الإسلام > القرآن > تفسير > الماتريدي > تفسير سورة النحل
تفسيرُ سورةِ النحل كاملةً من تأويلات أهل السنة (الماتريدي) (أبو منصور الماتريدي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 235 دقيقة قراءةقال بعض أهل التأويل: سورة النحل كلها مكية إلا ثلاث آيات؛ فإنها نزلت بالمدينة والله أعلم بالصواب.
قوله - عز وجل -: ﴿ أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ ﴾ .
في قوله: ﴿ أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ ﴾ وجهان: أحدهما: أن يعرف قوله: أمر الله، [ما أراد به وما] الذي استعجلوه، وإنما استعجلوه الساعة والقيامة؛ بقوله: ﴿ يَسْتَعْجِلُ بِهَا ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا...
﴾ الآية [الشورى: 18] ونحوه من الآيات.
وقال بعضهم: أمر الله هو عذابه، وكذلك [جميع] ما ذكر في جميع القرآن من أمر الله؛ المعنى منه عذابه؛ كقوله: ﴿ جَآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ ﴾ أي: عذابه، ونحوه.
ويحتمل قوله: ﴿ أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ ﴾ : رسوله الذي كان يستنصر به أهل الكتاب على المشركين؛ كقوله: ﴿ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ...
﴾ الآية [البقرة: 89] وكان يتمنى مشركوا العرب أن يكون لهم رسول كسائر الكفرة؛ كقوله: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَٰنِهِمْ...
﴾ الآية [الأنعام: 109] ﴿ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ ﴾ ذهاب ما كنتم تتمنون بمحمد أو شيء آخر.
والله أعلم.
ثم إنه لم يرد بقوله: ﴿ أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ ﴾ وقوعه؛ ولكن قربه؛ أي: قرب آثار [أمر] الله؛ كما يقال: أتاك الخبر، وأتاك أمر كذا؛ على إرادة القرب؛ لا على الوقوع.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ ﴾ أي: ظهر أعلام أمر الله وآثاره، ليس على إتيان أمره من مكان إلى مكان؛ كقوله: ﴿ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ ﴾ وآثاره: هو رسول الله ؛ لأنه كان به يختم النبوة؛ فهو كان أعلام الساعة على ما روي عنه ؛ فقال: "بعثت أنا والساعة كهاتين" أشار إلى أصبعين لقربها منه.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ ﴾ .
لأنه لا منفعة لكم فيها فلماذا تستعجلونه؟
كقوله: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتاً أَوْ نَهَاراً مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ ٱلْمُجْرِمُونَ ﴾ إذ لا منفعة لهم فيه، بل فيه ضرر عليهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ .
سبحان: هو كلمة إجلال الله يجريها على ألسن أوليائه على تنزيه ما قالت الملحدة فيه، وتعاليه عن جميع ما نسبوا إليه من الولد، والصاحبة، والشريك، وغيره من الأشباه والأضداد، عن ذلك.
سبحان الله: حرف يذكر على أثر شيء مستبعد، أو مستعجب، أو مستعظم؛ جواباً لذلك، وهو ما ذكره على أثر وصف أو قول لا يليق بالله من الولد، والشريك، ونحوه؛ فقال: (سبحان الله) على التنزيه مما وصفوه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يُنَزِّلُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ بِٱلْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ ﴾ قال بعضهم: قوله: ﴿ بِٱلْرُّوحِ ﴾ أي: بالوحي الذي أنزله على رسله، والرحمة، أو الروح: الرحمة؛ وهو الذي به نجاة كل من رحمه الله ، وهداه لدينه؛ وهو ما ذكر؛ حيث قال: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ﴾ .
وقيل: الرسالة [هي القرآن والرسالة]، وما ذكر روحاً؛ لأنه به حياة الدين؛ كما سمي الذي به حياة الأبدان أرواحاً.
وقال الحسن: قوله: ﴿ بِٱلْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ ﴾ : أي: بالحياة من أمره؛ وهو ما ذكرنا من حياة الدين.
وقوله : ﴿ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ ﴾ .
أي: على من يشاء أن يختص من عباده ويختاره، وهو مشيئة الاختيار؛ وإن كان غيره يصلح لذلك، وفيه دلالة اختصاص الله بعضهم على بعض؛ وإن كان غيره يصلح لذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَنْ أَنْذِرُوۤاْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ فَٱتَّقُونِ ﴾ .
على هذا جاءت الرسل والأنبياء عليهم السلام جميعاً بالإنذار والدعاء إلى وحدانية الله، وتوجيه العبادة إليه.
وقوله: ﴿ أَنْ أَنْذِرُوۤاْ ﴾ \[هو\] صلة ما تقدم من قوله: ﴿ يُنَزِّلُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ ﴾ أن أنذروا، ولا يوصل بما تأخر، ثم يخرج على الإضمار؛ أي: أنذروا وقولوا: إنه لا إله إلا أنا فاتقون.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ ﴾ .
قد ذكرنا قوله: ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ في غير موضع أنه لم يخلقهما وما فيهما عبثاً، إنما خلقهم لأمر كائن، أو للمحنة، والجزاء، ونحوه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ تَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ .
من [لا يخلق، ولا ينفع]، ولا يضر، ولا يدفع في الذي يخلق، وينفع، ويضّر، ويدفع عن ذلك وتبرأ.
وقوله - عز وجل -: ﴿ خَلَقَ ٱلإِنْسَانَ مِن نُّطْفَةٍ ﴾ .
يذكرهم - عز وجل - نعمه عليهم، وقدرته، وسلطانه، وعلمه؛ لأنه لو اجتمع الخلائق كلهم؛ على أن يدركوا المعنى الذي به تصير النطفة نسمة وإنساناً - ما قدروا عليه حيث خلق من النطفة إنساناً على أحسن تقويم؛ وأحسن صورة.
وفيه نقض قول الدهرية؛ حيث أنكروا خلق الشيء من لا شيء؛ لأنهم لم يدركوا المعنى الذي به خلق الإنسان من النطفة؛ فيلزمهم أن يقروا بخلق الشيء من لا شيء، وإن لم يشاهدوا ذلك ولم يدركوا، وفيه دلالة البعث؛ لأن من قدر على إنشاء الإنسان من النطفة؛ وليس فيها من آثار الإنسان شيء يقدر على البعث وإنشاء الأشياء؛ لا من شيء.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ ﴾ .
قال بعضهم: ﴿ خَصِيمٌ ﴾ : هو الذي يجادل بالباطل ﴿ مُّبِينٌ ﴾ : أي: ظاهر مجادلته بالباطل ومخاصمته.
وقال بعضهم: الخصيم: هو الجدل الذي يجادل فيما كان.
قال أبو عوسجة: الخصيم: هو المخاصِم، والمخاصَم كلاهما خصيم، ويقال: فلان [خصيمي أي:] خصمي.
مبين: ظاهر خصومته، والخصيم: هو الفعيل، والفعيل: قد يستعمل في موضع الفاعل والمفعول جميعاً؛ فكأنه قال: فإذا هو خصيم مبين: أي: منقطع عن الخصومة؛ بيّن انقطاعه، وهو ما ذكر من خصومته في آية أخرى؛ وانقطاع حجته؛ حيث قال: ﴿ أَوَلَمْ يَرَ ٱلإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ﴾ فهذا احتجاج عليه؛ فانقطعت حجته، وبهت الذي أنكر قدرته على البعث؛ حيث لم يتهيأ له جواب ما احتج عليه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلأَنْعَامَ خَلَقَهَا ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ خَلَقَهَا لَكُمْ ﴾ على الظاهر؛ أن خلق هذه الأشياء وخلق لنا فيها دفئاً ومنافع؛ كقوله: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً ﴾ .
ويحتمل قوله: ﴿ وَٱلأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ ﴾ : أي: هو خلقها، ثم أخبر أنه خلق لنا فيها منافع يذكر أنواع المنافع والنعم التي أنعم علينا، مفسرة مبينة، واحدة بعد واحدة؛ في هذه السورة، وفي غيرها من السور، إنما ذكرها مجملة غير مشار إلى كل واحدة منها؛ على ما أشار في هذه السورة؛ ليقوموا بشكرها، وليعلموا قدرته على خلق الأشياء لا من الأشياء.
ثم قوله: ﴿ فِيهَا دِفْءٌ ﴾ : قال بعضهم: الدفء نسل كل دابة.
وقال بعضهم: ما ينتج منه.
وقال القتبي: الدفء ما استدفأت به، ويشبه أن يكون تفسير الدفء والمنافع الذي ذكر هو ما فسّر في آية أخرى؛ وهو قوله: ﴿ وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُمْ مِّن جُلُودِ ٱلأَنْعَامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ...
﴾ الآية [النحل: 80] جعل الله - عز وجل - الأنعام وما ذكر وقاية لجميع أنواع الأذى من السماوي وغيره؛ مما يهيج من الأنفس من الحرّ، والبرد، والجوع، وغير ذلك مما يكثر عدها، ويطول ذكرها، وجعل فيها منافع كثيرة: من الركوب، والشرب، والأكل؛ كما قال: ﴿ وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ ﴾ وقال: ﴿ وَإِنَّ لَكُمْ فِي ٱلأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فيِهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ ﴾ \[المؤمنون: 21\] وأخبر أيضاً أن فيها جمالا وزينة؛ بقوله: ﴿ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ ﴾ .
فإن قال قائل: أي جمال يكون لنا فيها حين الإراحة وحين السرح.
وقال بعض أهل التأويل: وذلك أنه أعجب ما يكون؛ إذا راحت عظاماً ضروعها، طوالا أسنمتها.
﴿ وَحِينَ تَسْرَحُونَ ﴾ إذا سرحت لرعيها.
أو أن يكون الجمال عند الإراحة والسرح: شرب ألبانها، وقرى الضيف من ألبانها؛ في الرواح والمساء.
وقال بعضهم قوله: ﴿ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ ﴾ : وذلك أنهم كانوا يسّرون عند الإراحة والتسريح، وذلك السرور يظهر في وجوههم؛ فإذا ظهر ازداد لهم جمالا وحسناً، وهكذا المعروف في الناس: أنهم إذا سروا يظهر ذلك السرور في وجوههم؛ فيزداد لهم بذلك جمالاً، وإذا حزنوا وأصابهم غم - يؤثر ذلك الغم نقصاناً في خلقتهم؛ فيزداد لهم قبحاً وتشويهاً.
وقال بعضهم: إنهم إذا أراحوها أو سرّحوها رأى الناس أن أربابها أهل غنى؛ وأهل ثروة، وأنهم لا يحتاجون [إلى غيرهم، وأن] يكون لغير إليهم حاجة؛ فيكون لهم بذلك ذكر عند الناس وشرف، وذلك جمالهم وشرفهم فيها، والجمال لهم فيها ظاهر؛ لأن ما يبسط ويفرش إنما يتخذ منها ومن أصوافها، وكذلك ما يلبس إنما يكون منها، وإنما يبسط، ويفرش، ويلبس للتجمل والبهاء.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ ٱلأَنفُسِ ﴾ .
ذكر أيضاً ما جعل [فيها لنا] من النعم ما تحمل من الأثقال، من مكان إلى مكان، ومن بلد إلى بلد؛ ما لو لم يكن أنشأهن أعني: الأنعام التي أخبر أنها تحمل أثقالنا إلى ذلك بدونه إلا بجهد وشدة، وذلك - والله أعلم - أن الله جعل في هذه الأنفس حوائج وقواماً ما لا قوام لها إلا بذلك؛ فلعله لا يظفر بما به قوام النفس إلا في بلد آخر أو مكان آخر، فلو تحمل ذلك بنفسه - لكان في ذلك تلف نفسه، وذهاب ما به قوامه، فذكر أنه خلق لنا ما نحمل به من بلد إلى بلد؛ مما به قوام أنفسنا وحاجاتنا.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ أي: من رحمته ورأفته ما جعل لكم من المنافع في الأنعام؛ وما ذكر، أو ذكر هذا ليرحموا على هذه الأنعام التي خلقها لهم؛ في الإنفاق عليها، والإحسان إليها؛ وذكر فيه: ﴿ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴾ وذلك لا يوصل إلى أكله إلا بالذبح؛ ليعلم أن الذبح فيما يؤكل ليس بخارج من الرحمة والرأفة.
وذلك ينقض على الثنوية قولهم؛ حيث أنكروا ذبح هذه الأشياء ويقولون: إنهم يتألمون [بالضرب، والقتل، والذبح]؛ كما تتألمون أنتم، فمن قصد أحدكم بالقتل فهو سفيه عندكم غير حكيم ولا رحيم، بل موصوف بالقساوة والسفه، فالله موصوف بالحكمة، والرحمة، والرأفة، لا يجوز أن يأمر بالذبح والقتل لهذه الأشياء؛ إذ ذلك مما يزيل الرحمة والحكمة.
فيجاب لهم بوجوه: أحدها: أن الله خلق هذا البشر في هذه الدنيا للمحنة ولعاقبة قصدها، إمّا ثواباً وإمّا عقاباً، وأخبر أنه خلق هذه الأشياء لنا، وجعل لنا فيها منافع، تتأمل وتقصد، وقد نجد في الشاهد من هو موصوف بالرحمة والرأفة على نفسه، يجرح نفسه الجراحات، ويحمل عليها الشدائد والمكروهات؛ لمنافع تقصد وخير يتأمل في العاقبة، ثم لم يوصف بالسفه، ولا بالخروج عن الحكمة والرحمة، من نحو الحجامة والافتصاد، وشرب الأدوية الكريهة الشديدة ما لو لم يتأمل ما قصد من النفع والعافية في العاقبة؛ ما تحمل تلك المكروهات والشدائد، فدل ما وصفنا أن تحمل الأذى، والألم، والمكروه - غير خارج عن الحكمة والرحمة، ولا الفعل بما فعل سفه؛ إذا كان لمنافع تقصد في العاقبة، وعاقبة تتأمل.
فيبطل قول الثنوية: أن ذلك مما يزيل الرحمة؛ على أن هذه الأنعام والبهائم لم تخلق للمحنة وللجزاء في العاقبة؛ ولكن خلقت لمنافع البشر؛ فلهم الانتفاع بها؛ مرة بلحومها، ومرة بحمل أثقالهم والانتفاع بظهورها، مع ما ذكرنا أن [تحمل المكروهات وأنواع الشدائد] والآلام - لا تخرج الفعل عن الحكمة، ولا تزيل الرحمة والرأفة [إذا قصد به النفع] في العاقبة، وطمع فيه الخير.
وهذا يدل أنه أبيح لنا الانتفاع بها؛ والذبح على غير جعل حقيقتها لنا؛ حيث لم يبح لنا إتلافها؛ إذ لو كان أصول الأشياء لنا لكان لا يمنع عن الإتلاف، فدل أنه أبيح لنا الانتفاع بها على غير جعل الحقيقة والأصول لنا، فيبطل قول من يقول: إن الأشياء في الأصل على الحل والإباحة حتى يقوم ما يحظر.
قال أبو عبيد: ﴿ حِينَ تُرِيحُونَ ﴾ يقال منه: أرحت الإبل أريحها إراحة، والإراحة عند العرب: أن يصدر الرعاء مواشيها بالليل إلى مآويها؛ ولهذا سمي ذلك الموضع: المراح.
وقوله: ﴿ وَحِينَ تَسْرَحُونَ ﴾ هو إخراجها إلى المرعى؛ يقال: سرحتها، أسرحها سرحاً وسروحاً.
وكذلك قال القتبي وأبو عوسجة.
والدفء: ما ذكرنا أنه من الاستدفاء.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ﴾ .
قوله: ﴿ وَزِينَةً ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن الماشي هو دون الراكب، والمشي يؤثر نقصاناً في الوجه والركوب لا، وذلك زينة؛ على ما ذكرنا في قوله: ﴿ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ ﴾ .
والثاني: أن الراكب إذا نظر إلى الماشي سرّ بركوبه، فالسرور يظهر في وجهه، وذلك يزيد في حسنه وجماله، وأصله: ما ذكر - عز وجل -: ﴿ وَٱلأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ...
﴾ الآية [النحل: 5] ﴿ وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ﴾ بيّن أنه لماذا خلق الأنعام وما جعل فيها؛ وهو ما ذكر: أنه جعل فيها الدفء والمنافع ومنها تأكلون، وبيّن أنه لماذا خلق الخيل؛ وهو ما ذكر: لتركبوها وزينة.
وسئل ابن عباس: عن لحوم الخيل؟
فقرأ: ﴿ وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا ﴾ ولم يقل: لتأكلوها؛ فكره أكلها لذلك.
وتمام هذا أن الله ذكر الأنعام، وما ذكر من النعم والانتفاع بها، وبالغ في ذكرها؛ لأنه قال: ﴿ وَٱلأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴾ وقال: ﴿ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ...
﴾ الآية، وقال: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي أَنْزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاءِ مَآءً لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ ﴾ وقال: ﴿ يُنبِتُ لَكُمْ بِهِ ٱلزَّرْعَ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلنَّخِيلَ وَٱلأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ ﴾ وقال: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي سَخَّرَ ٱلْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً...
﴾ إلى آخر ما ذكر، ذكر جميع ما ينتفع به؛ من أنواع المنافع ذكراً شافياً مبالغاً غير مكفيّ، فدل ما ذكر في الخيل من الركوب، وكذلك في البغال والحمير؛ على أنه ليس فيها منفعة أخرى سوى ما ذكر؛ وهو الركوب؛ إذ خرج الذكر لها على المبالغة والاستقصاء؛ ليس على الاكتفاء، ولو كان هنالك منفعة أخرى لذكر على ما ذكر في غيره.
والله أعلم.
والثاني من الأشياء: أشياء يعرف خبثها؛ بنفار الطباع، والصبيان أوّل ما بلغوا يرغبون في ركوبها، لا أحد يرغب في أكلها إلا من غير طبعه عما كان مجبولا به؛ فهو يرغب في أكله، وأما من ترك وطبعه يستخبث وينفر طبعه عن أكله.
والله أعلم.
وروي عن جابر قال: "لما كان يوم خيبر أصاب الناس مجاعة، وأخذوا الحمر الأهلية فذبحوها، فحرم رسول الله لحوم الحمر الإنسية، ولحوم الخيل والبغال، وكل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير، وحرم الخلسة والنهبة" .
وروي عن جابر عن النبي خلاف ذلك قال: "أطعمنا رسول الله لحوم الخيل ونهانا عن لحوم الحمر" .
وعن أسماء بنت أبي بكر قالت: "نحرنا فرساً في عهد رسول الله فأكلنا" .
وفي بعض الأخبار: "أن رسول الله نهى عن لحوم الحمر وأذن لنا في لحوم الخيل" .
قلنا: قد يجوز أن يكونوا أكلوه في الحال التي كان يؤكل فيها الحمر؛ لأن النبي إنما نهى عن أكل لحوم الخيل صحيحاً، فقد يجوز أن يكونوا أكلوا لحم الفرس في حال الإباحة؛ إذ لم يذكروا الوقت.
وعن الحسن قال: كان أصحاب رسول الله يأكلون لحوم الخيل في مغازيهم، وكان الحسن لا يرى فيها بأساً على كل حال، وقول الحسن: إنهم كانوا [يأكلون لحوم الخيل] في مغازيهم يدل على أنهم كانوا يأكلونها في حال الضرورة.
روي عن النبي أنه قال: "الخيل لثلاثة: فهي لرجل كذا، ولرجل آخر كذا، وعلى رجل وزر" .
يبيّن أنها لا تصلح لغير ذلك، ولو صلحت للأكل لقال: الخيل لأربعة؛ ولقال: ولرجل طعام.
ومما يبين ما ذكرنا: أن البغل حرام؛ وهو من الفرسة؛ فلو كانت أمه حلالا كان هو أيضاً حلالا؛ لأن حكم الولد حكم أمه؛ لأنه منها أو هو كبعضها، فمن حرم لحم البغل لزمه أن يحرم لحم الفرسة في حكم النظر والمقاييس؛ ألا ترى أن حمار وحش لو نزا على حمارة أهلية لم يؤكل ولدها، ولو أن حماراً أهليّاً نزا على حمارة وحشية؛ فولدت أكل ولدها، أفلا ترى أنه جعل حكم الولد حكم أمه؛ ولم يعتبر بالفحل، فلما كان لحم البغل حراماً وجب أن يكون لحم الفرسة كذلك.
إلا أن أبا حنيفة - رحمه الله - كان لا يطلق تحريم أكلها؛ لما فيها من الشبهة، والاختلاف، والأحاديث المروية عن رسول الله ؛ لكنه ذكر الكراهة للشبهة التي فيها؛ وكان أبو يوسف - رحمه الله - يبيح أكلها.
وقد يجوز أن يحتج لأبي يوسف؛ في الفرق بين المولود من الفرسة وبين ولد الحمارة الوحشية إذا نزا عليها حمارٌ أهلي بأن ولد الحمارة لم يتغير عن جنس أمه؛ فحكمه حكمها، والبغل ليس من جنس أمه؛ هو من جنس ثالث، فلذلك لم يكن سبيلها بسبيله.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ .
أخبر أنه يخلق ما لا نعلم؛ فليس لنا أن نتكلف في علم ذلك.
أو يخلق من النعم - فيما خلق - ما لا تعلمون أنتم أنها نعم.
أو قال: يقول قوم: أن ليس لله أن يخلق شيئاً لا يطلعه الممتحن.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعَلَىٰ ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ ﴾ .
اختلف فيه: قال بعضهم: أي: على الله بيان قصد السبيل، وهو الهدى: يبين الهدى من الضلالة، ويبين من السبل التي تفرقت عن سبيله؛ كقوله: ﴿ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنْهَا جَآئِرٌ ﴾ أي: عليه بيان ما يجوز منها؛ من قصد السبيل يعدل ويجار، أو يقال: وبالله يوصل إلى قصد السبيل.
وقال بعضهم: ﴿ وَعَلَىٰ ٱللَّهِ ﴾ أي: وبالله يوصل بقصد السبيل؛ وهي السبل التي ذكرنا، ﴿ وَمِنْهَا جَآئِرٌ ﴾ كقوله: ﴿ وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَٱتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ ﴾ .
وقال بعضهم: طريق الحق والعدل لله، وقد يستعمل حرف (على) مكان (له) كقوله: ﴿ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ ﴾ أي: للنصب وقوله: ﴿ وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمْ ﴾ أي: لربهم، كقوله: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ [ ﴿ وَمِنْهَا جَآئِرٌ ﴾ : وهي السبل المتفرقة عن سبيله].
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ .
قد ذكرنا تأويله، وقوله: ﴿ وَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: لو شاء أكرم الخلق كله اللطف الذي أكرم أولياءه؛ فاهتدوا به؛ فيهتدون.
والثاني: لو شاء أعطاهم جميعاً الحال التي يكون بها الاهتداء؛ وهو ما قال: ﴿ وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ إلى آخر ما ذكر؛ لما لا يحتمل أنه إذا كان ذلك مع الكفار لكفروا جميعاً، وإذا كان تلك الحال للمسلمين لا يسلمون.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي أَنْزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاءِ مَآءً ﴾ موصول بقوله: ﴿ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ ﴾ ، وقوله: ﴿ خَلَقَ ٱلإِنْسَانَ مِن نُّطْفَةٍ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَٱلأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ ﴾ ﴿ وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ ﴾ .
يقول: الذي خلق لكم ما ذكر من الأشياء هو الذي أنزل من السماء ماء لكم؛ منه شراب، ومنه شجر هذا يحتمل ما ذكرنا: أنه أنزل من السماء ماء [لنا]؛ ثم أخبر أنه منه شراب، ومنه شجر.
ويحتمل: هو الذي أنزل من السماء ماء، ثم أخبر: ﴿ لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ ﴾ .
ثم يحتمل قوله: ﴿ مِّنْهُ شَرَابٌ ﴾ جميع ما يشرب من الأشربة؛ إذ منه تكون الأشربة جميعاً؛ وجميع الأشياء.
ويحتمل ﴿ مِّنْهُ شَرَابٌ ﴾ الماء خاصة.
﴿ وَمِنْهُ شَجَرٌ ﴾ : الشجر: معروف؛ هو الذي يعلو ويرتفع في الأرض؛ لا يسمى الحشيش وما ينبسط على وجه الأرض شجراً، فظاهر هذا أن يرجع إلى ذلك المعروف؛ إلا أنه ذكر شجراً ﴿ فِيهِ تُسِيمُونَ ﴾ : أي: تزرعون، دل هذا أنه إنما أراد بالشجر المنبسط على وجه الأرض والمرتفع عليها.
وقال القتبي: السائمة: الراعية، وكذلك قال أبو عوسجة، وقال أبو عبيدة: أسمت سائمتي: أي: رعيتها: وكذلك قوله: ﴿ وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ ﴾ أي: الراعية.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يُنبِتُ لَكُمْ بِهِ ٱلزَّرْعَ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلنَّخِيلَ وَٱلأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ ﴾ .
أي: ينبت لكم بالماء الذي ذكر أنه أنزل من السماء الزرع، والزيتون، وجميع ما ذكر، جعل الله - بلطفه - الماء لقاح كل الأشياء المختلفة والمتفقه، ليس كغيره من الدوابّ؛ حيث لم يجعل لقاح شيء من جنس آخر، إنما جعل لقاح كل نوع من نوعه، وجعل في الماء بلطفه سرية توافق جميع الأشياء المختلفة، لو اجتمع الخلائق على إدراك ذلك - وإن اجتهدوا - لم يقدروا عليه، يعرفون الماء ظاهراً؛ ولكن لا يدركون ما فيه من اللطف والسرية؛ التي يكون بها حياة كل أحد وموافقته.
وقوله: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ .
ذكر أن فيه آية لقوم يتفكرون، ولم يذكر أنه لماذا؟
لكنه ذكر أنه آية لقوم يتفكرون؛ بالتفكر يعرف أنه آية لماذا، وهذا يدلّ على أن الأشياء التي غابت عنا ظواهرها بالتفكر والنظر تدرك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيلَ وَٱلْنَّهَارَ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلْنُّجُومُ ﴾ وما ذكر.
ووجه تسخير هذه الأشياء لنا: هو أن الله خلق هذه الأشياء، وجعل فيها منافع للخلق؛ تتصل تلك المنافع إلى الخلق شئن؛ أو أبين أحببن أو كرهن؛ جعل في النهار معاشاً للخلق؛ وتقلباً فيه يتعيشون ويتقلبون، وجعل الليل راحة لهم وسكناً، ينتفعون بهما شاءا أو أبيا، وكذلك ما جعل في الشمس والقمر والنجوم من المنافع: من إنضاج الفواكه والثمرات، وإدراك الزروع وبلوغها، ومعرفة الحساب والسنين والأشهر، ومعرفة الطرق والسلوك بها، وغير ذلك من المنافع ما ليس في وسع الخلق إدراكه، ينتفع الخلائق بما جعل فيها من المنافع شاءت هذه الأشياء أو أبت، فذلك وجه تسخيرها لنا.
ويحتمل ما ذكر من تسخير هذه الأشياء لنا: ما جعل في وسعنا استعمال هذه الأشياء؛ والانتفاع بها، والخيل التي بها نقدر على استعمالها في حوائجنا.
ويحتمل تسخيرها لنا: ما ينتفع بهن شئن أو أبين بالطباع.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ ﴾ .
يحتمل وجهين: يحتمل: أي: بأمره تنفع الخلائق ويحتمل ﴿ بِأَمْرِهِ ﴾ : أي: كونها في الأصل هكذا؛ بأن تنفع الخلق.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ .
قال في الآية الأولى: ﴿ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ جعل الله التفكر سبيلا للعقول إلى إدراك الأشياء المغيبة بالحواس الظاهرة؛ إذ لا سبيل للعقل إلى إدراك ما غاب عنه إلا بالحواس الظاهرة، [والتفكر فيها؛ لأن ما غاب عن الحواس الظاهرة] لا يدركه العقل؛ فجعل الحواس الظاهرة سبيلاً للعقول إلى إدراك المغيب عنها.
ذكر - عز وجل - في الآية الأولى: ﴿ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ ، وذكر في الآية الثانية: ﴿ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ ، وفي الآية الثالثة: ﴿ لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ﴾ ، وفي الرابعة: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ : فهو - والله أعلم - كرره على مراتب؛ لأنه بالتفكر فيها يعقل ويعلم، ثم بعد العلم والعقل والفهم يتذكر، وإذا تذكر عند ذلك شكر نعمه، ثم قوله: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ و ﴿ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ وما ذكر فيه: دلالة وحدانية الله ، ودلالة تدبيره وعلمه وحكمته، ودلالة بعث الخلائق، ودلالة قدرته وسلطانه؛ لأن الليل والنهار يأتيان الجبابرة والفراعنة، ويذهبان بعمرهم ويفنيانه؛ شاءوا أو أبوا، فذلك آية سلطانه وقدرته؛ ليعلم أن له [السلطان والقدرة] لا لهم، وفيهما دلالة البعث؛ لأنه إذا أتى هذا ذهب الآخر حتى لا يبقى له أثر، ثم ينشيء مثله بعد أن لم يبق من الأوّل شيء ولا أثر، فالذي قدر على إنشاء النهار أو الليل بعد ما ذهب أثره وتلاشى - لقادر على إنشاء الخلق بعد ما ذهب أثرهم.
وكذلك الشمس، والقمر، والنجوم، وما ذكر: لما اتسق هذا كله على سنن واحد؛ وتقدير واحد؛ على غير تفاوت فيها ولا تفاضل، وعلى غير تقديم ولا تأخير بل جرى كله على سنن واحد، وتقدير واحد، وميزان واحد؛ من غير تفاوت [ولا تفاضل] ولا اختلاف.
دلّ أنه على تدبير واحد خرج ذلك، لا على الجزاف، وأن مدبر ذلك كله واحد؛ إذ لو كان تدبير عدد لخرج مختلفاً متفاوتاً، فدل أنه تدبير واحد لا عدد، وأنه على تدبير غيرٍ خرج وجرى كذلك، لا بنفسه، وأنه على حكمة، وعلم جرى كذلك، فدل على لزوم الرسالة والعبادة له؛ فهذا - والله أعلم - تأويل قوله: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ ﴾ أي: مختلفاً أصنافه وجواهره.
يخبر - عز وجل - [عن] قدرته، وسلطانه، ونعمه التي أنعم عليهم بها.
أما سلطانه وقدرته: ما خلق في الأرض وأنبت فيها بالماء لم يرجع إلى جوهر الأرض وجنسها، ولا إلى جوهر الماء وجنسه، وهما كالوالدين: الماء كالأب، والأرض كالأم، فلم يرجع ما خرج منهما من جنسهما، ولا من جوهرهما؛ كما كان في سائر الأشياء رجع التوالد منها إلى جنس الوالدين وجوهرهما؛ بل رجع التوالد والنشوء من الأرض والماء إلى جنس البذر وجوهره؛ ليعلم قدرته وسلطانه على إنشاء الأشياء؛ بأسباب وبغير أسباب، ومن شيء ومن لا شيء.
ويذكر نعمه: حيث أخبر أنه خلق في الأرض من الأصناف المختلفة، والجواهر المتفرقة؛ لينتفعوا بها.
ويحتمل قوله: ﴿ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ ﴾ من جنس واحد؛ من شيء واحد؛ لأنه يكون من جنس واحد ألوان مختلفة، ومن قدر على إنشاء ألوان مختلفة من شيء واحد لا يعجزه شيء.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ﴾ ، وفي آية: ﴿ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ ، وفي آية ﴿ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ ، وفي آية: ﴿ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴾ ، و ﴿ لِلْمُتَوَسِّمِينَ ﴾ ، وفي آية: ﴿ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .
فيحتمل أن يكون كله كناية عن المؤمنين؛ كأنه قال: إن في ذلك لآية للمؤمنين؛ إذ يجمع الإيمان جميع ما ذكر: من التفكر، والتذكر، والعقل، والاعتبار، والصبر، والشكر، وغيره.
ويحتمل: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ ، و ﴿ يَعْقِلُونَ ﴾ ، و ﴿ يَذَّكَّرُونَ ﴾ : أي: لقوم همتهم الفكر والنظر في الآيات، ولقوم همتهم التفهم والاعتبار فيها، لا لقوم همتهم العناد، والمكابرة، والإعراض عن النظر في الآيات والفكر فيها.
وفي ذكر الآية للمتفكرين، والعاقلين، والمتذكرين: لما منفعة الآية تكون لهؤلاء، وإن كانت الآيات لهم ولغيرهم، فمنفعتها لمن ذكر.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي سَخَّرَ ٱلْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً ﴾ .
وتسخيره إياه لنا: هو ما بذل للخلق ما فيه من أنواع الأموال التي خلق الله فيه: من الحلي والجوهر واللؤلؤ، وبذل ما فيه من الدوابّ: السمك وغيره، فلولا تسخير الله إياه للخلق؛ وتعليمه إياهم الحيل التي بها يوصل إلى ما فيه من الأموال النفيسة؛ وإلا ما قدروا على استخراج ما فيه والوصول إليه؛ لشدة أهواله وأفزاعه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً ﴾ .
يحتمل السمك خاصة.
ويحتمل السمك وما فيه من الدوابّ؛ من نوع ما لو كان بريّاً أكل؛ من نحو الجواميس وغيرها.
وقوله : ﴿ وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا ﴾ .
يحتمل الحلية: اللؤلؤ والمرجان؛ الذي ذكر في آية أخرى؛ حيث قال: ﴿ يَخْرُجُ مِنْهُمَا ٱلُّلؤْلُؤُ وَٱلمَرْجَانُ ﴾ .
ثم يحتمل قوله: ﴿ حِلْيَةً ﴾ : أي: ما يتخذ منه حلية.
وهذا جائز؛ أن يسمّى الشيء باسم ما يتخذ منه؛ وباسم ما يصير به في المتعقب.
أو يسمى حلية؛ لأنه زينة.
ولا شك أن اللؤلؤ والمرجان هما زينة؛ ألا ترى أنه ذكر في الأنعام زينة وجمالاً، وفي الخيل والبغال كذلك، فالزينة في اللؤلؤ والمرجان أكثر، والجمال فيه أظهر أخبر أنه جعل لنا الوصول إلى [ما في] قعر البحر وهو ما ذكر من اللؤلؤ وأنواع الحلي، وما في بطن البحر: وهو ما ذكر من اللحم الطري، وما هو على وجه الماء: وهو السفن التي ذكر.
ووجه تسخيره إيانا الخيل والأسباب التي علمنا؛ حتى نصل إلى ما فيه؛ فكأنه قال: سخرت لكم البحر من أسفله إلى أعلاه.
وفي ذلك دلالات: إحداها: إباحة التجارة بركوب الأخطار؛ لأن الغائص [في البحر] يخاطر بنفسه؛ وروحه، وكذلك راكب السفن؛ فلولا أنه مباح له طلب ذلك؛ وإلا ما ذكر هذا في منته؛ إذ هو يخرج مخرج ذكر الامتنان.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَرَى ٱلْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ ﴾ قال الحسن، والأصم: المواخر: السفن المحشوات؛ الوافرة أحمالها وأثقالها، يذكر منّته التي منّ بها عليهم؛ حيث جعل لهم السفن والفلك؛ التي يحمل بها الأحمال الثقال العظام في البحار ما سبيلها التسفّل والانحدار في البحر؛ فأمسكها فيه بالسفن العظام الثقيلة.
وقال بعضهم: مواخر: أي: جارية مقبلة مدبرة بريح واحدة في البحر؛ لأن ماء البحر راكدة؛ فأجرى السفن فيه بالرياح؛ حيثما أرادوا وقصدوا؛ إذ الأشياء قد تجري [على الماء] إذا كان له جرية، وأما إذا كان راكداً ساكناً فلا سبيل إلى ذلك؛ فيذكر عظيم منته وقدرته على إجراء السفن في الماء الراكد بالريح.
وقال [بعضهم]: ﴿ مَوَاخِرَ ﴾ أي: جواري تشق الماء شقّاً وتخرقه، يقال: مخرت السفينة؛ ومنه: مخر الأرض: إنما هو شق الماء لها؛ وهو قول القتبي.
وكذلك قال أبو عبيدة: إنه من شق السفن الماء.
وقال أبو عوسجة: المواخر: المستقبلة، يقال: استمخر الإنسان الريح: إذا استقبلها.
وقال أبو عبيدة: مواخر من الاستدبار؛ يقال: إذا أراد أحدكم البول فليستمخر الريح: أي: يستدبرها.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ ﴾ .
يحتمل بالتجارة التي جعل فيها؛ حيث جعل سبيل قطع البحار إلى بلاد نائية بعيدة بالسفن؛ ليبتغوا ما به قوام أبدانهم وأنفسهم؛ إذ جعل بنيتهم بنية لا تقوم إلا بالأغذية، ولعلهم لا يظفرون ما به قوام أبدانهم وبنيتهم في بلادهم؛ فيحتاجون إلى البلاد النائية البعيدة عنهم، فمنّ عليهم بذلك؛ كما من بقطع المفاوز والبراري بالدوابّ؛ بقوله: ﴿ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ ٱلأَنفُسِ ﴾ .
أو قال: ﴿ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ ﴾ بما يستخرج منه، ولعلكم تشكرون جميع ما ذكر: من ألوان النعم والمنافع؛ من أوّل السورة إلى آخرها؛ يستأدي به شكره.
وفي قوله: ﴿ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ ﴾ دلالة إباحة التجارة، وطلب الفضل بركوب الأخطار واحتمال الشدائد؛ حيث أخبر أنه سخر البحر؛ حتى أمكنهم ركوبه بالحيل والأسباب التي علمها لهم؛ لأن الغواص يخاطر بروحه ونفسه، وكذلك راكب السفينة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَلْقَىٰ فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ ﴾ .
أي ألقى في الأرض الجبال؛ لئلا تميد بكم [؛ قال بعض أهل التأويل: قوله: ﴿ وَأَلْقَىٰ فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ ﴾ لئلا تميد بكم] لأنها بسطت على الماء؛ فكانت تكفو بأهلها؛ كما تكفو السفينة في الماء؛ فأثبتها بالجبال؛ لتقرّ بأهلها، لكن لو كان على ما ذكروا أنها بسطت على الماء لكانت لا تكفو ولا تضطرب، ولكنها تتسرب في الماء وتنهار فيه؛ لأن من طبعها التسفّل والتسرب في الماء؛ إلا أن يقال: [إن] الله - عز وجل - جعل - بلطفه - طبعها طبع ما يضطرب؛ وتكفو، فعند ذلك يحتمل ما ذكروا.
والله أعلم.
ولو قالوا: إنها بسطت على الريح لكان يحتمل ما قالوا؛ ويكون أشبه بقولهم؛ ألا ترى أن السراج في الآبار والسروب لا يضيء بل ينطفئ كما أسرج؛ فيشبه أن يكون انطفاؤه لريح تكون في الأرض، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم، والله أعلم بذلك.
وقال بعضهم: بسطت على ظهر الثور فكانت تضطرب بتحركه فأرساها بما ذكر، والله أعلم.
ثم قوله: ﴿ وَأَلْقَىٰ فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَاراً وَسُبُلاً ﴾ يخرج ذكر ذلك منه ذكر الامتنان والنعمة؛ لأن له أن يترك الأرض على ما خلقها؛ ولا يثبتها بالجبال؛ لتميد بأهلها وتميل؛ فلا يقدروا على القرار عليها والانتفاع بها، لكنه - بفضله ومنته - أثبتها بالجبال؛ ليقروا عليها، ويقدروا على الانتفاع بها.
وكذلك له ألا يجعل لهم فيها أنهاراً جارية؛ فيكون مياههم من آبارها، وكذلك له أن يحوجهم بأنواع الحوائج؛ ثم لا يبين لهم الطرق والسبل التي بها يصلون إلى قضاء حوائجهم، [ويكلفهم طلب الطرق والسبل التي بها يصلون إلى قضاء حوائجهم، ويكلفهم طلب الطرق والسبل التي بها تقضي حوائجهم بأنواع الحوائج، ثم لا يبين لهم الطرق والسبل]، لكنه بفضله ومنّه بيَّن لهم الطرق والسبل التي تفضي إلى البلدان والأمكنة التي فيها تقضي حوائجهم، وكذلك بفضله جعل لهم في الأرض أنهاراً جارية، وأثبت الأرض بالرواسي؛ ليقروا عليها، وذلك كله بمنّه وفضله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ .
يحتمل تهتدون الطرق والسبل التي تفضيهم إلى الحوائج.
ويحتمل: تهتدون الهدى المعروف؛ بما ذكر من نعمه ومننه.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعَلامَاتٍ وَبِٱلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ﴾ هذا أيضاً يخرج مخرج ذكر المنن والنعم عليهم؛ لأنهم لولا ما جعل الله أعلاماً في البحار والبراري يعرفون بها السلوك فيها؛ وإلا لم يقدر أحد معرفة الطرق في البحار والبراري.
ثم يحتمل الأعلام: مرة بطعم الماء والجبال التي جعل فيها وبالرياح، ومرة تكون بالنجم؛ [يعرفون بطعم الماء أن هذا الطريق يفضي إلى موضع كذا، وكذلك يعرفون بالجبال وبالرياح] يعرفون السبل إلى حوائجهم ومقصودهم.
وكذلك بالنجم يعرفون الطرق؛ فالأعلام مختلفة بها يهتدون الطرق والسبل.
ويحتمل: يهتدون بما ذكر من الأعلام والنجم سبب اهتدائهم إلى توحيد الله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ ﴾ .
يحتمل هذا وجهين: أحدهما: على الاحتجاج عليهم؛ أي: لا تجعلوا من لا يخلق ولا ينفع ولا ينعم كمن هو خالق الأشياء كلها؛ منعم النعم عليكم، ﴿ أَفَلا تَذَكَّرُونَ ﴾ : [أي]: إن صرف العبادة والشكر إلى غير خالقكم وغير منعمكم جور وظلم.
والثاني: يخرج مخرج تسفيه أحلامهم؛ أنهم يعبدون من يعلمون أنه ليس بخالق، ويتركون عبادة من يعلمون أنه خالق الأشياء كلها، أفلا تذكرون والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَآ ﴾ .
هذا يحتمل وجوهاً: أحدها: وإن تعدوا أنفس نعمة الله التي أنعمها عليكم وأعينها لا تقدروا على عدّها لكثرتها.
والثاني: ﴿ وَإِن تَعُدُّواْ ﴾ : وإن تكلفتم واجتهدتم كلّ جهدكم أن تقوموا لشكر ما أنعم الله عليكم [ومنّ] وما قدرتم على القيام لشكر واحدة منها؛ فضلا أن تقوموا للكل.
والثالث: يخرج على العتاب والتوبيخ؛ أي: كيف فرغتم لعبادة من لا يخلق ولا ينعم عن عبادة من خلق وأنعم، وكنتم لا تقدرون على إحصاء ما أنعم عليكم؛ فضلا أن تقوموا لشكره.
وقال الحسن في قوله: ﴿ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَآ ﴾ : لا تعرفوا كل النعم؛ لأنه كم من النعم ما لا يعرفه الخلق؛ كقوله: ﴿ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ﴾ فإذا لم يعلموا لم يقدروا إحصاءها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ .
هذا يحتمل وجهين: أحدهما: إنكم وإن افتريتم على الله، وعاندتم حججه وآياته، وكذبتم رسله فإذا استغفرتم؛ وتبتم عما كان منكم؛ يغفر لكم ذلك كله؛ كقوله: ﴿ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ ﴾ .
والثاني: ﴿ لَغَفُورٌ ﴾ : أي: يستر عليكم ما كان منكم؛ ما لو أظهر ذلك لافتضحتم؛ لكنّه برحمته ستر ذلك عليكم، رحيم بالستر عليكم.
أو ذكر ﴿ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ على أثر ذكر النعم وأنواع المنافع؛ ليكونوا رحماء على ما ذكر مما سخر لنا وأذلّ.
والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: ذكر هذا ليكونوا أيقظ وأحذر؛ لأن في الشاهد من يعلم أن عليه رقيباً حافظاً بما يفعل، كان هو أرقب وأحفظ لأعماله، ويكون أحذر ممن يعلم أنه ليس عليه حافظ ولا رقيب.
والثاني: يعلم ما تسرّون من المكر برسول الله، والكيد له من القتل، والإخراج، وغير ذلك [أي: يعلم ذلك] كله منكم، ما أسررتم وأعلنتم، وهو يخرج على نهاية الوعيد والتعيير، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ يحتمل يدعون: أي: يسمونها: آلهة، وربما كانوا يدعونهم عند الحاجة.
ويحتمل ﴿ يَدْعُونَ ﴾ : يعبدون؛ أي: الذين يعبدون من دون الله لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون؛ فهذا يرجع إلى الأوّل؛ أفمن يخلق كمن لا يخلق؟
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَآءٍ...
﴾ \[الآية\].
يحتمل المراد بقوله: ﴿ أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَآءٍ ﴾ : الذين عبدوا الأصنام والأوثان وجميع من كفر بالله؛ هم أموات غير أحياء؛ لأن الله سمَّى الكافر في غير آي من القرآن ميّتاً؛ فيشبه أن يكون قوله: ﴿ أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَآءٍ ﴾ أيضاً.
﴿ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴾ .
أي: يشعرون حين يبعثون، أي: لو شعروا هذا في الدنيا ما شعروا في الآخرة؛ لم يعلموا ما عملوا.
ويحتمل قوله: ﴿ أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَآءٍ ﴾ : الأصنام التي عبدوها؛ هن أموات غير أحياء.
قال بعضهم: أموات لأنها لا تتكلم، ولا تسمع، ولا تبصر، ولا تنفع، ولا تضرّ؛ كالميت ﴿ غَيْرُ أَحْيَآءٍ ﴾ : أي: ليس فيها أرواح ينتفع بها كالبهائم والأنعام، ويكون قوله: ﴿ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴾ راجعاً إلى الذين عبدوا الأصنام؛ لأنها لا تشعر أيان يبعثون، وهم يعلمون أنها لا تشعر ذلك؛ لكن هم يشعرون حين يبعثون.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴾ يبعث الآلهة والذين عبدوها جميعاً؛ كقوله: ﴿ وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ ﴾ وقوله: ﴿ ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ قال بعضهم: يحشر أولئك الذين عبدوا الأصنام، ﴿ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴾ : أي: حين يبعثون، ولو شعروا ذلك في الدنيا ما فعلوا [ما فعلوا] وإن كان قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ ﴾ راجعاً إلى الملائكة والملوك الذين عبدوا دون الله يكون تأويل قوله: ﴿ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴾ : أي: لا يشعرون وقت يبعثون، وإن كان راجعاً إلى الأصنام، فقوله: ﴿ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴾ : أي: لا يشعرون أنهم يبعثون، لا يحتمل أن يكون قوله: ﴿ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ ﴾ أن يقال [ذلك] في الأصنام؛ لأن أولئك يعلمون أنهم لا يخلقون، وإنما يقال ذلك في الأصنام: لا تسمع، ولا تبصر، ولا تنفع، فدل أن ذلك راجع إلى الملائكة والذين عبدوهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلٰهُكُمْ إِلٰهٌ وَاحِدٌ ﴾ .
قد ذكرنا فيما تقدم ما يبين إبطال ما كانوا يعبدون، وما لا يليق بأمثالها العبادة لها؛ ونصبهم آلهة ثم ذكر ما يبين جعل الألوهية والربوبية أنه لواحد، وأنه هو المستحق لذلك دون العدد الذي عبدوها؛ فقال: إلهكم إله واحد لا العدد الذي عبد أولئك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ ﴾ : أي: منكرة للإيمان بالآخرة والبعث بعد الموت.
أو قلوبهم منكرة لجعل الألوهية والربوبية لواحد وصرف العبادة إليه؛ كقولهم: ﴿ أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ﴾ .
ويحتمل قوله: ﴿ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ ﴾ لما جاء به الرسول، وهم مستكبرون على ما جاء به من الله .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ ﴾ يحتمل مستكبرون على رسول الله، لم يروه أهلا لخضوع أمثالهم لمثله، أو مستكبرون إلى ما دعتهم الرسل؛ لأن الرسل جميعاً دعوا الخلق إلى وحدانية الله وجعل العبادة له.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ جَرَمَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ مَا يُسِرُّونَ ﴾ : من المكر برسول الله، والكيد له، ﴿ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾ من المظاهرة عليه.
أو يعلم ما يسرّون من أعمالهم الخبيثة التي أسروها و [ما] أعلنوها، يخبر أنه لا يخفى عليه شيء من أعمالهم؛ أسرّوا أو أعلنوا.
وقوله: ﴿ لاَ جَرَمَ ﴾ قال الأصم: ﴿ لاَ جَرَمَ ﴾ : كلمة تستعملها العرب في إيجاب تحقيق أو نفي تحقيق؛ كقولهم: حقّاً، ولعمري، وايم الله، ونحوه.
وقال الحسن: هو كلمة وعيد.
وقال بعضهم: لا جرم، وحقّاً، وبلى، ولا بدّ، كلّه في الحاصل: يرجع إلى واحد، وهو وعيد؛ لأن قوله: ﴿ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾ وعيد.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْتَكْبِرِينَ ﴾ .
لأنه لا يحبّ الاستكبار، ولا يليق لأحد من الخلائق أن يتكبر على غيره من الخلق؛ لأن الخلق كلهم أشكال وأمثال، ولا يجوز لكل ذي [مثل وشكل] أن يتكبر على شكله [ومثله]؛ لأن تكبّر بعضهم على بعض كذب وزور؛ إذ جعل كلهم أمثالا وأشكالا، لذلك كان زوراً وكذباً، و قد حرم الله الكذب والزور، وجعله قبيحاً في العقول.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَّاذَآ أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ .
أي: قال الأتباع للرؤساء: ماذا أنزل ربكم؟
قال الرؤساء: أنزل أساطير الأولين، [أو يخرج على الإضمار، كأنهم قالوا لهم: ماذا يقول إنه أنزل ربكم عليه؟
فقالوا عند ذلك: أساطير الأولين، وإلا لا يحتمل أن يكون ذكروا أساطير الأولين] جواب سؤالهم: ماذا أنزل ربكم؟
مفرداً؛ لأنهم كانوا يقرون بالله بقولهم: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ﴾ وهؤلاء شفعاؤنا عند الله؛ فلا يحتمل أن يكونوا إذا سئلوا ماذا أنزل ربكم؛ فيقولون: أساطير الأولين إلا أن يكون في السؤال زيادة قول، أو في الجواب إضمار؛ فيكون - والله أعلم - كأنه قال: وإذا قيل لهم: ماذا يزعم هذا أنه أنزل عليه ربكم؟
قالوا عند ذلك: إنه يقول: أساطير الأولين؛ كقوله: ﴿ وَقَالُواْ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ ﴾ أي: قالوا: يا أيها الذي يزعم أنه نزل عليه الذكر.
أو يكون قوله: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَّاذَآ أَنْزَلَ رَبُّكُمْ ﴾ فقالوا: لم ينزل الله شيئاً إنما يقول أساطير الأولين، ومثل هذا يحتمل أن يكون.
وقوله: ﴿ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ قال أبو عوسجة: أحاديث الأولين والواحد أسطور، وهي الأحاديث المختلقة؛ كقوله: ﴿ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ ٱخْتِلاَقٌ ﴾ ؛ أي: لا أصل له؛ وأصله الكذب.
وهكذا عادة أولئك الكفرة يقولون للأنباء: أساطير الأولين، وكانوا ينسبون ما يقرأ عليهم إلى السحر، ولو كان في الحقيقة سحراً أو أحاديث الأولين كان دليلا له.
أو قالوا ذلك على الاستهزاء [له]، وذلك جائز أن يخرج قولهم ذلك على الاستهزاء.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ .
هذا يحتمل وجهين: أحدهما: [أنه يحتمل:] أنهم يحملون أوزارهم كاملة؛ يعني الذين قالوا للرسل: أساطير الأولين، ومن أوزار الذين يقلدون رسلهم، ووفدهم الذين بعثوا عن السؤال عن رسول الله ؛ فحملوا أوزار أنفسهم؛ وأوزار [الرسل وأوزار] الذين يقلدون الرسل ويقتدون بهم بغير علم؛ لأنهم لم يعلموا أن أولئك يقتدون بالرسل فيضلون، وهم وإن لم يعلموا فذلك عليهم؛ لأنهم هم الذين سنوا ذلك؛ وهو كما روي: "من سَنَّ سنّة سيئة فله وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة" ويحتمل: ليحملوا أوزارهم ومن أوزار الذين طمعوا الإسلام؛ إذا أسلموا سقط تلك الأوزار عنهم.
وقوله: ﴿ لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ ﴾ : هم لم يفعلوا ما فعلوا ليحملوا أوزارهم، ولكن معناه - والله أعلم - أي: ليصيروا حاملين لأوزارهم والذين أضلّوهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ يحتمل ﴿ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ أي: بسفه.
﴿ أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ ﴾ أي: ساء ما يحملون.
وقوله: ﴿ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ أي: لم يعلموا أن تصير أوزارهم عليهم، أو لم يعلموا ما يلحق بهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾ .
لم يزل كانت عادة الكفرة بالمكر برسل الله؛ والكيد لهم، وكذلك مكر كفار مكة برسول الله، يذكر هذا - والله أعلم - لرسول الله ليصبره على أذاهم إياه؛ كما صبر أولئك على مكر قومهم وترك مكافأتهم إياهم؛ كقوله: ﴿ فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ ﴾ .
ثم مكرهم الذي ذكر كان يخرج على وجهين: أحدهما: فيما جاءت به الرسل؛ كانوا يتكلفون تلبيس ما جاءت به الرسل على قومهم.
والثاني: يرجع مكرهم إلى أنفس الرسل؛ من الهم بقتلهم وإخراجهم من بين أظهرهم؛ ونحوه، فخوف بذلك أهل مكة بصنيعهم لرسول الله؛ أن ينزل بهم كما نزل بأولئك الذين مكروا برسلهم؛ لئلا يعاملوه بمثل معاملة أولئك رسلهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَتَى ٱللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِّنَ ٱلْقَوَاعِدِ ﴾ .
قال الحسن: هذا على التمثيل بالبناء الذي بني على غير أساس؛ ينهدم ولا يعلم من أي: سبب انهدم، فعلى ذلك مكرهم يبطل ويتلاشى؛ كالبناء الذي بني على غير أساس ويشبه أن يكون على التمثيل من غير هذا الوجه؛ وهو أنهم قد مكروا وأحكموا مكرهم بهم؛ فيتحصنون بذلك؛ كالبناء الذي يتحصن به؛ فأبطل الله مكرههم؛ كقوله: ﴿ وَمَكَرُواْ مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً...
﴾ الآية [النمل: 50]، وقوله: ﴿ وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ...
﴾ الآية [آل عمران: 54].
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ ٱلسَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ ﴾ .
هو ما ذكرنا من إبطال مكرهم الذي به كانوا يتحصنون؛ كوقوع السقف الذي به يتحصن من أنواع الأذى والشرور.
ويحتمل على التحقيق؛ وهو ما نزل بقوم لوط؛ من الخسف، وتقليب البنيان، وإمطار الحجر عليها.
وأما ما ذكر بعض أهل التأويل: من الصرح [الذي] بنى نمرود وبنيانه، ووقوعه عليهم؛ فإنا لا نعلم ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَتَاهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ .
كذلك كان يأتي العذاب الظلمة الكذبة؛ من حيث لا علم لهم بذلك؛ كقوله: ﴿ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً...
﴾ الآية [الأعراف: 95] وقوله: ﴿ فَأَتَى ٱللَّهُ بُنْيَانَهُمْ ﴾ هو من الإتيان، ومعلوم أنه لا يفهم من إتيانه الانتقال من مكان إلى مكان، ولكن إتيان عذابه، أضيف إليه الإتيان؛ لما بأمره يأتيهم، ومنه [...]، فعلى ذلك لا يفهم من قوله: ﴿ وَجَآءَ رَبُّكَ ﴾ ، وقوله: ﴿ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ...
﴾ الآية [البقرة: 210] إتيانُ الانتقال ومجيئه من مكان إلى مكان، وقد ذكرنا هذا وأمثاله في غير موضع.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ ﴾ .
أخبر أنه يخزيهم يوم القيامة بعد ما عذبهم في الدنيا؛ بقوله: ﴿ وَأَتَاهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ .
وقوله: ﴿ يُخْزِيهِمْ ﴾ : قال أهل التأويل: يعذبهم، وكأن الإخزاء هو الإذلال، والإهانة، والفضح، يذلهم، ويهينهم، ويفضحهم في الآخرة؛ مكان ما كان منهم من الاستكبار، والتجبر على النبي وأصحابه، وكذلك قوله: ﴿ يَوْمَ لاَ يُخْزِى ٱللَّهُ ٱلنَّبِيَّ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ أي: لا يذلهم، ولا يهينهم؛ لتواضعه للمؤمنين، وخفض جناحه لهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ ﴾ أي: تعادون أوليائي فيهم، أو تعادونني فيهم.
وقوله: ﴿ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ ﴾ ليس له بشركاء؛ ولكن أضاف إلى نفسه: شركائي؛ على زعمهم في الدنيا أنها شركاؤه، وكذلك قوله: ﴿ فَرَاغَ إِلَىٰ آلِهَتِهِمْ ﴾ أي: إلى ما في زعمهم؛ وتسميتهم إياها آلهة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ ﴾ أي: كنتم تخالفون فيهم وتعادون؛ أي: تخالفون المؤمنين في عبادتهم إياها؛ لأنهم يقولون: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ﴾ ، وهم شفعاؤنا عند الله، ونحوه، كانوا يخالفون المؤمنين، وكانوا يشاقّون في ذلك؛ إلا أنه أضاف ذلك إلى نفسه لأنهم أولياؤه، وأنصار دين الله، وأضاف إليه المخالفة والمشاقّة لأنهم خالفوا أمر الله.
وقوله: ﴿ قَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ ﴾ .
قال أهل التأويل: الذي أوتوا العلم الملائكة الكرام الكاتبون، [لكن] هم وغيرهم من المؤمنين محتمل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلْخِزْيَ ٱلْيَوْمَ وَٱلْسُّوۤءَ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ ﴾ أي: الذل والهوان والافتضاح وكل سوء على الكافرين هكذا يقابل كل معاند ومكابر في حجج الله وبراهينه مكان استكبارهم وتجبرهم في الدنيا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلائِكَةُ ﴾ .
قال الحسن: تتوفاهم الملائكة من بين يدي الله يوم الحساب إلى النار.
وقال بعضهم: تتوفاهم الملائكة - وقت قبض أرواحهم - ظالمي أنفسهم بالشرك والكفر بالله.
وعلى تأويل الحسن: يكون قوله: ﴿ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ ﴾ في الدنيا، ويجوز أن يوصفوا بالظلم في الآخرة أيضاً؛ بكذبهم فيها في قولهم: ﴿ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوۤءٍ ﴾ وقولهم: ﴿ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴾ وأمثاله من الكذب؛ حيث ينكرون الإشراك في ألوهية الله وعبادته، كأن هذا الإنكار والكذب منهم في أول حالهم، ظنّاً منهم أن ذلك ينفعهم، فإذا لم ينفعهم إنكارهم طلبوا الرد إلى الدنيا، أو إلى حال الأمن؛ ليعملوا غير الذي عملوا؛ كقولهم: ﴿ أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ ٱلَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ ﴾ فإذا لم يردّوا وأيسوا عن ذلك؛ فعند ذلك أنطق الله جوارحهم؛ حتى تشهد عليهم بما كان منهم فعند ذلك يقرون، ويعترفون بذنوبهم؛ كقوله: ﴿ فَٱعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَلْقَوُاْ ٱلسَّلَمَ ﴾ قال بعضهم: يسلمون ويستسلمون لأمر الله، ولكن لو كان ما ذكروا لم يكونوا ينكرون عمل السوء، كقولهم: ما كنا نعمل من سوء.
وقال بعضهم: ﴿ فَأَلْقَوُاْ ٱلسَّلَمَ ﴾ : هو الاستخزاء، والخضوع والتضرع.
ويشبه أن يكون قوله: ﴿ فَأَلْقَوُاْ ٱلسَّلَمَ ﴾ عند الموت يؤمنون عند معاينة ذلك، أو سلموا عليهم في الآخرة على ما رأوا في الدنيا المؤمنين يسلم بعضهم على بعض.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوۤءٍ ﴾ في الآخرة، والله أعلم بذلك، فأكذبهم الله في قولهم: ﴿ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوۤءٍ ﴾ ؛ فقال: ﴿ بَلَىٰ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ هذا وعيد يخبر ألا يجوز كذبهم في الآخرة، ولا يحتمل كما جاز في الدنيا؛ ولم يظهر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱدْخُلُوۤاْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا ﴾ وقوله: ﴿ فَلَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَبِّرِينَ ﴾ أي: بئس مقام المتكبرين الذين تكبروا على دين الله، أو تكبروا على ما جاء به الرسل من الله، وما أنزل الله عليهم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَقِيلَ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْراً ﴾ .
قال أهل التأويل: هذا قول المؤمنين؛ مقابل قول المشركين: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَّاذَآ أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ .
ثم اختلف في قوله: ﴿ قَالُواْ خَيْراً ﴾ : قال بعضهم: قوله: ﴿ قَالُواْ خَيْراً ﴾ أي: قولهم الذي قالوا أنه أرسل بحق، وأنه كذا خير.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ قَالُواْ خَيْراً ﴾ حكاية عما أنزل على رسول الله : و ﴿ خَيْراً ﴾ : أي: أنزل عليه ربنا خيراً، أو أن يكون الناس الذين يأتون من الآفاق يسألون عن رسول الله ، فإذا سألوا للمؤمنين: ماذا أنزل ربكم؟
قالوا: خيراً، وإذا سألوا الكفرة قالوا: أساطير الأولين.
وجائز أن يكون أتباع المؤمنين سألوا كبراءهم: ماذا أنزل ربكم؟
قالوا: خيراً، مقابل ما كان من كبراء الكفرة لأتباعهم أساطير الأولين.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هٰذِهِ ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةٌ ﴾ من النصر لهم، والظفر على عدوهم.
﴿ وَلَدَارُ ٱلآخِرَةِ خَيْرٌ ﴾ لهم مما كان أعطاهم في الدنيا.
وقال بعضهم: للذين أحسنوا العمل في هذه الدنيا لهم حسنة في الآخرة، ولدار الآخرة خير [لهم مما كان أعطاهم في الدّنيا]؛ أي: الجنة خير وأفضل للمؤمنين مما أوتوا في الدنيا.
﴿ وَلَنِعْمَ دَارُ ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ : قال هذا للمؤمنين مكان ما قال للكافرين: ﴿ فَلَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَبِّرِينَ ﴾ ثم نعت الدار التي وعد المتقين؛ فقال: ﴿ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَآؤونَ ﴾ من اللذات والشهوات.
فإن قيل: أرأيت لو شاءوا أن يكون لهم درجات الأنبياء ومنازل الأبرار والصديقين؛ أيكون لهم ما شاءوا؟
قيل: لا يشاءون هذا؛ لأن مثل هذا إنما يكون في الدنيا إمّا حسداً؛ وإمّا تمنياً، فلا يكون في الجنة حسد؛ لأن الحسد هو [أن يرى] لأحد شيئاً ليس له؛ فيحسد أو يتمنى مثله، فأهل الجنة يجدون جميع ما يتمنون ويخطر ببالهم، فلا معنى لسؤالهم ربهم ما لغيرهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَذَلِكَ يَجْزِي ٱللَّهُ ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ ظاهر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ طَيِّبِينَ ﴾ .
على تأويل الحسن: تتوفاهم الملائكة وهم طيبون من بين يدي الله يوم الحساب، يقولون لهم: ﴿ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ ﴾ وقد ذكرنا: أن السلام هو تحية؛ جعل الله بين الخلق في الدنيا والآخرة؛ وقد ذكرناه في غير موضع.
وقال بعضهم: الذين تتوفاهم الملائكة بقبضهم الأرواح في الدنيا، يقبضون أرواحهم وهم طيبون.
وقال بعضهم: طيبون أحياء وأمواتاً، وهم المؤمنون الذين طابت أعمالهم في الدنيا.
يحتمل السلام وجهين: أحدهما: تحييهم الملائكة بالسلام في الجنة؛ كما يحيي أهل الإيمان في الدنيا بعضهم بعضاً.
والثاني: السلام يكون منهم أمن عن جميع الآفات والمكروهات، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمُ ٱلْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ ﴾ .
هذا الحرف يخرج على الإياس [له] من إيمانهم؛ أي: ما ينظرون لإيمانهم إلا وقت قبض أرواحهم، أو وقت نزول العذاب عليهم؛ أي: لا يؤمنون إلا في هذين الوقتين، ولا ينفعهم إيمانهم في هذين الوقتين؛ لإن إيمانهم إيمان اضطرار؛ كقوله: ﴿ فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُوۤاْ آمَنَّا بِٱللَّهِ ﴾ وكقوله: ﴿ وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ﴾ [يؤمنون] عند معاينتهم بأس الله؛ لكن لا ينفعهم إيمانهم في ذلك الوقت، يخبر أنهم ينظرون ذلك الوقت يؤيس رسوله عن إيمانهم، لما علم أنهم لا يؤمنون؛ ليرفع عنه مؤنة الدعاء إلى الإيمان والقتال معهم.
وقوله: ﴿ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ ﴾ يحتمل العذاب في الدنيا، ويحتمل عند معاينتهم العذاب في الآخرة.
وقوله : ﴿ كَذَلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ .
هذا يحتمل وجهين: أحدهما: كذلك فعل المعاندون، والمكابرون، الذين كانوا من قبل برسلهم؛ من التكذيب لهم، والعناد، وتركهم الإيمان إلى الوقت الذي ذكر، كما فعل قومك من التكذيب لك يا محمد والعناد.
ويحتمل كذلك فعل الذين من قبلهم؛ أي: هكذا أنزل العذاب بمن كان قبل قومك بتكذيبهم الرسل والعناد معهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ ﴾ بما عذبهم ﴿ وَلـٰكِن كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ حيث وضعوا أنفسهم في غير موضعها الذي وضعها الله، وحيث صرفوها عن عبادة من نفعهم، وأنعم عليهم، واستحق ذلك عليهم إلى من لا يملك نفعاً ولا ضرّاً، ولا يستحق العبادة بحال، فهم ظلموا أنفسهم؛ حيث صرفوها عن الحكمة إلى غير الحكمة لا الله؛ إذ الله وضعها؛ حيث توجب الحكمة ذلك، والظلم: هو وضع الشيء في غير موضعه، والحكمة: هي وضع الشيء في موضعه، فهم وضعوا أنفسهم في غير موضعها، فأما الله فقد وضعها في المواضع التي توجب الحكمة وضعها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمُ ٱلْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ ﴾ .
كأنه قال: ما ينتظرون للإيمان بعد الحجج السمعيات، وبعد الحجج العقليات، والحجج الحسيات إلا نزول الملائكة بالعذاب من الله [عليهم]؛ لأن رسول الله قد أقام عليهم الحجج السمعيات والعقليات والحسيات، فلم يؤمنوا به ولم يصدقوه، فيقول: إنهم ما ينتظرون إلا الحجج التي تقهرهم وتضطرهم، فعند ذلك يؤمنون؛ وهو ما ذكر من نزول العذاب بهم.
أو يقول: ما ينظرون بإيمانهم إلا الوقت الذي لا ينفعهم إيمانهم، وهو الوقت الذي تخرج أنفسهم من أيديهم؛ فأخبر إن إيمانهم لا ينفعهم في ذلك، وهو ما قال: ﴿ فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ...
﴾ الآية [غافر: 85].
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَّحْنُ وَلاۤ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كَذٰلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ ، وقال في سورة الأنعام ﴿ كَذٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِم ﴾ وقال: ﴿ قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَآ ﴾ وقال هاهنا: ﴿ فَهَلْ عَلَى ٱلرُّسُلِ إِلاَّ ٱلْبَلاغُ ٱلْمُبِينُ ﴾ .
و (هل): هو حرف استفهام في الظاهر، لكن المراد منه: ما على الرسول إلا البلاغ المبين؛ [على ما قاله أهل التأويل، ما قد كان من الله من البيان أن ليس على الرسل إلا البلاغ المبين].
وكذلك قوله: ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمُ ٱلْمَلائِكَةُ ﴾ أي: ما ينظرون إلا أن تأتيهم كذا.
وكذلك قوله: ﴿ أَمْ لِلإِنسَانِ مَا تَمَنَّىٰ ﴾ (أم): هو حرف شك، ومراده: [ما] للإنسان ما تمنى، وأمثاله لما سبق من الله ما يبين لهم أن ليس للإنسان ما تمنى، وقد ذكر [تأويل] قوله: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ ﴾ في سورة الأنعام.
ويحتمل قولهم هذا وجوهاً: أحدها: قالوا ذلك على الاستهزاء [به]؛ كقوله: ﴿ وَيَقُولُ ٱلإِنسَانُ أَءِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً ﴾ .
والثاني: قولهم: ﴿ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ ﴾ أي: لو أمر الله أن نعبده ولا نعبد غيره لفعلنا؛ كقوله: ﴿ وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا ...
﴾ الآية [الأعراف: 28].
والثالث: قالوا: لو لم يرض الله منا ذلك ما تركنا فعلنا ذلك؛ ولكن أهلكنا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً ﴾ .
يخبر رسوله أنك لست بأول [رسول] مبعوث إلى أمتك؛ ولكن قد بعث إلى كل أمّة رسولٌ، وهو كقوله: ﴿ وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ ﴾ يصبّره على ما يصيبه منهم من المكروه والأذى؛ أي: لست أنت بأول من يصيبه ذلك، بل كان لك قبلك [إخوان] أصابهم من أممهم ما يصيبك من أمتك.
وقوله: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ ﴾ .
هو على الإضمار؛ كأنه قال: ولقد بعثنا في كل أمة رسولا وقلنا لهم: قولوا: ﴿ أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ...
﴾ الآية، ﴿ أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجْتَنِبُواْ ٱلْطَّاغُوتَ ﴾ على ذلك كان بعث الرسل جميعاً إلى قومهم بالدعاء إلى توحيد الله؛ وجعل العبادة له، والنهي عن عبادة الأوثان دونه؛ كقوله: ﴿ قَالَ يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ ﴾ .
ويكون قوله: ﴿ وَٱجْتَنِبُواْ ٱلْطَّاغُوتَ ﴾ : [كقوله:] ﴿ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ ﴾ \[المؤمنون: 23\] هما واحد.
والطاغوت: قال بعضهم: كل من عبد دون الله فهو طاغوت.
وقال الحسن: الطاغوت هو الشيطان، أضيف العبادة إليه بقوله: ﴿ لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَانَ ﴾ لأن من يعبد دونه يعبد بأمره، فأضيف لذلك إليه، وقد ذكرنا هذا أيضاً فيما تقدم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى ٱللَّهُ وَمِنْهُمْ مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ ٱلضَّلالَةُ ﴾ .
هذا يدل أنه لم يرد بالهدى البيان؛ على ما قاله بعض الناس؛ إذ قد سبق منه البيان لكل واحد، وما ذكر أيضاً: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ ٱلضَّلالَةُ ﴾ وهذا يرد على المعتزلة قولهم؛ حيث قالوا: الهدى: البيان من الله، لكن الهدى منه في هذا الموضع ليس هو البيان، هو ما يكرم الله به عبده؛ ويوفقه لدينه.
وقوله: ﴿ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى ٱللَّهُ ﴾ لاختياره الهدى ﴿ وَمِنْهُمْ مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ ٱلضَّلالَةُ ﴾ أي: لزمت للزومه الضلالة واختياره إياه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ...
﴾ الآية.
قال الحسن: قوله: ﴿ فَسِيرُواْ ﴾ ليس على الأمر؛ ولكن كأنه قال: لو سرتم في الأرض لرأيتم كيف كان عاقبة المكذبين؛ بالتكذيب.
وقال بعضهم: سيروا؛ كأنه على الحجاج عليهم أن سيروا في الأرض؛ فإنكم ترون آثار من [كان] قبلكم الذين أهلكوا بالتكذيب، كان النبي يخبرهم من أنباء الأمم الخالية؛ وما نزل بهم، فينكرون ذلك، فقال عند ذلك: فسيروا في الأرض فانظروا إلى آثار من كان قبلكم.
ويشبه أن يكون ليس على السير نفسه؛ ولكن على التأمل والنظر في آثار أولئك وأمورهم أنه بم نزل بهم ما نزل، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِن تَحْرِصْ عَلَىٰ هُدَاهُمْ ﴾ .
قال أبو بكر الأصم: [قوله: ﴿ إِن تَحْرِصْ عَلَىٰ هُدَاهُمْ ﴾ :] كان يحب ويحرص على هدى قراباته؛ كقوله: ﴿ إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ﴾ فقال: ﴿ فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي مَن يُضِلُّ ﴾ ؛ أي: لا يهديهم بضلالهم وقت ضلالهم أو لا يهديهم وقت اختيارهم الضلال، أو لا يهدي من علم أنه يختار الضلال [ويهلك على الضلال]، أو لا ينجي من يهلك على الضلال.
وفيه لغات ثلاث: (فإن الله لا يُهْدَى من يُضِل) أي: لا يُهْدَى من أضله الله؛ أي: إذا أضله الله فليس أحد يهديه، و (لا يهدي من يَضِلُّ)؛ ما ذكرنا، ولا (يَهِدِّي من يُضِلُّ)؛ أي: لا يهتدي من أضله الله، والله أعلم بذلك.
أو لا يهتدي في الآخرة طريق الجنة مَنْ أضله الله في الدنيا لاختياره الضلال، وهو كقوله: ﴿ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ ﴾ ﴿ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ وقت اختيارهم الكفر والظلم، أو لا يهدي من علم منه أن يختار الضلال والظلم، أو لا يهدي من يلزم الضلال وقت لزومه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ ﴾ .
ظاهر تأويله.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ ﴾ .
فإن قيل: لنا: ما الحكمة والفائدة في ذكر قسمهم الذي أقسموا في القرآن؛ وجعل ذلك آية تتلى؟
وذلك القسم الذي أقسموا كان بحضرة النبي وأصحابه، وهم علموا ذلك ليس كالأنباء والقصص التي كانت من قبل، إذ كان ذلك شيئاً غاب عنه لم يشهدها؛ فأخبرهم على ما كان، ففي ذلك إثبات رسالته ونبوّته؟
فالحكمة والفائدة من ذكرها في القرآن؛ وجعلها آيات تتلى؛ ليعلم أنه إنما عرف ذلك بالله .
وأمّا القسم الذي أقسموا ليس فيه ما ذكرنا من إثبات الرسالة؛ وهم قد علموا ذلك؛ فما الفائدة في ذكره؟
قيل: يشبه أن يكون ذكره لنا - عز وجل - لنعلم نحن عظيم سفه أولئك؛ وقلة عقولهم، وحلم الرسول واحتمال ما احتمل منهم من الأذى والمكروه؛ لنعلم نحن أن كيف يعامل السفهاء؛ وأهل الفساد؛ والعصاة من الناس؛ على ما عامل رسل الله أقوامهم؛ مع عظيم سفههم وقلة عقلهم، فذلك فائدة ذكر قسمهم في القرآن قد تكلف أولئك الكفرة الكبراء منهم في تلبيس [الآيات والحجج] التي أتت بها الرسل: مرة بالقسم الذي ذكر؛ حيث أقسموا بالله جهد أيمانهم أنه لا يبعثون، ومرة بالنسبة إلى السحر، ومرة بالافتراء، ومرة بالنسبة إلى الجنون، وفي الإنباء بأنه إنما يعلمه بشر منا، يريدون بذلك التلبيس على الأتباع.
ثم البعث واجب بالعقل، والحكمة، وأخبار الرسل؛ إذ ليس خبر أصدق من أخبار الرسل وآثارهم، وهم ممن يقبلون الأخبار، فأخبار الرسل أولى بالقبول والتصديق من غيرهم؛ لأن معهم آيات صدقهم ودلالات تحقيقهم.
وأما العقل فهو أن كون هذا العالم وإنشاءه للفناء خاصة خارج عن الحكمة، إذ كل عمل لا يكون له عاقبة [حميدة] عبث، وهو كما قال: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً...
﴾ الآية [المؤمنون: 115] أخبر أنه إذا لم يكن رجوع إليه يكون خلقه إياهم عبثاً.
وأما الحكمة فهي أن الانتقام لأوليائه من الظلمة واجب لظلمهم، والإحسان لأهل الإحسان، فلو لم يكن بعث والحياة بعد الموت؛ لينتقم من الظالم لظلمه، ويجزي المحسن لإحسانه يذهب فائدة الترغيب على الطاعة والإحسان، ووعيد الظالم بالانتقام، فالبعث واجب؛ للوجوه التي ذكرنا، والتفريق بين الأولياء والأعداء؛ وقد جمعهم في هذه الدنيا، وفي الحكمة التفريق بينهما.
وقوله: ﴿ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ ﴾ .
ذكر أن مشركي العرب كانوا [لا] يقسمون بالله إلا فيما يعظم من الأمر، ويشتد عليهم؛ تعظيماً له وإجلالا؛ إنما كانوا يقسمون بالأصنام والأوثان التي عبدوها، فإذا حلفوا بالله فذلك جهد إيمانهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلَىٰ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً ﴾ .
قوله: ﴿ بَلَىٰ ﴾ ردّ على قولهم: ﴿ لاَ يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ ﴾ \[فقال\]: بلى يبعث.
وقوله: ﴿ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً ﴾ .
يحتمل ﴿ وَعْداً ﴾ : أي: وعد أنه يبعثهم، فحق عليه أن ينجز ما وعد، أو حقّاً عليه أن يعد البعث والإنجاز له، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلْنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ .
وهذا يحتمل وجهين: أحدهما: أنه نفى عنهم العلم لما لم ينتفعوا بعلمهم، فهو كما نفى عنهم السمع والبصر وغيرهما من الحواس؛ لما لم ينتفعوا بها انتفاع ما لذلك كان خلقها، فنفى ذلك عنهم.
والثاني: نفى عنهم ذلك على حقيقة النفي؛ لأنهم لم ينظروا؛ ولم يتأملوا في الآيات والأسباب التي [بها] جعل لهم الوصول إلى العلم، فلم يعلموا، ثم لم يعذرهم بجهلهم ذلك؛ لما جعل لهم سبيل الوصول إلى علم ذلك بالنظر والتأمل في الآيات والحجج، لكنهم شغلوا أنفسهم في غيرها، ولم ينظروا في الأسباب التي جعلها لهم سبيل الوصول إليه، فهذا يدل أن من جهل أمر الله ونهيه يكون مؤاخذاً به؛ بعد أن جعل له سبيل الوصول إليه بالدلائل والإشارات، فلا يخرج مؤاخذته إياه؛ وعقوبته بترك أمره عن الحكمة، وأما في الشاهد من أمر عبده شيئاً؛ ولم يعلمه ما أمره، ثم عاقبه بذلك؛ فهو خارج عن الحكمة؛ إذ لا سبيل [إلى] الوصول بما أمر به إلا بالتصريح، ولم يكن منه تصريح إعلام، لذلك كان ما ذكر؛ ألا ترى أنه أوعد لهم [الوعيد] الشديد في الآخرة بقوله: ﴿ لِيُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَاذِبِينَ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ أي: ليعلم أتباعهم أن الرؤساء كانوا كاذبين، وإلا كان الرؤساء منهم كانوا كاذبين عند أنفسهم.
أو أن يكون قال ذلك لما ادعى أولئك الكفرة أن الآخرة لهم؛ كقوله: ﴿ وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّيۤ إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ...
﴾ الآية [فصلت: 50] فقال جواباً له: ليعلم الذين كفروا منهم أنهم كانوا كاذبين؛ لا دعائهم الآخرة لأنفسهم.
ثم قوله: ﴿ لِيُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ﴾ .
قال بعضهم: إنما اختلفوا في البعث: منهم من صدقه، ومنهم من كذبه يقول: يبين لهم ذلك.
ويحتمل قوله: ﴿ ٱلَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ﴾ أي: في الدين والمذهب؛ لأنهم اختلفوا في الدين والمذهب، وكل من ادعى ديناً ومذهباً؛ حتى دعى غيره إلى دينه ومذهبه يتبين لهم المحق منهم من غيره؛ والصادق منهم من الكاذب.
وقوله: ﴿ وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَاذِبِينَ ﴾ .
يحتمل كفرهم بالبعث؛ وإنكارهم إياه، أو كفروا برسول الله أو وحدانية الله ﴿ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَاذِبِينَ ﴾ .
في إنكار ما أنكروا، يتبين لهم ذلك في الآخرة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ .
يخبر عن سرعة نفاذ أمره، وسهولة الأمر عليه، أنه يكون أسرع من لحظة بصر ولمحة عين وفيه دلالة أن خلق الشيء ليس هو ذلك الشيء؛ لأنه عبّر بـ (كن) عن تكوينه، ويكون عن المكون، وكذا كنى عنه بالشيء؛ لقوله: ﴿ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ ﴾ فكنى عنه بوقوع القول عليه، والتكوين ثبت أن التكوين غير المكون، ثم لا يخلو من أن يكون التكوين بتكوين آخر إلى ما لا نهاية له، أو لا بتكوين، وقد بينا فسادهما جميعاً، وهما وجها الحديث، ثبت أن الله به موصوف في الأزل، وبالله التوفيق.
والثاني: من فعله كسب سمي كاسباً، ومن فعله باسم سمي به، فلو كان فعل الله كلية الخلق يسمى به، فيسمى ميتاً، متحركاً ساكناً، خبيثاً طيباً، صغيراً كبيراً، ونحو ذلك، فإذا كان يتعالى عن ذلك وقد سمي فاعلا، مميتاً محيياً، محركاً مسكناً، جامعاً مفرقاً؛ ثبت أن فعله غير مفعوله، وأنه بذاته يفعل الأشياء؛ لا بغيره، وفي ذلك لزوم الوصف له به في الأزل، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي ٱللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ ﴾ .
كان ظلمهم إياهم على وجوه: منهم من ظلم بالإخراج من الدّيار والطرد من البلد؛ كقوله: ﴿ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي ٱلدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ...
﴾ الآية [الممتحنة: 9] ومنهم من ظلم بالمنع عن الهجرة، ومنهم ظلم بالمنع عن إظهار الإسلام؛ والعمل له، وأنواع ما أوذوا وظلموا بإظهارهم الإسلام، وإجابتهم رسول الله، واتباعهم إياه.
ثم وعد لهم في الدنيا حسنة؛ فقال: ﴿ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ ﴾ : قيل: لنعطينهم، وقيل: لنرزقنهم، وهو واحد.
﴿ فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً ﴾ .
تحتمل الحسنة في الدنيا العزّ بعد الذل، والسعة بعد الضيق، والشدة والنصر والغلبة لهم بعد ما كانوا مقهورين مغلوبين في أيدي الأعداء، والذكر والشرف بعد الهوان، هذه الحسنة التي بوّأهم في الدنيا.
والمهاجرة: المقاطعة؛ كأنه قال: والذين قاطعوا أرحامهم، وأقاربهم، وأموالهم، ومكاسبهم، وديارهم، فأبدل الله لهم مكان الأرحام والأقارب أخلاء وإخواناً، ومكان أموالهم أموالا أخرى، وكذلك الدور وكل شيء تركوا هنالك؛ فأبدلهم مكان ذلك كله.
وأما قوله: ﴿ وَلأَجْرُ ٱلآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ﴾ .
يشبه أن يكون ذكر هذا عن حسد كان من الكفرة للمهاجرين؛ لما أنزلهم في المدينة، وبوأهم فيها، وأعزهم، ورفع ذكرهم، وأمرهم، ونصرهم حسدهم أهل الكفر بذلك، فعند ذلك قال: ولأجر الآخرة لهم أكبر وأعظم في الآخرة، لو كانوا يعلمون ما وعد لهم في الآخرة.
ويحتمل أيضاً قوله: ﴿ وَلأَجْرُ ٱلآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ﴾ هؤلاء المهاجرون فيخفّ عليهم احتمال ما أوذوا وظلموا، ويهون، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ .
قال الحسن: أي: على ربهم يثقون في إنجاز ما وعد لهم في الآخرة أنه ينجز ذلك.
ويحتمل قوله: ﴿ صَبَرُواْ ﴾ على أمره، أو صبروا على الهجرة، وانقطاع ما ذهب عنهم، وفراق ما كان لهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ ﴾ .
هذا - والله أعلم - يكون على إثر أمر كان من الكفرة، نحو ما قال أهل التأويل: أنهم قالوا: ﴿ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً ﴾ ، وقالوا: ﴿ لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْنَا ٱلْمَلاَئِكَةُ ﴾ ، ونحوه؛ من كلامهم، فقال: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ ﴾ أي: [إلا بشراً، أي: لم نرسل من غير البشر، فيكون قوله: ﴿ إِلاَّ رِجَالاً ﴾ كناية عن البشر، أو أن يكون قوله: ﴿ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ ﴾ أي:] لم يبعث من النساء رسولا إنما بعث الرسل من الرجال إلى الرجال والنساء، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ .
قال بعضهم: ليس على الأمر بالسؤال، ولكن لو سألتم أهل الذكر لأخبروكم أنه لم يبعث الرسول من قبل إلا من البشر.
وقال بعضهم: هو على الأمر بالسؤال؛ أي: اسألوا أهل الذكر فتقلدوهم؛ أي: إن كان لا بد لكم من التقليد فاسألوا أهل الذكر فقلدوهم؛ ولا تقلدوا آباءكم ومن لا يعرف الكتاب، ولكن قلدوا أهل الذكر، [وقوله ﴿ فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ * بِٱلْبَيِّنَاتِ وَٱلزُّبُرِ ﴾ ].
قال بعضهم: فاسألوا أهل الذكر فقلدوهم؛ إن كنتم لا تعلمون بالبينات والحجج؛ لأنهم كانوا أهل تقليد، لم يكونوا أهل نظر وتفكر في الحجج والبينات.
ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ * بِٱلْبَيِّنَاتِ وَٱلزُّبُرِ ﴾ والحجج التي أتت بها الرسل [فيكون تأويله: أي اسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون البينات والزبر التي أتت بها الرسل ليخبروكم] أن الرسل إنما بعثوا من البشر بالبينات والكتب، فيكون على التقديم الذي ذكره بعض أهل التأويل: وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم بالبينات والزبر.
ويحتمل قوله: ﴿ فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ ﴾ أي: أهل الشرف من أهل الكتاب؛ ليبينوا لكم البينات والزبر؛ لأنهم يأنفون الكتمان والكذب، وإن كان أهل الذكر جميع أهل الكتاب، فالسؤال عن الرسل أنهم كانوا من البشر والرجال؛ لأنهم يعلمون ذلك.
وقوله: ﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ ﴾ .
قيل: أنزل إليك القرآن؛ لتبين للناس ما نزل إليهم.
يحتمل قوله: ﴿ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ﴾ من أنباء الغيب؛ وما غاب عنهم، وما لله عليهم، وما لبعضهم على بعض، ولتبين لهم جميع ما يأتون وما يتقون، وما يحل وما يحرم.
﴿ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ في ذلك.
ويحتمل قوله: ﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ ﴾ لهم ما حرفوا من كتبهم وبدلوه وغيروه، فيكون فيه آية لرسالتك، أو يكون الذي أنزل إليه كالمنزل إليهم، حيث ذكر أنه يبين ما أنزل إليه، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ أَفَأَمِنَ ٱلَّذِينَ مَكَرُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ ﴾ .
قوله: ﴿ أَفَأَمِنَ ﴾ .
قد ذكرنا أنه حرف استفهام؛ إلا أنه من الله غير محتمل ذلك، وهو على الإيجاب.
ثم هو يخرج على وجهين: أحدهما: على الخبر أنهم قد أمنوا مكره.
والثاني: على النهي؛ أي: لا تأمنوا؛ كقوله: ﴿ أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ ٱللَّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْخَاسِرُونَ ﴾ .
هذا يشبه أن يكون على هذا الذي ذكرنا أنه إخبار عن أمنهم مكر الله، وعلى النهي ألا يأمنوا، ثم أخبر أنه لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون الكافرون؛ لأنهم كذبوا الرسل فيما أوعدوا لهم من العذاب، فأمنوا لذلك، أو لما لم يعرفوا الله، ولم يعرفوا حقوقه، ونعمته، ونقمته، فأمنوا لذلك وأمّا من عرف الله؛ وعرف حقه، ونعمته، وعرف نقمته؛ فإنه لا يأمن مكره، والله أعلم.
ثم قوله: ﴿ مَكَرُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ ﴾ .
قال بعضهم: مكرهم السيئات: هو ما مكروا برسول الله وأصحابه ما لو أصابهم ذلك لساءهم، وما ظاهروا عليهم عدوهم.
وقال بعضهم: مكرهم السيئات: هو أعمالهم التي عملوها، وكل ذلك قد كان منهم، كانوا مكروا برسول الله وأصحابه، وكانوا ظاهروا عليهم عدوهم، وقد عملوا أعمالهم الخبيثة السيئة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَن يَخْسِفَ ٱللَّهُ بِهِمُ ٱلأَرْضَ ﴾ .
أي: أمنوا حين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض، أو يأخذهم العذاب من حيث لا يشعرون في الحال التي لا يكون لهم أمن ولا خوف.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ ﴾ .
قيل: في أسفارهم وفي تجاراتهم؛ لأن الناس إنما يسافرون ويتجرون في البلدان في حال أمنهم.
﴿ أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَىٰ تَخَوُّفٍ ﴾ .
قال بعضهم: على تقريع، وقال: على تنقيص من الأموال وغيره؛ كقوله: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ...
﴾ الآية [البقرة: 155] وقال بعضهم: ﴿ أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَىٰ تَخَوُّفٍ ﴾ أي: يأخذ قرية فقرية؛ وبلدة فبلدة، حتى يأتي قريباً منهم، ثم يأخذهم، كلما أخذ قرية كان لهم من ذلك خوف، فذلك أخذ بتخوف، وهو ما قال: ﴿ وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِّن دَارِهِمْ...
﴾ الآية [الرعد: 31] وعد الله حلوله قريباً من دارهم، كان يخوفهم حتى نزل بساحتهم، فذلك أخذ بالتخوف، يخبر أن عذابه لا يؤمن حلوله.
وأخذه إياهم في كل حال؛ في الحال التي ليس لهم أمن ولا خوف؛ أي: لم يغلب هذا على هذا، وفي الحال التي يكونون آمنين في تقلبهم وحوائجهم، وفي الحال التي يكونون متخوفين.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ .
حيث لم يستأصلكم، ولم يأخذكم بما كان منكم من الافتراء على الله، والتكذيب لرسله، والمكابرة، والمعاندة لآياته وحججه وقتئذ، ولكن أمهلكم وأخر ذلك عنكم.
أو رءوف رحيم إذا تبتم ورجعتم عما كان منكم يرحمكم ويغفر لكم ذلك.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُاْ ظِلاَلُهُ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَٱلْشَّمَآئِلِ سُجَّداً لِلَّهِ ﴾ .
قوله: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ ﴾ .
يحتمل وجهين: أحدهما: أن قال ذلك لقوم قد تقرر عندهم وثبت أن كل شيء يسجد لله ويخضع له، فقال ذلك لهم على العتاب: إنكم قد علمتم أن كل شيء لم يركب فيه العقل، ولم يجعل فيه الفهم والسمع يخضع لله ويسبح له، فأنتم لا تخضعون له مع ما ركب فيكم العقول وجعل فيكم الأفهام وغيرها.
والثاني: على الأمر؛ أي: اعلموا أن كل شيء من خلق الله يسجد له ويخضع، وقد أقام عليهم من الحجة على ذلك ما لو تأملوا وتفكروا لعلموا أن كل ذلك يخضع ويسبح، وإلا ظاهر قوله: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُاْ ظِلاَلُهُ ﴾ أن يقولوا: لم تر أن كان الخطاب لأهل مكة على ما ذكره أهل التأويل، لكن يخرج على هذين الوجهين اللذين ذكرتهما، ويشبه أن يكون ذكر قوله: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ...
﴾ الآية لما استوحش أهل الإسلام مما عبد أولئك الكفرة الأصنام، وعظيم ما قالوا في الله ما قالوا، فقال لذلك: أولم يروا إلى كذا.
وقوله: ﴿ يَتَفَيَّؤُاْ ظِلاَلُهُ ﴾ .
قال بعضهم: يريد بالظلال شخص ذلك الشيء، والظلال كناية عن الشخص، كما يقال: رأيت ظل فلان؛ أي: شخصه.
وقال بعضهم: أراد بالظل الظلَّ نفسه، لكن خضوعه وسجوده يكون للشمس والقمر.
وعلى تأويل من يجعل الظل كناية من الشخص يجعل كل نفس تفيء خضوعاً وسجوداً.
ثم معنى سجود: هذه الأشياء الموات وخضوعهن، من نحو قوله: ﴿ يَتَفَيَّؤُاْ ظِلاَلُهُ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَٱلْشَّمَآئِلِ سُجَّداً لِلَّهِ ﴾ .
ومن نحو قوله: ﴿ يُسَبِّحْنَ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِشْرَاقِ ﴾ وقوله: ﴿ يٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَٱلطَّيْرَ ﴾ وقوله: ﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ﴾ وقوله: ﴿ تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ ﴾ وأمثاله.
يحتمل وجوهاً: أحدها: أن يجعل الله - عز وجل - بلطفه في سرية هذه الأشياء معنى تعلم السجود لله والخضوع له، وهو كما ذكر في الريح التي تجري بأمره رخاء حيث أصاب، أخبر أنها تجري بأمره، دل أنها تعلم أمر الله.
وقوله: ﴿ شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوۤاْ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ .
أخبر أنها تشهد وتنطق، ولو [لا] أنها تفهم وتعلم الخطاب؛ وإلا ما خوطبت، وإن كانت مواتاً فعلى ذلك تسبيحها وخضوعها جائز أن يكون الله يجعل في سرية هذه الأشياء ما تعرف السجود والتسبيح وتفهمه.
والثاني: يكون سجود هذه الأشياء وتسبيحها بالتسخير، جعلها مسخرات لذلك، وإن لم تعلم هي ذلك ولم تعرف، لكن جعلها بالخلقة كذلك.
والثالث: أنه جعل [خلقة] هذه الأشياء دالة وشاهدة على وحدانية الله وألوهيته، فهن مسبحات لله وساجدات وخاضعات له؛ بالخلقة التي جعلها دالة وشاهدة على وحدانية الله وألوهيته، هذا - والله أعلم - معنى سجودهن وخضوعهن، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُمْ دَاخِرُونَ ﴾ .
وقوله - صاغرون ذليلون.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ مِن دَآبَّةٍ وَٱلْمَلاۤئِكَةُ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ .
يذكر هذا - والله أعلم - أنه يسجد له أعلى الخلائق وأعلمهم وهم الملائكة، ويسجد له أشد الخلق وأصلبه وهو الجبال والسماوات والأرض، ويسجد له أيضاً ويخضع أسفه الخلق وأجهله وهو الدواب وغيرها، وأنتم أبيتم [السجود له] والخضوع، واستكبرتم عن عبادته، فهؤلاء الذين ذكرهم يسجدون، يخبر عن سفه أولئك في إبائهم السجود له والخضوع، واستكبارهم عليه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ﴾ .
قال بعضهم: خوف الملائكة والرسل خوف هيبة الله وجلاله لا خوف نزول شيء من نقمته عليهم، وخوف غيرهم من البشر خوف نزول شيء يضر بهم، وكذلك رجاؤهم وطمعهم رجاء نفع يصل إليهم، ورجاء الملائكة والرسل، وطمعهم رجاء رضاء الله عنهم لا رجاء نفع يصل إليهم.
وقال بعضهم: يخافون خوف العقوبة والانتقام؛ لأنهم ممتحنون، وكل ممتحن يخاف عذاب الله ونقمته، ألا ترى أنه كيف أوعدهم الوعيد الشديد وقال: ﴿ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّيۤ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِ...
﴾ الآية [الأنبياء: 29] وقال إبراهيم : ﴿ وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ ﴾ خاف عبادة غير الله، ومن خاف ذلك يخاف وعيده وعذابه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ﴾ .
الفوق، والتحت، والأسفل، ونحوه في الأمكنة والمجلس ليس فيه فضل عز وشرف ومرتبة؛ لما يجوز أن يكون الذي كان فوق هذا في المكان والمجلس تحته وأسفل منه؛ فلا يزداد لهذا بما صار فوقه عز وشرف ومرتبة، ولا لهذا بما كان تحته ذل، وهوان؛ لأنه لا يفهم من فوقه: فوق المكان ولا تحته؛ لأن من صعد الجبال والأمكنة المرتفعة لا يوصف بالعلو والعظمة، وإذا قيل: فلان أمير على العراق أو على خراسان كان في ذلك تعظيم؛ لأنه ذكر بالقدرة والسلطان ونفاذ أمره ومشيئته وقدرته وسلطانه فيهم، أو اطلاعه على جميع ما يسرّون [ويضمرون، ويعلنون] ويظهرون، وعلمه على جميع أفعالهم على هذا يجوز أن يتناول الفوق، والله أعلم.
قوله - عز وجل -: ﴿ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ .
وصفهم الله - عز وجل - بفضل خضوعهم له وطاعتهم إياه، وهو ما قال: ﴿ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ ﴾ وهو ما قال: ﴿ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ ، ومثله.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ ٱللَّهُ لاَ تَتَّخِذُواْ إِلـٰهَيْنِ ٱثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلـٰهٌ وَاحِدٌ ﴾ .
لا نعلم الخطاب بهذا أنه [لمن كان] الخطاب بهذا ألأهل مكة؛ فهم [قد] اتخذوا آلهة بقولهم: ﴿ أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً...
﴾ الآية [ص: 5] إلا أن يخاطب به الثنوية والزنادقة، فإنهم يقولون باثنين، ويشبه أن يكون أهل مكة وإن اتخذوا آلهة فإنهم في الحقيقة عباد إلهين؛ لأنهم إنما كانوا يعبدون تلك الأصنام بأمر الشيطان وطاعتهم إياه، فنسب العبادة إليه؛ لما بأمره يعبدون هذه الأصنام والله أعلم؛ ألا ترى أن إبراهيم قال لأبيه: ﴿ يٰأَبَتِ لاَ تَعْبُدِ ٱلشَّيْطَانَ ﴾ وإن كان في الظاهر لا يعبد الشيطان، لكن لما بأمره يعبد الأصنام أضاف العبادة إليه، أو أن يكون المراد من ذكر اثنين: إنما هو على الزيادة على الواحد، كأنه قال: لا تتخذوا ولا تعبدوا أكثر من إله واحد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإيَّايَ فَٱرْهَبُونِ ﴾ .
لا تخافون الأصنام التي تعبدونها؛ فإنكم إن تركتم عبادتها لا تضركم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَهُ مَا فِي ٱلْسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ .
أي: وله يخضع ما في السماوات والأرض وأنتم لا تخضعون، أو ما في السماوات والأرض كلهم عبيده وإماؤه؛ فكيف أشركتم عبيده في ألوهية الله وربوبيته؟
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِباً ﴾ .
قال بعضهم: دائماً؛ لأن غيره من الأديان كلها يبطل ويضمحل، ويبقى دينه في الدارين جميعاً.
وقال بعضهم: ﴿ وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِباً ﴾ أي: مخلصاً، من الوصب [والنصب] والتعب، وتأويله - والله أعلم -: أي: وله دين لا يوصل إليه إلا بتعب وجهد؛ فاجتهدوا واتعبوا؛ لتخلصوا له الدين؛ هذا معنى قوله: (مخلصا).
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَتَّقُونَ ﴾ .
أي: أمخالفة غير الله تتقون؛ أي: لا تخافوا ولكن اتقوا مخالفة [الله لا تتقوا مخالفة] غيره.
أو يقول: لا تخافوا غير الله ولا تتقوا سواه، ولكن اتقوا الله واتقوا نقمته.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ ﴾ .
أي: تتضرعون؛ يخبر عن سفههم وقلة عقلهم أنهم يعلمون أن له ما في السماوات والأرض، وأن كل ذلك ملكه، وأن ما لهم من النعمة منه، وأن ما يحل بهم من البلاء والشدة هو الكاشف لهم والدافع عنهم، ثم يكفرونه ويصرفون شكرها منه إلى غيره في حال الرخاء والسعة، ويؤمنون به في حال الشدة والبلاء؛ فيقول: أنا المنعم عليكم تلك النعم، وأنا المالك للكشف عنكم لا الأصنام التي عبدتموها، فكيف كفرتم بي في وقت الرخاء والسّعة وآمنتم بي في وقت الضيق والبلاء؟!
كانوا يخلصون له الدين في وقت ويشركون غيره في وقت، فيقول: أديموا لي الدين بقوله: ﴿ وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِباً ﴾ ولا تتركوا الإيمان بي في وقت وتؤمنوا بي في وقت، وكذلك كان عادتهم: كانوا يكفرون بربهم في حال الرخاء والسعة، ويؤمنون به في حال البلاء والشدة؛ كقوله: ﴿ فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ...
﴾ الآية.
ويحتمل أن يكون فرض الجهاد على المسلمين والقتال معهم لهذا المعنى؛ لأن من عادتهم الإيمان في وقت البلاء والشدة والخوف، ففرض عليهم القتال معهم؛ ليضطروا إلى الإيمان فيؤمنوا ويديموا الإيمان، ومنذ فرض القتال معهم كثر أهل الإسلام فدخلوا فيه فوجاً فوجاً، وكان قبل ذلك يُدخَل فيه واحداً واحداً.
وفيه دلالة إثبات رسالة محمد [حيث] قال: ﴿ وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ ﴾ فإنما أخبر عما عرفوا وتقرر عندهم أن كل ذلك من عند الله؛ ليعلموا أنه إنما عرف ذلك بالله .
وقوله - عز وجل -: ﴿ لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ ﴾ .
هذا يحتمل وجهين: أحدهما: أن يجعلوا ما آتاهم الله وأنعم عليهم سبب كفرهم بالله.
والثاني: يكفرون بنعم الله - - بعبادتهم الأصنام، وصرفهم الشكر عنه.
ويشبه أن يكون إخباره عن سفههم من وجه آخر؛ وهو أنهم لم يروا في البشر أحداً يطاع ويخضع إلا أحد رجلين: دافع بلاء عنه، أو جارّ نفع إليه، فالأصنام التي عبدوها ليس منها دفع بلاء ولا جرّ منفعة، فلماذا يعبدونها؟
وقال أبو بكر: ﴿ لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ ﴾ : [أي] بالقرآن.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ .
هذا وعيد من الله لهم، يقول: فسوف تعلمون ما ينزل بكم من كفران نعمة وصرف الشكر عنه أنه مهلكهم ومنزل بهم عذابه.
وفي قوله: ﴿ وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ ﴾ .
أي: تتضرعون، موعظة للمؤمنين أيضاً؛ لأنهم يجعلون يتضرعون إلى الله إذا أصابهم الضر والبلاء، وإذا انكشف ذلك عنهم تركوا ذلك التضرع ونسوا ربهم؛ فيعظهم لئلا يصنعوا مثل صنيع أولئك، يقول والله أعلم؛ أي: تعلمون أن ما بكم من نعمة فمن الله؛ فكيف تصرفون شكرها إلى غيره في حال؟!.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَجْعَلُونَ ﴾ أي: يقولون ﴿ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِّمّا رَزَقْنَاهُمْ ﴾ .
[قال بعضهم: يجعلون للأصنام والأوثان التي يعبدونها نصيباً مما رزقناهم] من الأنعام والحرث وغيره الذي جعل الله لهم.
ولا يعلمون لهم نصيباً في ذلك؛ وهو كقوله: ﴿ وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلأَنْعَٰمِ نَصِيباً فَقَالُواْ هَـٰذَا للَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَـٰذَا لِشُرَكَآئِنَا ﴾ حرموا على أنفسهم ما جعل الله لهم وجعلوه لآلهتهم.
ويحتمل قوله: ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ نَصِيباً ﴾ وهو الشيطان؛ أي: ما يجعلون للأوثان، فذلك للشيطان في الحقيقة، لأنه هو الذي أمرهم بذلك، وهو الذي دعاهم إلى ذلك، وهو كقوله: ﴿ يٰأَبَتِ لاَ تَعْبُدِ ٱلشَّيْطَانَ ﴾ ولا أحد يقصد قصد عبادة الشيطان، لكنهم إذا عبدوا الأوثان فكأن قد عبدوا الشيطان؛ لأنه هو أمرهم بذلك، وهو دعاهم إلى ذلك، فعلى ذلك ما يجعلون للأوثان ذلك للشيطان لما ذكرنا، لكن لا يعلمون أن ذلك له نصيب.
ويحتمل قوله: ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ نَصِيباً ﴾ أي: يعلمون أن ليس لها نصيب في ذلك، ولكن يجعلون ذلك لها على علم منهم أن لا نصيب للأوثان في ذلك، وهو كقوله: ﴿ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ ٱللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ أي: أتنبئون الله بما يعلم أنه ليس ونحوه، أي: يعلم غير الذي تنبئون، وقد ذكرنا قوله: ﴿ وَيَجْعَلُونَ ﴾ على القول، أي: يقولون: وإلا لا يملكون جعل ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ تَٱللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ تَفْتَرُونَ ﴾ : تسميتهم الأصنام آلهة، ويحتمل افتراؤهم على الله ما قالوا: ﴿ وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا ﴾ زعموا [أن ما] فعل آباؤهم [وفعلوا هم] كان بأمر من الله ورضاه؛ حيث تركهم على ذلك، فذلك افتراؤهم.
وقوله: ﴿ تَٱللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ ﴾ .
يحتمل السؤال الجزاء؛ أي: تالله لتجزون عما كنتم تفترون، ويحتمل السؤال سؤال حجة، يسألون على ما ادعوا على الله من الأمر الحجة على ذلك، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَاتِ ﴾ .
أي: يقولون: لله البنات، يخبر عن شدة سفههم؛ حيث يأنفون ويستحيون عن البنات، ثم ينسبون ذلك إلى الله ويضيفونها إليه، يصبر رسوله على أذى الكفرة؛ حيث قالوا فيه ما قالوا: إنه ساحر، وإنه مفتر، ونحوه، على علم منهم ويقين أنه ربهم وخالقهم، فمن أنكر رسالته أولى بالصبر على قوله والحلم منه.
﴿ سُبْحَانَهُ ﴾ .
كلمة تنزيه عمّا قالوا فيه، وحرف تعجيب؛ حيث نسبوا إلى الله ما كرهوا لأنفسهم [ ﴿ وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ ﴾ : يجعلون لأنفسهم البنين ويجعلون لله ما يكرهون لأنفسهم].
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِٱلأُنْثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ .
قال بعضهم: قول العرب: قبح الله وجهك، وسوّد الله وجهك ليس على إرادة [السواد والقبح]، ولكن على إرادة ما يكرهه.
وقال الحسن: قوله: ﴿ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً ﴾ أي: متغيراً من الغم وهو كظيم: أي: حزين، وهكذا العرف في الناس أنه إذا اشتد بهم الحزن والغم، يظهر ذلك في وجوههم قبحاً وسواداً.
﴿ يَتَوَارَىٰ مِنَ ٱلْقَوْمِ مِن سُوۤءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ ﴾ .
يذكر فيه كيف يصنع به: أيمسكه على هون أي: على هوان يضر به ويسيء صحبته أم يدسّه في التراب وهو حي؛ فيقول: إن ربي اختار البنات فأبعث بها إلى ربي، فإنه أحق بها، وهي الموءودة التي قال الله: ﴿ وَإِذَا ٱلْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ ﴾ وإنما كانوا يصنعون ذلك خشية إملاق؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلاَ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾ في جعلهم لله ما كرهوا لأنفسهم، أو في قولهم: ﴿ وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا ﴾ ، أو في قولهم: ﴿ هَـٰذَا للَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَـٰذَا لِشُرَكَآئِنَا ﴾ ونحوه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ مَثَلُ ٱلسَّوْءِ ﴾ .
قال بعضهم: قوله: ﴿ مَثَلُ ٱلسَّوْءِ ﴾ أي: لهم جزاء السوء؛ وهو النار.
وقال الحسن: مثل السوء: أي: صفة السوء التي وصفوا بها ربهم أنه اختار البنات.
﴿ وَلِلَّهِ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ ﴾ .
أي: الصفة الأعلى التي ليس لها شبه؛ فإن تلك الصفة من صفته، ويشبه أن يكون قوله: ﴿ مَثَلُ ٱلسَّوْءِ ﴾ بما سمّاهم مرة موتى، ومرة فسقة، ومرة ظلمة، ومرة هم في الظلمات، وأمثاله، لهم ذلك الوصف بما أنكروا الآخرة، وذلك مما توجبه الحكمة والعقل والشريعة، فلهم ذلك الوصف والمثل السوء؛ بما أنكروا ما توجبه الحكمة والعقل والشريعة.
ويحتمل ﴿ مَثَلُ ٱلسَّوْءِ ﴾ : شبه السوء.
ويحتمل ﴿ مَثَلُ ٱلسَّوْءِ ﴾ : النعت والصفة، فإن كان هو على الشبه فهو في الدنيا؛ لما شبههم في غير [آي من القرآن] بالشجرة الخبيثة والكلمة الخبيثة، وبالرماد وبالزبد والتراب، ونحوه.
وإن كان على النعت والصفة فهو في الآخرة، وهو ما ذكر: الذي يحشرون على وجوههم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِلَّهِ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ ﴾ .
أي: لأولياء الله المثل الأعلى، وهم المؤمنون، لا أن الله وصف المؤمنين بالحياة، والنور، والعدل، وغير ذلك من الأسماء الحسنة، وذلك لله في الحقيقة، لكنه بفضله ومنه وصفهم وسماهم بذلك، فأضيف إلى الله؛ لما بفضله استوجبوا لا باستحقاق أنفسهم.
وكذلك قوله: ﴿ وَللَّهِ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا ﴾ أضيف ذلك إليه؛ لما بفضله يستوجبون تلك الأسماء التي سماهم.
ويحتمل قوله: ﴿ وَلِلَّهِ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ ﴾ : أي: لأولياء الله المثل الأعلى، كأنه قال: وللذين يؤمنون بالآخرة مثل الأعلى، مقابل ما ذكر؛ حيث قال: ﴿ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ مَثَلُ ٱلسَّوْءِ وَلِلَّهِ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴾ قال الحسن: العزيز بالغلبة منه في الأشياء كلها على ما أمره، وكل شيء دونه ذليل، الحكيم بالعدل منه في كل قضاء قضى وقد ذكرناه في غير موضع.
وقوله: ﴿ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴾ في هذا الموضع كأنه قال: وهو العزيز بنفسه لا بخلقه وأوليائه؛ كما يكون لملوك الأرض؛ يكون [عزهم بخدمهم وحشمهم]، فإذا ذهبوا أو عصوه [يصير] مقهوراً مغلوباً، فأمّا الله - وتعالى - فهو عزيز بذاته.
والحكيم: أي: إنشاؤه العصاة منهم على علم منه بذلك، لم يخرج ذلك على غير الحكمة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ ﴾ .
دل قوله: ﴿ وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلْمِهِمْ ﴾ أنَّ له أن يستأصلهم ويهلكهم بما كان منهم؛ لكنه - بفضله - تركهم إلى المدة التي ضرب لهم؛ لأنه لو لم يكن له ذلك لم يكن للوعيد الذي أوعد معنى.
وقال أبو زيد البلخي: إن الله بما أوعد من الوعيد ليس يوعد لمضرة نفسه ولا لنفع يصل إليه، ولكن يوعد بما توجبه الحكمة، فدل أن الوعيد لازم واجب.
ونحن نقول: يوعد بما توجبه الحكمة، وقد أمهلهم بعد الوعيد، فعلى ذلك يجوز أن يخرجهم من النار بعد ما أدخلهم النار؛ بما ارتكبوا من الكبائر.
ثم في قوله: ﴿ وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلْمِهِمْ...
﴾ الآية - دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأنهم يقولون: ليس لله أن يهلك قوماً قد علم منهم الإيمان في وقت، أو يكون في أصلابهم من يؤمن؛ إذ قد كان ممن أوعد ذلك الوعيد من بعضهم الإيمان أو في أصلابهم من قد كان آمن، فدل الوعيد لهم أنه قد يهلك من يعلم أنه يؤمن في آخر عمره؛ إذ لا يوعد إلا بما له أن يفعل لكنه بفضله أخره إلى وقت [وفيه] دلالة أن له أن يفعل بما ليس ذلك بأصلح لهم في الدين.
ثم اختلف في قوله: ﴿ بِظُلْمِهِمْ ﴾ : قال بعضهم: هذا للكفرة خاصة.
وقال بعضهم: لهم وللمؤمنين كل مرتكب زلة؛ إذ ما من أحد ارتكب زلّة إلا وقد استوجب العقوبة بذلك والمؤاخذة به، لكنه بفضله عفا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ ﴾ .
قال بعضهم: أراد بالدابة: الدابة التي خلقها لهم، إذا أهلك الناس فقد أهلك الدواب؛ إذ خلقه إياها لهم.
وقال بعضهم: [قوله]: ما ترك [عليها من دابة]: أي: على ظهر الأرض من دابة؛ لأن الدواب إنما تتعيش بالذي [يتعيش] الناس؛ فإذا هلكوا هم هلكت الدواب أيضاً؛ لما ذهب سبب عيشها.
وجائز أن يكون أراد بالدابة البشر؛ أي: ما تركهم بظلمهم ولكن يهلكهم، وسماهم دابة لأنه إذا ذكرهم في موضع الظلم وإن كان سماهم في غير موضع بالأسماء الحسنة، وهو كما سماهم في موضع آخر دابة؛ حيث قال: ﴿ وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا ﴾ ولا شك أن البشر دخلوا في هذه التسمية، فعلى ذلك جائز دخولهم في الأخرى، وإن كان المراد مما ذكر من الدابة البشر فالأنبياء والرسل إنما يكون هلاكهم بقطع نسلهم؛ لأن الأنبياء أكثرهم ولدوا من الآباء الظلمة؛ فإذا أهلك آباؤهم لم يولد الرسل والأنبياء، فيكون هلاكهم لا بظلم هؤلاء ولكن بقطع النسل.
وإن كان المراد بتلك الدابة الدواب أنفسها فلأن الدواب إنما أنشئت للبشر ولمنافعهم، فإذا أهلكت الدواب أهلك المنشأ لهم، والله أعلم.
وفي قوله: ﴿ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ دلالة [نقض] قول المعتزلة؛ لأنهم يقولون: يجعل الله للخلق آجالا، ثم يجيء كافر فيقتله دون بلوغ الأجل الذي جعله الله؛ حيث أخبر أنهم لا يستأخرون [ساعة] - بعد الأجل المضروب لهم - ولا يستقدمون قبل ذلك، وهم يقولون: بل يستقدمه كافر فيقتله، فذلك سرف في القول.
وهذا يخرج على وجهين: أحدهما: لا يتأخر الأجل الذي جعل لهم ساعة ولا يتقدم عن ذلك.
والثاني: لا يجاب في التأخير ولا في التقديم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ ﴾ .
كانوا يجعلون لله أشياء يكرهون ذلك لأنفسهم من نحو البنات، يقولون: لله البنات؛ ويكرهون لأنفسهم البنات، ويجعلون له الشركاء من عبيده؛ وهم كانوا يكرهون لأنفسهم الشركاء من عبيدهم، وأمثاله؛ كقوله: ﴿ ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ...
﴾ الآية [الروم: 28] يخبر - عز وجل - عن سفههم وسرفهم في القول، ويخبر عن حلمه؛ حيث لم يستأصلهم ولم يهلكهم مما قالوا في الله من عظيم القول من الولد والشريك؛ لنعلم أنه لم يمهلهم لغفلة ولا سهو ولكن لحلم؛ لأن يحلم الخلق في ذات الله ولا يعجلوا بالعقوبة؛ إذ لو أراد إهلاكهم لأهلكهم ساعة قالوا ذلك؛ ولا يمهلهم يعيشون، لكن أخر ذلك ليوم، وهو ما قال: ﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَافِلاً...
﴾ الآية.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ﴾ أي: يجعلون لأولياء الله مما يكرهون لأنفسهم؛ لأنهم يقولون: إن لهم الحسنى في الآخرة؛ وهي الجنة، وإن للمؤمنين النار؛ بقوله: ﴿ وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّيۤ إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ ٱلْكَذِبَ ﴾ .
قال أبو بكر الأصم: يقولون: إنا على دين الله وعلى الحق لعبادتنا، ويقولون: إن لهم الحسنى يعنون أنهم محسنون في أعمالهم، وبما هم عليه من دين.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ أَنَّ لَهُمُ ٱلْحُسْنَىٰ ﴾ يعنون البنين، لأنهم كانوا يضيفون البنات إلى الله وينسبون البنين إلى أنفسهم، فذلك الحسنى الذي ذكروا.
وقال بعضهم: بأن لهم الحسنى: أي: الجنة؛ كقوله: ﴿ وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّيۤ إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ ...
﴾ الآية [فصلت: 50].
ثم كذبهم في قولهم فقال: ﴿ لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ ٱلْنَّارَ ﴾ ليس لهم الحسنى على ما زعموا؛ ولكن النار، وقد ذكرنا قوله: ﴿ لاَ جَرَمَ ﴾ فيما تقدم، كان أهل الكفر فرقاً، منهم من ادعى الاشتراك في نعيم الآخرة كما كان لهم اشتراك في نعيم الدنيا؛ كقوله: ﴿ أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ ﴾ ومنهم من ادعى الآخرة لأنفسهم كما كانت لهم الدنيا، فجائز أن يكون قوله: ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ ﴾ هم الذين ادعوا الحسنى - وهي الجنة - لأنفسهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنَّهُمْ مُّفْرَطُونَ ﴾ .
هو من الفرط؛ وهو: السبق والتقدم، كأن الآية في الرؤساء [منهم]، أخبر أنهم سابقون أتباعهم إلى النار، وهو كقوله: ﴿ وَقَالَتْ أُولاَهُمْ لأُخْرَاهُمْ ﴾ الأولى هم المتبوعون، وأخراهم الأتباع.
وقال بعضهم: معجلون إليها بين يدي أتباعهم.
وقال بعضهم: ﴿ مُّفْرَطُونَ ﴾ أي: متروكون، منسيون في النار.
وقال بعضهم: ﴿ مُّفْرَطُونَ ﴾ مبعدون عن رحمة الله لكن هذين ليسا بتأويل ألبتة، إذ كل من في النار [فهو] منسي، متروك فيها، مبعد عن رحمة الله.
وقال بعضهم: وأنهم مدخلون فيها.
والوجه فيه ما ذكرنا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ تَٱللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ ﴾ .
هذا لا يحتمل أن يكون هذا القسم منه ابتداء؛ [و] لكن كأنه عن إنكار كان منهم للرسالة، فعند ذلك أقسم بقوله: ﴿ تَٱللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ ﴾ وأكد بما أنكروا الرسالة بالقسم الذي ذكر، فقال: ﴿ تَٱللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ ﴾ يا محمد.
قوله: ﴿ تَٱللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ ﴾ كما أرسلناك إلى أمتك ﴿ فَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ ﴾ كما زين لأمتك فهو كان وليهم يومئذ كما هو ولى لأمتك اليوم، يصبّره.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ ﴾ يقول ليس هؤلاء بأول من زيّن لهم الشيطان أعمالهم، ولكن كان في الأمم الماضية من زين لهم الشيطان أعمالهم فيكذبون رسلهم، فلست أنت بأول مكذّب، بل كان لك شركاء في التكذيب ﴿ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ ٱلْيَوْمَ ﴾ \[قال بعضهم: هو وليهم اليوم\] في الدنيا؛ لأن الدنيا هي دار الولاية بينهم، كقوله: ﴿ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ ﴾ وقوله: ﴿ أَوْلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّاغُوتُ ﴾ ، وأمّا في الآخرة فيصيرون أعداء، كقوله: ﴿ ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ وقوله: ﴿ ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ...
﴾ الآية [العنكبوت: 25]، [وقوله: ﴿ قَالَ قرِينُهُ رَبَّنَا مَآ أَطْغَيْتُهُ ﴾ ونحوه، ولا يحتمل أن يكونوا أولياء في الآخرة ثم يلعن بعضهم بعضا] ويتبرأ بعضهم من بعض، فذلك علامة العداوة.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ ٱلْيَوْمَ ﴾ في الآخرة، أي: أولى بهم فيقرن بهم، كقوله: ﴿ وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ﴾ فهو وليهم: أي: صاحبهم، كقوله: ﴿ ٱحْشُرُواْ...
﴾ الآية، وكقوله: ﴿ قَالَ قرِينُهُ رَبَّنَا مَآ أَطْغَيْتُهُ ﴾ وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِي ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ ﴾ .
قال بعضهم: قوله: ﴿ ٱلَّذِي ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ ﴾ : الكتب التي كانت من قبلهم؛ لأنهم اختلفوا في كتبهم، فمنهم من بدّل، ومنهم من غير وحرّف، فيقول - والله أعلم -: ﴿ وَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِي ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ ﴾ أي: في كتبهم؛ لأن هذا الكتاب أنزله مصدقاً لما بين يديه من الكتاب، يبين هذا الكتاب ما اختلفوا في كتابهم، الحق من الباطل.
وقال بعضهم: ﴿ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِي ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ ﴾ أي: في الرسل والأديان وفي الكتاب المنزل عليه، اختلفوا عنه في ذلك كله، يبين لهم الحق من الباطل في جميع ما اختلفوا فيه بالكتاب الذي أنزله عليك؛ إذ فيه أنباء الأمم الماضية، وهو لم يشهدها، ولم يختلف إلى من يخبره عنها ثم أنبأهم على ما كانت، فدل أنه إنما عرف [ذلك] بالله، ومنه نزل ذلك، وفيه دلالة أن الحوادث التي علم الله أنهم يبتلون بها إلى يوم القيامة أنه جعل لهم سبيل الوصول إلى بيانها في الكتاب، إمّا بيان كناية وإما بيان تصريح، حيث قال: ﴿ وَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ...
﴾ الآية، حيث لم يدعهم في الاختلاف على غير بيان، فعلى ذلك علم أنهم يبتلون بالحوادث التي ليس لها نصوص في الكتاب لا يحتمل ألا يبين لهم ذلك ويدعهم حيارى، لكن البيان على وجهين: بيان تصريح يعقل بديهة العقل.
وبيان كناية يدرك بالنظر والتأمّل والاستدلال.
وأصله في قوله: ﴿ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِي ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ ﴾ أي: إلا لتبين لهم الحق فيما اختلفوا فيه؛ لأنهم اختلفوا في المحق في ذلك؛ لأن كل فريق منهم ادّعى أنه هو المحق، وأن الذي هو عليه الحق، وأن غيره على باطل، فأخبر أنه أنزل الكتاب عليه ليبين لهم الحق فيما اختلفوا فيه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ جعل الله رسوله وكتابه هدى ورحمة للمؤمنين؛ لأنهم آمنوا بهما، وصدقوهما، وقبلوهما، فصار ذلك [لهم] هدى ورحمة ونوراً، وأمّا من كذبهما ولم يقبلهما فهو عذاب عليهم وعمى، وهو كقوله: ﴿ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ...
﴾ الآية [التوبة: 124-125] وهو ما ذكر ﴿ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ ٱلْسَّمَآءِ مَآءً فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ ﴾ يذكر - عز وجل - قدرته وسلطانه، حيث أخبر أنه ينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض وهي ميتة، ويخرج منها نباتاً وزروعاً وأشجاراً، فمن قدر على هذا لقادر على إحياء الأنفس بعد موتها لأنه لا فرق بين الإحياءين [إحياء الأرض وإحياء الأنفس]، إذ من قدر على أحدهما قدر على الآخر ﴿ إِنَّ فِي ذٰلِكَ ﴾ فيما ذكر ﴿ لآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ﴾ قال بعضهم: لآية لقوم يسمعون المواعظ.
وقال بعضهم: لآية لقوم يسمعون الآيات والحجج، وأما من لم يسمع فلا يكون له آية، وأصله: إن في ذلك لآية لقوم ينتفعون بسماعهم، ولآية لقوم يعقلون، أي: ينتفعون بعقولهم، وأصله أن هذا كله يصير آية للمؤمنين على ما ذكر كله؛ لأنهم هم العاقلون عن الله ما أمرهم به ونهاهم عنه، وهم يسمعون آياته ومواعظه، وكله كناية عن المؤمنين، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ لَكُمْ فِي ٱلأَنْعَامِ لَعِبْرَةً ﴾ والعبرة الآية، أي: أنشأ لكم أنعاماً فيه الآية، هو صلة قوله: ﴿ وَٱللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ ٱلْسَّمَآءِ مَآءً فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ ﴾ أي: أنزل من السماء ماء، وأنشأ الأنعام لكم فيه الآية أنشأ - عز وجل - في الأنعام لبناً غذاء الأولاد، في الوقت الذي لا يحتمل الغذاء بالعلف، وجعل لأربابها الانتفاع بذلك اللبن وفي الأشياء التي لا يؤكل لحمها لم يجعل لأربابها الانتفاع بما يفضل من اللبن، ولم يجعل لها فضل لبن.
وقوله - عز وجل -: ﴿ نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهِ ﴾ ذكر بالتذكير، فظاهره أن يذكر بالتأنيث؛ لأنه إما أن يريد به الأمهات التي يدر منها اللبن أو جماعة من الذكران منها، فكيفما كان فهو يذكر بالتأنيث، لكن بعضهم يقول: ذكر باسم التذكير على إرادة الأصل الذي به كان اللبن، وهو الفحل، وهذا يدل لأبي حنيفة وأصحابه - رحمهم الله - لقولهم في لبن الفحل أنه يحرم.
وقال بعضهم: ذكر باسم التذكير على إرادة الجنس والجوهر من بين الأجناس والجواهر دون العدد والجماعة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَناً خَالِصاً سَآئِغاً لِلشَّارِبِينَ ﴾ قال ابن عباس : يعني استخراج اللبن من بين فرث ودم، وذلك أن العلف إذا وقع في الكرش [طبخه الكرش] فيجعل الفرث أسفله والدم أعلاه واللبن بين ذلك، ثم يسلط الكبد عليهم فيجري الدم في العروق، واللبن في الضرع، ويُبقي الفرث في الكرش كما هو.
وقال بعض الفلاسفة: إن العلف إذا وقع فيه يصير منه فرثاً، ثم يصير منه دماً، ثم يصير لبناً خالصاً، فهو كالنطفة التي وقعت في الرحم، تصير علقة، ثم تصير مضغة مأكولة، فعلى ذلك اللبن [الذي] ذكر والله أعلم.
ويحتمل ما قاله بعض الفلاسفة أن العلف يصير فرثاً، ثم دماً، ثم لبناً.
ويحتمل أن يكون مجرى اللبن بين ما ذكر من الفرث والدم، فأي الوجهين كان، كان فيه اللطف الذي ذكرنا.
ووجه ذكر هذا - والله أعلم - على الامتنان وكذلك ما ذكر من الثمرات والأعناب أنه بلطفه أخرج اللبن الصافي أصفى الأشياء وألطفها من بين أخبث الأشياء وأكدرها في رأي العين، فمن قدر على حفظ هذا مما ذكر بلا حجاب يدرك أو حاجز يعرف لقادر على إنشاء الأشياء من لا شيء لأن الخلائق لو اجتمعوا على أن يدركوا السبب الذي به كان حفظ هذا من هذا وامتناعه عن الخلط بالخبيث ما أدركوا ذلك، وكذلك ما يخرج من النخيل والكروم الثمرات الطيبة والأعناب الحلوة من غير أن يرى أثر ذلك فيها، ومن غير أن يدركوا السبب الذي كان به الأعناب والثمرات، دل أنه قادر على إنشاء الأشياء من لا شيء إذ هي خشبة يابسة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً ﴾ .
قال بعضهم: السكر ما يحرم منه، والرزق الحسن: ما [يحل من ثمرها.
وقال بعضهم: السكر: ما يتخذ من الشراب، والرزق الحسن: ما] يؤكل تمراً وزبيباً، ونحوه.
وقال بعضهم: السكر خمر الأعاجم، والرزق الحسن ما ينبذون ويخللون ويأكلون.
وروي في بعض الأخبار أنه حرم السكر، ولم يفسر الآية.
وفي بعض الأخبار أنه بعث معاذاً إلى اليمن، وأمره أن ينهاهم عن نبيذ السكر.
وعن عبد الله [قال]: إن أولادكم ولدوا على الفطرة فلا تسقوهم السكر، فإن الله لم يجعل في حرام شفاء.
وليس بين فقهاء الأمصار في تحريم السكر وفضيخ البسر ونقيع الزبيب إذا أسكر كثيرها ولم يطبخ - اختلاف أنها حرام، وقد ذكرنا هذا في سورة البقرة ﴿ إِنَّ فِي ذٰلِكَ ﴾ لما ذكر ﴿ لآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ﴾ : يعقلون.
وقال القتبي: الفرث ما في الكرش؛ لأن اللبن كان طعاماً، فخلص من ذلك الطعام دم، وبقي منه فرث في الكرش، وخلص من الدم لبناً سائغاً أي: سهلا في الشرب، لا يشجى به شاربه ولا يغص.
وكذلك قال أبو عوسجة: أسغته: أي: أدخلته في حلقي سهلا.
وقوله: ﴿ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً ﴾ أي: تتخذون منه ما يحرم أكله، ورزقاً حسناً: ما يحل منه، [وهو] كقوله: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ...
﴾ الآية [يونس: 59]، أو يخرج على تذكير النعم في الوقت الذي كان السكر حلالا، أي: تتخذون منه سكرا ما تشربون، ورزقاً حسناً سوى الشراب.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ أَنِ ٱتَّخِذِي مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً...
﴾ إلى آخر ما ذكر.
قال بعضهم: ﴿ وَأَوْحَىٰ ﴾ أي: قذف في قلوبها أن افعلي ما ذكر، والوحي هو القذف؛ سمي بذلك لسرعة وقوعه، ونفاذه في القلوب من غير أن يشعر الملقى فيه والمقذوف في قلبه أن أحداً فعل ذلك أو ألقاه فيه، وهو ما مكن الله للشيطان من الوسوسة في القلوب من غير أن يعلم الموسوس إليه والمقذوف في قلبه أن أحداً دعاه إلى ذلك أو زين له ذلك، وكذلك ما يلهم الملائكة بني آدم من أشياء من غير أن يعلموا أن أحداً دعا إلى ذلك أو زين ذلك له، أو ألقاه في قلوبهم فهذا كله يرد على من ينكر الشيطان والملائكة، وهم طائفة من الملحدة يقولون: إن الشهوات والأماني التي جعلت في أنفسهم هي التي تبعثهم وتهيجهم على ذلك لا الشيطان.
فيقال لهم: إن الإنسان قد يناله أشياء من غير أن كان منه تفكر في ذلك، أو أماني أو سابق تدبير، فذلك يدل على أن غيراً ألقى ذلك في قلبه وقذف، لا عمل الأماني والشهوات، وهذا أيضاً يدل على لطف الله في البشر أنه يوفقهم على الطاعات ويحثهم عليها من غير أن علموا أن لغير في ذلك صنعاً، وكذلك الخذلان في المعاصي وأنواع الأجرام التي يكتسبونها.
ثم يحتمل قوله: ﴿ وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ ﴾ أي: النحل وغيرها من البهائم - وجهين: أحدهما: يحتمل أنه أنشأ هذه البهائم على طبائع تعرف بالطبع مصالحها، ومهالكها، ومعاشها، وما به قوام أبدانها وأنفسها، وما به فسادها وصلاحها من غير أن يعلم أن أحداً يدعوهم إلى ذلك، أو يشير إليها، أو يأمر وينهى، ولكنه بالطبع يعرف ذلك ويعلم من نحو أشياء يعلمهن أشياء بالطباع من غير أن يعلم أن أحداً علمهن ذلك من نحو الوزّ يسبح في الماء بالطبع من غير أن يعلم أنها تسبح، وكذلك الطير الذي يطير في الهواء من غير أن يعلم بالطيران، فعلى ذلك يحتمل فهم هذه البهائم وعرفانها ما ذكرنا من المصالح والمهالك من غير أن يعلم أنها تعرف ذلك، والله أعلم.
والثاني: يحتمل أن يكون الله - عز وجل - جعل خلقة هذه الأشياء بالذي يقفون على المخاطبات والأمر والنهي، ويعرفون ذلك ما لا يعرف مثله البشر ألا ترى أن البشر لا يعرفون المهالك والمصالح إلا بالتعلم، والبهائم وإن صغر ذلك تعرف حتى تتوقى المهالك وترغب في المصالح، ومما يدل أن هذه الأشياء مما يفهم الأمر والنهي والمخاطبات قوله: ﴿ شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوۤاْ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ ألا ترى أنهم فهموا الخطاب حيث ردوا عليهم الجواب بقوله: ﴿ أَنطَقَنَا ﴾ فذلك ما ذكرنا، والله أعلم.
فذلك الوحي والقذف لكل البهائم لا للنحل خاصّة لما ذكرنا من معرفتها المهالك والمصالح، وما به معاشها وغذاؤها مما به فسادها وهلاكها حتى عرفت ذلك من غير أن تعلم، والبشر لا يعرفون إلا بالتعلم، فهو - والله أعلم - لوجهين: أحدهما: للمحنة أن البشر امتحنوا بالتعليم، فذلك من الله امتحان لهم، والبهائم لا محنة عليهم، [فعرفوا ذلك] على غير تعلم، أو كان ذلك للبشر بالتعلم؛ لفضل بعض على بعض في العلم بالتعليم؛ إذ البهائم يستوي صغيرها وكبيرها في معرفة ذلك، وفي بني آدم [تتفاضل وتتفاوت] بالتعلم، والله أعلم.
فإن قيل: فإذا كانت البهائم كلها مشتركة في ذلك الإلهام والوحي فما معنى تخصيص النحل بالذكر من غيرها من البهائم؟
قيل: يحتمل تخصيص النحل بالذكر - والله أعلم - لما أن هذه الأشياء غير النحل لا تعطي تلك المنافع التي جعلت فيها، ولا تبذل للبشر إلا بالرياضة [والتعلم]، والنحل تعطي ذلك لهم وتبذل من غير تعلم ولا رياضة، والله أعلم.
ثم قوله: ﴿ أَنِ ٱتَّخِذِي مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً ﴾ وقوله: ﴿ ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ ﴾ وقوله: ﴿ فَٱسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً ﴾ ونحوه، ظاهره أمر، لكن حقيقته تمكين وتسهيل، نحو قوله: سيروا في كذا، هو في الظاهر أمر، وفي الحقيقة تمكين وتيسير.
ثم في هذه الآية، وفي قوله: ﴿ يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ ﴾ وفيما سبق من الآيات، وهو قوله: ﴿ وَإِنَّ لَكُمْ فِي ٱلأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهِ ﴾ وفي قوله: ﴿ وَمِن ثَمَرَاتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً ﴾ دلالة قدرته على إنشاء الأشياء من لا شيء، ودلالة علمه وتدبيره؛ لأنه أخرج من هذه الجواهر المختلفة أشياء من غير جوهرها [وجنسها] ما لم يكن شيء مما أكل منها هذه البهائم من الجواهر التي أخرج منها، من نحو العسل الذي أخرج من الفواكه التي أكلت، واللبن من العلف الذي أكل، والعصير والسكر والأعناب من الكروم؛ إذ ليس شيء خرج منها من جنس ما أكل، ولا من جوهر ما سقى، دل أنه كان فعل عليم قادر على إنشاء الأشياء من لا شيء ولا سبب، وفيه دلالة علمه وتدبيره وحكمته؛ لأن إنشاء ذلك اللبن في البطن على غير جوهر ما تناولت، ومن خلاف لونه في تلك الظلمات دل أن علمه وتدبيره غير مقدر بعلم الخلق، وأن حكمته غير مقدرة بحكمة الخلق، وكذلك قدرته غير مقدرة بقدرة الخلق، ثم قوله: ﴿ فَٱسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ﴾ قيل: طرق ربك ذللا، وقيل: مطيعة، وقيل من الذل، أي: الرفق واللين، كقوله: ﴿ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ وقوله: ﴿ وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ ...
﴾ الآية من الذل، ومن الرفق واللين، وهذا يخرج على وجهين.
أحدهما: ذللت سبل ربها، وسهل السلوك فيها حتى تسلك كيف شاءت.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ﴾ قيل: مما يبنون، ويحتمل مما يتخذ من العريش، وهو الذي يتخذ من الخشب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ ﴾ .
قال الحسن: الشهد والعسل.
وقال بعضهم: مختلف في الطعم، وقيل: في الألوان: الأبيض، والأحمر، والأصفر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ ﴾ \[قال بعضهم: فيه شفاء للناس\] من كل داء حتى القروح، وكل شيء.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ فِيهِ شِفَآءٌ ﴾ من داء دون داء.
وقال بعضهم: ﴿ فِيهِ شِفَآءٌ ﴾ يعني: في القرآن، فيه شفاء القلوب للدين.
ويحتمل قوله: فيه شفاء للأجساد، فإن أراد هذا فهو ظاهر، لا شك أن فيه ذلك الشفاء.
ويحتمل: فيه شفاء للدين، فإن كان هذا فيكون ذلك من جهة النظر فبه يدرك ويوصل إلى ذلك الشفاء.
وقوله: ﴿ ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ ﴾ .
قال بعضهم: من نوع ما تأكل النحل.
وقال بعضهم: من جميع الثمرات التي تكون في الجبال.
عن عبد الله قال: القرآن والعسل هما الشفاءان، القرآن شفاء الدين، والعسل شفاء الأبدان.
وقال بعضهم من أهل اللغة: إن الوحي في كلام العرب على وجوه: منها: وحي النبوة، وهو إرسال الله الملائكة إلى أنبيائه ورسله، كقوله: ﴿ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ وَحْياً ﴾ ومنها: وحي الإشارة كقوله: ﴿ فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيّاً ﴾ ومنها: وحي الإلهام، وهو كقوله: ﴿ وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ ﴾ ، وقوله ﴿ بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا ﴾ ونحوه.
ومنها: وحي الأسرار، كقوله: ﴿ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ...
﴾ الآية.
وقال بعضهم: إن أصل الوحي عندنا هو أن يلقي الإنسان إلى صاحبه شيئاً للاستتار والإخفاء وقد يكون ذلك بالإيماء والخط.
وأصل الوحي ما ذكرنا أنه سمي به لسرعة وقوعه وقذفه في القلب.
وقال أبو بكر: تأويل الوحي أن يعلم الذي يوحي إليه ويرشده، وذلك من وجهين: أحدهما: أن الله أرشد كل دابة سوى الإنسان إلى مصلحتها، والهرب عن مهلكها ومتلفها بما فطرها الله عليه، كما أرشد الإنسان إلى ما يصلحه في دينه ودنياه بالتعليم، فمثل الله تعليمه كل دابة ما فيه مصلحتها ومفسدتها بما دبرها عليه، كما علم الإنسان بالقول والبيان، فقال: ﴿ وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ ﴾ أي: أرشدها ودلها بفطرتها ﴿ أَنِ ٱتَّخِذِي مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ ٱلشَّجَرِ ﴾ بيوتاً فيها ﴿ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ﴾ يعني: واتخذي مما يبني الإنسان لمسكنه.
وقال: العريش: الحيطان التي لا سماء لها، بفطرتها تتخذ خلاياها في كل ذلك لمنافع الخلق، ثم قال: ﴿ ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ ﴾ والثمرات مختلفة الطعم والمنظر والمشم: ﴿ فَٱسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً ﴾ وهو ما سبل الله لها من الرزق والمأوى ﴿ ذُلُلاً ﴾ قال: يقول: ذلك ذلل لك كل شيء قدره لرزقك ومسلكك، وذلك في طلب ما سبل لبني آدم وجعلها سبباً لمنافعهم وصغر قدرك لديهم فذلك قدرته وسلطانه على ما شاء؛ ليعلموا أن خالقهم لا يعجزه شيء، وأنه القدير على ما يعدهم من البعث والثواب والعقاب.
وقوله: ﴿ يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ ﴾ يقول: الجنس واحد، ثم هو ضروب كألوان التمر والعنب وسائر الثمار في مذاقه ومشامه ومنظره، وكله عسل فيه شفاء للناس لمنافعهم وملاذهم وفيما أراهم الله من قدرته على ما يشاء من ذلك، فيه شفاء لهم في الدين والعلم، يعلمون بما يشاهدون من تدبير الله وقدرته، على ما بينا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً ﴾ يقول: لعبرة ودليلا وبرهاناً ﴿ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ فيما يشاهدون من تدبير الله وتقديره وقدرته على ما يشاء، والله أعلم.
وقال في قوله: ﴿ وَمِن ثَمَرَاتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلأَعْنَابِ ﴾ يقول: ولكم عبرة ودليل أن النخل أجذاع خشب لا طعم فيها والكرم خشب أيضاً وما فيهما من سعف وورق لا عسل فيها ولا عنب، فأخرج الله منهما ثمرات مختلفات، فيه عسل، وفيه تمر وزبيب، وتتخذون منه ما تلذون من الشراب.
وقال: هذا قبل تحريم الخمر، والسكر: كل ما أسكرهم، وتتخذون منه أيضاً رزقاً حسناً، أي: طيباً، وهو ما تأكلون منها، سوى ما تشربون، وتكسبون بها أموالا كثيرة، منّ الله به عليهم.
وقال بعضهم: السكر: كل شيء حرمه الله من ثمارها من الشراب، الخمر من العنب، والسكر من التمر، والرزق الحسن: ما أحل من ثمرها، الزبيب، والتمر، والنبيذ، وقال السكر: ما أسكر، والرزق الحسن: [الخل] وأشباهه ﴿ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً ﴾ ودليلا وبيانا ﴿ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ ما ينبهون، فيعلمون أن الذي لم يعجز عما خلق لهم من الثمار من خشب يابس يقدر أن يحيي الموتى، ويخلق ما يشاء، وما عرفه الخلق أنه يكون من النطفة الولد، ومن الماء والأشجار الفواكه، ومن العلف اللبن، وغير ذلك من الحوادث التي تحدث من الأشياء، وتلك أسبابها ما لم يدرك كون تلك الأشياء فيها ولا يرى لا يعرف ذلك إلا بتعليم من هو عالم بذاته لأن علم ذلك لو كان لا بتعليم لو اجتهدوا كل جهدهم لم يدركوا حدوث تلك الأشياء مما ذكرنا، ولا كونها منها، دل أن الذي علمهم هو عالم بذاته؛ فإذا ثبت كونه بعالم بذاته وإن كانوا لم يشاهدوا إلا عالماً بغير، فعلى ذلك هو قادر على إنشاء الأشياء من لا شيء وإن كانوا لم يعاينوا في الشاهد شيئاً إلا من شيء، وفيه أن ما يحدث ويكون من اللبن بالعلف الذي يؤكل، أو الطعام الذي يتناول، أو الفواكه والثمار التي تخرج ليس يكون بنفس الماء، أو بنفس الطعام والعلف، ولكن باللطف من الله ؛ لأنه قد يسقي ذلك الماء الشجر والنخل في حال ثم لا يكون فيه الثمر، وكذلك الدواب تعلف في حال لا يكون ذلك منه.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً ﴾ فإن قيل لنا أي منة له علينا في ذكر خلقنا ثم توفيه إيانا ورده لنا إلى الحال التي ذكر وهو حال الجهل حتى لا نعلم شيئاً.
قيل ذكر هذا - والله أعلم - يحتمل وجوهاً: أحدها: يذكرهم أنه هو الذي خلقكم، ثم هو يتوفاكم، ثم هو يملك ردكم إلى الحال التي لا تعلمون شيئاً، وفي ملكه وسلطانه تتقلبون، فكيف عبدتم الأصنام والأوثان التي لا يملكون شيئاً من ذلك وأشركتموها في ألوهيته وعبادته، أو يذكر هذا أنه خلقكم ولم تكونوا شيئاً، ثم يتوفاكم بعد ما أحياكم، ثم يردكم إلى الحال التي لا تعقلون شيئاً بعدما جعلكم عقلاء علماء، فمن يملك هذا ويقدر على هذا، يقدر على الإحياء بعد الموت والبعث بعد الفناء.
أو يذكر هذا؛ ليعلموا أنه لم يكن المقصود بخلقهم الفناء خاصة، لكن لأمر آخر قصد بخلقهم، وهو ما ذكر فيما تقدم من أنواع النعم وتسخير ما ذكر من الأشياء لهم ليعلموا أن المقصود في خلقهم لم يكن الفناء خاصة؛ إذ لو كان الفناء خاصة لم يحتج إلى ما خلق لهم من الأغذية والنعم التي أنشأ لهم والأشياء التي سخرها لهم.
وقال أبو بكر الأصم: قوله: ﴿ وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ ﴾ وكنتم نطفاً أمواتاً فأحياكم، ثم يتوفاكم أطفالا وشيوخاً، ومنكم من يعمر إلى أرذل العمر، يقول: يرده بعد قوة وعلم وتدبير الأمور إلى الخرف والجهل بعد العلم ليبين لخلقه أن العمر والرزق ليس بهما ربي وقوي؛ لأنهما ثابتان ثم يبلى ويفنى بهما ويرجع إلى الجهل، ولكن بلطف من الله وتدبير منه، لا بالأغذية، والله أعلم.
﴿ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ ﴾ بما دبر في خلقه مما يدركون به قدرة خالقهم، وتصريفه الأمور، وبما يكونون به حكماء وعلماء أن الذي دبرها حكيم قدير على ما شاء، والحكمة فيما ذكر من تفريق الآجال ليكونوا أبداً خائفين راجين؛ لأنه لو كانت آجالهم واحدة يأمنون ويتعاطون المعاصي على أمن، لما يعلمون وقت نزول الموت بهم.
والثاني: ليعلموا أن التدبير في أنفسهم وملكهم لغيرهم لا لهم؛ لأن التدبير والأمر لو كان إليهم لكان كل منهم يختار من الحال ما هو أقوى وآكد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي ٱلْرِّزْقِ ﴾ .
قال بعض أهل التأويل: [يذكر] هذا مقابل ما أشركوا خلقه وعباده في ألوهيته [وعبادته]، يقول: فضل الله بعضكم على بعض في الرزق والأموال حتى بلغوا السادة والموالي فلا ترضون أن يكون عبيدكم ومماليككم شركاء في ملككم وأموالكم، فكيف ترضون لله أن يكون عبيده ومماليكه شركاء، إلى هذا ذهب بعض أهل التأويل.
وقال أبو بكر الأصم: قوله: ﴿ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي ٱلْرِّزْقِ ﴾ أغنى بعضكم، وأفقر بعضاً، وجعل منكم أحراراً وعبيداً ﴿ فَمَا ٱلَّذِينَ فُضِّلُواْ ﴾ بالغنى والتمليك ﴿ بِرَآدِّي رِزْقِهِمْ عَلَىٰ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ ﴾ من عبيدهم ﴿ فَهُمْ فِيهِ سَوَآءٌ ﴾ إذ يستوي المولى وعبده فيما ملكت يمينه، يقول: فليس أحد منكم يرضى أن يكون عبده بمنزلته فيما يملك سواء، فإذا رأيتم أنتم ذلك نقصا بكم لو فعلتم، فكيف زعمتم أن الله أشرك بينه وبين أحجار حتى أشركتم ما ملككم الله بينه وبين الأوثان في العبادة وفيما آتاكم من رزق، فقلتم: هذا لله، وهذا لشركائنا ﴿ أَفَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴾ يقول أنعم الله عليهم بأنفسهم وأرزاقهم وأموالهم وأولادهم، فأشركوا غير الله فيها، وجحدوا نعمة الله عليهم [بها عصوا]، وبها كفروا، ثم ألزمهم النظر في الفضل الذي ذكر أنه فضل بعضهم على بعض إلى عين الفضل الذي كان من الله، لا إلى الأسباب التي اكتسبوها، ليعلموا أنهم لم ينالوا تلك الفضائل باستحقاق منهم، ولكن إنما نالوا بفضل منه ورحمة، فيكون ذلك دليلا لهم فيما أنكروا من أفضال الله، واختصاصه بعضهم بالرسالة والنبوة، وإن كانوا جميعاً من بشر، ومن جنس واحد على ما فضل بعضهم على بعض في الرزق، والسعة، والملك، والحرية والسلطان، وإن كانوا جميعاً في الجنس واحد، فإذا لم تنكروا هذا النوع من الفضل والاختصاص لبعض على بعض، فكيف أنكرتم ذلك الفضل والاختصاص بالرسالة ممن فضله ورحمته، فلذلك قال - والله أعلم -: ﴿ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ ﴾ أخبر أنه برحمته وفضله ينال ما ينال من الرسالة وغيرها، لا بالاستحقاق والاستيجاب كان منهم، أو أن يذكر سفههم بأنهم يأنفون أن يشركوا عبيدهم ومماليكهم في ملكهم وأموالهم ولهم بهم منافع من الخدمة والإعانة في الأمور، فما بالهم يشركون أحجاراً وخشبا، لا منفعة لأحد منهما في ألوهية الله وربوبيته وفي عبادته: ﴿ أَفَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴾ على تأويل النبوة أبفضل الله وبرحمته يجحدون أنه لا يفضل بعضا على بعض بالرسالة، أو يجحدون ما آتاهم الله من النعم، فيصرفون نعمه إلى غيره، وهي الأصنام التي عبدوها، فقالوا: هذا لشركائنا، أو يصرفون شكر نعمه إلى غيره، وهي الأوثان التي عبدوها، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً ﴾ قال الحسن وغيره: الحفدة: الخدم والمماليك، فهو على التقديم، على تأويل هؤلاء، يقول: جعل لكم من أنفسكم أزواجاً وخدماً من جنسكم؛ لأنه ذكر فيما تقدم: ﴿ وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي ٱلْرِّزْقِ...
﴾ الآية، يذكرهم نعمه وفضله الذي ذكر أنه جعل لكم من جنسكم أزواجاً وخدماً تحت أيديهم، يستمتعون بالأزواج، ويستخدمون الخدم والمماليك، وهم من جنسهم وجوهرهم، يذكرهم فضله ومننه عليهم.
أو يشبه أن يكون هذا صلة قوله: ﴿ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِٱلأُنْثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً...
﴾ الآية، كانوا يأنفون عن البنات، ويدفنونهن أحياء إذا ولدن أنفا منهن، يقول - والله أعلم -: كيف تأنفون منهن وقد جعل لكم من البنات أزواجاً تستمتعون بهن حتى لا تصبروا عنهن، وكذلك جعل لكم من البنات والبنين الذين ترغب أنفسكم فيهم ما لولا البنات لم تكن لكم الأزواج التي تستمتعون بهن، ولم يكن لكم البنون الذين ترغبون فيهم، والأنصار والأعوان والخدم الذين ترغبون فيهم، يبين ويذكر تناقضهم في الأنفة منهن يأنفون منهن، ومن البنات يكون ما يرغبون فيهم؛ فهذا يدل أن النساء يصرن كالملك للأزواج، ويصرن تحت أيديهم في حق ملك الاستمتاع، كالمماليك في حق ملك الرقاب، ثم جعل - عز وجل - التناسل في الخلق على التفاريق، وتقلبهم من حال إلى حال، وتنقلهم أبداً كذلك ليكون أذكر لتدبيره، وأنظر في آياته ودلالاته، ولو شاء لأنشأ الخلق كله بمرة واحدة، وأفناهم بدفعة واحدة، وكذلك ما جعل لهم من الأرزاق وأنواع النبات، لو شاء لأخرج لهم ذلك كله بمرة واحدة في وقت واحد، لكنه أنشأ لهم بالتفاريق ليذكرهم النظر في آياته وتدبيره، ليكون ذلك لهم أدعى إلى المرغوب، وأحذر للمرهوب، وكذلك ماردد من الأنباء والقصص، والمواعيد، وذكر الجنة والنار في القرآن في غير موضع ليبعثهم ويحثهم على النظر في آياته وتدبيره، ويرغبهم في كل وقت في المرغوب، ويحذرهم عن المحذور والمرهوب، ثم قوله: ﴿ جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً ﴾ وقال في آية أخرى: ﴿ قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ ﴾ وقال: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ ﴾ ونحوه، ذكر الأنفس في [هذا] كله، ثم لم يفهم أهل الخطاب من هذا كله معنى واحداً وشيئاً واحداً، وإن كان في حق اللسان واللغة واحدا لكنهم فهموا في كل غير ما فهموا في آخر، فهذا يدل أنه لا يفهم الحكمة والمعنى في الخطاب بحق ظاهر اللسان واللغة، ولكن بدليل الحكمة المجعولة في الخطاب، ومن اعتقد في الخطاب الظاهر حسم باب طلب الحكمة [فيه] والمعنى؛ لأنه يجعل المراد منه الظاهر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً ﴾ هو ما ذكرنا، وحفدة اختلف فيه، قال بعضهم: الحفدة: الخدم والمماليك.
وقال بعضهم: الحفدة: ولد الولد.
وقال ابن مسعود : الحفدة: الأختان وروي عنه أنه قال: الحفدة: الأصهار فالأصهار والأختان عنده واحد، وقيل: الحفدة: الأعوان والأنصار [يذكرهم التناقض فيما يأنفون من البنات أن كيف يأنفون عنهن ومنهن يكون لكم الأعوان والأنصار] والأختان في أمر الدنيا.
وقال أبو عوسجة: الحفدة: بنو البنين، وقال أيضاً: الحفدة: الأعوان، والحافد: المجتهد في العبادة وفي العمل، يقول: حفد يحفد، أي: خدم واجتهد، وقوله: وإليك نسعى ونحفد، أي: نجتهد.
وقال القتبي: الحفدة: الخدم والأعوان، يقال: هم بنون وخدم.
وقال: أصل الحفد: مداركة الخطو والإسراع في المشي، وإنما يفعل ذلك الخدم، فقيل لهم: حفدة، واحدها: حافد.
وقال: ومنه يقال في دعاء الوتر: وإليك نسعى ونحفد.
وقال أبو عبيد: وأصل الحفد: العمل.
وقال: ومنه الحرف في القنوت: نحفد، أي: نعمل، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ ﴾ قال بعضهم: الطيبات: الحلالات.
وقال بعضهم: الطيبات: أي: كل ما طاب ولان ولطف، ورزق غيركم من الدواب والبهائم كل ما خشن، وخبث يذكرهم مننه عليهم ونعمه [عليهم] ليستأدي بذلك شكره.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَبِٱلْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ ﴾ قال بعضهم: أبالشيطان يصدّقون، ويجيبونه إلى ما دعاهم من الأنفة من البنات، وبنعمة الله هم يكفرون، أي: هذه البنات لكم نعمة، فكيف تكفرونها، وقال: ﴿ أَفَبِٱلْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ ﴾ أي: أبالشيطان إلى ما دعاكم وبنعمة الله أي: بمحمد يكفرون، أو بالإسلام، أو بالقرآن.
وقال أبو بكر الأصم: ﴿ أَفَبِٱلْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ ﴾ يقول: تقرون بأنكم عبيد لأحجار وتذلون لها وتعبدونها، ﴿ وَبِنِعْمَتِ ٱللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ ﴾ يقول: وبما أنعم الله عليكم في أنفسكم وما خولكم ورزقكم تكفرون به، وكان الشكر أولى بكم، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِّنَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ شَيْئاً ﴾ فائدة ذكر هذا لنا - والله أعلم - لئلا نتبع بعض المخلوقين بأهوائنا، ولا نكل في أمورنا إلى من نعلم أنه لا يملك ضرّاً ولا نفعاً، ولا يستطيع شيئاً من الرزق، كما تبع أولئك في عبادة من يعلمون أنه لا يملك شيئاً، ولا نفعاً ولا ضرّاً فيعبدونه؛ يذكر سفههم في عبادتهم من يعلمون أنه لا يملك شيئاً من النفع والضر والرزق لئلا نعمل نحن مثل صنيعهم بمن دون الله من المخلوقين.
ثم اختلف في قوله: ﴿ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِّنَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ شَيْئاً ﴾ قال الحسن: هو على التقديم، أي: يعبدون من دون الله شيئاً لا يملك لهم ما ذكر.
وقال بعضهم: يعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقاً من السماوات والأرض، ولا يستطيعون شيئاً.
وقال بعضهم: يعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقاً من السماوات والأرض ولا [يستطيعون] شيئاً.
وقال بعضهم: يعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السماوات والأرض ولا شيئاً ﴿ فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ ٱلأَمْثَالَ ﴾ أي: لا تتخذوا لله أمثالا من الخلق وأشباها في ألوهيته وعبادته، أو لا تقولوا لله إن له أشباهاً وأمثالا.
أو يقول: فلا تجعلوا لله أمثالا في العبادة له، وأشباها في تسميتها آلهة، على علم منكم أن ما يكون لكم إنما يكون بالله لا بالأصنام التي تجعلونها أمثالا لله في العبادة والألوهية.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ ٱلأَمْثَالَ ﴾ أي: فلا تضربوا لأولياء الله الأمثال، فإنه قد بين محل أوليائه ومكانهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ ﴾ أن لا مثل له من الخلق ولا شبه ﴿ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ ذلك، أو أن الله يعلم بمصالحكم، وأنتم لا تعلمون ما به صلاحكم وهلاككم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَّمْلُوكاً لاَّ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرّاً وَجَهْراً ﴾ ضرب المثل بهذا من وجهين: أحدهما: أن من لا يقدر ولا يملك أن ينفق في الشاهد عندكم ليس كمن يملك ويقدر أن ينفق، فهو كقوله: ﴿ هَلْ يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ ﴾ .
وقوله: ﴿ مَثَلُ ٱلْفَرِيقَيْنِ كَٱلأَعْمَىٰ وَٱلأَصَمِّ وَٱلْبَصِيرِ وَٱلسَّمِيعِ ﴾ أي: ليس يستوى البصير والأعمى، ولا الأصم والسميع، فعلى ذلك لا يستوي من يملك الإنفاق والإنعام على الخلق، وهو المعبود الحق، كمن لا يملك ذلك، وهو المعبود الباطل.
والثاني: ضرب مثل المؤمن والكافر، أن الكافر لا ينفق ما أنعم عليه من المال في طاعة الله [وفي خيراته]، والمؤمن ينفق جميع ما أنعم عليه [وأعطى] في طاعة الله وخيراته فليسا بسواء من أنفق في طاعة الله كمن لا ينفق شيئاً أحدهما يكون ضرب مثل الإله الحق والمعبود الحق بالمعبود الباطل، والثاني مثل المؤمن بالكافر ثم في الآية وجوه من الدلائل.
إحداها: أن القدرة لا تفارق الفعل، حيث قال: ﴿ عَبْداً مَّمْلُوكاً لاَّ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ ﴾ ثم قال: ﴿ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ ﴾ جعل مقابل الفعل القدرة، فلو كانت تفارق الفعل لكان ذكر مقابل القدرة [قدرة] مثلها، أو مقابل الفعل فعلا مثله، فلما ذكر مقابل القدرة الفعل دل أنها لا تفارق الفعل، وفيه أن العبد لا يملك حقيقة الملك، حيث ذكر عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء، وإن قدر [على] ما يملك إنما يملك بإذن من له الملك، وكذلك الخلائق كلهم لا يملكون حقيقة الإملاك، إنما حقيقة الملك في الأشياء لله وإن قدر[وا على] ما يملكون إنما يملكون بالإذن على قدر ما أذن لهم.
وفيه أن العبد لا يملك الإنفاق والتصدق، حيث قال: ﴿ عَبْداً مَّمْلُوكاً لاَّ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ ﴾ ثم قال فيمن يملك: ﴿ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ ﴾ دل أنه لا يملك العبد الإنفاق والهبة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ هَلْ يَسْتَوُونَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ قال بعضهم: ذكر الحمد لله على إثر ما ذكر؛ لأنه عرّف رسوله النعم وأنواع المنافع، ثم عرفه على إثر [ذلك] الحمد لله.
وقال بعضهم: الحمد لله ثناء، أخبر أن أكثرهم لا يعلمون حمد الله وثناءه.
وقوله: ﴿ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً ﴾ أي: من أوليائنا، أو من أولياء ديننا، وذلك جائز سائغ في اللغة، ثم قوله: ﴿ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ يحتمل نفي العلم عنهم لما لم ينتفعوا بما علموا، أو على حقيقة النفي لما لم ينظروا في الآيات والحجج، ولم يتأملوا فيها فلم يعلموا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَآ أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلاهُ...
﴾ إلى آخر الآية.
قالوا: هذا المثل كالأوّل، يحتمل الوجهين اللذين ذكرناهما في الأوّل.
أحدهما: المؤمن والكافر، شبه الكافر بالمملوك الأبكم الذي لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه، لا يأتي المولى بخير، ولا ينتفع به، وشبه المؤمن بالذي يأتي المولى بكل خير ونفع، يقول: هل استوى هذا مع هذا عندكم؟
لا يستوي، فعلى ذلك لا يستوي الكافر الذي لا يعمل شيئاً من طاعة الله، ولا يأتي بخير والمؤمن الذي يعمل كل طاعة الله، ويأتي بكل خير، ويأمر بكل عدل.
والثاني: ضرب مثل الإله المعبود الحق بالمعبود الباطل، يقول: هل يستوي من أتاكم بكل نعمة وكل خير، ويأمر بكل عدل، بمن هو أبكم لا يقدر على شيء، ولا يضرّ، ولا ينفع، ولا يجيب، وهو عيال على من يعبده ويخدمه، هل يستوى هذا مع ذلك؟
لا يستويان مثلا ألبتة غير أن المثل هاهنا ضرب بالذي لا ينفق بالحق، ولا يأمر بالعدل، ذكر مقابل الأبكم الذي يأمر بالعدل، وفي الأول ضرب مثل الذي لا يملك الإنفاق بالذي يملك الإنفاق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ أي: هو على الحق المستقيم، وهو المعبود بالحق.
قال أبو عوسجة الكل: العيال، وكذلك قال غيره من أهل الأدب.
وقال بعضهم: الكل الفقير، وهو واحد، والأبكم: الأخرس، وهو الذي لا ينطق ألبتة.
وقال: ﴿ وَمَن يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ ﴾ بالتوحيد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِلَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ هذا يحتمل وجوهاً: أحدها: ما ذكر أهل التأويل من السؤال عن الساعة وعن وقتها، كقوله: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَٰهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ لخفائها على أهلها؛ لأن كل خفي ثقيل، أخبر أنه لا يجليها إلا لوقتها، فوقت قيامها لا يعلمه غيره.
والثاني: ولله علم ما غيب أهل السماوات وأهل الأرض، أي: ما غيب بعضهم من بعض، فذلك ليس بمغيب عن الله بل ما غاب عن الخلق وما ظهر لهم، فذلك لله كله ظاهر بمحل واحد، وهو كقوله: ﴿ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ﴾ .
والثالث: قوله: ﴿ وَلِلَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ أي: له علم ما في سرية هذه الأشياء الظاهرة ما لا سبيل للخلق إلى علم ذلك، وإن كانوا يعلمون هذه الأجسام والأشياء الظاهرة، وتقع حواسهم عليها لا يعلمون ما في سرّيتها: من نحو الماء الذي به حياة كل شيء، ونحو النطفة التي يخلق منها الإنسان - لا يعلمون المعنى الذي به يصير إنساناً، ومن نحو السمع والبصر والعقل يعلمون ويرون ظواهر [هذه] الحواس، ولكن لا يدركون المعنى الذي به يسمع وبه يبصر وبه يعقل ويفهم.
يقول - والله أعلم -: ولله علم ما غاب عن الخلق ما في هذه الأشياء الظاهرة والأجسام المرئية.
أو يقول: ولله ملك ما غاب عن أهل السماوات والأرض، وملك ما لم يغب عنهم وظهر؛ فيكون كقوله: ﴿ وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ كأنه قال - والله أعلم - ولله العلم الذي غيب عن أهل السماوات وأهل الأرض، وهي الساعة: لم يطلع عليها غيره.
وقوله: ﴿ وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ ﴾ .
قال بعضهم قوله: ﴿ وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ ﴾ أهون على الله وأيسر من لمح البصر؛ [إذ ليس شيء أيسر وأهون على الإنسان من لمح البصر؛ لأنه يلمح البصر] ﴿ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ ﴾ .
[أي:] بل هو أقرب، أي: أيسر من لمح البصر.
وقال الحسن: إعادة الخلق على الله أيسر وأهون من لمح البصر؛ لأنه يلمح بصره فيبصر به - بلحظة - ما بين الأرض إلى السماء، وهو مسيرة خمسمائة عام.
يقول: من قدر أن ينشئ في خلق من خلائقه ما يبصره بلمحة البصر مسيرة خمسمائة عام - لقادر على إعادة الخلق وبعثهم بعد الفناء، بل هو أقرب أي: إعادته إياهم أسرع وأقرب من لمح البصر، إلى هذا يذهب الحسن.
وقال بعضهم: ﴿ وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ ﴾ أي: ما وقت قيام الساعة إلا لمح البصر، أي: ليس بين وقت قيامها وبين كونها إلا لمح البصر، بل هو أقرب من لمح البصر، لكنه مثل لمح البصر لما ليس شيء عند الناس أسرع وأهون من لمح البصر، ولما ذكرنا أنه يلمح [البصر] ولا يشعر به لسرعته ولخفته عليه؛ فذكر هذا على التمثل، ليس على إرادة حقيقة الوقت بقدر لمح البصر، ولكن على المبالغة في السرعة، وذكر أقصى ما يقع في الأوهام ويتصور؛ من نحو ما قال: ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ﴾ ، وما قال: ﴿ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ ﴾ ، ﴿ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾ ، ﴿ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً ﴾ ، وأمثاله كله يذكر على التمثيل ليس على التحقيق، أي: فمن يعمل من قليل وكثير يره، شرّاً كان أو خيراً، وكذلك ﴿ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾ و ﴿ نَقِيراً ﴾ ، أي: لا يظلمون شيئاً، وكذا ﴿ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ ﴾ ، أي: لا يملكون شيئاً؛ لأن القطمير لا يملك؛ فإنما يذكر هذا وأمثاله على التمثيل الذي ذكرنا.
أو أن يكون تأويل قوله: ﴿ وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ ﴾ ، أي: ليس ما بين الساعة وبينكم مما مضى من الوقت إلا قدر لمح البصر، أي: لم يبق من وقت قيامها ممّا مضى إلا ما ذكر من لمح البصر أو أقرب مما ذكر على الاستقصار مما بقي.
﴿ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ .
وعلى البعث والإعادة، وعلى كل شيء، لا يعجزه شيء.
وظاهر الآية ينقض على المعتزلة قولهم؛ لإنكارهم خلق أفعال العباد؛ لأنه أخبر أنه على كل شيء قدير، وعلى قولهم: هو غير قادر على العالم بشيء.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً ﴾ .
يذكر بهذا قدرته وسلطانه على ما سبق: من ذكر سرعة القيامة، والعلم بها، والحكمة التي جعل في البعث؛ فقال: ﴿ وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً ﴾ : خلق الولد في ظلمات ثلاث، وجعل غذاه بغذاء الأمهات وبقواهن، ثم تقلبه في تلك الظلمات من حال إلى حال: ما لو اجتهد الخلائق أن يعلموا اغتذاءه بغذاء الأمهات، وتقليبه من حال إلى حال، ومن جوهر إلى جوهر - ما قدروا على ذلك؛ فيدل هذا على أن من قدر على هذا، وعلم هذا في تلك الظلمات لقادر على البعث وإعادة الخلق بعد الفناء، وعلْم ما غاب عن الخلق.
ويذكرنا ابتداء أحوالنا أنه أخرجنا من بطون أمهاتنا ونحن لا نعلم شيئاً، ثم صيّرنا بحال صرنا عالمين أشياء، يذكرنا نعمه ومننه علينا في بلوغنا إلى الأحوال التي صرنا إليها بعدما كنا ما ذكر.
والثاني: يذكرنا أنكم كنتم بالحال التي ذكر؛ لنعلم أنه صيرنا في البطون بلا استعانة بأحد منا ولا عون منه إلى أحد، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ ﴾ .
فمن قدر على جعل السمع حتى يسمع الأصوات ويميز بينها، والبصر ليبصر ويميز بين ألوان الأجسام، والفؤاد ليفهم ويعقل ما له وما عليه، ما لا يدركون ماهية ما به يسمعون ويبصرون ويعقلون، وما به يميزون بين ما ذكرنا فهو قادر على إنشاء الخلق بعد الفناء والإعادة بعد الموت.
ثم ذكر على أثر قوله: ﴿ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً ﴾ : السمع والبصر والأفئدة؛ فذلك يدل على أن هذه الأشياء من أسباب العلم بالأشياء، بها يوصل إلى العلم بالأشياء؛ فمن أعطي أسباب العلم بالشيء فكأنْ قد أعطي له العلم به، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ .
هو حرف شك في الظاهر؛ ذكر - والله أعلم - لأنه لا كل الناس يشكرون نعمه، أو لكي يلزمهم الشكر.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ ٱلطَّيْرِ مُسَخَّرَٰتٍ فِي جَوِّ ٱلسَّمَآءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱللَّهُ ﴾ .
أي: من قدر على إمساك الطير، وهي أجسام كغيرها من الأجسام في الهواء بلا إعانة في الأسفل ولا تعلق بشيء من الأعلى، لقادر على إنشاء الخلق وإعادتهم بعد الفناء.
أو يقول: أو لم يروا إلى اللطف الذي جعل في الطير، والحكمة التي أنشأ فيها حتى قدرت على الاستمساك في الهواء، والطيران في الجو: ما لو اجتمع الخلائق جميعاً أن يدركوا ذلك اللطف أو تلك الحكمة - ما قدروا على إدراكه.
وفي ذلك نقض قول المعتزلة؛ لأن الطيران فعل الطير، ثم أضاف ذلك إلى الله حيث قال: ﴿ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱللَّهُ ﴾ : دلّ ذلك أن لله في ذلك صنعاً وفعلاً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لأََيٰتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ .
جميع ما ذكر يكون آية لمن آمن؛ لأنه هو المنتفع.
قال أبو عوسجة: لمح البصر: سرعة النظر، وجوّ السماء: هواؤها، ويقال: بطن السماء، ويقال: جوف السماء، ويقال: الجوّ: ما اطمأن من الأرض.
والأوّل أشبه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً ﴾ .
ظاهر هذا أنه قد جعل لنا من البيوت - أيضاً - ما ليس بسكن؛ لأنه قال: ﴿ جَعَلَ لَكُمْ مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً ﴾ ، وهو ما ذكر في قوله: ﴿ لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ ﴾ : وهو كالمساجد والرباطات وغيرها.
ويشبه أن يكون ذكر هذا؛ ليعرفوا عظيم مننه ونعمه، حيث جعل الأرض بمحل يقرّون عليها ويمكن لهم المقام بها؛ بالرواسي التي ذكر أنه أثبت فيها بعدما كانت تميد بهم ولا تقر بها، أخبر أنه [جعل] فيها رواسي أو أن يكون حرف (من) صلة، أي: جعل لكم بيوتاً تسكنون فيها.
ثم قوله: ﴿ جَعَلَ لَكُمْ مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أي: سخر لكم الأرض حتى قدرتْم على اتخاذ المساكن فيها تسكنون.
أو جعل لكم بيوتاً، أي: علمكم تسكنون فيها.
ثم قوله: ﴿ جَعَلَ لَكُمْ مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً ﴾ : أي [علمكم] ما تبنون فيها من البيوت ما لولا تعليمه إياكم ما تقدرون على بناء البيوت فيها؛ يذكر مننه عليهم، والله أعلم.
وفي هذه الآيات في قوله: ﴿ جَعَلَ لَكُمْ مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُمْ مِّن جُلُودِ ٱلأَنْعَامِ بُيُوتاً ﴾ .
ونحوه: دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأنه ذكر أنه جعل بيوتاً سكناً، والسكن فعل العباد؛ دلّ أنّ لله في فعلهم صنعاً.
﴿ وَجَعَلَ لَكُمْ مِّن جُلُودِ ٱلأَنْعَامِ بُيُوتاً ﴾ ، قال أهل التأويل: ﴿ وَجَعَلَ لَكُمْ مِّن جُلُودِ ٱلأَنْعَامِ بُيُوتاً ﴾ ، أي: من صوفها، لكنه أضافها إلى الجلود؛ لما من الجلود يخرج، ومنها يجزّ ويؤخذ، وهو ما ذكر.
﴿ وَمِنْ أَصْوَافِهَا ﴾ : وهو صوف الغنم.
﴿ وَأَوْبَارِهَا ﴾ : وهو صوف الإبل.
﴿ وَأَشْعَارِهَآ ﴾ : ما يخرج من المعز.
﴿ يَوْمَ ظَعْنِكُمْ ﴾ : قيل: ليوم سفركم وسيركم.
﴿ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ ﴾ : قال بعضهم: في المصر.
وقال بعضهم: في السفر حين النزول.
والجعل في هذا يحتمل الوجهين اللذين ذكرنا في قوله: ﴿ جَعَلَ لَكُمْ مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً ﴾ : أحدهما: على التسخير لهم، والثاني: على التعليم.
ذكر - عز وجل - في البيوت المتخذة من المدر السكني؛ حيث قال: ﴿ مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً ﴾ ، ولم يذكر في البيوت المتخذة من الجلود والأوبار والأشعار؛ فكأنه ترك ذكره في هذه، الذكر في الأول ذكر تصريح، وذكر في الثاني ذكر دلالة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَثَاثاً ﴾ قيل: الأثاث والرياش: واحد، وهو المال.
وقيل: ما يتخذ من الثياب والأمتعة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَتَاعاً إِلَىٰ حِينٍ ﴾ .
[يحتمل إلى حين] إلى وقت بِلَى ذلك الأثاث، أو إلى حين وقت فنائهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّمَّا خَلَقَ ظِلاَلاً ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ ظِلاَلاً ﴾ البيوت التي ذكر وهي تظلهم، ويحتمل الأشجار.
﴿ وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلْجِبَالِ أَكْنَاناً ﴾ .
وهي الغِيرَان والبيوت التي تتخذ في الجبال؛ تقيهم من الحرّ والبرد.
﴿ وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ ﴾ .
قيل: القميص والدروع، ثم ذكر أن ما ذكر من البيوت والأكنان والسرابيل تقيكم الحرّ، وتقيكم أيضاً بأس العدو.
﴿ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ ﴾ .
[على] ما ذكر من أنواع النعم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ ﴾ .
ذكر أنها تقي من الحر، وهي تقي الحرّ والبرد جميعاً؛ فكان في ذكر أحدهما ذكر الآخر ذكر كفاية.
وقوله: ﴿ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ ﴾ .
أي: كذلك يتم [ذكر] نعمته عليكم؛ ليلزمهم الإسلام أو حجته، ثم يحتمل النعمة على ما تقدم ذكره، ويحتمل: الرسول.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ ﴾ .
جميع ما ذكر من النعم والآيات في هذه السّورة من أوّلها إلى آخرها؛ إنما ذكر لهذا الحرف، وهو قوله: ﴿ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ ﴾ .
وما ذكر ﴿ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ و ﴿ لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ : يحتمل أن يكون هذه الأحرف كلها واحداً، ويحتمل أن يكون لكل حرف من ذلك معنى غير الآخر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ ﴾ .
عن الإجابة لك وعما تدعوهم إليه.
﴿ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ ﴾ .
أي: ليس عليك إجابتهم، إنما عليك التبليغ إليهم والبيان لهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا ﴾ .
يحتمل النعمة - هاهنا - محمداً كانوا يعرفونه [لكنهم أنكروه؛ كقوله]: ﴿ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ﴾ ، وما ذكر: ﴿ يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ ﴾ .
ويحتمل: ﴿ نِعْمَتَ ٱللَّهِ ﴾ : يعرفون نعمة الله، وهو ما ذكر عرفوها أنها من الله ﴿ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا ﴾ ؛ بعبادتهم الأصنام، وصرفهم شكرها إلى غيره، كقوله: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ﴾ ، مع ما يعرفون: أن الله هو خالقهم، وأن ما لهم كله من عند الله يعبدون الأصنام؛ فتكون عبادتهم دون الله كفران نعمة الله.
وقال أبو عوسجة: ﴿ يَوْمَ ظَعْنِكُمْ ﴾ : يوم سيركم؛ ظعن يظعن: سار، والسراويل: القميص.
يقول: ﴿ تَقِيكُمُ ﴾ ، أي: تستركم.
وقال القتبي: ﴿ ظِلاَلاً ﴾ ، أي: ظلال الشجر والجبال.
وقوله: ﴿ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ ﴾ .
هذا - والله أعلم - في قوم علم الله أنهم يؤمنون بما ذكر لهم من أنواع النعم والأفضال؛ ليعلم أن الإسلام من أعظم نعم الله، لا يناله أحد إلا بنعمته.
وقال بعض أهل التأويل: سميت سورة (النحل) سورة النعم؛ لما فيها من ذكر النعم وأنواع منافع الخلق من أولها إلى آخرها.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً ﴾ .
قال بعضهم: شهيدها: أن يشهد عليهم من نحو ما ذكر من شهادة جوارحهم عليهم، وهو قوله: ﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ...
﴾ الآية [النور: 24]، وقوله: ﴿ شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم...
﴾ الآية: [فصلت: 20]، وقوله: ﴿ يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا ﴾ ، ونحو ذلك من الآيات التي فيها ذكر الشهادة عليهم؛ عند إنكارهم أعمالهم التي عملوها.
وقال بعضهم: شهيدها: رسولها الذي بعث إليهم يشهد عليهم أنه قد بلغ إليهم رسالات ربهم، وهو كقوله: ﴿ وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ ﴾ ، والنذير: هو الرسول المبعوث إليهم، وهو ما ذكر - أيضاً -: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ ﴾ ، وكقوله: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ﴾ وقال: ﴿ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَىٰ هَـٰؤُلآءِ ﴾ .
أخبر أنه يجيء بمحمد شهيداً على أولئك: أن الرسل قد بلغوا الرسالة إليهم، وهو ما ذكر: ﴿ فَلَنَسْأَلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴾ ، وقوله: ﴿ يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ...
﴾ الآية [المائدة: 109]، وقوله: ﴿ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ ﴾ : يسأل الرسل عن تبليغ الرسالة إلى قومهم، ويسأل قومهم عما أجابوا الرسل.
إلى هذا يذهب بعض أهل التأويل، والله أعلم.
جميع ما ذكر في القرآن من مجيئه وإنبائه ونحوه جائز أن يكون ذلك البعث تفسير ذلك كله.
قوله: ﴿ وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ ﴾ : كذا من ذلك، وقوله: ﴿ وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ ﴾ ، و ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ ﴾ ، وقوله: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ ﴾ فهو البعث، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ .
قال الحسن: لا يؤذن لهم بالاعتذار؛ لأنه لا عذر لهم، وهو ما قال: ﴿ هَـٰذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ ﴾ ؛ لأنه لا عذر لهم، واعتذارهم لا ينفع لهم شيئاً؛ إذ اعتذارهم من نحو قولهم: ﴿ رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ أَضَلُّونَا ﴾ ، وقولهم: ﴿ لَوْلاَ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ ﴾ ونحو هذا مما لا ينفعهم ذلك؛ فلا يؤذن لهم بذلك.
﴿ وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ﴾ .
قال الحسن: ولا هم يقالون، وكذلك قال في قوله: ﴿ وَإِن يَسْتَعْتِبُواْ فَمَا هُم مِّنَ ٱلْمُعْتَبِينَ ﴾ ، أي: من المقالين، أي: لا يقالون مما كان منهم.
وقال بعضهم: لا يؤذن لهم ولا يمكن لهم من التوبة والرجوع عما كانوا؛ لأن ذلك الوقت ليس هو وقت التوبة والرجوع، كقوله: ﴿ فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُوۤاْ آمَنَّا بِٱللَّهِ ﴾ ، وهذه الآية، وقال: ﴿ فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ ﴾ ، ونحوه.
﴿ وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ﴾ العتاب في الخلق: هو تذكير ما كان من الفرط؛ ليرجع عما كان منه، وذلك في الآخرة لا يحتمل.
ويحتمل قوله: ﴿ ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ ، أي: لا يؤذن لهم بالكلام، كقوله: ﴿ ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ ﴾ \[المؤمنون: 108\]، أو: لا يؤذن للشفعاء أن يشفعوا للذين كفروا، ويؤذن للشفعاء أن يشفعوا للمؤمنين.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا رَأى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلْعَذَابَ ﴾ .
أي: وقعوا فيه؛ دليله ما ذكر.
﴿ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ ﴾ .
دل هذا أنه لم يرد به رؤية العذاب؛ ولكن الوقوع فيه؛ فلا يخفف عنهم؛ لأنه يدوم، ولا تخفيف مما يدوم من العذاب.
﴿ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ ﴾ .
أي: يمهلون من العذاب.
والثاني: لا يخفف عنهم عما استحقوا واستوجبوا، أو ما ذكرنا: أنه لا يكون لعذابهم انقطاع.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا رَأى ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ شُرَكَآءَهُمْ قَالُواْ رَبَّنَا هَـٰؤُلآءِ شُرَكَآؤُنَا ٱلَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوْا مِن دُونِكَ ﴾ .
قال الحسن: قوله: ﴿ شُرَكَآءَهُمْ ﴾ ، أي: قرناءهم وأولياءهم من الشياطين، كقوله: ﴿ ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ...
﴾ الآية [الصافات: 22]، وكقوله: ﴿ وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ...
﴾ الآية [فصلت: 25]، وقوله: ﴿ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ﴾ وقوله: ﴿ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ...
﴾ الآية [الأنعام: 22].
وقوله: ﴿ شُرَكَآءَهُمْ ﴾ : أولياءهم، [الذين] كانوا لهم في الدنيا فهم شركاؤهم الذي ذكر.
وقولهم: ﴿ هَـٰؤُلآءِ شُرَكَآؤُنَا ٱلَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوْا مِن دُونِكَ ﴾ ؛ على هذا التأويل: كنا ندعوك وإياهم من دونك.
﴿ فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ ٱلْقَوْلَ ﴾ .
أي: يقولون لهم: ﴿ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ .
وقال بعضهم قولهم: ﴿ هَـٰؤُلآءِ شُرَكَآؤُنَا ٱلَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوْا مِن دُونِكَ ﴾ : الأصنام التي عبدوها.
﴿ فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ ٱلْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ : أي: يكذبونهم، وهو ما ذكر: ﴿ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ ﴾ ؛ يكذبونهم فيما قالوا، ويخبرون أنهم كانوا غافلين عن عبادتهم.
وقال بعضهم: شركاؤهم الملائكة الذين عبدوهم، كقوله: ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلاَئِكَةِ أَهَـٰؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ قَالُواْ سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ ٱلْجِنَّ ﴾ : أخبر أنهم إنما عبدوا الجن بأمرهم ولم يعبدوهم، أو يكون شركاؤهم رؤساءهم الذين انقاد الأتباع لهم ويحتمل الأصنام وما ذكر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ ٱلْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ .
هو ما ذكرنا: يقولون لهم: إنكم لكاذبون، أو يكذبونهم فيما يزعمون ويدعون.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَلْقَوْاْ إِلَىٰ ٱللَّهِ يَوْمَئِذٍ ٱلسَّلَمَ ﴾ .
أي: يخضعون كلهم لله يومئذ، ويخلصون له الدين، ويسلمون له الأمر والألوهية.
﴿ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ﴾ .
أي: بطل عنهم ما طمعوا بعبادتهم الأصنام والأوثان التي عبدوها من الشفاعة وغيرها؛ كقوله: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ﴾ ، وقولهم: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ ﴾ : بطل عنهم ما طمعوا ورجوا من عبادة أولئك من الشفاعة لهم، والقربة إلى الله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَاباً فَوْقَ ٱلْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ ﴾ .
قال بعضهم: هؤلاء كانوا رؤساء الكفرة وقادتهم ضلوا هم بأنفسهم وأضلوا أتباعهم؛ فلهم العذاب الدائم بكفرهم بأنفسهم، وزيادة العذاب بإضلال غيرهم، وهو كقوله: ﴿ لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ ، وكقوله: ﴿ وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ...
﴾ الآية [العنكبوت: 13]: [أخبر أنهم يحملون أوزارهم] وأوزار الذين أضلوهم ومنعوهم عن الإسلام؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ زِدْنَاهُمْ عَذَاباً فَوْقَ ٱلْعَذَابِ ﴾ ؛ بما أضلوا أتباعهم، وسعوا في الأرض بالإفساد، وهو قول أبي بكر الأصم.
وقال بعضهم: إن عذابهم كلما أراد أن يفتر بنضج الجلود، زيدت لهم - بتبديل الجلود - نارها كلما أرادت أن تخمد زيد لهم سعيراً؛ كقوله: ﴿ بَدَّلْنَٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا ﴾ ، وقوله: ﴿ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً ﴾ ؛ فذلك هو الزيادة في العذاب.
ويحتمل غير ذلك، وهو أن عذاب الكفر دائم أبداً؛ فيزداد لهم عذاباً بما كان لهم في الكفر - سوى الكفر - أعمال ومساوٍ، كما يعفى ويتجاوز عن المؤمنين ما كان منهم من المساوي؛ كقوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ ﴾ ؛ مقابل ما كان يعفى عن المؤمنين المساوي، زيد لأهل الكفر، على عذاب الكفر؛ لمساويهم.
وفي حرف ابن مسعود - -: (زِدْنَهُمْ عَذَاباً ضِعْفاً بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ)، وأصله أن جزاء الآخرة من الثواب والعذاب على المضاعفة؛ لأنه دائم لا انقطاع له.
وما ذكر من الزيادة والفوق وغيره - فهو على المضاعفة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِّنْ أَنْفُسِهِمْ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ مِّنْ أَنْفُسِهِمْ ﴾ ، أي: من البشر، ويحتمل ما ذكرنا من شهادة الجوارح عليهم.
وقوله - عز وجلّ -: ﴿ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَىٰ هَـٰؤُلآءِ ﴾ .
هو ما ذكرنا: يشهد الرسول عليهم بالتبليغ، ويشهد لمن أجابه وأطاعه، وعلى من ردّ كذبه بالرد والتكذيب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ ﴾ : ما ذكر في هذه السورة؛ لأنه ذكر فيها جميع أصناف النعم وجواهرها، ووجوه الأسباب التي بها يوصل إليها، وذكر فيها ما سخر لهم من أنواع الجواهر، وفيه ذكر ما وعد وأوعد، وأمر ونهي، وذكر ما حل بالأعداء وما ظفر أولياؤه بهم.
وفيه ذكر سلطانه وقدرته، وذكر سفه الكفرة وعنادهم، وذكر ما يؤتى ويتقى؛ فذلك تبيان لكل شيء.
أو أن يكون في الكتاب تبيان كل شيء، وفي القرآن ما ذكرنا: من الأمر والنهي، والوعد والوعيد، وأخبار الأمم الماضية وأمثالهم، وجميع ما يؤتى ويتقى؛ ففيه تبيان كل شيء من الوجه الذي ذكرنا.
أو أن يكون أنزل عليه الكتاب [تبيانا] لكل ما دعا به الرسل وجاءت به الرسل والكتب جميعاً.
في هذا الكتاب جميع ما أتى به الرسل والكتب من الأمر والنهي والوعد والوعيد، كقوله: ﴿ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ ﴾ .
ثم اختلف في ذلك البيان: قال بعضهم: تحتمل الآية وجهين: أحدهما: الخصوص على الأصول دون الفروع؛ كذكر الكمال للدين، لكن ذلك وصف الدين، وقد يقع له الكمال بالكتاب والسنة، وهذا للكتاب؛ فلم يجز التقصير عن الاشتمال عما لزمت الحاجة في أمر الديانة.
وذكر أن الكتاب تبيان لكل ما وقعت إليه حاجة في أصول الدين: من الإيمان، وأنواع العبادات، والأحكام مع الحدود والحقوق، ومكارم الأخلاق: تنتظم صلة الرحم، وعشرة الإخوان، وصحبة الجيران، ونحو ذلك؛ فتشتمل هذه الجملة على أصول الدين، وما وراءها يكون موكولاً إلى بيان الرسول؛ ليفي الكتاب بما شرط له تلاوة ودلالة الوجه.
والوجه الثاني: أن يكون تبياناً لكل شيء منتظماً لما فيه، مجمله ومبهمه ومشكله، ولبيان الرسول مجمله وتفسيره مبهمه، وإيضاحه، ودلالته على مشكله.
وقال: والسنن كلها بيان للكتاب؛ لارتباط بعض ببعض.
ثم قد يحتمل الآيات التي فيها ذكر البيان والتفصيل وجوهاً غير الوجهين اللّذين ذكرتهما: أحدها: أنه تبيان كل شيء ظهر فيه التنازع بين أهل الأديان، وألزمتهم الضرورة فيه إلى البيان؛ فجعل الله الكتاب تبياناً ألزمهم بالتدبر العلم بأنه من عند الله؛ بخروجه عما عليه وسع القوم عن نوع ما ذكر فيه من الحجج والأدلّة، وبما أعجزهم عن الطمع في تأليف مثله ونظمه؛ ليعرفوا أن الله قد أعانهم فيما مستهم الحاجة، وألجأتهم الضرورة إلى من يطلعهم على الحق فيما لو أهملوا عن ذلك لتولد منه العداوة والعناد؛ فأنعم الله عليهم به، وبين فيه جميع ما بين إليه من الحاجة لدوام الأخوة.
والثاني: أن يكون فيه تبيان كل شيء بالطلب من عنده، وبالبحث فيه الظفر بكل ما ينزل بهم من الحاجات إلى الأبد؛ فيكون هو أصل ذلك.
لكن باختلاف الأسباب يوصل إلى حقيقة العلم به، وذلك نحو ما جعل الماء حياة لكل شيء ووصف أن في السماء رزق جميع الخلق؛ [فأخبر أنه] أنزل من السماء اللّباس والرياش [لكل شيء]، وأخبر أنه خلقنا من تراب، ثم أخبر أنه خلقنا جميعاً من نفس واحدة؛ على رجوع كل ما ذكر باختلاف الأسباب والتوالد إليه، والله أعلم.
وذلك كما قال أهل الكلام في جعل المحسوسات أدلة لكل غائب: جعلها الله أدلة توصل إليه بالتأمل والنظر فيكون المحسوس مبيناً من ذلك، وإلا على اختلاف الدرجات في حد البيان مع ما قد جعله الله كذلك، حتى إن في الفلاسفة من تكلف استخراج كلية أمور العالم العلوي والسفلي.
وما على ذلك مدار ما عليه من هذا المحسوس؛ فمثله أمر القرآن، والله الموفق.
والثالث: أن يكون فيه بيان على الرمز والإشارة مرة، وعلى الكشف ثانياً؛ فما كان منه على الرمز فهو مطلوب في المعاني وطريق الرسول إلى ما في تلك المعاني من الأمور المختلفة: منها ما يقع بمعونة الوحي من غير الكتاب على اختلاف وجوه الوحي من إرسال على لسان ملك، أو رؤيا، أو إلهام.
والتأمل في ذلك، أو الاستدلال بما قد أوضحه بعد توفيق الله للحق في ذلك وعصمته عن الزيغ.
أو على ما شاء من ترتيب الحكماء في حق التفاهم لغوامض الأمور، أو غير ذلك مما يريد الله أن يطلع عليه نبيّه؛ فإن لطف ربّ العالمين بما عامل به الأخيار يجل عن احتمال العبارة عنه أو تصويره في الأوهام، نحو كتابة الحفظة، وقبض ملك الموت أرواح الخلق في وقت واحد في أطراف الأرض، ونحو ذلك، وذلك كله حدّ اللّطف الذي يعجز البشر عن الإحاطة؛ فعلى ذلك أمر تبيان كل شيء مع ما يحتمل بتأويل الآية إلى أغلب الأمور وأعمها، كقوله - -: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ﴾ ، وغيره، ولا قوة إلا بالله.
والأصل عندنا: أن ليس للبيان عدد يجب حفظ العدد، على ما ذكره قوم: أنه على خمسة أوجه؛ إنما هو أمران: أحدهما: ما يبين هو.
والثاني: ما يبين غيره، لكن الوجه الذي به يقع ما غاب عن الحواس بالبيان أصله الواقع تحت الحواس؛ إذ البين الذين من جحده حرم أوّل درجات البيان [ومنع] عن فهم المجحود عنه؛ إذ الجحود يكفي كلاًّ مؤمنة خصومته، ثم غيره مما يصير بالتأمّل على الوجوه التي جعلت للوصول إليه، وإن بعد أو قرب بدليله كالمحسوس؛ إذ التأمل في الأسباب هو سبب الوصول إلى ما غاب، كاستعمال الحواس فيما يشهد؛ فمن أراد القطع على حد أو شيء يحتاج إلى دليل فيه.
وأصل البيان - حقيقة - هو الظهور، وأسباب إظهار الأشياء متفاوتة، وعلى ذلك مقاديرها من الظهور، وجملته ارتفاع التواتر عن القلوب، وتجلي حقائق الأمور لها؛ على قدر العقول في الإدراك وما يتجلى للقلوب على مقدار ما يحتمل من الظهور.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُدًى وَرَحْمَةً ﴾ .
يجب أن يكون قوله: ﴿ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَهُدًى وَرَحْمَةً ﴾ - كله واحد الرحمة والهدى والبيان، وبرحمته وبهداه يتبين لهم ويتضح، لكنهم قالوا: البيان للناس كافة يبين ويتضح إلا من عاند وكابر، والهدى والرحمة للمؤمنين خاصّة؛ على ما ذكر وهدى [ورحمة] وبشرى للمسلمين؛ ذلك للمسلمين خاصّة، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإحْسَانِ...
﴾ إلى آخر ما ذكر.
قال الحسن: قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ ﴾ فيما بين الناس، أي: يأمر بالحكم فيها بينهم بالعدل، ﴿ وَٱلإحْسَانِ ﴾ : هو ما كلفهم بالطاعة له، أو أن يكون الأمر بالإحسان إلى أنفسهم أو إلى الناس، وجَائز أن يكون الأمر بالعدل فيما بينه وبين الله، والإحسان فيما بينه وبين الخلق، أي: يعامل ربه بالعدل؛ لأن العدل هو وضع الشيء موضعه، وهو لا يقدر على المجاوزة عن العدل حتى يكون في حد الإحسان فيما بينه وبين ربه، ويقدر أن يصنع إلى خلقه أكثر مما يصنعون هم إليه؛ فيكون محسناً إليهم، وأما إلى الله فلا يكون محسناً.
﴿ وَإِيتَآءِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ ﴾ .
أي: إعطاء ذي القربى الصدقة من غير الزكاة المفروضة.
﴿ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاءِ وَٱلْمُنْكَرِ وَٱلْبَغْيِ ﴾ .
هي المعاصي، أي: نهى عن المعاصي كلها.
وقال أبو بكر الأصم: ﴿ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ ﴾ ، أي: بالحق الذي له عليهم، والإحسان: هو ما تعبدهم من العبادات والطاعات التي جعل بسبب عطف بعضهم على بعض.
﴿ وَإِيتَآءِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ ﴾ .
صلة القرابة والأرحام.
﴿ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاءِ وَٱلْمُنْكَرِ وَٱلْبَغْيِ ﴾ .
قال ابن عباس ومقاتل وقتادة وهؤلاء: قوله: ﴿ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ ﴾ : بالتوحيد، ﴿ وَٱلإحْسَانِ ﴾ ، أي: أداء الفرائض، وهو قول ابن عباس وقتادة.
وقال مقاتل: قوله: ﴿ وَٱلإحْسَانِ ﴾ : هو فيما بينهم، يحسن بعضهم إلى بعض، ﴿ وَإِيتَآءِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ ﴾ : صلة الأرحام، ﴿ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاءِ ﴾ ، أي: الزنى، ﴿ وَٱلْمُنْكَرِ ﴾ ، أي: السكر، ﴿ وَٱلْبَغْيِ ﴾ مظالم الناس.
وقال بعضهم: المنكر: ما لا يعرف في الشرائع والسنن.
ويقال: المنكر: ما أوعد الله عليه النار، والبغي: الاستطالة، والظلم، ثم يجب [أن نقرر] حقيقة العدل: ما هو؟
فهو - والله أعلم -: وضع كل شيء موضعه؛ فيدخل فيه كل شيء: التوحيد وغيره؛ بجعل الربوبيّة والألوهيةِ لله لا شريك فيها غيره، ولا يصرفها إلى غيْره، ولا يضيف، بل ينسب الرّبوبيّة والألوهية إلى الله، والعبودية إلى العباد، ولا يضاف العبودية إلى الله، ولا الربوبية والألوهية إلى العباد؛ فذلك العدل ووضع كل شيء موضعه: الربوبية في موضعها، والعبودية في موضعها، هذا - والله أعلم - معنى العدل.
وأمّا الإحسان: فهو ما قال النبي : "إن جبريل سأله عن الإحسانِ حين سأله عن الإيمان والإسلام؛ فقال ما الإحسان؟
فقال: أَنْ تَعْمَلَ لِلَّهِ كَأنَّكَ تَراهُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ" .
ومن يعمل لآخر بحيث يراه وينظر إليه يكون أبداً طالب رضاه في ذلك العمل، وإخلاصه له وطلب مرضاته فيه؛ فهو يحتمل وجوهاً ثلاثة - أعني الإحسان -: أحدها: ما ذكر أنه يعمل له كأنه يراه، وذلك فيما بينه وبين ربه.
والثاني: فيما بينه وبين الخلق، وهو أن يحب لهم كما يحب لنفسه فيما أذن له في ذلك، أو نقول على الإطلاق يحب لهم كما يحب لنفسه.
فإن عورض بالقتال والحروب التي بيننا وبين أهل الحرب، وذلك بالذي لا نحب لأنفسنا ونحب لهم - قيل: في ذلك طلب نجاتهم وتخليصهم من الهلاك والعذاب الدائم الأبدي، وذلك ما نحبه نحن لأنفسنا: أن يسعى أحد في نجاة أحدنا من المهلكة؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ﴾ وليس [في القتال] في الظاهر رحمة، لكن في الحقيقة رحمةٌ، حيث يحملهم القتال على الإسلام؛ إذ كان قبل نصب القتال والحروب معهم لم يسلم إلا قليل منهم؛ فلما نصب الحروب معهم والقتال دخلوا في الإسلام أفواجاً أفواجاً؛ فصار ذلك في الحقيقة رحمة، وإن كان في رأي العين في الظاهر ليس برحمة.
وكذلك هذه المصائب والبلايا التي تحل بالخلق، هي في الحقيقة نعمة ورحمة؛ ولذلك عدها وسماها بعض الناس؛ لما تعقب من الثواب والنعمة إذا صبر عليها، ورأى ذلك منه حقّاً وعدلاً، ورأى حال الضراء والسراء منه؛ فهو بطيب نفسه في جميع الأحوال تنصرف به من الشدة والضيق، فإذا رأى نعمة، لما تعقب من الخير والنفع في العاقبة - فمن هذه الجهة يجوز أن يقال: ذلك نعمة ورحمة، وأمّا في ظاهر الحال فلا؛ وذلك أن كل بلاء ينزل بأحدٍ، فصبر عليهِ كان في ذلك خصال أربعة: أحدها: تكفير ما كان ارتكب من المعاصي.
والثاني: معرفة العبودة وملك غيره عليه.
والثالث: ما يعقب من الثواب والنعيم الدائم.
والرابع: معرفة النعم من الشدة؛ [لأنه بالشدة] يعرف النعم.
وأمّا الإحسان إلى نفسه: فهو أن يحفظها عما فيه هلاكها.
وقوله: ﴿ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاءِ ﴾ .
هو ما يكبر ويفحش من الشيء.
﴿ وَٱلْمُنْكَرِ ﴾ .
هو الشيء الغريب الذي لا يعرف؛ ألا ترى إلى قول إبراهيم: ﴿ سَلاَمٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ ﴾ ؛ سماهم منكرين لما لم يعرفهم؛ فالمنكر: ما يفعل من هو معروف بالخير والصلاح من الزلات لما يكون ذلك منهم غريباً؛ إذ لم يعرفوا بذلك، فذلك منهم [منكر].
﴿ وَٱلْفَحْشَآءِ ﴾ .
ما يكون من أهل الفساد والشرور، وذلك مما يكبر ويفحش ذلك منهم.
﴿ وَٱلْبَغْيِ ﴾ .
هو الظلم، ويحتمل أن يكون هذا كله المنكر والفحشاء والبغي وكله واحد: الفحشاء هو المنكر، والفحشاء هي البغي، والمنكر هو الفحشاء والبغي، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَعِظُكُمْ ﴾ .
قال بعضهم: أي: ينهاكم عما ذكر كله.
﴿ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ .
وتنتهون عنه، وقال بعضهم: الموعظة هي التي تلين القلوب القاسية، وتصرفها إلى طاعة الله، وقد ذكرنا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا ﴾ .
يحتمل أمره بوفاء العهد، العهود التي يُعطي بعضهم لبعض، أمرهم بوفاء ذلك، ونهاهم عن نقضها، ويلزمهم وفاء عهد الله وإن لم يعاهدوا في ذلك، لكنه ذكر وفاء العهد إذا عاهدوا ونهى عن النقض؛ لأن ترك وفاء ما عاهدوا، ونقض ما أعطوا على ذلك شرطاً أقبح وأفحش مما لم يعاهدوا، وهو كقوله: ﴿ وَٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ ٱلَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ﴾ ؛ ترك الوفاء ونقضه بعد قولهم: ﴿ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ﴾ : أفحش، وأفحش من نقضه إذا لم يكن لهم عهد سابق وشرط متقدم، وهذا - والله أعلم - معنى أمره بوفاء العهد إذا عاهدوا، وإن كان وفاء العهد لازماً لهم، وإن لم يعاهدوا؛ إذ جعل الله البشر بحيث يقبلون الحكمة والمحنة، وجعل بنيتهم وخلقتهم بحيث يقدرون على القيام بذلك، كقوله: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا...
﴾ الآية [الأحزاب: 72]، أي: أبي خلقتهم وبنيتهم، أي: لم يجعل خلقة هذه الأشياء وبنيتها [بحيث] تحتمل ذلك، ﴿ وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ ﴾ ، أي خلقته وبنيته تحتمل ذلك والقيام بها، وتحتمل أن تكون العهود التي أمر بوفائها إذا عاهدوا على الأيمان التي يقيمون بها، حيث قال: ﴿ وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا ﴾ : ذكر الأيمان ونهى عن نقضها، ثم لا يحتمل أن يكون النهي عن النقض في الأيمان التي يأثم بها المرء إذا حلف؛ لأنه نهى عن نقضها، ولو كان يأثم بعقدها لكان لا ينهى عن نقضها؛ لأن الأيمان التي يأثم بها المرء إذا حلف [يؤمر] بنقضها أو لا يؤمر بوفائها وحفظها، ثم ذكر فيه بعد توكيدها، ولم يسغ نقض اليمين، وإن لم يؤكدها إذا لم يكن في الوفاء بها إثم، لكنه ذكر التوكيد؛ لأن النقض بعد ذلك أقبح وأفحش من النقض على غير التوكيد؛ على ما ذكر من القبح والفحش في بعض العهود بعد ما عاهدوا.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا ﴾ هو حَلِفُهم بالله؛ لأن مشركي العرب كانوا لا يقسمون بالله إلا ما يعظم من الأمر ويجل، وذلك آخر أقسامهم؛ ولذلك قال بعض أهل التأويل في قوله: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ ﴾ : يقول: جهد أيمانهم هو قسمهم بالله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَدْ جَعَلْتُمُ ٱللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً ﴾ .
قيل: كانوا يحلفون فيما بينهم على جعل الله كفيلاً عليهم، وقيل: الكفيل: هو الشهيد الحافظ، وهكذا يؤخذ الكفيل فيما يؤخذ؛ ليحفظ المال أو النفس.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ﴾ .
من الوفاء بما عاهدوا أو النقض، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَىٰ مِنْ أُمَّةٍ ﴾ .
اختلف في تأويل الآية: قال بعضهم: الآية نزلت في مخالفة أهل الكفر بعضهم بعضاً، وهو أن يرث بعضهم بعضاً، وينصر ويعين بعضهم بعضاً، ويحلفون على ذلك ويقسمون؛ فإن هلكوا في ذلك - أي: في نصر بعضهم بعضاً [وإعانة بعضهم بعضا] - ثم إذا رأوا الكثرة والغلبة مع غير الذين خالفوهم - نقضوا ذلك، ورجعوا إلى الذين معهم الكثرة والغلبة؛ فنهوا عن ذلك.
وقال بعضهم: الآية في الذين يكونون بعد رسول الله وأصحابه لما علم أنه يكون خوارج وأهل اختلاف في الدّين، فربما كانت الكثرة والغلبة لهم على أهل العدل؛ فنهى من عاهد أهل العدل وبايعهم - أن يترك بكثرتهم وغلبتهم الكون مع أهل العدل، وإعانتهم، ونقض ما عاهدوا؛ ولذلك قال: ﴿ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ ٱللَّهُ بِهِ ﴾ .
وقال: هذا يدل أنه في أهل الإسلام.
وقال بعضهم: الآية في أهل النفاق؛ أنهم كانوا يقسمون بالله إنهم ينصرون رسول الله وأصحابه، ويقولون: إنا معكم، كقوله: ﴿ وَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ...
﴾ الآية [التوبة: 56] كانوا يُرُون من أنفسهم الموافقة لهم، والنصر، والعون لهم على أعدائهم ويحلفون على ذلك، ثم إذا رأوا الكثرة مع الكفرة والغلبة، وقلة المؤمنين - تحولوا إلى أولئك، ونقضوا أيمانهم، وكانوا معهم، كقوله: ﴿ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ ٱللَّهِ قَالُوۤاْ أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوۤاْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ...
﴾ الآية [النساء: 141].
ويحتمل قوله: ﴿ وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ...
﴾ أي: لا تكونوا في نقض العهود والمواثيق كالمرأة التي تنقض غزلها من بعد قوة، وجائز أن يكون غير هذا.
يقول: ولا تظنوا في الله أن يكون في إنشاء الخلق كالمرأة التي نقضت غزلها من بعد قوة؛ فلو لم يكن بعث لكان يكون في إنشاء الخلق كالمرأة التي نقضت غزلها من بعد قوة، وقد عرفتم قبح ذلك؛ فعلى ذلك: إنشاء الخلق إذا لم يكن بعث يكون في القبح ما ذكر.
ثم ضرب الله مثل من أعطى العهد والمواثيق ووكد الأيمان في ذلك، ثم نقض ذلك بامرأة تغزل ثم تنقض ذلك الغزل من بعد قوة أنكاثاً؛ يقول - والله أعلم -: كما لم تنتفع هذه المرأة بغزلها إذا نقضته من بعد إبرامها إياه؛ كذلك لا ينتفع ولا يوثق بمن أعطى العهد، ثم نقضه.
يقول: فلا هي تركت الغزل تنتفع به، ولا هي تركت القطن والكتان كما هو؛ فكذلك الذي يعطي العهد ثم ينقضه فلا هو حين أعطاه وفي به، ولا هو ترك [العهد] فلم يعطه ونحوه.
ثم اختلف في تلك المرأة: قال بعضهم: هي امرأة من قريش حمقاء بمكة، كانت إذا غزلت نقضته.
وقال بعضهم: هذا على التمثيل؛ يقول - والله أعلم -: أي لو سمعتم بامرأة نقضت غزلها من بعد إبرامه - لقلتم: ما أحمق هذه!!
فعلى ذلك من أعطى العهد والميثاق، ثم نقض - فهو كذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ ﴾ .
قال أبو بكر الأصم: الدخل: الذي لا يصحّ ولا يستقيم؛ يقال: هذا مدخول، أي: غير صحيح.
وقال غيره: ﴿ دَخَلاً ﴾ ، أي: خديعة ومكراً يخدع بعضكم بعضاً، وهو قول أبي عوسجة أيضاً.
وقال القتبي: ﴿ دَخَلاً بَيْنَكُمْ ﴾ ، أي: خيانة ودغلاً بينكم.
﴿ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ ﴾ .
أي: فريق.
﴿ أَرْبَىٰ ﴾ .
من فريق.
وقال أبو عوسجة: ﴿ أَنكَاثاً ﴾ : هي جمع "نِكْثٍ"، والنكث - من الحبل - خيوط تنكث ثم تطرق وتصير صوفاً، ثم من بعد ذلك تفتل.
قال: والمِطْرَق: قضيب يضرب به الصوف حتى ينفش ويلين كما يُنْدَف القطن، يقال: طرقت الصوف - أطرقه طرقاً - أي: ضربته، ويقال: نفشته - أنفشه نفشاً - أي: فرقت بينه فتفرق، ومنه قوله: ﴿ كَٱلْعِهْنِ ٱلْمَنفُوشِ ﴾ .
ويقال: حبل مَثْنِي: إذا كان طاقين، ومثلوث، ومربوع، ومخموس ومسدوس [ومسبوع] ومثمون ومتسوع، ومعشور.
وقال القتبي: الأنكاث: ما نقض من غزل الشعر وغيره، واحدها: نكث.
يقول: لا تؤكدوا على أنفسكم الأيمان والعهود ثم تنقضوا ذلك وتحنثوا؛ فتكونوا كامرأة غزلت ونسجت ثم نقضت ذلك فجعلته أنكاثاً، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ .
قال الحسن: ﴿ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ ﴾ المشيئة - هاهنا - مشيئة القهر والقسر، أي: لو شاء لجبرهم وقهرهم على الإيمان فآمنوا جميعاً.
فهذا فاسد؛ لأنه لا يكون بالقهر والجبر إيمان؛ لأنه لا صنع للعبد في حال القهر والجبر؛ فيبطل تأويله؛ إذ لا يجوز أن يثبت إيمان في تلك الحال.
وقال أبو بكر: تأويله قوله: لو شاء لأنزل لهم آية حتى يؤمنوا جميعاً بتلك الآية، كقوله: ﴿ إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ ﴾ : أخبر أنه لو أنزل آية [يكونون] لها خاضعين، لكن عندنا أنهم ليسوا يؤمنون ويخضعون للآية، ولكن بما شاء لهم ذلك، ولا يحتمل أن تحملهم الآية على الإيمان، شاءوا أو أبوا؛ ألا ترى أنهم يكذبون يوم الحشر عند معاينتهم الآيات، وهو قوله: ﴿ وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴾ : أخبر أنهم يكذبون وقد عاينوا الآيات، وليست الآية التي تنزل عليهم في الدنيا بأعظم من الآيات التي يعاينونها يوم القيامة، ثم لم يمنعهم ذلك عن الكذب؛ دلّ أن الآية ليست تحملهم على الإيمان، ولا تضطرهم عليه، ولكن لو شاء لآمنوا بالاختيار فيبطل تأويله.
ثم الآية تحتمل عندنا وجهين: أحدهما: قوله: ﴿ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ بظاهر السبب الذي إذا أعطاهم لآمنوا له، ﴿ وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً...
﴾ الآية [الزخرف: 33]: أخبر أنه لو ما يرغب الناس في الكفر فيكونون كفاراً كلهم، وإلا جعل سقف أهل الكفر ومعارجهم من فضة؛ فلو أنه جعل ذلك بعينه لأهل الإسلام وفي أيديهم لآمنوا - أيضاً - كلهم؛ لأنه لا يحتمل أن يكون ذلك في أيدي الكفرة؛ فيحمل أهل الإسلام على الكفر، وإذا كان ذلك بعينه لأهل الإسلام - لا يحمل أهل الكفر على ترك الكفر والدخول في الإسلام.
والوجه الثاني: لو شاء لجعلهم أمّة واحدة بلطف منه: يشرح صدره للإسلام من غير أن يعلم أن أحداً ألقى ذلك في قلبه، من نحو ما مكّن للشيطان عدو الله؛ حتى يقذف في قلوب الخلق ويلقي وساوس، من غير أن يعلموا أن أحداً دعا إلى ذلك وألقى إلى قلوبهم؛ ألا ترى أن إبليس لما وسوس إلى آدم - - ليتناول من الشجرة التي نهى عنها ربّه لو علم أنه إبليس لما أجابه؛ وكذلك ما مكن للملائكة من تثبيت قلوب الذين آمنوا، وإلقاء أشياء في قلوبهم، ويلهمونهم، وهو قوله: ﴿ إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلاۤئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ من غير أن يعلموا [أنَّ] أحداً دعاهم إلى ذلك، أو ألقى أحد ذلك في قلوبهم؛ فمن ملك تمكين عدوه وملائكته على ما ذكرنا يملك شرح الصّدر للإسلام والدعاء إلى ذلك من غير أن يعلموا أن أحداً فعل ذلك.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَلـٰكِن يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ ﴾ .
على قول الحسن: على الحكم لذلك.
وقال أبو بكر الأصم: يضل بالنهي من نهى، ويهدي بالأمر.
لكن هذا فاسد؛ لأنه لو كان بالنهي مضلاًّ وبالأمر هادياً - لكان مضلاًّ للأنبياء والرسل؛ لأنه قد نهاهم بمناهٍ؛ فيكون مضلاًّ لهم.
فإن قيل: لم يصر ما ذكرت؛ لأنهم لم يرتكبوا المناهي - قيل: الارتكاب فعلهم؛ فلا يحتمل أن يكون بفعلهم ذلك؛ فدل أن ما ذكرنا فاسد، وعلى قولهم يكون بالنهي عاصياً مضلاًّ، وعندنا قوله: ﴿ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ ﴾ أي: يخلق فعل الضلال منهم، أو يضل من علم أنه يختار الضلال على الهدى ويخذلهم.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ .
هو ظاهر.
وقوله: ﴿ وَلاَ تَتَّخِذُوۤاْ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ ﴾ .
قد ذكرنا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا ﴾ .
قال أبو بكر: دلّ قوله: ﴿ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا ﴾ أن الآيات التي تقدم ذكرها في أهل الإسلام؛ لأنه أخبر أنه تزل قدم بعد ثبوتها، وهو الكفر بعد الإسلام.
وعندنا هو ما ذكرنا أن قوله: ﴿ فَتَزِلَّ قَدَمٌ ﴾ بالخوف، ﴿ بَعْدَ ثُبُوتِهَا ﴾ أي: بعدما كانوا آمنين؛ لأنهم بأيمانهم كانوا يأمنون، وبنقضهم العهود والأيمان يخافون، فيكون قوله: ﴿ فَتَزِلَّ قَدَمٌ ﴾ كناية عن الخوف، والثبوت كناية عن الأمن، أي صاروا خائفين بنقضهم العهود والأيمان بعدما كانوا آمنين [بها]، والله أعلم.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَتَذُوقُواْ ٱلْسُّوۤءَ بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ .
على هذا التأويل: يذوقون ذلك في الدنيا؛ بالقتل والقهر، ويحتمل في الآخرة؛ بما صدّوا الناس عن دين الله، واستبدلوا به الكفر بعد الإيمان.
﴿ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ .
وقوله - عزّ وجل -: ﴿ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً ﴾ .
قال بعضهم: عهد الله: دين الله.
وقال بعضهم: عهد الله الذي عهد إليهم.
ويحتمل عهد الله: ما أعطوا من العهد والأيمان، أي: ينقضوها بشيء يسير؛ إنما عند الله هو خير لكم دائم باقٍ، وهذا زائِل فانٍ، أو ما يجزي بوفاء ما عهدوا خير لكم من هذا، أي: يجزيكم بوفاء ما ذكر من العهد - خير لكم من غيره، والله أعلم.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٍ ﴾ .
أي: ما أخذتم من الأموال واكتسبتم بنقض العهود والأيمان ينفد ويفنى، وما عند الله من الجزاء والثواب بوفاء العهد باقٍ.
﴿ وَلَنَجْزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُوۤاْ أَجْرَهُمْ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ صَبَرُوۤاْ ﴾ على ما أمروا به، ونهوا عنه، وصبروا على وفاء العهد.
﴿ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ بِأَحْسَنِ ﴾ ، أي: الجزاء الذي يجزيهم على الصّبر أحسن من وفاء العهد، أو يجزيهم بأحسن ما عملوا، أي: يجعل سيئاتهم حسنات؛ كقوله: ﴿ فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ﴾ ، وقوْله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ ﴾ ، والله أعلم.
وقوله - عزّ وجل -: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾ .
اختلف أهل التأويل [في قوله]: ﴿ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾ : قال بعضهم: قوله: ﴿ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾ في الآخرة، وهي الجنة.
وقال بعضهم: ﴿ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾ في الدنيا.
فمن قال: الحياة الطيبة هي الجنّة، في الآخرة، يكون تأويله: من يكن عمله في الدنيا صالحاً فليحيينه الله في الآخرة حياة طيبة؛ وإلا ظاهر قوله: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً ﴾ إنما هو على عمل واحد، وكذلك قوله: ﴿ رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً ﴾ : ظاهره على حسنة واحدة، لكن الوجه فيه ما ذكرنا: من يكن عمله في الدنيا صالحاً فيفعل ما ذكر.
وقوله: ﴿ رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً ﴾ ، أي: ما تؤتينا في الدنيا آتنا حسنة، أو أن يكون على الختم به، أي: من ختم بالعمل الصالح فيحييه الله حياة طيبة في الجنة، كقوله: من جاء بالحسنة فله كذا.
وقال الحسن: الحياة الطيبة هي الجنة؛ لأن في الدنيا ما ينغص حياته.
وقال بعضهم: الحياة الطيبة في الدنيا؛ فتأويله: من يكن همه وجهده في الدنيا العمل الصالح فلنحيينّه حياة [طيبة]، أي: نوفقه ونيسّره الخيرات والعمل الصالح والطاعات، وهو ما روي أنه قال: "كُلُّ مُيَسّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ" ، وكقوله: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ ﴾ ، وكقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ﴾ ونحوه؛ فذلك هو الحياة الطيّبة في الدنيا؛ حيث يسّر عليه العمل الصالح، ووفق للطاعات والخيرات.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ ﴾ ، أي: قنع في الدنيا بما قسم الله له ورزقه، ورضي به، ﴿ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾ مما أزال عنه هم طلب الفضل، وغمهُ، وذلّه وحرصه عليه؛ لأن أكثر هموم الناس في الدنيا وذلهم؛ لما لم يرضوا بما قسم الله لهم، ولم يقنعوا به؛ فهو يحيا حياة طيّبة لما عصم من ذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ ﴾ .
أي: في الآخرة.
﴿ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ .
على تأويل من قال: الحياة الطيّبة في الدّنيا.
وقال بعضهم - وهو قول أبي بكر -: ﴿ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ : في الدنيا، ما ذكر هؤلاء.
وقال بعضهم: ﴿ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾ الرزق الحلال.
وقوله: ﴿ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ : وقد ذكرنا.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عزّ وجلّ -: ﴿ فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْآنَ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ ٱلرَّجِيمِ ﴾ .
وقال في آية أخرى: ﴿ وَإِماَّ يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ وَقُلْ رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ ٱلشَّياطِينِ ﴾ الآية [المؤمنون: 97].
فيجب أن يتعوذ من همزاته على ما أمر رسولَه، أو عند نزغ الشيطان على ما ذكر، لكنه إذا تعوذ منه - تعوذ من همزاته ونزغاته.
فإن قيل: كيف خصّ قراءة القرآن بالتعوذ منه دون غيره من الأذكار، والعبادات، والأعمال الصالحة؟
قيل: قد يتعوذ منه دون غَيره - أيضاً - في غيره من العبادات والأذكار؛ بقولهم: "بسم الله"؛ إذ لا يفتتح شيء إلا به؛ فذلك تعوذهم منه، لكن التعوذ في هذا تعوذٌ بكناية، والتعوذ في قراءة القرآن بالتصريح؛ وذلك أنه حجة وبرهان؛ فطعن الأعداء فيما هو حجة في نفسه أكثر من الأفعال التي فعلوها؛ ألا ترى أنه كان يلقنهم - أعني الشيطان [و] أولياءه - أنه سحر، وأنه: أساطير الأوّلين، وأنه إنما يعلمه بشر، ونحوه.
وقوله: ﴿ وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَٰدِلُوكُمْ ﴾ : كانوا يطلبون الطعن في القرآن؛ لأنه حجّة وبرهان، ولم يشتغلوا في طعن فعل من الأفعال أو ذكر من الأذكار؛ فعلى ذلك يجوز أن يكون التعوذ منه - فيما هو حجة - بالتصريح، وفي غيره بكناية، والله أعلم.
ثم في هذه الآية، وفي غيرها من قوله: ﴿ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ ﴾ ، وقوله: ﴿ فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْآنَ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ ٱلرَّجِيمِ ﴾ - لم يفهم أهلها منها على ظاهر المخرج؛ ولكن فهموا على مخرج الحكمة؛ لأن ظاهر المخرج أن يفهم التعوذ بعد فراغه من القراءة، وكذلك يفهم من الأمر بالقيام إلى الصلاة الوضوء بعد القيام إليه، ثم [لم] يفهموا - في هذا ونحوه - هذا؛ ولكن فهموا: إذا أردت قراءة القرآن فاستعذ بالله، وكذلك فهموا من قوله: ﴿ إِذَا قُمْتُمْ ﴾ أي: إذا أردتم القيام إلى الصلاة ﴿ فٱغْسِلُواْ ﴾ ، ولم يفهموا كل قيام؛ إنما فهموا قياماً دون قيام، أي: إذا [أردتم] القيام إلى الصلاة وأنتم محدثون، وفهموا من قوله: ﴿ فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ ، وفهموا من قوله: ﴿ فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَٱنْتَشِرُواْ ﴾ ، وكذلك فهموا من قوله: ﴿ فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَّنَاسِكَكُمْ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ ﴾ - الفراغ منها؛ دلّ أن الخطاب لا يوجب المراد والفهم على ظاهر المخرج؛ ولكن على مخرج الحكمة والمعنى.
وأصل التعوذ هو الاعتصام بالله من وساوس عدوه وكيده.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ .
قال بعضهم: ليس له سبيل على الذين آمنوا.
وقال بعضهم: السلطان: الحجّة، أي: ليس له حجة على الذين آمنوا.
وقال بعضهم: أي ليس له ملك على الذين آمنوا - ملك القهر والغلبة - إنما ملكه على الذين يتولونه، لكن ليس له ملك القهر على الذين يتولّونه أيضاً؛ إنما يتبعونه ويطيعونه بإشارات منه طوعاً؛ فدلّ أن تأويل الملك لا يصح في السلطان، ويكون تأويله السبيل أو الحجّة.
ثم يحتمل قوله: ﴿ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ - بالقرآن؛ لأنه ذكر على أثر ذكر القرآن، ويحتمل: الذين آمنوا بربهم، وهما واحد في الحاصل؛ ﴿ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ ﴾ : حجته أو سبيله على الذين يتخذونه وليّاً، فيطيعونه في كل أمره وجميع إشاراته وما يلقي إليهم، وأصله: ليس له سلطان على الذين آمنوا بربهم.
﴿ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ .
في جميع أحوالهم وساعاتهم؛ أي: لا سلطان له ولا سبيل على من آمن به وتوكل عليه.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَٱلَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ ﴾ .
[يحتمل قوله: ﴿ بِهِ مُشْرِكُونَ ﴾ ].
إبليس يتبعونه ويعدلون بربهم، ويحتمل ﴿ بِهِ مُشْرِكُونَ ﴾ : بربهم، والتوكل: هو الاعتماد به، وتفويض الأمر إليه في كل حال: السراء والضراء في وقت الضيق والسّعة؛ فذلك التوكل به.
وقوله - عز وجلّ -: ﴿ وَإِذَا بَدَّلْنَآ آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ...
﴾ .
الآية تحتمل وجهين: أحدهما: ما قاله أهل التأويل على التناسخ أن يبدّل آية مكان آية، وهو على تبديل حكم آية بحكم آية أخرى، لا على رفع عينها.
والثاني: قوله: ﴿ وَإِذَا بَدَّلْنَآ آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ ﴾ ، أي: بدّلنا حجّة بعد حجة، وآية بعد آية لرسالته.
﴿ قَالُوۤاْ إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍ ﴾ كلما أتاهم حجة على أثر حجة، وآية بعد آية يقولون: إنما أنت مفتر.
ينسبون إليه الافتراء: أنه افترى، وكذلك كان عادتهم المعاندة والمكابرة؛ كقوله: ﴿ وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَٰتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ ﴾ ، وكقوله: ﴿ مَا يَأْتِيهِمْ مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِمْ مُّحْدَثٍ إِلاَّ ٱسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ ﴾ ، ونحوه من الآيات.
كلما أتى بهم حجة وآية بعد آية كانوا يستقبلونه بالتكذيب لها، ونسبة رسول الله إلى الافتراء من نفسه؛ ويزداد لهم بذلك كفراً، وهو ما قال: ﴿ وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىٰ رِجْسِهِمْ ﴾ : أخبر أنه كان يزداد لأهل الإيمان بما ينزل عليهم من سورة إيماناً، ويزداد لأهل الشرك رجساً وكفراً إلى كفرهم مثل هذا.
ولو كان يحتمل أن يكون حرف (إذا) مكان (لو) - لكان أقرب، ويكون تأويله: ولو أنزلنا حجة بعد حجة وآية على أثر آية جديدة - فما آمنوا؛ كقوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُوۤاْ ﴾ ، وكقوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ...
﴾ الآية [الرعد: 31]، أي: لو أن هذا القرآن - قرآن سيرت به الجبال أو كلم به الموتى - فما آمنوا به؛ لعنادهم؛ فعلى ذلك: الأول قد يحتمل قوله: ﴿ وَإِذَا بَدَّلْنَآ آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ ﴾ بالسؤال مكان آية ﴿ قَالُوۤاْ إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍ ﴾ .
وقوْله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ ﴾ .
يحتمل قوله: [ ﴿ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ ﴾ به صلاحهم وغير صلاحهم، أو أن يكون]: ﴿ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ ﴾ من تثبيت قلوب الذين آمنوا؛ كقوله: ﴿ لِيُثَبِّتَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ ، أو أن يكون ﴿ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ ﴾ : جبريل على رسوله؛ جواباً لقولهم: ﴿ إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍ ﴾ ، وكقوله: ﴿ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ ٱلْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ ﴾ ، أي: ليس بمفتر؛ ولكن نزله جبريل من ربّه.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ ٱلْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ ، أي: بالحق الذي عليهم، أو بالحق الذي لبعضهم على بعض.
والحق في الأقوال: هو الصدق، وفي الأفعال: صواب ورشد، وفي الأحكام: عدل وإصابة، والحق: هو الشيء الذي يحمد عليه فاعله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لِيُثَبِّتَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَهُدًى ﴾ .
هذا تفسير قوله: ﴿ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً ﴾ ؛ لأنه أخبر أنه: ليثبت الذين آمنوا؛ فذكر من زيادة الإيمان - هو التثبيت - الّذي ذكر هاهنا - قوله: ﴿ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً ﴾ ، وذكر قوله: ﴿ إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍ ﴾ - مقابل قوله: ﴿ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىٰ رِجْسِهِمْ ﴾ ؛ ليعلم أن الزيادة التي ذكر في سورة التوبة - هي ما ذكر هاهنا من التثبيت والطمأنينة ونحوه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ ﴾ .
أي: هدى من الجهالات والشبهات التي كانت تعرض لهم، أو من الضّلالة، وبشرى للمسلمين.
وقال: في آية أخرى: ﴿ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ليعلم أن الإيمان والإسلام واحد.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ﴾ .
هم لم يقولوا إنما يعلمه بشر؛ ولكن كانوا ينصُّون واحداً فلاناً، لكن الخبر من الله على ذكر البشر؛ ألا ترى أنه أخبر أن ﴿ لِّسَانُ ٱلَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ ﴾ .
دلّ أن البشر - الذي أخبر عنهم أنهم يقولون: إنه يعلمه - كان منصوصاً عليه مشاراً إليه؛ حيث قال: لسان هذا أعجمي، ولسان النبي عربي؛ فكيف فهم هذا عن هذا، وهذا من هذا، ولسان هذا غير لسان هذا؟!
وما قاله أهل التأويل: أنه كان يجلس إلى غلام يقال له كذا، وهو يهودي يقرأ التوراة؛ فيستمع إلى قراءته، وكان يعلمه الإسلام حتى أسلم، فعند ذلك قالت له قريش: ﴿ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ﴾ ، ولو كان ما ذكروا أنه كان يعلمه الإسلام فأسلم؛ فلقائلٍ أن يقول: كيف فهم ذلك الرجل منه لسان رسول الله ولسانه غير لسانه؟!
على ما أخبر؛ لكن يحتمل أن يكون ذلك في القرآن؛ حيث قالوا: ﴿ إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍ ﴾ ، ثم يقولون: ﴿ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ﴾ ؛ فيقول - والله أعلم -: إنه كيف علمه هذا القرآن، وهو لا يفهم من لسانه إلا يسيراً منه؛ فأنتم لسانكم عربي لا تقدرون أن تأتوا بمثله، ولا بسورة من مثلها، ولا بآية؛ فكيف قدر على مثله من لا يفهم لسانه، ولا كان ذلك بلسانه؟!
يخرج ذلك على الاحتجاج عليهم.
وبعد، فإن في قولهم ظاهر التناقض؛ لأنهم قالوا: ﴿ إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍ ﴾ ، ثم قالوا: ﴿ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ﴾ ، فالذي علمه غيره ليس بمفتر؛ إنما يكون الافتراء من ذات نفسه فهو ظاهر التناقض.
وقوله: ﴿ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ ﴾ .
يحتمل: مبين ما لهم وما عليهم، أو مبين للحقوق التي لله عليهم وما لبعضهم على بعض، أو مبين: أي بين أنه من عند الله نزل؛ ليس بمفترى.
وهذه الآية ترد على الباطنيّة قولهم؛ لأنّهم يقولون: إن رسول الله هو الذي ألف هذا القرآن بلسانه، ولم ينزله الله عليه بهذا اللسان؛ فلو كان على ما ذكروا ما كان لأولئك ادعاء ما ادعوا على رسول الله من الافتراء.
قوله: ﴿ يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ ﴾ .
قال بعضهم: يميلون إليه، وهو قول أبي عوسجة والقتبي؛ قالوا: الإلحاد: الميل، وكذلك سمّي اللّحد لحداً؛ لميله إلى ناحية القبرِ.
وقال الكسائي: هو من الركون إليه، أي: يركنون.
قوله - عزّ وجلّ -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ لاَ يَهْدِيهِمُ ٱللَّهُ ﴾ .
قال الحسن: إنه - والله - من كذب بآيات الله فهو ليس بمهتد عند الله.
[و] قال أبو بكر: لا يهديهم الله بتكذيبهم الآيات.
فهو كله خيال على كل من يشكل ويخفي أن من كذب بآيات الله فهو غير مهتد من يظن هذا، وقول أبي بكر - أيضاً - من يتوهم أن من كذب بآيات الله أنه يهديه - هذا فاسد، خيال كله، وأصله عندنا قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ ﴾ \[؛ لعنادهم ومكابرتهم؛ لأنهم كانوا يعاندون بآيات الله ويكابرونها، ويكذبون مع علمهم أنها آيات، وأنها حق أو قال ذلك في قوم علم أنهم لا يؤمنون\] ويموتون عليه؛ فمن علم منه أنه لا يؤمن لا يهديه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا يَفْتَرِي ٱلْكَذِبَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ ﴾ .
لا الذين يؤمنون بها ويصدقونها.
﴿ وَأُوْلـٰئِكَ ﴾ .
الذين كذبوها.
﴿ هُمُ ٱلْكَاذِبُونَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله - عزّ وجلّ -: ﴿ مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِٱلإِيمَانِ ﴾ .
قوله: ﴿ مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ ﴾ يحتمل وجهين - حيث ذكر من كفر بالله -: أحدهما: كفر بالله في زعم المكره؛ لأنه أكرهه به ففي زعمه كافر بالله؛ لطلبه ذلك منه، وهو كقوله: ﴿ فَرَاغَ إِلَىٰ آلِهَتِهِمْ ﴾ : في زعمهم؛ لأنهم لم يكونوا آلهة، وكقوله: ﴿ وَٱنظُرْ إِلَىٰ إِلَـٰهِكَ ﴾ : سماه إلهاً؛ لأنه - في زعم السامري - إله.
والثاني: من كفر بالله شارحاً صدره بالكفر - هو الكافر به حقّاً، وأما من أظهر الكفر بلسانه بالإكراه، وقلبه معتقد بالإيمان على ما كان مطمئنّاً به - فهو ليس بكافر.
وأصله: أن من اعتقد مذهباً [أو ديناً] أن يعتقده بخصال ثلاث: إحداها: يقلد آخر؛ لما رآه أبصرَ وآخذ وأعلم فيه، وهو لا يبلغ ذلك، فيقلده؛ لفضل بصره وعلمه فيه ورأيه.
والثانية: يعتقد للشبهة؛ لما يتراءى عنده أنه الحق؛ فيعتقده لذلك للشبهة التي ذكرنا.
والثالثة: [يعتقد لما] يتضح له الحق فيعتقده.
فلهذه الوجوه الثلاثة يعتقد من يعتقد ديناً أو مذهباً، فأما أن يعتقد الإنسان مذهباً مجانا على الجزاف فلا؛ فكأن إظهار كفر هذا لإكراه من أكرهه لم يصر كافراً.
وأصله أن الإيمان والكفر إنما يكونان بالاختيار؛ فإن الإكراه يزيل اختيار من كفر؛ لذلك يبقى على الإيمان على ما كان؛ لما لم يوجد منه اختيار الكفر.
فإن قيل: أليس أمرنا أن نقاتل أهل الكفر؛ ليسلموا، وذلك إسلام بإكراه؟!
وعلى ذلك نطق الكتاب، وهو قوله: ﴿ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ ﴾ ، وقال رسول الله : "أمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لا إِلَهَ إِلا الله" ، ثم إذا أسلم لخوف السيف - كان إسلامه إسلاماً في الظاهر ما يمنع كذلك أنه إذا أكره على الكفر، فأجرى كلمة الكفر على لسانه - كان كفره كفراً في الظاهر؛ فيحكم بكفره كما حكم في الإسلام على الإكراه؛ فما الفرق فيه؟!
قيل: إن ذلك كان يجيء إلا أن الله - - أعفى عباده عن ذلك؛ فأبقاهم على الإيمان وحكمه، وإن أظهروا بلسانهم كلام الكفر بعد أن تكون قلوبهم مطمئنة بذلك؛ فضلاً منه ونعمة، وإلا: القياس أن يحكم بحكم الكفر إذا تكلم بكلام الكفر، وأمّا الطلاق والعتاق والنكاح ونحوه، وهو ظاهر على ما تكلم به، عامل واقع؛ لأن الطلاق والعتاق ونحوهما ممّا يتعلق بالكلام نفسه لا بغيره، فهو - وإن أكره على ذلك - فهو مختار للتكلم به، قاصد له؛ لأن المكره لو أحب أن يستعمل لسانه بالتكلم بما ذكر ما قدر عليه؛ دل أنه على الاختيار يتكلم، وأما البيع والشراء ونحوه لم يتعلق بالكلام نفسه؛ إذ قد يكون بالأخذ والتسليم دون التكلم به؛ لذلك عمل الإكراه في إبطاله كما أبقاهم على الإيمان وحكمه، وإن أظهر بلسانه كلام الكفر بعد أن يكون قلبه مطمئنّاً بذلك، وعلى ذلك ما روي عن نبيّ الله حيث قال: "رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ ومَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْه" ؛ وذلك في الكفر ليس في غيره؛ لأن الإكراه على الكفر كان ظاهراً يومئذ، ولم يكن في غيره من طلاق وغيره.
وأمّا قتالنا إياهم؛ ليسلموا - فهو يحتمل وجوهاً: أحدها: على المجازاة؛ كقوله: ﴿ وَقَاتِلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً ﴾ ، فنقاتلهم ليظهروا الإسلام، وإن لم يعرف حقيقة على المجازاة.
والثاني: قبلنا منهم الإسلام على الإكراه لنقرهم فيما بين المسلمين؛ فيرون الإسلام ويتعلمون منهم حقيقة؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ إِذَا جَآءَكُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ ﴾ ؛ سمّاهنّ مؤمنات، ثم أمرنا بامتحانهن؛ بقوله: ﴿ فَٱمْتَحِنُوهُنَّ ﴾ ؛ فإنما يمتحنَّ؛ ليظهر حقيقة إيمانهن، وإلا لم يكن للامتحان معنى لولا ذلك.
وأصله: أن الله جعل حقيقة الإيمان والكفر بالقلب دون اللسان وغيْره من الجوارح؛ لأن غيره من الجوارح يجوز استعمالها بالإكراه، وأمّا القلب فإنه لا يملك أحد سواه استعماله، وذلك بفضله ومنّه.
﴿ وَلَـٰكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً ﴾ .
ومن شرح صدره بالكفر فهو كافر به إن كان ليس على الإكراه؛ لما ذكرنا أنه باختياره الكفر ينشرح له الصّدر لما لا يعمل الإكراه على القلب.
﴿ فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ .
ظاهر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ بِأَنَّهُمُ ﴾ .
أي: ذلك الغضب والعذاب بأنهم.
﴿ ٱسْتَحَبُّواْ ٱلْحَيَاةَ ٱلْدُّنْيَا عَلَىٰ ٱلآخِرَةِ ﴾ .
يحتمل وجهين: أحدهما: استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة؛ جحوداً وإنكاراً، وإلا نفس الاستحباب قد يكون من المؤمن؛ فلا يزيل عنه اسم الإيمان؛ كقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ إلى قوله - - ﴿ أَرَضِيتُمْ بِٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا مِنَ ٱلآخِرَةِ ﴾ ؛ فلم يزل عنهم اسم الإيمان باختيارهم واستحبابهم الحياة الدنيا؛ فدلّ أن الأول عن الجحود له والإنكار، وهذا على الميل إليه دون الجحود؛ أو أن يكون كذلك لما لم يروا الآخرة كائنة لا محالة ولكن ظنّاً ظنّوا لعلها كائنة؛ كقوله: ﴿ إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ ﴾ وأمّا أهل الإسلام فإنهم لم يكونوا فيها ظانين [متشككين]؛ ولكن متحققين مستيقنين؛ فاستحقوا بذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ ﴾ .
وقت اختيارهم الكفر؛ [لأن الله] لا يهدي القوم المختارين الكفر على الإيمان؛ وقال ذلك لقوم علم الله أنهم يختارون الكفر، وأنهم يموتون على الكفر؛ فلا يهديهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ ﴾ .
الطبع: هو التغطية: تغطي ظلمة الكفر نور القلب والسمع ونور البصر، كأن لكل أحد نورين وبصرين، ظاهر وباطن يبصر بهما جميعاً؛ فإذا ذهب أحدهما أو عمي - صار لا يبصر؛ كمن يبصر ببصر الظاهر، إنما يبصر بنور بصره ونور الهواء؛ فإذا دخل في أحدهما آفة ذهب الانتفاع، وصار لا يبصر شيئاً؛ فعلى ذلك للقلب بصر خفي، وبصر ظاهر الذي هو معروف؛ فإنما يبصر بهما؛ فإذا غطى ظلمة الكفر بصر القلب صار لا يبصر شيئاً؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ ﴾ أخبر أن الأبصار الظاهرة لم تعْمَ؛ ولكن عميت القلوب التي في الصدور، هذا يدل على - ما ذكرنا والله أعلم - معنى طبع السمع والبصر.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْغَافِلُونَ ﴾ .
يحتمل: غافلون عن النظر في آياته وحججه، ويحتمل: غافلون عما يحل بهم؛ بكفرهم وتكذيبهم آيات الله وحججه.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ لاَ جَرَمَ ﴾ .
قد ذكرنا ما قيل فيه: لا بد؛ وحقّاً، وقيل: هو حرف وعيد.
﴿ لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ هُمُ ٱلْخَاسِرونَ ﴾ .
قال الحسن: إنهم - والله - خسروا الجنة ورحمة الله، خسروا أهلهم ومنزلهم الذي كان لهم في الجنة، وخسروا منهم أنفسهم حين قذفوها في النار.
وقال أبو بكر الأصم: خسروا النعم الدائمة الباقية بالزائلة الفانية، وخسروا أنفسهم؛ حيث قتلوا، وأسروا في الدنيا، والله أعلم.
وقوْله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ﴾ .
قيل: عذبوا على الإيمان بمكة، ثم جاهدوا مع النبي وأصحابه عدوَّهم، وصبروا على ذلك.
﴿ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ .
قيل: من بعد الفتنة لغفور لما كان منهم، (رحيم) ذكر مرتين: أحدهما: قوله: ﴿ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ ﴾ ، ثم قال: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ ، [قيل: من بعد الفتنة] فيجيء أن يكتفى بواحد يقول: لغفور رحيم موصولاً بقوله: للذين فعلوا ما ذكر، لكنه ذكر مرتين - والله أعلم -: إنه لغفور لهم يعني: لهؤلاء الذين فتنوا وعذبوا، ولغيرهم.
ذكر أهل التأويل أن أناساً من المؤمنين خرجوا إلى المدينة فأدركهم المشركون؛ ليردوهم؛ فقاتلوهم؛ فمنهم من قتل، ومنهم من نجا؛ فأنزل الله - -: ﴿ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ...
﴾ الآية.
ومنهم من يقول - أيضاً -: فيهم نزل قوله: ﴿ الۤـمۤ * أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوۤاْ أَن يَقُولُوۤاْ آمَنَّا...
﴾ الآية [العنكبوت: 1-2].
وأكثرهم قالوا: إن قوله: ﴿ مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِٱلإِيمَانِ ﴾ : إنما نزل في عمار بن ياسر، وليس لنا إلى ذلك حاجة؛ إنما الحاجة فيما ذكرنا من الحكم فيه والحكمة، والله أعلم.
وقوْله - عزّ وجلّ -: ﴿ يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا ﴾ .
قال الحسن: ﴿ تُجَادِلُ ﴾ ، أي: تخبر، ﴿ عَن نَّفْسِهَا ﴾ : عما عملت من خير أو شرّ.
وقال أبو بكر الأصم: إن كل نفس رهينة بما كسبت من شر حتى يكون طائراً في عنقه.
ولكن ليس لنا فيما ذكر هؤلاء مجادلة، المجادلة: المخاصمة؛ كأنها تخاصم عن نفسها من ارتكاب أشياء، ودعوى أشياء على ما ذكر في غير آية؛ من قوله: ﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ ﴾ .
وقال بعضهم: إن جهنم تزفر زفرة حتى لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلاّ وقد جثا بركبتيه؛ خوفاً منها؛ فعند ذلك تجادل وتخاصم كل نفس عن نفسها، ويشبه أن يكون مجادلتهم على غير هذا، وهو ما ذكر: ﴿ شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا ﴾ ؛ فتلك مجادلتهم أنفسهم، وكقوله: ﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ ﴾ ، وكذلك ما ذكر في المنافقين: ﴿ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ...
﴾ الآية [المجادلة: 18].
وذلك كله مجادلتهم أنفسهم، أو أن يقال: ﴿ تُجَادِلُ ﴾ لكن لا يفسّر: ما تلك المجادلة؛ لأن الله - - ذكر المجادلة، ولم يذكر ما تلك المجادلة؟
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَتُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ﴾ .
أي: لا ينقصون من حسناتهم ولا يزدادون على سيئاتهم.
وهذه الآية تردّ على المعتزلة؛ لأنهم يقولون بالتخليد لصاحب الكبيرة، وقد أخبر أنه: توفى كل نفس ما عملت من سوء، ولا توفى ما عملت من الخيرات والطاعات.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً ﴾ .
اختلف في ضرب المثل بهذه الآية، وفي نزولها: قال بعضهم: ضرب المثل لأهل مكة، وفيها نزلت - بقريات نزل بهم العذاب؛ بتكذيبهم رسلهم في بني إسرائيل، يحذر أهل مكة بتكذيبهم رسول الله نزول العذاب بهم كما نزل بأوائلهم.
وقال بعضهم: ضرب المثل لأهل المدينة، وفيهم نزل بأهل مكة؛ يحذر أهل المدينة؛ لئلا يكذبوا محمداً كما كذب أهل مكة؛ فيحل بهم كما حل بأهل مكة من الناس الجوع والخوف؛ بالتكذيب.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ ﴾ .
قيل: هي مكة؛ أهلها كانوا آمنين فيها من خير أو شر، مطمئنين يأتيهم رزقهم من كل مكان.
ويحتمل قرية أخرى غيرها؛ كانوا على ما ذكر.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ٱللَّهِ ﴾ .
أي: كفرت بالشكر لأنعم الله، أي: لم يشكروها، ليس أنهم لم يروها من الله - - وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ فَأَذَاقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ وَٱلْخَوْفِ ﴾ .
اللّباس: هو ما يستر وجوه الجواهر، ألا ترى أنه سمى الليل لباساً؛ لما ستر وجوه الأشياء؛ فعلى ذلك الجوع يرفع الستر واللباس الّذي كان قبل الجوع؛ لأن الجوع إذا اشتد غيّر وجه صاحبه، ورفع ستره، والجوع: ما ذكر أنه أصابهم جوع حتى أكلوا الكلاب والجيف والعظام المحرقة.
والخوف [ما] ذكر أنه بعث رسول الله إليهم؛ ألا ترى أنه قال: "نُصِرْتُ بالرُّعْبِ مَسِيرةَ شَهْرَينِ" ، وقيل: الخوف: القتل.
وقوله: ﴿ رَغَداً ﴾ .
قال الكسائي: رغد الرجل إذا أصاب مالاً أو عيشاً من غير عناء وكدّ.
وقال القتبي: رغداً، أي كثيراً واسعاً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ ٱلْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ ﴾ .
قوله: ﴿ رَسُولٌ مِّنْهُمْ ﴾ ، أي: من أنفسهم، من نسبهم وحسبهم، يعرفونه، كقوله: ﴿ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ﴾ .
﴿ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ ٱلْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ ﴾ .
بالتكذيب؛ حيث وضعوا الشيء في غير موضعه، أو ظالمون على أنفسهم.
أخبر أنه بعث الرسول من جنسهم ومن حسبهم؛ لأنه إذا كان من غير جوهرهم لم يظهر لهم الآية من غير الآية، ولا الحجة من الشبهة؛ لأنه إذا خرج على غير المعتاد والطوق عرفوا أنه آية، وأنه حجة؛ إذ لا يعرفون من غير جوهرهم الخارج عن المعتاد والطوق، ويعرف ذلك من جوهرهم، وكذلك يعرف صدق من نشأ بين أظهرهم من كذبه، ولا يعرف إذا كان من غيرهم.
وقوْله - عزّ وجلّ -: ﴿ فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَـٰلاً طَيِّباً ﴾ .
قال بعضهم: الحلال والطيب: واحد، وهو الحلال، كأنه قال: كلوا ما أحل لكم؛ كقوله: ﴿ فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ ﴾ ، أي: ما حل لكم.
وقال بعضهم: ﴿ حَلَـٰلاً طَيِّباً ﴾ ، أي: حلالاً يطيب لكم ما تلذّذون به؛ لأن من الحلال ما لا تتلذذ به النفس ولا تستطيب؛ بل تكره، وقوله: تستطيب له أنفسكم وتتلذذ به، لا ما تستخبث [به]؛ لأنّ الله جعل غذاء البشر ما هو أطيب وألذ، وجعل للبهائم والأنعام ما هو أخبث وأخشن؛ لأن ما هو أطيب أدعى للشكر له.
ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَـٰلاً طَيِّباً ﴾ : لا تبعةَ عليكم.
وفي الآية دلالة أنه قد يرزق ما يخبث ولا يحل على ما يختارُهُ؛ حيث شرط فيه الحلال.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَٱشْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾ .
الشكر له عليهم لازم، وإن لم تعبدوا؛ وهو كقوله: ﴿ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ : طاعته وطاعة رسوله واجبة، وإن لم يكونوا مؤمنين، أو يقول: وجّهوا شكر نعمه إليه إن كنتم عابدين له بجهة، أي: افعلوا العبادة له والشكر في الأحوال كلها.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحْمَ ٱلْخِنزِيرِ ﴾ .
أي: حرم أكل الميتة وما ذكر؛ كأنه قال هذا، وذكر على أثر تحريمهم أشياء أحل لهم - لحوماً حرموا على أنفسهم - أشياء أحل لهم: من الزرع والأنعام، والبحيرة والسّائبة، وما ذكر؛ فقال: لم يحرم ذاك؛ ولكن إنما حرّم ما ذكر من الميتة والدم ولحم الخنزير ونحوه، على هذا يجوز أن يخرج تأويله، وأمّا على الابتداء فإنه يبعد، والله أعلم.
وقوله - عزّ وجلّ: ﴿ فَمَنِ ٱضْطُرَّ ﴾ .
إلى ما ذكر من المحرمات.
﴿ غَيْرَ بَاغٍ ﴾ .
على ما نهى عنه، وهو الشبع؛ كقوله: ﴿ فَمَنِ ٱضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ ﴾ .
﴿ وَلاَ عَادٍ ﴾ .
إليه.
وقال بعضهم: ﴿ غَيْرَ بَاغٍ ﴾ : يستحله في دينه؛ فلا عاد ولا متعدٍّ في أكله.
وقال بعضهم: غير باغ: على المسلمين مفارق بجماعتهم مُشَاقٍّ لهم، ولا عاد: عليهم؛ يستفهم، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم وأقاويلهم.
وأمّا تأويله عندنا: ﴿ غَيْرَ بَاغٍ ﴾ : على المسلمين سوى دفع الإهلاك عن نفسه، ﴿ وَلاَ عَادٍ ﴾ : متعد ومتجاوز اضطراره، ولا يحتمل ما قاله بعض الناس: غير باغ على الناس ولا متعد عليهم؛ لوجهين: أحدهما: أنه لا يحتمل البغي على الناس في حال الاضطرار؛ لأنه لا يقدر عليه والحال ما ذكر.
والثاني: أنه - وإن كان باغياً على ما ذكروا - لم يبح له التناول من الميتة؛ يكون باغياً على نفسه؛ لأنه إن لم يتناول هلكت نفسه؛ فيصير باغياً على نفسه فدلّ أنّه على ما ذكرنا.
وقوْله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ ٱلْكَذِبَ هَـٰذَا حَلاَلٌ وَهَـٰذَا حَرَامٌ ﴾ يحتمل: أي: لا تعودوا إلى ما وصفت ألسنتكم من الكذب هذا حلال وهذا حرام، وألا تقولوا الكذب الذي تصفه ألسنتكم: هذا حلال وهذا حرام.
وعن ابن عباس - - قال: لا تقولوا لما أحللتموه: هذا حلال، ولما حرمتموه: هذا حرام، وهو كقوله: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ...
﴾ الآية [يونس: 59].
وفي هذه الآية دلالة ألا يسع لأحد أن يقول: هذا مما أحله الله وهذا مما حرمه الله؛ إلا بإذن من الله، ومن يقول بأن الأشياء في الأصل على الإباحة أو على الحظر؛ فهو مفتر بذلك على الله الكذب؛ لأن الله لم يأذن له أن يقول ذلك؛ بل نهاه عن ذلك مما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ لِّتَفْتَرُواْ عَلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ ﴾ .
أي: تكونوا مفترين على الله الكذب إذا قلتم ذا.
فإن قيل: كيف سماهم مفترين على الله بتسميتهم الحرام حلالاً، والحلال - حراماً؟
قيل: لأن التحليل والتحريم؛ والأمر والنهي - ربوبية، فإذا حرموا شيئاً أحله الله، أو أحلوا شيئاً حرّمه الله - فكأنهم على الله افتروا أنه حرم أو أحل، أو حرموا هم وأحلوا فأضافوا ذلك إلى الله - - أنه هو الذي حرم أو أحل فقد افتروا على الله؛ لأن من أحلّ شيئاً حرمه الله، أو حرم شيئاً أحلّه الله - فقد كفر وليس من انتفع بالمحرم، أو ترك الانتفاع بالمحلل - كفر؛ إنما يصير آثماً مجرماً، وكذلك تارك الأمر ومرتكب النهي.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ ﴾ .
في تحليل ما حرم عليهم، وفي تحريم ما أحله، وقوْلهم: ﴿ وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا ﴾ .
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ لاَ يُفْلِحُونَ ﴾ .
أي: لا يفلحون وهم مفترون على الله، وأمّا إذا انتزعوا من الافتراء وتابوا أفلحوا، ولا يفلحون في الآخرة؛ إذا كانوا مفترين على الله في الدنيا.
ثم قوله: ﴿ مَتَاعٌ قَلِيلٌ ﴾ .
على الابتداء؛ وإنما سمّى قليلاً - والله أعلم - لوجوه: أحدها: أن متاع الدنيا على الزوال والانقطاع؛ فكل ما كان على شرف الزوال والانقطاع فهو قليل، كما قيل لكلّ آتٍ: قريبٌ؛ لما يأتي لا محالة؛ فعلى ذلك كل زائِل منقطع - قليلٌ.
والثاني: سمي قليلاً؛ لما هو مشوب بالآفات والأحزان وأنواع البلايا والشدائِد؛ فهو قليل في الحقيقة، أو أنّه سمّاه قليلاً؛ لما أن متاع الدنيا قليل عما وعَدَ في الآخرة؛ فمتاعها من متاع الآخرة قليل؛ لما ليس فيها الوجوه التي ذكرنا، والله أعلم.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَعَلَىٰ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ ﴾ .
وهو ما قصّ في سورة الأنعام، وهو قوله: ﴿ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَآ ﴾ إلى قوله: ﴿ ذٰلِكَ جَزَيْنَٰهُم بِبَغْيِهِمْ ﴾ ، وقوله: ﴿ فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ...
﴾ الآية [النساء: 160].
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ ﴾ .
بتحريم ما حرمنا عليهم؛ لأنا إنما حرمنا عليهم تلك الطيبات عقوبة لهم، وهو ما قال في سورة النساء، وهو قوله: ﴿ فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ ﴾ وهو ما قال: ﴿ ذٰلِكَ جَزَيْنَٰهُم بِبَغْيِهِمْ ﴾ أخبر أنه إنما حرم عليهم ذلك؛ بظلم كان منهم عقوبة وجزاء لبغيهم، لكن هم ظلموا أنفسهم في ذلك.
أو أن يكون قوله: ﴿ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ ﴾ ؛ لأنهم عبيده وإماؤه؛ ولله أن يمتحن عباده وإماءه بتحريم مرة، وبتحليل ثانياً، ولكن ظلموا أنفسهم؛ حيث وجهوها إلى غير مالكها، أو صرفوا شكر ما أنعم عليهم إلى غيره.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسُّوۤءَ بِجَهَالَةٍ ﴾ .
أي: عمل السوء بجهالة، ويحتمل وجهين: أحدهما: أن الفعل فعل جاهل وسفيه وإن لم يجهل؛ يقال لمن عمل السوء: يا جاهل يا سفيه.
والثاني: جهل ما يحل به بعمله السوء.
ثم [قوله] ﴿ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسُّوۤءَ بِجَهَالَةٍ...
﴾ إلى آخره، يمكن أن يكون في الآية إضمار لم يذكر؛ لأنه قال: ﴿ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسُّوۤءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوۤاْ ﴾ ثم كرر ذلك الحرف على الابتداء من غير أن ذُكر له جواب، وهو قوله: ﴿ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسُّوۤءَ بِجَهَالَةٍ ﴾ ﴿ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ .
فظاهر الجواب أن يقول: ﴿ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسُّوۤءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ ﴾ ﴿ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ ؛ على ما ذكرنا في قوله: ﴿ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ...
﴾ الآية [النحل: 110]؛ لكن يخرج على الإضمار، أو على التكرار: على إرادة التأكيد، أو على الابتداء والاكتفاء بجواب ذكره في موضع آخر.
ثم قال: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ : هذا - والله أعلم - جوابه، أي: إن ربك من بعد التوبة لغفور رحيم، فهمُوا قبل أن يعمل السوء، والعرب قد تكرر أشياء على إرادة التأكيد، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عزّ وجلّ -: ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً ﴾ .
قال عبد الله بن مسعود: الأمة: الذي يعلم الناس الخير، والقانت: المطيع لله.
وقال بعضهم: أمة قانتاً، أي: مؤمناً وحده والناس كلهم كفار.
وقال بعضهم: كان أمة، أي: إماماً يقتدى به [في كل خير؛ كقوله: ﴿ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً ﴾ .
وقال الحسن: كان أمة، أي سنة يقتدى به].
ويحتمل أن يكون سماه: أمّة، لما كان كالأمّة والجماعة من القيام مع الأعداء؛ لأنه، وإن كان منفرداً وحده، فكان قيامه مع الأعداء والأكابر منهم كالجماعة والأمة، والممتنع عنهم كالمتفرد.
وأصل الأمة؛ قيل: الجماعة والعدد.
ويحتمل قوله: ﴿ إِكَانَ أُمَّةً ﴾ ، أي: مجمع كل خير وكل طاعة؛ لما عمل هو من الخير عمل الجماعة، واجتمع فيه كل خير؛ فسميّ أمّة لهذا الذي ذكرنا، أو أن يكون تفسير الأمة ما ذكر على أثره: ﴿ قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً ﴾ ، والقانت، قيل: المطيع، والقنوت [هو القيام] - كما ذكر - "أنه سئل عن أفضل الصلاة؛ فقال: طولُ القُنُوتِ" ؛ أي: طول القيام؛ فعلى هذا: المعنى: هو القائم لله في كل ما يعبده وأمره به.
وقيل: ﴿ أُمَّةً ﴾ ، أي: ديناً؛ لقوله: ﴿ إِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ ، اي: دينكم ديناً واحداً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ حَنِيفاً ﴾ .
قيل: الحاج، وقيل: الحنيف: المسلم، وقيل: المخلص، وفيه كل ذلك: كان حاجّاً مسلماً مخلصاً لله، وأصل الحنف: الميل، أي: كان مائلاً إلى أمر الله وما يعبده به، والله أعلم.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَلَمْ يَكُ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ .
لا شك أنه لم يكن من المشركين، لكنه ذكر هذين الوجهين.
أحدهما: لما ادعى كل أهل الأديان أنهم على دينه وانتسب كل فرقة إليه فبرّأه الله من ذلك، وأخبر أنه ليس على ما هم عليه من الدين؛ وهو ما قال: ﴿ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً...
﴾ الآية [آل عمران: 67].
والثاني: ذكر هذا: أنه لم يكن من المشركين بقوله: ﴿ هَـٰذَا رَبِّي ﴾ ؛ لأنه هو كان ذلك عنه على ظاهر ما نطق: كان ذلك في الظاهر إشراكاً، ففيه مشبه في ظاهره؛ فبرأه الله عن ذلك وأخبر أن ذلك منه لم يكن إشراكاً، ولكن على المحاجة خرج ذلك منه محاجة قومه؛ لقوله: ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَٰهَآ إِبْرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ ﴾ ، والله أعلم.
وقوْله - عز وجل -: ﴿ شَاكِراً لأَنْعُمِهِ ﴾ .
أي: لم يصرف شكر نعمه إلى غير المنعم، بل صرف شكرها إلى منعمها، والشكر في الشاهد هو المكافأة، ولا يبلغ أحد من الخلائق في المرتبة التي يكافئ الله في أصغر نعمة أنعمها عليه، ولا يتفرغ أحد عن أداء ما عليه من إحسان الله عليه فضلاً أن يتفرغ لمكافأته؛ لكن الله - عز وجل - بفضله ومنّه سمىّ ذلك شكراً، وإن لم يكن في الحقيقة شكراً؛ كما ذكر الصدقة التي تصدّق بها العبد إقراضاً كما سمى تسليمه لنفسه وبذله الأمر لله - شراء، وإن كانت أنفسهُم وأموالهم في الحقيقة - له، ولا يطلب المرء في العرف القرض من عبده، وكذلك شراء؛ لكنّه بلطفه [وفضله] عامل عباده معاملة من لا ملك له في أنفسهم وأموالهم؛ فعلى ذلك في تسمية الشكر؛ والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱجْتَبَاهُ ﴾ .
قال بعضهم: لرسالته ونبوته، واجتباه من بين ذلك القوم وجعله إماماً يقتدى به.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَهَدَاهُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ .
وهو دين الإسلام، وهو ما ذكر: ﴿ قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً...
﴾ الآية [الأنعام: 161].
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَآتَيْنَاهُ فِي ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةً ﴾ .
قال بعضهم: الثناء الحسن، وقال بعضهم: الحسنة في الدنيا؛ لأن جميع أهل الأديان يتولّونه ويرضونه.
ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ وَآتَيْنَاهُ فِي ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةً ﴾ ، أي: ما آتاه الله - لم يؤته إلا حسنة؛ على ما ذكر في قوله: ﴿ رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً ﴾ - أي: ما آتيتناه في الدنيا، آتنا كلها حسنة؛ لأن قوله: ﴿ حَسَنَةً ﴾ إنما هي اسم حسنة واحدة أو أن يكون ﴿ وَآتَيْنَاهُ فِي ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةً ﴾ عند قبض روحه، أي: على الحسنة قبض روحه.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَإِنَّهُ فِي ٱلآخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ ﴾ .
أي: لم ينقص ما آتاه في الدنيا عما يؤتيه في الآخرة، وقال بعضهم في قوله: ﴿ وَآتَيْنَاهُ فِي ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةً ﴾ : النبوة والرسالة، أو أن يقال: إنّه لم يبين الحسنة التي أخبر أنه آتاها إياه؛ لكنه خصّ به كما هو خص في قوله: اللهم صل على محمد كما صليت على إبراهيم.
قد كان من إبراهيم معنى؛ حتى خص الله إبراهيم به من بين غيره؛ فذلك الأوّل، والله أعلم.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنِ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً ﴾ .
أي: دين إبراهيم وسبيله، وذكر في بعض الأخبار عن نبي الله أنه قال جبريل - - إلى إبراهيم - صلوات الله على نبينا وعليه - يوم التروية، فراح به إلى منى فعلمه المناسك كلها، وأراه أباه، فأوحى الله إلى محمد : ﴿ أَنِ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ ؛ فنحن أمرنا أن نتبع ملّته في الحج وفي غيره.
وأصل الملّة: الدّين، والله أعلم؛ كقوله: "لا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَينِ" ، أي: أهل دينين.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا جُعِلَ ٱلسَّبْتُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ ﴾ .
قال بعضهم: اختلافهم؛ وذلك أن موسى - - أمر بني إسرائيل أن يتفرغوا في كل سبعة أيام يوماً للعبادة، وهو يوم الجمعة، وينزعوا فيه عمل دنياهم؛ فقالوا: نتفرغ يوم السبت؛ فإن الله لم يخلق يوم السبت شيئاً؛ فقال فريق منهم: انظروا إلى ما يأمركم نبيّكم؛ فخذوا به، فذلك اختلافهم؛ فجعل لهم يوم السبت على ما سألوا، فاستحلوا فيه المعاصي؛ فحرم الله عليهم العمل فيه؛ عقوبة لهم.
وقال الحسن وقتادة: ﴿ إِنَّمَا جُعِلَ ٱلسَّبْتُ ﴾ ، أي: إنما لعن في السبت؛ فمسخوا قردة ﴿ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ ﴾ ، وكان اختلافهم أنه حرمه بعضهم، واستحله بعضٌ.
وقال أبو بكر: اختلافهم كان في تكذيب الرسل والأنبياء فمنهم من صدق، ومنهم من كذب؛ فحرم عليهم يوم السبت؛ عقوبة [لهم]؛ أو أن يكون اختلافهم ما سألوا موسى من الآيات العجيبة والأسئلة الوحشة؛ كقولهم: ﴿ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً ﴾ ، وكقوله: ﴿ ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ﴾ ، ونحوه بعدما أقام عليهم من الآيات ما كانت لهم فيها كفاية فيشبه أن يكون اختلافهم الذي ذكر ذلك.
وقوله: ﴿ إِنَّمَا جُعِلَ ٱلسَّبْتُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ ﴾ : يخرج على وجهين: أحدهما: (إنما جعل محنة السبت على الذين اختلفوا فيه)، أي: على الذين فسقوا فيه؛ حيث قال: ﴿ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ ﴾ .
والثاني: إنما جعل عقوبة السبت على الذين اعتدوا فيه دون الذين اختلفوا فيه؛ لأن فريقاً منهم قد نهوهم عن ذلك، وفريقاً قد اعتدوا؛ فأهلك الذين اعتدوا دون الذين نهوهم.
وقوله: ﴿ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ ﴾ : يحتمل فيه، أي: في موسى، أو في يوم السبت الذي اختلفوا فيه وعوقبوا فيه، والله أعلم.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ .
يحكم بينهم بالجزاء، ويحكم بما بين لهم المحق من المبطل: [لكن لو قيل: قد بين في الدنيا: بين المحق من المبطل؛ حيث أهلك] فريقاً؛ وأنجى فريقاً؛ فكيف قال: يحكم بينهم فيما كانوا فيه يختلفون؟
لكن يشبه أن يكون ذلك بالجزاء على ما ذكرنا.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ ﴾ .
قيل: دين ربك.
﴿ بِٱلْحِكْمَةِ ﴾ .
قال الحسن: الحكمة: القرآن، أي: ادعهم إلى دين الله بالقرآن.
وقال بعضهم: بالحكمة: بالحجة والبرهان، أي: ادعهم إلى دين الله بالحجج والبراهين؛ أي: ألزمهم دين الله بالحجج والبراهين؛ حتى يقروا به.
وقوله - عزّ وجلّ: ﴿ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ ﴾ .
قال الحسن: أي عظهم بالمواعظ التي وعظهم الله - - في الكتاب.
وقال أبو بكر: أي ذكرهم النعم التي أنعم عليهم، ﴿ وَجَٰدِلْهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ ، أي: جادلهم أحسن المجادلة بلين القول، وخفض الجانب والجناح؛ لعلهم يقبلون دينهم، ويخضعون لربهم.
وكذلك اختلفوا في قوله: ﴿ وَإِذْ عَلَّمْتُكَ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ ﴾ ، وقوله: ﴿ لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ﴾ : قال الحسن: الكتاب والحكمة: واحد؛ اسم شيء، وهو القرآن.
وقال بعضهم: الكتاب هو القرآن، وهو سماع الوحي، والحكمة: وحي الإلهام، وهو السنة.
وقال بعضهم: الكتاب: هو التنزيل، والحكمة: هي المعنى المودع فيه؛ فمن يقول: إن الكتاب والحكمة واحد، وهي القرآن يقول في قوله: ﴿ ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ ﴾ : القرآن، ومن يقول عنه: إنهما غيرٌ - يقول - هاهنا -: إنّ الحكمة: الحجة والبرهان، إمّا من جهة الإلهام أو من جهة الانتزاع من الكتاب.
ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ ﴾ : التي ذكر في هذه السورة؛ من ذلك قوله: ﴿ يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ ﴾ : يعني: من بطون النحل، وقوله: ﴿ وَإِنَّ لَكُمْ فِي ٱلأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَناً خَالِصاً سَآئِغاً لِلشَّارِبِينَ ﴾ ، وما ذكر أنه يخرج من الخشب اليابسة - الأعناب وأنواع الثمرات ونحوه؛ فذلك كله بحكمته، أي: ادعهم إلى دينه وذكرهم بهذا، وهم يقرون به؛ ليقبلوا دينه ويخضعوا لأمره.
والموعظة الحسنة: ما ذكر في قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإحْسَانِ...
﴾ الآية [النحل: 90]، وذلك كله مستحسن في العقل وتوجبه الحكمة؛ لأن العدل والإحسان، وما ذكر من إيتاء ذي القربى - الصدقة - مستحسن في عقل كل أحد.
والانتهاء - أيضاً - عن الفحشاء والمنكر مستحسن، مستقبح ارتكابه وإتيانه؛ كأن الحكمة هي التي تشتمل على العلم والعمل جميعاً؛ كأنه قال: ادعهم إلى دين الله بالعلم والعمل جميعاً؛ حتى ينجع ذلك فيهم؛ أو: ادعهم باللّين وخفض الجناح مرة، [و] بالعنف والخشونة ثانياً؛ فيكون وضع الشيء موضعه، ثم قال: ﴿ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ .
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَجَٰدِلْهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ .
يحتمل - والله أعلم - أي: جادلهم بالذي يقرون على ما ينكرون، وهو ما ذكر: ﴿ أَفَمَن يَخْلُقُ...
﴾ الآية [النحل: 17]، وقوله: ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً ﴾ ، وقوله: ﴿ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَّمْلُوكاً...
﴾ الآية [النحل: 75]، وقوله: ﴿ وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَآ أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ...
﴾ الآية [النحل: 76]، وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي ٱلْرِّزْقِ فَمَا ٱلَّذِينَ فُضِّلُواْ بِرَآدِّي رِزْقِهِمْ عَلَىٰ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ...
﴾ الآية [النحل: 71]، ونحو هذا.
يجادلهم بأحسن المجادلة بالذي يقرون أنه كذلك على الذين ينكرون؛ فيلزمهم القبول والخضوع له.
ثم في الآية دلالة تعليم المناظرة في الدين وكيفية المعاملة - بعضهم لبعض - فيها؛ حيث قال: ﴿ ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ ﴾ : التي عنده بالقرآن أو غيره من الحجج والبينات، ﴿ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ وَجَٰدِلْهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ : هكذا يجب أن يناظر بعضهم بعضاً بالوجه الذي وصف الله، وعلى ذلك ما ذكر الله في كتابه: مناظرة الأنبياء والرسل مع الفراعنة والأكابر، وهو ما قال: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ...
﴾ إلى آخر ما ذكر، وقوْله: ﴿ وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَٰجُّوۤنِّي فِي ٱللَّهِ...
﴾ الآية [الأنعام: 80]، [و] مناظرة فرعون مع موسى - صلوات الله عليه - حيث قال: ﴿ وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ * قَالَ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ...
﴾ الآية [الشعراء: 23-24]، ولما قال: ﴿ رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ ﴾ ، وقوله: ﴿ فَأْتِ بِهِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ ﴾ ، وما قال: ﴿ قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يٰمُوسَىٰ قَالَ رَبُّنَا ٱلَّذِيۤ أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ ﴾ وأمثاله ممّا يكثر، فهذه مناظرة الرسل والأنبياء مع الفراعنة والأعداء؛ فكيف المناظرة بين الأولياء؟!
فهذا كله يردّ على من يأبى المناظرة في الدين ويمتنع عن التكلم فيه والاحتجاج.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ﴾ .
في الآية نسبتهم إلى الضلال إشارة وكناية لا تصريحاً؛ لأنه لم يقل لهم مصرحاً: إنكم قد ضللتم عن سبيله؛ لحسن معاملته التي علم رسوله وأمره أن يعاملهم؛ لأن ذلك أقرب إلى القبول وأَمْيل إلى القلوب وآخذ؛ ألا ترى أنه قال لموسى وهارون حين أرسلهما إلى فرعون: ﴿ فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ﴾ .
اختلف في سبب نزول ذلك: قال بعضهم: [نزلت] في أصحاب رسول الله ، وذلك أن نفراً منهم قد مثلوا يوم أحد مثلة سيّئة: من قطع الآذان، وتجديع الأنوف، وبقر البطون، ونحوه؛ فقال أصحابهم: لئن أدالنا الله منهم لنفعلن ولنفعلن كذا وكذا.
فأرادوا أن يجازوا بذلك؛ فأنزل الله: ﴿ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ...
﴾ الآية [النحل: 126].
وفيه البشارة لهم بالنصر والظفر على أعدائهم؛ لأنه لو لم يكنْ لهم الظفر فكيف يقدرون على معاقبة مثل ما عاقبوا؛ دل أنه على البشارة لهم بالنصر والظفر بهم.
وفيه دلالة جواز أخذ من لم يتولّ القتل والأخذ والضرب؛ لما لعلهم لا يظفرون بأولئك الذين تولّوا ذلك، لكن لا يؤاخذ إخوانهم بهم؛ لما بمعونة بعضهم بعضاً فيها، ويكون فيه دليل أخذ قطاع الطريق بالقتل والقطع، وإن كان الذي تولّى ذلك بعضٌ منهم؛ لما أن من تولّى ذلك إنّما تولى بمعونة من لم يتول.
وقال بعضهم: إنما نزلت الآية في ابتداء الأمر الذي كان القتل مع الكفرة قتل مجازاة؛ مثل قوله: ﴿ وَقَاتِلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً ﴾ ، وكقوله: ﴿ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَٱقْتُلُوهُمْ ﴾ ، ومثله؛ فإذا كان على المجازاة أمر ألا يتجاوزوا عقوبتهم، ولكن بمثله، وأمّا إذا كان القتال معهم لا قتال مجازاة فإنهم يقتلون جميعاً إذا أبوا الإسلام؛ بقوله: ﴿ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ...
﴾ الآية [التوبة: 29]، وقوله - -: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله" ، وقوله - - ﴿ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ ﴾ .
وقال بعضهم: لا، ولكن قد نزلت في أهل الإسلام، وحكمه في القصاص والقطع فيما دون النفس والجراحات: أمر ألا يتجاوزوا حقوقهم؛ كقوله: ﴿ وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ﴾ ، وقوله: ﴿ فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ...
﴾ الآية [البقرة: 194]، وقوله: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى...
﴾ الآية [البقرة: 178].
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَلَئِن صَبَرْتُمْ ﴾ .
على ذلك.
﴿ لَهُوَ خَيْرٌ ﴾ اي: الصبر خير ﴿ لِّلصَّابِرينَ ﴾ .
ودل قوله: ﴿ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ ﴾ على أن الآية في القصاص لا في الحرب؛ لأنه في الحرب لا يقال اصبر ولا تصبر، بل يكون الصبر جهاداً؛ دل أنه في غير المحاربة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِٱللَّهِ ﴾ .
أي: ما توفيقك على الصّبر إلا بالله؛ كقول شعيب: ﴿ وَمَا تَوْفِيقِيۤ إِلاَّ بِٱللَّهِ...
﴾ الآية [هود: 88].
والثاني: واصبر وما صبرك إلا بالله، أي: تركك القصاص لأمر الله؛ حيث أمرك به، لا لضعف أو عجز فيك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ﴾ .
قال: إنه كان يحزن ويضيق صدره؛ لمكان كفرهم بالله، وتركهم الإيمان بالله؛ كقوله: ﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ﴾ ، وقوله: ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ﴾ ؛ فقال: ﴿ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ﴾ : لذلك على التسلي والتخفيف لا على النهي عن ذلك.
ويحتمل: أن يكون قوله: ﴿ وَلاَ تَحْزَنْ ﴾ : على المؤمنين الذين قتلوا واستشهدوا؛ لأنهم مستبشرون فرحون عند ربّهم بما آتاهم الله من فضله [؛ كقوله: ﴿ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ أي: لا تحزن عليهم، وهم فيما ذكر.
أو لا تحزن على المؤمنين، ولا يضيقن صدرك مما يمكر بك أولئك الكفرة؛ إذ كانوا يكفرون برسول الله وبأصحابه ويؤذونهم، أخبر أن لا يضيقن صدرك لذلك.
وقال بعضهم: نزلت في أمر حمزة سيّد الشهداء: أنه مثل به وجرح جراحات عظيمة؛ فاشتد على النبي فقال: "لَئِنْ ظَفِرْنَا بِأُولَئِكَ لَنَفْعَلَنَّ كَذَا وَلَنَفْعَلَنَّ كَذَا؛ فنزلت الآية: ﴿ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ...
﴾ " ، لكن إن ثبت هذا فإنه يكون في الوقت الذي كان يؤخذ غيره - القاتل والجارح - بالقتل، وذلك قد كان في الابتداء؛ ألا ترى أنّه قال: ﴿ ٱلْحُرُّ بِالْحُرِّ وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ...
﴾ : كانوا همّوا أن يأخذوا الحرّ بالعبد والذكر بالأنثى، حتى نزل هذا فصار منسوخاً به، وبقوله: ﴿ وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَٰوةٌ ﴾ ، ولو كان يؤخذ غير القاتل بالقصاص - لم يكن فيه حياة، أو إن قالوا في الحرب مع الكفرة فذلك لا يحتمل؛ لأنه في الحرب لهم أن يقتلوا الكل، وألا يتركوا واحداً منهم؛ دلّ أنه يخرج على أحد وجهين: على النسخ الذي ذكرنا.
أو على النهي عن أخذ أكثر من حقه، وكقوله: ﴿ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ...
﴾ الآية [البقرة: 194].
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ ﴾ .
[يحتمل: اتقوا] مخالفة الله ورسوله بالنصر لهم والعون؛ فإن الله ناصركم ومعينكم عليهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ ﴾ .
في العمل والتوحيد، أو يقول: إن الله مع الذين اتقوا محارم الله وارتكاب مناهيه بالنصر لهم والمعونة.
﴿ وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ ﴾ .
إلى نعم الله - عزّ وجلّ - بالقيام بالشكر لها.
وبالله التوفيق، وصلى الله - - على سيدنا محمد وآله أجمعين.