تأويلات أهل السنة سورة الحجر

الإسلام > القرآن > تفسير > الماتريدي > تفسير سورة الحجر

تفسيرُ سورةِ الحجر كاملةً من تأويلات أهل السنة (الماتريدي) (أبو منصور الماتريدي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 98 دقيقة قراءة

تفسير سورة الحجر كاملةً (أبو منصور الماتريدي)

الٓر ۚ تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ وَقُرْءَانٍۢ مُّبِينٍۢ ١ رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَوْ كَانُوا۟ مُسْلِمِينَ ٢ ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا۟ وَيَتَمَتَّعُوا۟ وَيُلْهِهِمُ ٱلْأَمَلُ ۖ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ٣ وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌۭ مَّعْلُومٌۭ ٤ مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَـْٔخِرُونَ ٥ وَقَالُوا۟ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِى نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌۭ ٦ لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ ٧ مَا نُنَزِّلُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةَ إِلَّا بِٱلْحَقِّ وَمَا كَانُوٓا۟ إِذًۭا مُّنظَرِينَ ٨ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَـٰفِظُونَ ٩

قوله - عز وجل -: ﴿ الۤر تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ ﴾ .

قد ذكرنا فيما تقدم: أنه يحتمل أن الحروف المقطعة كناية عن كتابه وآياته، أو آياته؛ أنه جمعها على ما توجبه الحكمة؛ فجعلها كتاباً أو [آيات كتاب يتلى]، أو يكون كناية عن الإنباء والإخبار عن الأمم السالفة؛ التي لم يشهدها رسول الله  ، تلك الأنباء والأخبار التي جعلناها كتاباً أو آيات؛ ليعلموا أن هذا الكتاب إنما نزل من السماء، وأنه إنما علم بالوحي من الله، وقد ذكرنا هذا في غير موضع.

﴿ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ ﴾ .

قال: بيَّن فيه ما يؤتى، وما يتقى.

أو ﴿ مُّبِينٍ ﴾ : يبين بين الحقّ والباطل.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ ﴾ .

قال عامة أهل التأويل: إنما يودون الإسلام والتوحيد، بعد ما عذب بالنار قوماً من أهل التوحيد بذنوبهم، ثم أخرجوا منها بالشفاعة أو بالرحمة، فعند ذلك يتمنى أهل الشرك؛ ويودّون الإسلام والتوحيد؛ لكن هذا بعيد ألا يتمنوا إلا في النار بعد ما أخرج أولئك وقد أصيبوا الشدائد والبلايا؛ من قبل أن يأتوا النار، قال الله  : ﴿ حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ٱرْجِعُونِ * لَعَلِّيۤ أَعْمَلُ صَالِحاً ﴾ الآية [المؤمنون: 99-100] أخبر أنه يتمنى عند حلول الموت - الإسلام؛ حيث طلب الرجوع إلى الدنيا، دلّ أنهم يودون الإسلام؛ قبل الموت الذي ذكروا، أو يتمنون الإسلام إذا حوسبوا، أو إذا بعث أهل الجنة [إلى الجنة وبعثوا هم] إلى النار، يتمنون الإسلام قبل ذلك بمواضع، وربما يتمنى الآحاد من الكفرة، ويودّون لو كانوا مسلمين في أحوال؛ وأوقات؛ يظهر لهم الحق، وقد بان لهم الحق؛ لكن الذي يمنعهم عن الإسلام - فوت شيء من الدنيا، وذهاب شيء قد طمعوا فيه.

وقال الحسن في قوله: ﴿ الۤر تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ﴾ : قسم؛ لما ذكر: ﴿ رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ ﴾ ؛ يقول: أقسم بالحروف المقطعة أنهم يودّون الإسلام.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ ﴾ .

هذا ليس على الأمر، ولكن على الوعيد، والتهديد، والإبلاغ في الوعيد، وتأكيد؛ كقوله: ﴿ ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ...

﴾ الآية، [فصلت: 40] هو على الوعيد؛ حيث قال: ﴿ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ  ﴾ فعلى ذلك قوله: ﴿ ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ ﴾ وعيد بقوله: ﴿ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ ، ويشبه أن يكون: ذرهم ولا تكافئهم بصنيعهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ المحقّ من المبطل، وأن المحقّ والمبطل من أنت أو هم؟

أو سوف يعلمون نصحك إياهم، وشفقتك لهم، أنك نصحت لهم، وأشفقت عليهم لا أن خنتهم أو يعلموا بما سخروا بكم وهزءوا.

وقوله: ﴿ وَيُلْهِهِمُ ٱلأَمَلُ ﴾ .

الأمل: الطمع، اختلف فيه: قال بعضهم: [أي]: منعهم طمعهم أنهم وآباءهم قد أصابوا الحق، ذلك منعهم عن الإجابة، والنظر في الآيات والحجج.

والثاني: تقديرهم بامتداد حياتهم؛ ليبقى لهم الرياسة، والشرف، ذلك الذي كان يمنعهم عن الإجابة له، والانقياد له، والنظر في الآيات والحجج.

والثالث: يطمعون هلاك النبي  ، ويتمنون ذلك، وانقطاع ملكه، وأمره، والعود إليهم، فذلك الذي كان منعهم.

وفي حرف حفصه: (ذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا وَيُلْهِهِمُ ٱلأَمَلُ).

وقوله: ﴿ ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ...

﴾ الآية في قوم علم الله أنهم لا يؤمنون، آيس رسوله عن إيمانهم؛ وهو كقوله: ﴿ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ ﴾ .

قال الحسن: وما أهلكنا من أهل قرية إهلاك تعذيب؛ إلا وقد أرسلنا إليهم رسلا بكتاب معلوم، نتلو ذلك الكتاب المعلوم عليهم؛ فإذا كذبوهم وأيسوا من إيمانهم؛ فعند ذلك يهلكون هلاك تعذيب، وهو ما قال: ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ حَتَّىٰ يَبْعَثَ فِيۤ أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا  ﴾ ، فعلى ذلك الأول.

وقال بعضهم: ﴿ وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ ﴾ يقول: كتاب فيه أجل معلوم مؤقت لها؛ على هذا التأويل؛ كأنه قد خرج جواباً لقول كان من أولئك الكفرة من استعجالهم الإهلاك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ ﴾ .

أي: ما تسبق أمة عن أجلها الذي جعل الله لها بالإهلاك، وما تستأخر عنه، وهو ما قال: ﴿ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ  ﴾ [أي: ما يستأخرون ساعة عن الوقت الذي جعل لهم ولا يستقدمون].

فهذا ينقض على المعتزلة قولهم؛ حيث قالوا: إن الله يجعل لخلقه آجالا، ثم يجيء آخر فيقتله قبل الأجل الذي جعله له، والله يقول: ﴿ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ  ﴾ ، وقال: ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَآءَهُمُ ٱلْعَذَابُ  ﴾ يخبر أنه لجاءهم العذاب؛ لولا ما جعل من أجل مسمى؛ قد وعد جلَّ وعلا أن يفي بما وعد؛ من البلوغ إلى الأجل الذي سمى.

وعلى قول المعتزلة: لا يملك إنجاز ما وعد؛ لأنه يجيء إنسان؛ فيقتله؛ فيمنع الله عن وفاء ما وعد، فذلك عجز وخلف في الوعد، فنعوذ بالله من السرف في القول، والزيغ عن الحق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالُواْ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ ﴾ يعني: القرآن.

﴿ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ﴾ .

قال الحسن: قوله: يا أيها الذي تدعي أنه نزل عليه الذكر: إنك لمجنون؛ فيما تدعي من نزول الذكر، هو على الإضمار الذي قال الحسن، وإلا في الظاهر متناقض؛ لأنهم كانوا لا يقرون بنزول الذكر عليه؛ لأنهم لو أقروا نزول الذكر عليه لكان قولهم متناقضاً فاسداً.

﴿ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ﴾ سموه مجنوناً، والذي حملهم على تسميتهم إياه مجنوناً وجوه: أحدها: [أنهم] لما رأوه أنه قد أظهر الخلاف لذوي العقول منهم والأفهام، والدعاء إلى غير ما هم فيه؛ فرأوا أنه ليس يخالف أهل العقول والفهم إلا بجنون به؛ فسموه مجنوناً.

والثاني: رأوه قد أظهر الخلاف للفراعنة والجبابرة، الذين كانت عادتهم القتل والهلاك من أظهر الخلاف لهم؛ في أمر من أمورهم الدنياوية؛ فكيف من أظهر [الخلاف لهم] في الدين؛ فظنوا أنه ليس يخالفهم، ولا يخاطر بنفسه وروحه إلا لجنون فيه.

والثالث: قالوا ذلك لما رأوه؛ كان يتغير لونه عند نزول الوحي عليه؛ فظنوا أن ذلك لآفة فيه، ومن تأمل حقيقة ذلك علم أن من قرفه بالجنون فيه هو المجنون لا هو؛ حيث قال: ﴿ أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِمْ مِّن جِنَّةٍ...

﴾ الآية [الأعراف: 184] وقال: ﴿ مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ  ﴾ أخبر أنهم لو تفكروا عرفوا أنه ليس به جنة، ولكن عن معاندة ومكابرة؛ يقولون؛ وجهلٍ، وسموه مرة ساحراً؛ فذلك تناقض في القول؛ لأنه لا يسمى ساحراً إلا لفضل بصر وعلم؛ فذلك تناقض.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِٱلْمَلائِكَةِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ ﴾ .

تأويله - والله أعلم - يقولون له: إنك تزعم أن الملائكة يأتونك بالوحي، فهلا أظهرت لنا إذا أتوك؛ فننظر إليهم أملائكة هم - على ما تزعم - أم شياطين؟

وقال بعضهم: لو ما تأتينا بالملائكة فيشهدون أنك رسول الله، وأنت أرسلت على ما تدعي من الرسالة؛ فقال: ﴿ مَا نُنَزِّلُ ٱلْمَلائِكَةَ إِلاَّ بِٱلحَقِّ ﴾ : [إلا بالموت] ﴿ وَمَا كَانُواْ إِذاً مُّنظَرِينَ ﴾ .

قال بعضهم: أنْ ليس في وسع البشر رؤية الملائكة على صورتهم؛ فقال: ﴿ مَا نُنَزِّلُ ٱلْمَلائِكَةَ إِلاَّ بِٱلحَقِّ ﴾ : إلا بالموت، لو رأوا؛ لماتوا؛ لما لم يجعل في وسعهم رؤية الملائكة، وهو كقوله: ﴿ وَقَالُواْ لَوْلاۤ أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ...

﴾ الآية [ الأنعام: 8] أخبر أنه لو أنزل [عليهم الملك] - لماتوا؛ إذ ليس في وسعهم رؤية الملائكة على صورتهم، ثم أخبر أيضاً أنه لو جعله ملكاً لجعله رجلا، ويكون في ذلك لبس على أولئك.

وقال بعضهم: ﴿ مَا نُنَزِّلُ ٱلْمَلائِكَةَ إِلاَّ بِٱلحَقِّ ﴾ : أي: إلا بالحجج والآيات والبراهين على الرسل، وعلى من هو أهل لذلك، ليس على كل أحد.

وقال بعضهم: ﴿ إِلاَّ بِٱلحَقِّ ﴾ : أي: إلاَّ بالعذاب الذي يكون فيه هلاكهم، وهكذا إن الملائكة لا تنزل إلا بالعذاب الذي فيه هلاكهم أو بالحجج والبراهين.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ ﴾ يعني القرآن ﴿ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ .

حتى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وفيما وكل الحفظ إلى نفسه؛ لم يقدر أحد من الطاعنين مع كثرتهم منذ نزل موضع الطعن فيه، وذلك يدلّ أنه سماوي، وأنه محفوظ.

وقال بعضهم: ﴿ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ : أي: محمداً عليه أفضل الصلوات: أي: نحفظه بالذكر الذي أنزل عليه؛ كقوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ  ﴾ وكقوله: ﴿ قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَآ أَضِلُّ عَلَىٰ نَفْسِي...

﴾ الآية [سبأ: 50] أخبر أنه إنما يهتدي بما يوحي إليه ربّه، فعلى ذلك يحفظه بالقرآن الذي أنزل عليه.

ويحتمل [أن يكون] الذكر: النبوة؛ أي: إنا نحن نزلنا النبوة، وإنا له: أي: لرسوله؛ لحافظون له: بالنبوة والرسالة.

<div class="verse-tafsir"

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِى شِيَعِ ٱلْأَوَّلِينَ ١٠ وَمَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ ١١ كَذَٰلِكَ نَسْلُكُهُۥ فِى قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ ١٢ لَا يُؤْمِنُونَ بِهِۦ ۖ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ ٱلْأَوَّلِينَ ١٣ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًۭا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَظَلُّوا۟ فِيهِ يَعْرُجُونَ ١٤ لَقَالُوٓا۟ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَـٰرُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌۭ مَّسْحُورُونَ ١٥

قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي شِيَعِ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ .

قيل: في ملك الأولين.

وقيل: في فرق الأولين.

وقيل: في جماعات [الأولين]، وهو واحد.

﴿ وَمَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ .

يصبر رسوله على استهزاء قومه إياه، وأذاهم له.

يقول - والله أعلم -: لست أنت المخصوص بهذا، ولكن لك شركاء وأصحاب في ذلك؛ ليخف ذلك عليه ويهون؛ لأن العرف في الخلق أن من كان له شركاء وأصحاب في شدة أصابته أو بلاء يصيبه - كان ذلك أيسر عليه، وأهون من أن يكون مخصوصاً به، من بين سائر الخلائق.

والله أعلم.

كأن هذه الآية صلة قولهم: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ ﴾ ، فكأنه لما سمع هذا اشتد عليه، وضاق صدره بذلك؛ فعند ذلك قال: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي شِيَعِ ٱلأَوَّلِينَ...

﴾ إلى آخره، يصبره على أذاهم وهزئهم به؛ فإنما يشتد عليه ذلك؛ على قدر شفقته ونصيحته لهم، وكان بلغ نصيحته وشفقته لهم ما ذكر: ﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ  ﴾ وقوله: ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ  ﴾ كادت نفسه تهلك، أو ذكر هذا له لما أن هؤلاء - أعني قومه - إنما استهزءوا به تقليداً لآبائهم، واستهزاء بهم وتلقنوا منهم، لا أنهم أنشئوا ذلك من أنفسهم، وأولئك - أعني: الأوائل - إنما استهزءوا برسلهم، لا تقليداً بأحد، ولكن إنشاء من ذات أنفسهم، فمن استهزأ بآخر [فشتمه؛ تقليداً] واقتداء وتلقناً - كان ذلك أيسر عليه وأخف ممن فعل به من ذاته؛ لأنه إنما يلقن المجانين والصبيان ومن به آفة، بمثل ذلك؛ فهم الذين يعملون بالتلقين، وأما العقلاء السالمون عن الآفات - فلا، فذلك أهون عليه من استهزاء أولئك برسلهم والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ ﴾ .

اختلف فيه: قال بعضهم: كذلك نسلك التكذيب والاستهزاء في قلوب المجرمين؛ لا يؤمنون به، يقول: من حكم الله أن يسلك التكذيب في قلب من اختار التكذيب وكذبه، ومن حكمه أن يسلك التصديق في قلب من صدقه واختاره؛ كقوله: ﴿ فَلَمَّا زَاغُوۤاْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ  ﴾ وكقوله: ﴿ وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَٰسِقِينَ  ﴾ .

وقال بعضهم: قوله: ﴿ كَذَلِكَ ﴾ نجعل الكفر والتكذيب ﴿ فِي قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ ﴾ بكفرهم؛ كقوله: ﴿ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ...

﴾ الآية [الأنعام: 25] وقوله: ﴿ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً  ﴾ ونحوه.

ويحتمل قوله: ﴿ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ ﴾ الحجج والآيات؛ ليكون تكذيبهم وردّهم [الآيات والحجج]، وتكذيبهم تكذيب عناد ومكابرة، لا يؤمنون به.

وقوله: ﴿ كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ ﴾ أي: مثل الذي سلكنا في قلوب المؤمنين؛ من قبول الآيات والحجج، والتصديق لها؛ لما علم أنهم يختارون ذلك - نسلك في قلوب المجرمين؛ من تكذيب الآيات والحجج وردها؛ لما علم منهم الرد والتكذيب لها.

هذا يحتمل، ويحتمل غير هذا مما ذكرنا.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ بالتكذيب، والردّ، والمعاندة، والمكابرة، بعد قيام الحجج والآيات.

ويحتمل: ﴿ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ : الهلاك والاستئصال عند مكابرة حجج الله، ومعاندتهم إياها.

وقال بعض أهل التأويل: ﴿ كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ ﴾ أي: نجعله؛ على ما ذكرنا، الكفر بالعذاب ﴿ فِي قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ ﴾ ، ﴿ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ أي: لا يصدقون بالعذاب ﴿ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ بالتكذيب لرسلهم بالعذاب، فهؤلاء يستنون بسنتهم.

وقال أبو عوسجة: ﴿ كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ ﴾ : أي: ندخله؛ يقال: السالك: الداخل، والسلوك: الدخول، وسلكت أدخلت، وتصديقه: قوله: ﴿ كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ  ﴾ وقال: ﴿ ٱسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ  ﴾ أي: أدخل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ ٱلسَّمَاءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ ﴾ .

يخبر - عز وجل - عن سفههم وعنادهم في سؤالهم الآيات؛ وطلب نزول الملائكة بقوله: ﴿ لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِٱلْمَلائِكَةِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ ﴾ يقول: إن سؤالهم الآيات؛ وما سألوا متعنتين مكابرين؛ ليسوا هم بمسترشدين، لكن أهل الإسلام لا يعرفون تعنتهم بالذكر؛ حيث قال: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَٰنِهِمْ لَئِن جَآءَتْهُمْ آيَةٌ...

﴾ الآية [الأنعام: 109] ثم قال: ﴿ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ  ﴾ وذلك أن المؤمنين كانوا يشفعون لهم بسؤالهم الآيات لعلهم يؤمنون؛ فأخبر: ﴿ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ  ﴾ فعلى ذلك قوله: ﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ ٱلسَّمَاءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ ﴾ يخبر أنهم بسؤالهم نزول الملائكة؛ معاندين مكابرين - ليسوا بمسترشدين.

ثم اختلف فيه: قال بعضهم: قوله: ﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم ﴾ : يعني على الملائكة بابا حتى رأوا، وعاينوا الملائكة ينزلون من السماء ويصعدون؛ فلا يؤمنون؛ وقالوا: ﴿ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا ﴾ قيل: حيرت وسدت، ﴿ بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ ﴾ : أي: سحرت أعيننا؛ فلا نرى ذلك.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً ﴾ أي: لهم ﴿ بَاباً مِّنَ ٱلسَّمَاءِ ﴾ كقوله: ﴿ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ  ﴾ أي: للنصب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَظَلُّواْ فِيهِ ﴾ حتى ﴿ يَعْرُجُونَ ﴾ فيه ويعاينون نزول الآيات ويشاهدون كل شيء ﴿ لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا ﴾ يؤيس رسوله وأصحابه عن إيمانهم، وقوله  : ﴿ لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ ﴾ يقولون ذلك لشدة تعنتهم وسفههم، وينكرون معاينة ذلك.

<div class="verse-tafsir"

وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِى ٱلسَّمَآءِ بُرُوجًۭا وَزَيَّنَّـٰهَا لِلنَّـٰظِرِينَ ١٦ وَحَفِظْنَـٰهَا مِن كُلِّ شَيْطَـٰنٍۢ رَّجِيمٍ ١٧ إِلَّا مَنِ ٱسْتَرَقَ ٱلسَّمْعَ فَأَتْبَعَهُۥ شِهَابٌۭ مُّبِينٌۭ ١٨ وَٱلْأَرْضَ مَدَدْنَـٰهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَٰسِىَ وَأَنۢبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَىْءٍۢ مَّوْزُونٍۢ ١٩ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَـٰيِشَ وَمَن لَّسْتُمْ لَهُۥ بِرَٰزِقِينَ ٢٠ وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَآئِنُهُۥ وَمَا نُنَزِّلُهُۥٓ إِلَّا بِقَدَرٍۢ مَّعْلُومٍۢ ٢١ وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَـٰحَ لَوَٰقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ فَأَسْقَيْنَـٰكُمُوهُ وَمَآ أَنتُمْ لَهُۥ بِخَـٰزِنِينَ ٢٢ وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْىِۦ وَنُمِيتُ وَنَحْنُ ٱلْوَٰرِثُونَ ٢٣ وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَـْٔخِرِينَ ٢٤ وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ ۚ إِنَّهُۥ حَكِيمٌ عَلِيمٌۭ ٢٥

قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي ٱلسَّمَاءِ بُرُوجاً ﴾ قيل: نجوماً، ويحتمل البروج: المنازل التي ينزل فيها الشمس والقمر والنجوم، جعل لكل واحد من ذلك منزلا، ينزل في كل ليلة في منزل على حدة.

ويحتمل ما ذكر من البروج: هي مطالع [ما ذكر] من الشمس والقمر والنجوم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ ﴾ \[يعني السماء للناظرين\].

وفي قوله: ﴿ وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ ﴾ دلالة نقض قول من ينهي عن النظر إلى السماء من القراء؛ لأنه أخبر أنه زينها للناظرين، ولا يحتمل أن يزينها [للناظرين] ثم ينهي عن النظر إليها، دل أنه لا بأس [للناظرين]، وقال في آية أخرى: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا...

﴾ الآية [الأنعام: 97] وقال في موضع آخر: ﴿ وَلَقَدْ زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَٰبِيحَ  ﴾ وجعل الله في الشمس والقمر والنجوم منافع: يهتدون بها الطرق في ظلمات الليل، وجعلها مصابيح في الظلمات، وأخبر أنه زينها للناظرين؛ لأن ما يقبح في العين من المنظر لا يتفكر الناظر فيه ولا ينظر إليه؛ فزينها لهم؛ ليحملهم ذلك على التفكر فيه، والنظر إليها؛ ليعلموا أنه تدبير واحد؛ حيث جعل منافع السماء متصلة بمنافع الأرض؛ مع بعد ما بينهما، وجعل أشياء هي في الظاهر أشباهاً؛ وهي في الحقيقة كالأضداد لها، ومنها ما هي في الظاهر أضداد، وهي كالأشكال؛ نحو النور والظلمة: هي في الظاهر أضداد، صارت كالأشكال؛ حيث تضيء النجوم في ظلمات الليل؛ حتى ينتفع بذلك أهل الأرض، وهما في الظاهر أضداد، فصارت بما يظهر من منافعها كالأشكال، وجعل لا ينتفع بضوء النجوم مع نور القمر، ولا ينتفع بنور القمر مع ضوء الشمس، وهن أشكال؛ فصارت بما يذهب كل واحد [منهما] بسلطان الآخر؛ كالأضداد ليعلم أنه تدبير واحد؛ حيث صارت الأضداد كالأشكال، والأشكال كالأضداد في حق المنفعة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَحَفِظْنَاهَا ﴾ يعني: السماء، ﴿ مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ ﴾ ذكر أن الشياطين كانوا يصعدون السماء فيستمعون من أخبار السماء من الملائكة، مما يكون في الأرض؛ من غيث وغيره، ثم زادوا فيها ما شاءوا فيلقون ذلك إلى الكهنة؛ فيخبر الكهنة الناس، فيقولون: ألم نخبركم [بالمطر] في يوم كذا وكذا، وكان حقّا، ثم منعوا عن ذلك - عن صعودهم - أعني السماء، وحفظوا عنهم، فجعلوا يسترقون السمع، فسلط الله الشهب عليهم، حتى يقذفون؛ وهو كقوله: ﴿ وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ  دُحُوراً  ﴾ وقوله: ﴿ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ  ﴾ .

ويحتمل ﴿ وَحَفِظْنَاهَا ﴾ : أي: أهلها من الشيطان الرجيم لما ذكرنا من ذكر أشياء من القرية والمصر والعير، وغيره، والمراد منه: أهله، فعلى ذلك هذا، إلا أن أهل السماء بأجمعهم أهل ولاية الله؛ وأهل طاعته، وأما أهل الأرض: ففيهم من الغاوين الضالين، فهم أولياء الشيطان؛ كقوله: ﴿ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ...

﴾ الآية [النحل: 100].

ويحتمل حفظ السماء نفسها: بالملائكة، وهو ما ذكر: ﴿ وَيُقْذَفُونَ...

﴾ الآية.

ويحتمل: بالشهب؛ التي في غير آي من القرآن.

وقال بعضهم: ﴿ رَّجِيمٍ ﴾ : اللعين، وكذلك ذكر في حرف ابن مسعود: (من كل شيطان لعين) واللعين: - في اللغة -: فهو المطرود المبعد، وهو على ما ذكر ﴿ دُحُوراً ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ  ﴾ وقال في آية أخرى: ﴿ وَجَعَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ  ﴾ يعني الجبال، في ظاهر هذا أن الأرض كأنها تضطرب وتنكفئ بأهلها، فأثبتها بالجبال، وإلا من طبعها التسفل والانحدار، وكذلك الجبال من طبعها التسفل والانحدار، فكيف كان ثباتها بشيء [كان] طبعه التسفل والتسرب؟

إلا أن يقال: إن طبعها كان الاضطراب والانكفاء فأثبتها بالجبال عن الاضطراب والانكفاء؛ أو أن يقال: من طبعها ما ذكرنا: التسفل والانحدار؛ إلا أن الله - بلطفه - أثبت ما هو طبعه التسفل، بما هو طبعه كذلك؛ ليعلم لطف الله وقدرته، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ فِيهَا ﴾ : يعني في الجبال، ﴿ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ ﴾ : يعني: ما يوزن من نحو: الذهب، والفضة، والحديد، والرصاص، ونحوه مما يستخرج منها، وهذا كأنه ليس بصحيح؛ لأنه لا يقال في الذهب، والفضة والحديد: إنه أنبت في الأرض؛ كما يقال ذلك لنبات وما ينبت فيها، وإنما يقال للذهب، والفضة، والحديد: جعلنا فيها، أو خلقنا فيها.

وقال بعضهم: ﴿ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا ﴾ : يعني: في الأرض؛ من كل ألوان النبات، ﴿ مَّوْزُونٍ ﴾ : أي: معلوم مقدر بقدر؛ كقوله: ﴿ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ﴾ .

ويحتمل: وأنبتنا فيها ما يصير موزوناً في الآخرة من الزروع وغيرها من الحبوب، أو ما ذكرنا؛ أي: معلوم مقدر، والله أعلم، ليس على الجزاف؛ على ما يكون من فعل جاهل على غير تدبير ولا تقدير.

ويحتمل قوله: ﴿ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ ﴾ : ما لو اجتمع الخلائق - لم يعرفوا قدر ما يزداد وينمو من النبات؛ في لحظة واحدة؛ وطرفة عين، في أول ما يخرج ويبدو من الأرض، وذلك موزون عنده؛ معلوم قدره، ليعلم لطفه، وقدرته، وتدبيره، وعلمه، وأنه تدبير واحد؛ حيث لم يختلف ذلك؛ ولم يتفاوت.

والله أعلم.

قال أبو عوسجة: ﴿ فَظَلُّواْ فِيهِ ﴾ : أي: صاروا يومهم ﴿ يَعْرُجُونَ ﴾ : يرتفعون ويصعدون.

وقال غيره: ظلوا: أي: ما لوا، كقوله: ﴿ فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ  ﴾ أي: مالت، وقال: قوله: ﴿ سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا ﴾ : أي: حيرت؛ يقال: تسكر بصره: إذا تحير، وقال: يقال أيضاً تحيرت، يقال: سكر الله بصره: أي: حيره، وسكرت الريح تسكر سكراً: إذا سكنت، ويقال: ليل ساكر، أي: ساكن، وسكرت الماء أسكره سكراً: أي: حبسته، والسكر: السدّ، والسكور جمع، والسكر: مصدر سكر يسكر سكراً؛ فهو سكران، وقوم سكرى وسكارى، والسكرة: الغمرة، والغمرة: الشدة، وقال - عز وجل -: ﴿ وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ  ﴾ أي: شدته.

وقال القتبي: سكرت: غشيت، ومنه يقال: سكر النهر: إذا سدّ، فالسكر اسم ما سكرت، وسكر الشراب منه؛ إنما هو الغطاء على العقل والعين.

وقال الحسن: سكرت - بالتخفيف -: سحرت.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بُرُوجاً ﴾ : قال: إثنا عشر برجاً، وأصل البرج الحصن والقصر وقوله: ﴿ وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ * إِلاَّ مَنِ ٱسْتَرَقَ ٱلسَّمْعَ ﴾ يقول: حفظناها من أن يصل إليها شيطان أو يعلم من أمرها شيئاً إلا استراقاً، ثم يتبعه شهاب مبين: أي: كوكب مضيء.

وقال أبو عوسجة: ﴿ إِلاَّ مَنِ ٱسْتَرَقَ ٱلسَّمْعَ ﴾ : يقال: استرقت السمع: أي: تغفلت قوماً حتى سمعت حديثهم؛ وهم لا يعلمون، وهكذا لو علم الملائكة أن الشياطين يسترقون السمع، ويختطفون - لمنعوا من ذلك، وامتنعوا عن التكلم به؛ حتى لا يستمعون كلامهم، وحديثهم.

و ﴿ شِهَابٌ ﴾ : كوكب، وقيل: الشهاب: خشبة في طرفها نار، والشهبان جماعة.

وقال بعضهم: ﴿ شِهَابٌ مُّبِينٌ ﴾ لرسول الله كان له خاصّةً لم يكن قبل والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ ﴾ أي: في الأرض والجبال.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ ﴾ .

قال الحسن: أي: جعلنا [لكم] في الأرض معايش ما تتعيشون به، ولمن حولكم أيضاً، جعل فيها معايش، لا ترزقونه أنتم؛ إنما ذلك على الله، هو يرزقهم وإياكم.

وقال بعضهم: ﴿ وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ ﴾ : الوحوش والطير، وأما الأنعام: فإنه قد أشركهم البشر في المعايش، وكان غير هذا أقرب وأوفق: وهو أن أهل مكة كانوا يمنّون على رسول الله  ، ويقولون: نحن ربيناه، وغذيناه، وأنفقنا عليه، ورزقناه؛ ثم فعل بنا كذا، فخرج هذا جواباً لهم: ﴿ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ ﴾ أي: محمداً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ ﴾ .

يحتمل هذا - والله أعلم -: وإن من شيء يخزن في الخلق - إلا عندنا خزائنه؛ [أي]: إلا عندنا تلك الخزائن؛ أي: ما تخزنون من الأشياء، فتلك عندنا وفي خزائننا.

﴿ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ﴾ .

على هذا ﴿ وَمَا نُنَزِّلُهُ ﴾ : أي: ما نعطيه ﴿ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ﴾ : أي: وإن كان عندكم مخزوناً محبوساً - فإن ذلك كله في خزائنه، أعطى من شاء، وحرم من شاء.

ويحتمل قوله: ﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ ﴾ والخزائن: هي الأمكنة الخفية التي تخزن فيها الأموال، وبواطن من الأرض، يقول - والله أعلم -: وإن من شيء كان في بواطن الأرض، وأمكنة خفية - إلا عندنا تدبير ذلك وعلمه، يخبر أن تدبيره وعلمه في الخفية من الأمكنة - كهو في الظاهر؛ لا يخرج شيء عن تدبيره وعلمه، بل كل ذلك في تدبيره وعلمه.

وقال الحسن: ﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ ﴾ : أي: الماء الذي جعل به حياة كل شيء، ولا يخرج شيء عن منافعه، فهو خزائن الأشياء كلها، وبه قوام كل شيء، وقال: ألا ترى أنه قال: ﴿ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ﴾ ، ذكر الإنزال: وهو الذي ينزل من السماء طاهراً.

هذا الذي قاله محتمل، لكن تمامه أن يقال: إن الماء خزانة، والخزانة: هي الموضع الذي يخزن فيه، وفي الماء قوة ومعنى؛ يكون فيه حياة الخلق، ومنافعهم، فيما جعل فيه لا في نفس الماء، ألا ترى أنه يصيب عروق الشجر؛ فتظهر منافعه في غصونها؛ في أعلاها؛ فثبت أن فيه قوة سرية، ومعنى يكون المنافع بها لا بنفس الماء، والله أعلم بذلك.

ثم ما ذكر من الخزائن، والرياح، والماء، والمطر، وغير ذلك من النعم؛ يذكر على الاحتجاج عليهم؛ لأنه إنما أنشأ هذه الأشياء، وخلقها لهؤلاء، لا أنه أنشأها لنفسها، فإذا كان أنشأها لهم - فلا يحتمل أن يتركهم سدى؛ لا يأمرهم ولا ينهاهم، ولا يمتحنهم ولا يجعل لهم عاقبة يثابون أو يعاقبون؛ ولذلك قال في آخره: ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ ﴾ .

وقوله: ﴿ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ﴾ على التأويل الأول: ما ذكرنا، أي: ما نعطيه إلا بقدر معلوم؛ وإن خزنه وحبسه.

ويحتمل: ﴿ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ﴾ أي: بقدر سابق معلوم، ذلك إن كان على هذا - فإنه يدل على أن ما يكون ويحدث - إنما يكون لقدر سابق؛ لا يكون غير ما سبق تقديره.

أو ﴿ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ﴾ محدود؛ أي: ليس ينزل جزافاً؛ ولكن معلوماً محدوداً.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَاحَ لَوَاقِحَ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ لَوَاقِحَ ﴾ : حوامل.

وقال بعضهم: هذا لا يصح، لو كان على هذا - لكان ملاقح وملقحات.

وقال أبو عوسجة: ﴿ لَوَاقِحَ ﴾ تلقح الشجر: أي: تنبت ورقها وهي ملقحة، وقال: يقال: ناقة لاقح: أي: حامل قد حملت، ونوق لواقح، ويقال: حرب لاقح: أي: شديدة، وسحاب لاقح: الذي فيه ماء - أي: مطر - وريح لاقح: أي: ملقح تلقح الشجر؛ أي: تنبت ورقه وحمله، ويقال: ملقح، ويقال: ألقح الرجل إذا لقحت إبله؛ أي: حملت، ورجل ملقح، واللقوح: الناقة التي معها ولد صغير، والجمع: لقاح، وجمع الجمع: لقائح، واللقح: اللواقح؛ وهي الحوامل من الإبل.

قال القتبي: قال أبو عبيدة: ﴿ لَوَاقِحَ ﴾ : إنما هي ملاقح؛ جمع ملقحة، يريد أنها تلقح الشجر، وتلقح السحاب؛ كأنها تنتجه، واللواقح: المنتجة الثمار من الأشجار، والسحاب، وغيره.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ ﴾ .

هو ما ذكرنا على التأويل في قوله: ﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ ﴾ ﴿ وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ ﴾ ، وعلى تأويل الحسن: هو ما ذكر من الماء والمطر.

﴿ وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ ﴾ : أي: حابسين لما جرى به الذكر؛ من المطر والماء؛ الذي ذكر أنه أنزل من السماء.

ويحتمل ﴿ وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ ﴾ أي: لله ﴿ بِخَازِنِينَ ﴾ : أي: ليست خزائنه في أيديكم؛ ولا بيد أحد، ولكن بيد الله، عز وجل.

وعلى تأويل الآخر: ﴿ وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ ﴾ : بمدبرين ما خزن في الأرض ودفن.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ ٱلْوَارِثُونَ ﴾ .

أي: الباقون، يفنى الخلقُ كله؛ فيبقى هو، ولذلك سمي من خلف الميت وارثاً؛ لأنه يموت ويبقى الوارث؛ وهو باقٍ وكذلك يخرج قوله: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ ٱلأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا  ﴾ والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَأْخِرِينَ ﴾ .

قال بعضهم: ولقد علمنا المستقدمين من المكذبين منكم؛ ما حل بهم بالتكذيب، وقد علمنا المستأخرين من المكذبين منكم.

وقال بعضهم: ولقد علمنا من كان منهم ومات، وقد علمنا المستأخرين: من يكون منهم ويولد؛ ولذلك قال: ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ ﴾ : من مضى ومن بقي لم يكن بعد؛ إلى يوم القيامة.

وقال الحسن: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ ﴾ في الخير ﴿ ٱلْمُسْتَأْخِرِينَ ﴾ في الشّر.

وقال بعضهم: في القرن الأول والآخر، لكنه بعيد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ﴾ .

الحكيم: هو الذي يضع الأشياء مواضعها.

والثاني: هو الذي يجعل الأشياء مواضعها، فالأول قد يعرف الخلق وضع الأشياء مواضعها، وأما الثاني: فلا يكون ذلك إلا بالله.

وقوله: ﴿ عَلِيمٌ ﴾ : عليم بمصالح الخلق، ومالهم وما عليهم.

أو عليم بوضع الأشياء مواضعها.

<div class="verse-tafsir"

وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ مِن صَلْصَـٰلٍۢ مِّنْ حَمَإٍۢ مَّسْنُونٍۢ ٢٦ وَٱلْجَآنَّ خَلَقْنَـٰهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ ٢٧ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَـٰٓئِكَةِ إِنِّى خَـٰلِقٌۢ بَشَرًۭا مِّن صَلْصَـٰلٍۢ مِّنْ حَمَإٍۢ مَّسْنُونٍۢ ٢٨ فَإِذَا سَوَّيْتُهُۥ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى فَقَعُوا۟ لَهُۥ سَـٰجِدِينَ ٢٩ فَسَجَدَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ٣٠ إِلَّآ إِبْلِيسَ أَبَىٰٓ أَن يَكُونَ مَعَ ٱلسَّـٰجِدِينَ ٣١ قَالَ يَـٰٓإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ ٱلسَّـٰجِدِينَ ٣٢ قَالَ لَمْ أَكُن لِّأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُۥ مِن صَلْصَـٰلٍۢ مِّنْ حَمَإٍۢ مَّسْنُونٍۢ ٣٣ قَالَ فَٱخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌۭ ٣٤ وَإِنَّ عَلَيْكَ ٱللَّعْنَةَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ ٣٥ قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِىٓ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ ٣٦ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ ٣٧ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ ٣٨ قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِى لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ٣٩ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ ٤٠ قَالَ هَـٰذَا صِرَٰطٌ عَلَىَّ مُسْتَقِيمٌ ٤١ إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰنٌ إِلَّا مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ ٤٢ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ ٤٣ لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَٰبٍۢ لِّكُلِّ بَابٍۢ مِّنْهُمْ جُزْءٌۭ مَّقْسُومٌ ٤٤

قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ ﴾ وقال في آية آخرى: ﴿ خَلَقَكُمْ مِّن طِينٍ  ﴾ ، وقال: ﴿ مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ  ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ ﴾ \[المؤمنون: 12\]، وقال: ﴿ خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ  ﴾ ، ذكر مرة الحمأ المسنون؛ وقيل: هو الطين الأسود المتغير، وذكر مرة التراب، ومرة الطين اللازب: وهو الملتزق، ومرة من سلالة الطين، فيشبه أن يكون على الأحوال، واختلاف الأوقات: كان في حال الأول تراباً، وفي حال طيناً لازباً، وفي حال حمأ مسنوناً؛ وهو الذي اسودّ وتغير؛ لطول مكثه، وصلصالا وفخاراً.

فقبل أن يكون خلقاً مركباً الجوارح فيه والعظام - كان على هذه الأحوال الثلاثة على ما أخبر من تغير أحوال أولاده؛ حيث قال: ﴿ خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ  ﴾ ذكر فيه أحولا ثلاثة قبل أن يخلق لحماً وعظماً، في حال كان نطفة، ثم صار علقة، ثم صار مضغة.

فعلى ذلك يحتمل ما ذكر في آدم: من تراب، وطين، وحمأ ونحوه، إن كان على اختلاف الأحوال على ما ذكرنا.

أو أن يكون على التشبيه والتمثيل، ووجه التمثيل بالطين: الذي ذكر؛ وهو أن الطين الذي يكون كالصلصال، والفخار، واللازب؛ ونحوه - هو الطين الطيب؛ الذي يكون منه البنيان، والأواني، والقدور، وجميع أنواع المنافع.

وأما الطين الذي يخبث - فإنه لا يتخذ منه شيء مما ذكرنا؛ ولا يتهيأ اتخاذ شيء من ذلك، فشبه خلق آدم بالطين الذي يجتمع فيه جميع أنواع المنافع، فعلى ذلك جمع في آدم جميع أنواع المنافع والخير، كالطين الطيب.

ثم فيه دلالة قدرته، وسلطانه، وذكر نعمه؛ حيث أخبر أنه خلق آدم من تراب وطين؛ وما ذكر، وليس في التراب، ولا في الطين - من أثر البشرية - شيء، وكذلك ليس في النطفة التي خلق البشر منها [من] أثر البشرية شيء؛ ليعلم أنه قادر على إنشاء الأشياء من شيء، ومن لا شيء؛ إذ ليس فيما ذكر من الطين والتراب؛ الذي خلق منه أبا البشر من أثر البشرية فيه [شيء]، ولا في النطفة التي خلق منها أولاده؛ من أثر البشرية والإنسانية من اللحم، والعظم، والشعر، وغيره، وما ركب فيهم: من العقل، والعلم، والتدبير، والجوارح، وغير ذلك - شيء؛ ليعلم قدرته وسلطانه على خلق الأشياء: لا من شيء؛ وليعرفوا نعمه التي أنعمها عليهم؛ حيث أخبر أنه خلق آدم من طين لازب، وصلصال، وما ذكر، وذلك وصف الطين الطيب؛ لأن ما خبث من الطين لا يبلغ المبلغ الذي وصفه، ولا يصير إلى تلك الحال، وإن طال مكثه؛ لأنه لا ينتفع به [لا] من اتخاذ البنيان، والأواني، والقدور، ولا ينبت الزروع أيضاً، فيحتمل على التمثيل الذي ذكرنا لا على التحقيق، أو على التحقيق على الأحوال المختلفة.

فدل أنه إنما خلقه من طين [لازب]؛ طاب أصله.

فعلى ذلك يحتمل النطفة التي يخلق منها البشر تكون طاهرة، وهي لا تصيب شيئاً، وهي على غير الوصف الذي يخرج؛ لأنه قال: ﴿ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ  ﴾ وقال: ﴿ مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ  ﴾ .

والصلصال: قال بعضهم: هو التراب اليابس.

والحمأ: الطين الأسود.

والمسنون: [المنتن المتغير].

وقال بعضهم: الصلصال: هو الذي إذا ضربته تصوت؛ ومنه يقال: صلصلة اللجام والفرس؛ إذا كان يصلصل؛ وهو قول ابن عباس  .

وقال القتبي: الصلصال: الطين اليابس الذي لا يصيبه النار؛ فإذا نَقَرْتَهُ صوّت، فإذا مسته النار - فهو فخار: والمسنون: المتغير الرائحة، والمسنون - أيضاً -: المصبوب، وسننت الشيء: إذا صببته صبّاً سهلا، وسنّ الماء على وجهك، وهو قول القتبي.

وقال أبو عوسجة: ﴿ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ ﴾ : الحمأ: التراب الأسود يكون في أسفل البئر، ومن هذا سمّي الحمي؛ لأنه يحمي أن يرعى، ويقال: حميت الحرب، والشمس، والتنور، يحمى: إذا اشتد حره.

ومسنون: أي: مخلوق.

وقال الحسن: المسنون: الذي سن عليه خلقة الخلق؛ يعني أولاده على خلقته؛ أي: على خلقته خلق الخلق، وأمثال هذا.

والله أعلم بذلك.

وقوله  : ﴿ وَٱلْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ ﴾ .

قال بعضهم: الجانّ: هو إبليس.

وقال بعضهم: الجانّ: هو أبو الجن، وإبليس: هو أبو الشياطين؛ سمّوا شياطين لتمردهم في فعلهم، ذلك مقتدر من فعلهم، ألا ترى أنه ذكر من الإنس والجن شياطين؛ وهو قوله: ﴿ شَيَٰطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ  ﴾ ؛ وذلك لتمردهم، والجانّ مقتدر عن الجن.

والله أعلم بذلك.

والسموم: قال بعضهم: السموم: لهب النار؛ وليس له دخان؛ وهو المارج من نار، والمارج هو المنقطع منها.

وقال بعضهم: من جنس النار؛ كأنه أراد لهبها، وقال: ﴿ نَّارِ ٱلسَّمُومِ ﴾ : الحارّة التي تقتل، فإذا كان السموم، والمارج - ما ذكر بعضهم أنه لهب النار - فمن طبعه الارتفاع والعلوّ، فعلى ذلك ما خلق منه طبعه الارتفاع والعلو؛ وهو الجانّ الذي ذكر، والطين طبعه التسفل والانحدار إلى الأرض؛ فعلى ذلك ما خلق منه طبعه الهوى إلى الأرض، والميل إليها.

والجانّ: قال أبو عوسجة: الجنّ: واحدُ الجانّ، والجمع: جانّ؛ سمي ذلك لاستجنانه.

وقال غيره: الجن: الجماعة، والجانّ الواحد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلآئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ ﴾ أي أتممته ﴿ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي ﴾ وقال في آية أخرى: ﴿ فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا  ﴾ .

لم يشتبه هذا على الناس، ولم يفهموا [من قوله]: ﴿ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي ﴾ ، ﴿ فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا  ﴾ ما فهموا من نفخ الخلق، فما بالهم فهموا من قوله: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ  ﴾ و ﴿ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ  ﴾ ونحوه - استواء الخلق؟

بل فهم نفخه من فهم نفخ الخلق أكثر من استوائه؛ لأنه أمكن صرف الاستواء إلى وجوه؛ ولا يمكن صرف النفخ فيه، لكنه اشتبه عليهم؛ لأنهم اقتدروا فعل الله بفعل الخلق، ولا يجب أن يقتدروا بالخلق على ما لم يقتدروا في قوله: [حدود الله، وحكم الله]، وعباد الله، وخلق الله، وأمثاله.

وقد أخبر أنه ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ  ﴾ أو تلقين من الشيطان.

وقوله: ﴿ رُّوحِي ﴾ ﴿ رُّوحِنَا ﴾ أي: الروح الذي به حياة الخلق؛ أي: خلق الذي يكون به حياة الخلق على ما ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ ﴾ .

يحتمل أن يكون قوله: ﴿ خَالِقٌ بَشَراً ﴾ ما ذكر خبر أنه سيفعل، وأمر لهم بالسجود؛ فيكون الأمر بالسجود بعد ما خلقه إياه، فهذا يدلّ أنه قد يجوز تقدم الأمر عن وقت الفعل.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَسَجَدَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ أَن يَكُونَ مَعَ ٱلسَّاجِدِينَ ﴾ .

ظاهر الأمر بالسجود؛ والاستثناء - الذي ذكر - يدل أن إبليس من الملائكة؛ لأن فيهم كان الأمر بالسجود، ومنهم وقع الثنيا، وقد ذكرنا اختلافهم وأقاويلهم فيما تقدم؛ مقدار ما حفظناه.

قال: والأصل بأن كل ما خرج مخرج الاستثناء - فيجب أن يسقط اسم ما أجمل؛ نحو قول الرجل الآخر: لك علي عشرة إلا درهماً، يسقط [الاستثناء ما] أجمل من الاسم حتى [صار] تسعة، وكذلك إذا قال: ألف إلا خمسين، وإذا لم يسقط ذلك الاسم - فلا بد أن يكون الكل فيه مضمراً؛ نحو قول الرجل: رأيت علماء بلدة كذا إلا فلاناً - يجب أن يضمر فيه حرف الكل، حتى يقع على كل؛ نحو أن يقول: رأيت كل علماء بلدة كذا إلا فلاناً، فعلى ذلك تخصيص العموم.

وقال الحسن: في قوله: ﴿ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ ﴾ قال: الصلصال: هو الطين الحرّ الذي يتصلصل من صلابته ويبوسته، والحمأ الطين، والمسنون: قال: مسنون خلقته؛ فهو سنة للخلق بعده من ذريته؛ أن يخلقوا على خلقته؛ وكقوله: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ ﴾ \[المؤمنون: 12\] يقول: استلها من بين ظَهراني الطين؛ لا من كل طين خلقه، وكذلك قال في تناسل ذريته؛ وهو قوله: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ ﴾ \[المؤمنون: 12\] ليس من كل ماءٍ خلقه؛ ولكن استلها من بين ظهراني الماء.

وقال: الجانّ: إبليس؛ هو أبو الجن ﴿ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ ﴾ : أي: من قبل آدم ﴿ مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ ﴾ : يقول: السموم: هو اسم من أسماء جهنم، ولها أسماء كثيرة، أخبر أنه خلقه من نار السموم؛ أي: جهنم.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ أَن يَكُونَ مَعَ ٱلسَّاجِدِينَ ﴾ ﴿ قَالَ لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ ﴾ وقال في موضع آخر: ﴿ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَٱسْتَكْبَرَ  ﴾ وقال له: ﴿ قَالَ يٰإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ ٱلسَّاجِدِينَ ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ  ﴾ ، وقال في موضع آخر[ ﴿ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ  ﴾ ، وقال في موضع آخر]: ﴿ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ  ﴾ .

ذكر مثل هذا على اختلاف الألفاظ، ومعلوم أن هذه المخاطبات معه - لم يكن معه مراراً؛ ولكن بمرة واحدة.

وقال أبو بكر الأصم: ذكر الله  قصة إبليس، وقصة الأنبياء جميعاً في مواضع على اختلاف الألفاظ؛ لأنها كذلك كانت في كتبهم، فذكرها على ما في كتبهم؛ ليعلموا أن نبي الله إنما عرف ذلك بالله؛ ليدلهم على صدقه، وفيه دلالة أن اختلاف الألفاظ وتغييرها - لا يوجب اختلاف الحكم بعد ألاَّ يغير المعنى، فهذا يدل أن الخبر إذا أُدِّي معناه على اختلاف لفظه - فإنه يجوز، وكذلك إذا قرأ بغير لسان الذي أنزل - فإنه يجوز إذا أتى بمعناه.

الله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ ﴾ .

قوله: ﴿ فَٱخْرُجْ مِنْهَا ﴾ : قال بعضهم: اخرج من السماء إلى الأرض.

وقال بعضهم: اخرج من الأرض إلى جزائر البحر.

وقال بعضهم: اخرج من الجنة، وأمثاله أو اخرج من صورة الملائكة إلى صورة الأبالسة، وجائز أن يقال: اخرج من كذا: أي: تحول من مكان كذا إلى مكان كذا على حقيقة الخروج، ولسنا ندري كيف كان كذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رَجِيمٌ ﴾ قيل: الرجيم: الملعون.

وقيل: الرجيم: ما يرجم بالكواكب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكَ ٱللَّعْنَةَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ ﴾ .

اللعنة: هي الطرد - في اللغة - والخذلان، طرد عن رحمته إلى يوم الدين، حتى لا يهتدي إلى دين الله وهداه، ثم يوم الدين له العذاب الدائم واللعنة القائمة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ * إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ ﴾ .

لعن اللعين، وطرد عن رحمته إلى يوم الدين؛ أي: لا تدركه الهداية؛ لأن الهداية في الدنيا إنما تدركه برحمته، والرحمة في الآخرة هي العفو عما لزمه؛ ووجب عليه.

مسألة تكلموا فيها: ما الحكمة في خلق الله  إبليس؛ مع علمه ما يكون منه: من إفساد خلقه، والدعاء إلى المعاصي، وإنظاره إلى يوم الوقت المعلوم؛ وقد علم أنه إنما ينظره؛ ليفسد عباده، [فمع ما] علم أنه يكون منه فما الحكمة في خلقه؟

قال بعضهم: خلق إبليس وأهل المعاصي؛ مع علمه ذلك؛ ليعلم أنه لم يخلق لمنافع نفسه، ولا لحاجة نفسه، وأن معاصيه لا تضره، ولا تدخل نقصاناً في ملكه، فخلقه - مع علمه بما يكون منه - ليعلم أنه لم يخلق الخلق لمنافع نفسه ولا لحاجته، ولكن لمنافع أنفسهم ولحاجاتهم.

وقال بعضهم: خلق الأعداء والأولياء؛ نظراً للأولياء؛ ليعلم أولياؤه الاختصاص الذي اختصهم به، ولو كانوا جميعاً أولياءه - لم يعرفوا فضيلة الله؛ واختصاصه إياهم، وهكذا النعم وإحسان الله، لا يعرف بنفس النعم ونفس الإحسان؛ وإنما يعرف بالبلايا والشدائد التي تحل، فعلى ذلك الأولياء: لو لم يكن الأعداء لم يعرفوا اختصاص الله لهم، وفضائله التي أكرمهم بها.

وقال بعضهم: خلق الأعداء نظراً للأولياء على ما ذكرنا، لكن من وجه آخر [ ]، وأصله أن الله - عز وجل - جائز أن ينشئ أشياء فيها حكمة وسرية؛ لا يبلغها علم الخلق، ولا يدركها حكمة البشر، على ما جعل النعم الظاهرة فيها - حكمة معنى لا يبلغه علم الخلق؛ ولا حكمة البشر، وكذلك البلايا والشدائد فيها حكمة لا يبلغها علم الخلق، فعلى ذلك جائز أن خلق إبليس، وعُصاة الخلق؛ لحكمة جعل في ذلك؛ حكمة لا يبلغها علم الخلق، ولا يدركها حكمة البشر، على ما ذكرنا: من النعمة الظاهرة؛ والشدائد الظاهرة، وأصله أن الله  خلق الخلق على علم منه أنهم يعصون؛ ويعاندون، لكن مكن لهم من الاختيار والإيثار - ما به نجاتهم وهلاكهم؛ إذا اختاروا ذلك، فإذا اختاروا ما به نجاتهم - نجوا، وإذا اختاروا ما به هلاكهم - هلكوا، فيكون هلاكهم باختيارهم، ونجاتهم باختيارهم.

وأصله: ما ذكرنا في غير موضع؛ أنه أنشأهم في هذه الدنيا؛ ليمتحنهم فيها، وفي خلق ما ذكر: من إبليس؛ وغيره من الأعداء؛ ليتم لهم المحنة، وفي ترك خلق ذلك ذهاب المحنة؛ وهي دار الامتحان.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ * إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: إلى النفخة الأولى وقيل: إلى النفخة الثانية، ونحوه.

لكنا لا نعلم ذلك، وكأنه  أنظره إلى الوقت المعلوم؛ ولم يبين له ذلك الوقت، ولم يطلعه عليه؛ حيث قال: ﴿ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ فَلَمَّا تَرَآءَتِ ٱلْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ...

﴾ الآية [الأنفال: 48] أخبر أنه يرى ما لا يرون هم، وأنه يخاف الله، ولو كان بيّن له الوقت المعلوم - لكان لا يخاف هلاكه قبل ذلك الوقت، فهذا يدل [على] ما ذكرنا.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ .

قال الحسن: قوله: ﴿ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي ﴾ : أي: لعنتني.

وهذا منه احتيال وفرار عن مذهب الاعتزال، وما يلزمهم في قوله: ﴿ أَغْوَيْتَنِي ﴾ يلزم في قوله: لعنتني؛ لأن اللعن: هو الطرد؛ فإذا طرده عن رحمته - فقد خذله، فالطرد والإغواء والإضلال سواء؛ فيلزم في اللعن ما يلزمهم في الإغواء.

وقال أبو بكر الأصم: الإغواء واللعن من الله: شتم، لكن هذا بعيد، لا يجوز أن يضاف إلى الله الشتم أنه يشتم؛ لأنّ الشاتم والسابّ لآخر - في الشاهد بما يشتمه - مذموم عند الخلق؛ فلا يجوز أن يضاف إلى الله ما به يذم.

وأصله: أن قوله: ﴿ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي ﴾ يحتمل أنه خلق فعل الغواية منه أو أغواه؛ لما علم أنه يختار الغواية والضلال.

وقوله: ﴿ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي ٱلأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ : كأنه يقول: ربّ بما أغويتني لأزيدن لهم في الغواية بما أغويهم، وقد ذكرنا هذا وأمثاله فيما تقدم.

فإن قيل: قوله: ﴿ أَغْوَيْتَنِي ﴾ قول إبليس؛ وهو كاذب بالإضافة إليه.

قيل: لو كان فيما أضاف إليه الإغواء كاذباً لكذبه فيه، ورد عليه [قوله]، كما كذبه في قوله ورد عليه: أنا خير منه خلقتني من كذا وخلقته من كذا؛ حيث قال: ﴿ فَٱهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا  ﴾ فلما لم يردّ عليه؛ ولم يكذبه فيما أضاف إليه حرف الإغواء دل أن [إضافة الإغواء إليه] والإضلال حقيقة أو أن يكون قوله: ﴿ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ  ﴾ إنما ذلك منه ذكر فضله وإحسانه؛ حيث أخبر أنه خلقه مما هو أفضل وأعظم مما خلق آدم؛ فيخرج ذلك منه مخرج الشكر.

وأما قوله: ﴿ أَغْوَيْتَنِي ﴾ ليس على ذلك، فلا يحتمل ألا يكذبه، ولا يرد عليه قوله إذا كان كاذباً فيه؛ لأنه فعل شر أضافه إليه، إذا لم يكن منه الإغواء؛ لذلك اختلفا، أو لو كان قول إبليس - لعنه الله - كذباً فما تصنعون بقول نوح -  - حيث قال: ﴿ إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ  ﴾ وقول موسى: ﴿ فَلَمَّا زَاغُوۤاْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ  ﴾ .

ثم قوله: ﴿ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي ٱلأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ ﴾ يحتمل أن يكون منه عزم على ما ذكر، دون أن تفوّه بذلك، فأخبر - عز وجل - عنه ما كان عزم؛ من الإغواء وغيره بالقول، وذلك جائز؛ يخبر عن العزم والقصد بالقول؛ كقوله: ﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلاَ شُكُوراً  ﴾ لا يحتمل أن يكون هذا القول الذي أخبر عنهم قولا منهم؛ لأنه لا أحد من المتصدقين يقول بمثل ذلك عند التصدق؛ لكنه إخبار عما [قصدوا وعزموا] بالتصدق؛ فعلى ذلك يشبه أن يكون هذا من الله إخباراً عما عزم إبليس وقصد؛ على غير التفوه به والقول، وهو ما ذكر ﴿ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ  ﴾ أخبر أنهم كتموا فيه وأضمروا.

ويحتمل أن يكون على التفوه بما ذكر، قال ذلك؛ لما قال له - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكَ ٱللَّعْنَةَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ ﴾ لما شهد الله عليه باللعن إلى يوم الدين أيس - لعنه الله - عن الهدى؛ فقال: ﴿ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي ﴾ : أي: لعنتني وشهدت عليَّ بذلك ﴿ لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي ٱلأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ ﴾ المخلص - بخفض اللام -: هو الذي أخلص له الاعتقاد، والعمل والوفاء، والمخلص - بنصب اللام -: هو الذي أخلصه الله، وحفظه، وعصمه، واختصه بذلك.

والمخلص لا يقال إلا بعد أن يكون لله فيهم صنع، ولهم اختصاص، وفضائل اختصهم بذلك؛ برحمة الله وفضله.

والمعتزلة يقولون: لا يستوجب أحد الاختصاص والفضيلة إلا بفعل يكون منه لا يستوجب بالله.

ويقولون: الله لا يغوي أحداً لا إبليس، ولا أحداً من أتباعه؛ فإبليس أعرف بالله من المعتزلة؛ حيث رأوا أن الله لا يغوي أحداً ولا يختص أحداً إلا بصنع يكون منه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ ﴾ .

قال بعضهم: قوله ﴿ عَلَيَّ ﴾ بمعنى إليَّ: أي: إليَّ صراط مستقيم؛ يقول: هو بيدي لا بيد أحد وقال بعضهم: الحق يرجع إلى الله، وعليه طريقه لا يعوج على شيء.

ويحتمل قوله: ﴿ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ ﴾ : أي: عليَّ بيانه وهو مستقيم؛ كقوله: ﴿ وَعَلَىٰ ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ  ﴾ : أي: بيان قصد السبيل.

وقال بعضهم: لما قال إبليس: ﴿ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ قال الله  : ﴿ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ ﴾ يقول: عليَّ ممرّ من أغويته وتابعك؛ كقولك لآخر - إذا أوعدته -: إن طريقك عليَّ.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ﴾ أي: ليس لك عليهم حجة ﴿ إِلاَّ مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ ﴾ فإنهم يتبعونك بلا حجة ولا برهان.

ويحتمل قوله: ﴿ لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ﴾ : تقهرهم وتضطرهم على ذلك إلا من اتبعك من الغاوين؛ فإنهم يتبعونك على غير قهر واضطرار؛ أي: من كان في علم الله أن يتبعك ويختار الغواية؛ وإن لم يكن إغواؤك إياه؛ فإن لك عليه سلطاناً.

وقوله  : ﴿ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ .

أي: لموعد إبليس وأتباعه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ ﴾ .

يحتمل الأبواب المعروفة، ويحتمل الأبواب: الموارد والجهات التي تكون لها؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ لِكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ ﴾ فهذا يدل أن المراد بالأبواب: الموارد والدركات - لا نفس الأبواب؛ إذ جزء مقسوم إنما يكون للدركات؛ لا يكون للأبواب نفسها.

قال الحسن، والأصم: ﴿ لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ ﴾ يعنون بالأبواب: الطبقات والدركات، لكل باب منهم جزء مقسوم: لليهود باب، وللنصارى باب، وللمجوس باب، وللذين أشركوا باب، وللمنافقين باب، ولأهل الكبائر باب وذكر أيضاً باباً لفريق أدخلوا أهل الكبائر فيها، والصابئين والدهرية.

وعندنا أن ظاهر الآية في الكافرين؛ لأنه قال: ﴿ لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ ﴾ والغاوون: هم الكافرون، وكذلك قوله: ﴿ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ ﴾ فإذا كان كذلك؛ فالسبعة الأبواب - التي ذكر - كلها لأهل الكفر، لا يدخل أهل الكبائر فيه.

ويحتمل: باب للمتجاهلة؛ وهم الذين ينكرون العالم الشاهد والغائب، لا يقرون بشيء، وباب للدهرية؛ وهم الذين ينكرون الصانع، وباب للثنوية، وهم الذين يقولون بالاثنين، وباب للذين أشركوا؛ وهم يقولون بالواحد؛ لكنهم يشركون فيه غيره؛ يعبدون الأصنام والأوثان، وباب لليهود، وباب للنصارى، وباب للمنافقين.

فذلك سبعة أبواب، وليس لأهل الكبائر باب مسمى معلوم، إنما ذلك كله لأهل الكفر.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِى جَنَّـٰتٍۢ وَعُيُونٍ ٤٥ ٱدْخُلُوهَا بِسَلَـٰمٍ ءَامِنِينَ ٤٦ وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَٰنًا عَلَىٰ سُرُرٍۢ مُّتَقَـٰبِلِينَ ٤٧ لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌۭ وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ ٤٨ ۞ نَبِّئْ عِبَادِىٓ أَنِّىٓ أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ٤٩ وَأَنَّ عَذَابِى هُوَ ٱلْعَذَابُ ٱلْأَلِيمُ ٥٠

قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ﴾ .

إن كان أهل الكبائر في قوله: ﴿ لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ ﴾ فيكون قوله: إن المتقين الذين اتقوا الكبائر؛ وإن كان أصحاب الكبائر لم يدخلوا في قوله: ﴿ لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ ﴾ ، فيكون قوله: ﴿ إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ للذين اتقوا الشرك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فِي جَنَّاتٍ ﴾ .

أي: في: بساتين، والبساتين: هي التي التفّت بالأشجار والنخيل.

والعيون قد تكون جارية في الدنيا، وقد تكون غير جارية، فأخبر في آية أخرى بأن عيون الآخرة تكون جارية؛ بقوله: ﴿ فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ  ﴾ .

﴿ وَعُيُونٍ ﴾ : قال بعضهم: ذكر العيون؛ ليعلم أن مياه الجنة - ليست تكون من الثلوج والأنهار العظام - على ما تكون في الدنيا - ولكن تنبع فيها.

وقال بعضهم: ذكر العيون؛ لأنه ينبع في بستان كل أحد عين على حدة، لا يأتي بستانه من ملك آخر، ومن بستان آخر، على ما يكون في الدنيا؛ ولكن تنبع في جنة كل أحد عين على حدة، على ما أراد الله، ليس أنها تتصل بالأرض؛ كما ذكر في قصّة بني إسرائيل: ﴿ فَٱنفَجَرَتْ مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً  ﴾ أنشأ الله في ذلك الحجر ما يخرج لهم على غير اتصاله بالأرض، ولكن بلطفه ينشئ فيه ماء، فعلى ذلك في الجنان التي وعد.

ويشبه أن يكون ذكر هذا لما يختلف رغائب الناس في الدنيا: منهم من يرغب في العين؛ ويتلذذ بالنظر إليها، ومنهم من يرغب في النهر الجاري، فذكر مرة العيون، ومرة الأنهار؛ كقوله: ﴿ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ  ﴾ على ما ذكر مرة الخيام، والقباب، والغرف، وأنواع الفرش والبسط، والكيزان والأكواب، والجواري والغلمان، وغير ذلك على ما يرغب الناس في الدنيا: منهم من يرغب [في نوع لا يرغب] في نوع آخر؛ فذكر فيها كل ما يرغبون في الدنيا؛ ليبعثهم ذلك على العمل الذي به يوصل إلى ذلك.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱدْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ ﴾ .

قال بعضهم: قوله: ﴿ ٱدْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ ﴾ : أي: اجعلوا دخولكم فيها بسلام؛ على ما أمرهم في الدنيا أن يجعلوا الدخول في المنازل بالسلام؛ كقوله: ﴿ فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ...

﴾ الآية [النور: 61]، وعلى ما أخبر أن الملائكة يسلمون عليهم؛ كقوله: ﴿ سَلاَمٌ عَلَيْكُـمْ طِبْتُمْ  ﴾ وكقوله: ﴿ وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ  إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلاماً  ﴾ وقال بعضهم: قوله: ﴿ ٱدْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ ﴾ : أي: ادخلوها بسلام لا يصيبكم مكروه؛ آمنين لا ينغِّصهم خوف ولا حزن، على ما أخبر ﴿ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ  ﴾ .

وقال بعضهم: [...] وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ ﴾ .

قال بعضهم: هو صلة قوله: ﴿ إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ﴾ أي: نزعنا ما في صدورهم من غل؛ الذي كان في الدنيا بالكفر؛ فصاروا إخواناً بالإسلام الذي هداهم إليه؛ فكانوا إخواناً، ثم قيل لهم: ادخلوا الجنة بلا غلّ، وهو ما قال: ﴿ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُمْ مِّنْهَا  ﴾ قد نزع من قلوبهم الغل في الدنيا، فصاروا إخواناً فدخلوا الجنة.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ ﴾ في الآخرة إذا دخلوا الجنة وتقابلوا واتكئوا على سرر، فعند ذلك ينزع الغل من قلوبهم، والمظالم التي كانت بينهم، فإذا كان هذا فهو بين أهل الإسلام.

وعلى ذلك يحتمل أن يكون [كل من] جفا آخر في الدنيا أن ينسى الله ذلك منهم في الجنة؛ لأن ذكر الجفاء ينغص النعم التي فيها، وكذلك ما يكون بين الرجل وولده من الجفاء والعقوق - يجوز أن ينسى ذلك عليهم.

وعلى ذلك ما روي عن عليّ  ؛ قال: إني لأرجو أن أكون أنا وطلحة والزبير من الذين قال الله: ﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَٰناً عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَـٰبِلِينَ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ مُّتَقَـٰبِلِينَ ﴾ : قال بعضهم: يجعل الله منازلهم بعضها مقابل بعض؛ فينظر بعضهم إلى بعض، ويزور بعضهم بعضاً.

وقال بعضهم: يأمر الله السرر التي هم عليها جلوس؛ ليكون بعضها مقابل بعض، إذا اشتهى بعضهم زيارة بعض، ولا يكونون مدبرين؛ ولا معرضين، بل مقبلين، يخبر عن اجتماعهم في الآخرة في الشراب، وأنواع المطاعم على ما يستحسن في الدنيا الإخوان بينهم الاجتماع على الشراب والطعام، والتلذذ، والنظر بعضهم إلى بعض، فعلى ذلك أخبر أن لهم في الآخرة كذلك اجتماع في الشراب، والنظر، وأنواع التلذذ والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ ﴾ .

أي: عناء ومشقة، أخبر أنه لا عناء يمسهم كما يكون في الدنيا؛ لأن في الدنيا: من أطال المقام في موضع يملّ عن ذلك ويسأم، وكذلك إذا أكثر من نوع من الطعام؛ أو الشراب، أو الفاكهة - يملّ عن ذلك ويسأم، ويؤذيه، ولا يوافقه، فأخبر أن أهل الجنة لا يملون ولا يؤذيهم طعامها؛ وإن أكثروا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا هُمْ مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ ﴾ .

أخبر أنهم لا يخرجون منها، ولا هم يطلبون الخروج منها؛ كقوله: ﴿ لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً  ﴾ ؛ لأن خوف زوال النعم ينغص على صاحبها تلك النعمة، وطعمها؛ فأخبر أنهم فيها أبداً، وتلك النعمة لهم دائمة غير زائلة عنهم والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ نَبِّىءْ عِبَادِي ﴾ أي: أخبرهم ﴿ أَنِّي أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ﴾ لمن استغفرني وتاب عما ارتكب من معاصيه، ﴿ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ ٱلْعَذَابُ ٱلأَلِيمُ ﴾ لمن عصاني، ولم يستغفر، ولم يتب إليه.

ويحتمل غير هذا؛ وهو أن يقول: ﴿ نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ﴾ لئلا ييئسوا من رحمتي، ولا يقنطوا مني، ولكن يرجون رحمته وعفوه، ويخافون عذابه ونقمته، ونبئهم أيضاً أن عذابي هو العذاب الأليم لئلا يكونوا آمنين أبداً؛ فيكون فيه أمر بأن يبشر، وأن ينذر؛ كأنه قال بشر أوليائي أني أنا الغفور الرحيم لأوليائي، وأن عذابي شديد أليم لأعدائي.

وفي قوله: ﴿ نَبِّىءْ عِبَادِي ﴾ فيه بشارة ونذارة: أما البشارة: فهو قوله: ﴿ أَنِّي أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ﴾ ، و [أما] النذارة: فهو قوله: ﴿ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ ٱلْعَذَابُ ٱلأَلِيمُ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَٰهِيمَ ٥١ إِذْ دَخَلُوا۟ عَلَيْهِ فَقَالُوا۟ سَلَـٰمًۭا قَالَ إِنَّا مِنكُمْ وَجِلُونَ ٥٢ قَالُوا۟ لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَـٰمٍ عَلِيمٍۢ ٥٣ قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِى عَلَىٰٓ أَن مَّسَّنِىَ ٱلْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ ٥٤ قَالُوا۟ بَشَّرْنَـٰكَ بِٱلْحَقِّ فَلَا تَكُن مِّنَ ٱلْقَـٰنِطِينَ ٥٥ قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِۦٓ إِلَّا ٱلضَّآلُّونَ ٥٦ قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا ٱلْمُرْسَلُونَ ٥٧ قَالُوٓا۟ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍۢ مُّجْرِمِينَ ٥٨ إِلَّآ ءَالَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ ٥٩ إِلَّا ٱمْرَأَتَهُۥ قَدَّرْنَآ ۙ إِنَّهَا لَمِنَ ٱلْغَـٰبِرِينَ ٦٠

قوله - عز وجل -: ﴿ وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ ﴾ .

أي: نبئ قومك عن ضيف إبراهيم؛ أي: نبئهم بتمام ما فيه من الزجر والموعظة؛ لأن في ذلك أخبار ما نزل بالمكذبين؛ بتكذيبهم الرسل، وهو الإهلاك، ونجاة من صدق الرسل، ففيه تمام ما يزجرهم، ويعظهم، من الترهيب والترغيب، فإن فيهم آية لرسالتك ونبوتك؛ لأنه يخبرهم على ما في كتبهم لم يشهدها هو، فيدلهم أنه إنما عرف ذلك بالله.

أو نبئهم؛ فإن ذلك ما يزجرهم عن مثل صنيعهم، وفيه ذكر نعم الله؛ لأنهم جاءوا بالبشارة؛ بشارة الولد، وجاءوا بإهلاك قوم مجرمين، فذلك بالذي يزجرهم عن مثله، والبشارة ترغبهم في مثل صنيع إبراهيم، فنبئهم فإن فيه ما ذكرنا.

ودل قوله: ﴿ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ ﴾ أن الضيف اسم لكل نازل على آخر، طعم عنده أو لم يطعم، وكان نزله للطعام أو لا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلاماً ﴾ .

أي: سلموا على إبراهيم، فرد إبراهيم عليهم السلام.

وقال أبو بكر الأصم: السلام جعله الله أماناً بين الخلق، وعطفاً فيما بينهم، وسبباً لإخراج الضغائن من قلوبهم.

وقال بعضهم: جعل الله السلام تحية على كل داخل على آخر، وهو ما ذكرناه.

وقال بعضهم: السلام: هو اسم كل خير وبرّ وبركة؛ كقوله: ﴿ لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلاَّ سَلاَماً  ﴾ والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ ﴾ أي: خائفون.

قال بعض أهل التأويل: إنما خاف؛ لأنه ظن أنهم لصوص وأهل ريبة، لكن هذا لا يحتمل أن يخاف منهم؛ ويظن أنهم لصوص وأهل ريبة، وقد سلمّوا عليه وقت ما دخلوا عليه، واللصوص وأهل الريبة إذا دخلوا بيت آخر لا يسلمون عليه، لكنه إنما خافهم إذ رأى أيديهم لا تصل إليه؛ كما قال: ﴿ فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً  ﴾ عند ذلك خافهم؛ فلما رأى ذلك ظن إبراهيم أنهم ملائكة؛ إنما جاءوا لأمر عظيم؛ حيث لم يتناولوا مما قرب إليهم؛ وبين إبراهيم وبين المكان الذي يرتحل منه - مكان يقع لهم الحاجة إلى الطعام.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ تَوْجَلْ ﴾ أي: لا تخف: ﴿ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ ﴾ .

وقال في آية أخرى: ﴿ فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ  ﴾ والحلم: هو الذي ينفي عن صاحبه كل أخلاق دنية، والعلم: هو الذي يدعو صاحبه إلى كل خلق رفيع؛ ليعلم أنه اجتمع فيه [جميع] الخصال الرفيعة، ونفى عنه كل خلق دنيء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَىٰ أَن مَّسَّنِيَ ٱلْكِبَرُ ﴾ .

أي: أبشرتموني أن يولد لي، وأنا على الحال التي أنا عليها، أو يردّ إليَّ شبابي وشباب امرأتي.

﴿ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ ﴾ على الحال التي أنا عليها وامرأتي، أو يرد الشباب إلينا، وإلا لا يحتمل أن يخفى عليه قدرة الله هبة الولد في حال الكبر، لكنه لم ير الولد يولد في تلك الحال، فاستخبرهم أنه يولد في تلك الحال، أو يرد إلى حالة أخرى حالة الشباب.

والله  أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بِٱلْحَقِّ ﴾ .

أي: بما هو كائن لا محالة، أي: وعد كائن لا محالة، والواجب على كل من أنعم عليه بنعمة أن يشتغل بالشكر للمنعم، لا يستكشف عن الوجوه التي أنعم، والأحوال التي يكون عليها.

ثم في بشارة الولد بشارتان: إحداهما: بشارة بالغلام.

والثانية: بالبقاء والبلوغ إلى وقت العلم؛ حيث قالوا: ﴿ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ ﴾ ، وهو ما قال في آية أخرى: ﴿ وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلْمَهْدِ وَكَهْلاً  ﴾ ، ففي قوله "كهلا" دلالة وبشارة: إلى أنه يبقى إلى أن يصير كهلا، وإلا الكهل يضعف.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ تَكُن مِّنَ ٱلْقَانِطِينَ ﴾ .

قد ذكرنا فيما تقدم أن الأنبياء قد نهوا عن أشياء [قد] عصموا عنها ما لا يحتمل أن يكون منهم ما نهوا عنه؛ [نحو قوله]: ﴿ فَلاَ تَكُنْ مِّن ٱلْمُمْتَرِينَ  ﴾ ﴿ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكَينَ  ﴾ و ﴿ مِنَ ٱلْظَّٰلِمِينَ  ﴾ ، ﴿ ٱلْكَٰفِرِينَ  ﴾ وأمثاله، وذلك مما لا يتوهم كونه منهم؛ وذلك لما ذكرنا أن العصمة لا ترفع المحنة؛ لأنها لو رفعت لذهبت فائدة العصمة؛ لأنها إنما يحتاج إليها عند المحنة، وأمّا إذا لم يكن محنة فلا حاجة تقع إليها، فعلى ذلك إبراهيم لم يكن قنط من رحمة ربه؛ أنه لا يهب له الولد في حال كبره؛ ولكن ما ذكرنا، ثم بين أنه لا يقنط من رحمة ربه إلا الضالون: أخبر أن القنوط من رحمة الله هو ضلال، والإياس من رحمته كفر، فعندهم تضيق رحمته حتى لا يسع فيها الكبائر، والمعتزلة يقنطون من رحمة ربهم؛ لقولهم في أصحاب الكبائر ما يقولون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا ٱلْمُرْسَلُونَ  ﴾ .

قيل: فما خبركم، وما قصتكم، وما شأنكم؟

والخطب: الشأن؛ أي: على أي أمر وشأن أرسلتم.

﴿ قَالُوۤاْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ  ﴾ .

لم يحتمل أن يكون أول ما أخبروا إبراهيم وقالوه هذا، ولكن كان فيه ما ذكر في آية أخرى: ﴿ قَالُوۤاْ إِنَّا مُهْلِكُوۤ أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْ ظَالِمِينَ  ﴾ ﴿ إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَىٰ أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ رِجْزاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ  ﴾ فقال إبراهيم ﴿ إِنَّ فِيهَا لُوطاً قَالُواْ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا  ﴾ يذكر هاهنا على الاختصار؛ فذلك يدل أن الخبر إذا أدّى معناه يجوز، وإن لم يؤت بلفظه على ما كان.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ * إِلاَّ آلَ لُوطٍ ﴾ كأن الثنيا هاهنا تكون عن الأشخاص، وأنفس أهل القرية؛ عن قوله: ﴿ مُّجْرِمِينَ ﴾ ؛ لأن آل لوط لم يكونوا مجرمين؛ فلا يحتمل الاستثناء من ذلك.

أو لا يكون على حقيقة الثنيا، وإن كان في الخبر استثناء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ ﴾ .

أخبر أنهم يهلكون قومه، ثم استثنى آله منهم، ثم امرأته من آله؛ ففيه دلالة أن الثنيا ليس برجوع؛ لأنه لو كان رجوعاً لكان يوجب الكذب في الخبر، ولكن في الثنيا بيان تحصيل المراد مما أجمل في اللفظ.

وفيه دلالة أيضاً أنه يجوز أن يستثنى من الاستثناء؛ لأنه استثنى امرأته من آله؛ بقوله: ﴿ إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ ﴾ فحصلت المرأة من قومه؛ حيث استثناها من آله.

وفيه أنه قد يجوز أن يستثنى من خلاف نوعه؛ لأنه استثنى آل لوط من قومه، والمجرم ليس من نوع الصالح، ثم استثنى امرأته من آله؛ وهي ليست منهم.

وفيه أيضاً أن آل الرجل يكون أتباعه؛ حيث استثنى آله منهم، يدخل فيه من تبعه؛ ألا ترى أنه قال: آل فرعون، وإنما هم أتباعه، وآل موسى؛ وآل هارون، وآل عمران: كل يرجع إلى أتباعهم، فيدخل في قولهم: اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد - كلّ من تبعه.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ قَدَّرْنَآ إِنَّهَا لَمِنَ ٱلْغَابِرِينَ ﴾ .

قال أبو بكر الأصم: ﴿ قَدَّرْنَآ إِنَّهَا ﴾ : أي: أخبرنا، لكن هذا منه احتيال على تقوية مذهب الاعتزال؛ لأنهم ينكرون أن يكون أفعال العبيد مقدرة لله مخلوقة، ففي ذلك دلالة أن أفعالهم مخلوقة لله، مقدرة له، وأصله: أي: قدرنا بقاءها من الأصل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَمِنَ ٱلْغَابِرِينَ ﴾ : أي: الباقين.

قال أبو عوسجة: الغابرون: الباقون، والغابرون: الماضون أيضاً؛ يقال: غبر يغبر غبراً: إذا بقى، وإذا مضى أيضاً.

<div class="verse-tafsir"

فَلَمَّا جَآءَ ءَالَ لُوطٍ ٱلْمُرْسَلُونَ ٦١ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌۭ مُّنكَرُونَ ٦٢ قَالُوا۟ بَلْ جِئْنَـٰكَ بِمَا كَانُوا۟ فِيهِ يَمْتَرُونَ ٦٣ وَأَتَيْنَـٰكَ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّا لَصَـٰدِقُونَ ٦٤ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍۢ مِّنَ ٱلَّيْلِ وَٱتَّبِعْ أَدْبَـٰرَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌۭ وَٱمْضُوا۟ حَيْثُ تُؤْمَرُونَ ٦٥ وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَٰلِكَ ٱلْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَـٰٓؤُلَآءِ مَقْطُوعٌۭ مُّصْبِحِينَ ٦٦ وَجَآءَ أَهْلُ ٱلْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ ٦٧ قَالَ إِنَّ هَـٰٓؤُلَآءِ ضَيْفِى فَلَا تَفْضَحُونِ ٦٨ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ ٦٩ قَالُوٓا۟ أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ ٱلْعَـٰلَمِينَ ٧٠ قَالَ هَـٰٓؤُلَآءِ بَنَاتِىٓ إِن كُنتُمْ فَـٰعِلِينَ ٧١ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِى سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ٧٢ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ ٧٣ فَجَعَلْنَا عَـٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةًۭ مِّن سِجِّيلٍ ٧٤ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ ٧٥ وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍۢ مُّقِيمٍ ٧٦ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةًۭ لِّلْمُؤْمِنِينَ ٧٧

قوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا جَآءَ آلَ لُوطٍ ٱلْمُرْسَلُونَ * قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ ﴾ .

أي: إنكم قوم منكرون؛ لا تعرفون بأهل هذه البلدة، وإنما قال لهم هذا؛ لأن قومه إنما يعملون ما يعملون بالغرباء؛ لا يعملون بأهل البلد؛ ألا ترى أنهم قالوا له: ﴿ أَوَ لَمْ نَنْهَكَ عَنِ ٱلْعَالَمِينَ  ﴾ أن تضيف أحداً منهم.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُواْ فِيهِ يَمْتَرُونَ ﴾ .

هذا ليس بجواب لما سبق من قوله: ﴿ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ ﴾ ، ولكن قالوا [ذلك له] والله أعلم بعدما كان بين [لوط وقومه] مجادلات ومخاصمات من ذلك قوله: ﴿ إِنَّ هَؤُلآءِ ضَيْفِي فَلاَ تَفْضَحُونِ  ﴾ ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلاَ تُخْزُونِ  ﴾ وغير ذلك من المخاصمات.

وقد كان لوط يعدهم العذاب بصنيعهم الذي كانوا يصنعون؛ ولذلك قالوا له: ﴿ فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ  ﴾ ؛ فعند ذلك قالوا: ﴿ بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُواْ فِيهِ يَمْتَرُونَ ﴾ .

[قال بعضهم: بما كانوا فيه يشكّون؛ بما كان يعدهم من العذاب.

وقال بعضهم: ﴿ بِمَا كَانُواْ فِيهِ يَمْتَرُونَ ﴾ ] [أي: بما كانوا] يجادلون وينازعون، أو يقول: بل جئناك بجزاء ما كانوا يتمرون.

ثم امتراؤهم، يحتمل مجادلتهم إياه، ويحتمل ما كانوا عليه من الريبة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَآتَيْنَاكَ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ وَآتَيْنَاكَ بِٱلْحَقِّ ﴾ : أي: بنجاتك؛ ونجاة أهلك وإهلاك قومك.

وقال بعضهم: ﴿ وَآتَيْنَاكَ بِٱلْحَقِّ ﴾ : أي: بالعذاب الذي كنت تعدهم.

﴿ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ ﴾ فيما نقول، يحتمل هذا: أن لم يكن هذا منهم قولا قالوه؛ لأن لوطاً يعلم أنهم صادقون فيما يقولون؛ حيث علم أنهم ملائكة الله، لكن أخبر عنهم على ما كانوا عليه، على غير قول كان منهم.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ ٱلَّيلِ ﴾ .

أي: ببعض من الليل.

وقال بعضهم بسحر؛ على ما قال: ﴿ نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ  ﴾ وهو بعضٌ سحراً كان أو غيره.

﴿ وَٱتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ ﴾ : أي: سر من ورائهم، وهكذا الواجب على كل مولى أمر جيش أن يتبع أثرهم، أو يأمر من يتبع أثرهم؛ ليلحق بهم من تخلف منهم، ويحمل المنقطع منهم؛ وليكون ذلك أحفظ لهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ ﴾ قال بعضهم ﴿ وَلاَ يَلْتَفِتْ ﴾ أي: لا يتخلف منكم أحد وامضوا حيث تؤمرون.

وقال في آية أخرى: ﴿ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ ٱمْرَأَتَكَ  ﴾ .

فإنها [تتخلف عنكم؛ فيصيبها] ما أصاب أولئك، هذا يدلّ أن ليس في تقديم الكلام وتأخيره منع، ولا في تغيير اللسان ولفظه بعد أن يؤدي المعنى خطر؛ لأن قصة لوط وغيرها من القصص ذكرت وكررت على الزيادة والنقصان، وعلى اختلاف الألفاظ واللسان، فدلّ أن اختلاف ذلك لا يوجب تغييراً في المعنى، ولا بأس بذلك.

وقال بعضهم: في قوله: ﴿ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ ﴾ : أي: لا ينظر أحد وراءه، فهو - والله أعلم - لما لعلهم إذا نظروا وراءهم فرأوا ما حلّ بهم: من تقليب الأرض وإرسالها عليهم - لا تحتمل بنيتهم وقلوبهم؛ فيهلكون أو يصعقون، ألا ترى أن موسى مع قوته لم يحتمل اندكاك الجبل، ولكن صعق؛ فصار مدهوشاً في ذلك الوقت؛ فهؤلاء أضعف، وما حلّ بقومهم أشد فَبِنْيَتُهُم أحرى ألا تتحمل ذلك.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ ٱلأَمْرَ ﴾ قوله: ﴿ وَقَضَيْنَآ ﴾ قيل: أوحينا إليه، كقوله: ﴿ وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي ٱلْكِتَابِ  ﴾ : أي: أوحينا إليهم، وقال بعضهم: [قوله]: ﴿ وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ﴾ أي: أنهينا إليه وأعلمناه، وهو قول الكسائي والقتبي.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ ٱلأَمْرَ ﴾ .

يحتمل قوله: ذلك الأمر هو ما ذكر: أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين، هذا الذي أوحى إليه وأعلمه.

ويحتمل قوله: ﴿ وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ ٱلأَمْرَ ﴾ أي: أوحينا إلى محمد  : أن ذلك الأمر الذي بلغك مقطوع مصبحين.

ويحتمل الوحي إلى لوط على البشارة: أن دابر قومه مقطوع مصبحين.

أي: مقطوع نسلهم، فيه إخبار عن قطع نسلهم، وفي الخبر عن قطع نسلهم إخبار عن هلاكهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلآءِ ﴾ : قال بعضهم: أصل هؤلاء.

وقال بعضهم: دابر هؤلاء مقطوع: أي: مستأصلون، ﴿ مُّصْبِحِينَ ﴾ : ليس يريد به حين أصبحوا، وحين بدا طلوع الفجر، ولكن أراد طلوع الشمس؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ ﴾ ، وإشراق الشمس: هو ارتفاعها وبسطها في الأرض، دلّ أنه ما ذكرنا.

والله أعلم.

والصيحة: تحتمل وجوهاً: أحدها: ذكر الصيحة؛ لسرعة هلاكهم أي: قدر صيحة.

والثاني: أهلكوا بالصيحة، أو صاح أولئك لما أهلكوا، والصيحة اسم كل عذاب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَآءَ أَهْلُ ٱلْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ ﴾ .

يحتمل: يُسَرّون بنزول أضيافه، أو يبشر بعضهم بعضاً؛ لما رأوا بهم من حسن الهيئة والمنظر، ورفعة اللباس.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ إِنَّ هَؤُلآءِ ضَيْفِي فَلاَ تَفْضَحُونِ ﴾ .

يحتمل هذا وجهين: فلا تفضحوني في ضيفي؛ فإنهم إنما نزلوا بنا على أمن منا؛ فلا تفضحوني عندهم، وهو ما قال في آية أخرى: ﴿ وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي  ﴾ ويحتمل: لا تفضحوني في الخلق، يقولون: إن في أهل بيت لوط يُفعل بالأضياف كذا، وإنما عرف أهل بيتي عند الخلق بالصلاح والأمن فلا تفضحوني في الخلق؛ واتقوا الله في صنيعكم بالرجال، ولا تخزون عند الخلق؛ قيل: هو من الهوان.

ويشبه أن يكون قوله: ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلاَ تُخْزُونِ ﴾ أن يكون الإخزاء: هو الفضيحة، دليله ما ذكر: أن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون؛ فيكون هذا تفسير ذلك.

ويحتمل الهوان، وكذلك قيل في قوله: ﴿ إِنَّ ٱلْخِزْيَ ٱلْيَوْمَ  ﴾ أي: الهوان اليوم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَوَ لَمْ نَنْهَكَ عَنِ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ .

هذا يدل على أنه قد كان سبق النهي عن إنزال الأضياف؛ كأنهم قد نهوه عن إنزال الأضياف؛ لذلك قالوا: ﴿ أَوَ لَمْ نَنْهَكَ عَنِ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ .

قال أبو بكر الأصم: يخرج قولهم: ﴿ أَوَ لَمْ نَنْهَكَ عَنِ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ مخرج الاعتذار له؛ لأنهم كانوا يعظمون الرسل [- أعني: أقوام الرسل جميعاً - إذ لم يكن من الرسل] إليهم، سوى الخلاف في الدين والدعاء إلى دين الله، فهم وإن كذبوا الحجج التي أتت بها الرسل فقد كانوا يعظمونهم؛ ألا ترى أنه قال لرسولنا صلوات الله عليه: ﴿ قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ ٱلَّذِي يَقُولُونَ...

﴾ الآية [الأنعام: 33] والأول أشبه.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هَؤُلآءِ بَنَاتِي إِن كُنْتُمْ فَاعِلِينَ ﴾ ، وفي موضع آخر: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ  ﴾ وقد ذكرنا في السورة التي فيها ذكر هود.

قال بعضهم: إنما عرض عليهم نساء قومهم؛ لأنه كالأب لهم على ما ذكر أن نساء رسول الله  أمهاتهم.

وقال بعضهم: في ذكر البنات إخبار منه لهم بنهاية فحش صنيعهم؛ لأنه يجوز ورود الشرع على بناته لهم، ولا يجوز حل ذلك بحال.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ .

قال الحسن: يقسم الله بما شاء من خلقه، وليس لأحد أن يقسم إلا بالله، وإنما أقسم بحياة محمد  ؛ ولم يقسم بحياة غيره وبغيره.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ لَعَمْرُكَ ﴾ كلمة تستعملها العرب في أقسامهم؛ على غير إرادة القسم بحياة أحد.

ومنهم من قال: إنما ذلك على التعريض؛ وأصله: أن الله قد أقسم بأشياء: أقسم بالشمس، والقمر، والليل، والنهار، وأقسم بالجبال، والسماء، وغيرها من الأشياء التي تعظم عند الخلق، فرسول الله  - وقد أخبره أنه أرسله رحمة للخلق وهدى - أولى أن يعظم بالقسم به؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ  ﴾ فمن كان رحمة للعالم كله أولى أن يعظم من غيره؛ إذ منافعه أعمّ وأكثر.

وقال بعضهم: ﴿ لَعَمْرُكَ ﴾ : القسم ليس بحياة الرسول؛ ولكن بدينه، وهو قول الضحّاك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ .

قال بعضهم: السكرة: الشدة التي تحلّ بهم عند الموت، شبههم بحيرتهم التي فيهم بسكرة الموت، يعمهون أي: يترددون.

وقال بعضهم: في ضلالتهم وكفرهم، يعمهون: يتحيرون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ ﴾ .

قد ذكرنا في غير موضع اختلافهم في الصيحة: قال بعضهم: الصيحة هي العذاب نفسه؛ أي: أخذهم العذاب.

وقال بعضهم: سمي ﴿ ٱلصَّيْحَةُ ﴾ لسرعة نزوله بهم، وأخذه إياهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مُشْرِقِينَ ﴾ .

قال بعضهم: أشرقت الشمس: إذا ارتفعت وأنارت، وشرقت: إذا بزغت، وهو قول الكسائي.

وقال أبو عوسجة: ﴿ مُشْرِقِينَ ﴾ : أي: إذا أشرقوا، أي: إذا طلعت الشمس عليهم، وقد ذكرنا هذا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا ﴾ قد ذكرناه في السورة التي فيها ذكر هود.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ لِلْمُتَوَسِّمِينَ ﴾ : للمتفرسين؛ من الفراسة، وروي في ذلك خبر عن رسول الله  ؛ يرويه أبو سعيد الخدري؛ قال: "اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله قال ثم قرأ: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ ﴾ " .

فإن ثبت الخبر، وثبت تلاوة هذه الآية على إثر ما ذكر فهو هو.

وقال بعضهم: ﴿ لِلْمُتَوَسِّمِينَ ﴾ : المعتبرين.

وقيل: المتفكرين.

وقيل: الناظرين.

ذكروا أنه آية للمعتبرين، ولكن لم يبينوا من أي وجه يكون آية لمن ذكر؛ فيحتمل وجوهاً: أحدها: آية للمتوسمين: للمعتبرين لرسالته؛ لأنه ذكر قصة إبراهيم ولوط - على ما كان - وهو لم يشهدها؛ فذلك يدل على صدقه وآية لرسالته.

والثاني: آية لصدق خبر إبراهيم، وصدق لوط؛ لأنهم كانوا يخبرون قومهم أن العذاب ينزل بهم، وغير ذلك من الوعيد، فيدل ذلك على صدق خبر الأنبياء عليهم السلام في كل ما يخبرون.

والثالث: في هلاك من أهلك منهم؛ ونجاة من أنجى منهم - آية لمن ذكر، من هلك منهم هلك بالتكذيب، ومن نجا منهم نجا بالتصديق؛ فيكون لهم آية.

والرابع: قد بقي من آثار من هلك منهم آية؛ فيكون هلاكهم آية لمن ذكر.

وأصل هذا أن الله ذكر: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ ﴾ : أي: المؤمنين المتقين، والاعتبار والتفكر للمؤمنين؛ لأنهم هم المنتفعون.

قال: والمتوسم: هو الذي يعمل بعلامة، وكذلك المتفرس: هو الذي يعمل بعلامة في غيره، [ينظر في غيره]: بأن هلاكه بم كان؟

فينزجر عن صنيعه ويتعظ به، وهو كالمتفقه الذي يعمل بالمعنى.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ ﴾ .

أي: طريق دائم لا يزول، يعلم أن في ذلك لآية للمؤمنين؛ وهو ما ذكرنا أن الآية تكون للمؤمن.

والله أعلم.

ذكر في الآية الأولى: ﴿ ٱلآيَاتُ ﴾ لأنه أنبأ إبراهيم وقصته، وقصة قوم لوط؛ ففي ذلك آيات لمن ذكر.

وذكر في هذه الآية: ﴿ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ؛ لأنه ذكر شيئاً واحداً؛ وهو السبيل.

<div class="verse-tafsir"

وَإِن كَانَ أَصْحَـٰبُ ٱلْأَيْكَةِ لَظَـٰلِمِينَ ٧٨ فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍۢ مُّبِينٍۢ ٧٩ وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَـٰبُ ٱلْحِجْرِ ٱلْمُرْسَلِينَ ٨٠ وَءَاتَيْنَـٰهُمْ ءَايَـٰتِنَا فَكَانُوا۟ عَنْهَا مُعْرِضِينَ ٨١ وَكَانُوا۟ يَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتًا ءَامِنِينَ ٨٢ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ ٨٣ فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ ٨٤

قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن كَانَ أَصْحَابُ ٱلأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ ﴾ .

أي: وقد كان أصحاب الأيكة لظالمين.

والأيكة: ذكر أنها الغيضة من الشجر؛ وهي ذات آجام وشجر، كانوا فيها فبعث إليهم شعيب وهم في الغيضة.

وذكر [بعض] أهل التأويل: أن شعيباً بعث إلى قومين: إلى أهل غيضة مرة، وإلى أهل مدين مرة؛ على ما ذكر: ﴿ وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً  ﴾ وقال في آية [أخرى]: ﴿ كَذَّبَ أَصْحَابُ لْئَيْكَةِ ٱلْمُرْسَلِينَ  إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلاَ تَتَّقُونَ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَإِن كَانَ أَصْحَابُ ٱلأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ ﴾ سمى الله  الكفرة بأسماء مختلفة: سماهم مرة ظالمين، ومرة [فاسقين، ومرة مشركين]، واسم الظلم قد يقع فيما دون الكفر والشرك، وكذلك اسم الفسق يقع فيما دون الكفر والشرك، ثم الكفر لم يقبح لاسم الكفر، وكذلك الإيمان لم يحسن لاسم الإيمان؛ إذ ما من مؤمن إلا وهو يكفر بأشياء ويؤمن بأشياء؛ قال الله  : ﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بِٱلطَّاغُوتِ وَيْؤْمِن بِٱللَّهِ  ﴾ المؤمن يكفر بالطاغوت وبالأصنام؛ التي كان أهل الكفر عبدوها، وكذلك الكافر يؤمن بأشياء ويكفر بأشياء: يؤمن بالأصنام ويكفر بالله؛ فثبت أن الكفر لاسم الكفر - ليس بقبيح، وكذلك الإيمان لاسم الإيمان - ليس بحسن، ولكن إنما حسن؛ لأنه إيمان بالله، والكفر إنما قبح؛ لأنه كفر بالله.

وأما الظلم: فهو لاسم الظلم قبيح، وكذلك الفسق لاسم الفسق قبيح؛ فسماهم بأسماء هي لاسمها قبيحة، لكن الإيمان المطلق هو الإيمان بالله، والكفر المطلق هو الكفر بالله، وإن كان يسمى بدون الله كفراً وإيماناً؛ كما قلنا: الكتاب المطلق كتاب الله، والدين المطلق دين الله؛ وإن كان اسم الكتاب والدين يقع على ما دونه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ ﴾ .

ذكر الانتقام منهم؛ ولم يذكر هاهنا بِمَ كان الانتقام، وقال في آية أخرى: ﴿ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ  ﴾ وقال في آية أخرى: ﴿ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ  ﴾ وقال في آية أخرى: ﴿ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ ٱلظُّلَّةِ  ﴾ فيحتمل أن يكون الرجفة لقوم؛ والصيحة لقوم؛ وعذاب يوم الظلة لقوم منهم، أو كان كله واحداً؛ فسماها بأسماء مختلفة، وليس لنا إلى معرفة ذلك العذاب حاجة - سوى ما عرف أنهم إنما أهلكوا أو عذبوا بالتكذيب؛ ليكون ذلك آية لمن بعدهم؛ ليحذروا مثل صنيعهم.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ ﴾ للرسل؛ كما انتقمنا من قوم لوط للوط؛ بسوء صنيعهم، وسوء معاملتهم إياه، فعلى ذلك ننتقم من أهل مكة لمحمد  ؛ بسوء صنيعهم ومعاملتهم إياه، وقد كان ما نزل بأصحاب الأيكة كفاية مزجر لهم، وعظة لا يحتاج إلى ذكر ما نزل بقوم لوط.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّهُمَا ﴾ قال بعضهم: يعني قوم لوط، وقوم شعيب.

وقوله: ﴿ لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ ﴾ : أي: طريق مستبين؛ أي: بين هلاكهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ ﴾ ، ﴿ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ ﴾ - واحد؛ أي: بيّن واضح آثارهم من سلك ذلك الطريق؛ أو دخل قراهم ومكانهم - لاستبان له آثار هلاكهم؛ وما حل بهم.

وقوله: ﴿ لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ ﴾ : أي: طريق يُؤمّ، ويقصد؛ بيّن واضح.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ ٱلحِجْرِ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴾ .

قال أهل التأويل:أصحاب الحجر: هم قومُ صالحٍ ثمودُ، وقالوا: الحجر: هو اسم واد.

وقيل: هو اسم القرية على شط الوادي؛ نسبوا إليه.

وقوله: ﴿ وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ ٱلحِجْرِ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴾ قال أهل التأويل: يعني بالمرسلين [ولم يذكر]؛ صالحاً وحده، لكن ذكر المرسلين؛ لأن صالحاً كان يدعوهم إلى ما كان دعا سائر الرسل، فإذا كذبوه فكأن قد كذبوا الرسل جميعاً؛ إذ كل رسول كان يدعو إلى الإيمان بالرسل جميعاً، فإذا كذب واحد منهم - فقد كذب الكل.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ ﴾ .

تحتمل الآيات: آيات وحدانية الله وحججه، ويحتمل: جميع الآيات: آيات الوحدانية، وحججه، وآيات رسالتهم.

﴿ مُعْرِضِينَ ﴾ : أي: لم يقبلوها؛ فإذا لم يقبلوها - فقد أعرضوا عنها؛ [أو أعرضوا عنها]، أي: كذبوها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً آمِنِينَ ﴾ .

يحتمل آمنين عما وعدهم صالح من عذاب الله؛ حيث قالوا: ﴿ يَاصَالِحُ ٱئْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ  ﴾ كانوا آمنين عن ذلك.

وقال بعضهم: كانوا آمنين عن أن يقع عليهم ما نحتوا لحذاقتهم، وهو ما قال: ﴿ وَتَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً فَارِهِينَ  ﴾ على تأويل بعضهم: حاذقين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ ﴾ يحتمل: أخذتهم ظاهرة بالنهار.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ ﴾ : أي: ما كانوا ينحتون، لا يغنيهم من عذاب الله من شيء.

ويحتمل: فما أغنى عنهم ما عملوا من عبادة الأصنام والأوثان؛ حيث قالوا: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ ولقولهم: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ أي: لم يغنهم ما عبدوا من عذاب الله.

أو يقول: ما أغنى عنهم ما متعوا وأنعموا في هذه الدنيا؛ في دفع عذاب الله عن أنفسهم؛ كقوله: ﴿ فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أَبْصَارُهُمْ...

﴾ الآية [الأحقاف: 26] أي: وإن أعطوا ما ذكر؛ من السمع، والبصر، والأفئدة، إذا لم ينظروا ولم يتفكروا في آيات الله فجحدوها.

<div class="verse-tafsir"

وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلَّا بِٱلْحَقِّ ۗ وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لَـَٔاتِيَةٌۭ ۖ فَٱصْفَحِ ٱلصَّفْحَ ٱلْجَمِيلَ ٨٥ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلْخَلَّـٰقُ ٱلْعَلِيمُ ٨٦ وَلَقَدْ ءَاتَيْنَـٰكَ سَبْعًۭا مِّنَ ٱلْمَثَانِى وَٱلْقُرْءَانَ ٱلْعَظِيمَ ٨٧ لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِۦٓ أَزْوَٰجًۭا مِّنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ٨٨ وَقُلْ إِنِّىٓ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ ٨٩ كَمَآ أَنزَلْنَا عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ ٩٠ ٱلَّذِينَ جَعَلُوا۟ ٱلْقُرْءَانَ عِضِينَ ٩١ فَوَرَبِّكَ لَنَسْـَٔلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ٩٢ عَمَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ٩٣ فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ ٩٤ إِنَّا كَفَيْنَـٰكَ ٱلْمُسْتَهْزِءِينَ ٩٥ ٱلَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءَاخَرَ ۚ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ٩٦ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ ٩٧ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ ٱلسَّـٰجِدِينَ ٩٨ وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ ٩٩

قوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ ﴾ .

يحتمل ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ : الحق الذي جعل لنفسه على أهلها، والحق الذي لبعض على بعض، والحق: هو اسم كل محمود مختار من القول والفعل، والباطل: اسم كل مذموم من القول والفعل.

قال بعضهم: تأويله: وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا شهوداً لله بالحق على أهلها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ ﴾ : أي: لم يخلقهما لغير شيء؛ ولكن خلقهما للمحنة؛ يمتحنهم بالعبادة فيها، وإلى هذا ذهب الحسن.

وقيل: خلقهما وما بينهما لأمر كائن؛ أي: لعاقبة: للثواب أو الجزاء، لم يخلقهم للفناء خاصة؛ ولكن للعاقبة؛ لأن خلق الشيء للفناء خاصة عبث؛ وهو ما قال: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ ﴾ \[المؤمنون: 115\] أخبر أن خلقهم لا للرجوع إليه ولا للعاقبة - عبث، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لآتِيَةٌ ﴾ على الاحتجاج على أولئك لإنكارهم الساعة، لوجهين: أحدهما: ما ذكرنا أنه لو لم تكن الساعة حصل خلقهما وما بينهما للفناء خاصة؛ وخلقُ الشيء للفناء خاصةً عبث باطل؛ كبناء البناء للنقض خاصة لا لعاقبة تقصد - عبث.

والثاني: أنه يكون في ذلك التسوية بين الأعداء والأولياء، وفي الحكمة التفريق بينهما، وما قال: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ...

﴾ الآية [ص: 27] لم يكن ظنهم أنه خلقهما باطلا؛ ولكن لما أنكروا البعث صار في ظنهم خلقهما باطلا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لآتِيَةٌ فَٱصْفَحِ ٱلصَّفْحَ ٱلْجَمِيلَ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ فَٱصْفَحِ ٱلصَّفْحَ ٱلْجَمِيلَ ﴾ : [أي: أعرض عنهم]، ولا تكافئهم بما آذوك بألسنتهم وفعلهم ﴿ وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لآتِيَةٌ ﴾ فإني أكافئهم عنك على أذاهم إياك وصنيعهم يومئذ.

والصفح الجميل: هو ما لا نقض فيه ولا منّة في العُرف؛ أي: اصفح الصفح ما يوصف فيه بتمام الأخلاق، ومالا نقض فيه ولا منّة يحتمل الصفح الجميل: هو أن يصفح ولا يمنّ عليهم، كأنه أمره أن يصفح صفحاً لا منّة فيه.

﴿ وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لآتِيَةٌ ﴾ فتجزى أنت على صفحك الجميل؛ وهم على أذاك.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلْخَلاَّقُ ٱلْعَلِيمُ ﴾ .

هذا يحتمل وجهين: أحدهما: أنه على علم بما يكون منهم من المعصية والخلاف خلقهم، لا خلقهم عن غفلة وجهل بذلك؛ ليعلم أنه لم يخلق الخلق لحاجة نفسه ولا لمنفعة نفسه، ولكن خلقهم ليمتحنهم بما أمرهم به ونهاهم، ولما يرجع إلى منافعهم وحوائجهم.

والثاني: إن ربك هو الخلاق لخلقه؛ العليم بمصالحهم بأن الصفح الجميل لهم، ذلك أصلح في دينهم من المكافأة.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي وَٱلْقُرْآنَ ٱلْعَظِيمَ ﴾ .

اختلف في قوله: ﴿ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي ﴾ : قال بعضهم: ﴿ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي ﴾ : المثاني: هو القرآن كله؛ كقوله  : ﴿ ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ  ﴾ .

وقيل: سمي مثانياً لترديد الأمثال فيه والعبر والأنباء؛ فإن كان على هذا فيكون قوله: ﴿ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي ﴾ : أي: سبعاً من القرآن العظيم.

ثم يحتمل السبع الطوال؛ على ما ذكر بعض أهل التأويل؛ كأنه قال: آتيناك سبعاً من القرآن العظيم.

ويحتمل: ﴿ سَبْعاً ﴾ يعني فاتحة الكتاب من القرآن؛ أي: آتيناك فاتحة الكتاب من القرآن.

وقال قوم: يقولون: سبع المثاني: فاتحة الكتاب، ويروون على ذلك حديثاً عن رسول الله  مروي عن أبي هريرة  قال: قال رسول الله  : [ "الحمدُ لله أم القرآن وأم الكتاب، والسبعُ المثاني" وعن أُبَيٍّ  قال: قال رسول الله  ]: "ما أنزل الله في التوراة والإنجيل مثل أم القرآن؛ وهي السبع المثاني، وهي مقسومة بيني وبين عبدي؛ ولعبدي ما سأل" ومنهم من يقول: المثاني: القرآن كله؛ يذهب إلى ما ذكرنا من الآية؛ وبما يروى عن أبي هريرة أن رسول الله  قال: "ما أنزلت في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور والقرآن مثلُها - يعني أمّ القرآن - وإنها سبع من المثاني والقرآن العظيم الذي أعطيت" ذكروا أنها سبع من المثاني، فإن كان سبع المثاني فاتحة الكتاب، يصير كأنه قال: ولقد آتيناك سبعاً؛ وهي المثاني، وإن كان سبعاً من المثاني [هي السبع] الطوال يكون هكذا: أي: آتيناك سبعاً؛ وهو المثاني.

وروي أيضاً عن نبي الله  وقال: "آتاني السبع الطوال مكان التوراة والمثاني مكان الإنجيل، وفضّلني ربي بالمفصل" ثم إن ثبت ما روي في الخبر أن سبع المثاني فاتحة الكتاب وإلا الكفّ والإمساك عن ذلك أوْلى؛ لأنه لا حاجة بنا إلى معرفة ذلك، وليس يكون تسميتنا إياها سوى الشهادة، وما خرج مخرج الشهادة - من غير حصول النفع لنا - فالكف عنه والإمساك أولى.

ومنهم من يقول: هنّ المفصّل.

ومن قال: المثاني فاتحةُ الكتاب - قال: لأنها تثنى في كل ركعة أو ما جعل فيها مكررة معادة؛ لأن كل حرف منها يؤدي معنى حرف آخر؛ فسمي مثاني بذلك.

ومن قال: المثاني: هو القرآن؛ قال: لما ذكرنا؛ لأن أمثاله، وأنباءه، وغيره معادة مردّدة.

ومن قال: المثاني السبع الطوال - فقال: لأنه يثني فيها حدود القرآن، وفرائضه، وعامة أحكامه.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْقُرْآنَ ٱلْعَظِيمَ ﴾ .

سماه عظيماً، وسماه مجيداً، وحكيماً؛ وهو اسم الفاعلين، ولا عمل له ولا فعل في الحقيقة؛ لكنه يخرج - والله أعلم - على وجوه: يحتمل: سمّاه عظيماً مجيداً؛ لما عظمه وشرفه ومجده، فهو عظيم مجيد حكيم: أي: محكم، الفعيل بمعنى المفعول، وذلك جائز في اللغة.

أو سماه بذلك لأن من تمسك به؛ وعمل به؛ يصير عظيماً مجيداً، حكيماً، أو سماه عظيماً مجيداً حكيماً: أي: جاء من عند عظيم هو مجيد حكيم، وأصل الحكيم: هو المصيب، الواضع كلَّ شيء موضعه.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ ﴾ .

يحتمل المراد بقوله: ﴿ عَيْنَيْكَ ﴾ نفس العين.

ثم هو يحتمل وجهين: أحدهما: نهى رسوله أن ينظر إلى ما متع أولئك مثل نظرهم؛ لأنهم ظنوا أنهم إنما متعوا هذه الأموال في الدنيا لخطرهم وقدرهم عند الله، وعلى ذلك قالوا: ﴿ وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً  ﴾ وقال: ﴿ وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّيۤ...

﴾ الآية [فصلت: 50] ونحوه، ظنوا أنهم إنما متعوا في هذه الدنيا؛ لخطرهم وقدرهم عند الله؛ لذلك قالوا ما قالوا؛ فنهاه أن ينظر إلى ذلك بعين الذين نظروا هم إليه؛ ولكن بالاعتبار.

والثاني: نهاه أن ينظر إلى ذلك نظر الاستكبار والتجبر على المؤمنين، والاستهزاء بهم على ما نظروا هم؛ لأنهم بما متعوا من أنواع المال استكبروا على الناس، واستهزءوا بهم؛ إذ البصر قد يقع [على ما ذكر] من غير تكلف؛ فيصير كأنه نهاه عن الرغبة والاختيار فيما متعوا فيه؛ لأن ما متعوا به هو ما ذكر، ﴿ وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَأَوْلَـٰدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي ٱلدُّنْيَا  ﴾ وقال في آية أخرى ﴿ لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ  ﴾ .

وقوله: ﴿ لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ ﴾ فيما متعوا فإنهم إنما متعوا لما ذكر، ويحتمل النهي عن مدّ العين لا العين نفسه ولكن نفسه؛ كأنه قال: لا تمنيّن نفسك فيما متعوا هم ولا ترغبنها في ذلك؛ فإنه ليس يوسع ذلك عليهم لخطرهم وقدرهم؛ ولكن ليعلم أن ليس لذلك خطر عند الله وقدر؛ حيث أعطى من افترى [على الله] وجحد نعمه وفضْله.

وفي الآية تفضيل الفقر على الغنى؛ لأنه نهى رسوله أن يمد عينيه إلى ما متعوا، ومعلوم أن رسول الله  إذا مدّ إلى ذلك ليس يمد للدنيا ولا لشهواته؛ ولكن يستعين به في أمر جهاد عدوه، ويعين به أصحابه في سبيل الخيرات، ثم نهاه مع ذلك عنه؛ دلّ أن الأخير والأفضل ما اختاره من الفقر، وقصور ذات يده.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ ﴾ .

أي: أصنافاً من الأموال، وألواناً من النعم.

وقال بعضهم: ﴿ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ ﴾ : أي: الأغنياء منهم وأشباهه؛ فإن كان قوله: ﴿ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ ﴾ هو أصناف الأموال - فهو على التقديم والتأخير، كأنه قال: لا تمدن عينيك إلى ما متعنا منهم أزواجاً.

وإن كان أزواجاً منهم هو أصناف الناس فهو على النظم الذي جرى به التنزيل؛ أي: لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به قوماً منهم.

وفي قوله: ﴿ لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ ﴾ إلى ﴿ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ ﴾ دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأنهم يقولون: إن الله لا يعطي أحداً شيئاً إلا ما هو أصلح له في الدين، ولو كان ما متع هؤلاء أصلح لهم في الدين - لم ينه رسوله عن مدّ عينيه إليه، دلّ أنه قد يعطي ما ليس بأصلح في الدين، وكذلك قوله: ﴿ وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوۤاْ إِثْمَاً  ﴾ أخبر أنه إنما يملي لهم ليزدادوا إثماً، وهم يقولون: يملي لهم ليزدادوا خيراً.

وكذلك قوله: ﴿ وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ...

﴾ الآية [آل عمران: 180] هذه الآيات كلها تنقض عليهم قولهم، وقد ذكرنا هذا في غير موضع فيما تقدم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ﴾ .

يحتمل النهي نفسه نهاه أن يحزن عليهم؛ إشفاقاً عليهم؛ بل أمره أن يغلظ عليهم؛ كقوله: ﴿ جَاهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَافِقِينَ وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ  ﴾ ، وعلى هذا يخرج قوله: ﴿ وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ  ﴾ أي: ارفق بهم، ولِنْ عليهم، واشدد على أولئك، واغلظ عليهم؛ وهو ما وصفهم: ﴿ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ  ﴾ ، ﴿ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ  ﴾ أخبر أنهم أهل شدة على الكفار وأهل غلظة، رحماء بينهم، وأهل ذلّة على المؤمنين، وأهل شدة عليهم؛ أي: على الكفار، فعلى ذلك هذا.

ويحتمل أن ليس على النهي؛ ولكن على التخفيف والتسلي، ودفع الحزن عن نفسه؛ لأنه كان يحزن لكفرهم بالله وتركهم الإيمان؛ حتى كادت نفسه تتلف لذلك؛ كقوله: ﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ ﴾ الآية [الشعراء: 3] وقوله: ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ ﴾ الآية [فاطر: 8] وأمثاله.

ويحتمل أيضاً وجهاً آخر: وهو أنه كان يحزن عليهم، ويضيق صدره؛ لما مكروا به وكادوه؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ  ﴾ فإني أكافئهم.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقُلْ إِنِّيۤ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ ﴾ .

يحتمل: أنا النذير على معاصيه، المبين على طاعاته، أو النذير على العصاة من عذاب الله، المبين لأموره ونواهيه.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ * ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلْقُرْآنَ عِضِينَ ﴾ .

قال الحسن: الكتب كلها قرآن؛ يعني كتب الله اقتسموها وجعلوها عضين؛ أي: فرقوها بالتحريف والتبديل؛ فما وافقهم أخذوه، ومالم يوافقهم غيّروه وبدلوه؛ كقوله: ﴿ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَٱحْذَرُواْ  ﴾ ونحوه، فذلك اقتسامهم وتعضيتهم على قوله، وكقوله: ﴿ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً  ﴾ وقوله: ﴿ فَتَقَطَّعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً ﴾ \[المؤمنون: 53\] ونحوه.

وقال بعضهم: اقتسامهم: وهو أن نفراً من قريش كانوا اقتسموا عقار مكة؛ ليصدّوا الناس عن رسول الله  ؛ فيقول طائفة منهم - إذا سئلوا عنه -: هو كاهن، وطائفة أخرى: هو شاعر، ساحر، مجنون، ونحوه.

وعضين: قولهم: هو: سحر، شعر، كهانة، أساطير الأولين، افترى على الله كذباً، وأمثال ما قالوا: فذلك اقتسامهم وعضتهم.

وقال بعضهم: هو على التقديم: أي: آتيناك المثاني والقرآن العظيم؛ أنزلناه عليك كما أنزلنا التوراة والإنجيل على اليهود والنصارى؛ فهم المقتسمون كتاب الله؛ فآمنوا ببعض وكفروا ببعض.

وقال أبو عوسجة: يقال: عضيت الجزور: أي: قسمتها عضواً عضواً.

وقال غيره: هو من العضة: وهو السحر؛ بلسان قريش؛ يقال للساحر عاض.

وقال القتبي: المقتسمون: قوم تحالفوا على عضة النبي  ؛ وأن يذيعوا ذلك بكل طريق، ويخبروا به النزاع إليهم.

وعضين: أي: فرقوه [وعضوه].

وقيل: فرقوا القول فيه، وهو ما ذكرنا.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ .

قوله: ﴿ فَوَرَبِّكَ ﴾ : قيل: قسم أقسم به  .

﴿ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ : قال بعضهم: الخلائق كلها؛ كقوله: ﴿ فَلَنَسْأَلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ  ﴾ أخبر أنه يسألهم جميعاً: الرسل عن تبليغ الرسالة، والذين أرسل إليهم عن الإجابة لهم.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ : هؤلاء الذين سبق ذكرهم؛ المقتسمين الذين جعلوا القرآن عضين، والذين استهزءوا برسول الله  وأصحابه؛ يسألهم عن حجج ما فعلوا، والمعنى الذي حملهم على سوء معاملة رسوله وكتابه، لأي: شيء نسبتم رسولي وكتابي إلى السحر، والكذب، والكهانة، والافتراء على الله؟

لا يسألون ما فعلتم؟

وأي شيء عملتم؛ لأن ذلك يكون مكتوباً في كتبهم؛ يقرءونه؛ كقوله: ﴿ ٱقْرَأْ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً  ﴾ وهو وعيد شديد في نهاية الوعيد والشدة؛ لأنه وعيد مقرون بالقسم، وكل وعيد قرن بالقسم فهو في غاية الشدة؛ إذ لو جاءنا ذلك الوعيد من ملك من ملوك البشر يجب أن يخاف؛ فكيف من ربنا؟!

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ ﴾ : أي: استقم كما تؤمر؛ كقوله: ﴿ فَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ  ﴾ .

فهو في كل ما أمر به.

وقال بعضهم: اصدع: أي: امض بما تؤمر من تبليغ الرسالة.

﴿ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ .

أي: أعرض عن مكافأتهم؛ ومعناه - والله أعلم - امض على ما تؤمر؛ من تبليغ الرسالة إليهم ولا تخفهم، ولا تهبهم، ولا يمنعنك شيء عن تبليغ الرسالة؛ الخوف، ولا القرابة، ولا شيء من ذلك، ولكن امض على ما تؤمر؛ وهو كما قال: ﴿ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىۤ أَلاَّ تَعْدِلُواْ ٱعْدِلُواْ  ﴾ وقال: ﴿ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ بِٱلْقِسْطِ شُهَدَآءَ للَّهِ وَلَوْ عَلَىۤ أَنْفُسِكُمْ  ﴾ أي: لا يمنعكم عن القول بالحق والعدل بغضكم إياهم، ولا قرابتكم التي فيما بينكم، فعلى ذلك قوله: ﴿ فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ ﴾ : أي: امض على ما أمرت من تبليغ الرسالة، ولا يمنعنك عن ذلك: الخوف، والوعيد، والقرابة التي فيما بينك وبينهم.

وقال القتبي: ﴿ فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ ﴾ : أي: أظهر ذلك، وأصله: الفرق والفتح؛ يريد: اصدع الباطل بحقك؛ حتى يأتيك الموقن به؛ وهو الموت.

وقال أبو عوسجة: اصدع: أي: امض على ما تؤمر، وصدعت: أي: مضيت؛ وذلك من المضي، وأصل هذا كله: الشق، ويقال: تصدعوا: أي: تفرقوا.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ أي: أعرض عن مكافأتهم؛ فأنا أكافئهم عنك على ما آذوك.

وقال بعض أهل التأويل: قوله: ﴿ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ هو منسوخ بآية السيف؛ لكن على الوجه الذي ذكرنا ليس بمنسوخ، ويحتمل: ﴿ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ ؛ إن كان أراد به القتال والدعاء إلى التوحيد فهو في وقت دون وقت أو في قوم خاص علم الله أنهم لا يجيبونه ولا يؤمنون به أيئس رسوله عن إيمانهم فقال: أعرض عن هؤلاء ولا تشتغل بهم ولا تدعهم فإنهم لا يؤمنون ولكن ادع قوماً آخرين والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا كَفَيْنَاكَ ٱلْمُسْتَهْزِئِينَ ﴾ .

قال بعضهم: قوله: ﴿ كَفَيْنَاكَ ٱلْمُسْتَهْزِئِينَ ﴾ : الكفرة جميعاً؛ فمنعناهم عن أن يصلوا إليك؛ على ما [قصدوا إليك] من إهلاكك، وغيره؛ كقوله: "نصرت بالرعب مسيرة شهرين" وقال بعضهم: قوله: ﴿ كَفَيْنَاكَ ٱلْمُسْتَهْزِئِينَ ﴾ الذين كانوا على الطرق والمراصد؛ ليصدوا الناس عن سبيل الله؛ على ما ذكر في القصّة؛ العدد الذي ذكر سبعة أو خمسة؛ كفاه الله بأن أهلكهم بما ذكر أهل التأويل: أن الذين استهزءوا به هلكوا جميعاً بعقوبات مختلفة.

وقوله  : ﴿ ٱلَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلـٰهاً آخَرَ ﴾ .

قوله: ﴿ يَجْعَلُونَ ﴾ ليس على الجعل؛ لأنهم لو جعلوا لكان؛ لأن كل مجعول كائن موجود؛ ولكن قوله: ﴿ يَجْعَلُونَ ﴾ : أي: يزعمون أن مع الله إلهاً آخر؛ إما في التسمية أو في العبادة، وكذلك قوله: ﴿ جَعَلُواْ ٱلْقُرْآنَ عِضِينَ ﴾ هم لا يقدرون على أن يجعلوه عضين، ولكن زعموا أنه كذا؛ لأن الله وكل حفظه إلى نفسه؛ بقوله: ﴿ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ  ﴾ وقال: ﴿ لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ  ﴾ أخبر أنه يحفظه حتى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؛ فلو قدروا على جعله عضين - لكان قد أتى الباطل من بين يديه، دلّ أنه على القول الذي قالوا؛ وهو على المجاز [كقوله: ﴿ فَرَاغَ إِلَىٰ آلِهَتِهِمْ  ﴾ ، وقوله: ﴿ أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً  ﴾ ، فهو على المجاز] على ما عندهم، إما بحق التسمية لها أنها آلهة، وإما بصرف العبادة إليها، ظاهر هذا أن المستهزئين الذين ذكرهم أنه كفاه عنهم هم الكفرة جميعاً؛ لكن يحتمل في الذين ذكرهم أهل التأويل كانوا على مراصد مكة، أضاف ذلك إليهم ونسب؛ لأنهم هم الذين أمروا غيرهم أن يجعلوا دونه إلهاً؛ فكأنهم فعلوا ذلك، وهم قالوا.

وقوله: ﴿ كَفَيْنَاكَ ٱلْمُسْتَهْزِئِينَ ﴾ الذين فعلوا به ما فعلوا ممن تقدم ذكرهم؛ فيكون قوله: ﴿ ٱلَّذِينَ يَجْعَلُونَ ﴾ على إضمار (كان)؛ أي: الذين كانوا يجعلون مع الله إلهاً آخر.

وإن كان في الذين يكونون من بعد - فهو على ظاهر ما ذكر؛ يجعلون على المستقبل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ .

أي: سوف يعلمون ما عملوا من الاقتسام، والعضة، والاستهزاء برسول الله وأصحابه، إذا نزل العذاب بهم.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ ﴾ .

وما قالوا؛ من الاقتسام، والعضة، والاستهزاء به، وأنواع الأذى الذي كان منهم برسول الله  ؛ أي: نعلم ذلك، وهو محفوظ عندنا، نجزيهم على ذلك فلا يضيقن صدرك؛ لذلك فهو على التصبير على الأذى، والتسلي عن ذلك، وترك المكافأة لهم، والله أعلم.

وكان يضيق صدره؛ مرة لتركهم الإجابة له، ومرة للأذى باللسان.

والثاني: على علم منا بما يكون منهم، ومن ضيق صدرك بذلك، لكن أنشأناهم ومكناهم على علم منا بذلك؛ امتحاناً منا إياك بذلك وإياهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: أي: صل بأمر ربك وكن من الساجدين؛ أي: من المصلين.

وقوله: ﴿ فَسَبِّحْ ﴾ : هو أمر؛ فإذا فعل ذلك كان بأمر ربه؛ فلا معنى لذكر الأمر من بعد قوله: ﴿ بِحَمْدِ رَبِّكَ ﴾ إن كان الحمد هو الأمر؛ على ما قال بعض أهل التأويل.

ويحتمل وجهاً آخر: وهو أن قوله: ﴿ فَسَبِّحْ ﴾ أي: نزّه الله عن جميع ما قالت الملحدة فيه؛ إذ التسبيح هو التنزيه في اللغة ﴿ بِحَمْدِ رَبِّكَ ﴾ ؛ أي: بثناء ربك؛ أي: نزهه عن ذلك كله بثناء تثنيه عليه، وكن من الساجدين؛ أي: من الخاضعين؛ إذ السجود هو الخضوع.

أو أن يكون أمره إياه بالتسبيح على التسلي، وتوسيع صدره بالذي يكون منهم؛ أي: فسبح ربك مكان ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱعْبُدْ رَبَّكَ ﴾ .

يحتمل التوحيد؛ أي: وحّد ربك، وكذلك قال ابن عباس  : كل عبادة ذكرت في القرآن - فهو توحيد يأمره باعتقاد الإخلاص له في كل أمر، ويحتمل العبادة نفسها؛ يأمره بالعبادة له؛ شكراً له؛ على ما روي في الخبر عن نبي الله  : "أنه صلى حتى تورمت ساقاه؛ فقيل له: ألم يغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟!

فقال: بلى، أفلا أكون عبداً شكوراً؟!" وقوله - عز وجل -: ﴿ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ ﴾ : أي: ما تيقنت به؛ وهو الموقن به.

وكذلك قوله: ﴿ وَمَن يَكْفُرْ بِٱلإِيمَٰنِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ  ﴾ أي: من يكفر بالمؤمن به فقد حبط عمله؛ لأن الإيمان لا يكفر به، فعلى ذلك اليقين لا يأتيه؛ ولكن يأتيه الموقن به.

وكذلك ما ذكر: الصلاة أمر الله؛ أي: بأمر الله، وهو المأمور به؛ لأن الصلاة لا تكون أمر الله، لكن بأمر الله، وكذلك ما يجيء من هذا النحو.

ويحتمل قوله: ﴿ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ ﴾ فيهم؛ وهو ما وعد من العذاب فيهم؛ أي: يتيقنون بذلك والله أعلم.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله