تفسير سورة الإسراء الآيات ١١٠-١١١ عند زاد المسير

الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > سورة 17 الإسراء > الآيات ١١٠-١١١

قُلِ ٱدْعُوا۟ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُوا۟ ٱلرَّحْمَـٰنَ ۖ أَيًّۭا مَّا تَدْعُوا۟ فَلَهُ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ ۚ وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَٱبْتَغِ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًۭا ١١٠ وَقُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًۭا وَلَمْ يَكُن لَّهُۥ شَرِيكٌۭ فِى ٱلْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُۥ وَلِىٌّۭ مِّنَ ٱلذُّلِّ ۖ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًۢا ١١١

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 6 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ.

.

.

﴾ الآَيَةُ.

هَذِهِ الآَيَةُ نَزَلَتْ عَلى سَبَبَيْنِ: [ نَزَلَ ] أوَّلُها إلى قَوْلِهِ: ﴿ الحُسْنى ﴾ عَلى سَبَبٍ، وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: «أنَّ رَسُولَ اللهِ  تَهَجَّدَ ذاتَ لَيْلَةٍ بِمَكَّةَ، فَجَعَلَ يَقُولُ في سُجُودِهِ: " يا رَحْمَنُ يا رَحِيمُ "، فَقالَ المُشْرِكُونَ: كانَ مُحَمَّدٌ يَدْعُو إلَهًا واحِدًا، فَهو الآَنَ يَدْعُو إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ: اللَّهُ والرَّحْمَنُ، ما نَعْرِفُ الرَّحْمَنَ إلّا رَحْمَنَ اليَمامَةِ، يَعْنُونَ: مُسَيْلِمَةَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآَيَةَ،» قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: «أنَّ رَسُولَ اللهِ  كانَ يَكْتُبُ في أوَّلِ ما أُوحِيَ إلَيْهِ: بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ، حَتّى نَزَلَ: ﴿ إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ  ﴾ ، فَكَتَبَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَقالَ مُشْرِكُو العَرَبِ: هَذا الرَّحِيمُ نَعْرِفُهُ، فَما الرَّحْمَنُ ؟

فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» قالَهُ مَيْمُونُ بْنُ مَهْرانَ.

والثّالِثُ: أنَّ أهْلَ الكِتابِ قالُوا لِرَسُولِ اللهِ  : إنَّكَ لِتُقِلُّ ذِكْرَ الرَّحْمَنِ، وقَدْ أكْثَرَ اللَّهُ في التَّوْراةِ هَذا الِاسْمَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿ وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ﴾ فَنَزَلَ عَلى سَبَبٍ، وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: «أنَّ رَسُولَ اللهِ  كانَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالقُرْآَنِ بِمَكَّةَ، فَيَسُبُّ المُشْرِكُونَ القُرْآَنَ ومَن أتى بِهِ، فَخَفَضَ رَسُولُ اللهِ  صَوْتَهُ بَعْدَ ذَلِكَ حَتّى لَمْ يُسْمِعْ أصْحابَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ﴾ ؛ أيْ: بِقِراءَتِكَ، فَيَسْمَعُ المُشْرِكُونَ فَيَسُبُّوا القُرْآَنَ، " ولا تُخافِتْ بِها " عَنْ أصْحابِكَ فَلا يَسْمَعُونَ»، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ الأعْرابِيَّ كانَ يَجْهَرُ في التَّشَهُّدِ ويَرْفَعُ صَوْتَهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، هَذا قَوْلُ عائِشَةَ.

والثّالِثُ: «أنَّ رَسُولَ اللهِ  كانَ يُصَلِّي بِمَكَّةَ عِنْدَ الصَّفا، فَجَهَرَ بِالقُرْآَنِ في صَلاةِ الغَداةِ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ: لا تَفْتَرِ عَلى اللَّهِ، فَخَفَضَ النَّبِيُّ  صَوْتَهُ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ لِلْمُشْرِكِينَ: ألا تَرَوْنَ ما فَعَلْتُ بِابْنِ أبِي كَبْشَةَ ؟

رَدَدْتُهُ عَنْ قِراءَتِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» قالَهُ مُقاتِلٌ.

فَأمّا التَّفْسِيرُ، فَقَوْلُهُ: ﴿ قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ ﴾ المَعْنى: إنْ شِئْتُمْ فَقُولُوا: يا أللَّهُ، وإنْ شِئْتُمْ فَقُولُوا: يا رَحْمَنُ؛ فَإنَّهُما يَرْجِعانِ إلى واحِدٍ.

﴿ أيًّا ما تَدْعُوا ﴾ المَعْنى: أيُّ أسْماءِ اللَّهِ تَدْعُوا، قالَ الفَرّاءُ: و " ما " قَدْ تَكُونُ صِلَةً، كَقَوْلِهِ: ﴿ عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ  ﴾ ، وتَكُونُ في مَعْنى: " أيُّ " مُعادَةٍ لِما اخْتَلَفَ لَفْظُهُما.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها الصَّلاةُ الشَّرْعِيَّةُ.

ثُمَّ في المُرادِ بِالكَلامِ سِتَّةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لا تَجْهَرْ بِقِراءَتِكَ ولا تُخافِتْ بِها، فَكَأنَّهُ نُهِيَ عَنْ شِدَّةِ الجَهْرِ بِالقِراءَةِ وشِدَّةِ المَخافَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

فَعَلى هَذا في تَسْمِيَةِ القِراءَةِ بِالصَّلاةِ قَوْلانِ ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ؛ أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ المَعْنى: فَلا تَجْهَرْ بِقِراءَةِ صَلاتِكَ.

والثّانِي: أنَّ القِراءَةَ بَعْضُ الصَّلاةِ، فَنابَتْ عَنْها، كَما قِيلَ لِعِيسى: كَلِمَةُ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ بِالكَلِمَةِ كانَ.

والثّانِي: لا تُصَلِّ مُراءاةً لِلنّاسِ، ولا تَدَعْها مَخافَةَ النّاسِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا.

والثّالِثُ: لا تَجْهَرْ بِالتَّشَهُّدِ في صَلاتِكَ، رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ في رِوايَةٍ، وبِهِ قالَ ابْنُ سِيرِينِ.

والرّابِعُ: لا تَجْهَرْ بِفِعْلِ صَلاتِكَ ظاهِرًا، ولا تُخافِتْ بِها شَدِيدَ الِاسْتِتارِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

والخامِسُ: لا تُحْسِنْ عَلانِيَتَها وتُسِئْ سَرِيرَتَها، قالَهُ الحَسَنُ.

والسّادِسُ: لا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ كُلِّها ولا تُخافِتْ بِجَمِيعِها، فاجْهَرْ في صَلاةِ اللَّيْلِ وخافِتْ في صَلاةِ النَّهارِ عَلى ما أمَرْناكَ بِهِ، ذَكَرَهُ القاضِي أبُو يَعْلى.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالصَّلاةِ: الدُّعاءُ، وهو قَوْلُ عائِشَةَ، وأبِي هُرَيْرَةَ، ومُجاهِدٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تُخافِتْ بِها ﴾ المُخافَتَةُ: الإخْفاءُ، يُقالُ: صَوْتٌ خَفِيتٌ.

﴿ وابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا ﴾ ؛ أيِ: اسْلُكْ بَيْنَ الجَهْرِ والمُخافَتَةِ طَرِيقًا.

وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: نُسِخَتْ هَذِهِ الآَيَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وخِيفَةً ودُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ  ﴾ .

وقالَ ابْنُ السّائِبِ: نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿ فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ  ﴾ .

وعَلى التَّحْقِيقِ وُجُودُ النَّسْخِ هاهُنا بَعِيدٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ ﴾ وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: ( في المِلْكِ ) بِكَسْرِ المِيمِ.

﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ولِيٌّ مِنَ الذُّلِّ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: لَمْ يُحالِفْ أحَدًا ولَمْ يَبْتَغِ نَصْرَ أحَدٍ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَحْتاجُ إلى مُوالاةِ أحَدٍ لِذُلٍّ يَلْحَقُهُ، فَهو مُسْتَغْنٍ عَنِ الوَلِيِّ والنَّصِيرِ.

﴿ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا ﴾ ؛ أيْ: عَظِّمْهُ تَعْظِيمًا تامًّا.

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.3 / 29.5
الإضاءة 29%
البدر بعد 9 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل