الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > سورة 17 الإسراء > الآيات ١١٠-١١١
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 6 دقيقة قراءةقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ.
.
.
﴾ الآَيَةُ.
هَذِهِ الآَيَةُ نَزَلَتْ عَلى سَبَبَيْنِ: [ نَزَلَ ] أوَّلُها إلى قَوْلِهِ: ﴿ الحُسْنى ﴾ عَلى سَبَبٍ، وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: «أنَّ رَسُولَ اللهِ تَهَجَّدَ ذاتَ لَيْلَةٍ بِمَكَّةَ، فَجَعَلَ يَقُولُ في سُجُودِهِ: " يا رَحْمَنُ يا رَحِيمُ "، فَقالَ المُشْرِكُونَ: كانَ مُحَمَّدٌ يَدْعُو إلَهًا واحِدًا، فَهو الآَنَ يَدْعُو إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ: اللَّهُ والرَّحْمَنُ، ما نَعْرِفُ الرَّحْمَنَ إلّا رَحْمَنَ اليَمامَةِ، يَعْنُونَ: مُسَيْلِمَةَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآَيَةَ،» قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: «أنَّ رَسُولَ اللهِ كانَ يَكْتُبُ في أوَّلِ ما أُوحِيَ إلَيْهِ: بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ، حَتّى نَزَلَ: ﴿ إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ ، فَكَتَبَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَقالَ مُشْرِكُو العَرَبِ: هَذا الرَّحِيمُ نَعْرِفُهُ، فَما الرَّحْمَنُ ؟
فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» قالَهُ مَيْمُونُ بْنُ مَهْرانَ.
والثّالِثُ: أنَّ أهْلَ الكِتابِ قالُوا لِرَسُولِ اللهِ : إنَّكَ لِتُقِلُّ ذِكْرَ الرَّحْمَنِ، وقَدْ أكْثَرَ اللَّهُ في التَّوْراةِ هَذا الِاسْمَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿ وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ﴾ فَنَزَلَ عَلى سَبَبٍ، وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: «أنَّ رَسُولَ اللهِ كانَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالقُرْآَنِ بِمَكَّةَ، فَيَسُبُّ المُشْرِكُونَ القُرْآَنَ ومَن أتى بِهِ، فَخَفَضَ رَسُولُ اللهِ صَوْتَهُ بَعْدَ ذَلِكَ حَتّى لَمْ يُسْمِعْ أصْحابَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ﴾ ؛ أيْ: بِقِراءَتِكَ، فَيَسْمَعُ المُشْرِكُونَ فَيَسُبُّوا القُرْآَنَ، " ولا تُخافِتْ بِها " عَنْ أصْحابِكَ فَلا يَسْمَعُونَ»، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّ الأعْرابِيَّ كانَ يَجْهَرُ في التَّشَهُّدِ ويَرْفَعُ صَوْتَهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، هَذا قَوْلُ عائِشَةَ.
والثّالِثُ: «أنَّ رَسُولَ اللهِ كانَ يُصَلِّي بِمَكَّةَ عِنْدَ الصَّفا، فَجَهَرَ بِالقُرْآَنِ في صَلاةِ الغَداةِ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ: لا تَفْتَرِ عَلى اللَّهِ، فَخَفَضَ النَّبِيُّ صَوْتَهُ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ لِلْمُشْرِكِينَ: ألا تَرَوْنَ ما فَعَلْتُ بِابْنِ أبِي كَبْشَةَ ؟
رَدَدْتُهُ عَنْ قِراءَتِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» قالَهُ مُقاتِلٌ.
فَأمّا التَّفْسِيرُ، فَقَوْلُهُ: ﴿ قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ ﴾ المَعْنى: إنْ شِئْتُمْ فَقُولُوا: يا أللَّهُ، وإنْ شِئْتُمْ فَقُولُوا: يا رَحْمَنُ؛ فَإنَّهُما يَرْجِعانِ إلى واحِدٍ.
﴿ أيًّا ما تَدْعُوا ﴾ المَعْنى: أيُّ أسْماءِ اللَّهِ تَدْعُوا، قالَ الفَرّاءُ: و " ما " قَدْ تَكُونُ صِلَةً، كَقَوْلِهِ: ﴿ عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ ﴾ ، وتَكُونُ في مَعْنى: " أيُّ " مُعادَةٍ لِما اخْتَلَفَ لَفْظُهُما.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها الصَّلاةُ الشَّرْعِيَّةُ.
ثُمَّ في المُرادِ بِالكَلامِ سِتَّةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لا تَجْهَرْ بِقِراءَتِكَ ولا تُخافِتْ بِها، فَكَأنَّهُ نُهِيَ عَنْ شِدَّةِ الجَهْرِ بِالقِراءَةِ وشِدَّةِ المَخافَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
فَعَلى هَذا في تَسْمِيَةِ القِراءَةِ بِالصَّلاةِ قَوْلانِ ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ؛ أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ المَعْنى: فَلا تَجْهَرْ بِقِراءَةِ صَلاتِكَ.
والثّانِي: أنَّ القِراءَةَ بَعْضُ الصَّلاةِ، فَنابَتْ عَنْها، كَما قِيلَ لِعِيسى: كَلِمَةُ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ بِالكَلِمَةِ كانَ.
والثّانِي: لا تُصَلِّ مُراءاةً لِلنّاسِ، ولا تَدَعْها مَخافَةَ النّاسِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا.
والثّالِثُ: لا تَجْهَرْ بِالتَّشَهُّدِ في صَلاتِكَ، رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ في رِوايَةٍ، وبِهِ قالَ ابْنُ سِيرِينِ.
والرّابِعُ: لا تَجْهَرْ بِفِعْلِ صَلاتِكَ ظاهِرًا، ولا تُخافِتْ بِها شَدِيدَ الِاسْتِتارِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
والخامِسُ: لا تُحْسِنْ عَلانِيَتَها وتُسِئْ سَرِيرَتَها، قالَهُ الحَسَنُ.
والسّادِسُ: لا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ كُلِّها ولا تُخافِتْ بِجَمِيعِها، فاجْهَرْ في صَلاةِ اللَّيْلِ وخافِتْ في صَلاةِ النَّهارِ عَلى ما أمَرْناكَ بِهِ، ذَكَرَهُ القاضِي أبُو يَعْلى.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالصَّلاةِ: الدُّعاءُ، وهو قَوْلُ عائِشَةَ، وأبِي هُرَيْرَةَ، ومُجاهِدٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تُخافِتْ بِها ﴾ المُخافَتَةُ: الإخْفاءُ، يُقالُ: صَوْتٌ خَفِيتٌ.
﴿ وابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا ﴾ ؛ أيِ: اسْلُكْ بَيْنَ الجَهْرِ والمُخافَتَةِ طَرِيقًا.
وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: نُسِخَتْ هَذِهِ الآَيَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وخِيفَةً ودُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ ﴾ .
وقالَ ابْنُ السّائِبِ: نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿ فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ ﴾ .
وعَلى التَّحْقِيقِ وُجُودُ النَّسْخِ هاهُنا بَعِيدٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ ﴾ وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: ( في المِلْكِ ) بِكَسْرِ المِيمِ.
﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ولِيٌّ مِنَ الذُّلِّ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: لَمْ يُحالِفْ أحَدًا ولَمْ يَبْتَغِ نَصْرَ أحَدٍ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَحْتاجُ إلى مُوالاةِ أحَدٍ لِذُلٍّ يَلْحَقُهُ، فَهو مُسْتَغْنٍ عَنِ الوَلِيِّ والنَّصِيرِ.
﴿ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا ﴾ ؛ أيْ: عَظِّمْهُ تَعْظِيمًا تامًّا.