الآية ١١١ من سورة الإسراء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 17 الإسراء > الآية ١١١ من سورة الإسراء

وَقُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًۭا وَلَمْ يَكُن لَّهُۥ شَرِيكٌۭ فِى ٱلْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُۥ وَلِىٌّۭ مِّنَ ٱلذُّلِّ ۖ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًۢا ١١١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 107 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١١١ من سورة الإسراء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١١١ من سورة الإسراء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ) لما أثبت تعالى لنفسه الكريمة الأسماء الحسنى ، نزه نفسه عن النقائص فقال : ( وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ) بل هو الله الأحد الصمد ، الذي لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفوا أحد .

( ولم يكن له ولي من الذل ) أي : ليس بذليل فيحتاج أن يكون له ولي أو وزير أو مشير ، بل هو تعالى [ شأنه ] خالق الأشياء وحده لا شريك له ، ومقدرها ومدبرها بمشيئته وحده لا شريك له .

قال مجاهد في قوله : ( ولم يكن له ولي من الذل ) لم يحالف أحدا ولا يبتغي نصر أحد .

( وكبره تكبيرا ) أي : عظمه وأجله عما يقول الظالمون المعتدون علوا كبيرا .

قال ابن جرير : حدثني يونس ، أنبأنا ابن وهب ، أخبرني أبو صخر ، عن القرظي أنه كان يقول في هذه الآية : ( وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ) الآية ، قال : إن اليهود والنصارى قالوا : اتخذ الله ولدا ، وقال العرب : [ لبيك ] لبيك ، لا شريك لك ؛ إلا شريكا هو لك ، تملكه وما ملك .

وقال الصابئون والمجوس : لولا أولياء الله لذل .

فأنزل الله هذه الآية : ( وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا ) وقال أيضا : حدثنا بشر ، [ حدثنا يزيد ] حدثنا سعيد ، عن قتادة : ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلم أهله هذه الآية ( وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا ) الصغير من أهله والكبير .

قلت : وقد جاء في حديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سماها آية " العز " وفي بعض الآثار : أنها ما قرئت في بيت في ليلة فيصيبه سرق أو آفة .

والله أعلم .

وقال الحافظ أبو يعلى : حدثنا بشر بن سيحان البصري ، حدثنا حرب بن ميمون ، حدثنا موسى بن عبيدة الربذي ، عن محمد بن كعب القرظي ، عن أبي هريرة قال : خرجت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم ويدي في يده ، فأتى على رجل رث الهيئة ، فقال : " أي فلان ، ما بلغ بك ما أرى ؟

" .

قال : السقم والضر يا رسول الله .

قال : " ألا أعلمك كلمات تذهب عنك السقم والضر ؟

" .

قال : لا قال : ما يسرني بها أن شهدت معك بدرا أو أحدا .

قال : فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : " وهل يدرك أهل بدر وأهل أحد ما يدرك الفقير القانع ؟

" .

قال : فقال أبو هريرة : يا رسول الله ، إياي فعلمني قال : فقل يا أبا هريرة : " توكلت على الحي الذي لا يموت ، الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ، ولم يكن له شريك في الملك ، ولم يكن له ولي من الذل ، وكبره تكبيرا " .

قال : فأتى علي رسول الله وقد حسنت حالي ، قال : فقال لي : " مهيم " .

قال : قلت : يا رسول الله ، لم أزل أقول الكلمات التي علمتني .

إسناده ضعيف وفي متنه نكارة .

[ والله أعلم ] .

آخر تفسير سورة سبحان ولله الحمد والمنة.

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره لنبيّه محمد صلى الله عليه وسلم ( وَقُلْ) يا محمد ( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا ) فيكون مربوبا لا ربا، لأن ربّ الأرباب لا ينبغي أن يكون له ولد ( وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ ) فيكون عاجزا ذا حاجة إلى معونة غيره ضعيفا، ولا يكون إلها من يكون محتاجا إلى معين على ما حاول، ولم يكن منفردا بالمُلك والسلطان ( وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ ) يقول: ولم يكن له حليف حالفه من الذّل الذي به، لأن من كان ذا حاجة إلى نصرة غيره، فذليل مهين، ولا يكون من كان ذليلا مهينا يحتاج إلى ناصر إلها يطاع ( وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا ) يقول: وعظم ربك يا محمد بما أمرناك أن تعظمه به من قول وفعل، وأطعه فيما أمرك ونهاك.

وبنحو الذي قلنا في قوله ( وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ ) قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى ، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ ) قال: لم يحالف أحدا، ولا يبتغي نصر أحد.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " ذُكر لنا أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم كان يعلِّم أهله هذه الآية ( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا ) الصغير من أهله والكبير.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، قال: ثنا أبو الجنيد، عن جعفر، عن سعيد، عن ابن عباس، قال: إن التوراة كلها في خمس عشرة آية من بني إسرائيل، ثم تلا لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ .

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني أبو صخر ، عن القُرَظي، أنه كان يقول في هذه الآية ( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا )....

الآية.

قال: إن اليهود والنصارى قالوا: اتخذ الله ولدا ، وقالت العرب: لبيك، لبيك، لا شريك لك، إلا شريكا هو لك ، وقال الصابئون والمجوس: لولا أولياء الله لذلّ الله، فأنـزل الله ( وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ ) أنت يا محمد على ما يقولون ( تَكْبِيرًا ).

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيراقوله تعالى : وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا هذه الآية رادة على اليهود والنصارى والعرب في قولهم أفذاذا : عزير وعيسى والملائكة ذرية الله - سبحانه - ; تعالى الله عن أقوالهم !ولم يكن له شريك في الملك لأنه واحد لا شريك له في ملكه ولا في عبادته .ولم يكن له ولي من الذل قال مجاهد : المعنى لم يحالف أحدا ولا ابتغى نصر أحد ; أي لم يكن له ناصر يجيره من الذل فيكون مدافعا .

وقال الكلبي : لم يكن له ولي من اليهود والنصارى ; لأنهم أذل الناس ، ردا لقولهم : نحن أبناء الله وأحباؤه .

وقال الحسن بن الفضل : ولم يكن له ولي من الذل يعني لم يذل فيحتاج إلى ولي ولا ناصر لعزته وكبريائه .وكبره تكبيرا أي عظمه عظمة تامة .

ويقال : أبلغ لفظة للعرب في معنى التعظيم والإجلال : الله أكبر ; أي صفه بأنه أكبر من كل شيء .

قال الشاعر :[ ص: 310 ]رأيت الله أكبر كل شيء محاولة وأكثرهم جنوداوكان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا دخل في الصلاة قال : ( الله أكبر ) وقد تقدم أول الكتاب .

وقال عمر بن الخطاب .

قول العبد الله أكبر خير من الدنيا وما فيها .

وهذه الآية هي خاتمة التوراة .

روى مطرف عن عبد الله بن كعب قال : افتتحت التوراة بفاتحة سورة [ الأنعام ] وختمت بخاتمة هذه السورة .

وفي الخبر أنها آية العز ; رواه معاذ بن جبل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .

وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أفصح الغلام من بني عبد المطلب علمه وقل الحمد لله الذي الآية .

وقال عبد الحميد بن واصل : سمعت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : من قرأ وقل الحمد لله الآية كتب الله له من الأجر مثل الأرض والجبل لأن الله - تعالى - يقول فيمن زعم أن له ولدا تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا .

وجاء في الخبر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر رجل شكا إليه الدين بأن يقرأ قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن - إلى آخر السورة ثم يقول - توكلت على الحي الذي لا يموت ثلاث مرات .

تمت سورة الإسراء والحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ } له الكمال والثناء والحمد والمجد من جميع الوجوه، المنزه عن كل آفة ونقص.

{ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ } بل الملك كله لله الواحد القهار، فالعالم العلوي والسفلي، كلهم مملوكون لله، ليس لأحد من الملك شيء.

{ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ } أي: لا يتولى أحدًا من خلقه ليتعزز به ويعاونه، فإنه الغني الحميد، الذي لا يحتاج إلى أحد من المخلوقات، في الأرض ولا في السماوات، ولكنه يتخذ أولياء إحسانًا منه إليهم ورحمة بهم { الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور } { وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا } أي: عظمه وأجله بالإخبار بأوصافه العظيمة، وبالثناء عليه، بأسمائه الحسنى، وبتمجيده بأفعاله المقدسة، وبتعظيمه وإجلاله بعبادته وحده لا شريك له، وإخلاص الدين كله له.

تم تفسير سورة الإسراء ولله الحمد والمنة والثناء الحسن على يد جامعه عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله بن سعدي غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين أمين وصلى الله على محمد وسلم تسليمًا وذلك في 7 جمادى الأولى سنة 1344.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ) أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يحمده على وحدانيته ومعنى الحمد لله هو : الثناء عليه بما هو أهله .

قال الحسين بن الفضل : يعني : الحمد لله الذي عرفني أنه لم يتخذ ولدا .

( ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل ) قال مجاهد : لم يذل فيحتاج إلى ولي يتعزز به .

( وكبره تكبيرا ) أي : وعظمه عن أن يكون له شريك أو ولي .

أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي أخبرنا الإمام أبو الطيب سهل [ بن محمد بن سليمان حدثنا أبو العباس الأصم حدثنا محمد بن يعقوب حدثنا محمد بن إسحاق الصغاني حدثنا نضر بن حماد أبو الحارث الوراق حدثنا شعبة ] عن حبيب بن أبي ثابت قال : سمعت سعيد بن جبير يحدث عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أول من يدعى إلى الجنة يوم القيامة الذين يحمدون الله في السراء والضراء " .

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أخبرنا أبو الحسن بن بشران أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار أخبرنا أحمد بن منصور الرمادي أنبأنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن قتادة أن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الحمد لله رأس الشكر ما شكر الله عبد لا يحمده " .

أخبرنا أبو الفضل بن زياد بن محمد الحنفي أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن أحمد الأنصاري أخبرنا أبو محمد يحيى بن محمد بن صاعد حدثنا يحيى بن خالد بن أيوب المخزومي حدثنا موسى بن إبراهيم بن كثير بن بشر الخزامي الأنصاري عن طلحة بن خراش عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن أفضل الدعاء الحمد لله وأفضل الذكر لا إله إلا الله " .

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا عبد الرحمن بن أبي شريح أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي حدثنا علي بن الجعد حدثنا زهير حدثنا منصور عن هلال بن بشار عن الربيع بن عميلة عن سمرة بن جندب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أحب الكلام إلى الله تعالى أربع : لا إله إلا الله ، والله أكبر ، وسبحان الله ، والحمد لله لا يضرك بأيهن بدأت "

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«شريك في الملك» في الألوهية «ولم يكن له ولي» ينصره «من» أجل «الذل» أي لم يذل فيحتاج إلى ناصر «وكبره تكبيرا» عظمه عظمة تامة عن اتخاذ الولد الشريك والذل وكل ما لا يليق به وترتيب الحمد على ذلك للدلالة على أنه المستحق لجميع المحامد لكمال ذاته وتفرده في صفاته وروى الإمام أحمد في مسنده عن معاذ الجهني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: (آية العز الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك) إلى آخر السورة والله تعالى أعلم قال مؤلفه هذا آخر ما كملت به تفسير القرآن الكريم الذي ألفه الشيخ الإمام العالم المحقق جلال الدين المحلي الشافعي رضي الله عنه وقد أفرغت لمكمل وعليه في الآي المتشابهة الاعتماد والمعول فرحم الله امرأ نظر بعين الإنصاف إليه ووقف فيه على خطأ فأطلعني عليه وقد قلت: حمدت الله ربي إذ هداني لما أبديت مع عجزي وضعفي فمن لي بالخطأ فأرد عنه ومن لي بالقبول ولو بحرف هذا ولم يكن قط في خلدي أن أتعرض لذلك لعلمي بالعجز عن الخوض في هذه المسالك وعسى الله أن ينفع به نفعا جما ويفتح به قلوبا غلفا وأعينا وآذانا صما وكأني بمن اعتاد المطولات وقد أضرب عن هذه التكملة وأصلها حسما وعدل إلى صريح العناد ولم يوجه إلى دقائقها فهما «ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى» رزقنا الله به هداية إلى سبيل الحق وتوفيقا واطلاعا على دقائق كلماته وتحقيقا وجعلنا به «مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا» وفرغ من تأليفه يوم الأحد عاشر شوال سنة سبعين وثمانمائة وكان الابتداء في يوم الأربعاء مستهل رمضان من السنة المذكورة وفرغ من تبييضه يوم الأربعاء سادس صفر سنة إحدى وسبعين وثمانمائة والله أعلم قال الشيخ شمس الدين محمد بن أبي بكر الخطيب الطوخي أخبرني صديقي الشيخ العلامة كمال الدين المحلي أخو شيخنا الشيخ جلال الدين المحلي رحمهما الله تعالى أنه رأى أخاه الشيخ جلال الدين المذكور في النوم وبين يديه صديقنا الشيخ العلامة المحقق جلال الدين السيوطي مصنف هذه التكملة وقد أخذ الشيخ هذه التكملة في يده وتصفحها ويقول لمصنفها المذكور أيهما أحسن وضعي أو وضعك فقال: وضعي فقال: انظر وعرض عليه مواضع فيها وكأنه يشير إلى اعتراض فيها بلطف ومصنف هذه التكملة كلما أورد عليه شيئا يجيبه والشيخ يبتسم ويضحك قال شيخنا الإمام العلامة جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي مصنف هذه التكملة: الذي أعتقده وأجزم به أن الوضع الذي وضعه الشيخ جلال الدين المحلي رحمه الله تعالى في قطعته أحسن من وضعي أنا بطبقات كثيرة كيف وغالب ما وضعته هنا مقتبس من وضعه ومستفاد منه لا مرية عندي في ذلك وأما الذي رئي في المنام المكتوب أعلاه فلعل الشيخ أشار به إلى المواضع القليلة التي خالفت وضعه فيها لنكتة وهي يسيرة جدا ما أظنها تبلغ عشرة مواضع منها أن الشيخ قال في سورة ص: والروح جسم لطيف يحيا به الإنسان بنفوذه فيه وكنت تبعته أولا فذكرت هذا الحد في سورة الحجر ثم ضربت عليه لقوله تعالى «ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي» الآية فهي صريحة أو كالصريحة في أن الروح من علم الله تعالى لا نعلمه فالإمساك عن تعريفها أولى ولذا قال الشيخ تاج الدين بن السبكي في جمع الجوامع: والروح لم يتكلم عليها محمد صلى الله عليه وسلم فنمسك عنها ومنها أن الشيخ قال في سورة الحج: الصابئون فرقة من اليهود فذكرت ذلك في سورة البقرة وزدت أو النصارى بيانا لقول ثان فإنه المعروف خصوصا عند أصحابنا الفقهاء وفي المنهاج وإن خالفت السامرة اليهود والصابئة النصارى في أصل دينهم وفي شرحه أن الشافعي رضي الله عنه نص على أن الصابئين فرقة من النصارى ولا أستحضر الآن موضعا ثالثا فكأن الشيخ رحمه الله تعالى يشير إلى مثل هذا والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وقل -أيها الرسول-: الحمد لله الذي له الكمال والثناء، الذي تنزَّه عن الولد والشريك في ألوهيته، ولا يكون له سبحانه وليٌّ مِن خلقه فهو الغني القوي، وهم الفقراء المحتاجون إليه، وعظِّمه تعظيمًا تامًا بالثناء عليه وعبادته وحده لا شريك له، وإخلاص الدين كله له.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بهذه الآية : ( وَقُلِ الحمد لِلَّهِ الذي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً ..

.

) .أى : وقل - أيها الرسول الكريم - : الحمد الكامل ، والثناء الجميل ، لله - تعالى - وحده ، الذى لم يتخذ ولدًا؛ لأنه هو الغنى ، كما قال - تعالى - : ( قَالُواْ اتخذ الله وَلَداً سُبْحَانَهُ بَل لَّهُ مَا فِي السماوات والأرض .

.

) ولم يكن له ، - سبحانه - ( شَرِيكٌ فِي الملك ) بل هو المالك لكل شىء ليس له فى هذا الكون من يزاحمه أو يشاركه فى ملكه أو فى عبادته .

كما قال - تعالى - : ( قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ إلى ذِي العرش سَبِيلاً سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّاً كَبِيراً ) وكما قال - عز وجل - : ( مَا اتخذ الله مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إله بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ سُبْحَانَ الله عَمَّا يَصِفُونَ ) ( وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذل ) أى : ولم يكن له - سبحانه - ناصر ينصره من ذل أصابه أو نزل به ، لأنه - عز وجل - هو أقوى الأقوياء ، وقاهر الجبابرة ، ومذل الطغاة ، ( وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذل وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً ) ( وكبره تكبيرا ) أى : وعظمه تعظيمًا تامًا كاملاً ، يليق بجلاله عز وجل .قال الإِمام ابن كثير : عن قتادة أنه قال : ذكر لنا أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يعلم أهله كبيرهم وصغيرهم هذه الآية .

( الحمد لِلَّهِ الذي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً .

.

.

) .ثم قال ابن كثير : وقد جاء فى حديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سماها آية العز .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

قال صاحب الكشاف المراد بهما الاسم لا المسمى و«أو» للتخيير بمعنى: ﴿ ادعوا الله أَوِ ادعوا الرحمن ﴾ أي سموا بهذا الاسم أو بهذا أو اذكروا إما هذا وإما هذا والتنوين في ﴿ أَيّا ﴾ عوض عن المضاف إليه و ﴿ مَا ﴾ صلة للإبهام المؤكد لما في أي والتقدير أي هذين الاسمين سميتم وذكرتم فله الأسماء الحسنى والضمير في قوله: ﴿ فَلَهُ ﴾ ليس براجع إلى أحد الإسمين المذكورين ولكن إلى مسماهما وهو ذاته عز وعلا والمعنى: أياً ما تدعوا فهو حسن فوضع موضعه قوله: ﴿ فَلَهُ الأسماء الحسنى ﴾ لأنه إذا حسنت أسماؤه فقد حسن هذان الإسمان لأنهما منها ومعنى حسن أسماء الله كونها مفيدة لمعاني التحميد والتقديس وقد سبق الاستقصاء في هذا الباب في آخر سورة الأعراف في تفسير قوله: ﴿ ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها  ﴾ واحتج الجبائي بهذه الآية فقال: لو كان تعالى هو الخالق للظلم والجور لصح أن يقال يا ظالم وحينئذ يبطل ما ثبت في هذه الآية من كون أسمائه بأسرها حسنة.

والجواب: أنا لا نسلم أنه لو كان خالقاً لأفعال العباد لصح وصفه بأنه ظالم وجائر كما أنه لا يلزم من كونه خالقاً للحركة والسكون والسواد والبياض أن يقال يا متحرك ويا ساكن ويا أسود ويا أبيض فإن قالوا فيلزم جواز أن يقال يا خالق الظلم والجور قلنا فيلزمكم أن تقولوا يا خالق العذرات والديدان والخنافس وكما أنكم تقولون أن ذلك حق في نفس الأمر ولكن الأدب أن يقال يا خالق السموات والأرض فكذا قولنا هنا، ثم قال تعالى: ﴿ وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا ﴾ وفيه مباحث: البحث الأول: قوله: ﴿ وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ﴾ فيه أقوال: الأول: روى سعيد بن جبير عن ابن عباس في هذه الآية قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع صوته بالقراءة فإذا سمعه المشركون سبوه وسبوا من جاء به فأوحى الله تعالى إليه: ﴿ وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ﴾ فيسمع المشركون فيسبوا الله عدواً بغير علم: ﴿ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا ﴾ فلا تسمع أصحابك وابتغ بين ذلك سبيلا.

القول الثاني: روى أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف بالليل على دور الصحابة، وكان أبو بكر يخفي صوته بالقراءة في صلاته وكان عمر يرفع صوته، فلما جاء النهار وجاء أبو بكر وعمر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر لم تخفي صوتك؟

فقال أناجي ربي، وقد علم حاجتي وقال لعمر لم ترفع صوتك؟

فقال أزجر الشيطان وأوقظ الوسنان فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر أن يرفع صوته قليلاً وعمر أن يخفض صوته قليلاً.

القول الثالث: معناه: ولا تجهر بصلاتك كلها ولا تخافت بها كلها وابتغ بين ذلك سبيلاً بأن تجهر بصلاة الليل وتخافت بصلاة النهار.

والقول الرابع: أن المراد بالصلاة الدعاء وهذا قول عائشة رضي الله عنها وأبي هريرة ومجاهد قالت عائشة رضي الله عنها هي في الدعاء وروى هذا مرفوعاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في هذه الآية إنما ذلك في الدعاء والمسألة لا ترفع صوتك فتذكر ذنوبك فيسمع ذلك فتعير بها فالجهر بالدعاء منهى عنه والمبالغة في الإسرار غير جائزة والمستحب من ذلك التوسط وهو أن يسمع نفسه كما روي عن ابن مسعود أنه قال لم يخافت من أسمع أذنيه.

والقول الخامس: قال الحسن لا تراه بعلانيتها ولا تسئ بسريتها.

البحث الثاني: الصلاة عبارة عن مجموع الأفعال والأذكار والجهر والمخافتة من عوارض الصوت، فالمراد هاهنا من الصلوات بعض أجزاء ماهية الصلاة وهو الأذكار والقرآن وهو من باب إطلاق اسم الكل لإرادة الجزء.

البحث الثالث: يقال خفت صوته يخفت خفتاً وخفوتاً إذا ضعف وسكن وصوت خفيت أي خفيض ومنه يقال للرجل إذا مات قد خفت أي انقطع كلامه وخفت الزرع إذا ذبل وخفت الرجل يخافت بقراءته إذا لم يبين قراءته برفع الصوت وقد تخافت القوم إذا تساروا بينهم وأقول ثبت في كتب الأخلاق أن كلا طرفي الأمور ذميم والعدل هو رعاية الوسط ولهذا المعنى مدح الله هذه الأمة بقوله: ﴿ وكذلك جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا  ﴾ وقال في مدح المؤمنين: ﴿ والذين إِذَا أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً  ﴾ وأمر الله رسوله فقال: ﴿ وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ البسط  ﴾ فكذا هاهنا نهى عن الطرقين وهو الجهر والمخافتة وأمر بالتوسط بينهما فقال: ﴿ وابتغ بَيْنَ ذلك سَبِيلاً ﴾ ومنهم من قال الآية منسوخة بقوله: ﴿ ادعوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً  ﴾ وهو بعيد واعلم أنه تعالى لما أمر أن لا يذكر ولا ينادى إلا بأسمائه الحسنى علمه كيفية التحميد فقال: ﴿ وَقُلِ الحمد لِلَّهِ الذي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِي الملك وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ وَلِىٌّ مَّنَ الذل وكبرهُ تكْبِيراً ﴾ فذكر هاهنا من صفات التنزيه والجلال وهي السلوب ثلاثة أنواع من الصفات.

النوع الأول: من الصفات أنه لم يتخذ ولداً والسبب فيه وجوه: الأول: أن الولد هو الشيء المتولد من جزء من أجزاء شيء آخر فكل من له ولد فهو مركب من الأجزاء والمركب محدث والمحدث محتاج لا يقدر على كمال الإنعام فلا يستحق كمال الحمد.

الثاني: أن كل من له ولد فإنه يمسك جميع النعم لولده فإذا لم يكن له ولد أفاض كل تلك النعم على عبيده.

الثالث: أن الولد هو الذي يقوم مقام الوالد بعد انقضائه وفنائه فلو كان له ولد لكان منقضياً ومن كان كذلك لم يقدر على كمال الإنعام في كل الأوقات فوجب أن لا يستحق الحمد على الإطلاق.

والنوع الثاني: من الصفات السلبية قوله: ﴿ وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِي الملك ﴾ والسبب في اعتبار هذه الصفة أنه لو كان له شريك فحينئذ لا يعرف كونه مستحقاً للحمد والشكر.

والنوع الثالث: قوله: ﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ وَلِىٌّ مَّنَ الذل ﴾ والسبب في اعتبار هذه الصفة أنه لو جاز عليه ولي من الذل لم يجب شكره لتجويز أن غيره حمله على ذلك الإنعام أو منعه منه، أما إذا كان منزهاً عن الولد وعن الشريك وكان منزهاً عن أن يكون له ولي يلي أمره كان مستوجباً لأعظم أنواع الحمد ومستحقاً لأجل أقسام الشكر ثم قال تعالى: ﴿ وَكَبّرْهُ تَكْبِيرًا ﴾ ومعناه أن التحميد يجب أن يكون مقروناً بالتكبير ويحتمل أنواعاً من المعاني.

أولها: تكبيره في ذاته وهو أن يعتقد أنه واجب الوجود لذاته وأنه غني عن كل ما سواه.

وثانيها: تكبيره في صفاته وذلك من ثلاثة أوجه.

أولها: أن يعتقد أن كل ما كان صفة له فهو من صفات الجلال والعز والعظمة والكمال وهو منزه عن كل صفات النقائص.

وثالثها: أن يعتقد أن كل واحد من تلك الصفات متعلق بما لا نهاية له من المعلومات وقدرته متعلقة بما لا نهاية له من المقدورات والممكنات.

ورابعها: أن يعتقد أنه كما تقدست ذاته عن الحدوث وتنزهت عن التغير والزوال والتحول والانتقال فكذلك صفاته أزلية قديمة سرمدية منزهة عن التغير والزوال والتحول والانتقال.

النوع الثالث: من تكبير الله تكبيره في أفعاله وعند هذا تختلف أهل الجبر والقدر فقال أهل السنة إنا نحمد الله ونكبره ونعظمه على أن يجري في سلطانه شيء لا على وفق حكمه وإرادته فالكل واقع بقضاء الله وقدرته ومشيئته وإرادته، وقالت المعتزلة إنا نكبر الله ونعظمه عن أن يكون فاعلاً لهذه القبائح والفواحش بل نعتقد أن حكمته تقتضي التنزيه والتقديس عنها وعن إرادتها وسمعت أن الأستاذ أبا إسحاق الإسفراييني كان جالساً في دار الصاحب بن عباد فدخل القاضي عبد الجبار بن أحمد الهمداني فلما رآه قال سبحان من تنزه عن الفحشاء فقال الأستاذ أبو إسحاق: سبحان من لا يجري في ملكه إلا ما يشاء.

النوع الرابع: تكبير الله في أحكامه وهو أن يعتقد أنه ملك مطاع وله الأمر والنهي والرفع والخفض وأنه لا اعتراض لأحد عليه في شيء من أحكامه يعز من يشاء ويذل من يشاء.

النوع الخامس: تكبير الله في أسمائه وهو أن لا يذكر إلا بأسمائه الحسنى ولا يوصف إلا بصفاته المقدسة العالية المنزهة.

النوع السادس: من التكبير هو أن الإنسان بعد أن يبلغ في التكبير والتعظيم والتنزيه والتقديس مقدار عقله وفهمه وخاطره يعترف أن عقله وفهمه لا يفي بمعرفة جلال الله، ولسانه لا يفي بشكره، وجوارحه وأعضاؤه لا تفي بخدمته فكبر الله عن أن يكون تكبيره وافياً بكنه مجده وعزته.

وهذا أقصى ما يقدر عليه العبد الضعيف من التكبير والتعظيم ونسأل الله تعالى الرحمة قبل الموت وعند الموت وبعد الموت إنه الكريم الرحيم وبالله العصمة والتوفيق وحسبنا الله ونعم الوكيل.

قال المصنف رحمه الله تعالى: تم تفسير هذه السورة يوم الثلاثاء بين الظهر والعصر يوم العشرين من شهر المحرم في بلدة غزنين سنة إحدى وستمائة والحمد لله والصلاة على نبيه محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً.

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

فإن قلت: كيف لاق وصفه بنفي الولد والشريك والذل بكلمة التحميد؟

قلت: لأنّ من هذا وصفه هو الذي يقدر على إيلاء كل نعمة، فهو الذي يستحق جنس الحمد.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أفصح الغلام من بني عبد المطلب علمه هذه الآية.

عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة بني إسرائيل فرقّ قلبه عند ذكر الوالدين كان له قنطار في الجنة، والقنطار ألف أوقية ومائتا أوقية» رزقنا الله بفضله العميم وإحسانه الجسيم.

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ ﴾ في الأُلُوهِيَّةِ.

﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ولِيٌّ مِنَ الذُّلِّ ﴾ ولِيٌّ يُوالِيهِ مِن أجْلِ مَذَلَّةٍ بِهِ لِيَدْفَعَها بِمُوالاتِهِ نُفِيَ عَنْهُ أنْ يَكُونَ لَهُ ما يُشارِكُهُ مِن جِنْسِهِ ومِن غَيْرِ جِنْسِهِ اخْتِيارًا واضْطِرارًا، وما يُعاوِنُهُ ويُقَوِّيهِ، ورَتَّبَ الحَمْدَ عَلَيْهِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ جِنْسَ الحَمْدِ لِأنَّهُ الكامِلُ الذّاتِ المُنْفَرِدُ بِالإيجادِ، المُنْعِمُ عَلى الإطْلاقِ وما عَداهُ ناقِصٌ مَمْلُوكُ نِعْمَةٍ، أوْ مُنْعَمٌ عَلَيْهِ ولِذَلِكَ عُطِفَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا ﴾ وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ العَبْدَ وإنْ بالَغَ في التَّنْزِيهِ والتَّمْجِيدِ واجْتَهَدَ في العِبادَةِ والتَّحْمِيدِ يَنْبَغِي أنْ يَعْتَرِفَ بِالقُصُورِ عَنْ حَقِّهِ في ذَلِكَ.

رُوِيَ «أنَّهُ  كانَ إذا أفْصَحَ الغُلامُ مِن بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ عَلَّمَهُ هَذِهِ الآيَةَ»، وعَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ «مَن قَرَأ سُورَةَ بَنِي إسْرائِيلَ فَرَقَّ قَلْبُهُ عِنْدَ ذِكْرِ الوالِدَيْنِ، كانَ لَهُ قِنْطارٌ في الجَنَّةِ» والقِنْطارُ ألْفُ أُوقِيَةٍ ومِائَتا أُوقِيَةٍ.

واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ وإلَيْهِ المَرْجِعُ والمَآبُ.

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً} كما زعمت اليهود والنصارى وبنو مليح {وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ} كما زعم المشركون {وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلِّ} أي لم يذل فيحتاج إلى ناصر أو لم يوال أحداً من أجل مذلة به ليدفعها بموالاته

{وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً} وعظمه وصفه بأنه أكبر منان يكون له ولد أو شريك وسمى النبي عليه السلام الآية آية العز وكان إذا أفصح الغلام من بني عبد المطلب علمه هذه الآية

الكهف (٤ - ١)

سورة الكهف مكية وهي مائة وإحدى عشرة آية بصرى وعشر آيات كوفي

بسم الله الرحمن الرحيم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ﴾ رَدٌّ عَلى اليَهُودِ والنَّصارى وبَنِي مَلِيحٍ حَيْثُ قالُوا: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، والمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ تَعالى، والمَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا، ونَفْيَ اتِّخاذِ الوَلَدِ ظاهِرٌ في نَفْيِ التَّبَنِّي، ويُعْلَمُ مِنهُ نَفْيُ أنْ يَكُونَ لَهُ سُبْحانَهُ ولَدُ الصُّلْبِ مِن بابِ أوْلى، وقَدْ نُفِيَ ذَلِكَ صَرِيحًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَمْ يَلِدْ ﴾ ﴿ ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ ﴾ ظاهِرُهُ أنَّهُ رَدٌّ عَلى الثَّنَوِيَّةِ وهُمُ المُشْرِكُونَ في الرُّبُوبِيَّةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ كِنايَةً عَنْ نَفْيِ الشَّرِكَةِ في الأُلُوهِيَّةِ فَيَكُونُ رَدًّا عَلى الوَثَنِيَّةِ.

﴿ ولَمْ يَكُنْ لَهُ ولِيٌّ مِنَ الذُّلِّ ﴾ أيْ: ناصِرٌ ومانِعٌ لَهُ سُبْحانَهُ مِنَ الذُّلِّ لِاعْتِزازِهِ تَعالى بِنَفْسِهِ، فَ «مِن» صِلَةٌ لِوَلِيٍّ وضُمِّنَ مَعْنى المَنعِ والنَّصْرِ أوْ لَمْ يُوالِ تَعالى أحَدًا مِن أجْلِ مَذَلَّةٍ، فالوِلايَةُ بِمَعْنى المَحَبَّةِ عَلى أصْلِها ومِن تَعْلِيلِيَّةٌ، ولَيْسَ المَعْنى عَلى الوَجْهَيْنِ نَفْيَ الذُّلِّ والنَّصْرِ في الأوَّلِ والمُوالاةِ والذُّلِّ في الثّانِي عَلى أُسْلُوبِ: - لا يُهْتَدى بِمَنارِهِ - بَلِ المُرادُ أنَّهُ تَعالى إذا اتَّخَذَ عَبْدًا لَهُ ولِيًّا فَذَلِكَ مَحْضُ الِاصْطِناعِ في شَأْنِ العَبْدِ لا أنَّ هُناكَ حاجَةً، وكَذَلِكَ نَصْرُ اللَّهِ تَعالى كَمالٌ لِلنّاصِرِ لا أنَّ ثَمَّةَ حاجَةً، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ ﴾ وإلى هَذا ذَهَبَ صاحِبُ الكَشْفِ وهو حَسَنٌ، وجَعَلَ ذَلِكَ عَلى الوَجْهَيْنِ الفاضِلُ الطِّيبِيُّ مِن ذاكَ الأُسْلُوبِ، وفي الحَواشِي الشِّهابِيَّةِ في بَيانِ ثانِي الوَجْهَيْنِ أنَّ المُرادَ نَفْيُ أنْ يَكُونَ لَهُ تَعالى مَوْلًى يَلْتَجِئُ هو سُبْحانَهُ إلَيْهِ، وأمّا الوَلِيُّ الَّذِي يُوصَفُ بِهِ المُؤْمِنُ فَلَيْسَ الوِلايَةُ فِيهِ بِهَذا المَعْنى بَلْ بِمَعْنى مَن يَتَوَلّى أمْرَهُ لِمَحَبَّتِهِ لَهُ تَفَضُّلًا مِنهُ عَزَّ وجَلَّ ورَحْمَةً فَغايَرَ بَيْنَ الوِلايَتَيْنِ، ولَعَلَّ الحَقَّ مَعَ صاحِبِ الكَشْفِ، ومِن عَجِيبِ ما قِيلَ إنَّ «مِنَ الذُّلِّ» في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِوَلِيٍّ، ومِن فِيهِ لِلتَّبْعِيضِ، وأنَّ الكَلامَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ أيْ: لَمْ يَكُنْ لَهُ ولِيٌّ مِن أهْلِ الذُّلِّ، والمُرادُ بِهِمُ اليَهُودُ والنَّصارى، ولَعَمْرِي إنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ.

ورُبَّما يُتَوَهَّمُ أنَّ المَقامَ مَقامُ التَّنْزِيهِ لا مَقامُ الحَمْدِ لِأنَّهُ يَكُونُ عَلى الفِعْلِ الِاخْتِيارِيِّ وبِهِ وما ذُكِرَ مِنَ الصِّفاتِ العَدَمِيَّةِ ويُدْفَعُ بِأنَّهُ لاقٍ وصْفُهُ تَعالى بِما ذُكِرَ بِكَلِمَةِ التَّحْمِيدِ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى نَفْيِ الإمْكانِ المُقْتَضِي لِلِاحْتِياجِ وإثْباتِ أنَّهُ تَعالى الواجِبُ الوُجُودِ لِذاتِهِ الغَنِيُّ عَمّا سِواهُ المُحْتاجُ إلَيْهِ ما عَداهُ فَهو الجَوادُ المُعْطِي لِكُلِّ قابِلٍ ما يَسْتَحِقُّ فَهو تَعالى المُسْتَحِقُّ لِلْحَمْدِ دُونَ غَيْرِهِ عَزَّ وجَلَّ، وهَذا الَّذِي عَناهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وقالَ في الكَشْفِ: لَكَ أنْ تَتَّخِذَ نَفْيَ هَذِهِ الصِّفاتِ وهي ذَرائِعُ مَنعِ المَعْرُوفِ، أمّا الوَلَدُ فَلِأنَّهُ مَبْخَلَةٌ، وأمّا الشَّرِيكُ فَلِأنَّهُ مانِعٌ مِنَ التَّصَرُّفِ كَيْفَ يَشاءُ، وأمّا الِاحْتِياجُ إلى مَن يَعْتَزُّ بِهِ أوْ يَذُبُّ عَنْهُ فَأظْهَرُ رَدِيفًا لِإثْباتِ أضْدادِها عَلى سَبِيلِ الكِنايَةِ وهُوَ وجْهٌ حَسَنٌ ولَوْ حُمِلَ الكَلامُ عَلى ظاهِرِهِ أيْضًا لَكانَ لَهُ وجْهٌ؛ وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَ القائِلِ: الحَمْدُ لِلَّهِ فِيهِ ما يُنْبِئُ أنَّ الإلَهِيَّةَ تَقْتَضِي الحَمْدَ فَإذا قُلْتَ: الحَمْدُ لِلَّهِ المُنَزَّهِ عَنِ النَّقائِصِ مَثَلًا يَكُونُ قَدْ قَوَّيْتَ مَعْنى الإلَهِيَّةِ المَفْهُومَةِ مِنَ اللَّفْظِ فَيَكُونُ وصْفًا لائِقًا مُؤَيِّدًا لِاسْتِحْقاقِهِ تَعالى الحَمْدَ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى مَدْخَلِيَّةِ الوَصْفِ في الحَمْدِ بِالِاسْتِقْلالِ وهَذا بَيِّنٌ مَكْشُوفٌ، إلّا أنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ حاوَلَ أنْ يُنَبِّهَ عَلى مَكانِ الفائِدَةِ الزّائِدَةِ اه.

وتُعُقِّبَ بِأنَّ ما ذَكَرَهُ مِن أنَّ في الحَمْدِ لِلَّهِ ما يُنْبِئُ أنَّ الإلَهِيَّةَ تَقْتَضِي الحَمْدَ لا يَتِمُّ عَلى مَذْهَبِ مانِعِي الِاشْتِقاقِ في الِاسْمِ الكَرِيمِ وفِيهِ تَأمُّلٌ.

والآيَةُ عَلى ما قالَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ مِنَ التَّقْسِيمِ الحاصِرِ لِأنَّ المانِعَ مِن إيتاءِ النِّعَمِ إمّا فَوْقَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أوْ دُونَهُ أوْ مِثْلَهُ عَزَّ وجَلَّ، فَبَنى الكَلامَ عَلى التَّرَقِّي وبَدَأ مِنَ الأدْوَنِ وخَتَمَ بِالأعْلى فَنَفى الكُلَّ فَمِنهُ ولَدُ الكَثْرَةِ ولَهُ القِلُّ والدِّقُّ والجُلُّ تَعالى كِبْرِياؤُهُ وعَظُمَتْ نَعْماؤُهُ، ولِدَلالَةِ ما تَقَدَّمَ عَلى أنَّهُ تَعالى هو الكامِلُ وما عَداهُ ناقِصٌ اسْتَحَقَّ التَّكْبِيرَ؛ ولِذا عُطِفَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا ﴾ والتَّكْبِيرُ أبْلَغُ لَفْظَةٍ لِلْعَرَبِ في مَعْنى التَّعْظِيمِ والإجْلالِ، وفي الأمْرِ بِذَلِكَ بَعْدَ ما تَقَدَّمَ مُؤَكَّدًا بِالمَصْدَرِ المُنَكَّرِ مِن غَيْرِ تَعْيِينٍ لِما يُعَظِّمُ بِهِ تَعالى إشارَةٌ إلى أنَّهُ مِمّا لا تَسَعُهُ العِبارَةُ ولا تَفِي بِهِ القُوَّةُ البَشَرِيَّةُ وإنْ بالَغَ العَبْدُ في التَّنْزِيهِ والتَّمْجِيدِ واجْتَهَدَ في العِبادَةِ والتَّحْمِيدِ فَلَمْ يَبْقَ إلّا الوُقُوفُ بِأقْدامِ المَذَلَّةِ في حَضِيضِ القُصُورِ والِاعْتِرافُ بِالعَجْزِ عَنِ القِيامِ بِحَقِّهِ جَلَّ وعَلا وإنْ طالَتِ القُصُورُ.

ورَوى غَيْرُ واحِدٍ أنَّهُ  كانَ يُعَلِّمُ الغُلامَ مِن بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ إذا أفْصَحَ: الحَمْدُ لِلَّهِ إلى آخِرِ الآيَةِ سَبْعَ مَرّاتٍ، وسَمّاها عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَما أخْرَجَ أحْمَدُ والطَّبَرانِيُّ عَنْ مُعاذٍ آيَةَ العِزِّ.

وأخْرَجَ أبُو يَعْلى وابْنُ السُّنِّيِّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «خَرَجْتُ أنا ورَسُولُ اللَّهِ  ويَدِي في يَدِهِ فَأتى عَلى رَجُلٍ رَثِّ الهَيْئَةِ فَقالَ: أيْ فُلانُ، ما بَلَغَ بِكَ ما أرى.

قالَ: السَّقَمُ والضُّرُّ.

قالَ  : ألا أُعَلِّمُكَ كَلِماتٍ تُذْهِبُ عَنْكَ السَّقَمَ والضُّرَّ؟

تَوَكَّلْتُ عَلى الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ، الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذُ ولَدًا...

الآيَةَ فَأتى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ  وقَدْ حَسُنَتْ حالَتُهُ فَقالَ: مَهْيَمْ.

فَقالَ: لَمْ أزَلْ أقُولُ الكَلِماتِ الَّتِي عَلَّمْتَنِي».

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ الفَرَجِ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْ إسْماعِيلَ بْنِ أبِي فُدَيْكٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : ««ما كَرَبَنِي أمْرٌ إلّا مَثُلَ لِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، قُلْ: تَوَكَّلْتُ عَلى الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ، والحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا»» إلى آخِرِ الآيَةِ.

وأخْرَجَ ابْنُ السُّنِّيِّ والدَّيْلَمِيُّ «عَنْ فاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ  وعَلَيْها أنَّ النَّبِيَّ  قالَ لَها: إذا أخَذْتِ مَضْجَعَكِ فَقُولِي: «الحَمْدُ لِلَّهِ الكافِي، سُبْحانَ اللَّهِ الأعْلى، حَسْبِي اللَّهُ وكَفى، ما شاءَ اللَّهُ قَضى، سَمِعَ اللَّهُ لِمَن دَعا، لَيْسَ مِنَ اللَّهِ مَلْجَأٌ ولا وراءَ اللَّهِ مُلْتَجى، تَوَكَّلْتُ عَلى رَبِّي ورَبِّكم ما مِن دابَّةٍ إلّا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها، إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا - إلى: وكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا.

ثُمَّ قالَ  : ما مِن مُسْلِمٍ يَقْرَؤُها عِنْدَ مَنامِهِ ثُمَّ يَنامُ وسَطَ الشَّياطِينِ والهَوامِّ فَتَضُرُّهُ»».

هَذا وما ألْطَفَ المُناسَبَةَ بَيْنَ ابْتِداءِ هَذِهِ السُّورَةِ، وهَذا الخِتامِ ولَيْسَ ذَلِكَ بِدْعًا في كَلامِ اللَّطِيفِ العَلّامِ.

* * * «ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ» ﴿ وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ ﴾ إلى آخِرِهِ تَنْبِيهٌ لِحَبِيبِهِ  عَنِ الوُقُوعِ فِيما يُخِلُّ بِحِفْظِ شَرائِطِ المَحَبَّةِ وفِيهِ إشارَةٌ إلى إيصالِهِ إلى مَقامِ التَّمْكِينِ.

﴿ أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ ﴾ الآيَةَ، ذُكِرَ أنَّ الصَّلاةَ عَلى خَمْسَةِ أقْسامٍ، صَلاةِ المُواصَلَةِ والمُناغاةِ في مَقامِ الخَفِيِّ وصَلاةِ المُشاهَدَةِ في مَقامِ الرُّوحِ وصَلاةِ المُناجاةِ في مَقامِ السِّرِّ وصَلاةِ الحُضُورِ في مَقامِ القَلْبِ وصَلاةِ المُطاوَعَةِ والِانْقِيادِ في مَقامِ النَّفْسِ، فَدُلُوكُ الشَّمْسِ إشارَةٌ إلى زَوالِ شَمْسِ الوَحْدَةِ عَنِ الِاسْتِواءِ عَلى وُجُودِ العَبْدِ بِالفَناءِ المَحْضِ فَإنَّهُ لا صَلاةَ في حالِ الِاسْتِواءِ؛ إذْ لا وُجُودَ لِلْعَبْدِ حِينَئِذٍ ولا شُعُورَ لَهُ بِنَفْسِهِ، وإنَّما تَجِبُ بِالزَّوالِ وحُدُوثُ ظِلٍّ وُجُودُ العَبْدِ سَواءٌ عِنْدَ الِاحْتِجابِ بِالخَلْقِ وهو حالَةُ الفَرْقِ قَبْلَ الجَمْعِ أوْ عِنْدَ البَقاءِ وهو حالَةُ الفَرْقِ بَعْدَ الجَمْعِ، وغَسَقُ اللَّيْلِ إشارَةٌ إلى غَسَقِ لَيْلِ النَّفْسِ، وقُرْآنُ الفَجْرِ إشارَةٌ إلى قُرْآنِ فَجْرِ القَلْبِ، وأدَلُّ الصَّلَواتِ وألْطَفُها صَلاةُ المُواصَلَةِ، وأفْضَلُها صَلاةُ الشُّهُودِ المُشارُ إلَيْها بِصَلاةِ العَصْرِ، وأخَفُّها صَلاةُ السِّرِّ المُشارُ إلَيْها بِصَلاةِ المَغْرِبِ، وأشَدُّها تَثْبِيتًا لِلنَّفْسِ صَلاةُ النَّفْسِ المُشارُ إلَيْها بِصَلاةِ العِشاءِ، وأزْجَرُها لِلشَّيْطانِ صَلاةُ الحُضُورِ المُشارُ إلَيْها بِالفَجْرِ.

﴿ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا ﴾ أيْ: تَشْهَدُهُ مَلائِكَةُ اللَّيْلِ والنَّهارِ، وهَذا إشارَةٌ إلى نُزُولِ صِفاتِ القَلْبِ وأنْوارِها وذَهابِ صِفاتِ النَّفْسِ وزَوالِها.

﴿ ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ ﴾ أيْ: زِيادَةً عَلى الفَرائِضِ الخَمْسِ خاصَّةً بِكَ، قِيلَ: لِكَوْنِهِ عَلامَةَ مَقامِ النَّفْسِ فَيَجِبُ تَخْصِيصُهُ بِزِيادَةِ الطّاعَةِ لِزِيادَةِ احْتِياجِ هَذا المَقامِ إلى الصَّلاةِ بِالنِّسْبَةِ إلى سائِرِ المَقاماتِ، وقِيلَ: إنَّما خُصَّ  بِالتَّهَجُّدِ لِأنَّ اللَّيْلَ وقْتُ خَلْوَةِ المُحِبِّ بِالحَبِيبِ وهو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الحَبِيبُ الأعْظَمُ، والخَلِيلُ المُكَرَّمُ.

﴿ عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا ﴾ وهو مَقامُ إلْحاقِ النّاقِصِ بِالكامِلِ والكامِلِ بِالأكْمَلِ ﴿ وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي ﴾ حَضْرَةَ الوَحْدَةِ في عَيْنِ الجَمْعِ ﴿ مُدْخَلَ صِدْقٍ ﴾ إدْخالًا مَرْضِيًّا بِلا آفَةِ زَيْغِ البَصَرِ إلى الِالتِفاتِ إلى الغَيْرِ أصْلًا ﴿ وأخْرِجْنِي ﴾ إلى فَضاءِ الكَثْرَةِ عِنْدَ الرُّجُوعِ إلى التَّفْصِيلِ بِالوُجُودِ.

المَوْهُوبِ الحَقّانِيِّ ﴿ مُخْرَجَ صِدْقٍ ﴾ سالِمًا مِن آفَةِ التَّلْوِينِ والِانْحِرافِ عَنْ جادَّةِ الِاسْتِقامَةِ ﴿ واجْعَلْ لِي مِن لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا ﴾ حُجَّةً ناصِرَةً بِالتَّثْبِيتِ والتَّمْكِينِ ﴿ وقُلْ ﴾ إذا زالَتْ نُقْطَةُ الغَيْنِ عَنِ العَيْنِ ﴿ جاءَ الحَقُّ ﴾ أيْ: ظَهَرَ الوُجُودُ الثّابِتُ وهو الوُجُودُ الواجِبِيُّ ﴿ وزَهَقَ الباطِلُ ﴾ وهو الوُجُودُ الإمْكانِيُّ.

فَفِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: أصْدَقُ كَلِمَةٍ قالَها شاعِرٌ كَلِمَةُ لَبِيَدٍ: ألا كُلُّ شَيْءِ ما خَلا اللَّهَ باطِلٌ ويُقالُ: الحَقُّ العِلْمُ، والباطِلُ الجَهْلُ، والحَقُّ ما بَدا مِنَ الإلْهامِ، والباطِلُ هَواجِسُ النَّفْسِ ووَساوِسُ الشَّيْطانِ.

وقالَ فارِسٌ: كُلُّ ما يَحْمِلُكَ عَلى سُلُوكِ سَبِيلِ الحَقِيقَةِ فَهو حَقٌّ، وكُلُّ ما يَحْجُبُكَ ويُفَرِّقُ عَلَيْكَ وقَتْكَ فَهو باطِلٌ ﴿ ونُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ﴾ مِن أمْراضِ الصِّفاتِ الذَّمِيمَةِ ﴿ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ بِالغَيْبِ يُفِيدُهُمُ الكَمالاتِ والفَضائِلَ العَظِيمَةَ، فالأوَّلُ إشارَةٌ إلى التَّخْلِيَةِ والثّانِي إلى التَّحْلِيَةِ، ويُقالُ: هو شِفاءٌ مِن داءِ الشَّكِّ لِضُعَفاءِ المُؤْمِنِينَ، ومِن داءِ النَّكِرَةِ لِلْعارِفِينَ، ومِن وجَعِ الِاشْتِياقِ لِلْمُحِبِّينَ، ومِن داءِ القُنُوطِ لِلْمُرِيدِينَ والقاصِدِينَ، وأنْشَدُوا: وكُتْبُكَ حَوْلِي لا تُفارِقُ مَضْجَعِي ∗∗∗ وفِيها شِفاءٌ لِلَّذِي أنا كاتِمُ ﴿ ولا يَزِيدُ الظّالِمِينَ ﴾ الباخِسِينَ حُظُوظَهم مِنَ الكَمالِ بِالمَيْلِ إلى الشَّهَواتِ النَّفْسانِيَّةِ ﴿ إلا خَسارًا ﴾ بِزِيادَةِ ظُهُورِ أنْفُسِهِمْ بِصِفاتِها مِن إنْكارٍ ونَحْوِهِ.

﴿ وإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ أعْرَضَ ونَأى بِجانِبِهِ ﴾ فاحْتَجَبَ بِالنِّعْمَةِ عَنِ المُنْعِمِ ولَمْ يَشْكُرْ ﴿ وإذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَئُوسًا ﴾ لِجَهْلِهِ بِعَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى ولَمْ يَصْبِرْ ﴿ قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ ﴾ عَلى طَرِيقَتِهِ الَّتِي تُشاكِلُ اسْتِعْدادَهُ وكُلُّ إناءٍ بِالَّذِي فِيهِ يَرْشَحُ.

﴿ ويَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحِ مِن أمْرِ رَبِّي ﴾ أيْ: مِن عالَمِ الإبْداعِ وهو عالَمُ الذَّواتِ المُقَدَّسَةِ عَنِ الشَّكْلِ واللَّوْنِ والجِهَةِ والأيْنِ فَلا يُمْكِنُ إدْراكُ المَحْجُوبِينَ لَها ﴿ وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلا قَلِيلا ﴾ وهو عِلْمُ المَحْسُوساتِ ( مَن يَهْدِ اللَّهُ ) بِنُورِهِ بِمُقْتَضى العِنايَةِ الأزَلِيَّةِ ﴿ فَهُوَ المُهْتَدِ ﴾ دُونَ غَيْرِهِ ﴿ ومَن يُضْلِلْ ﴾ بِمَنعِ ذَلِكَ النُّورِ عَنْهُ ﴿ فَلَنْ تَجِدَ لَهم أوْلِياءَ ﴾ مِن دُونِهِ تَعالى يَهْدُونَهُ أوْ يَحْفَظُونَهُ مِن قَهْرِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿ ونَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ ﴾ لِانْجِذابِهِمْ إلى الجِهَةِ السُّفْلِيَّةِ ﴿ عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا ﴾ لِأنَّها أحْوالٌ تُناسِبُ أحْوالَهم في الدُّنْيا ﴿ إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ إذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأذْقانِ سُجَّدًا ﴾ لِعِلْمِهِمْ بِحَقِّيَّتِهِ، ووُقُوفِهِمْ عَلى ما أُودِعَ فِيهِ مِنَ الأسْرارِ ﴿ ويَخِرُّونَ لِلأذْقانِ يَبْكُونَ ﴾ لِعَظَمَتِهِ أوْ شَوْقًا لِمُنَزِّلِهِ وحُبًّا لِلِقائِهِ، قالَ أبُو يَعْقُوبَ السُّوسِيُّ: البُكاءُ عَلى أنْواعٍ: بُكاءٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى؛ وهو أنْ يَبْكِيَ خَوْفًا مِمّا جَرى بِهِ القَلَمُ في الفاتِحَةِ ويَظْهَرُ في الخاتِمَةِ، وبُكاءٌ عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وهو أنْ يَبْكِيَ تَحَسُّرًا عَلى ما يَفُوتُهُ مِنَ الحَقِّ تَعالى، وبُكاءٌ لِلَّهِ تَبارَكَ وتَعالى وهو أنْ يَبْكِيَ عِنْدَ ذِكْرِهِ سُبْحانَهُ وذِكْرِ وعْدِهِ ووَعِيدِهِ، وبُكاءٌ بِاللَّهِ تَعالى وهو أنْ يَبْكِيَ بِلا حَظٍّ مِنهُ في بُكائِهِ، وقالَ القاسِمُ: البُكاءُ عَلى وُجُوهٍ: بُكاءُ الجُهّالِ عَلى ما جَهِلُوا، وبُكاءُ العُلَماءِ عَلى ما قَصَّرُوا، وبُكاءُ الصّالِحِينَ مَخافَةَ الفَوْتِ، وبُكاءُ الأئِمَّةِ مَخافَةَ السَّبْقِ، وبُكاءُ الفُرْسانِ مِن أرْبابِ القُلُوبِ لِلْهَيْبَةِ والخَشْيَةِ ولا بُكاءَ لِلْمُوَحِّدِينَ، وفي الآيَةِ إشارَةٌ ما إلى السَّماعِ ولا أشْرَفَ مِن سَماعِ القُرْآنِ فَهو الرُّوحُ والرَّيْحانُ ﴿ قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ ﴾ قِيلَ: دُعاءُ اللَّهِ بِالفَناءِ في الذّاتِ ودُعاءُ الرَّحْمَنِ بِالفَناءِ في الصِّفَةِ، وصِفَةُ الرَّحْمانِيَّةِ هي أُمُّ الصِّفاتِ وبِها اسْتَوى سُبْحانَهُ عَلى عَرْشِهِ، ومِن ذَلِكَ يُعْلَمُ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِنَ الإيجادِ إلّا رَحْمَةَ المَوْجُودِينَ ﴿ أيًّا ما تَدْعُوا ﴾ أيْ: أيًّا ما طَلَبْتَ مِن هَذَيْنِ المَقامَيْنِ ﴿ فَلَهُ ﴾ تَعالى في هَذَيْنِ المَقامَيْنِ ﴿ الأسْماءُ الحُسْنى ﴾ لا لَكَ؛ إذْ لَسْتَ هُناكَ بِمَوْجُودٍ أمّا في الفَناءِ في الذّاتِ فَظاهِرٌ، وأمّا في الفَناءِ في الصِّفَةِ المَذْكُورَةِ فَلِأنَّ الرَّحْمَنَ لا يَصْلُحُ اسْمًا لِغَيْرِ تِلْكَ الذّاتِ ولا يُمْكِنُ ثُبُوتُ تِلْكَ الصِّفَةِ لِغَيْرِها، ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ ضَمِيرَ لَهُ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ عائِدٌ عَلى ما عادَ إلَيْهِ عَلى التَّفْسِيرِ.

وفي الفُتُوحاتِ المَكِّيَّةِ أنَّهُ تَعالى جَعَلَ الأسْماءِ الحُسْنى لِلَّهِ كَما هي لِلرَّحْمَنِ غَيْرَ أنَّ الِاسْمَ لَهُ مَعْنًى وصُورَةٌ، فَيُدْعى اللَّهُ بِمَعْنى الِاسْمِ ويُدْعى الرَّحْمَنُ بِصُورَتِهِ لِأنَّ الرَّحْمَنَ هو المَنعُوتُ بِالنَّفْسِ وبِالنَّفْسِ ظَهَرَتِ الكَلِماتُ الإلَهِيَّةُ في مَراتِبِ الخَلاءِ الَّذِي ظَهَرَ فِيهِ العالَمُ فَلا نَدْعُوهُ إلّا بِصُورَةِ الِاسْمِ ولَهُ صُورَتانِ صُورَةٌ عِنْدَنا مِن أنْفاسِنا وتَرْكِيبِ حُرُوفِنا وهي الَّتِي نَدْعُوهُ بِها وهي أسْماءُ الأسْماءِ الإلَهِيَّةِ وهي كالخَلْعِ عَلَيْها ونَحْنُ بِصُورَةِ هَذِهِ الأسْماءِ مُتَرْجِمُونَ عَنِ الأسْماءِ الإلَهِيَّةِ ولَها صُوَرٌ مِن نَفْسِ الرَّحْمَنِ مِن كَوْنِهِ قائِلًا ومَنعُوتًا بِالكَلامِ وخَلْفَ تِلْكَ الصُّوَرِ المَعانِي الَّتِي هي كالأرْواحِ لِلْأسْماءِ الإلَهِيَّةِ الَّتِي يَذْكُرُ الحَقُّ بِها نَفْسَهُ وهي مِن نَفْسِ الرَّحْمَنِ فَلَهُ الأسْماءُ الحُسْنى وأرْواحُ تِلْكَ الصُّوَرِ هي الَّتِي لِاسْمِ اللَّهِ خارِجَةٌ عَنْ حُكْمِ النَّفْسِ لا تُنْعَتُ بِالكَيْفِيَّةِ، وهي لِصُوَرِ الأسْماءِ النَّفْسِيَّةِ الرَّحْمانِيَّةِ كالمَعانِي لِلْحُرُوفِ، ولَمّا عَلِمْنا هَذا وأُمِرْنا بِأنْ نَدْعُوَهُ سُبْحانَهُ وخُيِّرْنا بَيْنَ الِاسْمَيْنِ الجَلِيلَيْنِ فَإنْ شِئْنا دَعَوْناهُ بِصُوَرِ الأسْماءِ النَّفْسِيَّةِ الرَّحْمانِيَّةِ وهي الهِمَمُ الكَوْنِيَّةُ الَّتِي في أرْواحِنا وإنْ شِئْنا دَعَوْناهُ بِالأسْماءِ الَّتِي مِن أنْفاسِنا بِحُكْمِ التَّرْجَمَةِ فَإذا تَلَفَّظْنا بِها أحْضَرْنا في نُفُوسِنا إمّا اللَّهَ فَنَنْظُرُ المَعْنى، وإمّا الرَّحْمَنُ فَنَنْظُرُ صُورَةَ الِاسْمِ الإلَهِيِّ النَّفْسِيِّ الرَّحْمانِيِّ كَيْفَما شِئْنا فَعَلْنا فَإنَّ دَلالَةَ الصُّورَتَيْنِ مِنّا ومِنَ الرَّحْمَنِ عَلى المَعْنى واحِدٌ سَواءٌ عَلِمْنا ذَلِكَ أوْ لَمْ نَعْلَمْهُ اه، وهو كَلامٌ يَعْسُرُ فَهْمُهُ إلّا عَلى مَن شاءَ اللَّهُ تَعالى، بَيْدَ أنَّهُ لَيْسَ فِيهِ حَمْلُ الدُّعاءِ عَلى ما سَمِعْتَ.

﴿ وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ﴾ فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ سُبْحانَهُ ولَدٌ بِطَرِيقِ التَّوَلُّدِ ﴿ ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ ﴾ فَلا مَدْخَلَ لِغَيْرِهِ تَعالى في مِلْكِيَّةِ شَيْءٍ عَلى الحَقِيقَةِ، وما يُوجَدُ بِسَبَبٍ لَيْسَ السَّبَبُ إلّا آلَةً لَهُ ولا تَمْلِكُ الآلَةُ شَيْئًا بَلْ لا شَيْءَ إلّا وهو صُنْعُهُ تَعالى عَلى الحَقِيقَةِ، والسَّرِيرُ مَثَلًا وإنْ أُضِيفَ إلى النَّجّارِ مِن حَيْثُ الصَّنْعَةُ إلّا أنَّهُ في الحَقِيقَةِ آلَةٌ كالقَدُومِ ولا يُضافُ العَمَلُ إلى الآلَةِ عَلى الحَقِيقَةِ كَذا قِيلَ، ولِلشَّيْخِ قُدِّسَ سِرُّهُ كَلامٌ في هَذا المَقامِ يُفْصِحُ عَنْ بَعْضِ هَذا ذَكَرَهُ في البابِ الثّامِنِ والتِّسْعِينَ بَعْدَ المِائَةِ فارْجِعْ إلَيْهِ وتَدَبَّرْ، وكَذا لَهُ كَلامٌ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ولَمْ يَكُنْ لَهُ ولِيٌّ مِنَ الذُّلِّ ﴾ لَكِنْ يُغْنِي عَنْهُ ما قَدَّمْناهُ ﴿ وكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا ﴾ قالَ بَعْضُهُمْ: تَكْبِيرُهُ تَعالى أنْ تَعْلَمَ أنَّكَ لا تُطِيقُ أنْ تُكَبِّرَهُ إلّا بِهِ، وقالَ ابْنُ عَطاءٍ: تَكْبِيرُهُ عَزَّ وجَلَّ بِتَعْظِيمِ مِنَّتِهِ وإحْسانِهِ في القَلْبِ بِالعِلْمِ بِالتَّقْصِيرِ في الشُّكْرِ وكَيْفَ يُوَفِّي أحَدٌ شُكْرَهُ تَعالى ونِعَمُهُ جَلَّ وعَلا لا تُحْصى وآلاؤُهُ لا تُسْتَقْصى، هَذا وقَدْ تَمَّ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى تَفْسِيرُ هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ.

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: قُلْ آمِنُوا بِهِ، أي صدقوا بالقرآن.

أَوْ لاَ تُؤْمِنُوا، يعني: أو لا تصدقوا، ومعناه: إن صدقتم به أو لم تصدقوا، فإنه غني عن إِيمانكم وتصديقكم.

إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ، يعني: أعطوا علم كتابهم وهم مؤمنو أهل الكتاب من قبله أي من قبل القرآن.

إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ، أي يعرض عليهم القرآن عرفوه.

يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ، أي يقعون على الوجه سُجَّداً وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا، أي تنزيهاً لربنا.

وقال الكلبي: أي نصلي لربنا.

إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا وقد كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا أي: كائنا مقدورا.

وقال تعالى: وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ، أي يقعون على الوجوه.

يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً، أي تواضعاً ومذلة.

قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ قال الكلبي: كان ذكر الرحمن في القرآن قليلا في بدئ ما نزل من القرآن، وقد كان أسلم ناس من اليهود منهم عبد الله بن سلام وأصحابه، وكان ذكره في التوراة كثيراً، فسألوا رسول الله  عن ذلك، فنزل: قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ.

قرأ حمزة والكسائي: قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ بكسر اللام والواو، وقرأ أبو عمرو بكسر اللام وضم الواو وقرأ الباقون بالضم، ومعناهما واحد.

أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى يعني: بأي الاسمين تدعون، فهو حسن فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى، أي له الصفات العلى.

قوله عز وجل: وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها، وذلك أن رسول الله  كان بمكة، وكان يصلي بأصحابه، فإذا رفع صوته، أذاه المشركون، وإذا خفض لا يسمع صوته الذين خلفه، فأنزل الله تعالى وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ، أي بقراءتك فيؤذيك المشركون وَلا تُخافِتْ بِها في جميع الصلوات، يعني: لا تسرّ قراءتك فلا يسمع أصحابك قراءتك.

وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا أي اجهر في بعض الصلوات، وخافت في البعض.

ثم قال: وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً قال الكلبي: وذلك أنه لما نزل: قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ، قالت كفار قريش: كان محمد يدعو إلهاً واحداً، وهو اليوم يدعو إلهين، ما نعرف الرحمن إلا مسليمة الكذاب.

فنزل: وَمِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ، يعني: ذكر الرحمن، وأمره بأن يقول: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ، أي لم يتخذ ولداً فيرث ملكه، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ فيعارضه في عظمته.

وقال أبو العالية: معناه، وَقُلِ الحمد لِلَّهِ الذي لم يجعلني ممن يتخذ له ولداً، ولم يجعلني ممن يقول له شريك فى الملك.

وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ، أي من اليهود والنصارى، وهم أذل خليقة الله تعالى، يؤدون الجزية.

وقال مقاتل: معناه لم يذل فيحتاج إلى ولي يعينه، أي لم يكن له ولي ينتصر به من الذل.

وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً، أي عظمه تعظيماً، ولا تقل له شريك.

وروى إبراهيم بن الحكم، عن أبيه أنه قال: بلغني أن رجلا أتى إلى النبيّ  ، فقال: يا رسول الله، إني رجل كثير الدين، كثير الهم.

فقال له النبيّ  : «اقْرَأْ آخِرَ سُورَةِ بَنِي إسْرَائِيلَ قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ حَتَّى تَخْتِمَهِا، ثُمَّ قُلْ: تَوَكَّلْتُ على الحي الذي لا يموت ثلاث مرّات» .

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قال الواحِدِيُّ: إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا أي: بإِنزال القرآن، وبعَث محمَّد لَمَفْعُولًا.

انتهى.

وقوله سبحانه: وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً هذه مبالغةٌ في صفتهم، ومَدْحٌ لهم وحضٌّ لكل من توسَّم بالعلم، وحصَّلَ منه شيئاً أنْ يجري إلى هذه الرتبة النفيسَةِ وحكَى الطبريُّ عن التميميِّ أن من أوتي من العلْمِ ما لم يُبْكِهِ لخَلِيقِ ألاَّ يكونَ أُوتِيَ عْلماً ينفعه لأَنَّ اللَّه سبحانه نعت العلماء، ثم تَلاَ هذه الآية كلَّها.

ت: وإِنه واللَّهِ لكذلكَ، وإِنما يخشَى اللَّهَ مِنْ عباده العلماءُ، اللهمَّ انْفَعْنَا بما عَلَّمتنا، ولا تجعْلُه علينا حجَّةً بفضلك، ونقل الغَزَّاليُّ عن ابن عبَّاس أنه قال: إِذا قرأتم سَجْدَةَ «سُبْحَانَ» ، فلا تعجلوا بالسُّجُود حتى تَبْكُوا، فإِن لم تَبْكِ عينُ أحدِكُمْ، فَلْيبكِ قلبه.

قال الغَزَّالِيُّ: فإن لم يحضرْهُ حُزْن وبكاءٌ كما يحضر أرباب القلوب الصافيَةِ فليَبْكِ على فَقْدِ الحُزْن والبكاء، فإِن ذلك من أعظم المصِائبِ.

قال الغَزَّالِيُّ: واعلم أنَّ الخشوع ثمرةُ الإِيمان، ونتيجةُ/ اليقينِ الحاصلِ بعظمةِ اللَّه تعالى، ومَنْ رُزِقَ ذلك، فإِنه يكون خاشعاً في الصلاة وغيرها فإِن موجب الخشوع استشعارُ عظمة اللَّه، ومعرفةُ اطلاعه على العَبْد، ومعرفةُ تقصير العَبْد، فمن هذه المعارفِ يتولَّد الخشوعُ، وليْسَتْ مختصَّةً بالصلاة، ثم قال:

وقد دلَّت الأخبار على أن الأصل في الصَّلاة الخشوعُ، وحضورُ القَلْب، وأن مجرَّد الحركاتِ مع الغَفْلة قليلُ الجدوى في المعادِ، قال: وأعلم أنَّ المعاني التي بها تتمُّ حياة الصلاة تجمعها ستُّ جُمَلٍ، وهي: حضورُ القَلْبِ، والتفهُّمُ، والتعظيمُ، والهَيْبَة، والرجاءُ، والحياءُ، فحضور القَلْب: أن يفرِّغه من غير ما هو ملابسٌ له، والتفهُّم: أمر زائد على الحُضُور، وأما التعظيم، فهو أمر وراءَ الحضور والفَهْمِ، وأما الهَيْبة، فأمر زائد علي التعظيمِ، وهي عبارة عن خَوْفٍ مَنْشَؤه التعظيم، وأما التعظيم، فهو حالةٌ للقَلْب تتوَّلد من معرفتين: إِحداهما: معرفة جلالِ اللَّه سبحانه وعظمته، والثانية: معرفة حقارة النفْسِ، واعَلَمْ أَنَّ حضور القلب سببه الهِمَّة، فإِن قلبك تَابِعٌ لهمَّتك، فلا يحضر إِلا فيما أهمَّك، ومهما أهمَّك أمر، حَضَر القَلْب، شاء أم أبى، والقلب إذا لم يحضُرْ في الصلاة، لم يَكُنْ متعطِّلاً بل يكون حاضراً فيما الهمة مصروفةٌ إِليه.

انتهى من «الإحياء» .

وقوله سبحانه: قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ ...

الآية: سبب نزول هذه الآية:

أنَّ بعض المشركين سمع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يدعو: يا اللَّه يا رَحْمَانَ، فقالوا: كان محمَّدٌ يأمرنا بدعاءِ إله واحدٍ، وهو يدْعو إِلَهْين، قاله ابن عباس «١» ، فنزلَتِ الآية مبيِّنةً، أنها أسماء لمسمًّى واحد، وتقدير الآية: أيُّ الأسماءِ تدعو به، فأنت مصيبٌ، فله الأسماءُ الحسنى، وفي «صحيحِ البخاريِّ» بسنده عن ابن عباس في قوله سبحانه: وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها قَالَ: نَزَلَتْ ورسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم مُخْتَفٍ بمكَّةَ، كان إِذَا صَلَّى بأصحابه، رَفَعَ صَوْتَهُ بالقرآن، فإِذا سمعه المشْرِكُون، سَبُّوا القرآن، ومن أنزله، ومن جاء به، فقال اللَّه تبارك وتعالى لنبيّه صلّى الله عليه وسلّم: وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ، أي: بقراءتك، فيسمَعَ المشركونَ فيسبوا القرآن، وَلا تُخافِتْ بِها عن أصحابك فلا تسمعهم، وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا «٢» ، وأسند البخاريُّ عن عائشة: وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها قالتُ: أنزل ذلك في الدعاءِ انتهى «٣» .

قال الغَزَّاليُّ في «الإِحياء» : وقد جاءت أحاديثُ تقتضي استحبابَ السِّرِّ بالقرآن، وأحاديثُ تقتضي استحبابَ الجَهْر به، والجَمُع بينهما أنْ يقال: إِن التالي إِذا خاف على نفسه الرِّياءَ والتصنُّع أو تشويش مُصَل، / فالسر أفضلُ، وإِن أَمِنَ ذلك، فالجهر أَفَضَلُ لأن العمل فيه أكثر ولأن فائدته أيضاً تتعدَّى إلى غيره والخير المتعدِّي أفضلُ من اللازم ولأنه يوقظ قلب القارئ، ويجمع همَّته إلى الفكْر فيه، ويصرف إِليه سَمْعَه، ويطرد عنه النوْمَ برفْعِ صوته، ولأنه يزيدُ في نشاطه في القراءة، ويقلِّل من كسله ولأنه يرجو بجهره تيقُّظ نائمٍ، فيكون سَبَباً في إِعانته على الخير، ويسمعه بَطَّال غافلٌ، فينشط بسببه، ويشتاقُ لخدمة خالقه، فمهما حَضَرَتْ نيَّةٌ من هذه النيَّات، فالجهر أفضلُ، وإِن اجتمعتْ هذه النيَّاتُ، تضاعَفَ الأجر، وبكثرة النياتِ يزْكُو عمل الأبرار وتتضاعف أجورهم.

انتهى.

وقوله سبحانه: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ هذه الآية رادَّة على كَفَرة العرب في

قولهم: لولا أولياءُ اللَّه، لَذَلَّ- تعالى اللَّه عن قولهم- وقَّيد سبحانه نَفْيَ الولاية له بطريقِ الذُّلِّ، وعلى جهة الانتصار إِذ ولايته سبحانه موجُوَدةٌ بفضله ورحمته لمن والى من صَالح عباده.

قال مجاهد: المعنى لم يخالِفْ أحداً ولا ابتغى نصْرَ أحد سبحانه، لا إله إِلا هو «١» وصلَّى اللَّه على سيدِّنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ.

.

.

﴾ الآَيَةُ.

هَذِهِ الآَيَةُ نَزَلَتْ عَلى سَبَبَيْنِ: [ نَزَلَ ] أوَّلُها إلى قَوْلِهِ: ﴿ الحُسْنى ﴾ عَلى سَبَبٍ، وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: «أنَّ رَسُولَ اللهِ  تَهَجَّدَ ذاتَ لَيْلَةٍ بِمَكَّةَ، فَجَعَلَ يَقُولُ في سُجُودِهِ: " يا رَحْمَنُ يا رَحِيمُ "، فَقالَ المُشْرِكُونَ: كانَ مُحَمَّدٌ يَدْعُو إلَهًا واحِدًا، فَهو الآَنَ يَدْعُو إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ: اللَّهُ والرَّحْمَنُ، ما نَعْرِفُ الرَّحْمَنَ إلّا رَحْمَنَ اليَمامَةِ، يَعْنُونَ: مُسَيْلِمَةَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآَيَةَ،» قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: «أنَّ رَسُولَ اللهِ  كانَ يَكْتُبُ في أوَّلِ ما أُوحِيَ إلَيْهِ: بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ، حَتّى نَزَلَ: ﴿ إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ  ﴾ ، فَكَتَبَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَقالَ مُشْرِكُو العَرَبِ: هَذا الرَّحِيمُ نَعْرِفُهُ، فَما الرَّحْمَنُ ؟

فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» قالَهُ مَيْمُونُ بْنُ مَهْرانَ.

والثّالِثُ: أنَّ أهْلَ الكِتابِ قالُوا لِرَسُولِ اللهِ  : إنَّكَ لِتُقِلُّ ذِكْرَ الرَّحْمَنِ، وقَدْ أكْثَرَ اللَّهُ في التَّوْراةِ هَذا الِاسْمَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿ وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ﴾ فَنَزَلَ عَلى سَبَبٍ، وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: «أنَّ رَسُولَ اللهِ  كانَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالقُرْآَنِ بِمَكَّةَ، فَيَسُبُّ المُشْرِكُونَ القُرْآَنَ ومَن أتى بِهِ، فَخَفَضَ رَسُولُ اللهِ  صَوْتَهُ بَعْدَ ذَلِكَ حَتّى لَمْ يُسْمِعْ أصْحابَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ﴾ ؛ أيْ: بِقِراءَتِكَ، فَيَسْمَعُ المُشْرِكُونَ فَيَسُبُّوا القُرْآَنَ، " ولا تُخافِتْ بِها " عَنْ أصْحابِكَ فَلا يَسْمَعُونَ»، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ الأعْرابِيَّ كانَ يَجْهَرُ في التَّشَهُّدِ ويَرْفَعُ صَوْتَهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، هَذا قَوْلُ عائِشَةَ.

والثّالِثُ: «أنَّ رَسُولَ اللهِ  كانَ يُصَلِّي بِمَكَّةَ عِنْدَ الصَّفا، فَجَهَرَ بِالقُرْآَنِ في صَلاةِ الغَداةِ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ: لا تَفْتَرِ عَلى اللَّهِ، فَخَفَضَ النَّبِيُّ  صَوْتَهُ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ لِلْمُشْرِكِينَ: ألا تَرَوْنَ ما فَعَلْتُ بِابْنِ أبِي كَبْشَةَ ؟

رَدَدْتُهُ عَنْ قِراءَتِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» قالَهُ مُقاتِلٌ.

فَأمّا التَّفْسِيرُ، فَقَوْلُهُ: ﴿ قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ ﴾ المَعْنى: إنْ شِئْتُمْ فَقُولُوا: يا أللَّهُ، وإنْ شِئْتُمْ فَقُولُوا: يا رَحْمَنُ؛ فَإنَّهُما يَرْجِعانِ إلى واحِدٍ.

﴿ أيًّا ما تَدْعُوا ﴾ المَعْنى: أيُّ أسْماءِ اللَّهِ تَدْعُوا، قالَ الفَرّاءُ: و " ما " قَدْ تَكُونُ صِلَةً، كَقَوْلِهِ: ﴿ عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ  ﴾ ، وتَكُونُ في مَعْنى: " أيُّ " مُعادَةٍ لِما اخْتَلَفَ لَفْظُهُما.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها الصَّلاةُ الشَّرْعِيَّةُ.

ثُمَّ في المُرادِ بِالكَلامِ سِتَّةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لا تَجْهَرْ بِقِراءَتِكَ ولا تُخافِتْ بِها، فَكَأنَّهُ نُهِيَ عَنْ شِدَّةِ الجَهْرِ بِالقِراءَةِ وشِدَّةِ المَخافَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

فَعَلى هَذا في تَسْمِيَةِ القِراءَةِ بِالصَّلاةِ قَوْلانِ ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ؛ أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ المَعْنى: فَلا تَجْهَرْ بِقِراءَةِ صَلاتِكَ.

والثّانِي: أنَّ القِراءَةَ بَعْضُ الصَّلاةِ، فَنابَتْ عَنْها، كَما قِيلَ لِعِيسى: كَلِمَةُ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ بِالكَلِمَةِ كانَ.

والثّانِي: لا تُصَلِّ مُراءاةً لِلنّاسِ، ولا تَدَعْها مَخافَةَ النّاسِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا.

والثّالِثُ: لا تَجْهَرْ بِالتَّشَهُّدِ في صَلاتِكَ، رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ في رِوايَةٍ، وبِهِ قالَ ابْنُ سِيرِينِ.

والرّابِعُ: لا تَجْهَرْ بِفِعْلِ صَلاتِكَ ظاهِرًا، ولا تُخافِتْ بِها شَدِيدَ الِاسْتِتارِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

والخامِسُ: لا تُحْسِنْ عَلانِيَتَها وتُسِئْ سَرِيرَتَها، قالَهُ الحَسَنُ.

والسّادِسُ: لا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ كُلِّها ولا تُخافِتْ بِجَمِيعِها، فاجْهَرْ في صَلاةِ اللَّيْلِ وخافِتْ في صَلاةِ النَّهارِ عَلى ما أمَرْناكَ بِهِ، ذَكَرَهُ القاضِي أبُو يَعْلى.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالصَّلاةِ: الدُّعاءُ، وهو قَوْلُ عائِشَةَ، وأبِي هُرَيْرَةَ، ومُجاهِدٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تُخافِتْ بِها ﴾ المُخافَتَةُ: الإخْفاءُ، يُقالُ: صَوْتٌ خَفِيتٌ.

﴿ وابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا ﴾ ؛ أيِ: اسْلُكْ بَيْنَ الجَهْرِ والمُخافَتَةِ طَرِيقًا.

وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: نُسِخَتْ هَذِهِ الآَيَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وخِيفَةً ودُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ  ﴾ .

وقالَ ابْنُ السّائِبِ: نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿ فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ  ﴾ .

وعَلى التَّحْقِيقِ وُجُودُ النَّسْخِ هاهُنا بَعِيدٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ ﴾ وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: ( في المِلْكِ ) بِكَسْرِ المِيمِ.

﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ولِيٌّ مِنَ الذُّلِّ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: لَمْ يُحالِفْ أحَدًا ولَمْ يَبْتَغِ نَصْرَ أحَدٍ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَحْتاجُ إلى مُوالاةِ أحَدٍ لِذُلٍّ يَلْحَقُهُ، فَهو مُسْتَغْنٍ عَنِ الوَلِيِّ والنَّصِيرِ.

﴿ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا ﴾ ؛ أيْ: عَظِّمْهُ تَعْظِيمًا تامًّا.

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَيَخِرُّونَ لِلأذْقانِ يَبْكُونَ ويَزِيدُهم خُشُوعًا ﴾ ﴿ قُلِ ادْعُوا اللهَ أوِ ادْعُوا الرَحْمَنَ أيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الأسْماءُ الحُسْنى ولا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ولا تُخافِتْ بِها وابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا ﴾ ﴿ وَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ ولَمْ يَكُنْ لَهُ ولِيٌّ مِنَ الذُلِّ وكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا ﴾ هَذِهِ مُبالَغَةٌ في صِفَتِهِمْ، ومَدْحٌ لَهُمْ، وحَضٌّ لِكُلِّ مَن تَرَسَّمَ بِالعِلْمِ وحَصَّلَ مِنهُ شَيْئًا أنْ يَجْرِيَ إلى هَذِهِ الرُتْبَةِ.

وحَكى الطَبَرِيٌّ عَنِ التَيْمِيِّ أنَّهُ قالَ: إنَّ مَن أُوتِيَ مِنَ العِلْمِ ما لَمْ يُبْكِهِ لِخَلِيقٌ ألّا يَكُونَ أُوتِيَ عِلْمًا يَنْفَعُهُ؛ لِأنَّ اللهَ تَعالى نَعَتَ العُلَماءَ فَقالَ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ  ﴾ إلى آخِرِ الآيَتَيْنِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلِ ادْعُوا اللهَ أوِ ادْعُوا الرَحْمَنَ ﴾ الآيَةَ.

سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ المُشْرِكِينَ سَمِعُوا رَسُولَ اللهِ  يَدْعُو: يا اللهُ، يا الرَحْمَنُ، فَقالُوا: كانَ مُحَمَّدٌ يَأْمُرُنا بِدُعاءِ إلَهٍ واحِدٍ، وهو يَدْعُو إلَهَيْنِ.

قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما.

وقالَ مَكِّيٌّ: تَهَجَّدَ رَسُولُ اللهِ  لَيْلَةً، فَقالَ في دُعائِهِ: يا رَحْمَنُ يا رَحِيمُ، فَسَمِعَهُ رَجُلٌ مِنَ المُشْرِكِينَ -وَكانَ بِاليَمامَةِ رَجُلٌ يُسَمّى الرَحِمانُ- فَقالَ ذَلِكَ السامِعُ: ما بالُ مُحَمَّدٍ يَدْعُو رَحْمَنَ اليَمامَةِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ مُبَيِّنَةً أنَّها أسْماءٌ لِشَيْءٍ واحِدٍ، فَإنْ دَعَوْتُمُوهُ بِاللهِ فَهو ذَلِكَ، وإنْ دَعَوْتُمُوهُ بِالرَحْمَنِ فَهو ذَلِكَ.

وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "أيًّا مَن تَدْعُو فَلَهُ الأسْماءُ الحُسْنى"، أيْ: ولَهُ سائِرُ الأسْماءِ الحُسْنى، أيِ الَّتِي تَقْتَضِي أفْضَلَ الأوصافِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهِيَ بِتَوْقِيفٍ، لا يَصْحُ وضْعُ اسْمِ اللهِ تَعالى إلّا بِتَوْقِيفٍ مِنَ القُرْآنِ أوِ الحَدِيثِ.

وقَدْ رُوِيَ: « "إنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وتِسْعِينَ اسْمًا"»...

الحَدِيثُ، ونَصَّها كُلَّها التِرْمِذِيُّ وغَيْرُهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.

وتَقْدِيرُ الآيَةِ: أيَّ الأسْماءِ تَدْعُو بِهِ فَأنْتَ مُصِيبٌ، لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى.

ثُمَّ أمَرَ رَسُولَ اللهِ  ألّا يَجْهَرَ بِصَلاتِهِ، وألّا يُخافِتَ بِها، وهو الإسْرارُ الَّذِي يَسْمَعُهُ المُتَكَلِّمُ بِهِ، هَذِهِ هي حَقِيقَتُهُ، ولَكِنَّهُ في الآيَةِ عِبارَةٌ عن خَفْضِ الصَوْتِ وإنْ لَمْ يَنْتَهِ إلى ما ذَكَرْناهُ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في "الصَلاةِ"، ما هِيَ؟

فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وجَماعَةٌ: هي الدُعاءُ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هي قِراءَةُ القُرْآنِ في الصَلاةِ، فَهَذا عَلى حَذْفِ مُضافٍ، التَقْدِيرُ: ولا تَجْهَرْ بِقِراءَةِ صَلاتِكَ، قالَ: والسَبَبُ أنَّ رَسُولَ اللهِ  جَهَرَ بِالقُرْآنِ فَسَمِعَهُ المُشْرِكُونَ فَسَبُّوا القُرْآنَ ومَن أنْزَلَهُ، فَأُمِرَ رَسُولُ اللهِ  بِالوَسَطِ، لِيَسْمَعَ أصْحابُهُ المُصَلُّونَ مَعَهُ ويَذْهَبَ عنهُ أذى المُشْرِكِينَ.

وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: كانَ الأعْرابُ يَجْهَرُونَ بِتَشَهُّدِهِمْ فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ، وكانَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ يُسِرُّ قِراءَتَهُ، وكانَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ يَجْهَرُ بِها، فَقِيلَ لَهُما في ذَلِكَ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: إنَّما أُناجِي رَبِّي وهو يَعْلَمُ حاجَتِي، وقالَ عُمَرُ: أنا أطْرَحُ الشَيْطانَ وأُوقِظُ الوَسْنانَ، فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قِيلَ لِأبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ارْفَعْ أنْتَ قَلِيلًا، وقِيلَ لِعُمْرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: اخْفِضْ أنْتَ قَلِيلًا.

وقالَتْ عائِشَةُ أيْضًا رَضِيَ اللهُ عنها: الصَلاةُ يُرادُ بِها في هَذِهِ الآيَةِ التَشَهُّدُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ: المُرادُ: لا تُحْسِنْ صَلاتَكَ في الجَهْرِ، ولا تُسِئْها في السِرِّ، بَلِ اتَّبِعْ طَرِيقًا وسَطًا يَكُونُ دائِمًا في كُلِّ حالَةٍ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْنى الآيَةِ النَهْيُ عَمّا يَفْعَلُهُ أهْلُ الإنْجِيلِ والتَوْراةِ مَن رَفْعِ الصَوْتِ أحْيانًا فَيَرْفَعُ الناسُ مَعَهُ، ويَخْفِضُ أحْيانًا فَيَسْكُتُ مَن خَلْفَهُ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في الآيَةِ: إنَّ مَعْناها: ولا تَجْهَرْ بِصَلاةِ النَهارِ، ولا تُخافِتْ بِصَلاةِ اللَيْلِ، وابْتَغِ سَبِيلًا مِنَ امْتِثالِ الأمْرِ كَما رُسِمَ لَكَ، ذَكَرَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ، والزَهْراوِيُّ.

وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: لَمْ يُخافِتْ مَن أسْمَعَ أُذُنَهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وما رُوِيَ مِن أنَّهُ قِيلَ لِأبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "ارْفَعْ أنْتَ قَلِيلًا" يَرُدُّ هَذا، ولَكِنَّ الَّذِي قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ هو أصْلُ اللُغَةِ، ويُسْتَعْمَلُ الخُفُوتُ بَعْدَ ذَلِكَ في أرْفَعَ مِن ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ﴾ .

هَذِهِ الآيَةُ رادَّةٌ عَلى اليَهُودِ والنَصارى والعَرَبِ في قَوْلِهِمْ أفْذاذًا: "عُزَيْرٌ وعِيسى والمَلائِكَةُ ذَرِّيَّةٌ لِلَّهِ"، سُبْحانَهُ وتَعالى عن أقْوالِهِمْ ورادَّةٌ عَلى العَرَبِ في قَوْلِهِمْ: "لَوْلا أولِياءُ اللهِ لِذُلَّ"، وقَيَّدَ لَفْظُ الآيَةِ نَفِيَ الوِلايَةِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِطَرِيقِ الذُلِّ، وعَلى جِهَةِ الِانْتِصارِ؛ إذْ وِلايَتُهُ مَوْجُودَةٌ بِتَفَضُّلِهِ ورَحْمَتِهِ لِمَن والى مِن صالِحِ عِبادِهِ.

قالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى: لَمْ يُحالِفْ أحَدًا، ولا ابْتَغَ نَصْرَ أحَدٍ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا ﴾ أبْلَغُ لَفْظَةٍ لِلْعَرَبِ في مَعْنى التَعْظِيمِ والإجْلالِ، ثُمَّ أكَّدَها بِالمَصْدَرِ تَحْقِيقًا لَها، وإبْلاغًا في مَعْناها.

وَرَوى مُطْرِفٌ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: "افْتُتِحَتِ التَوْراةُ بِفاتِحَةِ سُورَةِ الأنْعامِ، وخُتِمَتْ بِخاتِمَةِ هَذِهِ السُورَةِ".

نَجُزَ تَفْسِيرُ سُورَةِ الإسْراءِ ولِلَّهِ الحَمْدُ والمِنَّةُ وصَلّى اللهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لما كان النهي عن الجهر بالدعاء أو قراءة الصلاة سداً لذريعة زيادة تصميمهم على الكفر أعقب ذلك بأمره بإعلان التوحيد لقطع دابر توهم من توهموا أن الرحمان اسم لمسمى غير مسمى اسم الله، فبعضهم توهمه إلهاً شريكاً، وبعضهم توهمه مُعيناً وناصراً، أمر النبي بأن يقول ما يقلع ذلك كله وأن يعظمه بأنواع من التعظيم.

وجملة ﴿ الحمد لله ﴾ تقتضي تخصيصه تعالى بالحمد، أي قصر جنس الحمد عليه تعالى لأنه أعظم مستحق لأن يحمد.

فالتخصيص ادعائي بادعاء أن دواعي حمد غير الله تعالى في جانب دواعي حمد الله بمنزلة العدم، كما تقدم في سورة الفاتحة.

و (مِن) في قوله: ﴿ من الذل ﴾ بمعنى لام التعليل.

والذل: العجز والافتقار، وهو ضدّ العز، أي ليس له ناصر من أجل الذل.

والمراد: نفي الناصر له على وجه مؤكد، فإن الحاجة إلى الناصر لا تكون إلا من العجز عن الانتصار للنفس.

ويجوز تضمين (الولي) معنى (المانع) فتكون (من) لتعدية الاسم المضمن معناه.

ومعنى ﴿ كبره ﴾ اعتقد أنه كبير، أي عظيم العِظم المعنوي الشامل لوجوب الوجود والغِنى المطلق، وصفات الكمال كلها الكاملة التعلقات، لأن الاتصاف بذلك كله كمال، والاتصاف بأضداد ذلك نقص وصغار معنوي.

وإجراء هذه الصلات الثلاث على اسم الجلالة الذي هو متعلق الحمد لأن في هذه الصلاة إيماء إلى وجه تخصيصه بالحمد.

والإتيان بالمفعول المطلق بعد ﴿ كَبّره ﴾ للتوكيد، ولما في التنوين من التعظيم، ولأنّ من هذه صفاته هو الذي يقدر على إعطاء النعم التي يعجز غيره عن إسدائها.

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الأسْماءُ الحُسْنى ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ: أحَدُهُما: قالَهُ الكَلْبِيُّ.

أنَّ ذِكْرَ الرَّحْمَنِ كانَ في القُرْآنِ قَلِيلًا وهو في التَّوْراةِ كَثِيرٌ، فَلَمّا أسْلَمَ ناسٌ مِنَ اليَهُودِ مِنهُمُ ابْنُ سَلامٍ وأصْحابُهُ ساءَهم قِلَّةُ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ في القُرْآنِ، وأحَبُّوا أنْ يَكُونَ كَثِيرًا فَنَزَلَتْ.

الثّانِي: ما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أنَّهُ «كانَ النَّبِيُّ  ساجِدًا يَدْعُو (يا رَحْمَنُ يا رَحِيمُ) فَقالَ المُشْرِكُونَ: هَذا يَزْعُمُ أنَّ لَهُ إلَهًا واحِدًا وهو يَدْعُو مُثَنّى، فَنَزَلَتِ الآيَةُ.

» ﴿ وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ولا تُخافِتْ بِها وابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ عَنى بِالصَّلاةِ الدُّعاءَ، ومَعْنى ذَلِكَ: ولا تَجْهَرْ بِدُعائِكَ ولا تُخافِتْ بِهِ، وهَذا قَوْلُ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها ومَكْحُولٍ.

قالَ إبْراهِيمُ: لَيَنْتَهِيَنَّ أقْوامٌ يُشْخِصُونَ بِأبْصارِهِمْ إلى السَّماءِ في الصَّلاةِ أوْ لا تَرْجِعُ إلَيْهِمْ أبْصارُهم.

الثّانِي: أنَّهُ عَنى بِذَلِكَ الصَّلاةَ المَشْرُوعَةَ، واخْتَلَفَ قائِلُو ذَلِكَ فِيما نَهى عَنْهُ مِنَ الجَهْرِ بِها والمُخافَتَةِ فِيها عَلى خَمْسَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ نَهى عَنِ الجَهْرِ بِالقِراءَةِ فِيها لِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ  بِمَكَّةَ كانَ يَجْهَرُ بِالقِراءَةِ جَهْرًا شَدِيدًا، فَكانَ إذا سَمِعَهُ المُشْرِكُونَ سَبُّوهُ، فَنَهاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ شِدَّةِ الجَهْرِ، وأنْ لا يُخافِتَ بِها حَتّى لا يَسْمَعَهُ أصْحابُهُ، ويَبْتَغِيَ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّهُ نَهى عَنِ الجَهْرِ بِالقِراءَةِ في جَمِيعِها وعَنِ الإسْرارِ بِها في جَمِيعِها وأنْ يَجْهَرَ في صَلاةِ اللَّيْلِ ويُسِرَّ في صَلاةِ النَّهارِ.

الثّالِثُ: أنَّهُ نُهِيَ عَنِ الجَهْرِ بِالتَّشَهُّدِ في الصَّلاةِ، قالَهُ ابْنُ سِيرِينَ.

الرّابِعُ: أنَّهُ نُهِيَ عَنِ الجَهْرِ بِفِعْلِ الصَّلاةِ لِأنَّهُ كانَ يَجْهَرُ بِصَلاتِهِ، بِمَكَّةَ فَتُؤْذِيَهُ قُرَيْشٌ، فَخافَتَ بِها واسْتَسَرَّ، فَأمَرَهُ اللَّهُ ألّا يَجْهَرَ بِها كَما كانَ، ولا يُخافِتَ بِها كَما صارَ، ويَبْتَغِي بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الخامِسُ: يَعْنِي لا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ تُحْسِنُها مُرائِيًا بِها في العَلانِيَةِ، ولا تُخافِتْ بِها تُسِيئُها في السَّرِيرَةِ، قالَ الحَسَنُ: تُحْسِنُ عَلانِيَتَها وتُسِيءُ سَرِيرَتَها.

وَقِيلَ: لا تُصَلِّها رِياءً ولا تَتْرُكْها حَياءً.

والأوَّلُ أظْهَرُ.

رُوِيَ «أنَّ أبا بَكْرٍ الصَّدِيقَ كانَ إذا صَلّى خَفَّضَ مِن صَوْتِهِ فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ  (لِمَ تَفْعَلُ هَذا؟) قالَ: أُناجِي رَبِّي وقَدْ عَلِمَ حاجَتِي، فَقالَ  (أحْسَنْتَ) .

وَكانَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ يَرْفَعُ صَوْتَهُ فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ  : (لِمَ تَفْعَلُ هَذا؟) فَقالَ: أُوقِظُ الوَسْنانَ وأطْرُدُ الشَّيْطانَ فَقالَ النَّبِيُّ  : (أحْسَنْتَ) .

فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ لِأبِي بَكْرٍ: (ارْفَعْ شَيْئًا) وقالَ لِعُمَرَ: (أخْفِضْ شَيْئًا)» .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أمَرَهُ بِالحَمْدِ لِتَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى عَنِ الوَلَدِ.

الثّانِي: لِبُطْلانِ ما قَرَنَهُ المُشْرِكُونَ بِهِ مِنَ الوَلَدِ.

﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ ﴾ لِأنَّهُ واحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ في مُلْكٍ ولا عِبادَةٍ.

﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ولِيٌّ مِنَ الذُّلِّ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لَمْ يُحالِفْ أحَدًا.

الثّانِي: لا يَبْتَغِي نَصْرَ أحَدٍ.

الثّالِثُ: لَمْ يَكُنْ لَهُ ولِيٌّ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى لِأنَّهم أذَلُّ النّاسَ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

﴿ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: صِفْهُ بِأنَّهُ أكْبَرُ مِن كُلِّ شَيْءٍ.

الثّانِي: كَبِّرْهُ تَكْبِيرًا عَنْ كُلِّ ما لا يَجُوزُ في صِفَتِهِ.

الثّالِثُ: عَظِّمْهُ تَعْظِيمًا واللَّهُ أعْلَمُ.

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن محمد بن كعب القرظي رضي الله عنه قال: إن اليهود والنصارى قالوا ﴿ اتخذا الله ولداً ﴾ [ البقرة: 116] وقالت العرب: لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك.

وقال الصابئون والمجوس: لولا أولياء الله لذل، فأنزل الله هذه الآية ﴿ وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولم يكن له ولي من الذل ﴾ قال: لم يخف أحداً ولم يبتغ نصر أحد.

وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب في قوله: ﴿ وكبره تكبيراً ﴾ قال: كبره أنت يا محمد على ما يقولون تكبيراً.

وأخرج أحمد والطبراني، عن معاذ بن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «آية العز: ﴿ وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً...

﴾ » الآية كلها.

وأخرج أبو يعلى وابن السني، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «خرجت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم ويدي في يده، فأتى على رجل رث الهيئة فقال: أي فلان، ما بلغ بك ما أرى؟

قال: السقم والضر.

قال: ألا أعلمك كلمات تذهب عنك السقم والضر؟...

قل: توكلت على الحي الذي لا يموت، و ﴿ الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيراً ﴾ فأتى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد حسنت حالته، فقال: مهيم؟

فقال: لم أزل أقول الكلمات التي علمتني» .

وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب الفرج، والبيهقي في الأسماء والصفات، عن إسماعيل بن أبي فديك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما كربني أمر إلا تمثل لي جبريل عليه السلام فقال: يا محمد، قل توكلت على الحي الذي لا يموت و ﴿ الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك...

﴾ الآية» .

وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه قال: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم يعلم أهله هذه الآية ﴿ الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً ﴾ إلى آخرها.

الصغير من أهله والكبير.

وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن عبد الكريم بن أبي أمية قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم الغلام من بني هاشم إذا أفصح سبع سنوات ﴿ الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيراً ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة من طريق عبد الكريم، عن عمرو بن شعيب رضي الله عنه قال: كان الغلام إذا أفصح من بني عبد المطلب، علمه النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية سبع مرات ﴿ الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً ﴾ الآية.

وأخرجه ابن السني في عمل اليوم والليلة من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.

وأخرج ابن السني والديلمي، عن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها: «إذا أخذت مضجعك فقولي: الحمد لله الكافي...

سبحان الله الأعلى...

حسبي الله وكفى ما شاء الله...

قضى، سمع الله لمن دعا، ليس من الله ملجأ ولا وراء الله ملتجأ...

توكلت على ربي وربكم...

ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها...

إن ربي على صراط مستقيم ﴿ الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيراً ﴾ من يقولها عند منامه ثم ينام وسط الشياطين والهوام فلا تضره» .

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن التوراة كلها في خمس عشرة آية من بني إسرائيل، ثم تلا ﴿ لا تجعل مع الله إلهاً آخر ﴾ والله أعلم.

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا ﴾ الآية.

قال رسول الله -  - في هذه الآية: "إنها آية العزة"، وكان يعلمها الصغير من أهله والكبير (١) وقال قتادة: كذّب الله بهذه الآية اليهودَ والنصارى وأهلَ الفِرَاء عليه (٢) وقوله تعالى: ﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ ﴾ قال ابن عباس: لم يكن له ولي ينصره ممن استذله (٣) وقال مجاهد: لم يحالف أحدًا ولم يبتغ نصر أحد (٤) ﴿ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا ﴾ ، أي: عَظِّمه تعظيمًا عظمةً تامةً (٥) (١) لم أقف عليه مسندًا، وأخرج "الطبري" 15/ 189، عن قتادة قال: ذُكر لنا أن نبي الله -  - كان يعلِّم أهله هذه الآية، الصغير من أهله والكبير، وفي "تفسير الثعلبي" 7/ 124 أقال معاذ -  -: قال النبي -  -: آية العز: ﴿ وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ .

انظر: "تفسير القرطبي" 10/ 345، و"ابن كثير" 3/ 78.

(٢) في (أ) ، (د)، (ش): (عنه)، والمثبت من (ع) و"الوسيط"، وقد ورد قولُ قتادة في "تفسير الوسيط" 2/ 564، بنصه، انظر: "تفسير القرطبي" 10/ 345 بلا نسبة.

(٣) ورد بمعناه في "تفسير الزمخشري" 2/ 379 بلا نسبة، و"القرطبي" 10/ 345، عن الحسن بن الفضل، و"الخازن" 3/ 185 بلا نسبة.

(٤) "تفسير مجاهد" 1/ 304 بنصه، وأخرجه "الطبري" 15/ 189 بنصه من طريقين، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 376 وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، وفيه: لم يخف أحدًا.

(٥) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 265، بنصه.

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذل ﴾ أي ليس له ناصر يمنعه من الذل، لأنه تعالى عزيز لا يفتقر إلى وليّ يحميه، فنفى الولاية على هذا المعنى لأنه غنيّ عنها، ولم ينف الولاية على وجه المحبة والكرامة لمن شاء من عباده، وحكى الطبري أن قوله: لم يتخذ ولداً رد على النصارى واليهود والذين نسبوا لله ولداً، وقوله: ولم يكن له شريك: رد على المشركين، وقوله: ولم يكن له وليّ من الذل رد على الصابئين في قولهم: لولا أولياء الله لذل الله، تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً ﴿ وَكَبِّرْهُ ﴾ معطوف على قل، ويحتمل هذا التكبير أن يكون بالقلب وهو التعظيم، أو باللسان وهو قوله أن يقول الله أكبر مع قوله الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً الآية.

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ تفجر ﴾ من الفجر: يعقوب وعاصم وحمزة وعلي وخلف سوى المفضل وابن الغالب.

الآخرون من التفجير تكثيراً للفعل وإن كان الفاعل والمفعول مفرداً ﴿ حتى تنزل ﴾ بالتخفيف: أبو عمرو ويعقوب.

الآخرون بالتشديد ﴿ كسفاً ﴾ بفتح السين: أبو جعفر ونافع وعاصم وابن ذكوان.

الباقون بالإسكان ﴿ قال سبحان ﴾ بلفظ الماضي: ابن كثير وابن عامر الباقون ﴿ قل ﴾ على الأمر ﴿ هو المهتدي ﴾ بإثبات الياء في الحالين: سهل ونافع وأبو عمرو وفي الوصل.

الباقون بحذف الياء ﴿ ربي إذا ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ خبت زدناهم ﴾ بإدغام التاء في الزاي: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف وهشام وسهل.

﴿ لقد علمت ﴾ بضم التاء، على التكلم: عليّ.

الآخرون بالفتح على الخطاب ﴿ قل ادعو ﴾ بكسر اللام للساكنين: عاصم وحمزة وسهل ويعقوب وعباس: الآخرون بضمها للإتباع ﴿ أو ادعوا ﴾ بكسر الواو: عاصم وحمزة وسهل.

الباقون بالضم ﴿ أيامّاً ﴾ حمزة ورويس يقفان على ﴿ أيا ﴾ ثم يبتدئان ﴿ ما تدعوا ﴾ ويسمى هذا الوقف وقف البيان.

الباقون على كلمة واحدة.

الوقوف: ﴿ ينبوعاً ﴾ ه لا ﴿ تفجيراً ﴾ ه لا ﴿ قبيلاً ﴾ ه لا ﴿ في السماء ﴾ ط لابتداء النفي بعد طول القصة.

وقيل: الأصح الوصل لأن قوله: ﴿ ولن نؤمن لرقيك ﴾ من كلامهم ﴿ نقرؤه ﴾ ط ﴿ رسولاً ﴾ ه ﴿ رسولاً ﴾ ه ﴿ رسولاً ﴾ ه ﴿ وبينكم ﴾ ط ﴿ بصيراً ﴾ ه ﴿ المهتد ﴾ ج لعطف جملتي الشرط مع التضاد ﴿ من دونه ﴾ لا لأن الواو لا يحتمل الاستئناف ﴿ وصماً ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ سعيراً ﴾ ه ﴿ جديداً ﴾ ه ﴿ لا ريب فيه ﴾ ط لتناهي الاستفهام إلى الإخبار ﴿ كفوراً ﴾ ه ﴿ الإنفاق ﴾ ط ﴿ قتوراً ﴾ ه ﴿ مسحوراً ﴾ ه ﴿ بصائر ﴾ ط للابتداء بأن مع اتحاد القائل ﴿ مثبوراً ﴾ ه ﴿ جميعاً ﴾ ه لا للعطف ﴿ لفيفياً ﴾ ، ط لانقطاع النظام والمعنى.

﴿ نزل ﴾ ط لابتداء النفي ﴿ ونذيراً ﴾ ، احترازاً من إيهام العطف ﴿ تنزيلاً ﴾ ه ﴿ أولا تؤمنوا ﴾ ط ﴿ سجداً ﴾ ، لا ﴿ لمفعولاً ﴾ ه ﴿ خشوعاً ﴾ ه ﴿ الرحمن ﴾ ط لتصدير الشرط ﴿ الحسنى ﴾ ج لانقطاع نظم الشرط إلى النهي مع اتحاد المراد.

﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ تكبيراً ﴾ ه.

التفسير: ليس من شرط كون النبي صادقاً تواتر المعجزات وتتالي الآيات، لأن فتح هذا الباب يوجب نقيض المقصود وهو أن لا تثبت نبوته أبداً، ولكن المعجز الواحد يكفي في صدق النبي، واقتراح الزيادة من جملة العناد فلا جرم لما بين الله  إعجاز القرآن حكى مقترحات المعاندين بياناً لتصميمهم على الكفر.

قال ابن عباس: إن رؤساء مكة أرسلوا إلى رسول الله  - وهم جلوس عند الكعبة - فأتاهم فقالوا: يا محمد إن أرض مكة ضيقة فسير جبالها لتتسع وفجر لنا ينبوعاً نزرع فيها.

فقال: لا أقدر عليه.

فقال قائل منهم: أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا.

فقال: لا أقدر عليه.

فقيل له: أو يكون لك بيت من زخرف أي من ذهب فيغنيك عنا.

فقال: لا أقدر عليه.

فقيل له: فإذا كنت لا تستطيع الخير فاستطع الشر فأسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً.

فقال عبد الله ابن أمية المخزومي - وأمه عمة رسول الله  - لا والذي يحلف به لا أؤمن بك حتى تتخذ سلماً فتصعد عليه ونحن ننظر فتأتي بأربعة من الملائكة فيشهدون لك بالرسالة، ثم بعد ذلك لا أدري أؤمن بك أم لا.

فأنزل الله هذه الآيات.

ولنشرع في تفسير اللغات.

فقوله: ﴿ ينبوعاً ﴾ أي عيناً غزيرة من شأنها النبوع من غير انقطاع، والياء زائدة كيعبوب من عب الماء.

وقوله: ﴿ أو تكون لك جنة ﴾ معناه هب أنك لا تفجر الأنهار لأجلنا ففجرها من أجلك.

وقوله: ﴿ كما زعمت ﴾ إشارة إلى قوله  : ﴿ إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفاً من السماء  ﴾ أو إشارة إلى ما مرّ في السورة من قوله: ﴿ أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصباً  ﴾ أي أجعل السماء قطعاً متفرقة كالحاصب واسقطها علينا.

وقال عكرمة: كما زعمت يا محمد أنك نبي فاسقط السماء علينا.

وقيل: كما زعمت أن ربك إن شاء فعل.

قال في الكشاف: الكسف بسكون السين وفتحها جمع "كسفة" بالسكون كسدرة وسدر وسدر.

وقال أبو علي: الكسف بالسكون الشيء المقطوع كالطحن للمطحون.

واشتقاقه - على ما قال أبو زيد - من كسفت الثوب كسفا إذا قطعته.

وقال الزجاج: من كسفت الشيء إذا غطيته كأنه قيل: أو تسقطها طبقاً علينا، وهو نصب على الحال في القراءتين.

ومعنى ﴿ قبيلاً ﴾ كفيلاً بما تدعي من صحة النبوة والمراد أو تأتي بالله قبيلاً وبالملائكة قبيلاً فاختصر، أو المراد المقابل كالعشير بمعنى المعاشر.

وفيه دليل على غاية جهلهم حيث لم يعلموا أنه  لا يجوز عليه المعاينة نظير قولهم: ﴿ لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا  ﴾ وقال ابن عباس: أراد فوجاً بعد فوج.

وقال الليث: كل جند من الجن والإنس قبيل وقد مر في تفسير قوله: ﴿ إنه يراكم هو وقبيله  ﴾ .

قوله: ﴿ بيت من زخرف ﴾ قال مجاهد: كنا لا ندري ما الزخرف حتى رأينا في قراءة عبد الله "أو يكون لك بيت من ذهب".

وقال الزجاج: هو الزينة ولا شيء في تحسين البيت وتزيينه كالذهب.

﴿ أو ترقى في السماء ﴾ أي في معارجها فحذف المضاف.

يقال: رقي في السلم وفي الدرجة.

والمصدر "رقى" وأصله "فعول" كقعود ﴿ و ﴾ معنى ﴿ لن نؤمن لرقيك ﴾ لن نؤمن لك لأجل رقيك ﴿ حتى تنزل علينا كتاباً ﴾ من السماء فيه تصديقك.

قال الرسول: متعجباً من اقتراحاتهم أو تنزيهاً لله من تحكماتهم أو من قولهم: ﴿ أو تأتي بالله ﴾ ﴿ سبحان ربي هل كنت ﴾ أي لست ﴿ إلا بشراً رسولاً ﴾ فإن طلبتم هذه الأشياء أن آتي بها من تلقاء نفسي فالبشر لا يقدر على أمثال ذلك فكيف أقدر أنا عليها؟

وإن أردتم أن أطلب من الله إظهارها على يدي فالرسول إذا أتى بمعجز واحد وجب الاكتفاء به، ولا ضرورة إلى طلب الزيادة وأنا عبد مأمور ليس لي أن أتحكم على الله بما ليس بضروري في الدعوة.

ثم حكى عنهم شبهة أخرى فقال: ﴿ وما منع الناس أن يؤمنوا ﴾ أي الإيمان بالقرآن وبنبوة محمد ﴿ إذ جاءهم الهدي ﴾ وهو الوحي المعجز الهادي إلى طريق النجاة ﴿ إلا أن قالوا ﴾ منكرين ﴿ أبعث الله بشراً رسولاً ﴾ ثم أجاب عن شبهتهم بقوله: ﴿ قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون ﴾ على الأقدام كما يمشي الإنس ﴿ مطمئنين ﴾ ساكنين فيها ﴿ لنزلنا عليهم من السماء ملكاً رسولاً ﴾ لأن الرسول لا بد أن يكون من جنس المرسل إليهم.

فكأنه اعتبر لتنزيل الرسول من جنس الملائكة أمرين: أحدهما كون سكان الأرض ملائكة، والثاني كونهم ماشين على الأقدام غير قادرين على الطيران بأجنحتهم إلى السماء، إذ لو كانوا قادرين على ذلك لطاروا أو سمعوا من أهلها ما يجب معرفته وسماعه فلا يكون في بعثة الملك إليهم فائدة.

وجوز في الكشاف أن يكون قوله: ﴿ بشراً ﴾ و ﴿ ملكاً ﴾ منصوبين على الحال من ﴿ رسولاً ﴾ بل زعم أن المعنى له أجوب، ولعل ذلك لأن الإنكار توجه إلى كون الرسول متصفاً بحالة البشرية لا الملكية، وإذا كان أحد الصنفين المقابلين حالاً لزم أن يكون الآخر كذلك.

ثم ختم الكلام بما يجري مجرى التهديد قائلاً: ﴿ قل كفى بالله ﴾ الآية.

وذلك أن إظهار المعجزة على وفق دعوى النبي شهادة من الله  له على الصدق.

فإذا لم تسمع هذه الشهادة وهو عليم ببواطن الأمور وخفيات الضمائر فكيف بظواهرها؟

علم أن هذا مجرد الحسد والعناد من العباد فيجزيهم على حسب ذلك.

ثم بين أن الإقرار والإنكار مستندان إلى مشيئته وتقديره فقال: ﴿ ومن يهد الله ﴾ الآية.

وقد مر خلاف المتكلمين من الأشاعرة والمعتزلة في مثله في آخر "الأعراف" وغيره.

وقوه: ﴿ فهو المهتد ﴾ حمل على اللفظ وقوله: ﴿ فلن تجد ﴾ حمل على المعنى.

والخطاب في ﴿ لن تجد ﴾ إما للنبي أو لكل من يستحق الخطاب.

والأولياء الأنصار، والحشر على الوجوه إما بمعنى السحب عليها كقوله: ﴿ يوم يسحبون في النار على وجوههم  ﴾ وإما بمعنى المشي عليها كما روي أنه  سئل عن ذلك فقال: "إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم" وقيل لابن عباس: قد أخبر الله  عنهم بأنهم يرون وينطقون ويسمعون حيث قال: ﴿ رأى المجرمون النار ﴾ ﴿ دعوا هنالك ثبوراً ﴾ ﴿ سمعوا لها ﴾ الجمع بين ذاك تغيظاً وزفيراً فكيف وبين قوله: ﴿ عمياً وبكماً وصماً ﴾ ؟

فأجاب بأنهم لا يرون ما يسرهم، ولا ينطقون بحجة تقبل منهم، ولا يسمعون ما يلذ مسامعهم.

وفي رواية عطاء أنهم عمي عن النظر إلى ما جعله الله لأوليائه، بكم عن مخاطبة الله، ومخاطبة الملائكة المقربين، صم عن ثناء الله على أوليائه، وقال مقاتل: هذه الأحوال بعد قوله  لهم: ﴿ اخسئووا فيها ولا تكلمون ﴾ \[المؤمنون: 108\] أو بعد أن يحاسبوا فيذهب بهم إلى النار.

وإنما جعلوا مؤوفي الحواس جزاء على ما كانوا عليه في الدنيا من التعامي والتصامم عن الحق ومن عدم النطق به ﴿ كلما خبت ﴾ أي سكن لهبها.

خبت النار تخبوا خبواً وأخباها غيرها أي أخمدها ﴿ زدناهم سعيراً ﴾ قال ابن قتيبة: أي تسعراً وهو التهلب.

ولا ريب أن خبو النار تخفيف لأهليها فكيف يجمع بينه وبين قوله: ﴿ لا يخفف عنهم العذاب  ﴾ وأجيب بأنه يحصل لهم في الحال الأولى خوف حصول الحالة الثانية فيستمر العذاب، أو يقال: لما عظم العذاب صار التفاوت الحاصل في الوقتين غير مشعور به، ويحتمل أن يقال: المراد بعدم التخفيف أنه لا يتخلل زمان محسوس أو معتد به بين الخبو والتعسر.

وقال في الكشاف: لأنهم لما كذبوا بالإعادة بعد الإفناء جعل الله جزاءهم أن سلط النار على أجرامهم تأكلها وتفنيها.

ثم يعيدها.

وفيه زيادة في تحسرهم وفي الانتقام منهم.

ومما يدل على هذا التفسير قوله: ﴿ ذلك جزاؤهم ﴾ الآية.

ثم أبدى للجاحدين حجة يستبصر المذعن للحق إذا تأمل فقال: ﴿ أو لم يروا ﴾ الآية.

وذلك أن من قدر على خلق السموات والأرض كان على إعادة من هو أدون منها أقدر، وعلى هذا فالمراد من خلق مثلهم إعادتهم بعد الإفناء كما يقول المتكلمون من أن الإعادة مثل الابتداء.

ومن قال: أراد أنه قادر على إفنائهم وإيجاد غيرهم بصورتهم ليوحدوه ويتركوا الاتعراض عليه كقوله: ﴿ إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد  ﴾ أي يبعثهم.

وحين بيّن أن البعث أمر ممكن في نفسه ذكر أن لوقوعه وقتاً معلوماً ما عنده فقال: ﴿ وجعل لهم ﴾ أي لبعثهم ﴿ أجلاً لا ريب فيه ﴾ قال جار الله: قوله: ﴿ وجعل ﴾ معطوف على قوله: ﴿ أو لم يروا ﴾ والمعنى قد علموا بدليل العقل أنه قادر على خلق أمثالهم وجعل لهم.

وأقول: يحتمل أن يكون الواو للاستئناف ووجه النظم كما مر لما طلبوا إجراء الأنهار والعيون في أراضيهم لتتسع معايشهم بين الله  أنهم لو ملكوا خزائن رحمة الله وهي رزقه وسائر نعمه على خلقه التي لا نهاية لها لبقوا على بخلهم وشحهم فضلاً أن يملكوا خزائن هن بصدد الفناء والنفاد.

قال النحويون: كلمة "لو" حقها أن تدخل على الأفعال دون الأسماء، لأنها حين تكون على معناها الأصلي تفيد انتفاء الشي لانتفاء غيره.

والاسم يدل على الذوات والفعل هو الذي يدل على الآثار والأحوال لا الذوات.

وأيضاً إنها ههنا بمعنى "إن" الشرطية وهي مختصة بالفعل فلا بد من تقدير فعل بعدها، فأصل الكلام: لو تملكون تملكون مرتين: فأضمر "تملك" إضماراً على شريطة التفسير فصار الضمير المتصل منفصلاً لسقوط ما كان يتصل هو به فـ ﴿ أنتم ﴾ فاعل الفعل المضمر ﴿ تملكون ﴾ تفسيره.

وقال علماء البيان: فائدة هذا التصرف الدال على الاختصاص أنهم هم المختصون بالشح المتبالغ، وذلك لأن الفعل الأول لما سقط لأجل المفسر برز الكلام في صورة المبتدأ والخبر من حيث إنه لا يقصد الفعل بل الفاعل كما في قول حاتم: لو ذات سوار لطمتني.

لا يقصد اللطمة بل اللاطمة أي لو حرة لطمتني وقوله: ﴿ خشية الإنفاق ﴾ أي خوف الفقر من أنفق ماله إذا ذهب وأمسكتم متروك المفعول معناه لبخلتم ﴿ وكان الإنسان قتوراً ﴾ أي بخيلاً شحيحاً، والقتر والإقتار والتقتير والتقصير في الإنفاق.

وهذا الخبر لا ينافي ما قد يوجد في الإنسان من هو كريم جواد لأن اللام للجنس أي هذا الجنس من شأنه الشح إذ كان باقياً على طبعه لأنه خلق محتاجاً إلى ضرورات المسكن والملبس والمطعوم والمنكوح، ولا بد له في تحصيل هذه الأشياء من المال فيه تندفع حاجاته وتتم الأمور المتوقفة على التعاون، فلا جرم يحب المال ويمسكه لأيام الضرورة والفاقة.

ومن الناس من يحب المال محبة ذاتية لا عرضية فإذاً الأصل في الإنسان هو البخل والجود منه إنما هو أمر تكلفي أو عرضي طلباً للثناء أو الثواب.

وقيل: المراد بهذا الإنسان المعهود السابق ممن قالوا ﴿ لن نؤمن لك حتى تفجر لنا ﴾ بين الله  أنهم لو ملكوا خزائن الأرض لبخلوا بها.

ثم قال: ﴿ ولقد آتينا موسى تسع آيات ﴾ فكأنه أراد أنا آتيناه معجزات مساوية لهذه الأمور التي اقترحتموها بل أقوى منها وأعظم، فليس عدم الاستجابة إلى ما طلبتموه من البخل ولكن لعدم المصحلة أو لعدم استتباع الغاية لعلمنا بإصراركم والختم على قلوبكم، عن ابن عباس: أن الآيات التسع هن: العصا واليد والجراد والقمل والضفادع والدم والحجر والبحر والطور الذي نتقه على بني إسرائيل.

وعن الحسن: الطوفان والسنون ونقص الثمرات.

مكان الحجر والبحر والطور.

وعن عمر بن عبد العزيز أنه سأل محمد بن كعب عنهن فذكر من جملتها: حل عقدة اللسان والطمس على أموالهم.

فقال له عمر: لا يكون الفقيه إلا هكذا.

أخرج يا غلام الجراب فأخرجه فنفضه فإذا بيض مكسور بنصفين وجوز مكسور وفوم وحمص وعدس كلها حجارة.

وعن صفوان بن عسال أن بعض اليهود سأل رسول الله  عن ذلك فقال: "أوحى الله إلى موسى أن قل لبني إسرائيل: لا تشركوا بالله شيئاً ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا تسحروا ولا تأكلوا الربا ولا تفشوا سر أحد إلى ذي سلطان ليقتله ولا تقذفوا محصنة ولا تفروا من الزحف، وأنتم يا يهود خاصة لا تعدوا في السبت، فقام اليهوديان فقبلا يديه ورجليه وقالا: إنك نبي ولولا أنا نخاف القتل لاتبعناك" قال الإمام فخر الدين الرازي: هو أجود ما قيل في الآيات التسع.

وأقول: عد الأحكام من الآيات البينات فيه بعد، اللَّهم إلا أن يقال: النهي عن مساوىء الأخلاق والعادات من جملة علامات النبوة.

قال بعد العلماء: أجابهم النبي  بتسع وزاد واحدة تختص بهم.

وروى أبو داود هذا الحديث ولم يذكر: "ولا تقذفوا محصنة" وشك شعبة في أنه  : "ولا تقذفوا محصنة" أو قال: "تولوا الفرار" .

وقيل: إنه كان لموسى آيات أخر كإنزال المن والسلوى عليه وعلى قومه، وكالآيات التي عدها بعضهم من التسع وتركها بعضهم.

إلا أن تخصيص العدد بالذكر لا يقدح في الزيادة عليه.

هكذا قال الأصوليون، ولكن الذوق يأبى أن لا يكون للتخصيص فائدة.

والذي يدور في خلدي أن سبب التخصيص هو أن مرجع جميع معجزاته إلى تسع أنواع كلمتين ونقص الثمرات مثلاً فإنهما نوع واحد وهو القحط وقد يعسر إبداء ما به الاشتراك ولكن لا بد عندي من اعتقاد الانحصار في التسع لأجل خبر الصادق.

أما قوله: ﴿ فاسأل بني إسرائيل ﴾ فالخطاب فيه للنبي  والسؤال سؤال استشهاد لمزيد الطمأنينة والإيقان، لأن الأدلة إذا تظاهرت كان ذلك أقوى وأثبت.

والمسؤولون مؤمنو بني إسرائيل كعبد الله بن سلام وأصحابه.

وقوله: ﴿ إذا جاءهم ﴾ يتعلق بـ ﴿ آتينا ﴾ .

وينتصب بإضمار "اذكر"، أو هو للتعليل.

والمراد فاسألهم يخبروك لأنه جاءهم أي جاء أباهم.

ويحتمل أن يكون الخطاب لموسى بتقدير القول أي فقلنا له حين جاءهم سل بني إسرائيل أي سلهم من فرعون وقل له أرسل معي بني إسرائيل، أو سلهم عن إيمانهم وعن حال دينهم أو سلهم عن أن يعاضدوك ويساعدوك في الأمور والمسحور الذي سحر فخولط عقله.

وقيل: هو بمعنى الساحر كالمشؤوم والميمون قاله الفراء.

وعن محمد بن جرير الطبري أن معناه أعطى علم السحر.

ومن قرأ "علمت" بضم التاء فظاهر لأن موسى كان علماً بصحة الأمر وأن هذه الآيات منزلها رب السموات والأرض، فأراد أني لا أشك في أمري بسبب تشكك مكذب مثلك.

ومن قرأ بفتحها فالمراد تبين أن كفر فرعون كفر جحود وعناد كقوله ﴿ وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً  ﴾ .

وقوله للآيات: ﴿ هؤلاء ﴾ كقوله: والعيش بعد أولئك الأيام *** ومعنى ﴿ بصائر ﴾ بينات مكشوفات وانتصابها على الحال كأنه أشار بقوله: ﴿ ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض ﴾ إلى أنها أفعال خالقة للعادة، وبقوله: ﴿ بصائر ﴾ إلى أن فاعله إنما فعله لغرض تصديق المدعي فتم حد المعجز بمجموع القيدين.

ثم قارع موسى ظن فرعون بظنه فقال: ﴿ إني لأظنك يا فرعون مثبوراً ﴾ قال الفراء: أي ملعوناً محبوساً عن الخير من قولهم "ما ثبرك عن هذا" أي ما منعك وصرفك.

وقال مجاهد وقتادة، أي هالكاً من الثبور الهلاك.

ولا ريب أن ظن موسى أصح من ظنه لأن إنكار ما علم صحته يستعقب لا محالة ويلاً وثبوراً وحسرة وندامة، ولهذا قال: ﴿ فأراد ﴾ أي فرعون ﴿ أن يستفزهم من الأرض ﴾ أي يستخف موسى وقومه من بسيط الأرض أو من أرض مصر بالقتل والاستئصال أبو بالنفي والإخراج.

والحاصل أن فرعون عورض بنقيض المقصود فأغرق هو وقومه وأسكن بنو إسرائيل مكانه تحقيقاً لقوله: ﴿ ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله  ﴾ ثم أخبر عن المعاد قائلاً ﴿ فإذا جاء وعد الآخرة ﴾ وهو قيام الساعة ﴿ جئنا بكم ﴾ يعني معشر المكلفين كلهم ﴿ لفيفاً ﴾ جماعات من قبائل شتى ذوي أديان ومذاهب مختلفة، وذلك لأجل الحكم والجزاء والفصل والقضاء.

ولما بين إعجاز القرآن وأجاب عن شبهات القوم أراد أن يعظم شأن القرآن ويذكر جلالة قدره فقال: ﴿ وبالحق أنزلناه ﴾ التقديم للتخصيص أي ما أردنا بإنزاله إلا تقرير الحق في مركزه وتمكين الصواب في نصابه.

قال جار الله: أي ما أنزلنا القرآن إلا بالحكمة المقتضية لإنزاله، وما نزل إلا ملتبساً بالحكمة لاشتماله على الهداية إلى كل خير، أو ما أنزلناه من السماء إلا بالحق محفوظ بالرصد من الملائكة وما نزل على الرسول إلا محفوظاً بهم من تخليط الشياطين.

وقال آخرون: الحق هو الثابت كما أن الباطل هو الزاهق، ولا ريب أن هذا الكتاب الكريم يشتمل على دلائل التوحيد وصفات الجلال والإكرام، وعلى تعظيم الملائكة وإقرار النبوات وإثبات المعاد، وعلى أصول الأديان والملل التي لا يتطرق إليها النسخ والتبديل، وكل هذه الأمور تدل على المعنى المذكور لأنها مما تبقى ببقاء الدهور.

قال أبو علي الفارسي: بالباء في الموضعين بمعنى "مع" كما في قولك "خرج بسلاحه" أي أنزل القرآن مع الحق ونزل هو مع الحق.

ويحتمل أن تكون الباء الثانية بمعنى "على" كما في قولك "نزلت بزيد" فيكون الحق عبارة عن محمد  لأن القرآن نزل به أي عليه ﴿ وما أرسلناك إلا مبشراً ﴾ بالجنة ﴿ ونذيراً ﴾ من النار ليس إليك وراء هذين شيء من إكراه على الدين والإتيان بشيء مما اقترحوه.

ثم إن القوم كأنهم من تعنتهم طعنوا في القرآن من جهة أنه لم ينزل دفعة واحدة فأجاب عن شبهتهم بقوله: ﴿ وقرآناً ﴾ وهو منصوب بفعل يفسره ﴿ فرقناه ﴾ أي جعلنا نزوله مفرقاً منجماً.

وعن ابن عباس أنه قرأه مشدداً وقال: إنه لم ينزل في يومين أو ثلاثة بل كان بين أوله وآخره عشرون سنة يعني أن فرق بالتخفيف يدل على فصل مقارب.

وقال أبو عبيدة: التخفيف أعجب إليّ لأن تفسيره بيناه وليس للتشديد معنى إلا أنه نزل متفرقاً.

فالفرق يتضمن التبين ويؤكده ما رواه ثعلب عن ابن الأعرابي أنه قال: فرقت أفرق بين الكلام وفرقت بين الأجسام.

وأقول: إن ابن عباس اعتبر الفصل بين أول نزوله وبين آخره، فرأى التشديد أولى.

ولعل المراد الفصول المتقاربة التي فيما بين المدة بدليل قوله: ﴿ لتقرأه على الناس على مكث ﴾ بضم الميم أي على مهل وتؤدة ولقوله: ﴿ ونزلناه تنزيلاً ﴾ أي على حسب المصالح والحوادث.

ثم خاطب نبيه  بأن يقول للمقترحين ﴿ آمنوا به أو لا تؤمنوا ﴾ وهو أمر وعيد وتهديد وخذلان.

قال جار الله: قوله: ﴿ إن الذين أوتوا العلم من قبله ﴾ إما أن يكون تعليلاً لقل على سبيل التسلية كأنه قيل: تسل عن إيمان الجهلة بإيمان العلماء الذي قرأوا الكتب من قبل نزول القرآن.

قال مجاهد: هم أناس من أهل الكتاب حين سمعوا ما أنزل على محمد  خروا وسجدوا منهم زيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل وعبد الله بن سلام، وفي قوله: ﴿ يخرون للأذقان سجداً ﴾ دون أن يقول "يسجدون" مبالغة من وجهين: أحدهما إنه قيد الخرور وهو السقوط بالذقن.

فقال الزجاج: لأن الذقن مجتمع اللحيين، وكما يبتدىء الإنسان بالخرور للسجود فأول ما يحاذي به الأرض من وجهه الذقن.

قلت: هذا تصحيح للمعنى ولا يظهر منه لتغيير العبارة فائدة.

وقال غيره.

المراد تعفير اللحية في التراب فإن ذلك غاية الخضوع وإن الإنسان إذا استولى عليه خوف الله  فربما سقط على الأرض مغشياً عليه.

وثانيهما أنه لم يقل "يخرون على الأذقان" كما هو ظاهر وإنما قال ﴿ للأذقان ﴾ لأن اللام للاختصاص فكأنهم خصوا أذقانهم بالخرور، أو خصوا الخرور بأذقانهم.

ثم حكى أنهم في سجودهم أنهم يراعون شرائط التنزيه والتعظيم قائلين ﴿ سبحان ربنا إن كان وعد ربنا ﴾ بإنزال القرآن وبعثة محمد  في كتبنا ﴿ لمفعولاً ﴾ أي منجراً "وإن" مخففة من الثقيلة ولهذا دخلت اللام في خبر كان، ثم ذكر أنهم كما خروا لأذقانهم في حال كونهم ساجدين فقد خروا لها حال كونهم باكين، ويجوز أن يكون التكرير لأجل الدلالة على تكرير الفعل منهم بدليل قوله ﴿ ويزيدهم ﴾ أي القرآن ﴿ خشوعاً ﴾ لين قلب ورطوبة عين، ثم أرد أن يعلمهم كيفية الخشوع والدعاء فقال: ﴿ قل ادعوا ﴾ عن ابن عباس: سمعه أبو جهل يقول: يا الله يا رحمن.

فقال: إنه ينهانا أن نعبد إلهين وهو يدعو إلهاً آخر.

وقيل: أن أهل الكتاب قالوا: إنك لتقل ذكر الرحمن وقد أكثر الله في التوراة هذا الاسم فنزلت.

قال جار الله: الدعاء بمعنى التسمية لا النداء وهو يتعدى إلى مفعولين.

تقول: دعوته زيداً ثم تترك أحدهما استغناء عنه فتقول: دعوت زيداً و "أو" للتخيير والمعنى على السبب الأول سموه بهذا الاسم أو بهذا، وعلى السبب الثاني اذكروا إما هذا وإما هذا ﴿ أياماً تدعوا ﴾ يعني أي هذين الاسمين سميتم وذكرتم فالتنوين عوض عن المضاف إليه "وما" صلة زيدت لتأكيد الإبهام.

والضمير "في ﴿ فله ﴾ لا يرجع إلى أحد الاسمين ولكن إلى مسماهما، وكان أصل الكلام أن يقال: فهو أي ذلك الاسم حسن فوضع موضعه.

قوله: ﴿ فله الأسماء الحسنى ﴾ .

لأنه إذا حسنت أسماؤه كلها حسن هذان الاسمان.

ومعنى حسن الأسماء استقلالها بنعوت الجلال والإكرام وقد مر في آخر "الأعراف".

ثم ذكر كيفية أخرى للدعاء فقال: ﴿ ولا تجهر بصلاتك ﴾ أي بقراءة صلاتك على حذف المضاف للعلم بأن الجهر والمخافتة من نعوت الصوت لا الصلاة أفعالها فهو من إطلاق الكل وإرادة الجزء، ومنه يقال: خفت صوته خفوتاً إذا انقطع كلامه أو ضعف وسكن، وخفت الزرع إذا ذبل، وخافت الرجل بقراءته إذا لم يبين قراءته برفع الصوت.

روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن رسول الله  كان يرفع صوته لعله أو من إطلاق الصلاة على بعض أفعالها فهو ألح تأمل.

مصححه بالقراءة، فإذا سمعه المشركون سبوه وسبوا من جاء به فأوحى الله إليه ﴿ ولا تجهر بصلاتك ﴾ فيسمعه المشركون فيسبوا الله عدواً بغير علم ﴿ ولا تخافت بها ﴾ فلا تسمع أصحابك ﴿ وابتغ بين ذلك ﴾ الذي ذكر من الجهر المخافتة ﴿ سبيلاً ﴾ وسطاً، وروي أن النبي  طاف بالليل دور الصحابة فكان أبو بكر يخفي صوته في صلاته ويقول: أناجي ربي وقد علم حاجتي.

وكان عمر يرفع صوته ويقول: أزجر الشيطان وأوقظ الوسنان.

فأمر النبي  أبا بكر أن يرفع صوته قليلاً، وأمر عمر أن يخفض قليلاً فنزلت الآية على حسب ذلك.

وقيل: معناه ولا تجهر بصلاتك كلها، ولا تخافت بها كلها.

وابتغ بين ذلك سبيلاً بأن تجهر بصلاة الليل، وتخافت بصلاة النهار، وعن عائشة وأبي هريرة ومجاهد أن الصلاة ههنا الدعاء.

وقد يروى هذا مرفوعاً قال الحسن: لا يرائي بعلانيتها ولا يسيء بسريرتها، وأيضاً في الجهر إسماع غيره الذنوب وهو الموجب للتغيير والتوبيخ، وعلى هذا ذهب قوم إلى أن الآية منسوخة بقوله: ﴿ ادعوا ربكم تضرعاً وخفية  ﴾ قال جار الله: ابتغاء السبيل مثل لابتغاء الوجه الوسط في القراءة.

ولما أمر أن لا يذكر ولا ينادى إلا بأسمائه الحسنى نبه على كيفية التحميد بقوله: ﴿ وقل الحمد لله ﴾ الآية قال في الكشاف: كيف لاق وصفه بنفي الولد والشريك والذل بكلمة التحميد؟

وأجاب بأن هذا وصفه هو الذي يقدر على إيلاء كل نعمة، فهو الذي يستحق جنس الحمد، وأقول: الولد يتولد من جزء من أجزاء الوالد، فالوالد مركب وكل مركب محدث والمحدث محتاج والمحتاج لا يقدر على كمال الإنعام فلا يستحق كمال الحمد، وأيضاً الولد مبخلة لا يستحق الحمد والشركة في الملك إنما تتصور لمن لا يستقل بالمالكية فيفتقر إلى من يتم بمشاركته أمور مملكته ومصالح تمدنه، وكل من كان كذلك كان عاجزاً بالنظر إلى ذاته، فلا يتم فيضانه فلا يستحق الحمد على الإطلاق، وهكذا حكم من كان له ولي من الذل أي اتخذ حبيباً من أجل ذل به واستفادة لا من عزة وقوة إفاضة، أو الولي بمعنى الناصر أي ناصر من أجل مذلة به ليدفعها بموالاته.

وأيضاً قد يمنعه الشريك من إصابه الخير إلى أوليائه، والذي يكون له ولي من الذل يكون محتاجاً إليه فينعم عليه دون من استغنى عنه.

أما إذا كان منزهاً عن الولد وعن الشريك وعن أن يكون له ولي ينصره ويلي أمره كان مستوجباً لأعظم أنواع الحمد ومستحقاً لأجلّ أقسام الشكر.

قال الإمام فخر الدين الرازي: التكبير أنواع منها: تكبير الله في ذاته وهو أن يعتقد أنه واجب الوجود لذاته غني عن كل ما سواه.

ومنها تكبيره في صفاته بأن يعتقدها كلها من صفات الجلال والإكرام وفي غاية العظمة ونهاية الكمال وأنها منزهة عن سمات التغير والزوال والحدوث والانتقال.

ومنها تكبيره في أفعاله وعند هذا تعود مسألة الجبر والقدر.

قال: سمعت أن الأستاذ أبا إسحق الإسفرايني كان جالساً في دار الصاحب بن عباد فدخل القاضي عبد الجبار بن أحمد الهمداني.

فلما رآه قال: سبحان من تنزه عن الفحشاء.

فقال الأستاذ: سبحان من لا يجري في ملكه إلا ما يشاء.

ومنها تكبير الله في أحكامه وهو أن يعتقد أن أحكامه كلها جارية على سنن الصواب وقانون العدالة وقضية الاستقامة.

ومنها تكبيره عن هذا التكبير وتعظيمه عن هذا التعظيم، وكان النبي  إذا أفصح الغلام من بني عبد المطلب علمه هذه الآية والله أعلم.

التأويل: ﴿ وقالوا لن نؤمن لك ﴾ كانوا أرباب الحس فلم يبصروا شواهد الحق ودلائل النبوة ولم يطلبوا منه ما كان هو عليه من تزكية النفوس وتصفية القلوب وتجلية الأرواح وتفجير ينابيع الحكمة من أرض القلوب لإنبات نخيل المشاهدات وأعناب المكاشفات في جنات المواصلات.

﴿ أبعث الله بشراً رسولاً ﴾ تعجبوا من كون البشر رسولاً حين ظن أن الملك أعلى حالاً من البشر، وغفلوا عن رتبة الإنسان الكامل حيث جعل سجود الملائكة المقربين وأودع فيه سر الخلافة ﴿ مأواهم جهنم ﴾ الحرص والشهوات، كلما سكنت نار شهوة باستيفاء حظها ﴿ زدناهم سعيراً ﴾ باشتعال طلب شهوة أخرى ﴿ تسع آيات بينات ﴾ قال الشيخ المحقق نجم الحق: والدين المعروف بداية أرادة الآيات التي تدل على نبوته فيما يتعلق بنفسه خاصة كإلقائه في اليم وإخراجه منه وتربيته في حجر العدوة وتحريم المراضع عليه ونحو ذلك: ﴿ وبالحق أنزلناه ﴾ لأن الأرواح المتعلقة بالعالم السفلي احتاجت في الرجوع إلى عالم العلو إلى حبل متين هو القرآن كقوله: ﴿ واعتصموا بحبل الله جميعاً ﴾ {آل عمران: 103] ﴿ وبالحق نزل ﴾ التميز بين أهل السعادة والشقاوة بالاتباع وعدمه ﴿ إن الذين أوتوا العلم من ﴾ قبل نزوله في الأزل ﴿ إذا يتلى عليهم ﴾ في الأزل عند خطاب ﴿ ألست بربكم  ﴾ ﴿ يخرون للأذقان سجداً ﴾ للإجابة يقولون "بلى" ﴿ ويخرون للأذقان ﴾ في عالم الصورة يبكون.

فالتواضع والسجود من شأن الأرواح والبكاء والخشوع عن شأن الأجساد.

ثم بين أن الأرواح إنما أرسلت إلى الأبدان للعبودية وذكر الله فقال: ﴿ قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيّا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى ﴾ أي كل اسم من أسمائه حسن فادعوه حسناً وهو الدعاء بالإخلاص ﴿ ولا تجهر بصلاتك ﴾ رياء وسمعة ﴿ ولا تخافت بها ﴾ أن تخفيها بالكلية فيحرموا المتابعة والأسوة الحسنة ﴿ وابتغ بين ذلك سبيلاً ﴾ بإظهار الفرائض وإخفاء النوافل والله  أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ أَيّاً مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ ٱلأَسْمَآءَ ٱلْحُسْنَىٰ ﴾ .

ذكر هذا - والله أعلم - لأن العرب كانت لا تعرف الرسل والكتب المنزلة من السماء ولا يؤمنون بهما، وكانت لا تعرف ذكر الرحمن ولا التسمية به وكذلك غيره من الأسماء، لما لا سبيل إلى معرفة ذلك إلا بألسن الرسل والأنبياء، وإما بالكتب المنزلة من السماء، فإذا لم يؤمنوا بالرسل، ولا عرفوا الكتب، حملهم ذلك على الإنكار والجحود لأسمائه، ولذلك قالوا: ﴿ وَمَا ٱلرَّحْمَـٰنُ  ﴾ وقوله: ﴿ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِٱلرَّحْمَـٰنِ  ﴾ أي: يكفرون بذكر الرحمن واسمه؛ لما ذكرنا.

أو أن يكونوا أنكروا اسم الرحمن؛ لما لم يعرفوا أنه مأخوذ من الرحمة، [ولو عرفوا: أنه من الرحمة ما أنكروا؛ على ما لم ينكروا "الرَّحِيمِ"؛ لأنهم عرفوا أن الرحيم مأخوذ من الرحمة] وأما الله فهم يسمون كل معبود إلهاً، وعلى ذلك سموا الأصنام التي كانوا يعبدونها: آلهة، ويقولون: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ ، و ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ ، فيسمون الله لما هو المعبود عندهم، ورجعت عبادتهم الأصنام إلى الله؛ حيث زعموا ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ ، كانوا يطلبون بعبادتهم الأصنام القربة إلى الله؛ لذلك أنكروا غيره من الأسماء؛ على أن العرب لم ينكروا لشيء واحد اسمين وأكثر، وعرفوا أن اختلاف الأسماء، وكثرتها لا يوجب اختلاف المسمى بها، ولا يوجب عدداً منه، وأن ما قالوا: إنه كان يدعو حتى الآن إلى عبادة واحد، فالساعة يدعو إلى عبادة اثنين وأكثر، إنما قالوا على التعنت والعناد، وإلا قد عرفوا لشيء واحد اسمين وأكثر، لكنهم أنكروا لله ذلك؛ لما ذكرنا؛ تعنتاً منهم، وعناداً، على هذا يجوز أن - تتأوّل الآية - والله أعلم.

ثم اختلف في تخصيص ذكره بهذين الاسمين: قال بعضهم: وجه تخصيصهما؛ لأنهما اسمان مخصوصان له، لا يجوز أن يسمى غيره بهذين الاسمين، وأما غيرهما من الأسماء فإنه يجوز أن يسمى غيره بها.

وقال الحسن: خصّ بذكرهما؛ لأنهما اسمان معظمان عند الخلق ما لم يجعل لغيرهما من الأسماء من التعظيم ما جعل لهذين.

وقال أبو بكر الأصم: خص بذكر هذين؛ لأن غيرهما من الأسماء أسماء أخذت عن صفاته، وأما هذان فهما ليسا أخذاً عن صفته.

وقال الزجاج: الرحمن: هو مأخوذ من الرحمة إلا أنه النهاية في الرحمة؛ لأنه "فعلان"، وهو ما يقال: غضبان، إذا انتهى غضبه غايته، وإلا قوله: "الرحيم" و "الرحمن" كلاهما من الرحمة إلا أن الرحمن "فعلان" والفعلان هو النهاية من وصف الرحمة؛ لما ذكرنا، وغيره من الخلائق لا يبلغون في الرحمة ذلك المبلغ؛ لذلك خصّ بذكر "الرحمن" دون "الرحيم".

وهذا كله واحد ليس فيه خلاف، وأصله ما ذكرنا لا يشرك غيره في هذين، ويجوز في غيره.

وقوله عز وجل: ﴿ فَلَهُ ٱلأَسْمَآءَ ٱلْحُسْنَىٰ ﴾ أي: أسماؤه التي يسمى بها كلها الحسنى، ليس شيء منها قبيحاً.

أو أن يكون قوله: ﴿ فَلَهُ ٱلأَسْمَآءَ ٱلْحُسْنَىٰ ﴾ أي: كل أعمال صالحة، وأمور حسنة له، أي: تنسب إليه، وتضاف، ولا يجوز أن يضاف وينسب ما قبح منها، وسمج، وأصله: ما ذكرنا [أنه ينسب إليه] كل حسن، وكل صالح على الإشارة [ولا يجوز أن ينسب إليه كل قبيح سمج على الإشارة] والتسمية به، وهو ما يذكر: "التحيات لله، والصلوات والطيبات..." إلى آخره، ينسب إليه كل طيب، وكل حسن.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَهُ ٱلأَسْمَآءَ ٱلْحُسْنَىٰ ﴾ .

هذا يحتمل وجهين: أحدهما: له أسماء حسنة يسمى بها.

والثاني: أن كل حسن يسمى به غيره فهو راجع إليه في الحقيقة، وهو مسمى به، وكل حسن منسوب إليه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَٱبْتَغِ بَيْنَ ذٰلِكَ سَبِيلاً ﴾ ، اختلف أهل التأويل في ذلك: قال بعضهم: قوله: ﴿ وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ ﴾ أي: لا تجعل صلاتك في مكان غيظاً للمشركين ﴿ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا ﴾ ، أي: ولا تسر عن أصحابك فتخفى عنهم، لكن ابتغ بين ذلك سبيلاً.

وقال بعضهم: لا تجعل كل صلواتك في جماعة، ولا تخافت بها، ولا كلها في غير جماعة.

﴿ وَٱبْتَغِ بَيْنَ ذٰلِكَ سَبِيلاً ﴾ ، ولكن اجعل بعضها بالجماعة، وبعضها لا بالجماعة.

وقال بعضهم: ﴿ وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا ﴾ ، أي: لا تجاوز الحد في الأمور والأعمال التي أمرتك بها، ولا تقصرها عن الحدّ الذي حددت لك فيها، ولكن ابتغ بين ذلك سبيلاً.

وقال بعضهم: ﴿ وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ ﴾ مراءاةً للناس، ﴿ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا ﴾ أي: ولا تعجب بها للإخفاء.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا  ﴾ أي: لا تجهر بجميع الأذكار التي في الصلاة أو بجميع القراءات التي فيها ولا تخافت بالكل، ولكن بعضها بالجهر وبعضها بالمخافتة.

وقال بعضهم: إنه كان يجهر في صلاته بحيث يسمعه المشركون فيؤذونه، فأمره ألا يجهر بها لئلا يؤذوه، ولا يخافت كل المخافتة، فيسمع أصحابك فيأخذوا قراءتك.

وقال بعضهم: ذلك في الدعاء إلى الله وتوحيده في حق التبليغ، والمسألة وأمثاله، ولكن لا يجوز أن يقطع التأويل في هذا وأمثاله، فيقال: إنه كان كذا إلا بخبر منه ثابت؛ لأن الخطاب به خطاب له، فقطع التأويل فيه والقول على شيء واحد شهادة على الله وعلى رسوله، ولا تحل الشهادة على الله، ولا على رسوله إلا بالإحاطة أنه أراد ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِي ٱلْمُلْكِ ﴾ .

ذكر في هذه الآية جميع ما يقع به الحاجة إلى التوحيد؛ لأن من نفى التوحيد وأنكره إنما نفى لأحد الوجوه التي ذكر: منهم من قال له بالولد، وهم اليهود والنصارى.

ومنهم من قال بالشريك، وهم مشركو العرب.

ومنهم من قال له بالولي والعون من الذل وهم الثنوية وغيرها حيث قالوا: أنشأ هذا النور؛ ليستعين به على التخلص من ويلات الظلمة فنزّه نفسه، وبرّأها عن جميع ما قالوا فيه ونسبوا إليه؛ لأن الولد في الشاهد إنما يطلب، إمّا للتسلي، وإمّا للاستئناس والله يتعالى عن أن يقع له الحاجة إلى ذلك، ويتعالى عن أن يكون له شريك لأن الشركاء في الشاهد؛ إنما تُتَّخذ للمعونة، والتقوي بهم على بعض ما لهم، وما هم فيه، والولي من الذل إنما [يتخذ] في الشاهد؛ للاستنصار والاستعانة على أعدائه، والله يتعالى عن أن تقع له الحاجة إلى شيء من ذلك فنفى عنه جميع معاني الخلق وجميع ما ينسب إليهم ويضاف ويصفون به.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً ﴾ : أي: صفه بما وصف نفسه، وانفِ عنه جميع معاني الخلق فيكون في ذلك تعظيمه وتكبيره.

أو يقول: اعرفه بما ذكر، فإذا عرف هكذا فقد عظمته وكبرته.

والولد في الشاهد إنما يتخذ، ويطلب لوجوه: أحدها: للتسلي به والاستئناس عن وحشة.

أو لحاجة تمسّه فيستعين به على قضائها.

أو لذل يخافه من عدوّ له فيستنصر به عليه، والله يتعالى عن أن يصيبه شيء من ذلك.

وقوله ﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ ٱلذُّلِّ ﴾ : أي: لم يتخذ الأولياء؛ ليستعزز بهم من الذل، بل إنما اتخذ أولياء رحمة منه، وفضلاً؛ ليتعززوا هم بذلك ويكونوا عظماء، وذكر: ﴿ لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً ﴾ وقد خلق الأولاد للخلق؛ ليعلم أن ليس في خلق الشيء ما يصلح أن يتخذ لنفسه.

وقوله: ﴿ وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِي ٱلْمُلْكِ ﴾ ولو كان على ما تقوله المعتزلة، لكان له شريك في الملك على قولهم؛ لأنهم يقولون: إن الله لم يرد لأحد من الكفرة الملك لهم وإنما أراد لأوليائه؛ فعلى قولهم صار الفراعنة شركاء له في الملك حيث لم يكن ما أراد هو وكان ما أرادوا هم، والله أعلم والحمد لله رب العالمين.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وقيل -أيها الرسول-: الحمد لله المستحق لأنواع المحامد الذي تنزه عن الولد، وتنزه عن الشريك، فلا شريك له في ملكه، ولا يصيبه ذل وهوان، فلا يحتاج لمن يناصره ويعزّزه، وعظّمه تعظيمًا كثيرًا، فلا تنسب له ولدًا ولا شريكًا في الملك ولا مناصرًا مُعِينًا.

مزيد من التفاسير لسورة الإسراء

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله