الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > سورة 17 الإسراء > الآيات ٧-٨
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 4 دقيقة قراءةقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ أحْسَنْتُمْ ﴾ ؛ أيْ: وقُلْنا لَكُمْ: إنْ أحْسَنْتُمْ فَأطَعْتُمُ اللَّهَ ﴿ أحْسَنْتُمْ لأنْفُسِكُمْ ﴾ ؛ أيْ: عاقِبَةُ الطّاعَةِ لَكم ﴿ وَإنْ أسَأْتُمْ ﴾ بِالفَسادِ والمَعاصِي ﴿ فَلَها ﴾ ، وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ بِمَعْنى: فَإلَيْها.
والثّانِي: فَعَلَيْها.
﴿ فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ ﴾ ، جَوابُ " فَإذا " مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: فَإذا جاءَ وَعْدُ عُقُوبَةِ المَرَّةِ الآَخِرَةِ مِن إفْسادِكُمْ، بَعَثْناهم لَيَسُوؤُوا وُجُوهَكُمْ، وهَذا الفَسادُ الثّانِي هو قَتْلُهم يَحْيى بْنَ زَكَرِيّا، وقَصْدُهم قَتْلَ " عِيسى " فَرُفِعَ، وسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مُلُوكَ فارِسٍ والرُّومِ فَقَتَلُوهم وسَبَوْهُمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ ﴾ .
قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( لِيَسُوؤُوا ) بِالياءِ عَلى الجَمِيعِ والهَمْزِ بَيْنَ الواوَيْنِ، والإشارَةُ إلى المَبْعُوثِينَ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( لِيَسُوءَ وُجُوهُكم ) عَلى التَّوْحِيدِ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِيَسُوءَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ.
والثّانِي: لِيَسُوءَ البَعْثُ.
وقَرَأ الكِسائِيُّ: ( لِنَسُوءَ ) بِالنُّونِ، وذَلِكَ راجِعٌ إلى اللَّهِ تَعالى.
وَفِيمَن بُعِثَ عَلَيْهِمْ في المَرَّةِ الثّانِيَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بُخْتَنَصَّرُ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ، وكَثِيرٌ مِنَ الرُّواةِ يَأْبى هَذا القَوْلَ، يَقُولُونَ: كانَ بَيْنَ تَخْرِيبِ ( بُخْتَنَصَّرَ ) بَيْتُ المَقْدِسِ وبَيْنَ مَوْلِدِ يَحْيى بْنِ زَكَرِيّا زَمانٌ طَوِيلٌ.
والثّانِي: انْطِياخُوسُ الرُّومِيُّ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
ومَعْنى ﴿ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ ﴾ ؛ أيْ: لِيُدْخِلُوا عَلَيْكُمُ الحُزْنَ بِما يَفْعَلُونَ مِن قَتْلِكم وسَبْيِكُمْ، وخُصَّتِ المَساءَةُ بِالوُجُوهِ، والمُرادُ: أصْحابُ الوُجُوهِ، لِما يَبْدُو عَلَيْها مِن أثَرِ الحُزْنِ والكَآَبَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِيَدْخُلُوا المَسْجِدَ ﴾ ، يَعْنِي: بَيْتَ المَقْدِسِ، ﴿ " كَما دَخَلُوهُ ﴾ " في المَرَّةِ الأُولى، ﴿ وَلِيُتَبِّرُوا ﴾ ؛ أيْ: لِيُدَمِّرُوا ويُخَرِّبُوا.
قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ لِكُلِّ شَيْءٍ يَنْكَسِرُ مِنَ الزُّجاجِ والحَدِيدِ والذَّهَبِ: تِبْرٌ، ومَعْنى ﴿ ما عَلَوْا ﴾ ؛ أيْ: لِيُدَمِّرُوا في حالِ عُلُوِّهِمْ عَلَيْكم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَسى رَبُّكم أنْ يَرْحَمَكُمْ ﴾ هَذا مِمّا وُعِدُوا بِهِ في التَّوْراةِ.
و " عَسى " مِنَ اللَّهِ واجِبَةٌ، فَرَحِمَهُمُ [ اللَّهُ ] بَعْدَ انْتِقامِهِ مِنهُمْ، وعَمَّرَ بِلادَهُمْ، وأعادَ نِعَمَهم بَعْدَ سَبْعِينَ سَنَةً.
﴿ وَإنْ عُدْتُمْ ﴾ إلى مَعْصِيَتِنا ﴿ عُدْنا ﴾ إلى عُقُوبَتِكم.
قالَ المُفَسِّرُونَ: ثُمَّ إنَّهم عادُوا إلى المَعْصِيَةِ، فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مُلُوكًا مِن مُلُوكِ فارِسٍ والرُّومِ.
قالَ قَتادَةُ: ثُمَّ كانَ آَخِرُ ذَلِكَ أنْ بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مُحَمَّدًا ، فَهم في عَذابٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَيُعْطُونَ الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وهم صاغِرُونَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيرًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: سِجْنًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، وقَتادَةُ.
وقالَ مُجاهِدٌ: يُحْصَرُونَ فِيها.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وابْنُ قُتَيْبَةَ: مَحْبِسًا.
وقالَ الزَّجّاجُ: " حَصِيرًا ": حَبْسًا، أُخِذَ مِن قَوْلِكَ: حَصَرْتُ الرَّجُلَ: إذا حَبَسْتُهُ، فَهو مَحْصُورٌ، وهَذا حَصِيرُهُ؛ أيْ: مَحْبِسُهُ، والحَصِيرُ: المَنسُوجُ، سُمِّيَ حَصِيرًا؛ لِأنَّهُ حُصِرَتْ طاقاتُهُ بَعْضُها مَعَ بَعْضٍ، ويُقالُ لِلْجُنُبِ: حَصِيرٌ؛ لِأنَّ بَعْضَ الأضْلاعِ مَحْصُورٌ مَعَ بَعْضٍ.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: حَصِيرًا: بِمَعْنى: حاصِرَةً، فَصُرِفَ مِن حاصِرَةٍ إلى حَصِيرٍ، كَما صُرِفَ ( مُؤْلِمٌ ) إلى ألِيمٍ.
والثّانِي: فِراشًا ومِهادًا، قالَهُ الحَسَنُ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جَهَنَّمَ لَهم مِهادًا بِمَنزِلَةِ الحَصِيرِ، والحَصِيرُ: البِساطُ الصَّغِيرُ.
<div class="verse-tafsir"