق زيد عمراً" أي جازه وخلفه وأنه قصر عنه وما بلغه، وإذا كان واقعاً على زمان فعلى العكس كقولك "سبق فلان عام كذا" معناه مضى قبل إتيانه ولم يبلغه.
فمعنى الآية أنه لا يحصل أجل أمة قبل وقته ولا بعده كما في كل حادث، وقد مر بحث الأجل في أول سورة الأنعام.
وأنث الأمة أولاً ثم ذكرها آخراً في قوله ﴿ وما يستأخرون ﴾ حملاً على اللفظ والمعنى، وحذف متعلق ﴿ يستأخرون ﴾ وهو عنه للعلم به.
ولما بالغ في تهديد الكفار شرع في تعديد بعض شبههم ومطاعنهم في النبي.
فالأولى أنهم كانوا يحكمون عليه بالجنون لأنهم كانوا يسمعون منه .
ما لا يوافق آراءهم ولا يطابق أهواءهم وإنما نادوه ﴿ يا أيها الذي نزل عليه الذكر ﴾ مع أنهم كانوا لا يقرون بنزول الوحي عليه تعكيساً للكلام استهزاءً وتهكماً، وأرادوا يا أيها الذين نزل عليه الوحي في زعمه واعتقاده وعند أصحابه وأتباعه، الثانية.
﴿ لو ما تأتينا بالملائكة ﴾ "لو ما" حرف تحضيض مركب من "لو" المفيدة للتمني ومن "ما" المزيدة، فأفاد المجموع الحث على الفعل الداخل هو عليه والمعنى: هلا تأتينا بالملائكة ليشهدوا على صدقك ويعضدوك على إنذارك؟
والمراد هلا تأتينا بملائكة العذاب إن كنت صادقاً في أن تكذيبك يقتضي التعذيب العاجل؟
فأجاب الله عن شبههم بقوله ﴿ ما ننزل الملائكة إلا بالحق ﴾ قالت المعتزلة: أي تنزيلاً متلبساً بالحكمة والمصلحة والغاية الصحيحة، ولا حكمة في أن تأتيكم عياناً فإن أمر التكليف حينئذٍ يؤول إلى الاضطرار والإلجاء، ولا فائدة تعود عليكم لأنه يعلم إصراركم على الكفر فيصير إنزالهم عبثاً، أو لا حكمة في إنزالهم لأنهم لو نزلوا ثم لم تؤمنوا وجب عذاب الاستئصال وذلك قوله ﴿ وما كانوا إذاً منظرين ﴾ فإن التكليف يزول عند نزول الملائكة وقد علم الله من المصلحة أن لا يهلك هذه الأمة ويمهلهم لما علم من إيمان بعضهم أو إيمان أولادهم.
وقالت الأشاعرة: إلا بالحق أي إلا بالوحي أو العذاب.
قال صاحب النظم: لفظ "إذن" مركبة من "إذ" بمعنى "حين" ومن "أن" الدالة على مجيء فعل بعده، فخففت الهمزة بحذفها بعد نقل حركتها وكأنه قيل: وما كانوا منظرين إذ كان ما طلبوا.
وقال غيره: "إذن" جواب وجزاء تقديره: ولو نزلنا الملائكة ما كانوا منظرين وما أخر عذابهم.
ثم أنكر على الكفار استهزاءهم في قولهم ﴿ يا أيها الذي نزل عليه الذكر ﴾ فقال على سبيل التوكيد ﴿ إنا نحن نزلنا الذكر ﴾ ثم دل على كونه آي منزلة من عنده فقال ﴿ وإنا له لحافظون ﴾ لأنه لو كان من قول البشر أو لم يكن آية لم يبق محفوظاً من التغيير والاختلاف.
وقيل: الضمير في ﴿ له ﴾ لرسول الله كقوله ﴿ والله يعصمك من الناس ﴾ والقول الأول أوضح.
ووجه حفظ القرآن قيل: هو جعله معجزاً مبايناً لكلام البشر حتى لو زادوا فيه شيئاً ظهر ذلك للعقلاء.
ولم يخف، فلذلك بقي مصوناً عن التحريف.
وقيل: حفظ بالدرس.
والبحث ولم يزل طائفة يحفظونه ويدرسونه ويكتبونه في القراطيس باحتياط بليغ وجد كامل حتى إن الشيخ المهيب لو اتفق له لحن في حرف من كتاب الله لقال له بعض الصبيان: أخطأت.
ومن جملة إعجاز القرآن وصدقه أنه أخبر عن بقائه محفوظاً عن التغيير والتحريف وكان كما أخبر بعد تسعمائة سنة فلم يبق للموحد شك في إعجازه.
وههنا نكتة هي أنه تولى حفظ القرآن ولم يكله إلى غيره فبقي محفوظاً على مر الدهور بخلاف الكتب المتقدمة فإنه لم يتول حفظها وإنما استحفظها الربانيين والأحبار فاختلفوا فيما بينهم ووقع التحريف.
ثم ذكر أن عادة هؤلاء الجهال مع جميع الأنبياء كذلك، والغرض تسلية النبي .
وفي الكلام إضمار والتقدير ﴿ ولقد أرسلنا من قبلك ﴾ رسلاً إلا أنه حذف ذكر الرسل لدلالة الإرسال عليه.
ومعنى ﴿ في شيع الأولين ﴾ في أممهم وأتباعهم وقد مر معنى الشيعة في آخر "الأنعام" قال جار الله: معنى أرسلنا فيهم جعلناهم رسلاً فيما بينهم.
قال الفراء: إضافة الشيع إلى الأولين من إضافة الموصوف إلى الصفة كقوله ﴿ حق اليقين ﴾ و ﴿ بجانب الغربي ﴾ وقوله ﴿ وما يأتيهم ﴾ حكاية حال ماضية.
وإنما كان الاستهزاء بالرسل عادة الجهلة في كل قرن لأن الفطام عن المألوف شديد وكون الإنسان مسخراً لأمر من هو مثله أو أقل حالاً منه في المال والجاه والقبول أشد، على أن السبب الكلي فيه هو الخذلان وعدم التوفيق من الله ووقوعهم مظاهر القهر في الأزل.
قوله ﴿ كذلك نسلكه ﴾ السلك إدخال الشيء في الشيء كالخيط في المخيط.
وقالت الأشاعرة: الضمير في ﴿ نسلكه ﴾ يجب عوده إلى أقرب المذكورات وهو الاستهزاء الدال عليه ﴿ يستهزءُون ﴾ وأما الضمير في قوله ﴿ لا يؤمنون به ﴾ فيعود إلى الذكر لأنه لو عاد إلى الاستهزاء وعدم الإيمان بالاستهزاء حق وصواب لم يتوجه اللوم على الكفار، ولا يلزم من تعاقب الضمائر عودها على شيء واحد وإن كان الأحسن ذلك.
والحاصل أن مقتضى الدليل عود الضمير إلى الأقرب إلا إذا منع مانع من اعتباره.
وقال بعض الأدباء منهم: قوله ﴿ لا يؤمنون به ﴾ تفسير للكناية في قوله ﴿ نسلكه ﴾ أي نجعل في قلوبهم أن لا يؤمنوا به فثبتت دلالة الآية على أن الكفر والضلال والاستهزاء ونحوها من الأفعال كلها بخلق الله وإيجاده.
وقالت المعتزلة: الضميران يعودان إلى الذكر لأنه شبه هذا السلك بعمل آخر قبله وليس إلا تنزيل الذكر.
والمعنى مثل ذلك الفعل نسلك الذكر في قلوب المجرمين.
ومحل ﴿ لا يؤمنون به ﴾ نصب على الحال أي غير مؤمن به أو هو بيان لقوله ﴿ كذلك نسلكه ﴾ والحاصل أنا نلقيه في قلوبهم مكذباً مستهزأً به غير مقبول نظيره ما إذا أنزلت بلئيم حاجة فلم يجبك إليها فقلت: كذلك أنزلها باللئام تعني مثل هذا الإنزال أنزلها بهم مردودة غير مقضية.
واعتراض بأن النون إنما يستعمله الواحد المتكلم إظهاراً للعظمة والجلال ومثل هذا التعظيم إنما يحسن ذكره إذا فعل فعلاً يظهر له أثر قويّ كامل، أما إذا فعل بحيث يكون منازعه ومدافعه غالباً عليه فإنه يستقبح ذكره على سبيل التعظيم، والأمر ههنا كذلك لأنه سلك استماع القرآن وتحفيظه وتعليمه في قلب الكافر لأجل أن يؤمن به، ثم إنه لم يلتفت إليه ولم يؤمن به فصار فعل الله كالهدر الضائع وصار الشيطان كالغالب المدافع فكيف يحسن ذكر النون المشعر بالتعظيم في هذا المقام؟
أما قوله ﴿ وقد خلت سنة الأولين ﴾ فقيل: أي طريقتهم التي بينها الله في إهلاكهم حين كذبوا برسلهم وبالذكر المنزل عليهم، وهذا يناسب تفسير المعتزلة، وفيه وعيد لأهل مكة على تكذيبهم.
وقيل: قد مضت سنة الله في الأولين بأن يسلك الكفر والضلال في قلوبهم وهذا قول الزجاج، ويناسب تفسير الأشاعرة.
ثم حكى إصرارهم على الجهل والتكذيب بقوله ﴿ ولو فتحنا عليهم باباً من السماء فظلوا ﴾ أي هؤلاء الكفار ﴿ فيه يعرجون ﴾ يتصاعدون ﴿ لقالوا إنما سكرت أبصارنا ﴾ هو من سكر الشراب أو من سكر سدّ الشق يقال: سكر النهر إذا سدّه وحبسه من الجري.
والتركيب يدل على قطع الشيء من سننه الجاري عليه ومنه السكر في الشراب لأنه ينقطع عما كان عليه من المضاء في حال الصحو.
فمعنى الآية حيرت أبصارنا ووقع بها من فساد النظر ما يقع بالرجل السكران، أو حبست عن أفعالها بحيث لا ينفذ نورها ولا تدرك الأشياء على حقائقها.
عن ابن عباس: المراد لو ظل المشركون يصعدون في تلك المعارج وينظرون إلى ملكوت الله وقدرته وسلطانه وإلى عباده الملائكة الذين هم من خشية ربهم مشفقون لتشككوا في تلك الرؤية وبقوا مصرين على كفرهم وجهلهم كما جحدوا سائر المعجزات من انشقاق القمر وما خص به النبي من القرآن المعجز الذي لا يستطيع الجن والإنس ان يأتوا بمثله.
قال في الكشاف: ذكر الظلول يعني أنه قال ﴿ فظلوا ﴾ ولم يقل "فباتوا" ليجعل عروجهم بالنهار ليكونوا مستوضحين لما يرون.
وقال: إنما سكرت ليدل على أنهم يبتون القول بأن ذلك ليس إلا تسكيراً للأبصار.
وقيل: الضمير في ﴿ فظلوا ﴾ للملائكة أي لو أريناهم الملائكة يصعدون في السماء عياناً لقالوا: إن السحرة سحرونا وجعلونا بحيث نشاهد هذه الأباطيل التي لا حقيقة لها.
وههنا سؤال وهو أنه كيف جاز من جم غفير أن يصيروا شاكين فيما يشاهدونه بالعين السليمة في النهار الواضح؟
وأجيب بأنهم قوم مخصوصون لم يبلغوا مبلغ التواتر وكانوا رؤساء قليلي العدد فجاز تواطؤهم على المكابرة والعناد لا سيما إذا جمعهم غرض معتبر كدفع حجة أو غلبة خصم.
ولما أجاب عن شبه منكري النبوة بما أجاب وكان القول بالنبوة مفرعاً على القول بالصانع أتبعه دلائل ذلك فقال ﴿ ولقد جعلنا في السماء بروجاً ﴾ وهي اثنا عشر عند أهل النجوم، وذلك أنهم قسموا نطاق الفلك الثامن عندهم باثني عشر قسماً متساوية، ثم أجيز بمنتهى كل قسم وبأوله مبتدأة من أول الحمل نصف دائرة عظيمة مارة بقطبي الفلك فصار الفلك أيضاً منقسماً باثنتي عشرة قطعة كل منها تشبه ضلعاً من أضلاع البطيخ تسمى برجاً.
ولا شك أن هذه البروج مختلفة الطباع، كل ثلاثة منها على طبيعة عنصر من العناصر الأربعة فلذلك يسمى الحمل والأسد والقوس مثلثة نارية، والثور والسنبلة والجدي مثلثة أرضية، والجوزاء والميزان والدلو مثلثة هوائية، والسرطان والعقرب والحوت مثلثة مائية.
ثم إن كانت أجزاء الفلك مختلفة في الماهية على ما يجوّزه المتكلمون، أو كانت متساوية ثم تمام الماهية مختلفة في التأثير كما يقول به الحكيم، فعلى التقديرين يكون اختصاص كل جزء بطبيعة معينة أو بتأثير معين مع تساوي الكل في حقيقة الجسمية دالاً على صانع حكيم ومدبر قدير.
الدليل الآخر قوله ﴿ وزيناها ﴾ أي بالشمس والقمر والنجوم ﴿ للناظرين ﴾ بنظر الاعتبار والاستبصار.
وقال المنجمون.
إن الكواكب الثابتة كلها على الفلك الثامن وهذا لا ينافي الآية على ما يمكن أن يسبق إلى الوهم، لأنها سواء كن في سماء الدنيا أو في سموات أخر فوقها فلا بد أن يكون ظهورها في السماء الدنيا فتكون السماء الدنيا مزينة بها، والآية لا تدل إلا على هذا القدر.
ونظير هذه الآية قوله في "حم السجدة" ﴿ وزينا السماء الدنيا بمصابيح ﴾ ومثله في سورة الملك.
الدليل الثالث قوله ﴿ وحفظناها ﴾ أي البروج أو السماء ﴿ من كل شيطان رجيم إلا من استرق السمع ﴾ نصب عل الاستثناء المنقطع أي لكن من استرق وجائز أن يكون مخفوضاً أي إلا ممن استرق.
وعن ابن عباس: يريد الخطفة اليسيرة ﴿ فاتبعه ﴾ أي أدركه ولحقه ﴿ شهابٌ مبين ﴾ ظاهر للمبصرين والشهاب شعلة نار ساطع، وقد يسمى الكوكب شهاباً لأجل لمعانه وبريقه.
قال ابن عباس: كانت الشياطين لا يحجبون من السموات وكانوا يدخلونها ويسمعون أخبار الغيوب من الملائكة فيلقونها على الكهنة، فلما ولد عيسى منعوا من ثلاث سموات، فلما ولد محمد منعوا من السموات كلها وهذا هو المراد بحفظ السموات كما لو حفظ أحدنا منزله ممن يتجسس ويخشى منه الفساد.
والاستراق السعي في استماع الكلام مستخفياً.
قال الحكماء: إن الأرض إذا سخنت بالشمس ارتفع منها بخار يابس، فإذا بلغ النار التي دون الفلك احترق بها واشتعل لدهنية فيه فيحدث منها أنواع النيران من جملتها الشهب، فلا ريب أنها كانت موجودة قبل مبعث النبي إلا أنها لم تكن مسلطة على الشياطين.
وإنما قيض كونها رجوماً للشياطين في زمن عيسى ثم في زمن محمد .
أسئلة: كيف يجوز أن يشاهد هؤلاء الجن واحداً كان أو أكثر من جنسهم يسترقون السمع فيحرقون، ثم إنهم مع ذلك يعودون لمثل صنيعهم؟
والجواب: إذا جاء القضاء عمي البصر، فإذا قيض الله لطائفة منهم الحرق لطغيانها قدر له من الدواعي المطمعة في درك المقصود ما عندها يقدم على العمل المفضي الى الهلاك والبوار.
آخر: قد ورد في الأخبار أن ما بين كل سماء مسيرة خمسمائة عام، فهؤلاء الجن إن قدروا على خرق السماء ناقض قوله ﴿ هل ترى من فطور ﴾ وإن لم يقدروا فكيف يمكنهم استماع أسرار الملائكة من ذلك البعد البعيد، ولم لا يسمعون كلام الملائكة حال كونهم في الأرض؟
وأجيب بأنا سلمنا أن بعد ما بين كل سماء ذلك القدر إلا أن نحن الفلك لعله قدر قليل، وقد روى الزهري عن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب قال: بينما النبي جالسٌ في نفر من أصحابه إذ رمي بنجم فاستنار فقال: ما كنتم تقولون في الجاهلية إذا حدث مثل هذا؟
قالوا: كنا نقول يولد عظيم أو يموت عظيم.
فقال النبي : "لا يرمى لموت أحد ولا لحياته ولكن ربنا إذا قضى الأمر في السماء سبحت حملة العرش ثم سبح أهل السماء وسبح أهل كل سماء حتى ينتهي التسبيح إلى هذه السماء، ويستخبر أهل السماء حملة العرش ماذا قال ربكم؟
فيخبرونهم ولا يزال ينتهي ذلك الخبر من سماء إلى سماء إلى أن ينتهي الخبر إلى هذه السماء، ويتخطف الجن فيرمون فما جاءُوا به على وجهه فهو حق ولكنهم يزيدون" آخر: الشياطين مخلوقون من نار فكيف تحرق النار النار؟
والجواب: أن الأقوى قد يبطل الأضعف وإن كان من جنسه.
آخر: إن هذا الرجم لو كان من معجزات النبي بقي بعد وفاته؟
الجواب: هذا من المعجزات الباقية والغرض منه إبطال الكهانة.
آخر: إن الشهب قد تحدث بالقرب من الأرض وإلا لم يمكن الإحساس بها فكيف تمنع الشياطين من الوصول إلى الفلك حين الاستراق؟
وأجيب بأن البعد عندنا غير مانع من السماع فلعله أجرى عادته بأنهم إذا وقعوا في تلك المواضع سمعوا كلام الملائكة.
آخر: لو كان يمكنهم نقل أخبار الملائكة إلى الكهنة فكيف لم يقدروا على نقل أسرار المؤمنين إلى الكفار؟
وأجيب بأنه أقدرهم على شيء وأعجزهم عن شيء ولا يسأل عما يفعل.
وأقول: لعل السبب فيه أن نسبتهم إلى الروحانيات أكثر.
آخر: إذا جوّزتم في الجملة اطلاع الجن على بعض المغيبات فقد ارتفع الوثوق عن إخبار النبي عن بعض الغيوب فلا يكون دليلاً على صدقه.
لا يقال: إنه أخبر أنهم عجزوا عن ذلك بعد مولد النبي لأنا نقول: صدق هذا الكلام مبني على صحة نبوّته، فلو أثبتنا صحة نبوّته به لزم الدور؟
والجواب: أنا نعرف صحة نبوّته بدلائل أخر حتى لا يدور، ولكن لا ريب أن إخباره عن بعض المغيبات مؤكد لنبوّته وإن لم يكن مثبتاً لها.
الدليل الرابع: قوله ﴿ والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي ﴾ وقد مرّ تفسير مثله في أوّل سورة الرعد.
الدليل الخامس قوله: ﴿ وأنبتنا فيها ﴾ أي في الأرض أو في الجبال الرواسي ﴿ من كل شيء موزون ﴾ بميزان الحكمة ومقدر بمقدار الحاجة، وذلك أن الوزن سبب معرفة المقدار فأطلق اسم السبب على المسبب.
وقيل: أي له وزن وقدر في أبواب النعمة والمنفعة.
وقيل: أراد أن مقاديرها من العناصر معلومة وكذا مقدار تأثير الشمس والكواكب فيها.
وقيل: أي مناسب أي محكوم عليه عند العقول السليمة بالحسن واللطافة.
يقال: كلام موزون أي مناسب، وفلان موزون الحركات.
وقيل: أراد ما يوزن من نحو الذهب والفضة والنحاس وغيرها من الموزونات كأكثر الفواكه والنبات.
﴿ وجعلنا لكم فيها ﴾ أي في الأرض أو في تلك الموزونات ﴿ معايش ﴾ ما يتوصل به إلى المعيشة وقد مر في أول "الأعراف".
﴿ ومن ﴾ عطف على معايش أي جعلنا لكم من ﴿ لستم له برازقين ﴾ أو عطف على محل لكم لا على المجرور فقط فإنه لا يجوز في الأكثر إلا بإعادة الجار والتقدير: وجعلنا لكم معايش لمن لستم له برازقين.
وأراد بهم العيال والمماليك والخدم الذين رازقهم في الحقيقة هو الله وحده لا الآباء والسادات المخاديم، ويدخل فيه بحكم التغليب غير ذوي العقول في الأنعام والدواب والوحش والطير كقوله: ﴿ وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ﴾ وقد يذكر من يعقل بصفة من يعقل بوجه ما من الشبه كقوله: ﴿ يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم ﴾ والدواب تشبه ذوي العقول من جهة أنها طالبة لأرزاقها عند الحاجة.
يحكى أنه قلت مياه الأودية في بعض السنين واشتد عطش الوحوش فرفعت رأسها إلى السماء فأنزل الله المطر.
ثم بين غاية قدرته ونهاية حكمته فقال: ﴿ وإن من شيء إلا عندنا خزائنه ﴾ قال جمع من المفسرين: أراد بالشيء ههنا المطر الذي هو سبب لأرزاق بني آدم وغيرهم من الطير والوحش،وذلك أنه لما ذكر معايشهم بين أن خزائن المطر الذي هو سبب المعايش عنده أي في أمره وحكمه وتدبيره.
قوله: ﴿ وما ننزله إلا بقدر معلوم ﴾ عن ابن عباس: يريد قدر الكفاية.
وقال الحكم: ما من عام بأكثر مطراً من عام آخر ولكنه يمطر قوم ويحرم آخرون، وربما كان في البحر، واعلم أن لفظ الآية لا يدل على هذين القولين فلو ساعدهما نقل صحيح أمكن أن يقبلهما العقل والا كان شبه تحكم والظاهر عموم الحكم، وإن ذكر الخزائن تمثيل لاقتداره على كل مقدور.
والمعنى إن جميع الممكنات مقدورة ومملوكة له يخرجها من العدم إلى الوجود كيف شاء، وهي إن كانت غير متناهية بالقوّة لأن كلاً منها يمكن أن يقع في أوقات غير محصورة على سبيل البدل، وكذا الكلام في الأحياز وسائر الأعراض والأوصاف.
فاختصاص ذلك الخارج إلى الوجود بمقدار معين وشكل معين وحيز ووقت معين إلى غير ذلك من الصفات المعينة دون أضدادها لا بد أن يكون بتخصيص مخصص وتقدير مقدر وهو المراد من قوله: ﴿ وما ننزله إلا بقدر معلوم ﴾ وقد يتمسك بالآية بعض المعتزلة في أن المعدوم شيء.
قيل: المراد أن تلك الذوات والماهيات كانت مستقرة عند الله بمعنى أنها كانت ثابتة من حيث إنها حقائق وماهيات، ثم إنه نزل أي أخرج بعضها من العدم إلى الوجود.
الدليل السادس: قوله ﴿ وأرسلنا الرياح ﴾ ومن قرأ الريح فاللام للجنس ﴿ لواقح ﴾ قال ابن عباس: معناه ملاقح جمع ملقحة لأنها تلقح السحاب بمعنى أنها تحمل الماء وتمجه في السحاب، أو لأنها تلقح الشجر أي تقوّيها وتنميها إلى أن يخرج ثمرها.
قاله الحسن وقتادة والضحاك.
وقد جاء في كلام العرب "فاعل" بمعنى "مفعل" قال: ومختبط مما تطيح الطوائح *** يريد المطاوح جمع مطيحة.
وقال ابن الأنباري: تقول العرب: أبقل النبت فهو باقل أي مبقل.
وقال الزجاج: معناه ذوات لقحة لأنها تعصر السحاب وتدره كما تدر اللقحة كما يقال رامح أي ذو رمح - ولابن وتامر أي ذو لبن وذو تمر.
وقيل: إن الريح في نفسها لاقح أي حالة للسحاب أو للماء من قوله : ﴿ حتى إذا أقلت سحاباً ثقالاً ﴾ أو حاملة للخير والرزق كما قيل لضدها الريح العقيم ﴿ فأسقيناكموه ﴾ أي جعلناه لكم سقياً قال أبو عليّ: يقال سقيته الماء إذا أعطاه قدر مما يروى، وأسقيته نهراً أي جعلته شرباً له.
والذي يؤكد هذا اختلاف القراء في قوله: ﴿ نسقيكم مما في بطونه ﴾ ولم يختلفوا في قوله: ﴿ وسقاهم ربهم شراباً طهوراً ﴾ ويقال: سقيته لشفته وأسقته لماشيته وأرضه.
﴿ وما أنتم له بخازنين ﴾ نفى عنهم ما أثبته لنفسه في قوله ﴿ وإن من شيء إلا عندنا خزائنه ﴾ أي نحن الخازنون للماء لا أنتم أراد عظيم قدرته وعجز من سواه.
الدليل السابع: قوله ﴿ وإنا لنحن نحيي ونميت ﴾ والغرض الاستدلال بانحصار الإحياء والإماتة فيه على أنه واحد في ملكه.
قال أكثر المفسرين: إنه وصف النبات فيما قبل فهذا الإحياء مختص بالحيوان، ومنهم من يحمله على القدر المشترك بين إحياء النبات وبين إحياء الحيوان ﴿ ونحن الوارثون ﴾ مجاز عن بقائه بعد هلاك ما عداه كما مر في آخر "آل عمران" في قوله: ﴿ ولله ميراث السموات والأرض ﴾ قوله: ﴿ ولقد علمنا ﴾ عن ابن عباس في رواية عطاء ﴿ المستقدمين ﴾ يريد أهل طاعة الله، والمستأخرين يريد المتخلفين عن طاعته.
ويروى أنه رغب الناس في الصف الأول في الجماعة فازدحم الناس عليه فأنزل الله الآية.
والمعنى إنا نجزيهم على قدر نياتهم.
وقال الضحاك ومقاتل: يعني في صف القتال.
وقال ابن عباس في رواية أبي الجوزاء: كانت امرأة حسناء تصلي خلف رسول الله وكان قوم يتقدمون إلى الصف الأول لئلا يروها، وآخرون يتخلفون ويتأخرون ليروها، وكان قوم إذا ركعوا جافوا أيديهم لينظروا من تحت آباطهم فنزلت.
وقيل: المستقدمون هم الأموات والمستأخرون هم الأحياء.
وهذا القول شديد المناسبة لما قبل الآية ولما بعدها.
وقيل: المستقدمون هم الأمم السالفة والمستأخرون هم أمة محمد .
وقال عكرمة: المستقدمون من خلق، والمستأخرون من لم يخلق بعد.
والظاهر العموم وأن علمه شامل لجميع الذوات والأحوال الماضية والمستقبلة فلا ينبغي أن تخص الآية بحالة دون أخرى.
ثم نبه على أن الحشر والنشر أمر واجب ولا يقدر على ذلك أحد إلا هو فقال: ﴿ وإن ربك هو يحشرهم إنه حكيم عليم ﴾ فلحكمته بني أمر العباد على التكليف والجزاء، ولعلمه قدر على توفية مقادير الجزاء.
الدليل الثامن: الاستدلال على خلق الإنسان خاصة وذلك أنه لا بد من انتهاء الناس إلى إنسان أول ضرورة امتناع القول بوجود حوادث لا أول لها.
وقد أجمع المفسرون على أنه آدم ، ورأيت في كتب الشيعة عن محمد بن علي الباقر أنه قد انقضى قبل آدم الذي هو أبونا ألف ألف آدم أو أكثر، وكيف كان فلا بد من إنسان هو أول الناس.
والأقرب أنه خلق آدم من تراب ثم من طين ثم من حمإٍ مسنون ثم من صلصال كالفخار.
وقد كان قادراً على خلقه من أيّ جنس من الأجسام كان، بل كان قادراً على خلقه ابتداء.
وإنما خلقه على هذا الترتيب لمحض المشيئة.
أو لما كان فيه من زلة الملائكة والجن، أو لغير ذلك من المصالح، ولا شك أن خلق الإنسان من هذه الأمور أعجب من خلق الشيء من شكله وجنسه، والصلصال الطين اليابس الذي يصلصل أي يصوّت وهو غير مطبوخ فإذا طبخ فهو فخار.
وقيل: هو تضعيف صل إذا أنتن.
والحمأ الأسود المتغير من الطين، وكذلك الحمأة بالتسكين.
المسنون المصوّر من سنة الوجه أي صورته قاله سيبويه.
وقال أبو عبيدة: المسنون المصبوب المفرغ أي أفرغ صورة إنسان كما تفرغ الصورة من الجواهر المذابة.
وقال ابن السكيت: سمعت أبا عمرو يقول: معنا متغير منتن وكأنه من سننت الحجر على الحجر إذا حككته به فالذي يسيل منهما سنين ولا يكون إلا منتناً.
قال في الكشاف: قوله: ﴿ من حمإٍ ﴾ صفة صلصال أي خلقه من صلصال كائن من حمإ.
قلت: ولا يبعد أن يكون بدلاً أي خلقه من حما.
قال: وحق مسنون بمعنى مصوّر أن يكون صفة لصلصال كأنه أفرغ الحمأ فصوّر منها تمثال إنسان أجوف فيبس حتى إذا نقر صلصل، ثم غيره بعد ذلك الى جوهر آخر.
قوله: ﴿ والجانّ ﴾ قال الحسن ومقاتل وقتادة وهو رواية عطاء عن ابن عباس يريد إبليس - وعن ابن عباس - في رواية أخرى: هو أبو الجن كآدم أبي الناس وهو قول الأكثرين.
والتركيب يدل على السبق والتواري عن الأعين وقد مر فيما سلف ولا سيما في تفسير الاستعاذة في أول الكتاب ﴿ خلقناه من قبل ﴾ قال ابن عباس: أي من قبل خلق آدم و ﴿ السموم ﴾ الريح الحارة النافذة في السمام تكون في النهار وقد تكون بالليل.
ومسام البدن الخروق الخفية التي يبرز منها العرق وبخار الباطن، ولا شك أن تلك الريح فيها نار ولها لفح على ما ورد في الخبر أنه لفح جهنم.
قال ابن مسعود: هذه السموم جزءاً من سبعين جزءاً من سموم النار التي خلق.
الله منها الجان.
ولا استبعاد في خلق الله الحيوان من النار فإنا نشاهد السمندل قد يتولد فيها.
على قاعدة الحكيم: كل ممتزج من العناصر فإنه يمكن أن يغلب عليه أحدها، وحينئذٍ يكون مكانه مكان الجزء الغالب والحرارة مقوية للروح لا مضادة لها.
ثم إنه لما استدل بحدوث الإنسان الأول على كونه قادراً مختاراً ذكر بعده واقعته.
والمراد بكونه بشراً أنه يكون جسماً كثيفاً يباشر ويلاقي، والملائكة والجن لا يباشرون للطاقة أجسامهم.
والبشرة ظاهر الجلد من كل حيوان.
﴿ فإذا سوّيته ﴾ عدلت خلقته وأكملتها أو سويت أجزاء بدنه بتعديل الأركان والأخلاط والمزاج التابع لذلك اعتدالاً نوعياً أو شخصياً.
﴿ ونفخت فيه من روحي ﴾ النفخ إجراء الريح في تجاويف جسم آخر.
فمن زعم أن الروح جسم لطيف كالهواء سار في البدن فمعناه ظاهر، ومن قال إنه جوهر مجرد غير متحيز ولا حال في متحيز فمعنى النفخ عنده تهيئة البدن لأجل تعلق النفس الناطقة به.
قال جار الله: ليس ثم نفخ ولا منفوخ وإنما هو تمثيل لتحصيل ما يحيا به فيه.
وتمام الكلام في الروح سوف يجيء إن شاء الله في قوله: ﴿ يسألونك عن الروح ﴾ .
ولا خلاف في أن الإضافة في قوله: ﴿ روحي ﴾ للتشريف والتكريم مثل "ناقة الله" و "بيت الله" والفاء في قوله: ﴿ فقعوا ﴾ تدل على أن وقوعهم في السجود كان واجباً عليهم عقيب التسوية والنفخ من غير تراخ.
قال المبرد: قوله ﴿ كلهم ﴾ أزال احتمال أن بعض الملائكة لم يسجدوا.
وقوله: ﴿ أجمعون ﴾ أزال احتمال أنهم سجدوا متفرقين، وقال سيبويه والخليل ﴿ أجمعون ﴾ توكيد بعد توكيد، ورجح الزجاج هذا القول لأن أجمع معرفة فلا يقع حالاً، ولو صح أن يكون حالاً وكا منتصباً لأفاد المعنى الذي ذكره المبرد، ثم استثنى إبليس من الملائكة وقد سلف وجه الاستثناء في أول البقرة.
ثم استأنف على تقدير سؤال سائل هل سجد؟
فقال: ﴿ أبى أن يكون مع الساجدين ﴾ يعني إباء استكبار.
ثم قال وتعالى خطاب تقريع وتعنيف لا تعظيم وتشريف ﴿ يا إبليس مالك ألا تكون مع الساجدين ﴾ وقال بعض المتكلمين: خاطبه على لسان بعض رسله لأن تكليم الله بلا واسطة منصب شريف فكيف يناله اللعين؟
قال جار الله: حرف الجر مع أن محذوف ومعناه أيّ غرض لك في الامتناع من السجود ﴿ قال لم أكن لأسجد ﴾ اللام لتأكيد النفي أي لا يصح مني وينافي حالي أن أسجد ﴿ لبشر ﴾ وحاصل شبهة اللعين أنه روحاني لطيف وآدم جسماني كثيف، وأصله نوراني شريف وأصل آدم ظلماني خسيس، فعارض النص بالقياس فلا جرم أجيب بقوله: ﴿ فاخرج منها ﴾ أي من الجنة أو من السماء أو من جملة الملائكة.
وضرب يوم الدين أي يوم الجزاء حداً للعنة جرياً على عادة العرب في التأبيد كما في قوله: ﴿ ما دامت السموات والأرض ﴾ أو أراد اللعن المجرد من غير تعذيب حتى إذا جاء ذلك اليوم عذب بما ينسى اللعن معه.
قال صاحب الكشاف: وأقول: هذا إن أريد باللعن مجرد الطرد عن الحضرة.
أما إن أريد به الإبعاد عن كل خير فيتعين الوجه الأول إلا عند من أثبت لإبليس رجاء العفو.
وإنما ذكر اللعنة ههنا بلام الجنس لأنه ذكر آدم بلفظ الجنس حيث قال: ﴿ إني خالق بشراً ﴾ ولما خصص آدم بالإضافة إلى نفسه في سورة "ص" حيث قال: ﴿ لما خلقت بيدي ﴾ خصص اللعنة أيضاً بالإضافة فقال: ﴿ وإن عليك اللعنة ﴾ فافهم.
﴿ قال رب فأنظرني ﴾ قد مر مثله في أول "الأعراف".
ومعنى ﴿ الوقت المعلوم ﴾ أن إبليس لما عينه وأشار إليه بعينه صار كالمعلوم والمراد منه الوقت القريب من البعث الذي يموت فيه الخلائق كلهم ليشمل الموت اللعين أيضاً.
وقيل: لم يجب إلى ذلك وأنظر إلى يوم لا يعلمه إلا الله ﴿ قال رب بما أغويتني ﴾ قد مر مباحثه في "الأعراف".
ومفعول ﴿ لأزينن ﴾ محذوف أي أزين لهم المعاصي في الأرض أي في الدنيا التي هي دار الغرور، أو أراد أنه قدر على الاحتيال لآدم وهو في السماء فهو على التزيين لأولاده وهم في الأرض أقدر، أو أراد لأجعلن مكان التزيين عندهم الأرض بأن أزين الأرض في أعينهم وأحدثهم أن الزينة هي في الأرض وحدها كقوله: وإن يعتذر بالمحل من ذي ضروعها *** من الضيف يجرح في عراقيبها نصلي أراد يجرح عراقيبها نصلي ثم استثنى اللعين عباد الله المخلصين لأنه علم أن كيده لا يؤثر فيهم.
قال بعض الحذاق: احترز إبليس بهذا الاستثناء من الكذب فيعلم منه أن الكذب في غاية السماحة والإخلاص فعل الشيء خالصاً لله من غير شائبة الغير لا أقل من أن يكون حق الله فيه راجحاً أو مساوياً.
ولما ذكر إبليس من الاستثناء ما ذكر ﴿ قال ﴾ الله ﴿ هذا ﴾ يعني الإخلاص طريق مستقيم عليّ ان أراعيه أو عليّ مروره أي على رضواني وكرامتي.
وقيل: لما ذكر اللعين أنه يغوي بني آدم لا من عصمه الله بتوفيقه تضمن هذا الكلام تفويض الأمور إلى مشيئته فأشير إليه بقول: ﴿ هذا ﴾ أي تفويض الأمور إلى إرادتي ومشيئتي.
﴿ صراط عليّ ﴾ تقريره وتأكيده، ومن قرأ ﴿ عليّ ﴾ بالتوين فهو من علو الشرف أي الإخلاص أو طريق التفويض إلى الله والإيمان بقضائه طريق رفيع.
﴿ مستقيم ﴾ لا عوج له.
وقال جار الله: هذا إشارة إلى ما بعده وهو قوله: ﴿ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ﴾ قال الكلبي: المذكورون في هذه الآية هم الذين استثناهم إبليس وذلك أنه لما ذكر ﴿ إلا عبادك ﴾ بين به أنه لا يقدر على إغواء المخلصين فصدقه الله في الاستثناء قائلاً ﴿ إن عبادي ليس عليهم سلطان إلا من اتبعك ﴾ أي ولكن من اتبعك من الغواة فلك تسلط عليهم وهذا يناسب أصول الأشاعرة.
وقال آخرون: هذا تكذيب لإبليس وذلك أنه أوهم بما ذكر أن له سلطاناً على عباد الله الذين لا يكونون من المخلصين فبين تعالى أنه ليس له على أحد منهم سلطان ولا قدرة أصلاً إلا الغواة، لا بسبب الجبر والقسر بل من جهة الوسوسة والتزيين نظيره قوله: ﴿ وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم ﴾ وهذا يناسب أصول الاعتزال ﴿ وإن جهنم لموعدهم أجميعن ﴾ قال ابن عباس: يريد إبليس ومن تبعه من الغاوين.
﴿ لها سبعة أبواب ﴾ أي سبع طبقات بعضها فوق بعض أعلاها للموحدين، والثاني لليهود، والثالث للنصارى، والرابع للصابئين، والخامس للمجوس، والسادس للمشركين، والسابع للمنافقين.
وعن ابن عباس في رواية ابن جريج: إن جهنم لمن ادعى الربوبية، ولظى لعبدة النار، والحطمة لعبدة الأصنام، وسقر لليهود، والسعير للنصارى، والجحيم للصابئين، والهاوية للموحدين.
وقيل: إن قرار جهنم مقسوم بسبعة أقسام لكل قسم باب معين لكل باب جزء من أتباع إبليس مقسوم في قسمة الله .
والسبب في أن مراتب الكفر مختلفة بالغلظ والخفة.
فلا جرم صارت مراتب العقاب أيضاً متفاوته بحسبها.
ثم عقب الوعيد بالوعد فقال: ﴿ إن المتقين في جنات وعيون ﴾ فزعم جمهور المعتزلة أنهم الذين اتقوا جميع المعاصي وإلا لم يفد المدح.
وقال جمهور: الصحابة والتابعين هم الذين اتقوا الشرك بالله واحتجوا عليه بأنه إذا اتقى مرة واحدة صدق عليه أنه اتقى، وكذا الكلام في الضارب والكاتب فليس من شرط صدق الوصف كونه آتياً بجميع أصنافه وأفراده إلا أن الأمة أجمعوا على أن التقوى عن الشرك شرط في حصول هذا الحكم.
والآية أيضاً وردت عقيب قوله: ﴿ إلا عبادك منهم المخلصين ﴾ ﴿ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ﴾ فلزمه اعتبار الإيمان في هذا الحكم.
والظاهر أن لا يراد شرط آخر لأن التخصيص خلاف الظاهر فكلما كان أقل كان أوفق لمقتضى الأصل، فثبت أن المتقين يتناول جميع القائلين بكلمة الإسلام وهي "لا إله إلا الله محمد رسول الله" قولاً واعتقاداً سواء كان من أهل الطاعة أو من أهل المعصية.
ثم إن الجنات أقلها أربع لقوله : { ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان ﴾ ثم قال ﴿ ومن دونهما جنتان ﴾ وأما العيون فإما أن يراد بها الأنهار المذكورة في قوله: ﴿ فيها أنهار من ماء غير آسن ﴾ الآية وإما أن يراد بها منابع غير ذلك.
ثم إن كل واحد من المتقين يحتمل أن يختص بعين وينتفع بها كل من في خدمته من الحور والولدان ويكون ذلك على قدر حاجتهم وعلى حسب شهوتهم.
ويحتمل أن يجري من بعضهم إلى بعض لأنهم مطهرون من كل حقد وحسد.
فإن قيل: إذا كانوا في جنات فكيف يعقل أن يقول لهم الله تعالى وبعض الملائكة ﴿ ادخلوها ﴾ فالجواب لعل المراد أنهم لما ملكوا الجنات فكلما أرادوا أن ينتقلوا من جنة إلى أخرى قيل لهم ذلك.
ومعنى ﴿ بسلام ﴾ أي مع السلامة من آفات النقص والانقطاع.
قوله: ﴿ ونزعنا ما في صدورهم من غل ﴾ قد مر تفسيره في "الأعراف" ﴿ إخواناً ﴾ نصب على الحال.
وكذلك ﴿ على سرر متقابلين ﴾ والمراد بالإخوة.
إخوة الدين والتعاطف.
والسرر جمع سرير.
قيل: هو المجلس الرفيع المهيأ للسرور.وقال الليث: سرير العيش مستقره الذي يطمئن عليه حال سروره وفرحه.
والتركيب يدور على العزة والنفاسة ومنه قوله: "سر الوادي لأفضل موضع منه" ومنه السر الذي يكتم.
عن ابن عباس: يريد على سرر من ذهب مكللة بالزبرجد والدر والياقوت، وعن مجاهد: تدور بهم الأسرة حيثما داروا فيكونون في جميع أحوالهم متقابلين.
والتقابل التواجه نقيض التدابر، وتقابل الإخوان يوجب اللذة والسرور ليكون كل منهم مقبلاً على الآخر بالكلية، وتقابل الأعداء يكون تقابل التضاد التمانع فيكون موجباً للتباغض والتخالف، واعلم أن الثواب منفعة مقرونة بالتعظيم خالصة من الآفات آمنة من الزوال.
فقوله: ﴿ إن المتقين ﴾ إشارة إلى المنفعة وقوله: ﴿ ادخلوها ﴾ رمز إلى أنها مقرونة بالتعظيم، وقوله: ﴿ ونزعنا ﴾ إلى قوله: ﴿ لا يمسهم فيها نصب ﴾ أي تعب تلويح إلى كونها سالمة من المنغصات إلا أن الثواب منفعة مقرونة بالتعظيم خاصة من الآفات آمنة من الزوال.
فقوله: ﴿ إن للمتقين ﴾ إشارة إلى المنفعة وقوله: ﴿ ادخلوها ﴾ رمز إلى أنها مقرونة بالتعظيم، وقوله ﴿ ونزعنا ﴾ إلى قوله: ﴿ لا يمسهم فيها نصب ﴾ أي تعب تلويح إلى كونها سالمة من المنغصات إلا أن قوله: ﴿ ونزعنا ما في صدورهم ﴾ إشارة إلى نفي المضار الروحانية، وقوله: ﴿ لا يمسهم ﴾ إشارة إلى نفي المضار الجسدانية، وقوله: ﴿ وما هم بمخرجين ﴾ مفيد لمعنى الخلود.
ثم لما ذكر الوعيد والوعد زاده تقريراً وتمكيناً في النفوس فقال: ﴿ نبىء عبادي ﴾ وفيه من التوكيدات ما لا يخفى: منها إشهاد رسوله وإعلامه، ومنها تشريفهم بإطلاق لفظ العباد عليهم ثم بإضافتهم إلى نفسه، ومنها التوكيد بـ"أن" وبالفضل وبصيغتي الغفور والرحيم مع نوع تكرر كل ذلك يدل على أن جانب الرحمة أغلب كما قال: "سبقت رحمتي غضبي".
التأويل: ﴿ ربما يود الذين كفروا ﴾ أي النفوس الكافرة ﴿ لو كانوا ﴾ مستسلمين لأوامر الله ونواهيه، وذلك إنما يكون عند استيلاء سلطان الذكر على القلب والروح، وتنور صفاتها بنور الذكر فيغلب النور على ظلمة النفس وصفاتها وتبدلت أحوالها من الأمّارية إلى الاطمئنان فتمنت حين ذاقت حلاوة الإسلام وطعم الإيمان لو كانت من بدء الخلق مسلمة مؤمنة كالقلب والروح.
ثم هدد النفس التي ذاقت حلاوة الإسلام ثم عادت الميشوم إلى طبعها واستحلت المشارب الدنيوية بقوله: ﴿ ذرهم يأكلوا ﴾ ﴿ وما أهلكنا من قرية ﴾ من القرى البدنية بإفساد استعدادها ﴿ إلا ولها كتاب ﴾ مكتوب في علم الله من سوء أعماله وأحواله ﴿ ما تسبق من أمة أجلها ﴾ متى يظهر منها ما هو سبب هلاكها ﴿ وما يستأخرون ﴾ لحظة بعد استيفاء أسباب هلاكها ﴿ وقالوا ﴾ يعني النفوس المتمردة مخاطباً للقلب الذاكر ﴿ لو ما تأتينا ﴾ بصفات الملائكة المنقادين، وفيه إشارة إلى أن النفس الأمارة لا تؤمن بما أنزل الله إلى القلوب من أنوار الإلهية حتى تصير مطمئنة مستعدة لهذه الصفات، ولو أنزلت قبل أوانها وكمال استعداد القلوب ما كانوا إذاً منظرين مؤخرين من الهلاك لضيق نطاق طاقتهم ﴿ إنا نحن نزلنا ﴾ كلمة لا إله إلا الله في قلوب المؤمنين ﴿ كتب في قلوبهم الإيمان ﴾ والمنافق يقول ذلك ولكن لم ينزل في قلبه ولم يحفظ.
﴿ ولو فتحنا ﴾ على من أسلكنا الكفر في قلوبهم ﴿ باباً من ﴾ سماء القلب لأنكروا فتح الباب.
ولقد جعلنا في سماء القلب بروج الأطوار، فكما أن البروج منازل السيارات فكذلك الأطوار منازل شموس المشاهدات وأقمار المكاشفات وسيارات اللوامع والطوالع ﴿ وزيناها ﴾ لأهل النظر السائرين إلى الله ﴿ وحفظناها من ﴾ وساوس الشيطان وهواجس النفس الأمارة، ولكن من استرق السمع من النفس والشيطان فأدركه شعلة من أنوار تلك الشواهد فيضمحل الباطل ويتبين الحق ﴿ والأرض مددناها ﴾ فيه أن أرض البشرية تميل كنفس الحيوانات إلى أن أرساها الله بجبال العقل وصفات القلب ﴿ وجعلنا لكم فيها معايش ﴾ هي أسباب الوصول والوصال ﴿ ومن لستم له برازقين ﴾ وهو جوهر المحبة وإن غذاءه من مواهب الحق وتجلي جماله فقط، ولكل شيء خزانة فلصورة الأجسام خزانة، ولاسمها خزانة، ولمعناها خزانة، وكذا للونها ولطعمها ولخواصها من المنافع والمضار، وكذا لظلمتها ونورها ولملكها وملكوتها، وما من شيء إلا وفيه لطف الله وقهره مخزون، وقلوب العباد خزائن صفات الله بأجمعها ﴿ وأرسلنا ﴾ رياح العناية ﴿ لواقح ﴾ لأشجار القلوب بأنهار الكشوف وبأثمار الشواهد كما قال بعضهم: إذا هبت رياح الكرم على أسرار العارفين أعتقهم من هواجس أنفسهم ورعونات طبائعهم، وظهر في القلوب نتائج ذلك وهي الاعتصام بالله والاعتماد عليه.
﴿ فأنزلنا من ﴾ سماء الهداية ﴿ ماء ﴾ الحكمة ﴿ وما أنتم له بخازنين ﴾ في أصل الخلقة فإن المخلوق لا يوصف بالحكمة إلا مجازاً.
وإنا لنحن نحيي قلوب أوليائينا بأنوار جمالنا، ونميت نفوسهم بسطوة جلالنا ﴿ ونحن الوارثون ﴾ بعد إفناء وجودهم ليبقوا ببقائنا ﴿ وإن ربك هو ﴾ يحشر المستقدمين إلى حظائر قدسه والمستأخرين إلى أسفل سافلين الطبيعة، خاطب إبليس النفس بقوله: ﴿ وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين ﴾ أي إلى أن تطلع شمس شواهدنا من مشرق الروح وتصير أرض النفس مشرقة وتتبدل صفاتها الذميمة المظلمة بالأخلاق الروحانية الحميدة ﴿ إلى يوم يبعثون ﴾ أي يبعث الأرواح في قيامة العشق وهو الوقت المعلوم الذي يتجلى الرب فيه لأرواح العشاق، فينعكس نور التجلي من الأرواح إلى النفوس فتجعلها مطمئنة.
﴿ بما أغويتني ﴾ أضللتني من طريق الأمارية ﴿ لأزينن ﴾ للأرواح في أرض البشرية من الأعمال الصالحات التي تورث الأخلاق الحميدة وبها تربية الأرواح وترقيها ﴿ ولأغوينهم أجمعين ﴾ عما كانا عليه من الأعمال الروحانية الملكية التي لا تتأتى إلا لعبادك الذين خلصوا من حبس الوجود بجذبات الألطاف.
﴿ هذا صراط ﴾ أي هو طريق أهل الاستقامة في السير في الله المنقطعين عن غيره ﴿ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ﴾ حجة تتعلق بتلك الحجة لهدايتهم وإغوائهم فإنهم بلاهم، وإن من خصوصية العبودية المضافة إلى الحضرة الحرية عما سواه ﴿ لها سبعة أبواب ﴾ من الحرص والشره والحقد والحسد والغضب والشهوة والكبر، أو الأبواب السبعة إشارة إلى الحواس الخمس الظاهرة وإلى الوهم والخيال فإنهما أصلا الحواس الباطنية، لأن الأول يدرك المعاني والثاني يدرك الصور، والباقية - أعني المفركة والحافظة والذاكرة - من أعوانهما، وأكثر ما يستعمل الإنسان هذه المشاعر إنما يستعملها في الأحوال الدنيوية المفضية إلى الهلاك، فلا جرم صارت أبواباً لجهنم.
فإذا استعملها في تحصيل السعادات الباقية بحسب تصرف العقل الغريزي صرن مع العقل أبواباً بل أسباباً لحصول الجنة.
﴿ ادخلوها بسلام ﴾ والسلام من الله الجذبات ﴿ آمنين ﴾ من موانع الخروج والدخول بعد الوصول فإن السير في الله لا يمكن إلا بالله وجذباته ولهذا قال جبرائيل ليلة المعراج: لو دنوت أنملة لاحترقت.
﴿ ونزعنا ﴾ فيه أن نزع الغل من الصدور لا يكون إلا بنزع الله، وأن الأرواح القدسية مطهرات عن علائق القوى الشهوانية والغضبية مبرءات من حوادث الوهم والخيال، ومعنى تقابلهم أن النفوس المصفاة عن كدورات عالم الأجسام ونوازع الخيال والأوهام إذا وقع عليها أنواع جمال الله أو جلاله انعكست منها إلى من في مثل درجاتها كما تتعاكس المرايا الصافية، المتحاذية، فيزداد كل منها في نفسها بخفاء صفاتها.
وفي قوله: ﴿ نبىء عبادي ﴾ إشارة إلى أن سلوك السالكين وطير الطائرين يجب أن يكون على قدمي الرجاء والخوف وجناحي الإنس والجن والله الموفق للصواب.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ الۤر تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ ﴾ .
قد ذكرنا فيما تقدم: أنه يحتمل أن الحروف المقطعة كناية عن كتابه وآياته، أو آياته؛ أنه جمعها على ما توجبه الحكمة؛ فجعلها كتاباً أو [آيات كتاب يتلى]، أو يكون كناية عن الإنباء والإخبار عن الأمم السالفة؛ التي لم يشهدها رسول الله ، تلك الأنباء والأخبار التي جعلناها كتاباً أو آيات؛ ليعلموا أن هذا الكتاب إنما نزل من السماء، وأنه إنما علم بالوحي من الله، وقد ذكرنا هذا في غير موضع.
﴿ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ ﴾ .
قال: بيَّن فيه ما يؤتى، وما يتقى.
أو ﴿ مُّبِينٍ ﴾ : يبين بين الحقّ والباطل.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ ﴾ .
قال عامة أهل التأويل: إنما يودون الإسلام والتوحيد، بعد ما عذب بالنار قوماً من أهل التوحيد بذنوبهم، ثم أخرجوا منها بالشفاعة أو بالرحمة، فعند ذلك يتمنى أهل الشرك؛ ويودّون الإسلام والتوحيد؛ لكن هذا بعيد ألا يتمنوا إلا في النار بعد ما أخرج أولئك وقد أصيبوا الشدائد والبلايا؛ من قبل أن يأتوا النار، قال الله : ﴿ حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ٱرْجِعُونِ * لَعَلِّيۤ أَعْمَلُ صَالِحاً ﴾ الآية [المؤمنون: 99-100] أخبر أنه يتمنى عند حلول الموت - الإسلام؛ حيث طلب الرجوع إلى الدنيا، دلّ أنهم يودون الإسلام؛ قبل الموت الذي ذكروا، أو يتمنون الإسلام إذا حوسبوا، أو إذا بعث أهل الجنة [إلى الجنة وبعثوا هم] إلى النار، يتمنون الإسلام قبل ذلك بمواضع، وربما يتمنى الآحاد من الكفرة، ويودّون لو كانوا مسلمين في أحوال؛ وأوقات؛ يظهر لهم الحق، وقد بان لهم الحق؛ لكن الذي يمنعهم عن الإسلام - فوت شيء من الدنيا، وذهاب شيء قد طمعوا فيه.
وقال الحسن في قوله: ﴿ الۤر تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ﴾ : قسم؛ لما ذكر: ﴿ رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ ﴾ ؛ يقول: أقسم بالحروف المقطعة أنهم يودّون الإسلام.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ ﴾ .
هذا ليس على الأمر، ولكن على الوعيد، والتهديد، والإبلاغ في الوعيد، وتأكيد؛ كقوله: ﴿ ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ...
﴾ الآية، [فصلت: 40] هو على الوعيد؛ حيث قال: ﴿ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ فعلى ذلك قوله: ﴿ ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ ﴾ وعيد بقوله: ﴿ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ ، ويشبه أن يكون: ذرهم ولا تكافئهم بصنيعهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ المحقّ من المبطل، وأن المحقّ والمبطل من أنت أو هم؟
أو سوف يعلمون نصحك إياهم، وشفقتك لهم، أنك نصحت لهم، وأشفقت عليهم لا أن خنتهم أو يعلموا بما سخروا بكم وهزءوا.
وقوله: ﴿ وَيُلْهِهِمُ ٱلأَمَلُ ﴾ .
الأمل: الطمع، اختلف فيه: قال بعضهم: [أي]: منعهم طمعهم أنهم وآباءهم قد أصابوا الحق، ذلك منعهم عن الإجابة، والنظر في الآيات والحجج.
والثاني: تقديرهم بامتداد حياتهم؛ ليبقى لهم الرياسة، والشرف، ذلك الذي كان يمنعهم عن الإجابة له، والانقياد له، والنظر في الآيات والحجج.
والثالث: يطمعون هلاك النبي ، ويتمنون ذلك، وانقطاع ملكه، وأمره، والعود إليهم، فذلك الذي كان منعهم.
وفي حرف حفصه: (ذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا وَيُلْهِهِمُ ٱلأَمَلُ).
وقوله: ﴿ ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ...
﴾ الآية في قوم علم الله أنهم لا يؤمنون، آيس رسوله عن إيمانهم؛ وهو كقوله: ﴿ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ ﴾ .
قال الحسن: وما أهلكنا من أهل قرية إهلاك تعذيب؛ إلا وقد أرسلنا إليهم رسلا بكتاب معلوم، نتلو ذلك الكتاب المعلوم عليهم؛ فإذا كذبوهم وأيسوا من إيمانهم؛ فعند ذلك يهلكون هلاك تعذيب، وهو ما قال: ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ حَتَّىٰ يَبْعَثَ فِيۤ أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا ﴾ ، فعلى ذلك الأول.
وقال بعضهم: ﴿ وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ ﴾ يقول: كتاب فيه أجل معلوم مؤقت لها؛ على هذا التأويل؛ كأنه قد خرج جواباً لقول كان من أولئك الكفرة من استعجالهم الإهلاك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ ﴾ .
أي: ما تسبق أمة عن أجلها الذي جعل الله لها بالإهلاك، وما تستأخر عنه، وهو ما قال: ﴿ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ [أي: ما يستأخرون ساعة عن الوقت الذي جعل لهم ولا يستقدمون].
فهذا ينقض على المعتزلة قولهم؛ حيث قالوا: إن الله يجعل لخلقه آجالا، ثم يجيء آخر فيقتله قبل الأجل الذي جعله له، والله يقول: ﴿ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ ، وقال: ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَآءَهُمُ ٱلْعَذَابُ ﴾ يخبر أنه لجاءهم العذاب؛ لولا ما جعل من أجل مسمى؛ قد وعد جلَّ وعلا أن يفي بما وعد؛ من البلوغ إلى الأجل الذي سمى.
وعلى قول المعتزلة: لا يملك إنجاز ما وعد؛ لأنه يجيء إنسان؛ فيقتله؛ فيمنع الله عن وفاء ما وعد، فذلك عجز وخلف في الوعد، فنعوذ بالله من السرف في القول، والزيغ عن الحق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالُواْ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ ﴾ يعني: القرآن.
﴿ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ﴾ .
قال الحسن: قوله: يا أيها الذي تدعي أنه نزل عليه الذكر: إنك لمجنون؛ فيما تدعي من نزول الذكر، هو على الإضمار الذي قال الحسن، وإلا في الظاهر متناقض؛ لأنهم كانوا لا يقرون بنزول الذكر عليه؛ لأنهم لو أقروا نزول الذكر عليه لكان قولهم متناقضاً فاسداً.
﴿ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ﴾ سموه مجنوناً، والذي حملهم على تسميتهم إياه مجنوناً وجوه: أحدها: [أنهم] لما رأوه أنه قد أظهر الخلاف لذوي العقول منهم والأفهام، والدعاء إلى غير ما هم فيه؛ فرأوا أنه ليس يخالف أهل العقول والفهم إلا بجنون به؛ فسموه مجنوناً.
والثاني: رأوه قد أظهر الخلاف للفراعنة والجبابرة، الذين كانت عادتهم القتل والهلاك من أظهر الخلاف لهم؛ في أمر من أمورهم الدنياوية؛ فكيف من أظهر [الخلاف لهم] في الدين؛ فظنوا أنه ليس يخالفهم، ولا يخاطر بنفسه وروحه إلا لجنون فيه.
والثالث: قالوا ذلك لما رأوه؛ كان يتغير لونه عند نزول الوحي عليه؛ فظنوا أن ذلك لآفة فيه، ومن تأمل حقيقة ذلك علم أن من قرفه بالجنون فيه هو المجنون لا هو؛ حيث قال: ﴿ أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِمْ مِّن جِنَّةٍ...
﴾ الآية [الأعراف: 184] وقال: ﴿ مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ﴾ أخبر أنهم لو تفكروا عرفوا أنه ليس به جنة، ولكن عن معاندة ومكابرة؛ يقولون؛ وجهلٍ، وسموه مرة ساحراً؛ فذلك تناقض في القول؛ لأنه لا يسمى ساحراً إلا لفضل بصر وعلم؛ فذلك تناقض.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِٱلْمَلائِكَةِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ ﴾ .
تأويله - والله أعلم - يقولون له: إنك تزعم أن الملائكة يأتونك بالوحي، فهلا أظهرت لنا إذا أتوك؛ فننظر إليهم أملائكة هم - على ما تزعم - أم شياطين؟
وقال بعضهم: لو ما تأتينا بالملائكة فيشهدون أنك رسول الله، وأنت أرسلت على ما تدعي من الرسالة؛ فقال: ﴿ مَا نُنَزِّلُ ٱلْمَلائِكَةَ إِلاَّ بِٱلحَقِّ ﴾ : [إلا بالموت] ﴿ وَمَا كَانُواْ إِذاً مُّنظَرِينَ ﴾ .
قال بعضهم: أنْ ليس في وسع البشر رؤية الملائكة على صورتهم؛ فقال: ﴿ مَا نُنَزِّلُ ٱلْمَلائِكَةَ إِلاَّ بِٱلحَقِّ ﴾ : إلا بالموت، لو رأوا؛ لماتوا؛ لما لم يجعل في وسعهم رؤية الملائكة، وهو كقوله: ﴿ وَقَالُواْ لَوْلاۤ أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ...
﴾ الآية [ الأنعام: 8] أخبر أنه لو أنزل [عليهم الملك] - لماتوا؛ إذ ليس في وسعهم رؤية الملائكة على صورتهم، ثم أخبر أيضاً أنه لو جعله ملكاً لجعله رجلا، ويكون في ذلك لبس على أولئك.
وقال بعضهم: ﴿ مَا نُنَزِّلُ ٱلْمَلائِكَةَ إِلاَّ بِٱلحَقِّ ﴾ : أي: إلا بالحجج والآيات والبراهين على الرسل، وعلى من هو أهل لذلك، ليس على كل أحد.
وقال بعضهم: ﴿ إِلاَّ بِٱلحَقِّ ﴾ : أي: إلاَّ بالعذاب الذي يكون فيه هلاكهم، وهكذا إن الملائكة لا تنزل إلا بالعذاب الذي فيه هلاكهم أو بالحجج والبراهين.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ ﴾ يعني القرآن ﴿ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ .
حتى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وفيما وكل الحفظ إلى نفسه؛ لم يقدر أحد من الطاعنين مع كثرتهم منذ نزل موضع الطعن فيه، وذلك يدلّ أنه سماوي، وأنه محفوظ.
وقال بعضهم: ﴿ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ : أي: محمداً عليه أفضل الصلوات: أي: نحفظه بالذكر الذي أنزل عليه؛ كقوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ ﴾ وكقوله: ﴿ قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَآ أَضِلُّ عَلَىٰ نَفْسِي...
﴾ الآية [سبأ: 50] أخبر أنه إنما يهتدي بما يوحي إليه ربّه، فعلى ذلك يحفظه بالقرآن الذي أنزل عليه.
ويحتمل [أن يكون] الذكر: النبوة؛ أي: إنا نحن نزلنا النبوة، وإنا له: أي: لرسوله؛ لحافظون له: بالنبوة والرسالة.
<div class="verse-tafsir"
سيتمنى الكفار يوم القيامة لو كانوا مسلمين عندما يتضح لهم الأمر، وينكشف لهم بطلان ما كانوا عليه من الكفر في الدنيا.
<div class="verse-tafsir" id="91.y6vbq"