تفسير الآية ٢ من سورة الحجر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 15 الحجر > الآية ٢ من سورة الحجر

رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَوْ كَانُوا۟ مُسْلِمِينَ ٢

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 78 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٢ من سورة الحجر من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٢ من سورة الحجر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ) إخبار عنهم أنهم سيندمون على ما كانوا فيه من الكفر ، ويتمنون لو كانوا مع المسلمين في الدار الدنيا .

ونقل السدي في تفسيره بسنده المشهور عن ابن عباس ، وابن مسعود ، وغيرهما من الصحابة : أن الكفار لما عرضوا على النار ، تمنوا أن لو كانوا مسلمين .

وقيل : المراد أن كل كافر يود عند احتضاره أن لو كان مؤمنا .

وقيل : هذا إخبار عن يوم القيامة ، كما في قوله تعالى : ( ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين ) [ الأنعام : 27 ] وقال سفيان الثوري : عن سلمة بن كهيل ، عن أبي الزعراء ، عن عبد الله في قوله : ( ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ) قال : هذا في الجهنميين إذ رأوهم يخرجون من النار .

وقال ابن جرير : حدثنا المثنى ، حدثنا مسلم ، حدثنا القاسم ، حدثنا ابن أبي فروة العبدي أن ابن عباس وأنس بن مالك كانا يتأولان هذه الآية : ( ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ) يتأولانها : يوم يحبس الله أهل الخطايا من المسلمين مع المشركين في النار .

قال : فيقول لهم المشركون : ما أغنى عنكم ما كنتم تعبدون في الدنيا .

قال : فيغضب الله لهم بفضل رحمته ، فيخرجهم ، فذلك حين يقول : ( ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ) وقال عبد الرزاق : أخبرنا الثوري ، عن حماد ، عن إبراهيم ، عن خصيف ، عن مجاهد قالا : يقول أهل النار للموحدين : ما أغنى عنكم إيمانكم ؟

فإذا قالوا ذلك ، قال : أخرجوا من كان في قلبه مثقال ذرة ، قال : فعند ذلك قوله : ( [ ربما ] يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ) وهكذا روي عن الضحاك ، وقتادة ، وأبي العالية ، وغيرهم .

وقد ورد في ذلك أحاديث مرفوعة ، فقال الحافظ أبو القاسم الطبراني .

حدثنا محمد بن العباس هو الأخرم ، حدثنا محمد بن منصور الطوسي ، حدثنا صالح بن إسحاق الجهبذ - دلني عليه يحيى بن معين - حدثنا معرف بن واصل ، عن يعقوب بن أبي نباتة عن عبد الرحمن الأغر ، عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إن ناسا من أهل لا إله إلا الله يدخلون النار بذنوبهم ، فيقول لهم أهل اللات والعزى : ما أغنى عنكم قولكم : لا إله إلا الله وأنتم معنا في النار ، فيغضب الله لهم ، فيخرجهم ، فيلقيهم في نهر الحياة ، فيبرءون من حرقهم كما يبرأ القمر من خسوفه ، فيدخلون الجنة ، ويسمون فيها الجهنميين " فقال رجل : يا أنس ، أنت سمعت هذا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟

فقال أنس : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار " .

نعم ، أنا سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول هذا .

ثم قال الطبراني : تفرد به الجهبذ الحديث الثاني : وقال الطبراني أيضا : حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، حدثنا أبو الشعثاء علي بن حسن الواسطي ، حدثنا خالد بن نافع الأشعري ، عن سعيد بن أبي بردة ، عن أبيه ، عن أبي موسى - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إذا اجتمع أهل النار في النار ، ومعهم من شاء الله من أهل القبلة ، قال الكفار للمسلمين : ألم تكونوا مسلمين ؟

قالوا : بلى .

قالوا : فما أغنى عنكم الإسلام !

فقد صرتم معنا في النار ؟

قالوا : كانت لنا ذنوب فأخذنا بها .

فسمع الله ما قالوا ، فأمر بمن كان في النار من أهل القبلة فأخرجوا ، فلما رأى ذلك من بقي من الكفار قالوا : يا ليتنا كنا مسلمين فنخرج كما خرجوا " .

قال : ثم قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ( الر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ) ورواه ابن أبي حاتم من حديث خالد بن نافع به ، وزاد فيه : ( بسم الله الرحمن الرحيم ) ، عوض الاستعاذة .

الحديث الثالث : وقال الطبراني أيضا : حدثنا موسى بن هارون ، حدثنا إسحاق بن راهويه قال : قلت لأبي أسامة : أحدثكم أبو روق - واسمه عطية بن الحارث - : حدثني صالح بن أبي طريف قال : سألت أبا سعيد الخدري فقلت له : هل سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول في هذه الآية : ( ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ) ؟

قال : نعم ، سمعته يقول : " يخرج الله ناسا من المؤمنين من النار بعدما يأخذ نقمته منهم " .

وقال : " لما أدخلهم الله النار مع المشركين قال لهم المشركون : تزعمون أنكم أولياء الله في الدنيا ، فما بالكم معنا في النار ؟

فإذا سمع الله ذلك منهم ، أذن في الشفاعة لهم فتشفع الملائكة والنبيون ، ويشفع المؤمنون ، حتى يخرجوا بإذن الله ، فإذا رأى المشركون ذلك ، قالوا : يا ليتنا كنا مثلهم ، فتدركنا الشفاعة ، فنخرج معهم " .

قال : " فذلك قول الله : ( ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ) فيسمون في الجنة الجهنميين من أجل سواد في وجوههم ، فيقولون : يا رب ، أذهب عنا هذا الاسم ، فيأمرهم فيغتسلون في نهر الجنة ، فيذهب ذلك الاسم عنهم " ، فأقر به أبو أسامة ، وقال : نعم .

الحديث الرابع وقال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين ، حدثنا العباس بن الوليد النرسي حدثنا مسكين أبو فاطمة ، حدثني اليمان بن يزيد ، عن محمد بن حمير عن محمد بن علي ، عن أبيه ، عن جده قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " منهم من تأخذه النار إلى ركبتيه ، ومنهم من تأخذه النار إلى حجزته ، ومنهم من تأخذه النار إلى عنقه ، على قدر ذنوبهم وأعمالهم ، ومنهم من يمكث فيها شهرا ثم يخرج منها ، ومنهم من يمكث فيها سنة ثم يخرج منها ، وأطولهم فيها مكثا بقدر الدنيا منذ يوم خلقت إلى أن تفنى ، فإذا أراد الله أن يخرجوا منها قالت اليهود والنصارى ومن في النار من أهل الأديان والأوثان لمن في النار من أهل التوحيد : آمنتم بالله وكتبه ورسله ، فنحن وأنتم اليوم في النار سواء ، فيغضب الله لهم غضبا لم يغضبه لشيء فيما مضى ، فيخرجهم إلى عين في الجنة ، وهو قوله : ( ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ) .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

اختلفت القراء في قراءة قوله ( رُبَمَا ) فقرأت ذلك عامة قرّاء أهل المدينة وبعض الكوفيين ( رُبَمَا ) بتخفيف الباء، وقرأته عامة قرّاء الكوفة والبصرة بتشديدها.

والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إنهما قراءتان مشهورتان ، ولغتان معروفتان بمعنى واحد، قد قرأ بكلّ واحدة منهما أئمة من القرّاء، فبأيتهما قرأ القارئ فهو مصيب.

واختلف أهل العربية في معنى " ما " التي مع " ربّ"، فقال بعض نحويي البصرة: أدخل مع ربّ " ما " ليتكلم بالفعل بعدها، وإن شئت جعلت " ما " بمنـزلة شيء، فكأنك قلت: ربّ شيء، يود: أي ربّ ودّ يودّه الذين كفروا.

وقد أنكر ذلك من قوله بعض نحويِّي الكوفة، وقال: المصدر لا يحتاج إلى عائد، والودّ قد وقع على " لو "، ربما يودون لو كانوا: أن يكونوا ، قال: وإذا أضمر الهاء في " لو " فليس بمفعول، وهو موضع المفعول، ولا ينبغي أن يترجم المصدر بشيء، وقد ترجمه بشيء، ثم جعله ودّا، ثم أعاد عليه عائدا.

فكان الكسائي والفرّاء يقولان: لا تكاد العرب توقع " ربّ" على مستقبل، وإنما يوقعونها على الماضي من الفعل كقولهم: ربما فعلت كذا، وربما جاءني أخوك ، قالا وجاء في القرآن مع المستقبل: ربما يودّ، وإنما جاز ذلك لأن ما كان في القرآن من وعد ووعيد وما فيه، فهو حقّ كأنه عيان، فجرى الكلام فيما لم يكن بعد مجراه فيما كان، كما قيل وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وقوله وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ كأنه ماض وهو منتظر لصدقه في المعنى، وأنه لا مكذّب له، وأن القائل لا يقول إذا نَهَى أو أمر فعصاه المأمور يقول: أما والله لربّ ندامة لك تذكر قولي فيها لعلمه بأنه سيندم، والله ووعده أصدق من قول المخلوقين.

وقد يجوز أن يصحب ربما الدائم وإن كان في لفظ يفعل، يقال: ربما يموت الرجل فلا يوجد له كفن، وإن أُوليت الأسماء كان معها ضمير كان، كما قال أبو داود: رُبَّمَــا الجــامِلُ المُــؤَبَّل فِيهِــمُ وعنـــاجِيجُ بَيْنَهُـــنَّ المِهَـــارُ (1) فتأويل الكلام: ربما يودّ الذين كفروا بالله فجحدوا وحدانيته لو كانوا في دار الدنيا مسلمين.

كما حدثنا عليّ بن سعيد بن مسروق الكندي، قال: ثنا خالد بن نافع الأشعري، عن سعيد بن أبي بردة، عن أبي بردة، عن أبي موسى، قال: بلغنا أنه إذا كان يوم القيامة، واجتمع أهل النار في النار ومعهم من شاء الله من أهل القبلة، قال الكفار لمن في النار من أهل القبلة: ألستم مسلمين؟

قالوا: بلى، قالوا: فما أغنى عنكم إسلامكم وقد صرتم معنا في النار؟

قالوا: كانت لنا ذنوب فأخذنا بها ، فسمع الله ما قالوا، فأمر بكل من كان من أهل القبلة في النار فأخرجوا، فقال من في النار من الكفار: يا ليتنا كنا مسلمين ، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ * رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ .

حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا عمرو بن الهيثم أبو قَطن القُطْعيّ، ورَوح القيسيّ، وعفان بن مسلم واللفظ لأبي قَطن قالوا: ثنا القاسم بن الفضل بن عبد الله بن أبي جروة، قال: كان ابن عباس وأنس بن مالك يتأولان هذه الآية ( رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ) قالا ذلك يوم يجمع الله أهل الخطايا من المسلمين والمشركين في النار.

وقال عفان: حين يحبس أهل الخطايا من المسلمين والمشركين ، فيقول المشركون: ما أغنى عنكم ما كنتم تعبدون ، زاد أبو قطن: قد جُمِعنا وإياكم ، وقال أبو قَطن وعفان: فيغضب الله لهم بفضل رحمته ، ولم يقله روح بن عبادة ، وقالوا جميعا: فيخرجهم الله، وذلك حين يقول الله ( رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ).

حدثنا الحسن، قال: ثنا عفان، قال: ثنا أبو عوانة، قال: ثنا عطاء بن السائب، عن مجاهد، عن ابن عباس، في قوله ( رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ) قال: يدخل الجنة ويرحم حتى يقول في آخر ذلك: من كان مسلما فليدخل الجنة ، قال: فذلك قوله ( رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ).

حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله ( رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ) ذلك يوم القيامة يتمنى الذين كفروا لو كانوا موحدين.

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان عن سلمة بن كهيل، عن أبي الزعراء، عن عبد الله، في قوله ( رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ) قال: هذا في الجهنميين إذا رأوهم يخرجون من النار.

حدثني المثنى، قال: أخبرنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا ابن أبي فروة العبدي أن ابن عباس وأنس بن مالك كانا يتأوّلان هذه الآية ( رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ) يتأوّلانها يوم يحبس الله أهل الخطايا من المسلمين مع المشركين في النار، قال: فيقول لهم المشركون: ما أغنى عنكم ما كنتم تعبدون في الدنيا، قال: فيغضب الله لهم بفضل رحمته، فيخرجهم، فذلك حين يقول ( رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ) حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عطاء بن السائب، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: ما يزال الله يُدخل الجنة، ويرحم ويشفع حتى يقولَ: من كان من المسلمين فليدخل الجنة ، فذلك قوله ( رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ).

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، عن هشام الدَّستوائي، قال: ثنا حماد، قال: سألت إبراهيم عن هذه الآية ( رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ) قال: حدثت أن المشركين قالوا لمن دخل النار من المسلمين: ما أغنى عنكم ما كنتم تعبدون ، قال: فيغضب الله لهم، فيقول للملائكة والنبيين: اشفعوا ، فيشفعون، فيخرجون من النار، حتى إن إبليس ليتطاول رجاء أن يخرج معهم ، قال: فعند ذلك يودّ الذين كفروا لو كانوا مسلمين.

حدثني المثنى، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، عن إبراهيم، أنه قال في قول الله عزّ وجلّ: ( رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ) قال: يقول من في النار من المشركين للمسلمين: ما أغنت عنكم " لا إله إلا الله " قال: فيغضب الله لهم، فيقول: من كان مسلما فليخرج من النار ، قال: فعند ذلك ( يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ).

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن حماد، عن إبراهيم في قوله ( رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ) قال: إن أهل النار يقولون: كنا أهل شرك وكفر، فما شأن هؤلاء الموحدين ما أغنى عنهم عبادتهم إياه ، قال: فيخرج من النار من كان فيها من المسلمين.

قال: فعند ذلك ( يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ).

حدثنا الحسن بن يحيى، أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوريّ، عن حماد، عن إبراهيم، عن خصيف، عن مجاهد، قال: يقول أهل النار للموحدين: ما أغنى عنكم إيمانكم؟

قال: فإذا قالوا ذلك، قال: أخرجوا من كان في قلبه مثقال ذرّة ، فعند ذلك ( يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ).

حدثني المثنى، قال: ثنا مسلم، قال: ثنا هشام، عن حماد، قال: سألت إبراهيم عن قول الله عزّ وجلّ( رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ) قال: الكفار يعيرون أهل التوحيد: ما أغنى عنكم لا إله إلا الله ، فيغضب الله لهم، فيأمر النبيين والملائكة فيشفعون، فيخرج أهل التوحيد، حتى إن إبليس ليتطاول رجاء أن يخرج، فذلك قوله ( رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ).

حدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا عبد السلام، عن خصيف، عن مجاهد، قال: هذا في الجهنميين، إذا رأوهم يخرجون من النار ( يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ).

حدثني المثنى، قال: ثنا الحجاج بن المنهال، قال: ثنا حماد، عن عطاء بن السائب، عن مجاهد، قال: إذا فرغ الله من القضاء بين خلقه، قال: من كان مسلما فليدخل الجنة ، فعند ذلك ( يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ).

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، وحدثني الحسن، قال: ثنا شبابة، قال: ثنا ورقاء، وحدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ( رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ) قال: يوم القيامة.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن جويبر، عن الضحاك في قوله ( رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ) قال: فيها وجهان اثنان، يقولون: إذا حضر الكافر الموت ودّ لو كان مسلما.

ويقول آخرون: بل يعذّب الله ناسا من أهل التوحيد في النار بذنوبهم، فيعرفهم المشركون فيقولون: ما أغنت عنكم عبادة ربكم ، وقد ألقاكم في النار ، فيغضب لهم فيخرجهم، فيقول ( رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ).

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، في قوله ( رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ) قال: نـزلت في الذين يخرجون من النار.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ) وذلك والله يوم القيامة، ودّوا لو كانوا في الدنيا مسلمين.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ( رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ) (2) .

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عطاء، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: ما يزال الله يدخل الجنة ويشفع حتى يقول: من كان من المسلمين فليدخل الجنة ، فذلك حين يقول ( رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ).

------------------------ الهوامش: (1) البيت لأبي داود الإيادي ( خزانة الأدب 4 : 188 ) وهو شاهد على أن رب المكفوفة بما لا تدخل إلا على الفعل عند سيبويه ، وهذا البيت شاذ عنده ، لدخول رب المكفوفة فيه على الجملة الإسمية ، فإن الجامل مبتدأ والمؤبل صفة وفيهم هو الخبر ، وتكون رب كما قال أبو حيان من حروف الابتداء ، تدخل على الجمل فعلية أو اسمية للقصد إلى تقليل النسبة المفهومة من الجملة ، فإذا قلت : ربما قام زيد فكأنك قللت النسبة المفهومة من قيام زيد ، وكذلك إذا قلت ربما زيد شاعر ، قللت نسبة شعر زيد ، وعن بعضهم أن رب المكفوفة نقلت من معنى التقليل إلى معنى التحقيق ، كما نقلت قد الداخلة على المضارع في نحو قوله تعالى " قد يعلم ما أنتم عليه " من معنى التقليل إلى معنى التحقيق .

ودخولها على الجملة الاسمية مذهب المبرد والزمخشري وابن مالك .

والجامل : الجماعة من الإبل ، لا واحد لها من لفظها ويقال إبل مؤبلة : إذا كان للقنية ، والعناجيج : الخيل الطوال الأعناق ، واحدها : عنجوج ، والمهار : جمع مهر ، وهو ولد الفرس ، والأنثى مهرة .

(2) أي بمثل حديث بشر قبله ، لأن كلا الإسنادين ينتهي إلى قتادة .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين رب لا تدخل على الفعل ، فإذا لحقتها " ما " هيأتها للدخول على الفعل تقول : ربما قام زيد ، وربما يقوم زيد .

ويجوز أن تكون ما نكرة بمعنى شيء ، ويود صفة له ; أي رب شيء يود الكافر .

وقرأ نافع وعاصم ربما مخفف الباء .

الباقون مشددة ، وهما لغتان .

قال أبو حاتم : أهل الحجاز يخففون ربما ; قال الشاعر :ربما ضربة بسيف صقيل بين بصرى وطعنة نجلاءوتميم وقيس وربيعة يثقلونها .

وحكي فيها : ربما وربما ، وربتما وربتما ، بتخفيف الباء وتشديدها أيضا .

وأصلها أن تستعمل في القليل وقد تستعمل في الكثير ; أي يود الكفار في أوقات كثيرة لو كانوا مسلمين ; قاله الكوفيون .

ومنه قول الشاعر :ألا ربما أهدت لك العين نظرة قصاراك منها أنها عنك لا تجديوقال بعضهم : هي للتقليل في هذا الموضع ; لأنهم قالوا ذلك في بعض المواضع لا في كلها ; لشغلهم بالعذاب ، والله أعلم .

قال : ربما يود وهي إنما تكون لما وقع ; لأنه لصدق [ ص: 4 ] الوعد كأنه عيان قد كان .

وخرج الطبراني أبو القاسم من حديث جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن ناسا من أمتي يدخلون النار بذنوبهم فيكونون في النار ما شاء الله أن يكونوا ثم يعيرهم أهل الشرك فيقولون ما نرى ما كنتم تخالفونا فيه من تصديقكم وإيمانكم نفعكم فلا يبقى موحد إلا أخرجه الله من النار - ثم قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - - ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين .

قال الحسن " إذا رأى المشركون المسلمين وقد دخلوا الجنة ومأواهم في النار تمنوا أنهم كانوا مسلمين .

وقال الضحاك : هذا التمني إنما هو عند المعاينة في الدنيا حين تبين لهم الهدى من الضلالة .

وقيل : في القيامة إذا رأوا كرامة المؤمنين وذل الكافرين .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

فأما من قابل هذه النعمة العظيمة بردها والكفر بها، فإنه من المكذبين الضالين، الذين سيأتي عليهم وقت يتمنون أنهم مسلمون، أي: منقادون لأحكامه وذلك حين ينكشف الغطاء وتظهر أوائل الآخرة ومقدمات الموت، فإنهم في أحوال الآخرة كلها يتمنون أنهم مسلمون، وقد فات وقت الإمكان، ولكنهم في هذه الدنيا مغترون.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ربما ) قرأ أبو جعفر ، ونافع ، وعاصم بتخفيف الباء والباقون بتشديدها ، وهما لغتان ، ورب للتقليل وكم للتكثير ، ورب تدخل على الاسم ، وربما على الفعل ، يقال : رب رجل جاءني ، وربما جاءني رجل ، وأدخل ما هاهنا للفعل بعدها .

( يود ) يتمنى ( الذين كفروا لو كانوا مسلمين ) .

واختلفوا في الحال التي يتمنى الكافر فيها الإسلام .

قال الضحاك : حالة المعاينة .

وقيل : يوم القيامة .

والمشهور أنه حين يخرج الله المؤمنين من النار .

وروي عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا اجتمع أهل النار في النار ، ومعهم من شاء الله من أهل القبلة ، قال الكفار لمن في النار من أهل القبلة : ألستم مسلمين ؟

قالوا بلى ، قالوا : فما أغنى عنكم إسلامكم وأنتم معنا في النار ؟

قالوا : كانت لنا ذنوب فأخذنا بها ، فيغضب الله تعالى لهم [ بفضل رحمته ] فيأمر بكل من كان من أهل القبلة في النار فيخرجون منها ، فحينئذ يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين .

فإن قيل : كيف قال " ربما " وهي للتقليل وهذا التمني يكثر منه الكفار ؟

قلنا : قد تذكر " ربما " للتكثير ، أو أراد : أن شغلهم بالعذاب لا يفرغهم للندامة إنما يخطر ذلك ببالهم أحيانا .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«رُبَّمَا» بالتشديد والتخفيف «يود» يتمنى «الذين كفروا» يوم القيامة إذا عاينوا حالهم وحال المسلمين «لو كانوا مسلمين» ورب للتكثير فإنه يكثر منهم تمني ذلك وقيل للتقليل فإن الأهوال تدهشهم فلا يفيقون حتى يتمنوا ذلك إلا في أحيان قليلة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

سيتمنى الكفار حين يرون خروج عصاة المؤمنين من النار أن لو كانوا موحدين؛ ليخرجوا كما خرجوا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - أن الكافرين سيندمون بسبب كفرهم فى وقت لا ينفع فيه الندم ، فقال - تعالى - : ( رُّبَمَا يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ ) قال الشوكانى ما ملخصه : قرأ نافع وعاصم بتخفيف الباء من ( ربما ) ، وقرأ الباقون بتشديدها .

.

وأصلها أن تستعمل فى القليل وقد تستعمل فى الكثير .قال الكوفيون : أى يود الكفار فى أوقات كثيرة لو كانوا مسلمين .وقيل : " هى هنا للتقليل ، لأنهم ودوا ذلك فى بعض المواضع لا فى كلها لشغلهم بالعذاب .

.

.

.

" .وقد حاول بعض المفسرين الجمع بين القولين فقال : من قال بأن ( ربما ) هنا للتكثير نظر إلى كثرة تمنيهم أن لو كانوا مؤمنين ، ومن قال بأنها للتقليل نظر إلى قلة زمان إفاقتهم من العذاب بالنسبة إلى زمان دهشتهم منه ، وهذا لا ينافى أن التمنى يقع كثيراً منهم فى زمن إفاقتهم القليل ، فلا تخالف بين القولين .والمعنى : ود الذين كفروا عندما تنكشف لهم الحقائق ، فيعرفون أنهم على الباطل ، وأن المؤمنين على الحق ، أن لو كانوا مسلمين ، حتى ينجوا من الخزى والعقاب .ودخلت ( رب ) هنا على الفعل المضارع ( يود ) مع اختصاصها بالدخول على الفعل الماضى ، للإِشارة إلى أن أخبار الله - تعالى - بمنزلة الواقع المحقق سواء أكانت للمستقبل أم لغيره .قال صاحب الكشاف : " فإن قلت : لم دخلت على المضارع وقد أبوا دخولها إلا على الماضى؟

قلت : لأن المترقب فى أخبار الله - تعالى - بمنزلة الماضى المقطوع به فى تحققه ، فكأنه قيل : " ربما ود الذين كفروا .

.

" " .و ( لو ) فى قوله ( لو كانوا مسلمين ) يصح أن تكون امتناعية ، وجوابها محذوف ، والتقدير : لو كانوا مسلمين لسروا بذلك .ويصح أن تكون مصدرية ، والتقدير : ود الذين كفروا كونهم مسلمين .وعلى كلا المعنيين فهى مستعملة فى التمنى الذى هو طلب حصول الأمر الممتنع الحصول .وقال - سبحانه - ( لو كانوا .

.

.

) بفعل الكون الماضى ، للإِشعار بأنهم يودون الدخول فى الإِسلام ، بعد مضى وقت التمكن من الدخول فيه .وعبر - سبحانه - عن متمناهم بالغيبة ( كانوا ) ، نظراً لأن الكلام مسوق بصدد الإِخبار عنهم ، وليس بصدد الصدور منهم ، ولو كان كذلك لقيل : لو كنا مسلمين .هذا ، وللمفسرين أقوال فى الوقت الذى ود فيه الكافرون أن لو كانوا مسلمين ، فمنهم من يرى أن ودادتهم هذه تكون فى الدنيا ، ومنهم من يرى أنها تكون عند الموت ، ومنهم من يرى أنها تكون عند الحساب ، وعند عفو الله عن عصاة المؤمنين .والحق أن هذه الودادة تكون فى كل موطن يعرف فيه الكافرون بطلان كفرهم ، وفى كل وقت ينكشف لهم فيه أن الإِسلام هو الدين الحق .فهم تمنوا أن لو كانوا مسلمين فى الدنيا ، عندما رأوا نصر الله لعباده المؤمنين ، فى غزوة بدر وفى غزوة الفتح وفى غيرهما ، فعن ابن مسعود - رضى الله عنه - : " ود كفار قريش ذلك يوم بدر حين رأوا نصر الله للمسلمين " .وهم تمنوا ذلك عند الموت كما حكى عنهم - سبحانه - ذلك فى آيات كثيرة منها قوله - تعالى - : ( حتى إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ الموت قَالَ رَبِّ ارجعون لعلي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ .

.

.

) وهم يتمنون ذلك عندما يعرضون على النار يوم القيامة .

قال - تعالى - ( وَلَوْ ترى إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النار فَقَالُواْ ياليتنا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ المؤمنين ) وهم يتمنون ذلك عندما يرون عصاة المؤمنين ، وقد أخرجهم الله - تعالى برحمته من النار .وقد ذكر الإِمام ابن كثير هنا جملة من الأحاديث الدالة على ذلك منها : ما أخرجه الطبرانى عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن ناساً من أهل " لا إله إلا الله " يدخلون النار بذنوبهم ، فيقول لهم أهل اللات والعزى : ما أغنى عنكم قولكم " لا إله إلا الله " وأنتم معنا فى النار؟

قال فيغضب الله لهم ، فيخرجهم ، فيلقيهم فى نهر الحياة فيبرأون من حرقهم كما يبرأ القمر من خسوفه ، فيدخلون الجنة .

ويسمون فيها الجهنميين " .فقال رجل : يا أنس ، أنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟

فقال أنس : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من كذب على متعمداً فليتبوأ مقعده من النار " نعم ، أنا سمعت النبى صلى الله عليه وسلم يقول هذا .قال بعض العلماء : وأقوال العلماء فى هذا الآية راجعة إلى شئ واحد ، لأن من يقول : إن الكافر إذا احتضر تمنى أن لو كان مسلماً ، ومن يقول : إنه إذا عاين النار تمنى أن لو كان مسلماً .

.

كل ذلك راجع إلى أن الكفار إذا عاينوا الحقيقية ندموا على الكفر وتمنوا أنهم لو كانوا مسلمين .وفى هذه الآية ما فيها من تثبيت المؤمنين ، ومن تبشيرهم بأنه على الحق ، ومن حض للكافرين على الدخول فى الإِسلام قبل فوات الأوان ، ومن تحذير لهم من سوء عاقبة الكفر والطغيان .

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ تِلْكَ ﴾ إشارة إلى ما تضمنته السورة من الآيات.

والكتاب، والقرآن المبين: السورة وتنكير القرآن للتفخيم.

والمعنى: تلك آيات الكتاب الكامل في كونه كتاباً وأي قرآن مبين؟

كأنه قيل: الكتاب الجامع للكمال والغرابة في البيان.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

سُورَةُ الحِجْرِ مَكِّيَّةٌ وهي تِسْعٌ وتِسْعُونَ آيَةً بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ الر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ وقُرْآنٍ مُبِينٍ ﴾ الإشارَةُ إلى آياتِ السُّورَةِ و ﴿ الكِتابِ ﴾ هو السُّورَةُ، وكَذا القُرْآنُ وتَنْكِيرُهُ لِلتَّفْخِيمِ أيْ آياتُ الجامِعِ لِكَوْنِهِ كِتابًا كامِلًا وقُرْآنًا يُبَيِّنُ الرُّشْدَ مِنَ الغَيِّ بَيانًا غَرِيبًا.

﴿ رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ ﴾ حِينَ عايَنُوا حالَ المُسْلِمِينَ عِنْدَ نُزُولِ النَّصْرِ أوْ حُلُولِ المَوْتِ أوْ يَوْمَ القِيامَةِ.

وقَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ ﴿ رُبَما ﴾ بِالتَّخْفِيفِ، وقُرِئَ « رَبَما» بِالفَتْحِ والتَّخْفِيفِ وفِيهِ ثَمانِ لُغاتٍ ضَمُّ الرّاءِ وفَتْحُها مَعَ التَّشْدِيدِ والتَّخْفِيفِ وبِتاءِ التَّأْنِيثِ ودُونِها، وما كافَّةٌ تَكُفُّهُ عَنِ الجَرِّ فَيَجُوزُ دُخُولُهُ عَلى الفِعْلِ وحَقُّهُ أنْ يَدْخُلَ الماضِيَ لَكِنْ لَمّا كانَ المُتَرَقَّبُ في أخْبارِ اللَّهِ تَعالى كالماضِي في تَحَقُّقِهِ أُجْرِيَ مَجْراهُ.

وقِيلَ: ما نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ كَقَوْلِهِ: رُبَّما تَكْرَهُ النُّفُوسُ مِنَ الأمْ.

.

.

رِ لَهُ فُرْجَةً كَحَلِّ العِقالِ وَمَعْنى التَّقْلِيلِ فِيهِ الإيذانُ بِأنَّهم لَوْ كانُوا يَوَدُّونَ الإسْلامَ مَرَّةً فَبِالحَرِيِّ أنْ يُسارِعُوا إلَيْهِ، فَكَيْفَ وهم يَوَدُّونَهُ كُلَّ ساعَةٍ.

وقِيلَ تَدْهَشُهم أهْوالُ القِيامَةِ فَإنْ حانَتْ مِنهم إفاقَةٌ في بَعْضِ الأوْقاتِ تَمَنَّوْا ذَلِكَ، والغَيْبَةُ في حِكايَةِ وِدادَتِهِمْ كالغَيْبَةِ في قَوْلِكَ: حَلَفَ بِاللَّهِ لَيَفْعَلَنَّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{ربما} بالتخفيف مدنى وعاصم وبالتشديد غيرهما وما هي الكافة لأنها حرف يجر ما بعده ويختص بالاسم النكرة فإذا كفت وقع بعدها الفعل الماضي والاسم وإنما جاز {يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ} لأن المترقب في أخبار الله تعالى بمنزلة الماضي المقطوع به في تحقيقه فكانه قيل ربما ود وودادتهم تكون عند النزاع أو يوم القيامة إذا عاينوا حالهم وحال المسلمين أو إذا رأوا المسلمين يخرجون من النار فيتمنى الكافر لو كان مسلماً كذا رُوى عن ابن عباس رضي الله عنهما {لَوْ كَانُواْ مَسْلِمِينَ} حكاية ودادتهم وإنما جيء بها على لفظ الغيبة لأنهم مخبر عنهم كقولك حلف بالله ليفعلن ولو قيل حلف لأفعلن ولو كنا مسلمين لكان حسنا وإنما قلل برب لأن أهوال القيامة تشغلهم على التمني فإذا أفاقوا من سكرات العذاب ودوا لو

كانوا مسلمين وقول من قال إن رب يعني بها الكثرة سهو لأنه ضد ما يعرفه أهل اللغة لأنها وضعت للتقليل

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بَيَّنَ شَأْنَ الآياتِ لِتَوْجِيهِ المُخاطَبِينَ إلى حُسْنِ تَلَقِّي ما فِيها مِنَ الأحْكامِ والقَصَصِ والمَواعِظِ شَرَعَ جَلَّ شَأْنُهُ في بَيانِ المُتَضَمِّنِ فَقالَ عَزَّ قائِلًا: ﴿ رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ بِما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ ﴿ لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ ﴾ مُؤْمِنِينَ بِذَلِكَ، وقِيلَ: المُرادُ كُفْرُهم بِالكِتابِ والقُرْآنِ وبِكَوْنِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى ووِدادَتُهُمُ الِانْقِيادُ لِحُكْمِهِ والإذْعانِ لِأمْرِهِ، وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّ كُفْرَهم إنَّما كانَ بِالجُحُودِ، وفِيهِ نَظَرٌ، وهَذِهِ الوِدادَةُ يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رُؤْيَتِهِمْ خُرُوجَ العُصاةِ مِنَ النّارِ.

أخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبَيْهَقِيُّ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأنْسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّهُما تَذاكَرا هَذِهِ الآيَةَ فَقالا: هَذا حَيْثُ يَجْمَعُ اللَّهُ تَعالى بَيْنَ أهْلِ الخَطايا مِنَ المُسْلِمِينَ والمُشْرِكِينَ في النّارِ فَيَقُولُ المُشْرِكُونَ: ما أغْنى عَنْكم ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ فَيَغْضَبُ اللَّهُ تَعالى لَهم فَيُخْرِجُهم بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ.

وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: ««قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : إنَّ ناسًا مِن أُمَّتِي يُعَذَّبُونَ بِذُنُوبِهِمْ فَيَكُونُونَ في النّارِ ما شاءَ اللَّهُ تَعالى أنْ يَكُونُوا ثُمَّ يُعَيِّرُهم أهْلُ الشِّرْكِ فَيَقُولُونَ: ما نَرى ما كُنْتُمْ فِيهِ مِن تَصْدِيقِكم نَفْعَكم فَلا يَبْقى مُوَحِّدٌ إلّا أخْرَجَهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ النّارِ ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ  الآيَةَ»».

وأخْرَجَ غَيْرُ واحِدٍ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وأبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ وأبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ نَحْوَ ذَلِكَ يَرْفَعُهُ كُلٌّ إلى رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ السَّلَفِ الصّالِحِ، فَقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: إنَّ القَوْلَ بِهِ بابٌ مِنَ الوِدادَةِ بَيْتٌ مِنَ السَّفاهَةِ قَعِيدَتُهُ عَقِيدَتُهُ الشَّوْهاءُ، وقالَ الضَّحّاكُ: إنَّ ذَلِكَ في الدُّنْيا عِنْدَ المَوْتِ وانْكِشافَ وخامَةِ الكُفْرِ لَهُمْ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ الآيَةَ في كُفّارِ قُرَيْشٍ ودُّوا ذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ حِينَ رَأوُا الغَلَبَةَ لِلْمُسْلِمِينَ، وفي رِوايَةٍ عَنْهُ وعَنْ أُناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّ ذَلِكَ حِينَ ضُرِبَتْ أعْناقُهم فَعُرِضُوا عَلى النّارِ.

وذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ أنَّ هَذِهِ الوِدادَةَ مِنَ الكُفّارِ عِنْدَ كُلِّ حالَةٍ يُعَذَّبُ فِيها الكافِرُ ويَسْلَمُ المُسْلِمُ، «ورُبَّ» عَلى كَثْرَةِ وُقُوعِها في كَلامِ العَرَبِ لَمْ تَقَعْ في القُرْآنِ إلّا في هَذِهِ الآيَةِ، ويُقالُ فِيها رُبَّ بِضَمِّ الرّاءِ وتَشْدِيدِ الباءِ وفَتْحِها ورَبَّ بِفَتْحِ الرّاءِ ورُبُّ بِضَمِّهِما ورُبَتَ بِالضَّمِّ وفَتْحِ الباءِ والتّاءِ ورُبْتَ بِسُكُونِ التّاءِ ورَبَتَ بِفَتْحِ الثَّلاثَةِ ورَبَتْ بِفَتْحِ الأوَّلَيْنِ وسُكُونِ التّاءِ وتَخْفِيفِ الباءِ مِن هَذِهِ السَّبْعَةِ ورُبَّتا بِالضَّمِّ وفَتْحِ الباءِ المُشَدَّدَةِ ورُبْ بِالضَّمِّ والسُّكُونِ ورَبْ بِالفَتْحِ والسُّكُونِ فَهَذِهِ سَبْعَ عَشْرَةَ لُغَةً حَكاها ما عَدا رُبَّتا ابْنُ هِشامٍ في المُغْنِي وحَكى أبُو حَيّانَ إحْدى عَشْرَ مِنها- رُبَّتا- وإذا اعْتُبِرَ ضَمُّ الِاتِّصالِ بِما والتَّجَرُّدُ مِنها بَلَغَتِ اللُّغاتُ ما لا يَخْفى، وزَعَمَ ابْنُ فَضالَةَ في الهَوامِلِ والعَوامِلِ أنَّها ثُنائِيَّةُ الوَضْعِ كَقَدْ وأنَّ فَتْحَ الباءِ مُخَفَّفَةً دُونَ التّاءِ ضَرُورَةٌ وأنَّ فَتْحَ الرّاءِ مُطْلَقًا شاذٌّ، وهي حَرْفُ جَرٍّ خِلافًا لِلْكُوفِيَّةِ.

والأخْفَشُ في أحَدِ قَوْلَيْهِ.

وابْنُ الطَّراوَةِ زَعَمُوا أنَّها اسْمٌ مَبْنِيٌّ كَكَمْ واسْتَدَلُّوا عَلى اسْمِيَّتِها بِالإخْبارِ عَنْها في قَوْلِهِ: إنْ يَقْتُلُوكَ فَإنَّ قَتْلَكَ لَمْ يَكُنْ عارًا عَلَيْكَ ورُبَّ قَتْلٍ عارُ فَرُبَّ عِنْدَهم مُبْتَدَأٌ وعارٌ خَبَرُهُ، وتَقَعُ عِنْدَهم مَصْدَرًا كَرُبَّ ضَرْبَةٍ ضَرَبْتُ، وظَرْفًا كَرُبَّ يَوْمَ سِرْتُ، ومَفْعُولًا بِهِ كَرُبَّ رَجُلٍ ضَرَبْتُ، واخْتارَ الرَّضِيُّ اسْمِيَّتَها إلّا أنَّ إعْرابَها عِنْدَهُ رَفْعٌ أبَدًا عَلى أنَّها مُبْتَدَأٌ لا خَبَرَ لَهُ كَما اخْتارَ ذَلِكَ في قَوْلِهِمْ: أقَلُّ رَجُلٍ يَقُولُ ذَلِكَ إلّا زَيْدًا، وقالَ: إنَّها إنْ كُفَّتْ بِما فَلا مَحَلَّ لَها حِينَئِذٍ لِكَوْنِها كَحَرْفِ النَّفْيِ الدّاخِلِ عَلى الجُمْلَةِ ومَنَعَ ذَلِكَ البَصْرِيُّونَ بِأنَّها لَوْ كانَتِ اسْمًا لَجازَ أنْ يَتَعَدّى إلَيْها الفِعْلُ بِحَرْفِ الجَرِّ فَيُقالُ بِرُبَّ رَجُلٍ عالِمٌ مَرَرْتُ، وأنْ يَعُودَ عَلَيْها الضَّمِيرُ ويُضافَ إلَيْها وجَمِيعُ عَلاماتِ الِاسْمِ مُنْتَفِيَةٌ عَنْها، وأُجِيبَ عَنِ البَيْتِ بِأنَّ المَعْرُوفَ- وبَعْضٌ- بَدَلَ رُبَّ، وإنْ صَحَّتْ تِلْكَ الرِّوايَةُ فَعارٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو عارٌ كَما صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ: يا رُبَّ هَيْجا هي خَيْرٌ مِن دَعَةٍ.

والجُمْلَةُ صِفَةُ المَجْرُورِ أوْ خَبَرُهُ إذْ هو في مَوْضِعِ مُبْتَدَأٍ، ويُرَدُّ قِياسُها عَلى كَمْ كَما قالَ أبُو عَلِيٍّ: إنَّهم لَمْ يَفْصِلُوا بَيْنَها وبَيْنَ المَجْرُورِ كَما فَصَلُوا بَيْنَ كَمْ وما تَعْمَلُ فِيهِ وفي مُفادِها أقْوالٌ: أحَدُها أنَّها لِلتَّقْلِيلِ دائِمًا وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ، وعُدَّ في البَسِيطِ مِنهُمُ الخَلِيلُ، وسِيبَوَيْهِ، والأخْفَشُ، والمازِنِيُّ، والفارِسِيُّ، والمُبَرِّدُ، والكِسائِيُّ، والفَرّاءُ، وهِشامٌ وخَلْقٌ آخَرُونَ ثانِيها أنَّها لِلتَّكْثِيرِ دائِمًا وعَلَيْهِ صاحِبُ العَيْنِ وابْنُ دَرَسْتَوَيْهِ وجَماعَةٌ، ورُوِيَ عَنِ الخَلِيلِ ثالِثُها واخْتارَهُ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ وِفاقًا لِلْفارابِيِّ وطائِفَةٌ أنَّها لِلتَّقْلِيلِ غالِبًا والتَّكْثِيرِ نادِرًا.

رابِعُها عَكْسُهُ وجُزِمَ بِهِ في التَّسْهِيلِ واخْتارَهُ ابْنُ هِشامٍ في المُغْنِي.

وخامِسُها أنَّها لَهُما مِن غَيْرِ غَلَبَةٍ لِأحَدِهِما نَقَلَهُ أبُو حَيّانَ عَنْ بَعْضِ المُتَأخِّرِينَ.

سادِسُها أنَّها لَمْ تُوضَعْ لِواحِدٍ مِنهُما بَلْ هي حِرَفُ إثْباتٍ لا يَدُلُّ عَلى تَكْثِيرٍ ولا تَقْلِيلٍ وإنَّما يُفْهَمُ ذَلِكَ مِن خارِجٍ واخْتارَهُ أبُو حَيّانَ.

سابِعُها أنَّها لِلتَّكْثِيرِ في المُباهاةِ ولِلتَّقْلِيلِ فِيما عَداهُ وهو قَوْلُ الأعْلَمِ.

وابْنُ السَّيِّدِ.

ثامِنُها أنَّها لِمُبْهَمِ العَدَدِ وهو قَوْلُ ابْنِ الباذَشِ وابْنِ طاهِرٍ وتُصَدَّرُ وُجُوبًا غالِبًا، ونَحْوَ قَوْلِهِ: تَيَقَّنْتُ أنَّ رُبَّ امْرِئٍ خُيِّلَ خائِنًا ∗∗∗ أمِينٌ وخَوّانٌ يُخالِ أمِينا وقَوْلِهِ: ولَوْ عَلِمَ الأقْوامُ كَيْفَ خَلَّفْتُهم ∗∗∗ لَرُبَّ مُفْدٍ في القُبُورِ وحامِدُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ كَما قالَ الشِّمْنِيُّ ضَرُورَةً، وقالَ أبُو حَيّانَ: المُرادُ تَصَدُّرُها عَلى ما تَتَعَلَّقُ بِهِ فَلا يُقالُ: لَقِيتُ رُبَّ رَجُلٍ عالِمٍ، وذَكَرُوا أنَّها قَدْ تُسْبَقُ بِألا كَقَوْلِهِ: ألا رُبَّ مَأْخُوذٍ بِإجْرامِ غَيْرِهِ ∗∗∗ فَلا تَسْأمَنَّ هُجْرانَ مَن كانَ أجْرَما وبِيا صُدِّرَ جَوابُ شَرْطٍ غالِبًا كَقَوْلِهِ: فَإنْ أمْسَ مَكْرُوبًا فَيا رُبَّ فِتْيَةٍ.

ومِن غَيْرِ الغالِبِ يا رُبَّ كاسِيَةٍ الحَدِيثَ ولا تَجُرُّ غَيْرَ نَكِرَةٍ وأجازَ بَعْضُهم جَرَّها المُعَرَّفَ بِألِ احْتِجاجًا بِقَوْلِهِ: رُبَّما الجامِلِ المُؤَبَّلِ فِيهِمْ ∗∗∗ وعَناجِيجَ بَيْنَهُنَّ المِهارُ وأجابَ الجُمْهُورُ بِأنَّ الرِّوايَةَ بِالرَّفْعِ وإنْ صَحَّ الجَرُّ فَألْ زائِدَةٌ، وفي وُجُوبِ نَعْتِ مَجْرُورِها خُلْفٌ فَقالَ المُبَرِّدُ وابْنُ السَّرّاجِ، والفارِسِيُّ وأكْثَرُ المُتَأخِّرِينَ وعُزِّيَ لِلْبَصْرِيِّينَ يَجِبُ لِإجْرائِها مَجْرى حَرْفِ النَّفْيِ حَيْثُ لا تَقَعُ إلّا صَدْرًا ولا يُقَدَّمُ عَلَيْها ما يَعْمَلُ في الِاسْمِ بَعْدَها، وحُكْمُ حَرْفِ النَّفْيِ أنْ يَدْخُلَ عَلى جُمْلَةٍ فالأقْيَسُ في مَجْرُورِها أنْ يُوصَفَ بِجُمْلَةٍ لِذَلِكَ، وقَدْ يُوصَفُ بِما يَجْرِي مَجْراها مِن ظَرْفٍ أوْ مَجْرُورٍ أوِ اسْمِ فاعِلٍ أوْ مَفْعُولٍ وجَزَمَ بِهِ ابْنُ هِشامٍ في المُغْنِي وارْتَضاهُ الرَّضِيُّ، وقالَ الأخْفَشُ والفَرّاءُ والزَّجّاجُ وابْنُ طاهِرٍ وابْنُ خَرُوفٍ وغَيْرُهم لا يَجِبُ وتَضَمُّنُها القِلَّةَ أوِ الكَثْرَةَ يَقُومُ مَقامَ الوَصْفِ واخْتارَهُ ابْنُ مالِكٍ وتَبِعَهُ أبُو حَيّانَ ونَظَرَ في الِاسْتِدْلالِ المَذْكُورِ بِما لا يَخْفى، وتَجُرُّ مُضافًا إلى ضَمِيرِ مَجْرُورِها مَعْطُوفًا بِالواوِ كَرُبَّ رَجُلٍ وأخِيهِ ولا يُقاسُ عَلى ذَلِكَ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، وما حَكاهُ الأصْمَعِيُّ مِن مُباشَرَةِ رُبَّ لِلْمُضافِ إلى الضَّمِيرِ حَيْثُ قالَ لِأعْرابِيَّةٍ ألِفُلانٍ أبٌ أوْ أخٌ؟

فَقالَتْ: رُبَّ أبِيهِ رُبَّ أخِيهِ تُرِيدُ رُبَّ أبٍ لَهُ رُبَّ أخٍ لَهُ تَقْدِيرًا لِلِانْفِصالِ لِكَوْنِ ”أبٍ وأخٍ“ مِنَ الأسْماءِ الَّتِي يَجُوزُ الوَصْفُ بِها فَلا يُقاسُ عَلَيْهِ اتِّفاقًا، وتَجُرُّ ضَمِيرًا مُفْرَدًا مُذَكَّرًا يُفَسِّرُهُ نَكِرَةٌ مَنصُوبَةٌ مُطابِقَةٌ لِلْمَعْنى الَّذِي يَقْصِدُهُ المُتَكَلِّمُ غَيْرُ مَفْصُولَةٍ عَنْهُ وسُمِعَ جَرُّهُ في قَوْلِهِ: ورُبَّهُ عَطَبٍ أنْقَذَتْ مِن عَطَبِهِ عَلى نِيَّةِ مِن وهو شاذٌّ، وجَوَّزَ الكُوفِيَّةُ مُطابَقَةَ الضَّمِيرِ لِلنَّكِرَةِ المُفَسِّرَةِ تَثْنِيَةً وجَمْعًا وتَأْنِيثًا كَما في قَوْلِهِ: رُبَّها فِتْيَةٍ دَعَوْتُ إلى ما ∗∗∗ يُورِثُ الحَمْدَ دائِمًا فَأجابُوا والأصَحُّ أنَّ هَذا الضَّمِيرَ مَعْرِفَةٌ جَرى مَجْرى النَّكِرَةِ، واخْتارَ ابْنُ عُصْفُورٍ تَبَعًا لِجَماعَةٍ أنَّهُ نَكِرَةٌ وأنَّ جَرَّها إيّاها لَيْسَ قَلِيلًا ولا شاذًّا خِلافًا لِابْنِ مالِكٍ، وأنَّها زائِدَةٌ في الإعْرابِ لا المَعْنى، وأنَّ مَحَلَّ مَجْرُورِها عَلى حَسَبِ العامِلِ لا لازِمِ النَّصْبِ بِالفِعْلِ الَّذِي بَعْدَ أوْ بِعامِلٍ مَحْذُوفٍ خِلافًا لِلزَّجّاجِ ومُتابِعِيهِ في قَوْلِهِمْ: بِذَلِكَ لِما يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِن تَعَدِّي الفِعْلِ المُتَعَدِّي بِنَفْسِهِ إلى مَفْعُولِهِ بِالواسِطَةِ وهو لا يَحْتاجُ إلَيْها فَيُعْطَفُ عَلى مَحَلِّهِ كَما يُعْطَفُ عَلى لَفْظِهِ كَقَوْلِهِ: وسِنٍّ كَسُنَّيْقِ سَناءً وسَنَمًا ∗∗∗ ذُعِرَتْ بِمِدَلاحِ الهَجِيرِ نُهُوضِ وأنَّها تَتَعَلَّقُ كَسائِرِ حُرُوفِ الجَرِّ وقالَ الرُّمّانِيُّ وابْنُ طاهِرٍ لا تَتَعَلَّقُ كالحِرَفِ الزّائِدَةِ وإنَّ التَّعَلُّقَ بِالعامِلِ الَّذِي يَكُونُ خَبَرًا لِمَجْرُورِها أوْ عامِلًا في مَوْضِعِهِ أوْ مُفَسِّرًا لَهُ قالَهُ أبُو حَيّانَ، وقالَ ابْنُ هِشامٍ: قَوْلُ الجُمْهُورِ أنَّها مُعَدِّيَةٌ لِلْعامِلِ إنْ أرادُوا المَذْكُورَ فَخَطَأٌ إنَّهُ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ أوْ مَحْذُوفًا يُقَدَّرُ بِحَصَلَ ونَحْوِهِ كَما صَرَّحَ بِهِ جَماعَةٌ فَفِيهِ تَقْدِيرُ ما مَعْنى الكَلامِ مُسْتَغْنًى عَنْهُ ولَمْ يَلْفَظْ بِهِ في وقْتٍ، ثُمَّ عَلى التَّعْلِيقِ قالَ لَكَذَهُ: حَذَفَهُ لَحْنٌ، والخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ نادِرٌ كَقَوْلِهِ: ودَوِيَّةُ قَفْرٍ تَمَشّى نِعامُها ∗∗∗ كَمَشْيِ النَّصارى في خِفافِ اليَرَنْدَجِ أيْ قَطَعَتَها ويَرُدُّ لَكِذَةُ هَذا وقَوْلَهُمْ: رُبَّ رَجُلٍ قائِمٍ ورُبَّ ابْنَةٍ خَيْرٍ مِنَ ابْنٍ، وقَوْلَهُ: ألا رُبَّ مَن تَغْتَشُّهُ لَكَ ناصِحُ ∗∗∗ ومُؤْتَمَنٌ بِالغَيْبِ غَيْرُ أمِينِ والفارِسِيُّ والجَزْوَلِيُّ كَثِيرٌ وبِهِ جَزَمَ ابْنُ الحاجِبِ.

ورابِعُها واجِبٌ كَما نَقَلَهُ صاحِبُ البَسِيطِ عَنْ بَعْضِهِمْ وخامِسُها، ونُقِلَ عَنِ ابْنِ أبِي الرَّبِيعِ يَجِبُ حَذْفُهُ إنْ قامَتِ الصِّفَةُ مَقامَهُ وإلّا جازَ الأمْرانِ سَواءٌ كانَ دَلِيلٌ أمْ لا؟

ويَجِبُ عِنْدَ المُبَرِّدِ والفارِسِيُّ وابْنُ عُصْفُورٍ، وهو المَشْهُورُ كَما قالَ أبُو حَيّانَ: ورَأيُ الأكْثَرِينَ كَوْنُهُ ماضِيًا مَعْنًى، وقالَ ابْنُ السَّرّاجِ: يَأْتِي حالًا، وابْنُ مالِكٍ يَأْتِي مُسْتَقْبَلًا واخْتارَهُ في البَحْرِ إلّا أنَّهُ قالَ بِقِلَّتِهِ وكَثْرَةِ وُقُوعِ الماضِي، وأنْشَدَ لَهُ قَوْلَ سُلَيْمٍ القُشَيْرِيِّ: ومُعْتَصِمٍ بِالجُبْنِ مِن خَشْيَةِ الرَّدى ∗∗∗ سَيَرْدى وغازٍ مُشْفِقٍ سَيَؤُبُ وقَوْلَ هِنْدٍ: يا رُبَّ قائِلَةٍ غَدًا ∗∗∗ يا لَهْفَ أُمِّ مُعاوِيَةَ وجَعَلَ كابْنِ مالِكٍ الآيَةَ مِن ذَلِكَ وتَأوَّلَها الأكْثَرُونَ بِأنَّهُ وضَعَ فِيها المُضارِعَ مَوْضِعَ الماضِي عَلى حَدِّ ونُفِخَ في الصُّورِ وتَعَقَّبَهُ ابْنُ هِشامٍ بِأنَّ فِيهِ تَكَلُّفًا لِاقْتِضائِهِ أنَّ الفِعْلَ المُسْتَقْبَلَ عَبَّرَ بِهِ عَنْ ماضٍ مُتَجَوِّزٍ بِهِ عَنِ المُسْتَقْبَلِ، وأجابَ الشِّمْنِيُّ بِأنَّهُ لا تَكَلُّفَ فِيهِ لِأنَّهم قالُوا: إنَّ هَذِهِ الحالَةَ المُسْتَقْبِلَةَ جُعِلَتْ بِمَنزِلَةِ الماضِي المُتَحَقِّقِ فاسْتَعْمَلَ مَعَها رُبَما المُخْتَصَّةِ بِالماضِي وعَدَلَ إلى لَفْظِ المُضارِعِ لِأنَّهُ كَلامُ مَن لا خُلْفَ في أخْبارِهِ فالمُضارِعُ عِنْدَهُ بِمَنزِلَةِ الماضِي فَهو مُسْتَقْبَلٌ في التَّحْقِيقِ ماضٍ بِحَسَبِ التَّأْوِيلِ وهو كَما تَرى، وعَنْ أبِي حَيّانَ أنَّهُ أجابَ عَنْ بَيْتِ هِنْدٍ بِأنَّهُ مِن بابِ الوَصْفِ بِالمُسْتَقْبَلِ لا مِن بابِ تَعَلُّقِ رُبَّ بِما بَعْدَها وهو نَظِيرُ قَوْلِكَ، رُبَّ مُسِيءٍ اليَوْمَ يُحْسِنُ غَدًا أيْ رُبَّ رَجُلٍ يُوصَفُ بِهَذا الوَصْفِ.

وتَأوَّلَ الكُوفِيُّونَ كَما في المُطَوَّلِ الآيَةَ بِأنَّها بِتَقْدِيرِ كانَ أيْ رُبَما كانَ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَحُذِفَ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمالِ كانَ بَعْدَ رُبَما، وضَعَّفَ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ بِأنَّ هَذا لَيْسَ مِن مَواضِعِ إضْمارِ كانَ، وفي جَمْعِ الجَوامِعِ وشَرْحِهِ أنَّ- ما- تُزادُ بَعْدَ رُبَّ فالغالِبُ الكَفُّ وإيلائُها حِينَئِذٍ الفِعْلَ الماضِيَ لِأنَّ التَّكْثِيرَ أوِ التَّقْلِيلَ إنَّما يَكُونُ فِيما عُرِفَ حَدُّهُ والمُسْتَقْبَلُ مَجْهُولٌ كَقَوْلِهِ: رُبَّما أوْفَيْتُ في عِلْمٍ ∗∗∗ تَرْفَعْنَ ثَوْبِي شِمالاتُ وقَدْ يَلِيها المُضارِعُ كَ ﴿ رُبَما يَوَدُّ ﴾ الآيَةَ وقَدْ يَلِيها الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ نَحْوَ: رُبَّما الجامِلُ المُؤَبَّلُ فِيهِمْ.

وقَدْ لا تُكَفُّ نَحْوَ: رُبَّما ضَرْبَةٍ بِسَيْفٍ صَقِيلٍ ∗∗∗ بَيْنَ بُصْرى وطَعْنَةٍ نَجْلاءَ وقِيلَ: يَتَعَيَّنُ بَعْدَها الفِعْلِيَّةُ إذا كُفَّتْ وإلَيْهِ ذَهَبَ الفارِسِيُّ وأوَّلُ البَيْتِ عَلى أنَّ ما نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ بِجُمْلَةٍ حُذِفَ مُبْتَدَأُها أيْ رُبَّ شَيْءٍ هو الجامِلُ، وقَدْ يُحْذَفُ الفِعْلُ بَعْدَها كَقَوْلِهِ: فَذَلِكَ إنْ يَلْقَ الكَرِيهَةَ يَلْقَها ∗∗∗ حَمِيدًا وإنْ يَسْتَغْنِ يَوْمًا فَرُبَّما وقَدْ تَلْحَقُ بِها ما ولا تُكَفُّ كَقَوْلِهِ: ماوِيُّ يا رُبَّتَما غارَةٍ ∗∗∗ شَعْواءَ كالكَيَّةِ بِالمِيسَمِ انْتَهى.

وبِنَحْوِ تَأْوِيلِ الفارِسِيِّ البَيْتَ أوَّلَ بَعْضُهُمُ الآيَةَ فَقالَ: إنَّ ما نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ بِجُمْلَةِ ( يَوَدُّ ) إلى آخِرِهِ والعائِدُ مَحْذُوفٌ، والفِعْلُ المُتَعَلِّقُ بِهِ رُبَّ مَحْذُوفٌ أيْ رُبَّ شَيْءٍ يَوَدُّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا تَحَقَّقَ وثَبَتَ ونَحْوَهُ قَوْلُ ابْنِ أبِي الصَّلْتِ: رُبَّما تَجْزَعُ النُّفُوسُ مِنَ الأمْرِ ∗∗∗ لَهُ فُرْجَةٌ كَحَلِّ العِقالِ والتَزَمَ كَوْنَ المُتَعَلِّقِ مَحْذُوفًا لِأنَّها حِينَئِذٍ لا يَجُوزُ تَعَلُّقُها بِيَوَدُّ ولا بُدَّ لَها مِن فِعْلٍ تَتَعَلَّقُ بِهِ عَلى ما صَحَّحَهُ جَمْعٌ، وأمّا عَلى ما اخْتارَهُ الرَّضِيُّ مِن كَوْنِها مُبْتَدَأً لا خَبَرَ لَهُ والمَعْنى قَلِيلٌ أوْ كَثِيرٌ وِدادُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا حاجَةَ إلَيْهِ، وهَذا التَّأْوِيلُ عَلى ما قالَ السَّمَرْقَنْدِيُّ أحَدُ قَوْلَيِ البَصْرِيِّينَ، وتَعَقَّبَهُ العَلّامَةُ التَّفْتازانِيُّ بِأنَّهُ لا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ التَّعَسُّفِ وبَتْرِ النَّظْمِ الكَرِيمِ أيْ قَطْعِ ﴿ لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ ﴾ عَمّا قَبْلَهُ، ووَجْهُ التَّعَسُّفِ أنَّ المَعْنى عَلى تَقْلِيلٍ أوْ تَكْثِيرٍ وِدادُهم لا عَلى تَقْلِيلِ أوْ تَكْثِيرِ شَيْءٍ إلّا أنْ يُرادَ رُبَّ شَيْءٍ يَوَدُّونَهُ مِن حَيْثُ إنَّهم يَوَدُّونَهُ، والمُخْتارُ عِنْدِي ما اخْتارَهُ أبُو حَيّانَ وكَذا صاحِبُ اللُّبِّ مِن أنَّ رُبَّ تَدْخُلُ عَلى الماضِي والمُضارِعِ إلّا أنَّ دُخُولَها عَلى الماضِي أكْثَرُ، ومَن تَتَبَّعَ أشْعارَ العَرَبِ رَأى فِيها مِمّا دَخَلَتْ فِيهِ عَلى المُضارِعِ ما يَبْعُدُ ارْتِكابُ التَّأْوِيلِ مَعَهُ كَما لا يَخْفى عَلى المُنْصِفِ المُتَتَبِّعِ واخْتَلَفُوا في مُفادِها هُنا فَذَهَبَ جَمْعٌ كَثِيرٌ إلى أنَّهُ التَّقْلِيلُ وهو ظاهِرُ أكْثَرِ الآثارِ حَيْثُ دَلَّتْ عَلى أنَّ وِدادَهم ذَلِكَ عِنْدَ خُرُوجِ عُصاةِ المُسْلِمِينَ مِن جَهَنَّمَ وبَقائِهِمْ فِيها.

نَعَمْ زَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الحَقَّ أنَّ ما فِيها مَحْمُولٌ عَلى شِدَّةِ وِدادِهِمْ إذْ ذاكَ وأنَّ نَفْسَ الوِدادِ لَيْسَ مُخْتَصًّا بِوَقْتٍ دُونَ وقْتٍ بَلْ هو مُتَقَرِّرٌ مُسْتَمِرٌّ في كُلِّ آنٍ يَمُرُّ عَلَيْهِمْ.

ووَجْهُ الزَّمَخْشَرِيِّ الإتْيانُ بِأداةِ التَّقْلِيلِ عَلى هَذا بِأنَّهُ وارِدٌ عَلى مَذْهَبِ العَرَبِ في قَوْلِهِمْ: لَعَلَّكَ سَتَنْدَمُ عَلى فِعْلِكَ ورُبَّما نَدِمَ الإنْسانُ عَلى ما فَعَلَ ولا يَشُكُّونَ في تَنَدُّمِهِ ولا يَقْصِدُونَ تَقْلِيلَهُ ولَكِنَّهم أرادُوا لَوْ كانَ النَّدَمُ مَشْكُوكًا فِيهِ أوْ قَلِيلًا لَحَقَّ عَلَيْكَ أنْ لا تَفْعَلَ هَذا الفِعْلَ لَأنَّ العُقَلاءَ يَتَحَرَّزُونَ مِنَ التَّعَرُّضِ لِلْغَمِّ المَظْنُونِ كَما يَتَحَرَّزُونَ مِنَ التَّعَرُّضِ لِلْغَمِّ المُتَيَقَّنِ ومِنَ القَلِيلِ مِنهُ كَما مِنَ الكَثِيرِ، وكَذَلِكَ المَعْنى في الآيَةِ لَوْ كانُوا يَوَدُّونَ الإسْلامَ مَرَّةً واحِدَةً فَبِالحَرِيِّ أنْ يُسارِعُوا إلَيْهِ فَكَيْفَ وهَمَ يَوَدُّونَهُ في كُلِّ ساعَةٍ اهـ.

والكَلامُ عَلَيْهِ عَلى ما قِيلَ مِنَ الكِنايَةِ الإيمائِيَّةِ وفي ذَلِكَ مِنَ المُبالَغَةِ ما لا يَخْفى، قالَ ابْنُ المُنِيرِ: لا شَكَّ أنَّ العَرَبَ تُعَبِّرُ عَنِ المَعْنى بِما يُؤَدِّي عَكْسَ مَقْصُودِهِ كَثِيرًا، ومِنهُ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ ﴿ وقَدْ تَعْلَمُونَ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكُمْ ﴾ المَقْصُودُ مِنهُ تَوْبِيخُهم عَلى أذاهم لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى تَوَفُّرِ عِلْمِهِمْ بِرِسالَتِهِ ومُناصَحَتِهِ لَهُمْ، وقَوْلُهُ: قَدْ أتْرُكُ القَرْنَ مُصْفَرًّا أنامِلُهُ فَإنَّهُ إنَّما يَتَمَدَّحُ بِالإكْثارِ مِن ذَلِكَ وقَدْ عَبَّرَ بِقَدِ المُفِيدَةِ لِلتَّقْلِيلِ، وقَدِ اخْتَلَفَ تَوْجِيهُ عُلَماءِ البَيانِ لِذَلِكَ فَمِنهم مَن وجَّهَهُ بِما ذُكِرَ عَنِ الزَّمَخْشَرِيِّ مِنَ التَّنْبِيهِ بِالأدْنى عَلى الأعْلى، ومِنهم مَن وجَّهَهُ بِأنَّ المَقْصُودَ في ذَلِكَ الإيذانُ بِأنَّ المَعْنى قَدْ بَلَغَ الغايَةَ حَتّى كادَ أنْ يَرْجِعَ إلى الضِّدِّ وذَلِكَ شَأْنُ كُلِّ ما بَلَغَ نِهايَتَهُ أنْ يَعُودَ إلى عَكْسِهِ، وقَدْ أفْصَحَ المُتَنَبِّي عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ولَجُدْتَ حَتّى كِدْتَ تَبْخَلُ حائِلًا ∗∗∗ لِلْمُنْتَهى ومِنَ السُّرُورِ بُكاءُ وكِلا الوَجْهَيْنِ يَحْمِلُ الكَلامَ عَلى المُبالَغَةِ بِنَوْعٍ مِنَ الإيقاظِ إلَيْها، والعُمْدَةُ في ذَلِكَ عَلى سِياقِ الكَلامِ لِأنَّهُ إذا اقْتَضى مَثَلًا تَكْثِيرًا فَدَخَلَتْ فِيهِ عِبارَةٌ يُشْعِرُ ظاهِرُها بِالتَّقْلِيلِ اسْتَيْقَظَ السّامِعُ لِأنَّ المُرادَ المُبالَغَةُ عَلى إحْدى الطَّرِيقَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ، وقالَ في الكَشْفِ: الأصْلُ في هَذا البابِ أنَّ اسْتِعارَةَ أحَدِ الضِّدَّيْنِ لِلْآخَرِ تُفِيدُ المُبالَغَةَ لِلتَّعْكِيسِ ولا تَخْتَصُّ بِالتَّهَكُّمِ والتَّمْلِيحِ عَلى ما يُوهِمُهُ ظاهِرُ لَفْظِ صاحِبِ المِفْتاحِ في مَوْضِعٍ فَهو الَّذِي عَدَّ المَفازَةَ مِن هَذا القَبِيلِ لِقَصْدِ التَّفاؤُلِ، ثُمَّ قَدْ يُخْتَصَرُ مَوْقِعُها بِفائِدَةٍ زائِدَةٍ كَما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في هَذا المَقامِ، ولَيْسَ في ذَلِكَ كِنايَةٌ إيمائِيَّةٌ وإنَّما ذَلِكَ مِن فَوائِدِ هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ وسَيَجِيءُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ كَلامٌ أتَمُّ بَسْطًا في سُورَةِ التَّكْوِيرِ اه.

والحَقُّ أنَّهُ لا مانِعَ مِنَ القَوْلِ بِالكِنايَةِ الإيمائِيَّةِ كَما لا يَخْفى، وقِيلَ: إنَّ التَّقْلِيلَ بِالنِّسْبَةِ إلى زَمانِ ذَهابِ عَقْلِهِمْ مِنَ الدَّهْشَةِ بِمَعْنى أنَّهُ تُدْهِشُهم أهْوالَ القِيامَةِ فَيُبْهَتُونَ فَإنْ وُجِدَتْ مِنهم إفاقَةٌ ما تَمَنَّوْا ذَلِكَ، وظاهِرُ صَنِيعِ العَلّامَةِ التَّفْتازانِيِّ في المُطَوَّلِ اخْتِيارُهُ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مُسْتَعارَةً لِلتَّكْثِيرِ والقَوْلُ بِالِاسْتِعارَةِ لَهُ لا يَحْتاجُ إلَيْهِ عَلى القَوْلِ المَحْكِيِّ عَنْ صاحِبِ العَيْنِ ومَن مَعَهُ حَسْبَما سَمِعْتُ، وذَكَرَ ابْنُ الحاجِبِ أنَّها نُقِلَتْ مِنَ التَّقْلِيلِ إلى التَّحْقِيقِ كَما تُنْقَلُ قَدْ إذا دَخَلَتْ عَلى المُضارِعِ مِنهُ إلَيْهِ.

ومَفْعُولُ ( يَوَدُّ ) مَحْذُوفٌ أيِ الإسْلامَ بِدَلالَةِ ﴿ لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ ﴾ بِناءً عَلى أنَّ ( لَوْ ) لِلتَّمَنِّي والجُمْلَةُ في مَوْقِعِ الحالِ أيْ قائِلِينَ لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ، وتَقْدِيرُ المَفْعُولِ ما ذَكَرْنا هو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ، وقالَ الشِّهابُ: تَقْدِيرُهُ النَّجاةُ ولا يَنْبَغِي تَقْدِيرُ الإسْلامِ لِأنَّهُ يَصِيرُ تَقْدِيرُهُ يَوَدُّوا الإسْلامُ لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ وهو حَشْوٌ وفِيهِ نَظَرٌ.

وقالَ صاحِبُ الفَرائِدِ: أنَّ ( لَوْ كانُوا ) إلى آخِرِهِ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ المَفْعُولِ.

وتُعِقِّبَ بِأنَّهُ غَيْرُ ظاهِرٍ إذْ لَيْسَ ذَلِكَ مِمّا يَعْمَلُ في الجُمَلِ إلّا أنْ يَكُونَ بِمَعْنى ذَكَرُوا التَّمَنِّيَ ويَجْرِي مَجْرى القَوْلِ عَلى مَذْهَبِ بَعْضِ النُّحاةِ.

والغَيْبَةُ في حِكايَةِ وِدادَتِهِمْ كالغَيْبَةِ في قَوْلِكَ: حَلَفَ بِاللَّهِ تَعالى لَيَفْعَلْنَّ ولَوْ قُلْتَ لَأفْعَلَنَّ لَجازَ، وعَلى ذَلِكَ جاءَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ ﴾ بِالنُّونِ والياءِ وإيثارُ الغَيْبَةِ أكْثَرُ لِئَلّا يَلْبَسَ والتَّعْلِيلُ بِقِلَّةِ التَّقْدِيرِ لَيْسَ بِشَيْءٍ كَما كَشَفَ ذَلِكَ في الكَشْفِ، وأنْكَرَ قَوْمٌ وُرُودَ (لَوْ) لِلتَّمَنِّي، وقالُوا: لَيْسَتْ قِسْمًا بِرَأْسِها وإنَّما هي الشَّرْطِيَّةُ أُشْرِبَتْ مَعْنى التَّمَنِّي وعَلى الأوَّلِ الأصَحُّ لا جَوابَ لَها عَلى الأصَحِّ.

وقَدْ نَصَّ عَلى ذَلِكَ ابْنُ الضّائِعِ وابْنُ هِشامٍ الخَضْراوِيُّ، ونَقْلُ أنَّهُما قالا تَحْتاجُ إلى جَوابٍ كَجَوابِ الشَّرْطِ سَهْوٌ، وذَكَرَ أبُو حَيّانَ أنَّ الَّذِي يَظْهَرُ أنَّها لا بُدَّ لَها مِن جَوابٍ لَكِنَّهُ التَزَمَ حَذْفَهُ لِإشْرابِها مَعْنى التَّمَنِّي لِأنَّهُ مَتى أُمْكِنَ تَقْلِيلُ القَواعِدِ وجَعْلُ الشَّيْءِ مِن بابِ المَجازِ كانَ أوْلى مِن تَكْثِيرِ القَواعِدِ وادِّعاءِ الِاشْتِراكِ لِأنَّهُ يَحْتاجُ إلى وضْعَيْنِ والمَجازُ لَيْسَ فِيهِ إلّا وضْعٌ واحِدٌ وهو الحَقِيقَةُ، وقِيلَ: إنَّها هُنا امْتِناعِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ والجَوابُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ لَفازُوا ومَفْعُولُ ( يَوَدُّ ) ما عَلِمْتَ، وزَعَمَ بَعْضُهم مَصْدَرِيَّتَها فِيما إذا وقَعَتْ بَعْدَ ما يَدُلُّ عَلى التَّمَنِّي فالمَصْدَرُ حِينَئِذٍ هو المَفْعُولُ وهو عَلى القَوْلِ بِأنَّ ما نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ بَدَلٌ مِنها كَما في البَحْرِ.

وقَرَأ عاصِمٌ ونافِعٌ «رُبَما» بِتَخْفِيفِ الباءِ وعَنْ أبِي عَمْرٍو التَّخْفِيفُ والتَّشْدِيدُ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما رُبَّتَما بِزِيادَةِ تاءٍ هَذا، وإنَّما أطْنَبْتُ الكَلامَ في هَذِهِ الآيَةِ لا سِيَّما فِيما يَتَعَلَّقُ- بِرُبَّ- لِما أنَّهُ قَدْ جَرى لِي بَحْثٌ في ذَلِكَ مَعَ بَعْضِ العِظامِيِّينَ فَأبانَ عَنْ جَهْلٍ عَظِيمٍ وحُمْقٍ جَسِيمٍ، ورَأيْتُهُ ورَبِّ الكَعْبَةِ أجْهَلَ مَن رَأيْتُ مِن صِغارِ الطَّلَبَةِ- بِرُبَّ- نَعَمْ لَهُ مِنَ العِظامِيِّينَ أمْثالٌ أصَمَّهُمُ اللَّهُ تَعالى وأعْمى بالَهَمْ وقَلَّلَهم ولا أكْثَرَ أمْثالَهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

[تفسير سورة الحجر]

مكية

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

قوله عز وجل: الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ: قال مجاهد وقتادة:

الْكِتابِ: في الآية: ما نزل من الكُتُب قَبْل القرآن «١» ، ويحتمل أنْ يراد ب الْكِتابِ القرآن: ثم تُعْطَفُ الصفَةُ عليه، و «رُبَّمَا» : للتقليلِ، وقد تجيء شاذَّةً «٢» للتكثير.

وقال قوم: إِن هذه مِنْ ذلك، وأنكر الزَّجَّاج أنْ تجيءَ «رُبَّ» للتكثيرِ، واختلف المتأوِّلون في الوَقْت الذي يَوَدُّ فيه الكفَّار أنْ يكونوا مسلمين، فقالَتْ فرقة: هو عند معاينة المَوْتِ، حَكَى ذلك الضَّحَّاك «٣» ، وقالَتْ فرقة: هو عند معايَنَةِ أهْوَالِ يومِ القيَامَة، وقال ابنُ عبَّاس وغيره: هو عِنْدَ دخولهم النَّار، ومعرفَتِهِم، بدخولِ المؤمنين الجَنَّة «٤» ، وروي فيه حديث من طريق أبي موسى.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رُبَما ﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ " رُبَّما " مُشَدَّدَةً.

وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وعَبْدُ الوارِثِ " رُبَما " بِالتَّخْفِيفِ.

قالَ الفَرّاءُ: أسَدٌ وتَمِيمٌ يَقُولُونَ: " رُبَّما " بِالتَّشْدِيدِ، وأهْلُ الحِجازِ وكَثِيرٌ مِن قَيْسٍ يَقُولُونَ: " رُبَّما " بِالتَّخْفِيفِ.

وتَيْمُ الرَّبابِ يَقُولُونَ: " رَبَّما " بِفَتْحِ الرّاءِ.

وقِيلَ: إنَّما قُرِئَتْ بِالتَّخْفِيفِ، لِما فِيها مِنَ التَّضْعِيفِ، والحُرُوفُ المُضاعَفَةُ قَدْ تُحْذَفُ، نَحْوُ " إنَّ " و " لَكِنَّ " فَإنَّهم قَدْ خَفَّفُوها.

قالَ الزَّجّاجُ: يَقُولُونَ: رُبَّ رَجُلٍ جاءَنِي، ورُبَ رَجُلٍ جاءَنِي، وأنْشَدَ: أزُهَيْرُ إنْ يَشِبِ القَذالُ فَإنِنِي رُبَ هَيْضَلٍ مَرْسٍ لَفَفْتُ بِهَيْضَلِ هَذا البَيْتُ لِأبِي كَبِيرٍ الهُذَلِيِّ، وفي دِيوانِهِ: رُبَ هَيْضَلٍ لَجِبٍ لَفَفْتُ بِهَيْضَلِ والهَيْضَلُ: جَمْعُ هَيْضَلَةٍ، وهي الجَماعَةُ يُغْزى بِهِمْ، يَقُولُ: لَفَفْتُهم بِأعْدائِهِمْ في القِتالِ.

و " رُبَّ " كَلِمَةٌ مَوْضُوعَةٌ لِلتَّقْلِيلِ، كَما أنَّ " كَمْ " لِلتَّكْثِيرِ، وإنَّما زِيدَتْ " ما " مَعَ " رُبَّ " لِيَلِيَها الفِعْلُ، تَقُولُ: رُبَّ رَجُلٍ جاءَنِي، ورُبَّما جاءَنِي زَيْدٌ.

وقالَ الأخْفَشُ: أُدْخِلَ مَعَ " رُبَّ " ما، لِيُتَكَلَّمَ بِالفِعْلِ بَعْدَها، وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَ " ما " بِمَنزِلَةِ " شَيْءٍ "، فَكَأنَّكَ قُلْتَ: رُبَّ شَيْءٍ، أيْ: رُبَّ ودٍّ يَوَدُّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا.

وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: " ما " هاهُنا بِمَعْنى " حِينٍ " فالمَعْنى: رُبَّ حِينٍ يَوَدُّونَ فِيهِ.

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ مَتى يَقَعُ هَذا مِنَ الكُفّارِ، عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ في الآخِرَةِ.

ومَتى يَكُونُ ذَلِكَ ؟

فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ إذا اجْتَمَعَ أهْلُ النّارِ في النّارِ ومَعَهم مَن شاءَ اللَّهُ مِن أهْلِ القِبْلَةِ، قالَ الكُفّارُ لِلْمُسْلِمِينَ: ألَمْ تَكُونُوا مُسْلِمِينَ ؟

قالُوا: بَلى، قالُوا: فَما أغْنى عَنْكم إسْلامُكم، وقَدْ صِرْتُمْ مَعَنا في النّارِ ؟

قالُوا: كانَتْ لَنا ذُنُوبٌ فَأُخِذْنا بِها؛ فَسَمِعَ اللَّهُ ما قالُوا، فَأمَرَ بِمَن كانَ في النّارِ مِن أهْلِ القِبْلَةِ فَأُخْرِجُوا، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ الكَفّارُ، قالُوا: يا لَيْتَنا كُنّا مُسْلِمِينَ فَنُخْرَجَ كَما أُخْرِجُوا، رَواهُ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ عَنِ النَّبِيِّ  ، وَذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، ومُجاهِدٌ، وعَطاءٌ، وأبُو العالِيَةِ، وإبْراهِيمُ.

والثّانِي: أنَّهُ ما يَزالُ اللَّهُ يَرْحَمُ ويَشْفَعُ حَتّى يَقُولَ: مَن كانَ مِنَ المُسْلِمِينَ فَلْيَدْخُلِ الجَنَّةَ، فَذَلِكَ حِينَ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ، رَواهُ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّ الكُفّارَ إذا عايَنُوا القِيامَةَ، ودُّوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.

والرّابِعُ: أنَّهُ كُلَّما رَأى أهْلُ الكُفْرِ حالًا مِن أحْوالِ القِيامَةِ يُعَذَّبُ فِيها الكافِرُ ويَسْلَمُ مِن مَكْرُوهِها المُؤْمِنُ، ودُّوا ذَلِكَ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ في الدُّنْيا، إذا عايَنُوا وتَبَيَّنَ لَهُمُ الضَّلالُ مِنَ الهُدى وعَلِمُوا مَصِيرَهم، ودُّوا ذَلِكَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

فَإنْ قِيلَ: إذا قُلْتُمْ: إنَّ " رُبَّ " لِلتَّقْلِيلِ، وهَذِهِ الآيَةُ خارِجَةٌ مُخْرَجَ الوَعِيدِ، فَإنَّما يُناسِبُ الوَعِيدَ تَكْثِيرُ ما يُتَواعَدُ بِهِ، فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ: أحَدُهُنَّ: أنَّ " رُبَّما " تَقَعُ عَلى التَّقْلِيلِ والتَّكْثِيرِ، كَما يَقَعُ النّاهِلُ عَلى العَطْشانِ والرَّيّانِ، والجَوْنُ عَلى الأسْوَدِ والأبْيَضِ.

والثّانِي: أنَّ أهْوالَ القِيامَةِ وما يَقَعُ بِهِمْ مِنَ الأهْوالِ تَكْثُرُ عَلَيْهِمْ، فَإذا عادَتْ إلَيْهِمْ عُقُولُهم، ودُّوا ذَلِكَ.

والثّالِثُ: أنَّ هَذا الَّذِي خُوِّفُوا بِهِ، لَوْ كانَ مِمّا يُوَدُّ في حالٍ واحِدَةٍ مِن أحْوالِ العَذابِ، أوْ كانَ الإنْسانُ يَخافُ النَّدَمَ إذا حَصَلَ فِيهِ ولا يَتَيَقَّنُهُ، لَوَجَبَ عَلَيْهِ اجْتِنابُهُ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ جاءَ بَعْدَ " رُبَّما " مُسْتَقْبَلٌ، وسَبِيلُها أنْ يَأْتِيَ بَعْدَها الماضِي، تَقُولُ: رُبَّما لَقِيتُ عَبْدَ اللهِ ؟

فالجَوابُ: أنَّ ما وعَدَ اللَّهُ حَقٌّ، فَمُسْتَقْبَلُهُ بِمَنزِلَةِ الماضِي، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ وَإذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ  ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ وَنادى أصْحابُ الجَنَّةِ  ﴾ ﴿ وَلَوْ تَرى إذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ  ﴾ ، عَلى أنَّ الكِسائِيَّ والفَرّاءَ حَكَيا عَنِ العَرَبِ أنَّهم يَقُولُونَ: رُبَّما يَنْدَمُ فُلانٌ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ رُبَّما تَجْزَعُ النُّفُوسُ مِنَ الأمْـ ∗∗∗ ـرِ لَهُ فُرْجَةٌ كَحَلِّ العِقالِ <div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف ابتدائي وهو مفتتح الغرض وما قبله كالتنبيه والإنذار.

و ﴿ ربما ﴾ مركبة من (رب).

وهو حرف يدل على تنكير مدخوله ويجر ويختص بالأسماء.

وهو بتخفيف الباء وتشديدها في جميع الأحوال.

وفيها عدة لغات.

وقرأ نافع وعاصم وأبو جعفر بتخفيف الباء.

وقرأ الباقون بتشديدها.

واقترنت بها (ما) الكافة ل (ربّ) عن العمل.

ودخول (ما) بعد (رب) يكُف عملها غالباً.

وبذلك يصح دخولها على الأفعال.

فإذا دخلت على الفعل فالغالب أن يراد بها التقليل.

والأكثر أن يكون فعلاً ماضياً، وقد يكون مضارعاً للدلالة على الاستقبال كما هنا.

ولا حاجة إلى تأويله بالماضي في التحقق.

ومن النحويين من أوجب دخولها على الماضي، وتأول نحو الآية بأنه منزّل منزلة الماضي لتحققه.

ومعنى الاستقبال هنا واضح لأن الكفار لم يَودّوا أن يكونوا مسلمين قبل ظهور قوة الإسلام من وقت الهجرة.

والكلام خبر مستعمل في التهديد والتهويل في عدم اتباعهم دين الإسلام.

والمعنى: قد يود الذين كفروا لو كانوا أسلموا.

والتقليل هنا مستعمل في التهكم والتخويف، أي احذروا وَدادتكم أن تكونوا مسلمين، فلعلها أن تقع نادراً كما يقول العرب في التوبيخ: لعلك ستندم على فعلك، وهم لا يشكون في تندمه، وإنما يريدون أنه لو كان الندم مشكوكاً فيه لكان حقاً عليك أن تفعل ما قد تندم على التفريط فيه لكي لا تندم، لأن العاقل يتحرز من الضُر المظنون كما يتحرز من المتيقن.

والمعنى أنهم قد يودّون أن يكونوا أسلموا ولكن بعد الفوات.

والإتيان بفعل الكون الماضي للدلالة على أنهم يودون الإسلام بعد مضي وقت التمكن من إيقاعه، وذلك عندما يقتلون بأيدي المسلمين، وعند حضور يوم الجزاء، وقد ودّ المشركون ذلك غير مرة في الحياة الدنيا حين شاهدوا نصر المسلمين.

وعن ابن مسعود: ودّ كفارُ قريش ذلك يوم بدر حين رأوا نصر المسلمين.

ويتمنّون ذلك في الآخرة حين يساقون إلى النار لكفرهم، قال تعالى: ﴿ ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتّخذت مع الرسول سبيلا ﴾ [سورة الفرقان: 27].

وكذلك إذا أخرج عصاة المسلمين من النار ودّ الذين كفروا في النار لو كانوا مسلمين، على أنهم قد ودُّوا ذلك غير مرة وكتموه في نفوسهم عناداً وكفراً.

قال تعالى: ﴿ ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نردّ ولا نكذّب بآيات ربّنا ونكون من المؤمنين بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ﴾ [سورة الأنعام: 27، 28]، أي فلا يصرحون به.

ولو } في ﴿ لو كانوا مسلمين ﴾ مستعملة في التمني لأن أصلها الشرطية إذ هي حرف امتناع لامتناع، فهي مناسبة لمعنى التمني الذي هو طلب الأمر الممتنع الحصول، فإذا وقعت بعد ما يدل على التمني استعملت في ذلك كأنها على تقدير قول محذوف يقوله المتمني، ولما حذف فعل القول عدل في حكاية المقول إلى حكايته بالمعنى.

فأصل ﴿ لو كانوا مسلمين ﴾ لو كُنّا مسلمين.

والتزم حذف جواب ﴿ لو ﴾ اكتفاء بدلالة المقام عليه ثم شاع حذف القول، فأفادت ﴿ لو ﴾ معنى المصدرية فصار المعنى: يودّ الذين كفروا كونهم مسلمين، ولذلك عَدُّوها من حروف المصدرية وإنما المصدر معنى عارض في الكلام وليس مدلولها بالوضع.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ الر ﴾ و ﴿ الم ﴾ قال: فواتح يفتتح بها كلامه ﴿ تلك آيات الكتاب ﴾ قال التوراة والإِنجيل.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ الر تلك آيات الكتاب ﴾ قال: الكتب التي كانت قبل القرآن ﴿ وقرآن مبين ﴾ قال: مبين، والله هداه ورشده وخيره.

قوله تعالى: ﴿ ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ﴾ .

أخرج ابن أبي حاتم من طريق السدي، عن أبي مالك وأبي صالح عن ابن عباس وعن مرة، عن ابن مسعود وناس من الصحابة في قوله: ﴿ ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ﴾ قالوا: ودّ المشركون يوم بدر حين ضربت أعناقهم حين عرضوا على النار أنهم كانوا مؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ربما يود الذين كفروا ﴾ قال: ذلك يوم القيامة، يتمنى الذين كفروا ﴿ لو كانوا مسلمين ﴾ قال: موحدين.

وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله: ﴿ ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ﴾ قال: هذا في الجهنميين، إذا رأوهم يخرجون من النار.

وأخرج سعيد بن منصور وهناد بن السري في الزهد، وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه، والبيهقي في البعث والنشور، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ما زال الله يشفع ويدخل الجنة ويشفع ويرحم، حتى يقول: من كان مسلماً فليدخل الجنة.

فذلك قوله: ﴿ ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ﴾ .

وأخرج ابن المبارك في الزهد وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في البعث، عن ابن عباس وأنس رضي الله عنهما، أنهما تذاكرا هذه الآية ﴿ ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ﴾ فقالا: هذا حيث يجمع الله بين أهل الخطايا من المسلمين والمشركين في النار، فيقول المشركون: ما أغنى عنكم ما كنتم تعبدون...

!

فيغضب الله لهم، فيخرجهم بفضل رحمته.

وأخرج سعيد بن منصور وهناد والبيهقي، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ﴾ قال: إذا خرج من النار من قال لا إله إلا الله.

وأخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه بسند صحيح، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن ناساً من أمي يعذبون بذنوبهم فيكونون في النار ما شاء الله أن يكونوا، ثم يعيرهم أهل الشرك فيقولون: ما نرى ما كنتم فيه من تصديقكم نفعكم.

فلا يبقى موحد إلا أخرجه الله تعالى من النار، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ﴾ » .

وأخرج ابن أبي عاصم في السنة وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه، وابن مردويه والبيهقي في البعث والنشور، عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا اجتمع أهل النار في النار ومعهم من شاء الله من أهل القبلة، قال الكفار للمسلمين: ألم تكونوا مسلمين؟

قالوا: بلى.

قالوا: فما أغنى عنكم الإِسلام وقد صرتم معنا في النار؟

قالوا: كانت لنا ذنوب فأخذنا بها.

فسمع الله ما قالوا، فأمر بكل من كان في النار من أهل القبلة فأخرجوا، فلما رأى ذلك من بقي من الكفار قالوا: يا ليتنا كنا مسلمين فنخرج كما خرجوا، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ الر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ﴾ » .

وأخرج اسحق ابن راهويه وابن حبان والطبراني وابن مردويه، عن أبي سعيد الخدري أنه سئل: هل سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الآية شيئاً ﴿ ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ﴾ ؟

قال: نعم، سمعته يقول: «يُخْرج الله أناساً من المؤمنين من النار بعدما يأخذ نقمته منهم لما أدخلهم الله النار مع المشركين، قال لهم المشركون: ألستم كنتم تزعمون أنكم أولياء الله في الدنيا، فما بالكم معنا في النار؟

فإذا سمع الله ذلك منهم أذن في الشفاعة لهم، فيشفع الملائكة والنبيون والمؤمنون حتى يخرجوا بإذن الله، فاذا رأى المشركون ذلك قالوا: يا ليتنا كنا مثلهم فتدركنا الشفاعة فنخرج معهم.

فذلك قول الله: ﴿ ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ﴾ قال: فيسمون في الجنة الجهنميين من أجل سواد في وجوههم، فيقولون: يا ربنا، أذهب عنا هذا الاسم، يأمرهم فيغتسلون في نهر الجنة فيذهب ذلك الاسم عنهم» .

وأخرج هناد بن السري والطبراني في الأوسط وأبو نعيم، عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن ناساً من أهل لا إله إلا الله يدخلون النار بذنوبهم، فيقول لهم أهل اللات والعزى: ما أغنى عنكم قول لا إله إلا الله وأنتم معنا في النار؟

فيغضب الله لهم فيخرجهم فيلقيهم في نهر الحياة، فيبرؤون من حرقهم كما يبرأ القمر من خسوفه، فيدخلون الجنة ويسمون فيها الجهنميين» .

وأخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: أول من يأذن الله عز وجل له يوم القيامة في الكلام والشفاعة، محمد صلى الله عليه وسلم، فيقال له: «قلْ تسمعْ وسلْ تُعْطَه.

قال: فَيَخرُّ ساجداً فيثني على الله ثناء لم يُثْنِ عليه أحدٌ، فيقال: ارفع رأسك.

فيرفع رأسه فيقول: أي رب، أمتي..

أمتي..

فيخرج له ثلث من في النار من أمته، ثم يقال: قل تسمع، وسل تعط.

فيخرّ ساجداً فيثني على الله ثناء لم يثنه أحد.

فيقال: ارفع رأسك.

فيرفع رأسه ويقول: أي رب، أمتي..

أمتي..

فيخرج له ثلث آخر من أمته، ثم يقال له: قل تسمع، وسل تعط.

فيخرّ ساجداً فيثني على الله ثناء لم يثنه أحد.

فيقال: ارفع رأسك.

فيرفع رأسه ويقول: رب، أمتي..

أمتي..

فيخرج له الثلث الباقي» .

فقيل للحسن: أن أبا حمزة يحدث بكذا وكذا.

فقال: يرحم الله أبا حمزة، نسي الرابعة.

قيل: وما الرابعة؟

قال: من ليست له حسنة إلا لا إله إلا الله.

فيقول: رب، أمتي..

أمتي..

فيقال له: يا محمد، هؤلاء ينجيهم الله برحمته حتى لا يبقى أحد ممن قال لا إله إلا الله، فعند ذلك يقول أهل جهنم ﴿ ما لنا من شافعين، ولا صديق حميم فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين ﴾ وقوله: ﴿ ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ﴾ .

وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: يقوم نبيكم رابع أربعة، فيشفع فلا يبقى في النار إلا من شاء الله من المشركين، فذلك قوله: ﴿ ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم وابن شاهين في السنة، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أصحاب الكبائر من موحّدي الأمم كلها، الذين ماتوا على كبائرهم غير نادمين ولا تائبين، من دخل منهم جهنم لا تزرقّ أعينهم ولا تسودّ وجوههم، ولا يقرنون بالشياطين ولا يغلون بالسلاسل، ولا يجرعون الحميم ولا يلبسون القطران، حرم الله أجسادهم على الخلود من أجل التوحيد، وصورهم على النار من أجل السجود، فمنهم من تأخذه النار إلى قدميه ومنهم من تأخذه النار إلى عقبيه، ومنهم من تأخذه النار إلى فخذيه، ومنهم من تأخذه النار إلى حجزته، ومنهم من تأخذه النار إلى عنقه، على قدر ذنوبهم وأعمالهم، ومنهم من يمكث فيها شهراً ثم يخرج منها، ومنهم من يمكث فيها سنة ثم يخرج منها، وأطولهم فيها مكثاً بقدر الدنيا منذ يوم خلقت إلى أن تفنى، فإذا أراد الله أن يخرجهم منها، قالت اليهود والنصارى ومن في النار من أهل الأديان والأوثان، لمن في النار من أهل التوحيد: آمنتم بالله وكتبه ورسله، فنحن وأنتم اليوم في النار سواء.

فيغضب الله لهم غَضَباً لم يغضَبْه لشيء فيما مضى، فيخرجهم إلى عين بين الجنة والصراط فينبتون فيها نبات الطراثيث في حميل السيل، ثم يدخلون الجنة...

مكتوب في جباههم: هؤلاء الجهنميون عتقاء الرحمن.

فيمكثون في الجنة ما شاء الله أن يمكثوا، ثم يسألون الله تعالى أن يمحو ذلك الاسم عنهم، فيبعث الله ملكاً فيمحوه، ثم يبعث الله ملائكة معهم مسامير من نار فيطبقونها على من بقي فيها، يسمرونها بتلك المسامير فينساهم الله على عرشه ويشتغل عنهم أهل الجنة بنعيمهم ولذاتهم.

وذلك قوله: ﴿ ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ﴾ » .

وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه، عن زكريا بن يحيى صاحب القضيب قال: سألت أبا غالب رضي الله عنه عن هذه الآية ﴿ ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ﴾ فقال: حدثني أبو أمامة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «انها نزلت في الخوارج حين رأوا تجاوز الله عن المسلمين وعن الأمة والجماعة، قالوا: يا ليتنا كنا مسلمين» .

وأخرج الحاكم في الكنى، عن حماد رضي الله عنه قال: سألت إبراهيم عن هذه الآية ﴿ ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ﴾ قال: حدثت أن أهل الشرك قالوا لمن دخل النار من أهل الإِسلام: ما أغنى عنكم ما كنتم تعبدون...؟

فيغضب الله لهم فيقول للملائكة والنبيين: اشفعوا لهم.

فيشفعون لهم فيخرجون، حتى ان إبليس ليتطاول رجاء أن يدخل معهم، فعند ذلك ﴿ يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ وقُرئ ﴿ رُبَمَا ﴾ بالتخفيف، قال السُّكّري (١) (٢) رُبَّما تَكْرَهُ النُّفُوسُ مِنَ الأمْرِ ...

لها فَرْجةٌ كَحَلِّ العِقَالِ (٣) فـ (ما) في هذا البيت اسم لما يُقَدَّر من عَوْد الذكر إليه من الصفة، المعنى: رب شيء تكره النفوس، وإذا عاد إليها الهاء كان اسمًا ولم يجز أن يكون الحرف (٤) ﴿ أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ  ﴾ ما عاد الذكر إليه علمت بذلك أنه اسم، ويدلك على أن (ما) قد تكون اسمًا إذا وقعت بعد رب وقوع (من) بعدها (٥) (٦) (٧) وكما دخلت على (مَنْ) وكانت نكرة، كذلك تدخل على (ما) فهذا ضرب، والضرب الآخر: أن تدخل (ما) كافة، نحو الآية، والنحويون يسمّون (ما) هذه الكافة؛ يريدون أنها بدخولها كفت الحرفَ عن العمل الذي كان له، وهيأته لدخوله على ما لم يدخل عليه، ألا ترى أن (رب) إنما تدخل على الاسم المفرد؛ نحو: رب رجل يقول ذلك، ولا تدخل على الفعل، فلما دخلت (ما) عليها هيأتها للدخول على الفعل كهذه الآية (٨) ﴿ رُبَمَا يَوَدُّ ﴾ فجاء بعد ربما بفعل مستقبل، وسبيلها أن يأتي بعدها الماضي كما يقال: ربما قصدني عبد الله، ولا يكاد يستعمل المستقبل بعدها؟

قال ابن الأنباري: المستقبل في هذا بمنزلة الماضي، وإنما جاز الماضي هاهنا وهو لأمر لم يأت؛ لأن القرآن نَزَّل وعده ووعيده وما كان فيه كأنه عيان، فجرى الكلام فيما لم يكن منه كمجراه في الكائن، ألا ترى إلى قوله: ﴿ وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا  ﴾ كأنه ماضٍ وهو منتظَر؛ لصدقه، وكذلك قوله: ﴿ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ  ﴾ وقوله تعالى: ﴿ وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ  ﴾ وهذا معنى قول الفراء في هذه الآية (٩) ﴿ يَوَدُّ ﴾ في الآية على لفظ المضارع؛ لأنه حكايته لحال آتية، كما أن قوله: ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ  ﴾ حكايته لحال آتية أيضًا، ومن حكايته الحال قول القائل (١٠) جَارِيةٌ في رَمَضَانَ الماضِي ...

تُقَطِّعُ الحَدِيثَ بالإيمَاضِ (١١) قال ومن زعم أن الآية على إضمار (كان) وتقديره: ربما كان يود الذين كفروا، فقد خرج بذلك عن قول سيبويه (١٢) ﴿ يَوَدُّ ﴾ صفة له؛ وذلك أن (ما) لعمومها تقع على كل شيء، فيجوز أن يعني بها الودّ؛ كأنه في هذا الوجه أيضًا حكاية حال، ألا ترى أنه لم يكن بَعْدُ، انتهى كلامه.

(١٣) (١٤) ماويَّ يَا ربَّتَما غارةٍ ...

شَعْواءَ كاللَّذْعةِ بالِمِيسمَ (١٥) وإن قيل لِمَ (١٦) ﴿ رُبَمَا ﴾ بالتخفيف (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) أَسُمَيَّ ما يُدْرِيكِ أن رُبَ فِتْية ...

بَاكَرْتُ لذَّتَهُمْ بِأدْكَنَ مُتْرَعِ (٢١) ويسكنون أيضًا في التخفيف فيقولون: رُبْ رَجُلٍ، وأنشد بيت الهذلي: أزُهَيْرُ إن يَشِبِ القَذَالُ فإنني (٢٢) (٢٣) (٢٤) (٢٥)  قال: "إذا كان يوم القيامة واجتمع أهل النار في النار، ومعهم من شاء الله من أهل القلبة، قال الكفار لهم: ألستم مسلمين؟

قالوا: بلى، قالوا فما أغنى عنكم إسلامكم وقد صرتم معنا في النار؟

فيغضب الله لهم بفضل رحمته فيأمر بكل من كان من أهل القبلة في النار فيخرجون منها فحينئذ ﴿ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ﴾ وقرأ رسول الله  هذه الآية" (٢٦) (٢٧) (٢٨) (٢٩) (٣٠) (٣١) ﴿ رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ الآية (٣٢) وقال الضحاك: إذا احتضر الكافر وعلم أنه صائر إلى جهنم ودَّ أنه كان مسلمًا (٣٣) (٣٤) (٣٥) قال ابن الأنباري: هذا الكلام معناه من الله التهديد، والمعنى: أن هذا لو كان مما يتمنى مرة واحدة من الدهر لكانت المسارعة إليه عند الإمكان واجبة، فكيف والتمني له يتصل ويكثر (٣٦) ﴿ ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا ﴾ الآية، وهذا كله معنى قول الزجاج، قال: وجائز أن تكون أهوال القيامة تشغلهم عن التَّمَنّي، فإذا أفاقوا من سكرةٍ من سكراتِ العذاب ودّوا ذلك (٣٧) (٣٨) (٣٩) (١) الحسن بن الحسين بن العلاء، أبو سعيد النحويّ اللغويّ، المعروف بابن السكري، أخذ عن أبي حاتم السجستاني، والرياشي، كان راوية للبصريين، وكان ثقة ديناً صادقاً، له: كتاب "الوحوش"، وكتاب "النبات"، و"أشعار هذيل" مات سنة 275 هـ، وقيل (290 هـ)، وكان مولده سنة (202 هـ) انظر: "طبقات النحويين واللغويين" ص 183.

"الفهرست" ص 217، "نزهة الألباء" ص 160، "البلغة" ص 296، "البغية" 1/ 502.

(٢) انظر: "الكتاب" باب الجر 1/ 419.

(٣) "ديوان أمية بن أبي الصلت" ص 444 وفيه: (تجزع) بدل (تكره)، وورد البيت في "الكتاب" 2/ 109، 315، "اللسان" (فرج) 6/ 3369، "الخزانة" 6/ 108، 10/ 9، وورد غير منسوب في "البيان والتبيين" 3/ 224 برواية (تجزع)، "المقتضب" 1/ 42، "جمهرة اللغة" 1/ 463، "إيضاح الشعر" ص295، 445، "معاني الحروف" للرماني ص 156، "تفسير الطوسي" 6/ 314 برواية (تجزع)، "أمالي ابن الشجري" 2/ 554، "أساس البلاغة" 2/ 191 (فرج)، "تفسير ابن عطية" 8/ 277 "تفسير ابن الجوزي" 4/ 382 برواية "تجزع"، "إنباه الرواة" 4/ 134، "شرح المفصل" 3/ 4، "تفسير أبي حيان" 5/ 443، "همع الهوامع" 1/ 22، 316، "شرح الأشموني" 1/ 192، (الفَرجة) بالفتح قيل: الراحة من حزن أو مرض، و (الفُرجة) بالضم: الخلل بين الشيئين، (العقال) بالكسر: الحبل الذي يشد به قوائم الإبل، والمعنى: ربّ شيء تكرهه النفوس من الأمور الحادثة الشديدة، وله فَرجة سهلة سريعة تعقب الضيقَ والشدة؛ كحل عقال الدابة.

(٤) ورد في "تفسير الطوسي" 6/ 460 بنصه.

(٥) في جميع النسخ: (بحدها)، والمثبت هو الصحيح، وموافق للمصدر.

(٦) هو عمرو بن قميئة جاهلي.

(٧) ملحقات "ديوانه" ص 81، وورد في: "الكتاب" 2/ 108، "الأزهية" ص 101، "أمالي ابن الشجري" 3/ 219،64، وورد بلا نسبة في: "الحيوان" 3/ 466، "المقتضب" 1/ 41، "المسائل البغداديات" ص 566 (صدره)، "تفسير الفخر الرازي" 19/ 152، "شرح المفصل" 4/ 11، "معجم الشعراء" ص 27 وقد نسبه إلى عمرو بن لأي جاهلي.

(الأذواد)، جمع ذود، وهو القطيع من الإبل ما بين الثلاث إلى الثلاثين، يعني أنهم أعزاء لا يستطيع أحد صد إبلهم عن مرعى، مما لهم من قوة ومنعة، (اغتدين) غدا يغدُو غدْوًا وغُدواً، واغتدى: بكَّر، والاغْتداء، الغُدُوُّ.

"اللسان" (غدو) 6/ 3221.

(٨) "الحجة للقراء" 5/ 36 وهو نقل طويل مع اختصار يسير، وانظر: "تفسير الطوسي" 6/ 314، الفخر الرازي 19/ 152.

(٩) "معاني القرآن" للفراء 2/ 82.

(١٠) منسوب لرؤبة وهو في ملحقات "ديوانه" ص 176 وروايته: لقد أتى في رمضان الماض ...

جارية في درعها الفضفاضِ تُقطّعُ الحديث بالإيماض ...

أبيض من أختِ بني إباضِ (١١) ورد غير منسوب في: "تفسير الطوسي" 6/ 314، "غرائب التفسير" 1/ 585، "الفريد في إعراب القرآن" 3/ 185 "اللسان" (رمض) 3/ 1730، "الخزانة" 1/ 156، "الإنصاف" ص 124 برواية: جارية في درعها الفَضْفَاض والمعنى أن القوم كانوا يتحدثون فأومضت امرأة فتركوا الحديث واشتغلوا بالنظر إليها لبراعة جمالها.

(١٢) لأن هذا ليس من مواضع إضمار كان عنده؛ فكان لا تضمر عنده إلا حيث يكون حذف مقتضيها، وفي موضع تقوى الدلالة عليها.

ذكره المنتجب في "الفريد في إعراب القرآن" 3/ 185، وانظر: "تفسير أبي حيان" 5/ 444.

(١٣) "الحجة للقراء" 5/ 39 بنصه.

(١٤) والبيت لضمرة بن ضمرة النهشلي (جاهلي).

(١٥) ورد البيت منسوباً في: "نوادر أبي زيد" ص 253، "المعاني الكبير" 2/ 1005، "الخزانة" 9/ 384.

وورد غير منسوب في "تهذيب اللغة" (ماء) 9/ 3314، 9/ 3814 (رب) 2/ 1339، (موا) 4/ 3467، "الحجة للقراء" 5/ 35، "الإنصاف" ص90، "شرح المفصل" 8/ 31، "أمالي ابن الشجري" 2/ 413، "اللسان" (ربب) 3/ 1552، "الخزانة" 11/ 196، ورواية "النوادر والمعاني" و"الحجة" و"الأمالي": (بل ربتما).

(ماويّ): أراد ماويّ؛ من أسماء النساء، فرخَّم، (الشعواء) الغارة الكثيرة المنتشرة؛ أراد الخيل التي تغير، (المِيسم) ما يوسم به البحير بالنار.

(١٦) في (أ)، (د): (لو)، والمثبت من (ش)، (ع) وهو الصحيح لاستقامة المعنى به.

(١٧) هما نافع وعاصم.

انظر: "السبعة" ص 366، "إعراب القراءات السبع" 1/ 339، "علل القراءات" 1/ 293، "الحجة للقراء" 5/ 35.

(١٨) في جميع النسخ: (خفف)، والمثبت هو الصحيح لاستقامة الكلام، وموافقة المصدر.

(١٩) ورد في "الحجة للقراء" 5/ 41 بنصه، وانظر: "تفسير الطوسي" 6/ 316.

(٢٠) للحادرة أو الحويدرة؛ واسمه قطبة بن أوس الذبياني (جاهلي).

(٢١) "ديوان الحادرة" ص 56، وورد في "المفضَّليات" ص 46، "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 171، "علل القراءات" 1/ 293، "شرح اختيارات المفضل" 1/ 225، وورد بلا نسبة في "إعراب القراءات السبع" وعللها 1/ 340وفيه: (سُخرتهم) بدل (لذتهم)، "المُنصف" (3/ 129) وفيه: (ما أدراك)، وفي الديوان وجميع المصادر ما عدا علل القراءات بدايته برواية: (فَسُمَيَّ)، وهو تَرْخيم سُمَيَّة.

(باكرتُ لذتهم) أسرعت إليهم لأمتعهم، (الأدكن المترع) الزِّق المليء بالخمر.

(٢٢) في جميع المصادر - ما عدا الديوان والزجاج والطوسي وابن الجوزي (فإنه).

(٢٣) "شرح أشعار الهذليين" ص 1070، وورد في "تفسير الطوسي" 6/ 316، "أمالي ابن الشجري" 3/ 48، إيضاح شواهد الإيضاح 1/ 287، "تفسير ابن الجوزي" 4/ 380، "الخزانة" 9/ 537، وورد غير منسوب في: "المحتسب" (ع) 2/ 343، "أمالي ابن الشجري" 2/ 179، "الإنصاف" ص 247، "شرح المفصل" 8/ 31، "الممتع في التصريف" 2/ 627، "المقّرِب" 8/ 200، "رصف المباني" ص 141، 270، "الخزانة" 9/ 535، وفي الديوان وجميع المصادر - ما عدا "تفسير ابن == الجوزي" و"المقرب" و"الرصف" و"الخزانة"- برواية (لَجِبٍ) بدل (مَرِسٍ) ولا يختلف المعنى.

(زهير) مرخَّم زهيرة، وهي ابنته، (القذال) ما بين الأذن والقفا، (مَرِسٍ) ذو مَرَاسَة وشدة، (لَجِبٍ) من قولهم جيشٌ لجب؛ عرمرم، ذو جَلَبة وكثرة.

(٢٤) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 171 بتصرف يسير.

(٢٥) "الحجة للقراء" 5/ 41 بنصمي (٢٦) أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" 2/ 405 بنحوه، والطبري في "تفسيره" 14/ 2 بنحوه، والحاكم في "المستدرك" 2/ 242 بنحوه، وصححه ووافقه الذهبي، والبيهقي في "البعث" ص 91، وأورده ابن كثير في "تفسيره" 2/ 600 - 601 وعزاه إلى الطبراني لم أقف عليه وابن أبي حاتم، وأوده الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 45، قال وفيه خالد بيت نافع الأشعري، قال عنه أبو داود: متروك، وبقية رجاله ثقات، وأورده السيوطي في "الدر" 4/ 172 وزاد نسبته إلى ابن مردويه، وورد دون سند في "تفسير البغوي" 4/ 367 - 368، وابن الجوزي 4/ 380، والفخر الرازي 19/ 154 وهذا الحديث يدور على خالد بن نافع الأشعري، وهو ضعيف بل قال عنه أبو داود متروك، ولم يوافق الذهبي على تركه، وقال: هذا تجاوز فلا يستحق == الترك وقد حدث عنه أحمد ومسدد "الميزان" 2/ 166، ومع ذلك فالحديث ضعيف بهذا الإسناد؛ لضعف خالد الأشعري، لكن له شواهد عن ابن عباس وأنس  ما لذلك صحح الألباني الحديث في تحقيقه لكتاب "السنة" لابن أبي عاصم 2/ 406.

(٢٧) "تفسير مجاهد" ص 339 مختصرًا، وأخرجه عبد الرزاق 2/ 345 بنحوه عن مجاهد، والطبري 14/ 3 بمعناه عن مجاهد وأبي العالية، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 7 عن مجاهد، "تفسير السمرقندي" 2/ 214 عن مجاهد وأبي العالية، "الطوسي" 6/ 317 عن مجاهد، "تفسير ابن الجوزي" 4/ 381 عن مجاهد وأبي العالية، وابن كثير 2/ 600 - 601 عن مجاهد وأبي العالية، ولم أقف على القول في تفسير مقاتل ولا منسوباً إليه ولا إلى السدي.

(٢٨) حمّاد بن سلمة بن دينار البصري، أبو سلمة، أحد الأعلام، ثقة عابد، روى عن قتادة وابن أبي مليكة وثابت، وروى عنه ابن المبارك ووكيع وابن مهدي، قال ابن معين: إذا رأيت من يقع فيه فاتهمه على الإسلام، مات سنة (167هـ)، "الجرح والتعديل" 3/ 140، "الكاشف" 1/ 349، "تقريب التهذيب" ص 178 رقم (1499).

(٢٩) أخرجه عبد الرزاق 2/ 345 بنحوه، و"الطبري" 14/ 5 بنصه وبنحوه بعدة روايات، وورد بنحوه في: "معاني القرآن" للنحاس 4/ 7، "تفسير السمرقندي" 2/ 214، "تفسير ابن الجوزي" 4/ 381.

(٣٠) أخرجه ابن المبارك في "الزهد" ص 558، والطبري 14/ 5، والبيهقي في البعث ص 89، كلهم من طريق القاسم بن الفضل، "تفسير ابن الجوزي" 4/ 381، "الدر المنثور" 4/ 172 وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.

(٣١) في (أ)، (د): (ما أنزل)، والمثبت من (ش)، (ع) وهو الصحيح.

(٣٢) "أخرجه الطبري" 14/ 5 بنصه، من طريق عطاء بن السائب "صحيحة"، وأورده الثعلبي 2/ 145 ب بنصه، وأخرجه الحاكم في "المستدرك" 2/ 351 وصححه، والبيهقي في "البعث والنشور" ص 89 بنصه، "تفسير ابن الجوزي" 4/ 381، الفخر الرازي 19/ 154، الشوكاني 3/ 124 وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور وهناد السريّ وابن المنذر.

(٣٣) "أخرجه الطبري" 14/ 4 بنحوه، "تفسير البغوي" 4/ 367، وابن الجوزي 4/ 381، الفخر الرازي 19/ 154، "تفسير القرطبي" 10/ 2، والخازن 3/ 88.

(٣٤) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 172 بنصه.

(٣٥) في الجميع: (نظره)، والمثبت هو الصحيح وبه يستقيم المعنى.

(٣٦) "تفسير ابن الجوزي" 4/ 382، وورد هذا المعنى في "تفسير الزمخشري" 2/ 310، والبيضاوي 1/ 267، وابن جزي 2/ 143.

(٣٧) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 172 بتصرف.

(٣٨) "تفسير الفخر الرازي" 19/ 153، والخازن 3/ 88.

(٣٩) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 173 بنصه.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

سيتمنى الكفار يوم القيامة لو كانوا مسلمين عندما يتضح لهم الأمر، وينكشف لهم بطلان ما كانوا عليه من الكفر في الدنيا.

<div class="verse-tafsir" id="91.y6vbq"

مزيد من التفاسير لسورة الحجر

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.3 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله