الإسلام > القرآن > تفسير > الماتريدي > سورة 15 الحجر > الآيات ١٠-١٥
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 6 دقيقة قراءةقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي شِيَعِ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ .
قيل: في ملك الأولين.
وقيل: في فرق الأولين.
وقيل: في جماعات [الأولين]، وهو واحد.
﴿ وَمَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ .
يصبر رسوله على استهزاء قومه إياه، وأذاهم له.
يقول - والله أعلم -: لست أنت المخصوص بهذا، ولكن لك شركاء وأصحاب في ذلك؛ ليخف ذلك عليه ويهون؛ لأن العرف في الخلق أن من كان له شركاء وأصحاب في شدة أصابته أو بلاء يصيبه - كان ذلك أيسر عليه، وأهون من أن يكون مخصوصاً به، من بين سائر الخلائق.
والله أعلم.
كأن هذه الآية صلة قولهم: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ ﴾ ، فكأنه لما سمع هذا اشتد عليه، وضاق صدره بذلك؛ فعند ذلك قال: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي شِيَعِ ٱلأَوَّلِينَ...
﴾ إلى آخره، يصبره على أذاهم وهزئهم به؛ فإنما يشتد عليه ذلك؛ على قدر شفقته ونصيحته لهم، وكان بلغ نصيحته وشفقته لهم ما ذكر: ﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ ﴾ وقوله: ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ﴾ كادت نفسه تهلك، أو ذكر هذا له لما أن هؤلاء - أعني قومه - إنما استهزءوا به تقليداً لآبائهم، واستهزاء بهم وتلقنوا منهم، لا أنهم أنشئوا ذلك من أنفسهم، وأولئك - أعني: الأوائل - إنما استهزءوا برسلهم، لا تقليداً بأحد، ولكن إنشاء من ذات أنفسهم، فمن استهزأ بآخر [فشتمه؛ تقليداً] واقتداء وتلقناً - كان ذلك أيسر عليه وأخف ممن فعل به من ذاته؛ لأنه إنما يلقن المجانين والصبيان ومن به آفة، بمثل ذلك؛ فهم الذين يعملون بالتلقين، وأما العقلاء السالمون عن الآفات - فلا، فذلك أهون عليه من استهزاء أولئك برسلهم والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ ﴾ .
اختلف فيه: قال بعضهم: كذلك نسلك التكذيب والاستهزاء في قلوب المجرمين؛ لا يؤمنون به، يقول: من حكم الله أن يسلك التكذيب في قلب من اختار التكذيب وكذبه، ومن حكمه أن يسلك التصديق في قلب من صدقه واختاره؛ كقوله: ﴿ فَلَمَّا زَاغُوۤاْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ ﴾ وكقوله: ﴿ وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَٰسِقِينَ ﴾ .
وقال بعضهم: قوله: ﴿ كَذَلِكَ ﴾ نجعل الكفر والتكذيب ﴿ فِي قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ ﴾ بكفرهم؛ كقوله: ﴿ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ...
﴾ الآية [الأنعام: 25] وقوله: ﴿ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ﴾ ونحوه.
ويحتمل قوله: ﴿ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ ﴾ الحجج والآيات؛ ليكون تكذيبهم وردّهم [الآيات والحجج]، وتكذيبهم تكذيب عناد ومكابرة، لا يؤمنون به.
وقوله: ﴿ كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ ﴾ أي: مثل الذي سلكنا في قلوب المؤمنين؛ من قبول الآيات والحجج، والتصديق لها؛ لما علم أنهم يختارون ذلك - نسلك في قلوب المجرمين؛ من تكذيب الآيات والحجج وردها؛ لما علم منهم الرد والتكذيب لها.
هذا يحتمل، ويحتمل غير هذا مما ذكرنا.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ بالتكذيب، والردّ، والمعاندة، والمكابرة، بعد قيام الحجج والآيات.
ويحتمل: ﴿ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ : الهلاك والاستئصال عند مكابرة حجج الله، ومعاندتهم إياها.
وقال بعض أهل التأويل: ﴿ كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ ﴾ أي: نجعله؛ على ما ذكرنا، الكفر بالعذاب ﴿ فِي قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ ﴾ ، ﴿ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ أي: لا يصدقون بالعذاب ﴿ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ بالتكذيب لرسلهم بالعذاب، فهؤلاء يستنون بسنتهم.
وقال أبو عوسجة: ﴿ كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ ﴾ : أي: ندخله؛ يقال: السالك: الداخل، والسلوك: الدخول، وسلكت أدخلت، وتصديقه: قوله: ﴿ كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ ﴾ وقال: ﴿ ٱسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ ﴾ أي: أدخل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ ٱلسَّمَاءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ ﴾ .
يخبر - عز وجل - عن سفههم وعنادهم في سؤالهم الآيات؛ وطلب نزول الملائكة بقوله: ﴿ لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِٱلْمَلائِكَةِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ ﴾ يقول: إن سؤالهم الآيات؛ وما سألوا متعنتين مكابرين؛ ليسوا هم بمسترشدين، لكن أهل الإسلام لا يعرفون تعنتهم بالذكر؛ حيث قال: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَٰنِهِمْ لَئِن جَآءَتْهُمْ آيَةٌ...
﴾ الآية [الأنعام: 109] ثم قال: ﴿ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ وذلك أن المؤمنين كانوا يشفعون لهم بسؤالهم الآيات لعلهم يؤمنون؛ فأخبر: ﴿ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ فعلى ذلك قوله: ﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ ٱلسَّمَاءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ ﴾ يخبر أنهم بسؤالهم نزول الملائكة؛ معاندين مكابرين - ليسوا بمسترشدين.
ثم اختلف فيه: قال بعضهم: قوله: ﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم ﴾ : يعني على الملائكة بابا حتى رأوا، وعاينوا الملائكة ينزلون من السماء ويصعدون؛ فلا يؤمنون؛ وقالوا: ﴿ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا ﴾ قيل: حيرت وسدت، ﴿ بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ ﴾ : أي: سحرت أعيننا؛ فلا نرى ذلك.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً ﴾ أي: لهم ﴿ بَاباً مِّنَ ٱلسَّمَاءِ ﴾ كقوله: ﴿ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ ﴾ أي: للنصب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَظَلُّواْ فِيهِ ﴾ حتى ﴿ يَعْرُجُونَ ﴾ فيه ويعاينون نزول الآيات ويشاهدون كل شيء ﴿ لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا ﴾ يؤيس رسوله وأصحابه عن إيمانهم، وقوله : ﴿ لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ ﴾ يقولون ذلك لشدة تعنتهم وسفههم، وينكرون معاينة ذلك.
<div class="verse-tafsir"