الإسلام > القرآن > سور > سورة 17 الإسراء > الآية ٧ من سورة الإسراء
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 302 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٧ من سورة الإسراء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم قال تعالى : ( إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها ) أي : فعليها ، كما قال تعالى : ( من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها ) [ فصلت : 46 ] .
وقوله : ( فإذا جاء وعد الآخرة ) أي : المرة الآخرة أي : إذا أفسدتم المرة الثانية وجاء أعداؤكم ( ليسوءوا وجوهكم ) أي : يهينوكم ويقهروكم ( وليدخلوا المسجد ) أي بيت المقدس ( كما دخلوه أول مرة ) أي : في التي جاسوا فيها خلال الديار ) وليتبروا ) أي : يدمروا ويخربوا ) ما علوا ) أي : ما ظهروا عليه ( تتبيرا )
يقول تعالى ذكره لبني إسرائيل فيما قضى إليهم في التوراة (إِنْ أَحْسَنْتُمْ) يا بني إسرائيل، فأطعتم الله وأصلحتم أمركم، ولزمتم أمره ونهيه (أَحْسَنْتُمْ) وفعلتم ما فعلتم من ذلك (لأنْفُسِكُمْ) لأنَّكم إنما تنفعون بفعلتكم ما تفعلون من ذلك أنفسكم في الدنيا والآخرة.
أما في الدنيا فإن الله يدفع عنكم من بغاكم سوءا، وينمي لكم أموالكم، ويزيدكم إلى قوّتكم قوّة.
وأما في الآخرة فإن الله تعالى يثيبكم به جنانه (وإِنْ أَسَأْتُمْ) يقول: وإن عصيتم الله وركبتم ما نهاكم عنه حينئذ، فإلى أنفسكم تسيئون، لأنكم تسخطون بذلك على أنفسكم ربكم، فيسلط عليكم في الدنيا عدوّكم، ويمكِّن منكم من بغاكم سوءا، ويخلدكم في الآخرة في العذاب المهين.
وقال جلّ ثناؤه (وَإِنْ أَسَأْتُمْ فلها) والمعنى: فإليها كما قال بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا والمعنى: أوحى إليها.
وقوله ( فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ ) يقول: فإذا جاء وعد المرّة الآخرة من مرّتي إفسادكم يا بني إسرائيل في الأرض (لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ) يقول: ليسوء مجيء ذلك الوعد للمرّة الآخرة وجوهكم فيقبِّحها.
وقد اختلف القراء في قراءة قوله (لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ) فقرأ ذلك عامَّة قرّاء أهل المدينة والبصرة (لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ) بمعنى: ليسوء العباد أولو البأس الشديد الذين يبعثهم الله عليكم وجوهكم، واستشهد قارئو ذلك لصحة قراءتهم كذلك بقوله (وَلِيَدْخُلُوا المَسْجِدَ) وقالوا: ذلك خبر عن الجميع فكذلك الواجب أن يكون قوله (لِيَسُوءُوا) ، وقرأ ذلك عامَّة قرّاء الكوفة: (لِيَسُوءَ وُجُوهَكُمْ) على التوحيد وبالياء ، وقد يحتمل ذلك وجهين من التأويل، أحدهما ما قد ذكرت، والآخر منهما: ليسوء الله وجوهكم، فمن وجَّه تأويل ذلك إلى ليسوء مجيء الوعد وجوهَكم، جعل جواب قوله فإذا محذوفا، وقد استغني بما ظهر عنه، وذلك المحذوف " جاء "، فيكون الكلام تأويله: فإذا جاء وعد الآخرة ليسوء وجوهكم جاء.
ومن وجَه تأويله إلى: ليسوء الله وجوهكم ، كان أيضا في الكلام محذوف، قد استغني هنا عنه بما قد ظهر منه، غير أن ذلك المحذوف سوى " جاء "، فيكون معنى الكلام حينئذ: فإذا جاء وعد الآخرة بعثناهم ليسوء الله وجوهكم، فيكون المضمر بعثناهم ، وذلك جواب إذا حينئذ.
وقرأ ذلك بعض أهل العربية من الكوفيين: (لِنَسُوءَ وُجُوهَكُمْ) على وجه الخبر من الله تبارك وتعالى اسمه عن نفسه.
وكان مجيء وعد المرّة الآخرة عند قتلهم يحيى.
ذكر الرواية بذلك، والخبر عما جاءهم من عند الله حينئذ.
كما حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ في الحديث الذي ذكرنا إسناده قبل أن رجلا من بني إسرائيل رأى في النوم أن خراب بيت المقدس وهلاك بني إسرائيل على يدي غلام يتيم ابن أرملة من أهل بابل، يدعى بختنصر، وكانوا يصدقون فتصدق رؤياهم، فأقبل فسأل عنه حتى نـزل على أمه وهو يحتطب، فلما جاء وعلى رأسه حزمة من حطب ألقاها، ثم قعد في جانب البيت فضمه، ثم أعطاه ثلاثة دراهم، فقال: اشتر لنا بها طعاما وشرابا، فاشترى بدرهم لحما وبدرهم خبزا وبدرهم خمرا، فأكلوا وشربوا حتى إذا كان اليوم الثاني فعل به ذلك، حتى إذا كان اليوم الثالث فعل ذلك، ثم قال له: إني أُحبّ أن تكتب لي أمانا إن أنت ملكت يوما من الدهر، فقال: أتسخر بي؟
فقال: إني لا أسخر بك، ولكن ما عليك أن تتخذ بها عندي يدا، فكلمته أمه، فقالت: وما عليك إن كان ذلك وإلا لم ينقصك شيئا، فكتب له أمانا، فقال له : أرأيت إن جئت والناس حولك قد حالوا بيني وبينك، فاجعل لي آية تعرفني بها قال: نرفع صحيفتك على قصبة أعرفك بها، فكساه وأعطاه.
ثم إن ملك بني إسرائيل كان يكرم يحيى بن زكريا، ويدني مجلسه، ويستشيره في أمره، ولا يقطع أمرا دونه، وأنه هوى أن يتزوّج ابنة امرأة له، فسأل يحيى عن ذلك، فنهاه عن نكاحها وقال: لست أرضاها لك، فبلغ ذلك أمها فحقدت على يحيى حين نهاه أن يتزوّجَ ابنتها، فعمدت أمّ الجارية حين جلس الملك على شرابه، فألبستها ثيابا رقاقا حمرا، وطيَّبتها وألبستها من الحُليّ، وقيل: إنها ألبستها فوق ذلك كساء أسود، وأرسلتها إلى الملك، وأمرتها أن تسقيه، وأن تعرض له نفسها، فإن أرادها على نفسها أبت عليه حتى يعطيها ما سألته، فإذا أعطاها ذلك سألته أن يأتي برأس يحيى بن زكريا في طست، ففعلت، فجعلت تسقيه وتعرض له نفسها؛ فلما أخذ فيه الشراب أرادها على نفسها، فقالت: لا أفعل حتى تعطيني ما أسألك، فقال: ما الذي تسأليني؟
قالت: أسألك أن تبعث إلى يحيى بن زكريا، فأوتي برأسه في هذا الطست، فقال: ويحك سليني غير هذا، فقالت له: ما أريد أن أسألك إلا هذا .
قال: فلما ألحَّت عليه بعث إليه، فأتى برأسه، والرأس يتكلم حتى وضع بين يديه وهو يقول: لا يحلّ لك ذلك؛ فلما أصبح إذا دمه يغلي، فأمر بتراب فألقى عليه، فرقى الدم فوق التراب يغلي، فألقى عليه التراب أيضا، فارتفع الدم فوقه، فلم يزل يلقي عليه التراب حتى بلغ سور المدينة وهو يغلى وبلغ صحابين، فثار في الناس، وأراد أن يبعث عليهم جيشا، ويؤمِّر عليهم رجلا فأتاه بختنصر وكلَّمه وقال: إن الذي كنت أرسلته تلك المرّة ضعيف، وإني قد دخلت المدينة وسمعت كلام أهلها، فابعثني، فبعثه، فسار بختنصر حتى إذا بلغوا ذلك المكان تحصنوا منه في مدائنهم، فلم يطقهم، فلما اشتدّ عليهم المقام وجاع أصحابه، أرادوا الرجوع، فخرجت إليهم عجوز من عجائز بني إسرائيل فقالت: أين أمير الجند؟
فأتي بها إليه، فقالت له: إنه بلغني أنك تريد أن ترجع بجندك قبل أن تفتح هذه المدينة، قال: نعم، قد طال مقامي، وجاع أصحابي، فلست أستطيع المقام فوق الذي كان مني، فقالت: أرأيتك إن فتحت لك المدينة أتعطيني ما سألتك، وتقتل من أمرتك بقتله، وتكفّ إذا أمرتك أن تكفّ؟
قال: نعم، قالت : إذا أصبحت فاقسم جندك أربعة أرباع، ثم أقم على كلّ زاوية ربعا، ثم ارفعوا بأيديكم إلى السماء فنادوا: إنا نستفتحك يا الله بدم يحيى بن زكريا، فإنها سوف تسَّاقط، ففعلوا، فتساقطت المدينة، ودخلوا من جوانبها، فقالت له: اقتل على هذا الدم حتى يسكن، وانطلقت به إلى دم يحيى وهو على تراب كثير، فقتل عليه حتى سكن سبعين ألفا وامرأة؛ فلما سكن الدم قالت له: كفّ يدك، فإن الله تبارك وتعالى إذا قتل نبيّ لم يرض، حتى يقتل من قتله، ومن رضي قتله، وأتاه صاحب الصحيفة بصحيفته، فكفّ عنه وعن أهل بيته، وخرّب بيت المقدس، وأمر به أن تطرح فيه الجيف، وقال: من طرح فيه جيفة فله جزيته تلك السنة، وأعانه على خرابه الروم من أجل أن بني إسرائيل قتلوا يحيى، فلما خرّبه بختنصر ذهب معه بوجوه بني إسرائيل وأشرافهم، وذهب بدانيال وعليا وعزاريا وميشائيل، هؤلاء كلهم من أولاد الأنبياء وذهب معه برأس جالوت؛ فلما قدم أرض بابل وجد صحابين قد مات، فملك مكانه، وكان أكرم الناس عليه دانيال وأصحابه ، فحسدهم المجوس على ذلك، فوشوا بهم إليه وقالوا: إن دانيال وأصحابه لا يعبدون إلهك، ولا يأكلون من ذبيحتك، فدعاهم فسألهم، فقالوا: أجل إن لنا ربا نعبده، ولسنا نأكل من ذبيحتكم، فأمر بخدّ فخدّ لهم، فألقوا فيه وهم ستة، وألقي معهم سبعا ضاريا ليأكلهم، فقال: انطلقوا فلنأكل ولنشرب، فذهبوا فأكلوا وشربوا، ثم راحوا فوجدوهم جلوسا والسبع مفترش ذراعيه بينهم، ولم يخدش منهم أحدا، ولم ينكأه شيئا، ووجدوا معهم رجلا فعدوهم فوجدوهم سبعة، فقالوا: ما بال هذا السابع إنما كانوا ستة، فخرج إليهم السابع، وكان ملَكا من الملائكة، فلطمه لطمة فصار في الوحش، فكان فيهم سبع سنين، لا يراه وحشيّ إلا أتاه حتى ينكحه، يقتصّ منه ما كان يصنع بالرجال، ثم إنه رجع ورد الله عليه مُلكه، فكانوا أكرم خلق الله عليه.
ثم إن المجوس وَشَوا به ثانية، فألقوا أسدا في بئر قد ضَرِي، فكانوا يلقون إليه الصخرة فيأخذها، فألقوا إليه دانيال، فقام الأسد في جانب، وقام دانيال في جانب لا يمسه، فأخرجوه، وقد كان قبل ذلك خدّ لهم خدّا، فأوقد فيه نارا، حتى إذا أججها قذفهم فيها، فأطفأها الله عليهم ولم ينلهم منها شيء.
ثم إن بختنصر رأى بعد ذلك في منامه صنما رأسه من ذهب، وعنقه من شبه، وصدره من حديد، وبطنه أخلاط ذهب وفضة وقوارير، ورجلاه من فخار؛ فبينا هو قائم ينظر، إذ جاءت صخرة من السماء من قِبَل القبلة، فكسرت الصنم فجعلته هشيما، فاستيقظ فزعا وأُنسيها، فدعا السحرة والكهنة، فسألهم، فقال: أخبروني عما رأيت، فقالوا له: لا بل أنت أخبرنا، ما رأيت فنعبره لك، قال: لا أدري، قالوا له: فهؤلاء الفتية الذين تكرمهم، فادعهم فاسألهم، فإن هم لم يخبروك بما رأيت فما تصنع بهم؟
قال: أقتلهم، فأرسل إلى دانيال وأصحابه، فدعاهم، فقال لهم: أخبروني ماذا رأيت؟
فقال له دانيال: بل أنت أخبرنا ما رأيت فنعبره لك، قال: لا أدري قد نسيتها، فقال له دانيال: كيف نعلم رؤيا لم تخبرنا بها؟
فأمر البوّاب أن يقتلهم، فقال دانيال للبوّاب: إن الملك إنما أمر بقتلنا من أجل رؤياه، فأخِّرنا ثلاثة أيام، فإن نحن أخبرنا الملك برؤياه وإلا فاضرب أعناقنا، فأجَّلهم فدعوا الله، فلما كان اليوم الثالث أبصر كل رجل منهم رؤيا بختنصر على حدة، فأتوا البوّاب فأخبروه، فدخل على الملك فأخبره، فقال: أدخلهم عليّ ؛ وكان بختنصر لا يعرف من رؤياه شيئا، إلا شيئا يذكرونه، فقالوا له: أنت رأيت كذا وكذا، فقصوها عليه، فقال: صدقتم، قالوا: نحن نعبرها لك.
أما الصنم الذي رأيت رأسه من ذهب، فإنه ملك حسن مثل الذهب، وكان قد ملك الأرض كلها؛ وأما العنق من الشبه، فهو ملك ابنك بعد، يملك فيكون ملكه حسنا، ولا يكون مثل الذهب؛ وأما صدره الذي من حديد فهو ملك أهل فارس، يملكون بعدك ابنك، فيكون ملكهم شديدا مثل الحديد؛ وأما بطنه الأخلاط، فإنه يذهب ملك أهل فارس، ويتنازع الناس الملك في كلّ قرية، حتى يكون الملك يملك اليوم واليومين، والشهر والشهرين، ثم يُقتل، فلا يكون للناس قوام على ذلك، كما لم يكن للصنم قوام على رجلين من فخار؛ فبينما هم كذلك، إذ بعث الله تعالى نبيا من أرض العرب؛ فأظهره على بقية مُلك أهل فارس، وبقية ملك ابنك وملكك، فدمره وأهلكه حتى لا يبقى منه شيء، كما جاءت الصخرة فهدمت الصنم، فعطف عليهم بختنصر فأحبهم، ثم إن المجوس وشوا بدانيال، فقالوا: إن دانيال إذا شرب الخمر لم يملك نفسه أن يبول، وكان ذلك فيهم عارا، فجعل لهم بختنصر طعاما، فأكلوا وشربوا، وقال للبوّاب: انظر أوّل من يخرج عليك يبول، فاضربه بالطبرزين، وإن قال: أنا بختنصر، فقل: كذبت، بختنصر أمرني، فحبس الله عن دانيال البول، وكان أوّل من قام من القوم يريد البول بختنصر، فقام مدلا وكان ذلك ليلا يسحب ثيابه؛ فلما رآه البواب شدّ عليه، فقال: أنا بختنصر، فقال: كذبت، بختنصر أمرني أن أقتل أوّل من يخرج، فضربه فقتله.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، عن أبي المعلى، قال: سمعت سعيد بن جبير، قال: بعث الله عليهم في المرّة الأولى سنحاريب، قال: فردّ الله لهم الكرّة عليهم، كما قال؛ قال: ثم عصوا ربهم وعادوا لما نهوا عنه، فبعث عليهم في المرّة الآخرة بختنصر، فقتل المقاتلة ، وسبى الذرّية، وأخذ ما وجد من الأموال، ودخلوا بيت المقدس، كما قال الله عزّ وجلّ( وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا ) دخلوه فتبروه وخرّبوه وألقوا فيه ما استطاعوا من العذرة والحيض والجيف والقذر، فقال الله وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا فرحمهم فردّ إليهم ملكهم وخلص من كان في أيديهم من ذرّية بني إسرائيل، وقال لهم: إن عدتم عدنا، فقال أبو المعلى، ولا أعلم ذلك؛ إلا من هذا الحديث، ولم يَعِدهم الرجعة إلى ملكهم.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحرث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ ) قال: بعث الله ملك فارس ببابل جيشا، وأمر عليهم بختنصر ، فأتوا بني إسرائيل، فدمروهم، فكانت هذه الآخرة ووعدها.
حدثنا القاسم.
قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، نحوه.
حدثا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: ثني يعلى بن مسلم، عن سعيد بن جبير، قال: لما ضرب لبختنصر الملك بجرانه، قال: ثلاثة فمن استأخر منكم بعدها فليمش إلى خشبته، فغزا الشام، فذلك حين قتل وأخرج بيت المقدس، ونـزع حليته، فجعلها آنية ليشرب فيها الخمور، وخوانا يأكل عليه الخنازير، وحمل التوراة معه، ثم ألقاها في النار، وقدم فيما قدم به مئة وصيف منهم دانيال وعزريا وحنانيا ومشائيل، فقال لإنسان: أصلح لي أجسام هؤلاء لعلي أختار منهم أربعة يخدمونني، فقال دانيال لأصحابه: إنما نصروا عليكم بما غيرتم من دين آبائكم، لا تأكلوا لحم الخنـزير، ولا تشربوا الخمر، فقالوا للذي يصلح أجسامهم: هل لك أن تطعمنا طعاما، هو أهون عليك في المئونة مما تطعم أصحابنا، فإن لم نسمن قبلهم رأيت رأيك، قال: ماذا؟
قال: خبز الشعير والكرّاث، ففعل فسمنوا قبل أصحابهم، فأخذهم بختنصر يخدمونه، فبينما هم كذلك، إذ رأى بختنصر رؤيا، فجلس فنسيها؛ فعاد فرقد فرآها، فقام فنسيها، ثم عاد فرقد فرآها ، فخرج إلى الحجرة؛ فنسيها؛ فلما أصبح دعا العلماء والكهَّان، فقال: أخبروني بما رأيت البارحة، وأوّلوا لي رؤياي، وإلا فليمش كل رجل منكم إلى خشبته، موعدكم ثالثة.
فقالوا: هذا لو أخبرنا برؤياه، وذكر كلاما لم أحفظه، قال: وجعل دانيال كلما مرّ به أحد من قرابته يقول: لو دعاني الملك لأخبرته برؤياه، ولأوّلتها له، قال: فجعلوا يقولون: ما أحمق هذا الغلام الإسرائيلي إلى أن مرّ به كهل، فقال له ذلك، فرجع إليه فأخبره، قال: إيه، قال: وعنقه من فضة، قال: إيه، قال: وصدره من حديد، قال: إيه، قال: وبطنه من صفر، قال: إيه، قال: ورجلاه من آنك، قال: إيه، قال: وقدماه من فخار، قال: هذا الذي رأيت؟
قال: إيه، قال: فجاءت حصاة فوقعت في رأسه، ثم في عنقه، ثم في صدره، ثم في بطنه، ثم في رجليه، ثم في قدميه، قال: فأهلكته.
قال: فما هذا؟
قال: أما الذهب فإنه ملكك، وأما الفضة فملك ابنك من بعدك، ثم ملك ابن ابنك، قال: وأما الفخار فملك النساء، فكساه جبة ترثون (17) وسوره وطاف به في القرية، وأجاز خاتمه، فلما رأت ذلك فارس، قالوا: ما الأمر إلا أمر هذا الإسرائيلي، فقالوا: ائتوه من نحو الفتية الثلاثة، ولا تذكروا له دانيال، فإنه لا يصدقكم عليه، فأتوه، فقالوا: إن هؤلاء الفتية الثلاثة ليسوا على دينك، وآية ذلك أنك إن قربت إليهم لحم الخنـزير والخمر لم يأكلوا ولم يشربوا، فأمر بحطب كثير فوضع، ثم أرقاهم عليه، ثم أوقد فيه نارا ، ثم خرج من آخر الليل يبول، فإذا هم يتحدّثون، وإذا معهم رابع يروح عليهم يصلي، قال: من هذا يا دانيال؟
قال: هذا جبريل، إنك ظلمتهم، قال: ظلمتهم، مر بهم ينـزلوا؛ فأمر بهم فنـزلوا، قال: ومسخ الله تعالى بختنصر من الدوابّ كلها، فجعل من كل صنف من الدوابّ رأسه رأس سبع من السباع الأسد، ومن الطير النسر، وملك ابنه فرأى كفا خرجت بين لوحين، ثم كتبت سطرين، فدعا الكهان والعلماء فلم يجدوا لهم في ذلك علما، فقالت له أمه: إنك لو أعدت إلى دانيال منـزلته التي كانت له من أبيك أخبرك، وكان قد جفاه، فدعاه، فقال : إني معيد إليك منـزلتك من أبي، فأخبرني ما هذان السطران؟
قال: أما أن تعيد إليّ منـزلتي من أبيك، فلا حاجة لي بها؛ وأما هذان السطران فإنك تقتل الليلة، فأخرج من في القصر أجمعين، وأمر بقفله، فأقفلت الأبواب عليه، وأدخل معه آمن أهل القرية في نفسه معه سيف، فقال: من جاءك من خلق الله فاقتله، وإن قال أنا فلان؛ وبعث الله عليه البطن، فجعل يمشي حتى كان شطر الليل، فرقد ورقد صاحبه، ثم نبهه البطن، فذهب يمشي والآخر نائم، فرجع فاستيقظ به، فقال له: أنا فلان، فضربه بالسيف فقتله.
حدثنا بشر، قال : ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ ) آخر العقوبتين ( لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ ) كما دخله عدوهم قبل ذلك ( وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا ) فبعث الله عليهم في الآخرة بختنصر المجوسي البابلي، أبغض خلق الله إليه، فسبا وقتل وخرّب بيت المقدس، وسامهم سوء العذاب.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال ( فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ ) من المرتين (لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ) قال: ليقبحوا وجوهكم (وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيرًا) قال: يدمِّروا ما علوا تدميرا، قال: هو بختنصر، بعثه الله عليهم في المرة الآخرة.
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: فلما أفسدوا بعث الله عليهم في المرّة الآخرة بختنصر، فخرّب المساجد وتبر ما علوا تتبيرا.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثني ابن إسحاق، قال: فيما بلغني، استخلف الله على بني إسرائيل بعد ذلك، يعني بعد قتلهم شعياء رجلا منهم يقال له: ناشة بن آموص، فبعث الله الخضر نبيا، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قد بلغني يقول: " إِنَّمَا سُمّيَ الخَضِرُ خَضِرًا، لأنَهُ جَلَسَ عَلى فَرْوَةٍ بَيْضَاءَ، فَقامَ عَنْها وَهيَ تَهْتَزُّ خَضْرَاءَ" قال: واسم الخضر فيما كان وهب بن منبه يزعم عن بني إسرائيل: أرميا بن حلفيا، وكان من سبط هارون بن عمران.
حدثني محمد بن سهل بن عسكر، ومحمد بن عبد الملك بن زنجويه، قالا ثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: ثنا عبد الصمد بن معقل، عن وهب بن منبه، وحدثنا ابن حميد قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه اليماني، واللفظ لحديث ابن حميد أنه كان يقول: قال الله تبارك وتعالى لإرميا حين بعثه نبيا إلى بني إسرائيل: يا إرميا من قبل أن أخلقك اخترتك، ومن قبل أن أصوّرك في بطن أمك قدّستك، ومن قبل أن أخرجك من بطن أمك طهَّرتك، ومن قبل أن تبلغ السعي نبأتك، ومن قبل أن تبلغ الأشدّ اخترتك، ولأمر عظيم اختبأتك؛ فبعث الله إرميا إلى ذلك الملك من بني إسرائيل يسدّده ويرشده، ويأتيه بالخبر من الله فيما بينه وبين الله؛ قال: ثم عظمت الأحداث في بني إسرائيل، وركبوا المعاصي، واستحلُّوا المحارم، ونَسوا ما كان الله تعالى صنع بهم، وما نجاهم من عدوّهم سنحاريب وجنوده.
فأوحى الله تعالى إلى إرمياء: أن ائت قومك من بني إسرائيل، واقصص عليهم ما آمرك به، وذكِّرهم نعمتي عليهم، وعرّفهم أحداثهم، فقال إرمياء: إني ضعيف إن لم تقوّني، وعاجز إن لم تبلِّغني، ومخطئ إن لم تسدّدني، ومخذول إن لم تنصرني، وذليل إن لم تعزَّني، قال الله تبارك وتعالى: أوَلم تعلم أن الأمور كلها تصدر عن مشيئتي، وأن القلوب كلها والألسنة بيدي، أقلبها كيف شئت، فتطيعني، وإني أنا الله الذي لا شيء مثلي، قامت السماوات والأرض وما فيهنّ بكلمتي، وأنا كلَّمت البحار، ففهمت قولي، وأمرتها فعقلت أمري، وحدَدت عليها بالبطحاء فلا تَدَّى حدّي، تأتي بأمواج كالجبال، حتى إذا بلغت حدّي ألبستها مذَّلة طاعتي خوفًا واعترافًا لأمري إني معك ، ولن يصل إليك شيء معي، وإني بعثتك إلى خلق عظيم من خلقي، لتبلغهم رسالاتي، ولتستحقّ بذلك مثل أجر من تبعك منهم لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، وإن تقصِّر عنها فلك مثل وزر من تركب في عماه لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئا، انطلق إلى قومك فقل: إن الله ذكر لكم صلاح آبائكم، فحمله ذلك على أن يستتيبكم يا معشر الأبناء، وسلهم كيف وجد آباؤهم مغبَّة طاعتي، وكيف وجدوا هم مغبَّة معصيتي، وهل علموا أن أحدا قبلهم أطاعني فشقي بطاعتي، أو عصاني فسعد بمعصيتي، فإن الدّوابّ مما تذكر أوطانها الصالحة، فتنتابها، وإن هؤلاء القوم قد رتعوا في مروج الهَلَكة.
أما أحبارهم ورهبانهم فاتخذوا عبادي خوَلا ليعبدوهم دوني وتحكَّموا فيهم بغير كتابي حتى أجهلوهم أمري، وأنسوهم ذكري، وغروهم مني.
أما أمراؤهم وقاداتهم فبطروا نعمتي، وأمنوا مكري، ونبذوا كتابي، ونسوا عهدي، وغيروا سنتي، فادّان لهم عبادي بالطاعة التي لا تنبغي إلا لي، فهم يطيعوهم في معصيتي، ويتابعونهم على البدع التي يبتدعون في ديني جراءة عليّ وغرّة وفرية عليّ وعلى رسلي، فسبحان جلالي وعلوّ مكاني، وعظم شأني، فهل ينبغي لبشر أن يُطاع في معصيتي، وهل ينبغي في أن أخلق عبادا أجعلهم أربابًا من دوني.
وأما قراؤهم وفقهاؤهم فيتعبدون في المساجد، ويتزيَّنون بعمارتها لغيري، لطلب الدنيا بالدين، ويتفقَّهون فيها لغير العلم، ويتعلَّمون فيها لغير العمل.
وأما أولاد الأنبياء، فمكثرون مقهورون مغيرون، يخوضون مع الخائضين، ويتمنَّون عليّ مثل نُصرة آبائهم والكرامة التي أكرمتهم بها، ويزعمون أن لا أحدَ أولى بذلك منهم مني بغير صدق ولا تفكر ولا تدبُّر، ولا يذكرون كيف كان صبر آبائهم لي، وكيف كان جِدّهم في أمري حين غير المغيرون، وكيف بذلوا أنفسهم ودماءهم، فصبروا وصَدَقوا حتى عزّ أمري، وظهر ديني، فتأنَّيت بهؤلاء القوم لعلهم يستجيبون، فأطْوَلت لهم، وصفحت عنهم، لعلهم يرجعون، فأكثرت ومددت لهم في العمر لعلهم يتذكرون، فأعذرت في كل ذلك، أمطر عليهم السماء، وأنبت لهم الأرض، وألبسهم العافية وأظهرهم على العدوّ فلا يزدادون إلا طغيانا وبُعدا مني، فحتى متى هذا؟
أبي يتمرّسون أم إياي يخادعون؟
وإني أحلف بعزّتي لأقيضن لهم فتنة يتحير فيها الحليم، ويضلّ فيها رأي ذي الرأي، وحكمة الحكيم، ثم لأسلطنّ عليهم جبارا قاسيا عاتيا، ألبسه الهيبة ، وأنتزع من صدره الرأفة والرحمة والبيان، يتبعه عدد وسواد مثل سواد الليل المظلم، له عساكر مثل قطع السحاب، ومراكب أمثال العجاج، كأن خفيق راياته طيران النسور، وأن حملة فُرسانه كوبر العقبان، ثم أوحى الله إلى إرميا: إني مهلك بنى إسرائيل بيافث، ويافث أهل بابل، وهم من ولد يافث بن نوح، ثم لما سمع إرميا وحي ربه صاح وبكى وشقّ ثيابه، ونبذَ الرماد على رأسه وقال: ملعون يوم ولدت فيه، ويوم لقيت التوراة، ومن شرّ أيامي يوم ولدت فيه، فما أبقيت آخر الأنبياء إلا لما هو أشرّ عليّ، لو أراد بي خيرا ما جعلني آخر الأنبياء من بني إسرائيل، فمن أجلي تصيبهم الشِّقوة والهلاك؛ فلما سمع الله تضرّع الخضر وبكاءه، وكيف يقول، ناداه: يا إرميا أشقّ ذلك عليك فيما أوحيت لك؟
قال: نعم يا ربّ أهلكْني قبل أن أرى في بني إسرائيل ما لا أسرّ به، فقال الله: وعزّتي العزيزة لا أهلك بيت المقدس وبني إسرائيل حتى يكون الأمر من قِبَلك في ذلك، ففرح عند ذلك إرميا لما قال له ربه، وطابت نفسه، وقال: لا والذي بعث موسى وأنبياءه بالحقّ لا آمر ربي بهلاك بني إسرائيل أبدا، ثم أتى ملك بني إسرائيل فأخبره ما أوحى الله إليه فاستبشر وفرح وقال: إن يعذّبنا ربنا فبذنوب كثيرة قدّمناها لأنفسنا، وإن عفا عنا فبقدرته، ثم إنهم لبثوا بعد هذا الوحي ثلاث سنين لم يزدادوا إلا معصية وتماديا في الشرّ، وذلك حين اقترب هلاكهم، فقلّ الوحي حين لم يكونوا يتذكرون الآخرة، وأمسك عنهم حين ألهتهم الدنيا وشأنُها، فقال لهم ملكهم: يا بني إسرائيل، انتهوا عما أنتم عليه قبل أن يمسكم بأس الله، وقبل أن يُبْعث عليكم قوم لا رحمة لهم بكم، وإن ربكم قريب التوبة، مبسوط اليدين بالخير، رحيم بمن تاب إليه.
فأبَوا عليه أن ينـزعوا عن شيء ما هم عليه، وإن الله قد ألقى في قلب بختنصر بن نجور زاذان بن سنحاريب ابن دارياس بن نمرود ابن فالخ بن عابر بن نمرود صاحب إبراهيم الذي حاجَّه في ربه، أن يسير إلى بيت المقدس، ثم يفعل فيه ما كان جدّه سنحاريب أراد أن يفعل، فخرج في ستّ مئة ألف راية يريد أهل بيت المقدس؛ فلما فصل سائرا أتى ملك بني إسرائيل الخبر أن بختنصر قد أقبل هو وجنوده يريدكم، فأرسل الملك إلى إرميا، فجاءه فقال: يا إرميا أين ما زعمت لنا أن ربك أوحى إليك أن لا يهلك أهل بيت المقدس، حتى يكون منك الأمر في ذلك ؟
فقال إرميا للملك: إن ربي لا يخلف الميعاد، وأنا به واثق؛ فلما اقترب الأجل ودنا انقطاع ملكهم وعزم الله على هلاكهم، بعث الله مَلَكا من عنده، فقال له: اذهب إلى إرميا فاستفته، وأمَرَه بالذي يستفتي فيه، فأقبل المَلك إلى إرمياء، وكان قد تمثَّل له رجلا من بني إسرائيل، فقال له إرميا: من أنت؟
قال: رجل من بني إسرائيل أستفتيك في بعض أمري، فأذن له، فقال له المَلَك: يا نبيّ الله أتيتك أستفتيك في أهل رحمي، وصلت أرحامهم بما أمرني الله به ، لم آت إليهم إلا حسنا، ولم آلُهم كرامة، فلا تزيدهم كرامتي إياهم إلا إسخاطا لي، فأفتني فيهم يا نبيّ الله، فقال له: أحسن فيما بينك وبين الله، وصل ما أمرك الله أن تصل، وأبشر بخير وانصرف عنه، فمكث أياما، ثم أقبل إليه في صورة ذلك الذي جاءه، فقعد بين يديه، فقال له إرميا: من أنت؟
قال: أنا الرجل الذي آتيتك أستفتيك في شأن أهلي، فقال له نبيّ الله: أو ما ظهرت لك أخلاقهم بعد، ولم تر منهم الذي تحبّ؟
فقال: يا نبيّ الله، والذي بعثك بالحقّ ما أعلم كرامة يأتيها أحد من الناس لأهل رحمه إلا قد أتيتها إليهم وأفضل من ذلك، فقال النبيّ: ارجع إلى أهلك فأحسن إليهم، أسأل الله الذي يصلح عباده الصالحين أن يصلح ذات بينكم، وأن يجمعكم على مرضاته، ويجنبكم سخطه، فقال المَلك من عنده، فلبث أياما وقد نـزل بختنصر وجنوده حول بيت المقدس، ومعه خلائق من قومه كأمثال الجراد، ففزع منهم بنو إسرائيل فزعا شديدا، وشق ذلك على ملك بني إسرائيل، فدعا إرميا، فقال: يا نبيّ الله أين ما وعدك الله؟
فقال: إني بربي واثق.
ثم إن الملك أقبل إلى إرميا وهو قاعد على جدار بيت المقدس يضحك ويستبشر بنصر ربه الذي وعده، فقعد بين يديه، فقال له إرميا: من أنت؟
قال: أنا الذي كنت أتيتك في شأن أهلي مرّتين، فقال له النبيّ: أولم يأن لهم أن يمتنعوا من الذي هم فيه مقيمون عليه؟
فقال له الملك: يا نبيّ الله، كل شيء كان يصيبني منهم قبل اليوم كنت أصبر عليه، وأعلم أن مأربهم في ذلك سخطي؛ فلما أتيتهم اليوم رأيتهم في عمل لا يرضي الله ولا يحبه الله عزّ وجلّ، فقال له نبيّ الله: على أيّ عمل رأيتهم؟
قال: يا نبيّ الله رأيتهم على عمل عظيم من سخط الله، فلو كانوا على مثل ما كانوا عليه قبل اليوم لم يشتدّ عليهم غضبي، وصبرت لهم ورجوتهم، ولكن غضبت اليوم لله ولك، فأتيتك لأخبرك خبرهم، وإني أسألك بالله الذي بعثك بالحقّ إلا ما دعوت عليهم ربك أن يهلكهم، فقال إرميا: يا مالك السماوات والأرض، إن كانوا على حق وصواب فأبقهم، وإن كانوا على سخطك وعمل لا ترضاه فأهلكهم، فما خرجت الكلمة من في إرميا حتى أرسل الله صاعقة من السماء في بيت المقدس، فالتهب مكان القربان، وخسف بسبعة أبواب من أبوابها؛ فلما رأى ذلك إرميا صاح وشقّ ثيابه، ونبذ الرماد على رأسه وقال: يا ملك السماوات والأرض بيدك ملكوت كلّ شيء وأنت أرحم الراحمين، أين ميعادك الذي وعدتني، فنودي إرميا: إنهم لم يصبهم الذي أصابهم إلا بفتياك التي أفتيت بها رسولنا، فاستيقن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنها فتياه التي أفتى بها ثلاث مرّات، وأنه رسول ربه، ثم إن إرميا طار حتى خالط الوحش، ودخل بختنصر وجنوده بيت المقدس، فوطئ الشام، وقتل بني إسرائيل حتى أفناهم، وخرّب بيت المقدس، أمر جنوده أن يملأ كلّ رجل منهم ترسه ترابا ثم يقذفه في بيت المقدس، فقذفوا فيه التراب حتى ملأوه، ثم انصرف راجعا إلى أرض بابل، واحتمل معه سبايا بني إسرائيل، وأمرهم أن يجمعوا من كان في بيت المقدس كلهم، فاجتمع عنده كلّ صغير وكبير من بني إسرائيل، فاختار منهم سبعين ألف صبيّ؛ فلما خرجت غنائم جنده، وأراد أن يقسمها فيهم، قالت له الملوك الذين كانوا معه: أيها الملك لك غنائمنا كلها، واقسم بيننا هؤلاء الصبيان الذين اخترتهم من بني إسرائيل، ففعل وأصاب كلّ رجل منهم أربعة أغلمة، وكان من أولئك الغلمان دانيال وحنانيا وعزاريا وميشائيل وسبعة آلاف من أهل بيت داود، وأحد عشر ألفا من سبط يوسف بن يعقوب، وأخيه بنيامين، وثمانية آلاف من سبط أشر بن يعقوب، وأربعة عشر ألفًا من سبط زبالون بن يعقوب ونفثالي بن يعقوب، وأربعة آلاف من سبط يهوذا بن يعقوب، وأربعة آلاف من سبط روبيل ولاوي ابني يعقوب، ومن بقي من بني إسرائيل، وجعلهم بختنصر ثلاث فرق، فثلثا أقَرّ بالشام، وثلثا سبى، وثلثا قتل، وذهب بآنية بيت المقدس حتى أقدمها بابل، وذهب بالصبيان السبعين الألف حتى أقدمهم بابل، فكانت هذه الوقعة الأولى التي أنـزل الله ببني إسرائيل بإحداثهم وظلمهم، فلما ولى بختنصر عنهم راجعا إلى بابل بمن معه من سبايا بني إسرائيل، أقبل أرميا على حمار له معه عصير ثم ذكر قصته حين أماته الله مئة عام، ثم بعثه، ثم خبر رؤيا بختنصر وأمر دانيال، وهلاك بختنصر، ورجوع من بقي من بني إسرائيل في أيدي أصحاب بختنصر بعد هلاكه إلى الشام، وعمارة بيت المقدس، وأمر عُزَير وكيف ردّ الله عليه التوراة.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة عن ابن إسحاق، قال: ثم عمدت بنو إسرائيل بعد ذلك يحدثون الأحداث، يعني بعد مهلك عُزَير، ويعود الله عليهم، ويبعث فيهم الرسل، ففريقا يكذّبون، وفريقا يقتلون، حتى كان آخر من بعث الله فيهم من أنبيائهم زكريا ويحيى بن زكريا وعيسى ابن مريم، وكانوا من بيت آل داود.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثني محمد ابن إسحاق، عن عمر بن عبد الله بن عروة، عن عبد الله بن الزبير أنه قال، وهو يحدّث عن قتل يحيى بن زكريا قال: ما قُتل يحيى بن زكريا إلا بسبب امرأة بغيّ من بغايا بني إسرائيل، كان فيهم ملك ، وكان يحيى بن زكريا تحت يدي ذلك الملك، فهمَّت ابنة ذلك الملك بأبيها، فقالت: لو أني تزوّجت بأبي فاجتمع لي سلطانه دون النساء، فقالت له: يا أبت تزوّجني ودعته إلى نفسها، فقال لها: يا بنية إن يحيى بن زكريا لا يحل لنا هذا، فقالت: من لي بيحيى بن زكريا ضيَّق عليّ، وحال بيني وبين أن أتزوّج بأبي، فأغلب على مُلكه ودنياه دون النساء؛ قال: فأمرت اللعابين ومحلت بذلك لأجل قتل يحيى بن زكريا، فقالت: ادخلوا عليه فالعبوا، حتى إذا فرغتم فإنه سيُحَكمكم ، فقولوا: دم يحيى بن زكريا ولا تقبلوا غيره.
وكان اسم الملك رواد، واسم ابنته البغيّ، وكان الملك فيهم إذا حدّث فكذب، أو وعد فأخلف خلع فاستُبدل به غيرُه؛ فلما ألعبوه وكثر عجبه منهم، قال: سلوني أعطكم، فقالوا له: نسألك دم يحيى بن زكريا أعطنا إياه، قال: ويحكم سلوني غير هذا، فقالوا: لا نسألك شيئا غيره، فخاف على ملكه إن هو أخلفهم أن يُسْتحَلّ بذلك خَلْعه، فبعث إلى يحيى بن زكريا وهو جالس في محرابه يصلي، فذبحوه في طست ثم حزّوا رأسه، فاحتمله رجل في يده والدم يحمل في الطّسْت معه.
قال: فطلع برأسه يحمله حتى وقف به على الملك، ورأسه يقول في يدي الذي يحمله لا يحلّ لك ذلك، فقال رجل من بني إسرائيل: أيها الملك لو أنك وهبت لي هذا الدم؟
فقال: وما تصنع به؟
قال: أطهر منه الأرض، فإنه كان قد ضيقها علينا، فقال: أعطوه هذا الدم، فأخذه فجعله في قلة، ثم عمد به إلى بيت في المذبح، فوضع القلة فيه، ثم أغلق عليه، ففار في القُلَّة حتى خرج منها من تحت الباب من البيت الذي هو فيه؛ فلما رأى الرجل ذلك، فظع به، فأخرجه فجعله في فلاة من الأرض، فجعل يفور، وعظمت فيهم الأحداث، ومنهم من يقول: أقرّ مكانه في القربان ولم يحوّل.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: قال ابن إسحاق: فلما رفع الله عيسى من بين أظهرهم وقتلوا يحيى بن زكريا(وبعض الناس يقول: وقتلوا زكريا)، ابتعث الله عليهم ملكا من ملوك بابل يقال له خردوس، فسار إليه بأهل بابل حتى دخل عليهم الشام، فلما ظهر عليهم أمر رأسا من رءوس جنده يدعى نبور زاذان صاحب القتل، فقال له: إني قد كنت حلفت بإلهي لئن أظهرنا على أهل بيت المقدس لأقتلنهم حتى تسيل دماؤهم في وسط عسكري، إلا أن لا أجد أحدا أقتله، فأمر أن يقتلهم حتى يبلغ ذلك منهم نبور زادان، فدخل بيت المقدس، فقال في البقعة التي كانوا يقربون فيها قربانهم، فوجد فيها دما يغلي، فسألهم فقال: يا بني إسرائيل، ما شأن هذا الدم الذي يغلي، أخبروني خبره ولا تكتموني شيئا من أمره؟
فقالوا: هذا دم قربان كان لنا كنا قرّبناه فلم يُتَقبل منا، فلذلك هو يغلي كما تراه، ولقد قرّبنا منذ ثمان مئة سنة القربان فتقبِّل منا إلا هذا القربان، قال: ما صَدَقْتموني الخبر قالوا له: لو كان كأوّل زماننا لقُبل منا، ولكنه قد انقطع منا المُلك والنبوّة والوحي، فلذلك لم يُتقبل منا، فذبح منهم نبور زادان على ذلك الدم سبع مئة وسبعين روحا من رءوسهم، فلم يهدأ، فأمر بسبع مئة غلام من غلمانهم فذبحوا على الدم فلم يهدأ، فأمر بسبعة آلاف من شيعهم وأزواجهم، فذبحهم على الدم فلم يبرد ولم يهدأ؛ فلما رأى نبور زاذان أن الدم لا يهدأ قال لهم: ويْلكم يا بني إسرائيل أصدقوني واصبروا على أمر ربكم، فقد طال ما ملكتم في الأرض، تفعلون فيها ما شئتم قبل أن لا أترك منكم نافخ نار، لا أنثى ولا ذكرا إلا قتلته، فلما رأوا الجهد وشدّة القتل صدقوه الخبر، فقالوا له: إن هذا دم نبيّ منا كان ينهانا عن أمور كثيرة من سخط الله، فلو أطعناه فيها لكان أرشد لنا، وكان يخبرنا بأمركم فلم نصدّقه، فقتلناه، فهذا دمه، فقال لهم نبور زاذان: ما كان اسمه؟
قالوا: يحيى بن زكريا، قال: الآن صَدَقْتموني، بمثل هذا ينتقم ربكم منكم؛ فلما رأى نبور زاذان أنهم صدقوه خرّ ساجدا وقال لمن حوله: غلقوا الأبواب، أبواب المدينة، وأخرجوا من كان ههنا من جيش خردوس وخلا في بني إسرائيل ثم قال: يا يحيى بن زكريا، قد علم ربي وربك ما قد أصاب قومك من أجلك، وما قُتل منهم من أجلك، فاهدأ بإذن الله قبل أن لا أبقي من قومك أحدا، فهدأ دم يحيى بن زكريا بإذن الله ، ورفع نبور زاذان عنهم القتل وقال: آمنت بما آمنت به بنو إسرائيل، وصدّقت وأيقنت أنه لا ربّ غيره، ولو كان معه آخر لم يصلح، ولو كان له شريك لم تستمسك السماوات والأرض، ولو كان له ولد لم يصلح فتبارك وتقدّس، وتسبح وتكبر وتعظم، ملك الملوك الذي له ملك السماوات السبع والأرض وما فيهن، وما بينهما، وهو على كل شيء قدير، فله الحلم والعلم والعزّة والجبروت، وهو الذي بسط الأرض وألقى فيها رواسي لئلا تزول، فكذلك ينبغي لربي أن يكون ويكون مُلكه.
فأوحى الله إلى رأس من رءوس بقية الأنبياء أن نبور زاذان حَبُور صدوق، والحبور بالعبرانية: حديث الإيمان، وإن نبور زاذان قال لبني إسرائيل: يا بني إسرائيل، إن عدوّ الله خردوس أمرني أن أقتل منكم حتى تسيل دماؤكم وسط عسكره، وإني لست أستطيع أن أعصيه، قالوا له : افعل ما أمرت به.
فأمرهم فحفروا خندقا وأمر بأموالهم من الخيل والبغال والحمير والبقر والغنم والإبل، فذبحها حتى سال الدم في العسكر، وأمر بالقتلى الذين كانوا قبل ذلك، فطُرحوا على ما قُتل من مواشيهم حتى كانوا فوقهم، فلم يظنّ خردوس إلا أن ما كان في الخندق من بني إسرائيل، فلما بلغ الدم عسكره، أرسل إلى نبور زاذان أن ارفع عنهم، فقد بلغتني دماؤهم، وقد انتقمت منهم بما فعلوا، ثم انصرف عنهم إلى أرض بابل، وقد أفنى بني إسرائيل أو كاد، وهي الوقعة الآخرة التي أنـزل الله ببني إسرائيل، يقول الله عزّ ذكره لنبيّه محمد صلى الله عليه وسلم وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا * فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولا * ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا * إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا * وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا وعسى من الله حقّ، فكانت الوقعة الأولى: بختنصَر وجنوده، ثم ردّ الله لكم الكرّة عليهم، وكانت الوقعة الآخرة خردوس وجنوده، وهي كانت أعظم الوقعتين، فيها كان خراب بلادهم، وقتل رجالهم، وسبي ذراريهم ونسائهم، يقول الله تبارك وتعالى ( وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا ) ثم عاد الله عليهم فأكثر عددهم، ونشرهم في بلادهم، ثم بَدّلوا وأحدثوا الأحداث، واستبدلوا بكتابهم غيره، وركبوا المعاصي، واستحلوا المحارم وضيَّعوا الحدود.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن أبي عَتَّاب رجل من تغلب كان نصرانيا عمرا من دهره، ثم أسلم بعد، فقرأ القرآن، وفقه في الدين، وكان فيما ذكر أنه كان نصرانيا أربعين سنة، ثم عُمِّر في الإسلام أربعين سنة، قال: كان آخر أنبياء بني إسرائيل نبيّا بعثه الله إليهم، فقال لهم: يا بني إسرائيل إن الله يقول لكم: إني قد سلبت أصواتكم، وأبغضتكم بكثرة أحداثكم، فهَمُّوا به ليقتلوه، فقال الله تبارك وتعالى له: ائتهم واضرب لى ولهم مثلا فقل لهم: إن الله تبارك وتعالى يقول لكم: اقضوا بيني وبين كرمي، ألم أختر له البلاد، وطيبت له المدرة، وحظرته بالسياج، وعرشته السويق والشوك والسياج والعَوْسَج، وأحطته بردائي، ومنعته من العالم وفضَّلته، فلقيني بالشوك والجذوع، وكل شجرة لا تؤكل ما لهذا اخترت البلدة، ولا طيَّبت المَدَرة، ولا حَظَرته بالسياج، ولا عَرَشْته السويق، ولا حُطْته بردائي، ولا منعته من العالم، فضلتكم وأتممت عليكم نعمتي، ثم استقبلتموني بكلّ ما أكره من معصيتي وخلاف أمري لمه إن الحمار ليعرف مذوده، لمه إن البقرة لتعرف سيدها، وقد حلفت بعزّتي العزيزة، وبذراعي الشديد لآخذنّ ردائي، ولأمرجنّ الحائط، ولأجعلنكم تحت أرجل العالم، قال: فوثبوا على نبيهم فقتلوه، فضرب الله عليهم الذّل، ونـزع منهم الملك، فليسوا في أمة من الأمم إلا وعليهم ذلّ وصغار وجزية يؤدّونها، والملك في غيرهم من الناس، فإن يزالوا كذلك أبدا، ما كانوا على ما هم عليه.
قال: قال: فهذا ما انتهى إلينا من جماع أحاديث بني إسرائيل.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله ( فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا ) قال : كانت الآخرة أشدّ من الأولى بكثير، قال: لأن الأولى كانت هزيمة فقط، والآخرة كان التدمير، وأحرق بختنصر التوراة حتى لم يبق منها حرف واحد، وخرب المسجد.
حدثنا أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: بعث عيسى ابن مريم يحيى بن زكريا، في اثني عشر من الحواريين يعلِّمون الناس، قال: فكان فيما نهاهم عنه، نكاح ابنة الأخ، قال: وكانت لملكهم ابنة أخ تعجبه يريد أن يتزوّجها، وكانت لها كل يوم حاجة يقضيها؛ فلما بلغ ذلك أمها قالت لها: إذا دخلت على الملك فسألك حاجتك، فقولي: حاجتي أن تذبح لي يحيى بن زكريا؛ فلما دخلت عليه سألها حاجتها، فقالت: حاجتي أن تذبح يحيى بن زكريا، فقال: سلي غير هذا!
فقالت: ما أسألك إلا هذا، قال: فلما أبت عليه دعا يحيى ودعا بطست فذبحه، فبدرت قطرة من دمه على الأرض، فلم تزل تغلي حتى بعث الله بختنصر عليهم، فجاءته عجوز من بني إسرائيل، فدلَّته على ذلك الدم، قال: فألقى الله في نفسه أن يقتل على ذلك الدم منهم حتى يسكن، فقتل سبعين ألفا منهم من سنّ واحد فسكن.
وقوله ( وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ ) يقول: وليدخل عدوّكم الذي أبعثه عليكم مسجد بيت المقدس قهرا منهم لكم وغلبة، كما دخلوه أوّل مرَّةٍ حين أفسدتم الفساد الأوّل في الأرض.
وأما قوله ( وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا ) فإنه يقول: وليدمِّروا ما غلبوا عليه من بلادكم تدميرا، يقال منه: دمَّرت البلد: إذا خرّبته وأهلكت أهله، وتَبَر تَبْرا وتَبارا، وتَبَّرته أتبرُه تتبيرًا، ومنه قول الله تعالى ذكره وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلا تَبَارًا يعني: هلاكا.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس ( وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا ) قال: تدميرا.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ( وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا ) قال : يدمروا ما علوا تدميرا.
------------------------ الهوامش : (17) كذا في الأصل .
واللفظة محرفة .
وفي الكتاب المقدس : سفر دانيال ، الإصحاح الخامس : "حينئذ أمر بلشاصر أن يلبسوا دانيال الأرجوان وقلادة من ذهب في عنقه ".
قوله تعالى : إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيراإن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم أي نفع إحسانكم عائد عليكم .وإن أسأتم فلها أي فعليها ; نحو سلام لك ، أي سلام عليك .
قال :فخر صريعا لليدين وللفمأي على اليدين وعلى الفم .
وقال الطبري : اللام بمعنى إلى ، يعني وإن أسأتم فإليها ، أي فإليها ترجع الإساءة ; لقوله - تعالى - : بأن ربك أوحى لها أي إليها .
وقيل : فلها الجزاء والعقاب .
وقال الحسين بن الفضل : فلها رب يغفر الإساءة .
ثم يحتمل أن يكون هذا خطابا لبني إسرائيل في أول الأمر ; أي أسأتم فحل بكم القتل والسبي والتخريب ثم أحسنتم فعاد إليكم الملك والعلو وانتظام الحال .
ويحتمل أنه خوطب بهذا بنو إسرائيل في زمن محمد - صلى الله عليه وسلم - ; أي عرفتم استحقاق أسلافكم للعقوبة على العصيان فارتقبوا مثله .
أو يكون خطابا لمشركي قريش على هذا الوجه .فإذا جاء وعد الآخرة من إفسادكم ; وذلك أنهم قتلوا في المرة الثانية يحيى بن زكريا - عليهما السلام - ، قتله ملك من بني إسرائيل يقال له لاخت ; قاله القتيبي .
وقال الطبري : اسمه هردوس ، ذكره في التاريخ ; حمله على قتله امرأة اسمها أزبيل .
وقال السدي : كان ملك بني إسرائيل يكرم يحيى بن زكريا ويستشيره في الأمر ، فاستشاره الملك أن يتزوج بنت أمرأة له فنهاه عنها وقال : إنها لا تحل لك ; فحقدت أمها على يحيى - عليه السلام - ، ثم ألبست ابنتها ثيابا حمرا رقاقا وطيبتها وأرسلتها إلى الملك وهو على شرابه ، وأمرتها أن تتعرض له ، وإن أرادها أبت حتى يعطيها ما تسأله ; فإذا أجاب سألت أن يؤتى برأس يحيى بن زكريا في طست من ذهب ; ففعلت ذلك حتى أتي برأس يحيى بن زكريا والرأس تتكلم حتى وضع بين يديه وهو يقول : لا تحل لك ; لا تحل لك ; فلما أصبح إذا دمه يغلي ، فألقى عليه التراب فغلى فوقه ، فلم يزل يلقي عليه التراب حتى بلغ سور المدينة وهو في ذلك يغلي ; ذكره الثعلبي وغيره .
وذكر ابن عساكر الحافظ في تاريخه عن الحسين بن علي قال : كان [ ص: 198 ] ملك من هذه الملوك مات وترك امرأته وابنته فورث ملكه أخوه ، فأراد أن يتزوج امرأة أخيه ، فاستشار يحيى بن زكريا في ذلك ، وكانت الملوك في ذلك الزمان يعملون بأمر الأنبياء ، فقال له : لا تتزوجها فإنها بغي ; فعرفت ذلك المرأة أنه قد ذكرها وصرفه عنها ، فقالت : من أين هذا !
حتى بلغها أنه من قبل يحيى ، فقالت : ليقتلن يحيى أو ليخرجن من ملكه ، فعمدت إلى ابنتها وصنعتها ، ثم قالت : اذهبي إلى عمك عند الملأ فإنه إذا رآك سيدعوك ويجلسك في حجره ، ويقول سليني ما شئت ، فإنك لن تسأليني شيئا إلا أعطيتك ، فإذا قال لك ذلك فقولي : لا أسأل إلا رأس يحيى .
قال : وكانت الملوك إذا تكلم أحدهم بشيء على رءوس الملأ ثم لم يمض له نزع من ملكه ; ففعلت ذلك .
قال : فجعل يأتيه الموت من قتله يحيى ، وجعل يأتيه الموت من خروجه من ملكه ، فاختار ملكه فقتله .
قال : فساخت بأمها الأرض .
قال ابن جدعان : فحدثت بهذا الحديث ابن المسيب فقال أفما أخبرك كيف كان قتل زكريا ؟
قلت لا ; قال : إن زكريا حيث قتل ابنه انطلق هاربا منهم واتبعوه حتى أتى على شجرة ذات ساق فدعته إليها فانطوت عليه وبقيت من ثوبه هدبة تكفتها الرياح ، فانطلقوا إلى الشجرة فلم يجدوا أثره بعدها ، ونظروا بتلك الهدبة فدعوا بالمنشار فقطعوا الشجرة فقطعوه معها .قلت : وقع في التاريخ الكبير للطبري فحدثني أبو السائب قال حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن المنهال عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : ( بعث عيسى ابن مريم يحيى بن زكريا في اثني عشر من الحواريين يعلمون الناس ، قال : كان فيما نهوهم عنه نكاح ابنة الأخ ، قال : وكان لملكهم ابنة أخ تعجبه .
.
.
) وذكر الخبر بمعناه .
وعن ابن عباس قال : ( بعث يحيى بن زكريا في اثني عشر من الحواريين يعلمون الناس ، وكان فيما يعلمونهم ينهونهم عن نكاح بنت الأخت ، وكان لملكهم بنت أخت تعجبه ، وكان يريد أن يتزوجها ، وكان لها كل يوم حاجة يقضيها ، فلما بلغ ذلك أمها أنهم نهوا عن نكاح بنت الأخت قالت لها : إذا دخلت على الملك فقال ألك حاجة فقولي : حاجتي أن تذبح يحيى بن زكريا ; فقال : سليني سوى هذا !
قالت : ما أسألك إلا هذا .
فلما أبت عليه دعا بطست ودعا به فذبحه ، فندرت قطرة من دمه على وجه الأرض فلم تزل تغلي حتى بعث الله عليهم بختنصر فألقى في نفسه أن يقتل على ذلك الدم منهم حتى يسكن ذلك الدم ، فقتل عليه منهم سبعين ألفا ، في رواية خمسة وسبعين ألفا .
قال سعيد بن المسيب : هي دية كل نبي .
وعن ابن عباس قال : ( أوحى الله إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - إني قتلت بيحيى بن زكريا سبعين ألفا ، وإني قاتل بابن ابنتك سبعين ألفا وسبعين ألفا ) .
وعن [ ص: 199 ] سمير بن عطية قال : قتل على الصخرة التي في بيت المقدس سبعون نبيا منهم يحيى بن زكريا .
وعن زيد بن واقد قال : رأيت رأس يحيى - عليه السلام - حيث أرادوا بناء مسجد دمشق أخرج من تحت ركن من أركان القبة التي تلي المحراب مما يلي الشرق ، فكانت البشرة والشعر على حاله لم يتغير .
وعن قرة بن خالد قال : ما بكت السماء على أحد إلا على يحيى بن زكريا والحسين بن علي ; وحمرتها بكاؤها .
وعن سفيان بن عيينة قال : أوحش ما يكون ابن آدم في ثلاثة مواطن : يوم ولد فيخرج إلى دار هم ، وليلة يبيت مع الموتى فيجاور جيرانا لم ير مثلهم ، ويوم يبعث فيشهد مشهدا لم ير مثله ; قال الله - تعالى - ليحيى في هذه الثلاثة مواطن : وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا .
كله من التاريخ المذكور .واختلف فيمن كان المبعوث عليهم في المرة الآخرة ; فقيل : بختنصر .
وقاله القشيري أبو نصر ، لم يذكر غيره .
قال السهيلي : وهذا لا يصح ; لأن قتل يحيى كان بعد رفع عيسى ، وبختنصر كان قبل عيسى ابن مريم - عليهما السلام - بزمان طويل ، وقبل الإسكندر ; وبين الإسكندر وعيسى نحو من ثلاثمائة سنة ، ولكنه أريد بالمرة الأخرى حين قتلوا شعيا ، فقد كان بختنصر إذ ذاك حيا ، فهو الذي قتلهم وخرب بيت المقدس وأتبعهم إلى مصر .
وأخرجهم منها .
وقال الثعلبي : ومن روى أن بختنصر هو الذي غزا بني إسرائيل عند قتلهم يحيى بن زكريا فغلط عند أهل السير والأخبار ; لأنهم مجمعون على أن بختنصر إنما غزا بني إسرائيل عند قتلهم شعيا وفي عهد إرمياء .
قالوا : ومن عهد إرمياء وتخريب بختنصر بيت المقدس إلى مولد يحيى بن زكريا - عليهما السلام - أربعمائة سنة وإحدى وستون سنة ، وذلك أنهم يعدون من عهد تخريب بيت المقدس إلى عمارته في عهد كوسك سبعين سنة ، ثم من بعد عمارته إلى ظهور الإسكندر على بيت المقدس ثمانية وثمانين سنة ، ثم من بعد مملكة الإسكندر إلى مولد يحيى ثلاثمائة وثلاثا وستين سنة .قلت : ذكر جميعه الطبري في التاريخ - رحمه الله - .
قال الثعلبي : والصحيح من ذلك ما ذكره محمد بن إسحاق قال : لما رفع الله عيسى من بين أظهرهم وقتلوا يحيى - وبعض الناس يقول : لما قتلوا زكريا - بعث الله إليهم ملكا من ملوك بابل يقال له : خردوس ، فسار إليهم بأهل بابل وظهر عليهم بالشأم ، ثم قال لرئيس جنوده : كنت حلفت بإلهي لئن أظهرني الله على بيت المقدس لأقتلنهم حتى تسيل دماؤهم في وسط عسكري ، وأمر أن يقتلهم حتى يبلغ ذلك منهم ، فدخل الرئيس بيت المقدس فوجد فيها دماء تغلي ، فسألهم فقالوا : دم قربان قربناه فلم يتقبل منا منذ ثمانين سنة .
قال ما صدقتموني ، فذبح على ذلك الدم سبعمائة وسبعين رجلا من [ ص: 200 ] رؤسائهم فلم يهدأ ، فأتى بسبعمائة غلام من غلمانهم فذبحوا على الدم فلم يهدأ ، فأمر بسبعة آلاف من سبيهم وأزواجهم فذبحهم على الدم فلم يبرد ، فقال : يا بني إسرائيل ، اصدقوني قبل ألا أترك منكم نافخ نار من أنثى ولا من ذكر إلا قتلته .
فلما رأوا الجهد قالوا : إن هذا دم نبي منا كان ينهانا عن أمور كثيرة من سخط الله فقتلناه ، فهذا دمه ، كان اسمه يحيى بن زكريا ، ما عصى الله قط طرفة عين ولا هم بمعصية .
فقال : الآن صدقتموني ، وخر ساجدا ثم قال : لمثل هذا ينتقم منكم ، وأمر بغلق الأبواب وقال : أخرجوا من كان هاهنا من جيش خردوس ، وخلا في بني إسرائيل وقال : يا نبي الله يا يحيى بن زكريا قد علم ربي وربك ما قد أصاب قومك من أجلك ، فاهدأ بإذن الله قبل ألا أبقي منهم أحدا .
فهدأ دم يحيى بن زكريا بإذن الله - عز وجل - ، ورفع عنهم القتل وقال : رب إني آمنت بما آمن به بنو إسرائيل وصدقت به ; فأوحى الله - تعالى - إلى رأس من رءوس الأنبياء : إن هذا الرئيس مؤمن صدوق .
ثم قال : إن عدو الله خردوس أمرني أن أقتل منكم حتى تسيل دماؤكم وسط عسكره ، وإني لا أعصيه ، فأمرهم فحفروا خندقا وأمر بأموالهم من الإبل والخيل والبغال والحمير والبقر والغنم فذبحوها حتى سال الدم إلى العسكر ، وأمر بالقتلى الذين كانوا قتلوا قبل ذلك فطرحوا على ما قتل من مواشيهم ، ثم انصرف عنهم إلى بابل ، وقد كاد أن يفني بني إسرائيل .قلت : قد ورد في هذا الباب حديث مرفوع فيه طول من حديث حذيفة ، وقد كتبناه في كتاب التذكرة مقطعا في أبواب في أخبار المهدي ، نذكر منها هنا ما يبين معنى الآية ويفسرها حتى لا يحتاج معه إلى بيان ، قال حذيفة : قلت يا رسول الله ، لقد كان بيت المقدس عند الله عظيما جسيم الخطر عظيم القدر .
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : هو من أجل البيوت ابتناه الله لسليمان بن داود - عليهما السلام - من ذهب وفضة ودر وياقوت وزمرد : وذلك أن سليمان بن داود لما بناه سخر الله له الجن فأتوه بالذهب والفضة من المعادن ، وأتوه بالجواهر والياقوت والزمرد ، وسخر الله - تعالى - له الجن حتى بنوه من هذه الأصناف .
قال حذيفة : فقلت يا رسول الله ، وكيف أخذت هذه الأشياء من بيت المقدس .
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن بني إسرائيل لما عصوا الله وقتلوا الأنبياء سلط الله عليهم بختنصر وهو من المجوس وكان ملكه سبعمائة سنة ، وهو قوله : فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا فدخلوا بيت المقدس وقتلوا الرجال وسبوا النساء والأطفال وأخذوا الأموال وجميع ما كان في بيت المقدس من هذه الأصناف فاحتملوها على [ ص: 201 ] سبعين ألفا ومائة ألف عجلة حتى أودعوها أرض بابل ، فأقاموا يستخدمون بني إسرائيل ويستملكونهم بالخزي والعقاب والنكال مائة عام ، ثم إن الله - عز وجل - رحمهم فأوحى إلى ملك من ملوك فارس أن يسير إلى المجوس في أرض بابل ، وأن يستنقذ من في أيديهم من بني إسرائيل ; فسار إليهم ذلك الملك حتى دخل أرض بابل فاستنقذ من بقي من بني إسرائيل من أيدي المجوس واستنقذ ذلك الحلي الذي كان في بيت المقدس ورده الله إليه كما كان أول مرة وقال لهم : يا بني إسرائيل إن عدتم إلى المعاصي عدنا عليكم بالسبي والقتل ، وهو قوله : عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا فلما رجعت بنو إسرائيل إلى بيت المقدس عادوا إلى المعاصي فسلط الله عليهم ملك الروم قيصر ، وهو قوله : فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا فغزاهم في البر والبحر فسباهم وقتلهم وأخذ أموالهم ونساءهم ، وأخذ حلي جميع بيت المقدس واحتمله على سبعين ألفا ومائة ألف عجلة حتى أودعه في كنيسة الذهب ، فهو فيها الآن حتى يأخذه المهدي فيرده إلى بيت المقدس ، وهو ألف سفينة وسبعمائة سفينة يرسى بها على يافا حتى تنقل إلى بيت المقدس وبها يجمع الله الأولين والآخرين .
.
.
وذكر الحديث .قوله تعالى : فإذا جاء وعد الآخرة أي من المرتين ; وجواب " إذا " محذوف ، تقديره بعثناهم ; دل عليه بعثنا الأول .ليسوءوا وجوهكم أي بالسبي والقتل فيظهر أثر الحزن في وجوهكم ; ف ليسوءوا متعلق بمحذوف ; أي بعثنا عبادا ليفعلوا بكم ما يسوء وجوهكم .
قيل : المراد بالوجوه السادة ; أي ليذلوهم .
وقرأ الكسائي لنسوء بنون وفتح الهمزة ، فعل مخبر عن نفسه معظم ، اعتبارا بقوله وقضينا - وبعثنا - ورددنا .
ونحوه عن علي .
وتصديقها قراءة أبي ( لنسوءن ) بالنون وحرف التوكيد .
وقرأ أبو بكر والأعمش وابن وثاب وحمزة وابن عامر ( ليسوء ) بالياء على التوحيد وفتح الهمزة ; ولها وجهان : أحدهما : ليسوء الله وجوهكم .
والثاني : ليسوء الوعد وجوهكم .
وقرأ الباقون ليسوءوا بالياء وضم الهمزة على الجمع ; أي ليسوء العباد الذين هم أولو بأس شديد وجوهكم .وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا أي ليدمروا ويهلكوا .
وقال قطرب : يهدموا ; قال الشاعر :فما الناس إلا عاملان فعامل يتبر ما يبني وآخر رافعما علوا أي غلبوا عليه من بلادكم تتبيرا .
{ إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ } لأن النفع عائد إليكم حتى في الدنيا كما شاهدتم من انتصاركم على أعدائكم.
{ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا } أي: فلأنفسكم يعود الضرر كما أراكم الله من تسليط الأعداء.
{ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ } أي: المرة الآخرة التي تفسدون فيها في الأرض سلطنا عليكم الأعداء.
{ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ } بانتصارهم عليكم وسبيكم وليدخلوا المسجد الحرام كما دخلوه أول مرة، والمراد بالمسجد مسجد بيت المقدس.
{ وَلِيُتَبِّرُوا } أي: يخربوا ويدمروا { مَا عَلَوْا } عليه { تَتْبِيرًا } فيخربوا بيوتكم ومساجدكم وحروثكم.
( إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم ( أي : لها ثوابها ، ( وإن أسأتم فلها ( أي : فعليها كقوله تعالى : " فسلام لك " ( الواقعة - 91 ) أي : عليك وقيل : فلها الجزاء والعقاب .
( فإذا جاء وعد الآخرة ( أي : المرة الأخيرة من إفسادكم ، وذلك قصدهم قتل عيسى عليه السلام حين رفع ، وقتلهم يحيى بن زكريا عليهما السلام ، فسلط الله عليهم الفرس والروم خردوش وطيطوس حتى قتلوهم وسبوهم ونفوهم عن ديارهم ، فذلك قوله تعالى ( ليسوءوا وجوهكم ( أي : تحزن وجوهكم وسوء الوجه بإدخال الغم والحزن .
قرأ الكسائي [ ويعقوب ] .
" لنسوء " بالنون وفتح الهمزة على التعظيم كقوله : " وقضينا " و " بعثنا " وقرأ ابن عامر وحمزة وأبو بكر بالياء [ وفتح ] الهمزة [ على التوحيد ] أي : ليسوء الله وجوهكم وقيل : ليسوء الوعد وجوهكم .
وقرأ الباقون بالياء وضم الهمزة على الجمع أي ليسوء العباد أولوا البأس الشديد وجوهكم .
( وليدخلوا المسجد ( يعني : بيت المقدس ونواحيه ( كما دخلوه أول مرة وليتبروا ( وليهلكوا ( ما علوا ( أي : ما غلبوا عليه من بلادكم ( تتبيرا (
وقلنا «إن أحسنتم» بالطاعة «أحسنتم لأنفسكم» لأن ثوابه لها «وإن أسأتم» بالفساد «فلها» إساءتكم «فإذا جاء وعد» المرة «الآخرة» بعثناهم «ليسوءوا وجوهكم» يحزنوكم بالقتل والسبي حزنا يظهر في وجوهكم «وليدخلوا المسجد» بيت المقدس فيخربوه «كما دخلوه» وخربوه «أول مرة وليتبروا» يهلكوا «ما علوْا» غلبوا عليه «تتبيرا» هلاكا وقد أفسدوا ثانيا بقتل يحيى فبعث عليهم بختنصر فقتل منهم ألوفا وسبى ذريتهم وخرب بيت المقدس.
إن أحسنتم أفعالكم وأقوالكم فقد أحسنتم لأنفسكم؛ لأن ثواب ذلك عائد إليكم، وإن أسأتم فعقاب ذلك عائد عليكم، فإذا حان موعد الإفساد الثاني سَلَّطْنا عليكم أعداءكم مرة أخرى؛ ليذلوكم ويغلبوكم، فتظهر آثار الإهانة والمذلة على وجوهكم، وليدخلوا عليكم "بيت المقدس" فيخرِّبوه، كما خرَّبوه أول مرة، وليدمروا كل ما وقع تحت أيديهم تدميرًا كاملا.
ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك سنة من سننه التى لا تتخلف ، وهى أن الإِحسان عاقبته الفلاح ، والعصيان عاقبته الخسران ، وأن كل إنسان مسئول عن عمله ، ونتائج هذا العمل - سواء أكانت خيرا أم شرا - لا تعود إلا عليه ، فقال - تعالى - : ( إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ) .أى : إن أحسنتم - أيها الناس - أعمالكم ، بأن أديتموها بالطريقة التى ترضى الله - تعالى - أفلحتم وسعدتم ، وجنيتم الثمار الطيبة التى تترتب على هذا الإِحسان للعمل ، وإن أسأتم أعمالكم ، بأن آثرتم الأعمال السيئة على الأعمال الحسنة ، خسرتم وشقيتم وتحملتم وحدكم النتائج الوخيمة التى تترتب على إتيان الأعمال التى لا ترضى الله - تعالى - .وقد رأيتم كيف أن الإِفساد كانت عاقبته أن ( بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الديار ) .وكيف أن الإِحسان كانت عاقبته أن ( رَدَدْنَا لَكُمُ الكرة ) على أعدائكم ( وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً ) .قال صاحب البحر ما ملخصه : وجواب ( وإن أسأتم ) قوله ( فلها ) وهو خبر لمبتدأ محذوف أى : فالإِساءة لها .
قال الكرمانى : قال - سبحانه - : ( فلها ) باللام ازدواجا .أى : أنه قابل ( لأنفسكم ) بقوله ( فلها ) .
وقال الطبرى اللام بمعنى إلى أى : فإليها ترجع الإِساءة .وقيل : اللام بمعنى على .
أى : فعليها ، كما فى قول الشاعر : فخر صريعا لليدين وللفم .ثم بين - سبحانه - ما يحل بهم من دمار ، بعد إفسادهم للمرة الثانية ، فقال - تعالى - : ( فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ الآخرة لِيَسُوءُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ المسجد كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيراً ) .والكلام أيضا هنا على حذف مضاف ، وجواب إذا محذوف دل عليه ما تقدم وهو قوله ( بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ ) فإذا جاء وقت عقوبتكم يا بنى إسرائيل على إفسادكم الثانى فى الأرض ، بعثنا عليكم أعداءكم ليسوءوا وجوهكم أى : ليجعلوا آثار المساءة والحزن بادية على وجوهكم ، من شدة ما تلقونه منهم من إيداء وقتل .قال الجمل ما ملخصه : وقوله ( ليسوءوا ) الواو للعباد أولى البأس الشديد .وفى عود الواو على العباد نوع استخدام ، إذ المراد بهم أولا جالوت وجنوده ، والمراد بهم هنا بختنصر وجنوده .وقرأ ابن عامر وحمزة بالياء المفتوحة والهمزة المفتوحة آخر الفعل ( ليسوء ) والفاعل إما الله - تعالى - وإما الوعد ، وإما البعث .وقرأ الكسائى لنسوء - بنون العظمة .
أى : لنسوء نحن وهو موافق لما قبله ، من قوله : بعثنا ، ورددنا ، وأمددنا ، ولما بعده من قوله : عدنا ، وجعلنا ، وقرأ الباقون .
ليسوءوا ، مسندا إلى ضمير الجمع العائد على العباد ، وهو موافق لما بعده من قوله : ( وليدخلوا المسجد ) ( وليتبروا ) .وقال الإِمام الرازى : ويقال ساءه يسوءه إذا أحزنه ، وإنما عزا - سبحانه - الإِساءة إلى الوجوه ، لأن آثار الأعراض النفسية الحاصلة فى القلب إنما تظهر على الوجه ، فإن حصل الفرح فى القلب ظهر الإِشراق فى الوجه ، وإن حصل الحزن والخوف فى القلب ، ظهر الكلوح فى الوجه .وقوله - سبحانه - : ( وَلِيَدْخُلُواْ المسجد كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ ) معطوف على ما قبله وهو قوله - سبحانه - ( ليسوءوا وجوهكم ) .والمراد بالمسجد : المسجد الأقصى الذى ببيت المقدس ، وقوله ( كما دخلوه ) صفة لمصدر محذوف .والمعنى : وليدخلوا المسجد دخولا كائنا كدخولهم إياه أول مرة .قال أبو حيان : ومعنى ( كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ ) أى بالسيف والقهر والغلبة والإِذلال .أى : أن المراد من التشبيه ، بيان أن الأعداء فى كل مرة أذلوا بنى إسرائيل وقتلوهم وقهروهم .وقوله - تعالى - : ( وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيراً ) يشعر بشدة العقوبة التى أنزلها أولئك العباد ببنى إسرائيل ، إذ التتبير معناه الإِهلاك والتدمير والتخريب لكل ما تقع عليه .
ومنه قول الشاعر :وما الناس إلا عاملان فعامل ...
يتبر ما يبنى وآخر رافعأى : يخرب ويهد ما يبنى .و " ما " فى قوله ( ما علوا ) اسم موصول مفعول يتبروا : وهو عبارة عن البلاد والأماكن التى هدموها ، والعائد محذوف ، وتتبيرا مفعول مطلق مؤكد لعامله .أى : وليدمرا ويخربوا البلاد والأماكن التى علوا عليها ، وصارت فى حوزتهم ، تدميرا تاما لا مزيد عليه .وبذلك نرى أن العباد الذين سلطهم الله - تعالى - على بنى إسرائيل ، عقب إفسادهم الثانى فى الأرض ، لم يكتفوا بجوس الديار ، بل أضافوا إلى ذلك إلقاء الحزن والرعب فى قلوبهم ، ودخول المسجد الأقصى فاتحين ومخربين ، وتدمير كل ما وقعت عليه أيديهم تدميرا فظيعا لا يوصف .ثم ختم - سبحانه - الآيات الكريمة ببيان أن هذا الدمار الذى حل ببنى إسرائيل بسبب إفسادهم فى الأرض مرتين ، قد يكون طريقا لرحمتهم ، وسببا فى توبتهم وإنابتهم ، إن فتحوا قلوبهم للحق ، واعتبروا بالأحداث الماضية ، وفهموا عن الله - تعالى - سنته التى لا تتخلف ، وهى أن الإِحسان يؤدى إلى الفلاح والظفر ، والإِفساد يؤدى إلى الخسران والهلاك .
وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى حكى عنهم أنهم لما عصوا سلط عليهم أقواماً قصدوهم بالقتل والنهب والسبي، ولما تابوا أزال عنهم تلك المحنة وأعاد عليهم الدولة، فعند ذلك ظهر أنهم إن أطاعوا فقد أحسنوا إلى أنفسهم، وإن أصروا على المعصية فقد أساؤا إلى أنفسهم، وقد تقرر في العقول أن الإحسان إلى النفس حسن مطلوب، وأن الإساءة إليها قبيحة، فلهذا المعنى قال تعالى: ﴿ إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ﴾ .
المسألة الثانية: قال الواحدي: لابد هاهنا من إضمار، والتقدير: وقلنا إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم، والمعنى: إن أحسنتم بفعل الطاعات فقد أحسنتم إلى أنفسكم من حيث إن ببركة تلك الطاعات يفتح الله عليكم أبواب الخيرات والبركات، وإن أسأتم بفعل المحرمات أسأتم إلى أنفسكم من حيث إن بشؤم تلك المعاصي يفتح الله عليكم أبواب العقوبات.
المسألة الثالثة: قال النحويون: إنما قال: ﴿ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ﴾ للتقابل والمعنى: فإليها أو فعليها مع أن حروف الإضافة يقوم بعضها مقام بعض، كقوله تعالى: ﴿ يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا ﴾ أي إليها.
المسألة الرابعة: قال أهل الإشارات هذه الآية تدل على أن رحمة الله تعالى غالبة على غضبه بدليل أنه لما حكى عنهم الإحسان أعاده مرتين فقال: ﴿ إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ ﴾ ولما حكى عنهم الإساءة اقتصر على ذكرها مرة واحدة فقال: ﴿ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ﴾ ولولا أن جانب الرحمة غالب وإلا لما كان كذلك.
ثم قال تعالى: ﴿ فَإِذَا جَاء وَعْدُ الأخرة ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال المفسرون: معناه وعد المرة الأخيرة، وهذه المرة الأخيرة هي إقدامهم على قتل زكريا ويحيى عليهما الصلاة والسلام.
قال الواحدي: فبعث الله تعالى عليهم بختنصر البابلي المجوسي أبغض خلقه إليه فسبى بني إسرائيل وقتل وخرب بيت المقدس أقول: التواريخ تشهد بأن بختنصر كان قبل وقت عيسى عليه الصلاة والسلام ويحيى وزكريا عليهما الصلاة والسلام بسنين متطاولة، ومعلوم أن الملك الذي انتقم من اليهود بسبب هؤلاء ملك من الروم يقال له: قسطنطين الملك- والله أعلم بأحوالهم- ولا يتعلق غرض من أغراض تفسير القرآن بمعرفة أعيان هؤلاء الأقوام.
المسألة الثانية: جواب قوله: ﴿ فَإِذَا جَاء ﴾ محذوف تقديره: فإذا جاء وعد الآخرة بعثناهم ليسوؤا وجوهكم وإنما حسن هذا الحذف لدلالة ما تقدم عليه من قوله: ﴿ بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا ﴾ ثم قال: ﴿ ليسوؤا وُجُوهَكُمْ ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: يقال: ساءه يسوءه أي أحزنه، وإنما عزا الإساءة إلى الوجوه، لأن آثار الأعراض النفسانية الحاصلة في القلب إنما تظهر على الوجه، فإن حصل الفرح في القلب ظهرت النضرة والإشراق والإسفار في الوجه.
وإن حصل الحزن والخوف في القلب ظهر الكلوح والغبرة والسواد في الوجه، فلهذا السبب عزيت الإساءة إلى الوجوه في هذه الآية، ونظير هذا المعنى كثير في القرآن.
المسألة الثانية: قرأ العامة: ليسوؤا على صيغة المغايبة، قال الواحدي: وهي موافقة للمعنى وللفظ.
أما المعنى فهو أن المبعوثين هم الذين يسوؤنهم في الحقيقة، لأنهم هم الذين يقتلون ويأسرون وأما اللفظ فلأنه يوافق قوله: ﴿ وَلِيَدْخُلُواْ المسجد ﴾ وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم وحمزة: ﴿ ليسوء ﴾ على إسناد الفعل إلى الواحد، وذلك الواحد يحتمل أن يكون أحد أشياء ثلاثة: إما اسم الله سبحانه لأن الذي تقدم هو قوله: ﴿ ثم رددنا...
وأمددناكم ﴾ ، وكل ذلك ضمير عائد إلى الله تعالى، وإما أن يكون ذلك الواحد هو البعث ودل عليه قوله: ﴿ بَعَثْنَا ﴾ والفعل المتقدم يدل على المصدر كقوله تعالى: ﴿ وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذين يَبْخَلُونَ بِمَا ءاتاهم الله مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَّهُمْ ﴾ وقال الزجاج: ليسوء الوعد وجوهكم، وقرأ الكسائي بالنون وهذا على إسناد الفعل إلى الله تعالى كقوله: ﴿ بعثنا عليكم ﴾ ﴿ أمددناكم ﴾ .
ثم قال تعالى: ﴿ وَلِيُتَبّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيرًا ﴾ يقال: تبر الشيء تبراً إذا هلك وتبره أهلكه.
قال الزجاج: كل شيء جعلته مكسراً ومفتتاً فقد تبرته، ومنه قيل: تبر الزجاج وتبر الذهب لمكسره، ومنه قوله تعالى: ﴿ إِنَّ هَؤُلاء مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وباطل مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ وقوله: ﴿ وَلاَ تَزِدِ الظالمين إلا تباراً ﴾ وقوله: ﴿ مَا عَلَوْاْ ﴾ يحتمل ما غلبوا عليه وظفروا به، ويحتمل ويتبروا ما داموا غالبين، أي ما دام سلطانهم جارياً على بني إسرائيل، وقوله: ﴿ تَتْبِيرًا ﴾ ذكر للمصدر على معنى تحقيق الخبر وإزالة الشك في صدقه كقوله: ﴿ وَكَلَّمَ الله موسى تَكْلِيماً ﴾ أي حقاً، والمعنى: وليدمروا ويخربوا ما غلبوا عليه.
ثم قال تعالى: ﴿ عسى رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ ﴾ والمعنى: لعل ربكم أن يرحمكم ويعفو عنكم بعد انتقامه منكم يا بني إسرائيل.
ثم قال: ﴿ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا ﴾ يعني: أن بعثنا عليكم من بعثنا، ففعلوا بكم ما فعلوا عقوبة لكم وعظة لتنتفعوا به وتنزجروا به عن ارتكاب المعاصي، ثم رحمكم فأزال هذا العذاب عنكم، فإن عدتم مرة أخرى إلى المعصية عدنا إلى صب البلاء عليكم في الدنيا مرة أخرى.
قال القفال: إنما حملنا هذه الآية على عذاب الدنيا لقوله تعالى في سورة الأعراف خبراً عن بني إسرائيل: ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إلى يَوْمِ القيامة مَن يَسُومُهُمْ سُوء العذاب ﴾ ثم قال: ﴿ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا ﴾ أي وإنهم قد عادوا إلى فعل ما لا ينبغي وهو التكذيب لمحمد صلى الله عليه وسلم وكتمان ما ورد في التوراة والإنجيل، فعاد الله عليهم بالتعذيب على أيدي العرب.
فجرى على بني النضير وقريظة وبني قينقاع ويهود خيبر ما جرى من القتل والجلاء، ثم الباقون منهم مقهورون بالجزية لا ملك لهم ولا سلطان.
ثم قال تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ للكافرين حَصِيرًا ﴾ والحصير فعيل فيحتمل أن يكون بمعنى الفاعل، أي وجعلنا جهنم حاصرة لهم، ويحتمل أن يكون بمعنى مفعول، أي جعلناها موضعاً محصوراً لهم، والمعنى أن عذاب الدنيا وإن كان شديداً قوياً إلا أنه قد يتفلت بعض الناس عنه، والذي يقع في ذلك العذاب يتخلص عنه، إما بالموت وإما بطريق آخر، وأما عذاب الآخرة فإنه يكون حاصراً للإنسان محيطاً به لا رجاء في الخلاص عنه، فهؤلاء الأقوام لهم من عذاب الدنيا ما وصفناه ويكون لهم بعد ذلك من عذاب الآخرة ما يكون محيطاً بهم من جميع الجهات ولا يتخلصون منه أبداً.
<div class="verse-tafsir"
أي الإحسان والإساءة: كلاهما مختص بأنفسكم، لا يتعدى النفع والضرر إلى غيركم.
وعن عليّ رضي الله عنه: ما أحسنت إلى أحد ولا أسأت إليه، وتلاها ﴿ فَإِذَا جَآء وَعْدُ ﴾ المرّة ﴿ الأخرة ﴾ بعثناهم ﴿ ليسائوا وُجُوهَكُمْ ﴾ حذف لدلالة ذكره أوّلا عليه.
ومعنى ﴿ ليسائوا وُجُوهَكُمْ ﴾ ليجعلوها بادية آثار المساءة والكآبة فيها، كقوله: ﴿ سِيئَتْ وُجُوهُ الذين كَفَرُواْ ﴾ [الملك: 27] وقرئ: ﴿ ليسوء ﴾ والضمير لله تعالى، أو للوعد، أو للبعث ﴿ ولنسوء ﴾ بالنون.
وفي قراءة عليّ: ﴿ لنسوأنّ ﴾ ﴿ وليسوأنّ ﴾ وقرئ: ﴿ لنسوأن ﴾ ، بالنون الخفيفة.
واللام في ﴿ ليدخلوا ﴾ على هذا متعلق بمحذوف وهو: وبعثناهم ليدخلوا ولنسو أن: جواب إذا جاء ﴿ مَا عَلَوْاْ ﴾ مفعول ليتبروا، أي ليهلكوا كل شيء غلبوه واستولوا عليه.
أو بمعنى: مدة علوّهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لأنْفُسِكُمْ ﴾ لِأنَّ ثَوابَهُ لَها.
﴿ وَإنْ أسَأْتُمْ فَلَها ﴾ فَإنَّ وبالَهُ عَلَيْها، وإنَّما ذَكَرَها بِاللّامِ ازْدِواجًا.
﴿ فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ ﴾ وعْدُ عُقُوبَةِ المَرَّةِ الآخِرَةِ.
﴿ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ ﴾ أيْ بَعَثْناهم لِيَسُوؤُوا وُجُوهَكم أيْ يَجْعَلُوها بادِيَةَ آثارِ المَساءَةِ فِيها، فَحُذِفَ لِدَلالَةِ ذِكْرِهِ أوَّلًا عَلَيْهِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ وأبُو بَكْرٍ « لِيَسُوءَ» عَلى التَّوْحِيدِ، والضَّمِيرُ فِيهِ لِلْوَعْدِ أوْ لِلْبَعْثِ أوْ لِلَّهِ، ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ الكِسائِيِّ بِالنُّونِ.
وقُرِئَ « لِنَسُوأنَّ» بِالنُّونِ والياءِ والنُّونِ المُخَفَّفَةِ والمُثَقَّلَةِ، و « لَنَسُوأنَّ» بِفَتْحِ اللّامِ عَلى الأوْجُهِ الأرْبَعَةِ عَلى أنَّهُ جَوابُ إذا واللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿ وَلِيَدْخُلُوا المَسْجِدَ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو بَعَثْناهم.
﴿ كَما دَخَلُوهُ أوَّلَ مَرَّةٍ ولِيُتَبِّرُوا ﴾ لِيُهْلِكُوا.
﴿ ما عَلَوْا ﴾ ما غَلَبُوهُ واسْتَوْلَوْا عَلَيْهِ أوْ مُدَّةَ عُلُوِّهِمْ.
﴿ تَتْبِيرًا ﴾ ذَلِكَ بِأنْ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الفُرْسَ مَرَّةً أُخْرى فَغَزاهم مَلِكُ بابِلَ مِن مُلُوكِ الطَّوائِفِ اسْمُهُ جُودَرْزَ، وقِيلَ حَرْدُوسَ قِيلَ دَخَلَ صاحِبُ الجَيْشِ مَذْبَحَ قَرابِينِهِمْ فَوَجَدَ فِيهِ دَمًا يَغْلِي فَسَألَهم عَنْهُ فَقالُوا: دَمُ قُرْبانٍ لَمْ يُقْبَلْ مِنّا فَقالَ: ما صَدَقُونِي فَقَتَلَ عَلَيْهِ أُلُوفًا مِنهم فَلَمْ يَهْدَأِ الدَّمُ، ثُمَّ قالَ إنْ لَمْ تَصْدُقُونِي ما تَرَكْتُ مِنكم أحَدًا، فَقالُوا: إنَّهُ دَمُ يَحْيى فَقالَ لِمِثْلِ هَذا يَنْتَقِمُ رَبُّكم مِنكم، ثُمَّ قالَ يا يَحْيى قَدْ عَلِمَ رَبِّي ورَبُّكَ ما أصابَ قَوْمَكَ مِن أجْلِكَ، فاهْدَأْ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى قَبْلَ أنْ لا أُبْقِيَ أحَدًا مِنهم فَهَدَأ.
<div class="verse-tafsir"
إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (٧)
{إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} قيل اللام بمعنى على كقوله وعليها ما اكتسبت والصحيح أنها على بابها لأن اللام للاختصاص والعامل مختص بجزاء عمله حسنة كانت أو سيئة يعنى أن الاحسان والاساءة تختص بأنفسكم لا يتعدى النفع والضرر إلى غيركم وعن على رضي الله عنه ما أحسنت إلى أحد ولا أسأت إليه وتلاها {فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ الآخِرَةِ} وعد المرة الآخرة بعثناهم {لِيَسوؤوا} أي هؤلاء {وُجُوهَكُمْ} وحذف لدلالة ذكره أولاً عليه أي ليجعلوها بادية آثار المساءة والكآبة فيها كقوله سيئت وجوه الذين كفروا ليسوء شامي وحمزة وأبو بكر والضمير لله عز وجل أو للوعد أو للبعث لنسوء علي {وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ} بيت المقدس {كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيراً} ما علوا مفعول لتبروا أي ليهلكوا كل شيء غلبوه واستولوا عليه أو بمعنى مدة علوهم
﴿ إنْ أحْسَنْتُمْ ﴾ أعْمالَكم سَواءٌ كانَتْ لازِمَةً لِأنْفُسِكم أوْ مُتَعَدِّيَةً لِلْغَيْرِ أيْ: عَمِلْتُمُوها عَلى الوَجْهِ المُسْتَحْسَنِ اللّائِقِ أوْ فَعَلْتُمُ الإحْسانَ ﴿ أحْسَنْتُمْ لأنْفُسِكُمْ ﴾ أيْ: لِنَفْعِها بِما يَتَرَتَّبُ عَلى ذَلِكَ مِنَ الثَّوابِ ﴿ وإنْ أسَأْتُمْ ﴾ أعْمالَكم لازِمَةً كانَتْ أوْ مُتَعَدِّيَةً بِأنْ عَمِلْتُمُوها عَلى غَيْرِ الوَجْهِ اللّائِقِ أوْ فَعَلْتُمُ الإساءَةَ ﴿ فَلَها ﴾ أيْ: فالإساءَةُ عَلَيْها لِما يَتَرَتَّبُ عَلى ذَلِكَ مِنَ العِقابِ، فاللّامُ بِمَعْنى (عَلى) كَما في قَوْلِهِ: فَخَرَّ صَرِيعًا لِلْيَدَيْنِ ولِلْفَمِ، وعَبَّرَ بِها لِمُشاكَلَةِ ما قَبْلَها.
وقالَ الطَّبَرِيُّ: هي بِمَعْنى (إلى) عَلى مَعْنى: فَإساءَتُها راجِعَةٌ إلَيْها، وقِيلَ: إنَّها لِلِاسْتِحْقاقِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ( لَهم عَذابٌ ألِيمٌ ) .
وفِي الكَشّافِ أنَّها لِلِاخْتِصاصِ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ مُخالِفٌ لِما في الآثارِ مِن تَعَدِّي ضَرَرِ الإساءَةِ إلى غَيْرِ المُذْنِبِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّ ضَرَرَ هَؤُلاءِ القَوْمِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ لَمْ يَتَعَدَّهُمْ، وفِيهِ أنَّهُ تَكَلُّفٌ لا يُحْتاجُ إلَيْهِ؛ لِأنَّ الثَّوابَ والعِقابَ الأُخْرَوِيَّيْنِ لا يَتَعَدَّيانِ وهُما المُرادُ هُنا، وقِيلَ: اللّامُ لِلنَّفْعِ كالأُولى لَكِنْ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ، وتَعْمِيمُ الإحْسانِ ومُقابِلِهِ بِحَيْثُ يَشْمَلانِ المُتَعَدِّيَ واللّازِمَ هو الَّذِي اسْتَظْهَرَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ وفُسِّرَ الإحْسانُ بِفِعْلِ ما يُسْتَحْسَنُ لَهُ ولِغَيْرِهِ والإساءَةُ بِضِدِّ ذَلِكَ، وقالَ: إنَّهُ أنْسَبُ وأتَمُّ؛ ولِذا قِيلَ: إنَّ تَكْرِيرَ الإحْسانِ في النَّظْمِ الكَرِيمِ دُونَ الإساءَةِ إشارَةٌ إلى أنَّ جانِبَ الإحْسانِ أغْلَبُ، وأنَّهُ إذا فُعِلَ يَنْبَغِي تَكْرارُهُ بِخِلافِ ضِدِّهِ.
وجاءَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قالَ: ما أحْسَنْتُ إلى أحَدٍ ولا أسَأْتُ إلَيْهِ وتَلا الآيَةَ.
ووَجْهُ مُناسَبَتِها لِما قَبْلَها عَلى ما قالَ القُطْبُ أنَّهُ لَمّا عَصَوْا سَلَّطَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ مَن قَصَدَهم بِالنَّهْبِ والأسْرِ، ثُمَّ لَمّا تابُوا وأطاعُوا حَسُنَتْ حالُهم فَظَهَرَ أنَّ إحْسانَ الأعْمالِ وإساءَتَها مُخْتَصٌّ بِهِمْ، والآيَةُ تَضَمَّنَتْ ذَلِكَ، وفِيها مِنَ التَّرْغِيبِ بِالإحْسانِ والتَّرْهِيبِ مِنَ الإساءَةِ ما لا يَخْفى فَتَأمَّلْ.
﴿ فَإذا جاءَ وعْدُ ﴾ المَرَّةِ ﴿ الآخِرَةِ ﴾ مِن (مَرَّتَيْ) إفْسادِكم ﴿ لِيَسُوءُوا ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلٍ حُذِفَ لِدَلالَةِ ما سَبَقَ عَلَيْهِ، وهو جَوابُ إذا؛ أيْ: بَعَثْناهم لِيَسُوءُوا ﴿ وُجُوهَكُمْ ﴾ أيْ: لِيَجْعَلَ العِبادُ المَبْعُوثُونَ آثارَ المَساءَةِ والكَآبَةِ بادِيَةً في وُجُوهِكُمْ، فَإنَّ الأعْراضَ النَّفْسانِيَّةَ تَظْهَرُ فِيها فَيَظْهَرُ بِالفَرَحِ النَّضارَةُ والإشْراقُ، وبِالحُزْنِ والخَوْفِ الكُلُوحُ والسَّوادُ، فالوُجُوهُ عَلى حَقِيقَتِها، قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُعَبَّرَ بِالوَجْهِ عَنِ الجُمْلَةِ فَإنَّهم ساءُوهم بِالقَتْلِ والنَّهْبِ والسَّبْيِ فَحَصَلَتِ الإساءَةُ لِلذَّواتِ كُلِّها، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وإنْ أسَأْتُمْ فَلَها ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالوُجُوهِ ساداتُهم وكُبَراؤُهم أهُوَ هو كَما تَرى.
واخْتِيرَ هَذا عَلى لِيَسُوؤُكم مَعَ أنَّهُ أحْضَرُ وأظْهَرُ إشارَةً إلى أنَّهُ جُمِعَ عَلَيْهِ ألَمُ النَّفْسِ والبَدَنِ المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولِيُتَبِّرُوا ﴾ إلَخْ، وقِيلَ: ﴿ فَإذا جاءَ ﴾ هُنا مَعَ كَوْنِهِ مِن تَفْصِيلِ المُجْمَلِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لَتُفْسِدُنَّ في الأرْضِ مَرَّتَيْنِ ﴾ فالظّاهِرُ: فَإذا جاءَ، وإذا جاءَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ مَجِيءَ وعْدِ عِقابِ المَرَّةِ الآخِرَةِ لَمْ يَتَراخَ عَنْ كَثْرَتِهِمْ واجْتِماعِهِمْ دَلالَةً عَلى شِدَّةِ شَكِيمَتِهِمْ في كُفْرانِ النِّعَمِ، وإنَّهم كُلَّما ازْدادُوا عِدَّةً وعِدَّةً زادُوا عُدْوانًا وعِزَّةً إلى أنْ تَكامَلَتْ أسْبابُ الثَّرْوَةِ والكَثْرَةِ، فاجَأهُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَلى الغِرَّةِ نَعُوذُ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ مِن مُباغَتَةِ عَذابِهِ.
وقَرَأ أبُو بَكْرٍ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ: (لِيَسُؤَ) عَلى التَّوْحِيدِ والضَّمِيرُ لِلَّهِ تَعالى، أوْ لِلْوَعْدِ أوْ لِلْبَعْثِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالجَزاءِ المَحْذُوفِ، والإسْنادُ مَجازِيٌّ عَلى الأخِيرَيْنِ وحَقِيقِيٌّ عَلى الأوَّلِ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ.
وزَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ والكِسائِيِّ (لِنَسُوءَ) بِنُونِ العَظَمَةِ؛ فَإنَّ الضَّمِيرَ لِلَّهِ تَعالى لا يَحْتَمِلُ غَيْرَ ذَلِكَ، وقَرَأ أُبَيٌّ: (لِنَسُؤْنَ) بِلامِ الأمْرِ ونُونِ العَظَمَةِ أوَّلَهُ، ونُونِ التَّوْكِيدِ الخَفِيفَةِ آخِرَهُ، ودَخَلَتْ لامُ الأمْرِ عَلى فِعْلِ المُتَكَلِّمِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ ﴾ وجَوابُ إذا عَلى هَذِهِ القِراءَةِ هو الجُمْلَةُ الإنْشائِيَّةُ عَلى تَقْدِيرِ الفاءِ؛ لِأنَّها لا تَقَعُ جَوابًا بِدُونِها.
وعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أيْضًا: (لِنَسُوءَنَّ) و(لَيَسُوءَنَّ) بِالنُّونِ والياءِ أوَّلًا ونُونِ التَّوْكِيدِ الشَّدِيدَةِ آخِرًا.
واللّامُ في ذَلِكَ لامُ القَسَمِ، والجُمْلَةُ جَوابُ القَسَمِ سادَّةٌ مَسَدَّ جَوابِ إذا، واللّامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولِيَدْخُلُوا المَسْجِدَ ﴾ لامُ كَيْ، والجارُّ والمَجْرُورُ مَعْطُوفٌ عَلى الجارِّ والمَجْرُورِ قَبْلَهُ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِبَعَثْنا المَحْذُوفِ أيْضًا، وجُوِّزَ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ غَيْرِهِ، فَيَكُونُ العَطْفُ مِن عَطْفِ جُمْلَةٍ عَلى أُخْرى، وعَلى القِراءَةِ بِلامِ الأمْرِ أوْ لامِ القَسَمِ فِيما تَقَدَّمَ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامُ لامَ الأمْرِ، وأنْ تَكُونَ لامَ كَيْ، والمُرادُ بِالمَسْجِدِ بَيْتُ المَقْدِسِ وهو مَفْعُولُ يَدْخُلُوا، وفي الصِّحاحِ أنَّ الصَّحِيحَ في نَحْوِ دَخَلْتُ البَيْتَ إنَّكَ تُرِيدُ دَخَلْتُ إلى البَيْتِ، فَحُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ فانْتَصَبَ البَيْتُ انْتِصابَ المَفْعُولِ بِهِ، وتَحْقِيقُهُ في مَحَلِّهِ ﴿ كَما دَخَلُوهُ ﴾ أيْ: دُخُولًا كائِنًا كَدُخُولِهِمْ إيّاهُ ﴿ أوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ فَهو في مَوْضِعِ النَّعْتِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا أيْ: كائِنَيْنِ كَما دَخَلُوهُ، و( أُولَ ) مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ الزَّمانِيَّةِ، والمُرادُ مِنَ التَّشْبِيهِ عَلى ما في البَحْرِ أنَّهم يَدْخُلُونَهُ بِالسَّيْفِ والقَهْرِ والغَلَبَةِ والإذْلالِ، وفِيهِ أيْضًا أنَّ هَذا يُبْعِدُ قَوْلَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ أُولى المَرَّتَيْنِ لَمْ يَكُنْ فِيها قِتالٌ ولا قَتْلٌ ولا نَهْبٌ ﴿ ولِيُتَبِّرُوا ﴾ أيْ: يُهْلِكُوا، وقالَ قُطْرُبٌ: يَهْدِمُوا، وأنْشَدَ قَوْلَ الشّاعِرِ: وما النّاسُ إلّا عامِلانِ فَعامِلٌ يُتَبِّرُ ما يَبْنِي وآخَرُ رافِعُ وقالَ بَعْضُهُمْ: الهَدْمُ إهْلاكٌ أيْضًا، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّ التَّتْبِيرَ كَلِمَةٌ نِبْطِيَّةٌ.
ما ﴿ عَلَوْا ﴾ أيِ الَّذِي غَلَبُوهُ واسْتَوْلَوْا عَلَيْهِ، فَما اسْمُ مَوْصُولٍ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ وهو إمّا مَفْعُولٌ أوْ مَجْرُورٌ عَلى ما قِيلَ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً ظَرْفِيَّةً، أيْ: لِيُتَبِّرُوا مُدَّةَ دَوامِهِمْ غالِبِينَ قاهِرِينَ ﴿ تَتْبِيرًا ﴾ فَظِيعًا لا يُوصَفُ.
واخْتُلِفَ في تَعْيِينِ هَؤُلاءِ العِبادِ المَبْعُوثِينَ بَعْدَ أنْ ذَكَرُوا قَتْلَ يَحْيى عَلَيْهِ السَّلامُ في الإفْسادِ الأخِيرِ، فَقالَ غَيْرُ واحِدٍ: إنَّهم بُخْتَنَصَّرُ وجُنُودُهُ، وتَعَقَّبَهُ السُّهَيْلِيُّ بِأنَّهُ لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ قَتْلَ يَحْيى بَعْدَ رَفْعِ عِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ وبُخْتَنَصَّرُ كانَ قَبْلَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِزَمَنٍ طَوِيلٍ، وقِيلَ: الإسْكَنْدَرُ وجُنُودُهُ، وتَعَقَّبَهُ أيْضًا بِأنَّ بَيْنَ الإسْكَنْدَرِ وعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ نَحْوًا مِن ثَلاثِمِائَةِ سَنَةٍ ثُمَّ قالَ: لَكِنَّهُ إذا قِيلَ: إنَّ إفْسادَهم في المَرَّةِ الأخِيرَةِ بِقَتْلِ شَعْيا جازَ أنْ يَكُونَ المَبْعُوثُ عَلَيْهِمْ بُخْتَنَصَّرَ ومَن مَعَهُ؛ لِأنَّهُ كانَ حِينَئِذٍ حَيًّا، ورُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ الَّذِي غَزاهم مَلِكُ خَرْدُوشَ وتَوَلّى قَتْلَهم عَلى دَمِ يَحْيى عَلَيْهِ السَّلامُ قائِدٌ لَهُ فَسَكَنَ.
وفي بَعْضِ الآثارِ أنَّ صاحِبَ الجَيْشِ دَخَلَ مَذْبَحَ قَرابِينِهِمْ فَوَجَدَ فِيهِ دَمًا يَغْلِي فَسَألَهم عَنْهُ فَقالُوا: دَمُ قُرْبانٍ لَمْ يُقْبَلْ مِنّا.
فَقالَ: ما صَدَقْتُمُونِي فَقَتَلَ عَلَيْهِ أُلُوفًا مِنهم فَلَمْ يَهْدَأِ الدَّمُ.
ثُمَّ قالَ: إنْ لَمْ تَصْدُقُونِي ما تَرَكْتُ مِنكم أحَدًا.
فَقالُوا: إنَّهُ دَمُ يَحْيى عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: بِمِثْلِ هَذا يَنْتَقِمُ رَبُّكم مِنكم.
ثُمَّ قالَ: يا يَحْيى، قَدْ عَلِمَ رَبِّي ورَبُّكَ ما أصابَ قَوْمَكَ مِن أجْلِكَ فاهْدَأْ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى قَبْلَ أنْ لا أُبْقِيَ أحَدًا مِنهم فَهَدَأ، واخْتارَ في الكَشْفِ - وقالَ: هو الحَقُّ - إنَّ المَبْعُوثَ عَلَيْهِمْ في المَرَّةِ الثّانِيَةِ بِيرْدُوسُ مِن مُلُوكِ الطَّوائِفِ، وكَأنَّهُ هو خِرْدُوشُ الَّذِي مَرَّ آنِفًا، فَقَدْ ذُكِرَ أنَّهُ مَلِكُ بابِلَ مِن مُلُوكِ الطَّوائِفِ.
وقِيلَ: اسْمُهُ جُوزُورُ وهَؤُلاءِ المُلُوكُ ظَهَرُوا بَعْدَ قَتْلِ الإسْكَنْدَرِ دارا واسْتِيلائِهِ عَلى مُلْكِ الفُرْسِ، وكانَ ذَلِكَ بِصُنْعِ الإسْكَنْدَرِ مُتَّبِعًا فِيهِ رَأيَ مُعَلِّمِهِ أرِسْطُو، وعُدَّتُهم تَزِيدُ عَلى سَبْعِينَ مَلِكًا، ومُدَّةُ مُلْكِهِمْ عَلى ما في بَعْضِ التَّوارِيخِ خَمْسُمِائَةٍ واثْنَتا عَشْرَةَ سَنَةً، وحَصَلَ اجْتِماعُ الفُرْسِ بَعْدَ هَذِهِ المُدَّةِ عَلى أرْدِشِيرَ بْنِ بابِكَ طَوْعًا وكَرْهًا، وكانَ أحَدُ مُلُوكِ الطَّوائِفِ عَلى إصْطَخْرَ، وعَلى هَذا يَكُونُ المَلِكُ المَبْعُوثُ لِفَسادِ بَنِي إسْرائِيلَ بِقَتْلِ يَحْيى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن أواخِرِ مُلُوكِ الطَّوائِفِ كَما لا يَخْفى، ويَكُونُ بَيْنَ هَذا البَعْثِ والبَعْثِ الأوَّلِ عَلى القَوْلِ بِأنَّ المَبْعُوثَ بُخْتَنَصَّرُ وأتْباعُهُ مُدَّةً مُتَطاوِلَةً، فَفي بَعْضِ التَّوارِيخِ أنَّ قَتْلَ الإسْكَنْدَرِ دارا بَعْدَ بُخْتَنَصَّرَ بِأرْبَعِمِائَةٍ وخَمْسٍ وثَلاثِينَ سَنَةً وبَعْدَ مُضِيِّ نَحْوِ ثَلاثِمِائَةِ سَنَةٍ مِن غَلَبَةِ الإسْكَنْدَرِ وُلِدَ المَسِيحُ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولا شَكَّ أنَّ قَتْلَ يَحْيى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعْدَ الوِلادَةِ بِزَمانٍ، والبَعْثَ بَعْدَ القَتْلِ كَذَلِكَ، فَيَكُونُ بَيْنَ البَعْثَيْنِ ما يَزِيدُ عَلى سَبْعِمِائَةٍ وخَمْسٍ وثَلاثِينَ سَنَةً، والَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ اليَهُودُ أنَّ المَبْعُوثَ أوَّلًا بُخْتَنَصَّرُ، وكانَ في زَمَنِ أرْمِيا عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدْ أنْذَرَهم مَجِيئَهُ صَرِيحًا بَعْدَ أنْ نَهاهم عَنِ الفَسادِ وعِبادَةِ الأصْنامِ كَما نَطَقَ بِهِ كِتابُهُ فَحَبَسُوهُ في بِئْرٍ وجَرَحُوهُ، وكانَ تَخْرِيبُهُ لِبَيْتِ المَقْدِسِ في السَّنَةِ التّاسِعَةَ عَشَرَ مِن حُكْمِهِ وبَيْنَ ذَلِكَ وهُبُوطِ آدَمَ ثَلاثَةُ آلافٍ وثَلاثُمِائَةٍ وثَمانٍ وثَلاثِينَ سَنَةً، وبَقِيَ خَرابًا سَبْعِينَ سَنَةً، ثُمَّ إنَّ أسْبِيانُوسَ قَيْصَرَ الرُّومِ وجَّهَ وزِيرَهُ طُوطُوزَ إلى خَرابِهِ فَخَرَّبَهُ سَنَةَ ثَلاثَةِ آلافٍ وثَمانِمِائَةٍ وثَمانِيَةٍ وعِشْرِينَ فَيَكُونُ بَيْنَ البَعْثَيْنِ عِنْدَهم أرْبَعُمِائَةٍ وتِسْعُونَ سَنَةً، وتَفْصِيلُ الكَلامِ في ذَلِكَ في كُتُبِهِمْ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ.
ونِعْمَ ما قِيلَ: إنَّ مَعْرِفَةَ الأقْوامِ المَبْعُوثِينَ بِأعْيانِهِمْ وتارِيخِ البَعْثِ ونَحْوِهِ مِمّا لا يَتَعَلَّقُ بِهِ كَبِيرُ غَرَضٍ؛ إذِ المَقْصُودُ أنَّهُ لَمّا كَثُرَتْ مَعاصِيهِمْ سَلَّطَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ مَن يَنْتَقِمُ مِنهم مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى.
وظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي اتِّحادَ المَبْعُوثِينَ أوَّلًا وثانِيًا، ومَن لا يَقُولُ بِذَلِكَ يَجْعَلُ رُجُوعَ الضَّمائِرِ لِلْعِبادِ عَلى حَدِّ رُجُوعِ الضَّمِيرِ لِلدِّرْهَمِ في قَوْلِكَ: عِنْدِي دِرْهَمٌ ونِصْفُهُ.
فافْهَمْ.
<div class="verse-tafsir"
وقال: ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ يقول: أعطيناكم الدولة.
ويقال: الرجعة عليهم.
قوله: وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً يعني: أكثر رجالاً وعدداً.
وقال القتبي: أَكْثَرَ نَفِيراً أي أكثر عددا أصله من نفر ينفر مع الرجل من عشيرته، وأهل بيته، والنفير والنافر مثل القدير والقادر.
قوله: إِنْ أَحْسَنْتُمْ يقول: إن وحدتم الله وأطعتموه أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ أي: يثاب لكم الجنة وَإِنْ أَسَأْتُمْ أي: أشركتم بالله فَلَها رب يغفر لها فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ أي: آخر الفسادين لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ أخذ من السوء أي: بعثناهم إليكم، ليقبحوا وجوهكم بالقتل والسبي.
قرأ حمزة وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر: ليسوء بالياء ونصب الواو معه.
وقرأ الكسائي لنَسُوءَ بالنون، فيكون الفعل لله تعالى.
وقرأ الباقون لِيَسُوؤُا بالياء، وضم الواو بلفظ الجماعة، يعني: إن القوم يفعلون ذلك وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ يعني: بيت المقدس وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً يقول: وليخربوا ما ظهروا عليه تَتْبِيراً أي هلاكا.
وقال الزجاج: يقال لكل شيء منكسر من الحديد، والذهب، والفضة، والزجاج: تبر، ومعنى: ما عَلَوْا أي: وليدمروا في حال علوهم.
قوله: عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ بعد هاتين المرّتين، فرحمهم وعادوا إلى ما كانوا عليه وبعث فيهم الأنبياء، فكانوا رحمة لهم فذلك قوله: وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا أي: إن عُدْتُمْ إلى المعصية عُدْنا، إليكم بالعذاب.
ويقال: إِنْ عُدْتُمْ إلى تكذيب محمد كما كذبتم سائر الأنبياء عُدْنا يعني: سلطناه عليكم، فيعاقبكم بالقتل والجزية والسبي في الدنيا.
وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً أي: سجناً ومحبساً.
قال الحسن: أي سجناً، وقال قتادة: أي وحبساً يحبسون فيها.
وقال مقاتل: أي مجلسا يجلسون، ولا يخرجون أبداً، كقوله: لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا [البقرة: 273] ويقال: هذا فعيل بمعنى فاعل.
وقال الزجاج: حَصِيراً أي حبيساً، أخذ من قوله: حصرت الرجل إذا حبسته، وهو محصور، والحصير المنسوج، وإنما سمي حَصِيراً لأنه حصرت طاقاته بعضها فوق بعض.
<div class="verse-tafsir"
وألزمهم إياه، ثم أخبرهم به في التَّوْرَاة على لسان موسى، فلما أراد هنا الإعلام لنا بالأمريْنِ جميعاً في إيجازٍ، جعل قَضَيْنا دالَّة على النفوذ في أم الكتاب، وقَرَن بها «إِلى» دالَّةً على إنزال الخير بذلك إلى بني إسرائيل، والمعنى المقصودُ مفهومٌ خلالَ هذه الألفاظ، ولهذا فسر ابنُ عباس مرةً بأن قال: قَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ، معناه: أعلمناهم «١» ، وقال مرّة:
«قضينا عليهم «٢» » ، والْكِتابِ هنا التوراةُ لأن القَسَم في قوله: لَتُفْسِدُنَّ غير متوجِّه مع أنْ نجعل الْكِتابِ هو اللوح المحفوظ.
وقال ص: وقَضَيْنا: مضمَّنٌ معنى «أوْحَيْنَا» ولذلك تعدَّى ب «إلى» ، وأصله أنْ يتعدَّى بنفسه إِلى مفعولٍ واحدٍ كقوله سبحانه: فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ [القصص:
٢٩] انتهى، وهو حسنٌ موافق لكلام ع، وقوله «ولتعلُنَّ» أي: لتتجبَّرُنَّ، وتطلبون في الأرض العُلوَّ، ومقتضى الآيات أن اللَّه سبحانه أعْلَمَ بني إسرائيل في التوراة، أنه سيقع منهم عصيانٌ وكفرٌ لِنِعمِ اللَّه، وأنه سيرسل عليهم أمةً تغلبهم وتذلُّهم، ثم يرحمهم بعد ذلك، ويجعل لهم الكَرَّة ويردُّهم إلى حالهم من الظهور، ثم تقع منهم أيضاً تلك المعاصِي والقبائِحَ، فيبعث اللَّه تعالى عليهم أمةً أخرى تخرِّب ديارهم، وتقتلُهم، وتجليهم جلاءً، مبرِّحاً، وأعطى الوجودَ بعد ذلك هذا الأمْرَ كلَّه، قيل: كان بين المرتَيْنِ مِائَتَا سنةٍ، وعَشْرُ سنينَ مُلْكاً مؤيّدا بأنبياء، وقيل: سبعون سنة.
فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَكانَ وَعْداً مَفْعُولاً (٥) ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً (٦) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً (٧) عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً (٨)
وقوله سبحانه: فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما الضمير في قوله: أُولاهُما عائدٌ/ على قوله مَرَّتَيْنِ، وعبَّر عن الشر ب «الوعد» لأنه قد صرَّح بذكْرِ المعاقبة.
قال ص: وَعْدُ أُولاهُما، أي: موعود، وهو العقاب، لأن الوعد سبق
بذلك، وقيلَ: هو على حذف مضاف، أي وعد عقاب أولاهما.
انتهى، وهو معنى ما تقدَّم واختلف الناس في العبيد المبعوثِينَ، وفي صورة الحال اختلافا شديداً متباعِداً، عيونُهُ أنَّ بني إِسرائيل عَصَوْا وقتلوا زكريَّاء عليه السلام، فغزاهُمْ سِنْجارِيبُ مَلِك بابل، قاله ابن إسحاق وابن جَبْير «١» .
وقال ابن عباس: غزاهُمْ جالوتُ من أهْل الجزيرة «٢» ، وقيل: غزاهم بُخْتَ نَصَّرَ، وروي أنه دخل قَبْلُ في جيش من الفرس، وهو خامل يسير في مَطْبَخ الملك، فاطلع مِنْ جور بني إِسرائيل على ما لم تعلمه الفُرْسُ، فَلمَّا انصرف الجيشُ، ذكر ذلك للملك الأعظَمِ، فلما كان بعد مدَّة، جعله الملك رئيسَ جيشٍ، وبعثه فخرَّب بيت المقدس، وقتلهم، وأجلاهم، ثم انصرَفَ، فوجد المَلِكَ قد ماتَ، فمَلَكَ موضعه، واستمرت حاله حتى ملك الأرْضَ بعد ذلك، وقالت فرقة: إنما غزاهم بُخْتَ نَصَّرَ في المرَّة الأخيرة حين عَصَوْا وقتلوا يحيى بن زَكَرِيَّاءَ، وصورة قتله: أن الملك أراد أنْ يتزوج بِنْتَ امرأته، فنهاه يحيى عَنْها، فعزَّ ذلك على امرأته، فزَّينت بنْتَها، وجعَلَتها تسقي المَلِك الخمر، وقالت لها:
إِذا راوَدَكَ عن نفسك، فتمنَّعي حَتَّى يعطيَكِ المَلِكُ ما تَتَمَنَّيْنَ، فإِذا قال لك: تَمنِّي عَلَيَّ ما أردتِّ، فقولي: رأسَ يحيى بن زكرياء، ففعلَتِ الجارية ذلك، فردَّها الملك مرَّتَيْنِ، وأجابها في الثالثة، فجيء بالرأْسِ في طَسْتٍ، ولسانُهُ يتكلَّم، وهو يقول: لا تحلُّ لك، وجرى دمُ يحيى، فلم ينقطعْ، فجعل الملك عليه التُرابَ، حتى ساوى سور المدينةِ، والدمُ ينبعث، فلما غزاهم المَلِكُ الذي بُعِثَ عليهم بحسب الخِلاَفِ الذي فيه، قَتَلَ منهم على الدمِ سبعين ألْفاً حتى سكَنَ، هذا مقتضى خبرهم، وفي بعض الروايات زيادة ونقصٌ، وقرأ الناس:
«فَجَاسُوا» ، وقرأ أبو السَّمَّال «٣» : بالحاء، وهما بمعنى الغلبةِ والدخولِ قهراً، وقال مُؤَرِّجٌ:
جاسوا خلال الأزقّة.
ت قال ص: فَجاسُوا مضارعه يجوس، ومصدره جوس وجوسان،
ومعناه: التردّد، وخِلالَ ظرف، أي: وسط الديار انتهى.
وقوله سبحانه: ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ ...
الآية عبارة عما قاله سبحانه لبني إِسرائيل في التوراة، وجعل «رددنا» موضع «نَرُدُّ» ، لما كان وعد اللَّه في غاية الثِّقَة، وأنه واقع لا محالة، فعبَّر عن المستقبل بالماضي، وهذه الكرة هي بعد الجولة الأولى، كما وصفْنا، فغَلَبَتْ بنو إِسرائيل على بيت المقدس، وملَكُوا فيه، وحَسُنت حالهم بُرْهةً من الدهْرِ، وأعطاهم اللَّه الأموالَ والأولادَ وجعلَهم إِذا نفروا إِلى أمْرٍ أكثر النَّاس، فلما قال اللَّه: إِني سأفعل بكم هكذا، عقّب بوصيَّتهم في قوله: إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ ...
الآية، المعنى: إنكم بعملكم تجازون، ووَعْدُ الْآخِرَةِ معناه: من المرّتين.
/ وقوله: لِيَسُوؤُا اللام لام أمْرِ، وقيل: المعنى: بعثناهم، ليسوؤوا وليدخلوا، فهي لام كْيِ كلّها، والضمير للعباد أولي البأس الشديد، والْمَسْجِدَ مسجد بيت المقدس، «وتَبَّر» معناه: أفسد بغشمٍ وركوب رأْس.
وقوله: مَا عَلَوْا، أي: ما علوا عليه من الأقطار، وملكوه من البلاد، وقيل: «ما» ظرفية، والمعنى مدة علوهم وغلبتهم على البلاد.
وقوله سبحانه: عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ ...
الآية: يقول اللَّه عزَّ وجلَّ لبقية بني إِسرائيل: عسى ربكم إِن أطعتم في أنفسكم واستقمتم أنْ يرحمكم، وهذه العِدَةُ ليست برجوعِ دولةٍ، وإِنما هي بأنْ يرحم المطيع منهم، وكان من الطاعة اتباعهم لعيسى ومحمَّد عليهما السلام، فلم يفعلوا، وعادوا إلى الكفر والمعصية، فعاد عقابُ اللَّه عليهم بِضَرْبِ الذَّلة عليهم، وقتلِهمْ وإذلالِهمْ بِيَدِ كلِّ أمة، و «الحصير» : من الحَصْر بمعنى السَّجْن، وبنحو هذا فسَّره مجاهد وغيره «١» ، وقال الحسن: «الحصير» في الآية: أراد به ما يفترشُ ويُبْسَطُ كالحصير المعروف عند الناس «٢» .
قال ع «٣» : وذلك الحصيرُ أيضا هو مأخوذ من الحصر.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ أحْسَنْتُمْ ﴾ ؛ أيْ: وقُلْنا لَكُمْ: إنْ أحْسَنْتُمْ فَأطَعْتُمُ اللَّهَ ﴿ أحْسَنْتُمْ لأنْفُسِكُمْ ﴾ ؛ أيْ: عاقِبَةُ الطّاعَةِ لَكم ﴿ وَإنْ أسَأْتُمْ ﴾ بِالفَسادِ والمَعاصِي ﴿ فَلَها ﴾ ، وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ بِمَعْنى: فَإلَيْها.
والثّانِي: فَعَلَيْها.
﴿ فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ ﴾ ، جَوابُ " فَإذا " مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: فَإذا جاءَ وَعْدُ عُقُوبَةِ المَرَّةِ الآَخِرَةِ مِن إفْسادِكُمْ، بَعَثْناهم لَيَسُوؤُوا وُجُوهَكُمْ، وهَذا الفَسادُ الثّانِي هو قَتْلُهم يَحْيى بْنَ زَكَرِيّا، وقَصْدُهم قَتْلَ " عِيسى " فَرُفِعَ، وسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مُلُوكَ فارِسٍ والرُّومِ فَقَتَلُوهم وسَبَوْهُمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ ﴾ .
قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( لِيَسُوؤُوا ) بِالياءِ عَلى الجَمِيعِ والهَمْزِ بَيْنَ الواوَيْنِ، والإشارَةُ إلى المَبْعُوثِينَ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( لِيَسُوءَ وُجُوهُكم ) عَلى التَّوْحِيدِ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِيَسُوءَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ.
والثّانِي: لِيَسُوءَ البَعْثُ.
وقَرَأ الكِسائِيُّ: ( لِنَسُوءَ ) بِالنُّونِ، وذَلِكَ راجِعٌ إلى اللَّهِ تَعالى.
وَفِيمَن بُعِثَ عَلَيْهِمْ في المَرَّةِ الثّانِيَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بُخْتَنَصَّرُ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ، وكَثِيرٌ مِنَ الرُّواةِ يَأْبى هَذا القَوْلَ، يَقُولُونَ: كانَ بَيْنَ تَخْرِيبِ ( بُخْتَنَصَّرَ ) بَيْتُ المَقْدِسِ وبَيْنَ مَوْلِدِ يَحْيى بْنِ زَكَرِيّا زَمانٌ طَوِيلٌ.
والثّانِي: انْطِياخُوسُ الرُّومِيُّ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
ومَعْنى ﴿ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ ﴾ ؛ أيْ: لِيُدْخِلُوا عَلَيْكُمُ الحُزْنَ بِما يَفْعَلُونَ مِن قَتْلِكم وسَبْيِكُمْ، وخُصَّتِ المَساءَةُ بِالوُجُوهِ، والمُرادُ: أصْحابُ الوُجُوهِ، لِما يَبْدُو عَلَيْها مِن أثَرِ الحُزْنِ والكَآَبَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِيَدْخُلُوا المَسْجِدَ ﴾ ، يَعْنِي: بَيْتَ المَقْدِسِ، ﴿ " كَما دَخَلُوهُ ﴾ " في المَرَّةِ الأُولى، ﴿ وَلِيُتَبِّرُوا ﴾ ؛ أيْ: لِيُدَمِّرُوا ويُخَرِّبُوا.
قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ لِكُلِّ شَيْءٍ يَنْكَسِرُ مِنَ الزُّجاجِ والحَدِيدِ والذَّهَبِ: تِبْرٌ، ومَعْنى ﴿ ما عَلَوْا ﴾ ؛ أيْ: لِيُدَمِّرُوا في حالِ عُلُوِّهِمْ عَلَيْكم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَسى رَبُّكم أنْ يَرْحَمَكُمْ ﴾ هَذا مِمّا وُعِدُوا بِهِ في التَّوْراةِ.
و " عَسى " مِنَ اللَّهِ واجِبَةٌ، فَرَحِمَهُمُ [ اللَّهُ ] بَعْدَ انْتِقامِهِ مِنهُمْ، وعَمَّرَ بِلادَهُمْ، وأعادَ نِعَمَهم بَعْدَ سَبْعِينَ سَنَةً.
﴿ وَإنْ عُدْتُمْ ﴾ إلى مَعْصِيَتِنا ﴿ عُدْنا ﴾ إلى عُقُوبَتِكم.
قالَ المُفَسِّرُونَ: ثُمَّ إنَّهم عادُوا إلى المَعْصِيَةِ، فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مُلُوكًا مِن مُلُوكِ فارِسٍ والرُّومِ.
قالَ قَتادَةُ: ثُمَّ كانَ آَخِرُ ذَلِكَ أنْ بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مُحَمَّدًا ، فَهم في عَذابٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَيُعْطُونَ الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وهم صاغِرُونَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيرًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: سِجْنًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، وقَتادَةُ.
وقالَ مُجاهِدٌ: يُحْصَرُونَ فِيها.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وابْنُ قُتَيْبَةَ: مَحْبِسًا.
وقالَ الزَّجّاجُ: " حَصِيرًا ": حَبْسًا، أُخِذَ مِن قَوْلِكَ: حَصَرْتُ الرَّجُلَ: إذا حَبَسْتُهُ، فَهو مَحْصُورٌ، وهَذا حَصِيرُهُ؛ أيْ: مَحْبِسُهُ، والحَصِيرُ: المَنسُوجُ، سُمِّيَ حَصِيرًا؛ لِأنَّهُ حُصِرَتْ طاقاتُهُ بَعْضُها مَعَ بَعْضٍ، ويُقالُ لِلْجُنُبِ: حَصِيرٌ؛ لِأنَّ بَعْضَ الأضْلاعِ مَحْصُورٌ مَعَ بَعْضٍ.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: حَصِيرًا: بِمَعْنى: حاصِرَةً، فَصُرِفَ مِن حاصِرَةٍ إلى حَصِيرٍ، كَما صُرِفَ ( مُؤْلِمٌ ) إلى ألِيمٍ.
والثّانِي: فِراشًا ومِهادًا، قالَهُ الحَسَنُ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جَهَنَّمَ لَهم مِهادًا بِمَنزِلَةِ الحَصِيرِ، والحَصِيرُ: البِساطُ الصَّغِيرُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَإذا جاءَ وعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِيارِ وكانَ وعْدًا مَفْعُولا ﴾ ﴿ ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وأمْدَدْناكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ وجَعَلْناكم أكْثَرَ نَفِيرًا ﴾ ﴿ إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لأنْفُسِكم وإنْ أسَأْتُمْ فَلَها فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكم ولِيَدْخُلُوا المَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أوَّلَ مَرَّةٍ ولِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيرًا ﴾ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ أُولاهُما عائِدٌ عَلى قَوْلِهِ مَرَّتَيْنِ وعَبَّرَ عَنِ الشَرِّ بِـ (الوَعْدِ) لَأنَّهُ قَدْ صَرَّحَ بِذِكْرِ المُعاقَبَةِ، وإذا لَمْ يَجِئِ (الوَعْدُ) مُطْلَقًا فَجائِزٌ أنْ يَقَعَ في الشَرِّ.
وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "عَبِيدًا"، واخْتَلَفَ الناسُ في العَبِيدِ المَبْعُوثِينَ وفي صُورَةِ الحالِ اخْتِلافًا شَدِيدًا مُتَباعِدًا.
عُيُونُهُ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ عَصَوْا وقَتَلُوا زَكَرِيّاءَ عَلَيْهِ السَلامُ فَغَزاهم سَنْحارِيبُ مَلِكُ بابِلَ، كَذا قالَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جُبَيْرٍ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: غَزاهم جالُوتُ مِن أهْلِ الجَزِيرَةِ، ورُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُبَيْرِ أنَّهُ قالَ في حَدِيثٍ طَوِيلٍ: غَزاهم آخِرًا مَلِكٌ اسْمُهُ خُرْدُوشُ، وتَوَلّى قَتْلَهم عَلى دَمِ يَحْيى بْنِ زَكَرِيّا قائِدٌ لِخُرْدُوشَ اسْمُهُ هُورْزاذانُ، وكَفَّ عن بَنِي إسْرائِيلَ وسَكَنَ بِرِعايَةِ دَمِ يَحْيى بْنِ زَكَرِيّا عَلَيْهِما السَلامُ، وقِيلَ: غَزاهم أوَّلًا صَخّابِينُ مَلِكُ رُومَةَ، وقِيلَ: بُخْتُنَصَّرُ، ورُوِيَ أنَّهُ دَخَلَ قَبْلُ في جَيْشٍ مِنَ الفَرَسِ وهو خامِلٌ يَسِيرُ في مَطْبَخِ المَلِكِ، فاطَّلَعَ مِن جَوْرِ بَنِي إسْرائِيلَ عَلى ما لَمْ تَعْلَمْهُ الفُرْسُ ؛ لَأنَّهُ كانَ يُداخِلُهُمْ، فَلَمّا انْصَرَفَ الجَيْشُ ذُكِرَ ذَلِكَ لِلْمَلِكِ الأعْظَمِ، فَلَمّا كانَ بَعْدَ مُدَّةٍ جَعَلَهُ المَلِكُ رَئِيسَ جَيْشٍ وبَعَثَهُ، فَخَرَّبَ بَيْتَ المَقْدِسِ وقَتْلَهم وجَلاهُمْ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَوَجَدَ المَلِكَ قَدْ ماتَ فَمَلَكَ مَوْضِعِهِ، واسْتَمَرَّتْ حالُهُ حَتّى مَلَكَ الأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما غَزاهم بُخْتُنَصَّرُ في المَرَّةِ الأخِيرَةِ حِينَ عَصَوْا وقَتَلُوا يَحْيى بْنَ زَكَرِيّا عَلَيْهِما السَلامُ، وصُورَةُ قَتْلِهِ أنَّ المَلِكَ أرادَ أنْ يَتَزَوَّجَ بِنْتَ امْرَأتِهِ، فَنَهاهُ يَحْيى عَلَيْهِ السَلامُ عن ذَلِكَ، فَعَزَّ ذَلِكَ عَلى امْرَأتِهِ، فَزَيَّنَتْ بِنْتَها وجَعَلَتْها تَسْقِي المَلِكَ الخَمْرَ، وقالَتْ لَها: إذا راوَدَكِ المَلِكُ عن نَفْسِكِ فَتَمْنَعِي حَتّى يُعْطِيَكِ المَلِكُ ما تَتَمَنَّيْ، فَإذا قالَ لَكِ: تَمَنَّيْ عَلَيَّ ما أرَدْتِ، فَقُولِي لَهُ: رَأسَ يَحْيى بْنِ زَكَرِيّا، فَفَعَلَتِ الجارِيَةُ ذَلِكَ، فَرَدَّها المَلِكُ مَرَّتَيْنِ، وأجابَها في الثالِثَةِ، فَجِيءَ بِالرَأْسِ في طَسْتِ ولِسانُهُ يَتَكَلَّمُ ويَقُولُ: لا تَحِلُّ لَكَ، وجَرى دَمُ يَحْيى عَلَيْهِ السَلامُ فَلَمْ يَنْقَطِعْ، فَجَعَلَ المَلِكُ عَلَيْهِ التُرابَ حَتّى ساوى سُورَ المَدِينَةِ والدَمُ يَنْبَعِثُ، فَلَمّا غَزاهُمُ المَلِكُ الَّذِي بَعَثَ اللهُ عَلَيْهِمْ -بِحَسَبِ الخِلافِ فِيهِ- قَتَلَ مِنهم عَلى الدَمِ حَتّى سَكَنَ بَعْدَ قَتْلِ سَبْعِينَ ألْفًا.
هَذا مُقْتَضى هَذا الخَبَرِ، وفي بَعْضِ رِواياتِهِ زِيادَةٌ ونَقْصٌ، فَرَوَتْ فِرْقَةٌ أنَّ أشْعِياءَ وعَظَهم وذَكَّرَهُمُ اللهَ ونِعَمَهُ في مَقامٍ طَوِيلٍ نَصَّهُ الطَبَرِيُّ، وذَكَرَ أشْعِياءُ في آخِرِهِ مُحَمَّدًا وبَشَّرَ بِهِ، فابْتَدَرَهُ بَنُو إسْرائِيلَ فَفَرَّ مِنهُمْ، فَلَقِيَ شَجَرَةً فَتَفَلَّقَتْ لَهُ حَتّى دَخَلَها فالتَأمَتْ عَلَيْهِ، فَعَرَضَ الشَيْطانُ عَلَيْهِمْ هُدْبَةً مِن ثَوْبِهِ، فَأخَذُوا مِنشارًا فَنَشَرُوا الشَجَرَةَ وقَطَّعُوهُ في وسَطِها فَقَتَلُوهُ، فَحِينَئِذٍ بَعَثَ اللهُ عَلَيْهِمْ في المَرَّةِ الأخِيرَةِ.
وذَكَرَ الزَهْراوِيُّ عن قَتادَةَ قَصَصًا أنَّ زَكَرِيّا هو صاحِبُ الشَجَرَةِ، وأنَّهم قالُوا لَمّا حَمَلَتْ مَرْيَمُ قالُوا: ضَيَّعَ بِنْتَ سَيِّدِنا حَتّى زَنَتْ، فَطَلَبُوهُ فَهَرَبَ مِنهم حَتّى دَخَلَ في الشَجَرَةِ فَنَشَرُوهُ.
ورَوَتْ فِرْقَةٌ أنَّ بُخْتُنَصَّرَ كانَ حَفِيدَ سَنْحارِيبَ المَلِكِ الأوَّلِ، ورَوَتْ فِرْقَةٌ أنَّ الَّذِي غَزاهم آخِرًا هو سابُورُ ذُو الأكْتافِ.
وقالَ أيْضًا ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: سَلَّطَ اللهُ عَلَيْهِمْ حِينَ عادُوا ثَلاثَةَ أمْلاكٍ مِن فارِسٍ: سَنْدابادانِ وشَهْرَيازانِ وآخَرَ.
وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّما جاءَهم في الأُولى عَسْكَرٌ مِن فارِسٍ فَجاسَ خِلالَ الدِيارِ وتَقَلَّبَ، ولَكِنْ لَمْ يَكُنْ قِتالٌ ولا قَتْلٌ في بَنِي إسْرائِيلَ ثُمَّ انْصَرَفَتْ عنهُمُ الجُيُوشُ، وظَهَرُوا وأُمِدُّوا بِالأمْوالِ والبَنِينِ حَتّى عَصَوْا وطَغَوْا، فَجاءَهم في المَرَّةِ الثانِيَةِ مِن قَتَلَهم وغَلَبَهم عَلى بَيْضَتِهِمْ وأهْلَكَهم آخِرَ الدَهْرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَجاسُوا خِلالَ الدِيارِ ﴾ ، وهي المَنازِلُ والمَساكِنُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِيَدْخُلُوا المَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ يَرُدُّ عَلى قَوْلِ مُجاهِدٍ: إنَّهُ لَمْ يَكُنْ في المَرَّةِ الأُولى غَلَبَةٌ ولا قِتالٌ، وهَلْ يُدْخَلُ المَسْجِدُ إلّا بَعْدَ غَلَبَةٍ وقِتالٍ؟
وقَدْ قالَ مُؤَرِّخٌ.
جاسُوا خِلالَ الأزِقَّةِ، وقَدْ ذَكَرَ الطَبَرِيُّ في هَذِهِ الآيَةِ قَصَصًا طَوِيلًا، مِنهُ ما يَخُصُّ الآياتِ، وأكْثَرُهُ لا يَخُصُّ، وهَذِهِ المَعانِي لَيْسَتْ بِالثابِتَةِ فَلِذَلِكَ اخْتَصَرْتُها.
وقَوْلُهُ تَعالى: "بَعَثْنا" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللهُ بَعْثَ إلى مَلِكِ تِلْكَ الأُمَّةِ رَسُولًا يَأْمُرُهُ بِغَزْوِ بَنِي إسْرائِيلَ فَتَكُونُ البِعْثَةُ بِأمْرٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَبَّرَ بِالبَعْثِ عَمّا أُلْقِيَ في نَفْسِ المَلِكِ الَّذِي غَزاهم.
وقَرَأ الناسُ: "فَجاسُوا" بِالجِيمِ، وقَرَأ أبُو السَمالِ: "فَحاسُوا" بِالحاءِ، وهَمّا بِمَعْنى الغَلَبَةِ والدُخُولِ قَسْرًا، ومِنهُ الحَواسُّ، وقِيلَ لِأبِي السَمالِ: إنَّما القِراءَةُ "جاسُوا" بِالجِيمِ، فَقالَ: جاسُوا وحاسُوا واحِدٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا يَدُلُّ عَلى تَخَيُّرٍ لا عَلى رِوايَةٍ، ولِهَذا لا تَجُوزُ الصَلاةُ بِقِراءَتِهِ وقِراءَةِ نُظَرائِهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "خِلالَ"، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "خَلَلَ"، ونَصْبَهُ في الوَجْهَيْنِ عَلى الظَرْفِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الكَرَّةَ عَلَيْهِمْ ﴾ الآيَةُ عِبارَةٌ عَمّا قالَ اللهُ لِبَنِي إسْرائِيلَ في التَوْراةِ، وجَعَلَ "رَدَدْنا" مَوْضِعَ "نَرُدُّ" إذْ وقْتُ إخْبارِهِمْ لَمْ يَقَعِ الأمْرُ بَعْدُ، لَكِنَّهُ لَمّا كانَ وعْدُ اللهِ في غايَةِ الثِقَةِ أنَّهُ يَقَعُ عَبَّرَ عن مُسْتَقْبَلِهِ بِالماضِي، وهَذِهِ الكَرَّةُ هي بَعْدَ الجَلْوَةِ الأُولى كَما وصَفْنا، فَغَلَبَتْ بَنُو إسْرائِيلَ عَلى بَيْتِ المَقْدِسِ ومَلَكُوا فِيهِ، وحَسُنَتْ حالُهم بُرْهَةً مِنَ الدَهْرِ، وأعْطاهُمُ اللهُ الأمْوالَ والأولادَ، وجَعَلَهم إذا نَفَرُوا إلى أمْرِ أكْثَرِ الناسِ، قالَ الطَبَرِيُّ: وصَيَّرْناكم أكْثَرَ عَدَدٍ نافِرٍ مِنهم.
قالَ قَتادَةُ: كانُوا أكْثَرَ نَفِيرًا في زَمَنِ داوُدَ عَلَيْهِ السَلامُ، و"نَفِيرًا" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ نَفَرٍ، كَكَلْبٍ وكَلِيبٍ، وعَبْدٍ وعَبِيدٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ فَعِيلًا بِمَعْنى فاعِلٍ، أيْ: وجَعَلْناكم أكْثَرَ نافِرًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وعِنْدِي أنَّ النَفِيرَ اسْمٌ لِلْجَمْعِ الَّذِي يَنْفِرُ، سُمِّيَ بِالمَصْدَرِ، وقَدْ قالَ تُبَّعٌ الحِمْيَرِيُّ: فَأكْرِمْ بِقَحْطانَ مِن والِدٍ ∗∗∗ وبِالحِمْيَرِيِّينَ أكْرِمْ نَفِيرًا وَقالُوا: "لا في العِيرِ ولا في النَفِيرِ"، يُرِيدُونَ جَمْعَ قُرَيْشٍ الخارِجَ مِن مَكَّةَ إلى بَدْرٍ.
فَلَمّا قالَ اللهُ تَعالى لَهُمْ: إنِّي سَأفْعَلُ بِكم هَكَذا عَقَّبَ ذَلِكَ بِوَصِيَّتِهِمْ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لأنْفُسِكُمْ ﴾ والمَعْنى: إنَّكم بِعَمَلِكم تُؤْخَذُونَ، لا يَكُونُ ذَلِكَ ظُلْمًا ولا تَشَرُّعا إلَيْكُمْ، و ﴿ وَعْدُ الآخِرَةِ ﴾ مَعْناهُ: مِنَ المَرَّتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ ﴾ ، اللامُ لامُ أمْرٍ، وقِيلَ: المَعْنى بَعَثْناهم لِيَسُوؤُوا، فَهي لامُ "كَيْ" كُلُّها، والضَمِيرُ لِلْعِبادِ أُولِي البَأْسِ الشَدِيدِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "لِيَسُوءُوا" بِالياءِ، جَمْعٌ وهَمْزَةٌ بَيْنَ واوَيْنِ، وقَرَأ عاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ -، وابْنُ عامِرٍ: "لِيَسُوءَ" بِالياءِ وهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ عَلى الإفْرادِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ -وَهِيَ مَرْوِيَّةٌ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لِنَسُوءَ" بِنُونِ العَظَمَةِ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "لِنَسُوأنَّ" بِنُونٍ خَفِيفَةٍ، وهي لامُ الأمْرِ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لَيَسُوأنَّ"، بِفَتْحِ اللامِ وهي لامُ القَسَمِ- والفاعِلُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "لِيُسِيءَ" بِياءٍ مَضْمُومَةٍ بِغَيْرِ واوٍ، وفي مُصْحَفِ أنَسٍ: "لِيَسُوءَ وجْهَكُمْ" عَلى الإفْرادِ، وخَصَّ بِالذِكْرِ الوُجُوهَ لَأنَّها المَواضِعُ الدالَّةُ عَلى ما بِالإنْسانِ مِن خَيْرٍ أو شَرٍّ.
و"المَسْجِدَ": مَسْجِدُ بَيْتِ المَقْدِسِ.
و"تَبَّرَ" مَعْناهُ: أفْسَدَ وأهْلَكَ بِغَشَمٍ، وقَوْلُهُ: ﴿ ما عَلَوْا ﴾ أيْ: ما تَغَلَّبُوا عَلَيْهِ مِنَ الأقْطارِ ومَلَكُوهُ مِنَ البِلادِ، وقِيلَ: "ما" ظَرْفِيَّةٌ، والمَعْنى: مُدَّةَ عُلُوِّهِمْ وغَلَبَتِهِمْ عَلى البِلادِ.
و"تَبَّرَ" تَحْرِيرُهُ: رَدُّ الشَيْءِ فُتاتًا كَتِبْرِ الذَهَبِ والحَرِيرِ ونَحْوَهُ، وهو تَفْتِيتُهُ.
<div class="verse-tafsir"
عطف جملة ﴿ فجاسوا ﴾ [الإسراء: (5] فهو من تمام جواب (إذَا) من قوله: ﴿ فإذا جاء وعد أولاهما ﴾ [الإسراء: 5]، ومن بقية المقضي في الكتاب، وهو ماض لفظاً مستقبل معنًى، لأن (إذا) ظرف لِما يستقبل.
وجيء به في صيغة الماضي لتحقيق وقوع ذلك.
والمعنى: نبعث عليكم عباداً لنا فيجوسون ونرد لكم الكرة عليهم ونمددكم بأموال وبنين ونجعلكم أكثر نفيراً.
و (ثم) تفيد التراخي الرتبي والتراخي الزمني معاً.
والردّ: الإرجاع.
وجيء بفعل رددنا } ماضياً جَرياً على الغالب في جواب (إذا) كما جاء شرطها فعلاً ماضياً في قوله: ﴿ فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا ﴾ [الإسراء: 5] أي إذا يجيء يبعث.
والكرة: الرجعة إلى المكان الذي ذهب منه.
فقوله: عليهم } ظرف مستقر هو حال من ﴿ الكرة ﴾ ، لأن رجوع بني إسرائيل إلى أورشليم كان بتغلب ملك فارس على ملك بابل.
وذلك أن بني إسرائيل بعد أن قضوا نيفاً وأربعين سنة في أسر البابليين وتابوا إلى الله وندموا على ما فرط منهم سَلط الله ملوكَ فارس على ملوك بابل الأشوريين؛ فإن الملك (كُورش) ملك فارس حارب البابليين وهزمهم فضعُف سلطانهم، ثم نزل بهم (دَاريوس) ملك فارس وفتح بابل سنة 538 قبل المسيح، وأذن لليهود في سنة 530 قبل المسيح أن يرجعوا إلى أورشليم ويجددوا دولتهم.
وذلك نصر انتصروه على البابليين إذ كانوا أعواناً للفرس عليهم.
والوعد بهذا النصر ورد أيضاً في كتاب أشعياء في الإصحاحات: العاشر، والحادي عشر، والثاني عشر، وغيرها، وفي كتاب أرميا في الإصحاح الثامن والعشرين والإصحاح التاسع والعشرين.
وقوله: ﴿ وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيراً ﴾ هو من جملة المقضي الموعود به.
ووقع في الإصحاح التاسع والعشرين من كتاب أرميا «هكذا قال الرب إلهُ إسرائيل لكل السبي الذي سبيتهُ من أورشليم إلى بابل: ابنوا بيوتاً واسكنوا، واغرسوا جنات، وكلوا ثمرها، خُذوا نساء ولِدُوا بنين وبناتتٍ، واكثروا هناك ولا تقِلُّوا».
و ﴿ نفيراً ﴾ تمييز «لأكثر» فهو تبيين لجهة الأكثرية، والنفير.
اسم جمع للجماعة التي تنفر مع المرء من قومه وعشيرته، ومنه قول أبي جهل: «لا في العير ولا في النفير».
والتفضيل في (أكثر) تفضيل على أنفسهم، أي جعلناكم أكثر مما كنتم قبل الجَلاء، وهو المناسب لمقام الامتنان.
وقال جمع من المفسرين: أكثرَ نفيراً من أعدائكم الذين أخرجوكم من دياركم، أي أفنى معظم البابليين في الحروب مع الفرس حتى صار عدد بني إسرائيل في بلاد الأسر أكثر من عدد البابليين.
وقوله: ﴿ إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها ﴾ من جملة المقضي في الكتاب مما خوطب به بنو إسرائيل، وهو حكاية لما في الإصحاح التاسع والعشرين من كتاب أرميا «وصلُّوا لأجلها إلى الرب لأنه بسلامها يكون لكم سلام».
وفي الإصحاح الحادي والثلاثين «يقول الرب أزرعُ بيت إسرائيل وبيتَ يَهوذا ويكون كما سهرِتُ عليهم للاقتلاع والهدم والقَرض والإهلاك، كذلك أسْهَر عليهم للبناء والغرس في تلك الأيام لا يقولون: الآباء أكلوا حِصْرِماً وأسنان الأبناء ضَرِستْ بل كل واحد يموت بذنبه كل إنسان يأكل الحِصْرِم تَضرِس أسنانُه».
ومعنى ﴿ إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم ﴾ أننا نرد لكم الكرة لأجل التوبة وتجدد الجيل وقد أصبحتم في حالة نعمة، فإن أحسنتم كان جزاؤكم حسناً وإن أسأتم أسأتم لأنفسكم، فكما أهلكنا مَن قبلكم بذنوبهم فقد أحسنا إليكم بتوبتكم فاحذروا الإساءة كيلا تصيروا إلى مصير مَن قبلكم.
وإعادة فعل ﴿ أحسنتم ﴾ تنويه فلم يقل: إن أحسنتم فلأنفسكم.
وذلك مثل قول الأحوص: فإذا تَزول تزول عن مُتخمّط *** تُخشى بوادِره على الأقرانِ قال أبو الفتح ابن جني في شرح بيت الأحوص في الحماسة: إنما جاز أن يقول (فإذا تَزولُ تزول) لِما اتصل بالفعل الثاني من حرف الجر المفادة منه الفائدة.
ومثله قول الله تعالى: ﴿ هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كم غوينا ﴾ [القصص: 63]، ولو قال: هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم لم يفد القول شيئاً كقولك: الذي ضربتهُ ضربتُه.
وقد كان أبو علي امتنع في هذه الآية مما أخذناه (في الأصل أجزناه) غير أن الأمر فيها عندي على ما عرفتُك ا ه.
والظاهر أن امتناع أبي علي من ذلك في هذه الآية أنه يرى جَواز أن تكون أغويناهم تأكيداً لأغوينا وقوله: كما غوينا استئنافاً بيانياً، لأن اسم الموصول مسند إلى مبتدأ وهو اسم الإشارة فتم الكلام بذلك، بخلاف بيت الأحوص ومثال ابن جني: الذي ضربته ضربتهُ، فيرجع امتناع أبي علي إلى أن ما أخذه ابن جني غير متعين في الآية تعيُّنَه في بيت الأحوص.
وأسلوب إعادة الفعل عند إرادة تعلق شيء به أسلوب عربي فصيح يقصد به الاهتمام بذلك الفعل.
وقد تكرر في القرآن، قال تعالى: ﴿ وإذا بطشتم بطشتم جبارين ﴾ [الشعراء: 130] وقال: ﴿ وإذا مروا باللغو مروا كراما ﴾ [الفرقان: 72].
وقوله: إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم } جاء على طريقة التجريد بأن جعلت نفس المحسن كذات يحسن لها.
فاللام لتعدية فعل ﴿ أحسنتم ﴾ ، يقال: أحسنت لفلان.
وكذلك قوله: ﴿ وإن أسأتم فلها ﴾ .
فقوله: ﴿ فلها ﴾ متعلق بفعل محذوف بعد فاء الجواب، تقديره: أسأتم لها.
وليس المجرور بظرف مستقر خبراً عن مبتدأ محذوف يدل عليه فعل ﴿ أسأتم ﴾ لأنه لو كان كذلك لقال فعَلَيها، كقوله في سورة [فصلت: 46] ﴿ من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها ﴾ ووجه المخالفة بين أسلوب الآيتين أن آية فصلت ليس فيها تجريد، إذ التقدير فيها: فعمله لنفسه وإساءته عليه، فلما كان المقدر اسماً كان المجرور بعده مستقراً غير حرف تعدية، فجرى على ما يقتضيه الإخبار من كون الشيء المخبَر عنه نافعاً فيخبر عنه بمجرور باللام، أو ضاراً يخبر عنه بمجرور ب (إلى)، وأما آية الإسراء ففعل أحسنتم وأسأتم الواقعان في الجوابين مقتضيان التجريد فجاءا على أصل تعديتهما باللام لا لقصد نفع ولا ضر.
تفريع على قوله: ﴿ وإن أسأتم فلها ﴾ [الإسراء: 7]، إذ تقدير الكلام فإذا أسأتم وجاء وعدُ المرة الآخرة.
وقد حصل بهذا التفريع إيجاز بديع قضاءً لِحَقّ التقسيم الأول في قوله: ﴿ فإذا جاء وعد أولاهما ﴾ [الإسراء: 5]، ولِحَقّ إفادة ترتب مجيء وعد الآخرة على الإساءة، ولو عطف بالواو كما هو مقتضى ظاهر التقسيم إلى مرتين فاتت إفادة الترتب والتفرع.
والآخرة } صفة لمحذوف دل عليه قوله: ﴿ مرتين ﴾ ، أي وعد المرة الآخرة.
وهذا الكلام من بقية ما قضي في الكتاب بدليل تفريعه بالفاء.
والآخرة ضد الأولى.
ولاماتُ «ليسوؤوا، وليدخلوا، وليتبروا» للتعليل، وليست للأمر لاتفاق القراءات المشهورة على كسر اللامين الثاني والثالث، ولو كانا لامَيْ أمرٍ لكانَا ساكنين بعد واو العطف، فيتعين أن اللام الأول لام أمر لا لام جر.
والتقدير فإذا جاء وعد الآخرة بعثنا عباداً لنا ليسوؤا وجوهكم الخ.
وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وحفص، وأبو جعفر، ويعقوب ﴿ ليسوؤا ﴾ بضمير الجمع مثل أخواته الأفعاللِ الأربعة.
والضمائر راجعة إلى محذوف دلّ عليه لام التعليل في قوله: ﴿ ليسوؤا ﴾ إذ هو متعلق بما دل عليه قوله في ﴿ وعد أولاهما بعثنا عليكم عباداً لنا ﴾ [الإسراء: 5]، فالتقدير: فإذا جاء وعد الآخرة بعثنا عليكم عباداً لنا ليسوؤوا وجوهكم.
وليست عائدة إلى قوله: عبادا لنا } المصرح به في قوله: ﴿ فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عباداً لنا أولى بأس شديد ﴾ [الإسراء: 5]، لأن الذين أساؤوا ودخلوا المسجد هذه المرة أمة غير الذين جاسوا خلال الديار حسب شهادة التاريخ وأقوال المفسرين كما سيأتي.
وقرأ ابن عامر، وحمزة، وأبو بكر عن عاصم، وخلف ليسوءَ } بالإفراد والضمير لله تعالى.
وقرأ الكسائي ﴿ لنَسوء ﴾ بنون العظمة.
وتوجيهُ هاتين القراءتين من جهة موافقة رسم المصحف أن الهمزة المفتوحة بعد الواو قد ترسم بصورة ألف،، فالرسم يسمح بقراءة واو الجماعة على أن يكون الألف ألف الفرق وبقراءتي الإفراد على أن الألف علامة الهمزة.
وضميرا «ليسوءوا وليدخلوا» عائدان إلى ﴿ عباداً لنا ﴾ [الإسراء: 5] باعتبار لفظه لا باعتبار ما صدق المعاد، على نحو قولهم: عندي درهم ونصفه، أي نصف صاحب اسم درهم، وذلك تعويل على القرينة لاقتضاء السياق بُعد الزمن بين المرتين: فكان هذا الإضمار من الإيجاز.
وضمير كما دخلوه } عائد إلى العباد المذكور في ذكر المرة الأولى بقرينة اقتضاء المعنى مراجع الضمائر كقوله تعالى: ﴿ وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها ﴾ [الروم: 9]، وقول عباس بن مرداس: عُدنا ولولا نحن أحدق جمعهم *** بالمسلمين وأحرزوا ما جَمّعوا فالسياق دال على معاد (أحرزوا) ومعاد (جَمّعوا).
وسَوْء الوجوه: جَعْل المساءة عليها، أي تسليط أسباب المساءة والكآبة عليكم حتى تبدو على وجوهكم لأن ما يخالج الإنسان من غم وحزن، أو فرح ومسرة يظهر أثره على الوجه دون غيره من الجسد، كقول الأعشى: وأقدِمْ إذا ما أعين الناس تَفْرق *** أراد إذا ما تفرق الناس وتظهر علامات الفرق في أعينهم.
ودخول المسجد دخول غزو بقرينة التشبيه في قوله: كما دخلوه أول مرة } المراد منه قوله: ﴿ فجاسوا خلال الديار ﴾ [الإسراء: 5].
والتتبِير: الإهلاك والإفساد.
وما علوا} موصول هو مفعول «يتبروا»، وعائد الصلة محذوف لأنه متصل منصوب، والتقدير: ما علوه، والعلو علو مجازي وهو الاستيلاء والغلب.
ولم يعدهم الله في هذه المرة إلا بتوقع الرحمة دون رد الكرة، فكان إيماء إلى أنهم لا مُلك لهم بعد هذه المرة.
وبهذا تبين أن المشار إليه بهذه المرة الآخرة هو ما اقترفه اليهود من المفاسد والتمرد وقتل الأنبياء والصالحين والاعتداء على عيسى وأتباعه، وقد أنذرهم النبي مَلاّخي في الإصحاحين الثالث والرابع من كتابه وأنذرهم زكرياء ويحيى وعيسى فلم يرعووا فضربهم الله الضربة القاضية بيد الرومان.
وبيان ذلك: أن اليهود بعد أن عادوا إلى أورشليم وجددوا ملكهم ومسجدهم في زمن (داريوس) وأطلق لهم التصرف في بلادهم التي غلبهم عليها البابليون وكانوا تحت نفوذ مملكة فارس، فمكثوا على ذلك مائتي سنة من سنة 530 إلى سنة 330 قبل المسيح، ثم أخذ ملكهم في الانحلال بهجوم البطالسة ملوك مصر على أورشليم فصاروا تحت سلطانهم إلى سنة 166 قبل المسيح إذ قام قائد من إسرائيل اسمه (ميثيا) وكان من اللاويين فانتصر لليهود وتولى الأمر عليهم وتسلسل الملك بعده في أبنائه في زمن مليء بالفتن إلى سنة أربعين قبل المسيح.
دخلت المملكة تحت نفوذ الرومانيين وأقاموا عليها أمراء من اليهود كان أشهرهم (هيرودس) ثم تمردوا للخروج على الرومانيين، فأرسَل فيصر رومية القائدَ (سيسيَانوس) مع ابنه القائد (طيطوس) بالجيوش في حدود سنة أربعين بعد المسيح فخربت أورشليم واحترق المسجد، وأسر (طيطوس) نيفاً وتسعين ألفاً من اليهود، وقُتل من اليهود في تلك الحروب نحو ألف ألف، ثم استعادوا المدينة وبقي منهم شرذمة قليلة بها إلى أن وافاهم الأمبراطور الروماني (أدريانوس) فهدمها وخربها ورمى قناطير المِلح على أرضها كيلا تعود صالحة للزراعة، وذلك سنة 135 للمسيح.
وبذلك انتهى أمر اليهود وانقرض، وتفرقوا في الأرض ولم تخرج أورشليم من حكم الرومان إلا حين فتحها المسلمون في زمن عمر بن الخطاب سنة 16 ه صلحاً مع أهلها وهي تسمى يومئذٍ (إيلياء).
وقوله: ﴿ وإن عدتم عدنا ﴾ يجوز أن تكون الواو عاطفة على جملة ﴿ عسى ربكم أن يرحمكم ﴾ عطفَ الترهيب على الترغيب.
ويجوز أن تكون معترضة والواو اعتراضية.
والمعنى: بعد أن يرحمكم ربكم ويؤمنكم في البلاد التي تلْجأون إليها، إن عدتم إلى الإفساد عدنا إلى عقابكم، أي عدنا لمثل ما تقدم من عقاب الدنيا.
وجملة ﴿ وجعلنا جهنم للكافرين حصيراً ﴾ عطف على جملة ﴿ عسى ربكم أن يرحمكم ﴾ لإفادة أن ما ذكر قبله من عقاب إنما هو عقاب دنيوي وأن وراءه عقاب الآخرة.
وفيه معنى التذييل لأن التعريف في ﴿ للكافرين ﴾ يعم المخاطبين وغيرهم.
ويومئ هذا إلى أن عقابهم في الدنيا ليس مقصوراً على ذنوب الكفر بل هو منوط بالإفساد في الأرض وتعدي حدود الشريعة.
وأما الكفر بتكذيب الرسل فقد حصل في المرة الآخرة فإنهم كذبوا عيسى، وأما في المرة الأولى فلم تأتهم رسل ولكنهم قتلوا الأنبياء مثل أشعياء، وأرمياء، وقتل الأنبياء كفر.
والحصير: المكان الذي يحصر فيه فلا يستطاع الخروج منه، فهو إما فعيل بمعنى فاعل، وإما بمعنى مفعول على تقدير متعلق، أي محصور فيه.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ ﴾ مَعْنى قَضَيْنا ها هُنا أخْبَرْنا.
وَيَحْتَمِلُ وجْهًا ثانِيًا: أنَّ مَعْناهُ حَكَمْنا، قالَهُ قَتادَةُ.
وَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ وَقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ أيْ قَضَيْنا عَلَيْهِمْ.
﴿ لَتُفْسِدُنَّ في الأرْضِ مَرَّتَيْنِ ﴾ الفَسادُ الَّذِي فَعَلُوهُ قَتْلُهم لِلنّاسِ ظُلْمًا وتَغَلُّبُهم عَلى أمْوالِهِمْ قَهْرًا، وإخْرابُ دِيارِهِمْ بَغْيًا.
وَفِيمَن قَتَلُوهُ مِنَ الأنْبِياءِ في الفَسادِ الأوَّلِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ زَكَرِيّا قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّهُ شِعْيا، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، وأنَّ زَكَرِيّا ماتَ حَتْفَ أنْفِهِ.
أمّا المَقْتُولُ مِنَ الأنْبِياءِ في الفَسادِ الثّانِي فَيَحْيى بْنُ زَكَرِيّا في قَوْلِ الجَمِيعِ، قالَ مُقاتِلٌ: وإنْ كانَ بَيْنَهُما مِائَتا سَنَةٍ وعَشْرٌ.
﴿ فَإذا جاءَ وعْدُ أُولاهُما ﴾ يَعْنِي أُولى المَرَّتَيْنِ مِن فَسادِهِمْ.
﴿ بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ﴾ في قَوْلِهِ بَعَثْنا وجْهانِ: أحَدُهُما: خَلَّيْنا بَيْنَكم وبَيْنَهم خِذْلانًا لَكم بِظُلْمِكم، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: أمَرْنا بِقِتالِكُمُ انْتِقامًا مِنكم.
وَفي المَبْعُوثِ عَلَيْهِمْ في هَذِهِ المَرَّةِ الأُولى خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: جالُوتُ وكانَ مَلِكُهم طالُوتَ إلى أنْ قَتَلَهُ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّهُ بُخْتُنَصَّرُ، وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ.
الثّالِثُ: أنَّهُ سَنْحارِيبُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
الرّابِعُ: أنَّهُمُ العَمالِقَةُ وكانُوا كُفّارًا، قالَهُ الحَسَنُ.
الخامِسُ: أنَّهم كانُوا قَوْمًا مِن أهْلِ فارِسَ يَتَجَسَّسُونَ أخْبارَهم، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.
﴿ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي مَشَوْا وتَرَدَّدُوا بَيْنَ الدُّورِ والمَساكِنِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وهو أبْلَغُ في القَهْرِ.
الثّانِي: مَعْناهُ فَداسُوا خِلالَ الدِّيارِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: إلَيْكَ جُسْتُ اللَّيْلَ بِالمَطِيِّ الثّالِثُ: مَعْناهُ فَقَتَلُوهم بَيْنَ الدُّورِ والمَساكِنِ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانِ بْنِ ثابِتٍ: ومِنّا الَّذِي لاقى بِسَيْفِ مُحَمَّدٍ ∗∗∗ فَجاسَ بِهِ الأعْداءَ عَرْضَ العَساكِرِ الرّابِعُ: مَعْناهُ فَتَّشُوا وطَلَبُوا خِلالَ الدِّيارِ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
الخامِسُ: مَعْناهُ نَزَلُوا خِلالَ الدِّيارِ، قالَهُ قُطْرُبٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: فَجُسْنا دِيارَهم عَنْوَةً ∗∗∗ وأُبْنا بِساداتِهِمْ مُوَثَّقِينا قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الكَرَّةَ عَلَيْهِمْ ﴾ يَعْنِي الظَّفَرَ بِهِمْ، وفي كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ غَزَوْا مَلِكَ بابِلَ واسْتَنْقَذُوا ما في يَدَيْهِ مِنَ الأسْرى والأمْوالِ.
الثّانِي: أنَّ مَلِكَ بابِلَ أطْلَقَ مَن في يَدِهِ مِنَ الأسْرى، ورَدَّ ما في يَدِهِ مِنَ الأمْوالِ.
الثّالِثُ: أنَّهُ كانَ بِقَتْلِ جالُوتَ حِينَ قَتَلَهُ داوُدُ.
﴿ وَأمْدَدْناكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ ﴾ بِتَجْدِيدِ النِّعْمَةِ عَلَيْهِمْ.
﴿ وَجَعَلْناكم أكْثَرَ نَفِيرًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أكْثَرَ عِزًّا وجاهًا مِنهم.
الثّانِي: أكْثَرَ عَدَدًا، وكَثْرَةُ العَدَدِ تُنَفِّرُ عَدُوَّهم مِنهم، قالَ تُبَعُ بْنُ بَكْرٍ: فَأكْرِمْ بِقَحْطانَ مِن والِدٍ ∗∗∗ وحِمْيَرَ أكْرِمْ بِقَوْمٍ نَفِيرا قالَ قَتادَةُ: فَكانُوا بِها مِائَتَيْ سَنَةٍ وعَشْرَ سِنِينَ، وبُعِثَ فِيهِمْ أنْبِياءُ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لأنْفُسِكُمْ ﴾ لِأنَّ الجَزاءَ بِالثَّوابِ يَعُودُ إلَيْها، فَصارَ ذَلِكَ إحْسانًا لَها.
﴿ وَإنْ أسَأْتُمْ فَلَها ﴾ أيْ فَإلَيْها تَرْجِعُ الإساءَةُ لِما يَتَوَجَّهُ إلَيْها مِنَ العِقابِ، فَرَغَّبَ في الإحْسانِ وحَذَّرَ مِنَ الإساءَةِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ ﴾ يَعْنِي وعَدَ المُقابَلَةَ عَلى فَسادِهِمْ في المَرَّةِ الثّانِيَةِ.
وَفِيمَن جاءَهم فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: بُخْتُنَصَّرُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: أنَّهُ انْطِياخُوسُ الرُّومِيُّ مَلِكُ أرْضِ نِينَوى، وهو قَوْلُ مُقاتِلٍ، وقِيلَ إنَّهُ قَتَلَ مِنهم مِائَةَ ألْفٍ وثَمانِينَ ألْفًا، وحَرَقَ التَّوْراةَ وأخْرَبَ بَيْتَ المَقْدِسِ، ولَمْ يَزَلْ عَلى خَرابِهِ حَتّى بَناهُ المُسْلِمُونَ.
﴿ وَلِيَدْخُلُوا المَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ يَعْنِي بَيْتَ المَقْدِسِ.
﴿ وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيرًا ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الهَلاكُ والدَّمارُ.
الثّانِي: أنَّهُ الهَدْمُ والإخْرابُ، قالَهُ قُطْرُبٌ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ: وما النّاسُ إلّا عامِلانِ فَعامِلٌ ∗∗∗ يُتَبِّرُ ما يَبْنِي وآخَرُ رافِعُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ عَسى رَبُّكم أنْ يَرْحَمَكُمْ ﴾ يَعْنِي مِمّا حَلَّ بِكم مِنَ الِانْتِقامِ مِنكم.
﴿ وَإنْ عُدْتُمْ عُدْنا ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: إنْ عُدْتُمْ إلى الإساءَةِ عُدْنا إلى الِانْتِقامِ، فَعادُوا.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ المُؤْمِنِينَ يُذِلُّونَهم بِالجِزْيَةِ والمُحارِبَةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
الثّانِي: إنْ عُدْتُمْ إلى الطّاعَةِ عُدْنا إلى القَبُولِ، قالَهُ بَعْضُ الصّالِحِينَ.
﴿ وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيرًا ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي فِراشًا ومِهادًا، قالَهُ الحَسَنُ: مَأْخُوذٌ مِنَ الحَصِيرِ المُفْتَرَشِ.
الثّانِي: حَبْسًا يُحْبَسُونَ فِيهِ، قالَهُ قَتادَةُ، مَأْخُوذٌ مِنَ الحَصْرِ وهو الحَبْسُ.
والعَرَبُ تُسَمِّي المَلِكَ حَصِيرًا لِأنَّهُ بِالحُجّابِ مَحْصُورٌ، قالَ لَبِيدٌ: ؎ ومَقامَةٍ غُلْبِ الرِّقابِ كَأنَّهم ∗∗∗ جِنٌّ لَدى بابِ الحَصِيرِ قِيامُ <div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير عن حذيفة أنه قرأ ﴿ سبحان الذي أسرى بعبده من الليل من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ﴾ .
وأخرج الطستي عن ابن عباس، أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله تعالى: ﴿ سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً ﴾ قال: ﴿ سبحان ﴾ تنزيه الله تعالى ﴿ الذي أسرى ﴾ بمحمد صلى الله عليه وسلم ﴿ من المسجد الحرام ﴾ إلى بيت المقدس، ثم رده إلى المسجد الحرام.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم، أما سمعت الأعشى وهو يقول: قلت له لما علا فخره ** سبحان من علقمة الفاجر وأخرج ابن أبي شيبة وابن مردويه من طريق ثابت، عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أتيت بالبراق، وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل، يضع حافره عند منتهى طرفه...
فركبته حتى أتيت بيت المقدس فربطته بالحلقة التي تربط بها الأنبياء، ثم دخلت المسجد فصليت ركعتين ثم خرجت، فجاءني جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن، فاخترت اللبن فقال جبريل: اخترت الفطرة.
ثم عرج بنا إلى سماء الدنيا فاستفتح جبريل فقيل: من أنت؟
قال: جبريل.
قيل: ومن معك؟
قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟
قال: قد بعث إليه.
ففتح لنا فإذا أنا بآدم، فرحب بي ودعا لي بخير.
ثم عرج بنا إلى السماء الثانية، فاستفتح جبريل فقيل: من أنت؟
قال: جبريل.
قيل: ومن معك؟
قال: محمد، قيل: بعث إليه؟
قال: قد بعث إليه.
ففتح لنا فإذا أنا بإبني الخالة، عيسى ابن مريم ويحيى بن زكريا، فرحّبا بي ودعوا إلي بخير.
ثم عرج بنا إلى السماء الثالثة فاستفتح جبريل فقيل: من أنت؟
قال: جبريل.
قيل: ومن معك؟
قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟
قال: قد بعث إليه.
ففتح لنا فإذا أنا بيوسف، وإذا هو قد أعطي شطر الحسن، فرحب بي ودعا لي بخير.
ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة فاستفتح جبريل فقيل: من هذا؟
قال: جبريل.
قيل: ومن معك؟
قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟
قال: قد بعث إليه.
ففتح لنا فإذا أنا بإدريس، فرحب بي ودعا لي بخير.
ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة فاستفتح جبريل فقيل: من هذا؟
قال: جبريل.
قيل: ومن معك؟
قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟
قال: قد بعث إليه.
ففتح لنا فإذا أنا بهارون، فرحب بي ودعا لي بخير.
ثم عرج بنا إلى السماء السادسة فاستفتح جبريل فقيل: من هذا؟
قال: جبريل.
قيل: ومن معك؟
قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟
قال: قد بعث إليه.
ففتح لنا فإذا أنا بموسى، فرحب بي ودعا لي بخير.
ثم عرج بنا إلى السماء السابعة فاستفتح، فقيل: من هذا؟
قال: جبريل.
قيل: ومن معك؟
قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟
قال: قد بعث إليه.
ففتح لنا فإذا أنا بإبراهيم مسند ظهره إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه، ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى، فإذا ورقها فيها كآذان الفيلة، وإذا ثمرها كالقلال، فلما غشيها من أمر الله ما غشى تغيرت، فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها، فأوحى إلي ما أوحى وفرض عليّ خمسين صلاة في كل يوم وليلة، فنزلت حتى انتهيت إلى موسى فقال: ما فرض ربك على أمتك؟
قلت: خمسين صلاة.
قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإن أمتك لا تطيق ذلك، فإني قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم.
فرجعت إلى ربي فقلت: يا رب، خفف عن أمتي.
فحط عني خمساً فرجعت إلى موسى فقلت: حط عني خمساً، فقال: إن أمتك لا يطيقون ذلك، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف.
قال: فلم أزل أرجع بين ربي وموسى حتى قال: يا محمد، إنهن خمس صلوات لكل يوم وليلة، بكل صلاة عشر، فتلك خمسون صلاة، ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشراً، ومن همّ بسيئة فلم يعملها لم تكتب شيئاً، فإن عملها كتبت سيئة واحدة.
فنزلت حتى انتهيت إلى موسى فأخبرته فقال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فقلت: قد رجعت إلى ربي حتى استحيت منه» .
وأخرج البخاري ومسلم وابن جرير وابن مردويه من طريق شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن أنس قال: «ليلة أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم من مسجد الكعبة، جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه وهو نائم في المسجد الحرام، فقال أولهم: أيهم هو؟
فقال أوسطهم: هو خيرهم.
فقال أحدهم: خذوا خيرهم.
فكانت تلك الليلة فلم يرهم حتى أتوه ليلة أخرى، فيما يرى قلبه، وتنام عيناه ولا ينام قلبه، وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم، فلم يكلموه حتى احتملوه فوضعوه عند بئر زمزم، فتولاه منهم جبريل فشق جبريل ما بين نحره إلى لبته حتى فرغ من صدره وجوفه، فغسله من ماء زمزم بيده حتى أنقى جوفه، ثم أتى بطست من ذهب محشواً إيماناً وحكمة فحشا به صدره ولغاديده- يعني عروق حلقه- ثم أطبقه ثم عرج به إلى السماء الدنيا، فضرب باباً من أبوابها فقيل: من هذا؟
قال: جبريل.
قيل: ومن معك؟
قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟
قال: نعم.
قالوا: مرحباً به وأهلاً.
ووجد في السماء الدنيا آدم، فقال له جبريل: هذا أبوك آدم فسلم عليه، فسلم عليه ورد عليه آدم وقال: مرحباً وأهلاً بابني...
نعم الإبن أنت.
فإذا هو في السماء الدنيا بنهرين يطردان فقال: ما هذان النهرين يا جبريل؟
قال: هذا النيل والفرات عنصرهما.
ثم مضى به في السماء فإذا هو بنهر آخر عليه قصر من لؤلؤ وزبرجد، فضرب بيده فإذا هو مسك أذفر.
قال: ما هذا يا جبريل؟
قال: هذا الكوثر الذي خبأ لك ربك.
ثم عرج به إلى السماء الثانية فقالت الملائكة له مثل ما قالت له الأولى: من هذا؟
قال: جبريل.
قيل: ومن معك؟
قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟
قال: نعم.
قالوا: مرحبا به وأهلاً.
ثم عرج به إلى السماء الثالثة فقالوا له مثل ما قالت الأولى والثانية.
ثم عرج به إلى السماء الرابعة فقالوا له مثل ذلك، ثم عرج به إلى الخامسة فقالوا مثل ذلك، ثم عرج به إلى السادسة فقالوا له مثل ذلك، ثم عرج به إلى السابعة فقالوا له مثل ذلك، كل سماء فيها أنبياء قد سماهم، منهم إدريس في الثانية، وهارون في الرابعة، وآخر في الخامسة ولم أحفظ اسمه، وإبراهيم في السادسة وموسى في السابعة بتفضيل كلام الله، فقال موسى: رب لم أظن أن ترفع عليّ أحداً، ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله حتى جاء سدرة المنتهى، ودنا الجبار رب العزة فتدلّى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى، فأوحى الله فيما يوحي إليه خمسين صلاة على أمتك كل يوم وليلة، ثم هبط حتى بلغ موسى فاحتبسه موسى فقال: يا محمد، ماذا عهد إليك ربك؟
قال: عهد إلي، خمسين صلاة كل يوم وليلة.
قال: إن أمتك لا تستطيع ذلك، ارجع فليخفف عنك ربك وعنهم.
فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم كأنه يستشيره فأشار إليه جبريل أن نعم إن شئت، فعلا به إلى الجبار تبارك وتعالى فقال وهو مكانه: يا رب، خفف عنا...؛ فإن أمتي لا تستطيع ذلك.
فوضع عنه عشر صلوات.
ثم رجع إلى موسى واحتبسه، فلم يزل يردده موسى إلى ربه حتى صارت إلى خمس صلوات، ثم احتبسه موسى عند الخمس فقال: يا محمد، والله لقد راودت بني إسرائيل على أدنى من هذا فضعفوا وتركوه، فأمتك أضعف أجساداً وقلوباً وأبداناً وأبصاراً وأسماعاً، فارجع فليخفف عنك ربك كل ذلك.
يلتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى جبريل ليشير عليه ولا يكره ذلك جبريل، فرفعه عند الخامسة فقال: يا رب، إن أمتي ضعفاء أجسادهم وقلوبهم وأسماعهم وأبدانهم، فخفف عنا.
فقال الجبار: يا محمد، قال: لبيك وسعديك.
قال: إنه لا يبدل القول لدي كما فرضت عليك في أم الكتاب، وكل حسنة بعشر أمثالها.
فهي خمسون في أم الكتاب وهي خمس عليك.
فرجع إلى موسى فقال: كيف فعلت؟
فقال: خفف عنا، أعطانا بكل حسنة عشر أمثالها.
فقال موسى: قد والله راودت بني إسرائيل على أدنى من ذلك فتركوه، ارجع إلى ربك فليخفف عنك.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا موسى، قد والله استحييت من ربي مما اختلفت إليه.
قال: فاهبط بسم الله.
واستيقظ وهو في المسجد الحرام» .
وأخرج النسائي وابن مردويه من طريق يزيد بن أبي مالك، عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أتيت ليلة أسرى بي بدابة فوق الحمار ودون البغل، خطوها عند منتهى طرفها...
كانت تسخّر للأنبياء قبلي، فركبته معي جبريل فسرت، فقال: انْزِلْ فَصَلِّ.
ففعلت...
فقال: أتدري أين صليت؟
صليت بطيبة وإليها المهاجر إن شاء الله.
ثم قال: انزل فصَلِّ.
ففعلت فقال: أتدري أين صليت؟
صليت بطور سيناء حيث كلم الله موسى، ثم قال: انزل فَصلِّ.
فصليت فقال أتدري أين صليت؟
صليت ببيت لحم حيث ولد عيسى.
ثم دخلت بيت المقدس فجمع لي الأنبياء عليهم السلام، فقدَّمني جبريل فصليت بهم.
ثم صعد بي إلى السماء الدنيا فإذا فيها آدم فقال لي: سلم عليه فقال: مرحباً بإبني والنبي الصالح.
ثم صعد بي إلى السماء الثانية، فإذا فيها ابنا الخالة عيسى ويحيى، ثم صعد بي إلى السماء الثالثة، فإذا فيها يوسف.
ثم صعد بي إلى السماء الرابعة، فإذا فيها هارون.
ثم صعد بي إلى السماء الخامسة فإذا فيها إدريس.
ثم صعد بي إلى السماء السادسة فإذا فيها موسى، ثم صعد بي إلى السماء السابعة فإذا فيها إبراهيم، ثم صعد بي إلى فوق السبع سموات، وأتيت سدرة المنتهى فغشيتني ضبابة...
فخررت ساجداً، فقيل لي: إني يوم خلقت السماوات والأرض فرضت عليك وعلى أمتك خمسين صلاة، فقم بها أنت وأمتك، فمررت على إبراهيم فلم يسألني شيئاً، ثم مررت على موسى فقال لي: كم فرض عليك وعلى أمتك؟
قلت: خمسين صلاة.
قال: إنك لن تستطيع أن تقوم بها أنت ولا أمتك، فاسأل ربك التخفيف.
فرجعت فأتيت سدرة المنتهى فخررت ساجداً...
فقلت: يا رب، فرضت علي وعلى أمتي خمسين صلاة، فلن أستطيع أن أقوم بها أنا ولا أمتي...
فخفف عني عشراً.
فمررت على موسى فسألني فقلت: خفف عني عشراً.
قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فخفف عني عشراً ثم عشراً حتى قال: هن خمس بخمسين، فقم بها أنت وأمتك.
فعلمت أنها من الله صرى.
فمررت على موسى فقال لي: كم فرض عليك؟
فقلت: خمس صلوات، فقال: فرض على بني إسرائيل صلاتان فما قاموا بهما، فقلت: إنها من الله فلم أرجع» .
وأخرج ابن أبي حاتم من وجه آخر، عن يزيد بن أبي مالك، عن أنس رضي الله عنه قال: «لما كان ليلة أسرى برسول الله صلى الله عليه وسلم، أتاه جبريل عليه السلام بدابة فوق الحمار ودون البغل.
حمله جبريل عليها ينتهي خفها حيث ينتهي طرفها فلما بلغ بيت المقدس أتى إلى الحجر الذي ثمة، فغمزه جبريل عليه السلام بإصبعه فثقبه، ثم ربطها ثم صعد...
فلما استويا في صرحة المسجد قال جبريل: يا محمد، هل سألت ربك أن يريك الحور العين؟
قال: نعم.
قال: فانطلق إلى أولئك النسوة فسلّم عليهن، وهن جلوس عن يسار الصخرة.
فأتيتهن فسلَّمت عليهن فرددن عليَّ السلام، فقلت: من أنتن؟
فقلن: خيرات حسان...
نساء قوم أبرار نقوا فلم يدرنوا، وأقاموا فلم يظعنوا، وخلدوا فلم يموتوا.
ثم انصرفت فلم ألبث إلا يسيراً حتى اجتمع ناس كثير، ثم أذن مؤذن وأقيمت الصلاة، فقمنا صفوفاً فانتظرنا من يؤمنا، فأخذ جبريل بيدي فقدّمني...
فصليت بهم، فلما انصرفت قال جبريل: يا محمد، أتدري من صلَّى خلفك؟
قلت: لا.
قال: صلى خلفك كل نبي بعثه الله.
ثم أخذ بيدي فصعد بي إلى السماء، فلما انتهينا إلى الباب استفتح، قالوا: من أنت؟
قال: جبريل.
قيل: ومن معك؟
قال: محمد.
قالوا: وقد بعث إليه؟
قال: نعم.
ففتحوا له وقالوا: مرحباً بك وبمن معك.
فلما استوى على ظهرها إذا فيها آدم.
فقال لي جبريل: ألا تسلِّم على أبيك آدم؟
قلت: بلى...
فأتيته فسلمت عليه، فردّ عليّ وقال لي: مرحباً بابني والنبي الصالح.
ثم عرج بي إلى السماء الثانية فاستفتح فقالوا له مثل ذلك، فإذا فيها عيسى ويحيى.
ثم عرج بي إلى السماء الثالثة فاستفتح، فقالوا له مثل ذلك، فإذا فيها يوسف.
ثم عرج بي إلى السماء الرابعة فاستفتح، فقالوا له مثل ذلك، فإذا فيها إدريس.
ثم عرج بي إلى السماء الخامسة فاستفتح، فقالوا له مثل ذلك، فإذا فيها هارون.
ثم عرج بي إلى السماء السادسة فاستفتح، فقالوا له مثل ذلك، فإذا فيها موسى.
ثم عرج بي إلى السماء السابعة فاستفتح، فقالوا له مثل ذلك، فإذا فيها إبراهيم.
ثم انطلق بي على ظهر السماء السابعة حتى انتهى بي إلى نهر عليه خيام الياقوت واللؤلؤ والزبرجد، وعليه طير خضر أنعم طير رأيت.
فقلت: يا جبريل، إن هذا الطير لناعم.
قال: يا محمد، آكله انعم منه.
ثم قال: اتدري أي نهر هذا؟
قلت: لا.
قال: الكوثر الذي أعطاك الله إياه، فإذا فيه آنية الذهب والفضة تجري على رضراض من الياقوت والزمرّد، ماؤه أشد بياضاً من اللبن، فأخذت من آنيته فاغترفت من ذلك الماء فشربت فإذا هو أحلى من العسل وأشد رائحة من المسك.
ثم انطلق بي حتى انتهى إلى الشجرة، فغشيتني سحابة فيها من كل لون، فرفضني جبريل وخررت ساجداً لله.
فقال الله لي: يا محمد، إني يوم خلقت السماوات والأرض فرضت عليك وعلى أمتك خمسين صلاة، فقم بها أنت وأمتك.
ثم انجلت عني السحابة وأخذ بيدي جبريل فانصرفت سريعاً، فأتيت على إبراهيم فلم يقل لي شيئاً، ثم أتيت على موسى فقال: ما صنعت يا محمد؟
قلت: فرض عليَّ وعلى أمتي خمسين صلاة.
قال: فلن تستطيع أنت ولا أمتك.
فارجع إلى ربك فاسأله أن يخفف عنك.
فرجعت سريعاً حتى انتهيت إلى الشجرة، فغشيتني السحابة وخررت ساجداً وقلت: ربي، خفف عنّا.
قال: قد وضعت عنكم عشراً.
ثم انجلت عني السحابة، فرجعت إلى موسى فقلت: وضع عني عشراً.
قال: ارجع إلى ربك فاسأله أن يخفف عنكم.
فوضع عشراً إلى أن قال: هن خمس بخمسين، ثم انحدر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل: ما لي لم آت على أهل سماء إلا رحبوا بي وضحكوا إلي، غير رجل واحد سلمت عليه فرد علي السلام ورحب بي ولم يضحك إلي؟!
قال: ذاك مالك خازن النار، لم يضحك منذ خلق ولو ضحك لأحد لضحك إليك.
قال: ثم ركبت منصرفاً، فبينما هو في بعض طريقه مرّ بعير من قريش تحمل طعاماً منها جمل عليه غرارتان، غرارة سوداء وغرارة بيضاء، فلما حاذى العير نفرت منه واستدارت وصرع ذلك البعير وانكسر، ثم إنه مضى فأصبح فأخبر عما كان، فلما سمع المشركون قوله أتوا أبا بكر رضي الله عنه فقالوا: يا أبا بكر، هل لك في صاحبك؟
يخبر أنه أتى في ليلته هذه مسيرة شهر ثم رجع من ليلته...
!
فقال أبو بكر رضي الله عنه: إن كان قاله فقد صدق، وإنا لنصدقه فيما هو أبعد من هذا، نصدقه على خبر السماء.
فقال المشركون لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما علامة ما تقول؟
قال: مررت بعير لقريش وهي في مكان كذا وكذا، فنفرت العير منا واستدارت...
وفيها بعير عليه غرارتان: غرارة بيضاء، وغرارة سوداء.
فصرع فانكسر، فلما قدمت العير سألوهم فأخبروهم الخبر على مثل ما حدثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك سمي أبو بكر (الصديق) وسألوه: هل كان فيمن حضر معك موسى وعيسى؟
قال: نعم.
قالوا: فصفهما.
قال: أما موسى، فرجل آدم كأنه من رجال ازد عمان.
وأما عيسى، فرجل ربعة سبط، تعلوه حمرة كأنه يتحادر من لحيته الجمان» .
وأخرج ابن جرير وابن مردويه والبيهقي في الدلائل من طريق عبد الرحمن بن هاشم بن عتبة، عن أنس رضي الله عنه قال: «لما جاء جبريل عليه السلام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبراق، فكأنها هزت أذنيها فقال جبريل: يا براق، فوالله ما ركبك مثله.
وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو بعجوز على جانب الطريق، فقال: ما هذه يا جبريل؟
قال: سر يا محمد.
فسار ما شاء الله أن يسير فإذا شيء يدعوه متنحياً عن الطريق يقول: هلم يا محمد، فقال له جبريل: سر يا محمد.
فسار ما شاء الله أن يسير فلقيه خلق من خلق الله فقالوا: السلام عليك يا أول...
السلام عليك يا آخر...
السلام عليك يا حاشر.
فقال له جبريل عليه السلام: اردد السلام.
فرد السلام، ثم لقيه الثانية فقال له مثل ذلك، ثم الثالثة كذلك حتى انتهى إلى بيت المقدس، فعرض عليه الماء والخمر واللبن، فتناول رسول الله اللبن.
فقال له جبريل عليه السلام: أصبت الفطرة، ولو شربت الماء لغرقت أمتك، ولو شربت الخمر لغوت أمتك، ثم بعث له آدم عليه السلام فمن دونه من الأنبياء، فأمّهم رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الليلة، ثم قال جبريل: أما العجوز التي رأيت على جانب الطريق، فلم يبق من الدنيا إلا ما بقي من عمر تلك العجوز، وأما الذي أراد أن تميل إليه، فذاك عدو الله إبليس أراد أن تميل إليه.
وأما الذين سلموا عليك فإبراهيم وموسى وعيسى» .
وأخرج ابن مردويه من طريق كثير بن خنيس، عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بينما أنا مضطجع في المسجد ليلة نائماً، إذ رأيت ثلاثة نفر أقبلوا نحوي، فقال الأول: هو...
هو.
قال الأوسط: نعم.
قال الآخر: خذوا سيد القوم، فرجعوا عني، ثم رأيتهم الليلة الثانية، فقال الأول: هو...
هو.
قال الأوسط: نعم.
قال الآخر: خذوا سيد القوم، فرجعوا عني حتى إذا كانت الليلة الثالثة رأيتهم، فقال الأول هو هو.
وقال الأوسط: نعم.
وقال الآخر: خذوا سيد القوم، حتى جاؤوا بي زمزم فاستلقوني على ظهري ثم غسلوا حشوة بطني، ثم قال بعضهم لبعض: أنقوا.
ثم أتى بطست من ذهب مملوءة حكمة وإيماناً، فأفرغ في جوفي.
ثم عرج بي إلى السماء فاستفتح فقالوا: من هذا؟
قال: جبريل.
قالوا: ومن معك؟
قال: محمد.
قالوا: وقد أرسل إليه؟
قال: نعم.
ففتح...
فإذا آدم إذا نظر عن يمينه ضحك، وإذا نظر عن شماله بكى.
قلت: يا جبريل، من هذا...
!؟
قال: هذا أبوك آدم، إذا نظر عن يمينه رأى من في الجنة من ذريته ضحك، وإذا نظر عن يساره رأى من في النار من ذريته بكى» .
ثم قال أنس بن مالك: يا ابن أخي إنه يطول علي الحديث.
«ثم عرج بي حتى جاء السماء السادسة فاستفتح...
فقال: من هذا؟
قال: جبريل.
قال: ومن معك؟
قال: محمد.
قال: وقد أرسل إليه؟
قال: نعم.
ففتح فإذا موسى.
ثم عرج بي إلى السماء السابعة فاستفتح...
قيل من هذا؟
قال: جبريل.
قيل: ومن معك؟
قال: محمد.
قال: وقد أرسل إليه؟
قال: نعم.
ففتح فإذا إبراهيم، قال مرحباً بالابن والرسول.
ثم مضى حتى جاء الجنة فاستفتح فقيل: من هذا؟
قال: جبريل.
قيل: ومن معك؟
قال: محمد.
قال: وقد أرسل إليه؟
قال: نعم.
ففتح الباب.
قال: فدخلت الجنة فأُعْطِيتُ الكوثر، فإذا نهر في الجنة عضادتاه بيوت مجوفة من لؤلؤ، ثم مضى حتى جاء سدرة المنتهى ﴿ فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى ﴾ [ النجم: 9] ففرض عليّ وعلى أمتي خمسين صلاة، فرجعت حتى أمر موسى فقال: كم فرض عليك وعلى أمتك؟
قلت: خمسين صلاة.
قال: فارجع إلى ربك فاسأله يخفف عنك وعن أمتك.
فرجعت إليه فوضع عني عشراً، فمررت على موسى فقال: كم فرض عليك وعلى أمتك؟
فقلت: أربعين صلاة.
قال: فارجع إلى ربك فاسأله يخفف عنك وعن أمتك.
فرجعت إليه فوضع عني عشراً، فمررت على موسى فقال: كم فرض عليك وعلى أمتك؟
قلت: ثلاثين صلاة.
قال: فارجع إلى ربك فاسأله يخفف عنك وعن أمتك.
فرجعت إليه فوضع عني عشراً، فرجعت إلى موسى فقال: كم فرض عليك وعلى أمتك؟
قلت: عشرين صلاة.
قال: فارجع إلى ربك فاسأله يخفف عنك وعن أمتك.
فرجعت فوضع عني عشراً، ثم مررت على موسى فقال: كم فرض عليك وعلى أمتك؟
قلت: عشر صلوات.
قال: فارجع إلى ربك فاسأله يخفف عنك وعن أمتك.
فرجعت فوضع عني خمساً.
ثم قال: إنه لا يبدل قولي ولا ينسخ كتابي، تخفيفها عنكم كتخفيف خمس صلوات، وإنها لكم كأجر خمسين صلاة.
فمررت على موسى فقال: كم فرض عليك وعلى أمتك؟
قلت: خمس صلوات.
قال: فارجع إلى ربك فاسأله يخفف عنك وعن أمتك.
فإن بني إسرائيل قد أُمِرُوا بأيسر من هذا فلم يطيقوه.
قال: لقد رجعت إلى ربي حتى إني لأستحي منه» .
وأخرج البزار وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الدلائل وصححه، عن شداد بن أوس رضي الله عنه قال: «قلنا يا رسول الله، كيف أسري بك؟
فقال: صليت بأصحابي العتمة بمكة معتماً، فأتاني جبريل بدابة بيضاء فوق الحمار ودون البغل وقال: اركب، فاستصعبت علي فأدارها بأذنها ثم حملني عليها، فانطلقت تهوي بنا...
يقع حافرها حيث أدرك طرفها حتى بلغنا أرضاً ذات نخل، فقال: انزل.
فنزلت فقال: صَلِّ.
فصليت، ثم ركبنا فقال: أتدري أين صليت؟
قلت: الله أعلم.
قال: صليت بيثرب...
صليت بطيبة، ثم انطلقت تهوي بنا يقع حافرها حيث أدرك طرفها، ثم بلغنا أرضاً فقال: انزل.
فنزلت.
فقال: صلِّ فصليت، ثم ركبنا فقال: أتدري أين صليت؟
قلت: الله أعلم.
قال: صليت بمدين، صليت عند شجرة موسى، ثم انطلقت تهوي بنا يقع حافرها حيث أدرك طرفها، ثم بلغنا أرضاً بدت لنا قصورها، فقال: انزل فنزلت، ثم قال: صَلِّ فصليت، ثم ركبنا فقال: أتدري أين صليت؟
فقلت: الله أعلم.
فقال: صليت ببيت لحم حيث ولد عيسى المسيح ابن مريم، ثم انطلق بي حتى دخلنا المدينة من بابها اليماني، فأتى قبلة المسجد فربط فيه الدابة، ودخلنا المسجد من باب فيه تميل الشمس والقمر فصليت من المسجد حيث شاء الله، وأخذني من العطش أشد ما أخذني فأُتيتُ بإناءين في أحدهما لبن وفي الآخر عسل، أُرْسِلَ إلي بهما جميعاً فعدلت بينهما، فهداني الله فأخذت اللبن فشربت حتى فرغت منه، وكان إلى جانبي شيخ متكئ على منبره فقال: أخذ صاحبك الفطرة وإنه لمهدي.
ثم انطلق بي حتى أتينا الوادي الذي في المدينة، فإذا جهنم تنكشف عن مثل الزرابي فقلنا: يا رسول الله، كيف وجدتها؟
قال: مثل الحمة السخنة.
ثم انصرف بي فمررنا بعير قريش بمكان كذا وكذا، وقد أضلوا بعيراً لهم قد جمعه فلان، فسلّمت عليهم فقال بعضهم: هذا صوت محمد، ثم أتيت أصحابي قبل الصبح بمكة فأتاني أبو بكر فقال: يا رسول الله، أين كنت الليلة؟
قد التمستك في مكانك.
فقلت: أعلمت أني أتيت بيت المقدس الليلة؟
فقال: يا رسول الله، إنه مسيرة شهر فصفه لي.
قال: ففتح لي صراط كأني أنظر إليه، لا تسألوني عن شيء إلا أنبأتكم عنه.
فقال أبو بكر رضي الله عنه: أشهد أنك رسول الله.
وقال المشركون: انظروا إلى ابن أبي كبشة، زعم أنه أتى بيت المقدس الليلة فقال: إن من آية ما أقول لكم: أني مررت بعير لكم بمكان كذا وكذا وقد أضلوا بعير لهم فجمعه فلان، وإن مسيرهم ينزلون بكذا ثم كذا، ويأتونكم يوم كذا وكذا يقدمهم جمل آدم عليه شيخ أسود وغرارتان سوداوان، فلما كان ذلك اليوم أشرف القوم ينظرون حتى كان قريباً من نصف النهار قدمت العير يقدمهم ذلك الجمل الذي وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم» .
وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن مردويه من طريق قتادة رضي الله عنه، عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن مالك بن صعصعة حدثه أن رسول الله حدثهم عن ليلة أسري به قال: «بينما أنا في الحطيم- وربما قال قتادة رضي الله عنه- في الحجر مضطجعاً، إذ أتاني آت فجعل يقول لصاحبه: الأوسط بين الثلاثة، فأتاني فشق ما بين هذه إلى هذه- يعني من ثغر نحره إلى شعرته- فاستخرج قلبي، فأوتيت بطست من ذهب مملوء إيماناً وحكمة فغسل قلبي بماء زمزم ثم حشى ثم أعيد مكانه.
ثم أوتيت بدابة أبيض دون البغل وفوق الحمار يقال له البراق، يقع خطوه عند أقصى طرفه فحملت عليه فانطلق بي جبريل حتى أتى بي السماء الدنيا فاستفتح، فقيل: من هذا؟
قال: جبريل.
قيل: ومن معك؟
قال: محمد.
قيل: وقد بعث إليه؟
قال: نعم.
قيل: مرحباً به، ولنعم المجيء جاء، ففتح لنا فلما خلصت فإذا فيها آدم فقلت: يا جبريل، من هذا؟
قال: هذا أبوك آدم عليه السلام، فسلم عليه.
فسلمت عليه فرد علي السلام ثم قال: مرحباً بالابن الصالح والنبي الصالح.
ثم صعد حتى أتى إلى السماء الثانية فاستفتح، فقيل: من هذا؟
قال: جبريل.
قيل: ومن معك؟
قال: محمد.
قيل: أو قد أرسل إليه؟
قال: نعم.
قيل: مرحباً ولنعم المجيء جاء.
ففتح لنا فلما خلصت إذا يحيى وعيسى وهما ابنا الخالة فقلت: يا جبريل، من هذان؟
قال: هذان يحيى وعيسى فسلم عليهما، فسلمت عليهما فردا السلام ثم قالا: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح.
ثم صعد حتى أتى إلى السماء الثالثة فاستفتح، قيل: من هذا؟
قال: جبريل.
قيل: ومن معك؟
قال: محمد.
قيل: وقد أرسل إليه؟
قال: نعم.
قيل: مرحباً به، ولنعم المجيء جاء.
ففتح لنا فلما خلصت إذا يوسف فسلمت عليه فرد السلام ثم قال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح.
ثم صعد حتى أتى إلى السماء الرابعة فاستفتح، قيل: من هذا؟
قال: جبريل.
قيل: ومن معك؟
قال: محمد.
قيل: وقد أرسل إليه؟
قال: نعم.
قيل: مرحباً به، ولنعم المجيء جاء.
ففتح لنا فلما خلصت إذا إدريس فسلمت عليه فرد السلام ثم قال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح ثم صعد حتى أتى السماء الخامسة فاستفتح، فقيل: من هذا؟
قال: جبريل.
قيل: ومن معك؟
قال: محمد.
قيل: وقد أرسل إليه؟
قال: نعم.
قيل: مرحباً به، ولنعم المجيء جاء.
فلما خلصت إذا هارون فسلمت عليه فرد عليّ السلام ثم قال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح ثم صعد حتى أتى إلى السماء السادسة فاستفتح، فقيل: من هذا؟
قال: جبريل.
قيل: ومن معك؟
قال: محمد.
قيل: وقد أرسل إليه؟
قال: نعم.
قيل: مرحباً به، ولنعم المجيء جاء.
ففتح لنا فلما خلصت إذا أنا بموسى فسلمت عليه فرد السلام ثم قال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح، فلما تجاوزت بكى.
قيل له: ما يبكيك؟
قال: أبكي لأن غلاماً بُعِثَ بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخلها من أمتي.
ثم صعد حتى أتى إلى السماء السابعة فاستفتح، فقيل: من هذا؟
قال: جبريل.
قيل: ومن معك؟
قال: محمد.
قيل: وقد أرسل إليه؟
قال: نعم.
قيل: مرحباً به، ولنعم المجيء جاء.
ففتح لنا فلما خلصت إذا إبراهيم، قلت: من هذا يا جبريل قال: هذا أبوك إبراهيم فسلّم عليه، فسلمت عليه فرد السلام ثم قال: مرحباً بالابن الصالح والنبي الصالح.
ثم رفعت إلى سدرة المنتهى فإذا نبقها مثل قلال هجر وإذا ورقها مثل آذان الفيلة وإذا أربعة أنهار يخرجن من أصلها: نهران باطنان: ونهران ظاهران، فقلت: يا جبريل، ما هذه الأنهار...
!؟
فقال: أما الباطنان، فنهران في الجنة.
وأما الظاهران فالنيل والفرات، ثم رفع إليَّ البيت المعمور قلت: يا جبريل، ما هذا؟
قال: هذا البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألفاً من الملائكة، إذا خرجوا منه لم يعودوا فيه، آخر ما عليهم.
ثم أُتِيتُ باناءين أحدهما خمر والآخر لبن، فعرضا عليّ فقيل: خذ أيهما شئت فأخذت اللبن فقيل لي: أصبت الفطرة، أنت عليها وأمتك.
ثم فرضت عليَّ الصلاة خمسون صلاة كل يوم، فنزلت حتى انتهيت إلى موسى فقال: ما فرض ربك على أمتك؟
قلت: خمسين صلاة كل يوم.
قال: إن أمتك لا تستطيع ذلك وإني قد خبرت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك.
فرجعت إلى ربي فحط عني خمساً، فأقبلت حتى أتيت على موسى فأنبأته بما حط فقال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، فإن أمتك لا يطيقون ذلك.
قال: فما زلت بين موسى وبين ربي يحط عني خمساً خمساً حتى أقبلت بخمس صلوات، فأتيت على موسى فقال: بم أمرت؟
قلت: بخمس صلوات كل يوم.
قال: إن أمتك لا يطيقون ذلك...
إني قد بلوت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك.
فقلت: لقد رجعت إلى ربي حتى لقد استحيت، ولكني أرضى وأسلم فنوديت أن يا محمد، إني قد أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي الحسنة بعشر أمثالها» .
وأخرج البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه وابن مردويه من طريق يونس، عن ابن شهاب، عن أنس رضي الله عنه قال: كان أبو ذر رضي الله عنه يحدث أن رسول الله قال: «فرج سقف بيتي وأنا بمكة، فنزل جبريل ففرج صدري ثم غسله بما زمزم، ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيماناً فأفرغه في صدري ثم أطبقه، ثم أخذ بيدي فعرج بي إلى السماء، فلما جئنا السماء الدنيا قال جبريل عليه السلام لخازن السماء: افتح.
قال: من هذا؟
قال: جبريل.
قال: هل معك أحد؟
قال: نعم، معي محمد.
قال: أرسل إليه؟
قال: نعم.
ففتح، فلما علونا السماء الدنيا إذا رجل قاعد عن يمينه أسودة وعلى يساره أسودة، فإذا نظر قبل يمينه تبسم وإذا نظر قبل شماله بكى، فقال: مرحباً بالنبي الصالح والابن الصالح، قلت لجبريل: من هذا؟
قال: هذا آدم، وهذه الأسودة عن يمينه وعن شماله نسم بنيه، فأهل اليمين منهم أهل الجنة.
والأسودة التي عن شماله أهل النار، فإذا نظر عن يمينه ضحك، وإذا نظر عن شماله بكى، ثم عرج بي إلى السماء الثانية فقال لخازنها افتح.
فقال له خازنها مثل ما قال الأول، ففتح» .
قال أنس رضي الله عنه: فذكر أنه وجد في السماوات آدم وإدريس وموسى وعيسى وإبراهيم، ولم يثبت كيف منازلهم.
قال ابن شهاب: وأخبرني ابن حزم أن ابن عباس وأبا حبة الأنصاري كانا يقولان: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ثم عرج بي حتى ظهرت بمستوى أسمع فيه صريف الأقلام» قال ابن حزم وأنس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ففرض الله على أمتي خمسين صلاة فرجعت بذلك حتى مررت على موسى فقال: ما فرض الله على أمتك؟
قلت: فرض خمسين صلاة.
قال: فارجع إلى ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك فرجعت فوضع شطرها فرجعت إلى موسى فأخبرته فقال: راجع ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك فراجعت ربي فقال: هي خمس وهن خمسون لا يبدل القول لدي فرجعت إلى موسى فقال: ارجع إلى ربك قلت: قد استحيت من ربي ثم انطلق بي حتى انتهى إلى سدرة المنتهى فغشيتها ألوان لا أدري ما هي ثم أدخلت الجنة فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ وإذا ترابها مسك» وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل وابن عساكر عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله بالمدينة عن ليلة أسري به من مكة إلى المسجد الأقصى قال: «بينا أنا نائم عشاء بالمسجد الحرام إذ أتاني آت فأيقظني فاستيقظت فلم أر شيئا وإذا أنا بكهيئة خيال فأتبعه بصري حتى خرجت من المسجد فإذا أنا بدابة أدنى شبهة بدوابكم هذه بغالكم غير أن مضطرب الأذنين يقال له البراق وكانت الأنبياء تركبه قبلي يقع حافره عند مد بصره فركبته فبينا أنا أسير عليه إذ دعاني داع عن يميني: يا محمد انظرني أسألك فلم أجبه ثم دعاني داع عن شمالي يا محمد انظرني أسألك فلم أجبه فبينا أنا سائر إذا بامرأة حاسرة عن ذراعيها وعليها من كل زينة خلقها الله فقالت: يا محمد أنظرني أسألك فلما ألتفت إليها حتى أتيت بيت المقدس فأوثقت دابتي بالحلقة التي كانت الأنبياء عليهم السلام توثقها بها ثم أتاني جبريل عليه السلام بإناءين أحدهما خمر والآخر لبن فشربت اللبن وتركت الخمر فقال جبريل: أصبت الفطرة أما أنك لو أخذت الخمر غوت أمتك فقلت: الله أكبر الله أكبر فقال جبريل: ما رأيت في وجهك هذا؟
قلت: بينا أنا اسير إذ دعاني داع عن يميني: يا محمد أنظرني أسألك فلم أجبه قال: ذاك داعي اليهود أما لو أنك لو أجبته لتهودت أمتك قلت: وبينا أنا أسير إذ دعاني داع عن يساري: يا محمد أنظرني أسألك فلم أجبه قال: ذاك داعي النصارى أما أنك لو أجبته لتنصرت أمتك فبينما أنا أسير إذا أنا بامرأة حاسرة عن ذراعيها عليها من كل زينة تقول: يا محمد أنظرني أسألك فلم أجبها قال: تلك الدنيا أما أنك لو أجبتها لاختارت أمتك الدنيا على الآخرة ثم دخلت أنا وجبريل بيت المقدس فصلى كل واحد منا ركعتين ثم أتيت بالمعراج الذي تعرج عليه أرواح بني آدم فلم تر الخلائق أحسن من المعراج !
أما رأيت الميت حين رمى بصره طامحا إلى السماء عجبه المعراج؟
فصعدت أنا وجبريل فإذا أنا بملك يقال له إسماعيل وهو صاحب سماء الدنيا وبين يديه سبعون ألف ملك مع كل ملك جنده مائة ألف فاستفتح جبريل باب السماء قيل: من هذا؟
قال: جبريل قيل: ومن معك؟
قال: محمد قيل: قد بعث إليه؟
قال: نعم فإذا أنا بآدم كهيئته يوم خلقه الله على صورته لم يتغير منه شيء وإذا هو تعرض عليه أرواح ذريته المؤمنين فيقول: روح طيبة ونفس طيبة اجعلوها في عليين ثم تعرض عليه أرواح ذريته الكفار الفجار فيقول: روح خبيثة ونفس خبيثة اجعلوها في سجين فقلت: يا جبريل من هذا؟
قال: هذا أبوك آدم فسلم علي ورحب بي فقال: مرحبا بالابن الصالح ثم مصيت هنيهة فإذا أنا بأخونة عليها لحم قد أروح وأنتن عندها أناس يأكلون منها قلت: يا جبريل من هؤلاء؟
قال: هؤلاء من أمتك يتركون الحلال ويأتون الحرام.
وفي لفظ: فإذا أنا بقوم على مائدة عليها لحم مشوي كأحسن ما رأيت من اللحم وإذا حوله جيف فجعلوا يقبلون على الجيف يأكلون منها ويدعون اللحم فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟
قال: هؤلاء الزناة عمدوا إلى ما حرم الله عليهم وتركوا ما أحل الله لهم ثم مضيت هنيهة فإذا أنا بقوم بطونهم أمثال البيوت كلما نهض أحدهم خر يقول: الله لا تقم الساعة وهم على سابلة آل فرعون فتجيء السابلة فتطؤهم فسمعتهم يضجون إلى الله قلت: من هؤلاء يا جبريل؟
قال: هؤلاء من أمتك الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ثم مضيت هنيهة فإذا أنا بأقوام لهم مشافر كمشافر الإبل قد وكل بهم من يأخذ بمشافرهم ثم يجعل في أفواههم صخرا من نار ثم يخرج من أسافلهم فسمعتهم يضجون إلى الله قلت: يا جبريل من هؤلاء؟
قال: هؤلاء من أمتك الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا ثم مضيت هنيهة فإذا أنا بنساء يعلقن بثديهن ونساء منكسات بأرجلهن فسمعتهن يضججن إلى الله قلت يا جبريل من هؤلاء النساء؟
قال: هؤلاء اللاتي يزنين ويقتلن أولادهن ثم مضيت هنيهة فإذا أنا بأقوام يقطع من جنوبهم اللحم ثم يدس في أفواههم ويقول: كلوا مما أكلتم فإذا أكره ما خلق الله لهم ذلك قلت: يا جبريل من هؤلاء؟
قال: هؤلاء الهمازون من أمتك اللمازون الذين يأكلون لحوم الناس ثم صعدنا إلى السماء الثانية فإذا أنا برجل أحسن ما خلق الله قد فضل الناس بالحسن كالقمر ليلة البدر على سائر الكواكب !
قلت: يا جبريل من هذا؟
قال: هذا أخوك يوسف ومعه نفر من قومه فسلمت عليه وسلم علي ورحب بي ثم صعدنا إلى السماء الثالثة فإذا أنا بابني الخالة يحيى وعيسى ومعهما نفر من قومهما شبيه أحدهما بصاحبه ثيابهما وشعرهما فسلمت عليهما وسلما علي ورحبا بي ثم صعدنا إلى السماء الرابعة فإذا أنا بإدريس قد رفعه الله مكانا عليا فسلمت عليه وسلم علي ورحب بي ثم صعدنا إلى السماء الخامسة فإذا أنا بهارون ونصف لحيته بيضاء ونصفها سوداء تكاد لحيته تصيب سرته من طولها قلت: يا جبريل من هذا؟
قال: هذا المحبب في قومه هذا هرون بن عمران ومعه نفر كثير من قومه فسلمت عليه وسلم علي ورحب بي ثم صعدنا إلى السماء السادسة فإذا أنا بموسى رجل آدم كثير الشعر لو كان عليه قميصان خرج شعره منهما وإذا هو يقول: يزعم الناس أني أكرم الخلق على الله وهذا أكرم على الله مني ولو كان وحده لم أبال ولكن كل نبي ومن تبعه من أمته قلت: يا جبريل من هذا؟
قال: هذا أخوك موسى بن عمران ومعه نفر من قومه فسلمت عليه وسلم علي ورحب بي ثم صعدنا إلى السماء السابعة فإذا أنا بإبراهيم وإذا هو جالس مسند ظهره إلى البيت المعمور ومعه نفر من قومه فسلمت عليه وسلم علي وقال: مرحبا بالابن الصالح فقيل لي: هذا مكانك ومكان أمتك ثم تلا ﴿ إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين ﴾ [آل عمران 68 ]وإذا بأمتي شطرين: شطر عليهم ثياب بيض كأنها القراطيس وشطر عليهم ثياب رمد ثم دخلت البيت المعمور ودخل معي الذين عليهم الثياب البيض وحجب الآخرون الذين عليهم ثياب رمد وهم على خير فصليت أنا ومن معي في البيت المعمور ثم خرجت أنا ومن معي قال: والبيت المعمور يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون فيه إلى يوم القيامة ثم رفعت إلى سدرة المنتهى فإذا كل ورقة منها تكاد تغطي هذه الأمة وغذا في أصلها عين تجري يقال لها سلسبيل فيشق منها نهران فقلت: ما هذا يا جبريل؟
فقال: أما هذه فهو نهر الرحمة وأما هذا فهو نهر الكوثر الذي أعطاكه الله.
فاغتسلت في نهر الرحمة فغفر لي من ذنبي ما تقدم وما تأخر ثم أخذت على الكوثر حتى دخلت الجنة فإذا فيها ما لا عين رأت وما لا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر وإذا أنا بأنهار من ماء غير آسن وأنها من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى.
وإذا فيها رمان كأنه جلود الإبل المقتبة وإذا فيها طير كأنها البخت.
قال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله إن تلك الطير لناعمة؟
قال: آكلها أنعم منها يا أبا بكر وإني لأرجو أن تأكل منها.
قال: ورأيت فيها جارية لعساء فسألتها لمن أنت؟
فقالت: لزيد بن حارثة.
فبشر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم زيدا.
ثم عرضت علي النار فإذا فيها غضب الله وزجره ونقمته ولو طرح فيها الحجارة والحديد لأكلتها ثم غلقت دوني.
ثم إني رفعت إلى سدرة المنتهى فتغشاها فكان بيني وبينه قاب قوسين أو أدنى ونزل على كل ورقة ملك من الملائكة ثم إن الله أمرني بأمره وفرض علي خمسين صلاة وقال: لك بكل حسنة عشر وإذا هممت بالحسنة فلم تعملها كتبت لك حسنة فإذا عملتها كتبت لك عشرا وإذا هممت بالسيئة فلم تعملها لم يكتب عليك شيء فإن عملتها كتبت عليك سيئة.
ثم دفعت إلى موسى فقال: بم أمرك ربك؟
قلت: بخمسين صلاة.
قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك فإن أمتك لا يطيقون ذلك.
فرجعت إلى ربي فقلت: يا رب خفف عن أمتي فإنها أضعف الأمم.
فوضع عني عشرا.
فما زلت أختلف بين موسى وبين ربي حتى جعلها خمسا فناداني ملك: عندها تمت فريضتي وخففت عن عبادي فأعطيتهم بكل حسنة عشر أمثالها.
ثم رجعت إلى موسى فقال: بم أمرت؟
قلت: بخمس صلوات: قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك.
قلت: قد رجعت إلى ربي حتى استحييته.
ثم أصبح بمكة يخبرهم العجائب: إني رأيت البارحة بيت المقدس وعرج بي إلى السماء ثم رأيت كذا وكذا فقال أبو جهل: ألا تعجبون مما يقول محمد؟
قال: فأخبرته بعير لقريش لما كانت في مصعدي رأيتها في مكان كذا وكذا وإنها نفرت فلما رجعت رأيتها عند العقبة وأخبرتهم بكل رجل وبعيره كذا ومتاعه كذا.
فقال رجل: أنا أعلم الناس ببيت المقدس.
فكيف بناؤه وكيف هيئته وكيف قربه من الجبل؟
فرفع لرسول الله صلى الله عليه وسلم بيت المقدس فنظر إليه فقال: بناؤه كذا وهيئته كذا وقربه من الجبل كذا.
فقال: صدقت» .
وأخرج البزار وأبو يعلى وابن جرير ومحمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة وابن أبي حاتم وابن عدي وابن مردويه والبيهقي، عن أبي هريرة رضي الله عنه في قوله تعالى: ﴿ سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا من حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير ﴾ قال: جاء جبريل عليه السلام إلى النبي ومعه ميكائيل، فقال جبريل لميكائيل عليهما السلام: ائتني بطست من ماء زمزم كيما أطهر قلبه وأشرح صدره.
فشق عن بطنه فغسله ثلاث مرات واختلف إليه ميكائيل عليه السلام بثلاث طساس من ماء زمزم، فشرح صدره ونزع ما كان فيه من غلّ وملأه حلماً وعلماً وإيماناً ويقيناً وإسلاماً، وختم بين كتفيه بخاتم النبوّة، ثم أتاه بفرس فحمل عليه...
كل خطوة منه منتهى بصره.
فسار وسار معه جبريل، فأتى على قوم يزرعون في يوم ويحصدون في يوم...
كلما حصدوا عاد كما كان، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا جبريل، ما هذا..
!؟
قال: هؤلاء المجاهدون في سبيل الله يضاعف لهم الحسنة بسبعمائة ضعف، وما أنفقوا من شيء فهو يخلفه.
ثم أتى على قوم ترضخ رؤوسهم بالصخر، كلما رضخت عادت كما كانت ولا يفتر عنهم من ذلك شيء، فقال: ما هؤلاء يا جبريل؟
فقال: هؤلاء الذين تثتاقل رؤوسهم عن الصلاة ثم أتى على قوم على اقبالهم رقاع وعلى أدبارهم رقاع...
يسرحون كما تسرح الإبل والغنم ويأكلون الضريع والزقوم ورضف جهنم وحجارتها، قال: ما هؤلاء يا جبريل...
!؟
قال: هؤلاء الذين لا يؤدون صدقات أموالهم وما ظلمهم الله شيئاً ثم أتى على قوم بين أيديهم لحم نضيج في قدر ولحم آخر نيء خبيث، فجعلوا يأكلون من النيء الخبيث ويتركون النضيج الطيب.
قلت: ما هؤلاء يا جبريل!؟
قال: هذا الرجل من أمتك...
تكون عنده المرأة الحلال فيأتي امرأة خبيثة فيبيت عندها حتى يصبح، والمرأة تقوم من عند زوجها حلالاً طيباً فتأتي رجلاً خبيثاً تبيت معه حتى تصبح ثم أتى على خشبة على الطريق لا يمر بها ثوب إلا شقته ولا شيء إلا خرقته، قال: ما هذا يا جبريل...
!!؟
قال: هذا مثل أقوام من أمتك...
يقعدون على الطريق فيقطعونه.
ثم أتى على رجل قد جمع حزمة عظيمة لا يستطيع حملها وهو يزيد عليها، فقال: ما هذا يا جبريل؟
قال: هذا الرجل من أمتك يكون عليه أمانات الناس لا يقدر على أدائها وهو يريد أن يحمل عليها ثم أتى على قوم تقرض ألسنتهم بمقاريض من نار...
كلما قرضت عادت كما كانت لا يفتر عنهم من ذلك شيء، قال: ما هؤلاء يا جبريل...
!؟
قال: هؤلاء خطباء الفتنة.
ثم أتى على حجر صغير يخرج منه ثور عظيم، فجعل الثور يريد أن يرجع من حيث خرج فلا يستطيع.
قال: ما هذا يا جبريل؟
قال: هذا الرجل يتكلم بالكلمة العظيمة ثم يندم عليها فلا يستطيع أن يردها.
ثم أتى على واد فوجد ريحاً طيبة باردة وريح مسك، وسمع صوتاً فقال: يا جبريل، ما هذا؟
قال: هذا صوت الجنة...
تقول: يا رب، ائتني بما وعدتني فقد كثرت غرفي واستبرقي وحريري وسندسي وعبقري ولؤلؤي ومرجاني وفضتي وذهبي واكوابي وصحافي وأباريقي ومراكبي وعسلي ومائي ولبني وخمري، فائتني ما وعدتني، فقال: لك كل مسلم ومسلمة ومؤمن ومؤمنة.
قالت: رضيت.
ثم أتى على وادٍ فسمع شكوى ووجد ريحاً منتنة فقال: ما هذا يا جبريل؟
قال: هذا صوت جهنم، تقول: رب ائتني بما وعدتني، فلقد كثرت سلاسلي وأغلالي وسعيري وحميمي وضريعي وغساقي وعذابي، وقد بعد قعري واشتد حري فائتني ما وعدتني، قال: لك كل مشرك ومشركة وكافر وكافرة، وكل خبيث وخبيثة وكل جبار لا يؤمن بيوم الحساب.
قالت: قد رضيت.
ثم سار حتى أتى بيت المقدس فنزل فربط فرسه إلى صخرة، ثم دخل فصلى مع الملائكة عليهم السلام...
فلما قضيت الصلاة قالوا: يا جبريل، من هذا معك؟
قال: محمد صلى الله عليه وسلم.
قالوا: وقد بعث إليه؟
قال: نعم.
قالوا: حياه الله من أخ ومن خليفة، فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء.
ثم لقي أرواح الأنبياء عليهم السلام فأثنوا على ربهم، فقال إبراهيم عليه السلام: الحمد لله الذي اتخذني خليلاً وأعطاني ملكاً عظيماً وجعلني أمة قانتاً يؤتم بي، وأنقذني من النار وجعلها عليّ برداً وسلاماً.
ثم إن موسى عليه السلام أثنى على ربه عز وجل فقال: الحمد لله الذي كلمني تكليماً وجعل هلاك آل فرعون ونجاة بني إسرائيل على يدي، وجعل من أمتي ﴿ قوماً يهدون بالحق وبه يعدلون ﴾ [ الأعراف: 159] ثم إن داود عليه السلام أثنى على ربه فقال: الحمد لله الذي جعل لي ملك عظيماً، وعلمني الزبور، وألان لي الحديد، وسخر لي الجبال يسبحن والطير، وأعطاني الحكمة وفصل الخطاب.
ثم إن سليمان عليه السلام أثنى على ربه فقال: الحمد لله الذي سخر لي الرياح، وسخر لي الشياطين يعملون ما شئت من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات، وعلمني منطق الطير، وآتاني من كل شيء فضلاً، وسخر لي جنود الشياطين والإنس والطير، وفضلني على كثير من عباده المؤمنين، وآتاني ملكاً عظيماً لا ينبغي لأحد من بعدي، وجعل ملكي ملكاً طيباً، ليس فيه حساب، ثم إن عيسى عليه السلام أثنى على ربه فقال: الحمد لله الذي جعلني كلمته وجعل مثلي مثل آدم خلقه من تراب ثم قال له: كن فيكون، وعلمني الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل، وجعلني أخلق من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله، وجعلني أبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله، ورفعني وطهرني وأعاذني وأمي من الشيطان الرجيم، فلم يكن للشيطان علينا سبيل.
ثم إن محمد صلى الله عليه وسلم أثنى على ربه عز وجل فقال: «كلكم أثنى على ربه وإني مثن على ربي» فقال: «الحمد لله الذي أرسلني رحمة للعالمين، وكافة للناس بشيراً ونذيراً، وأنزل علي الفرقان فيه تبيان لكل شيء، وجعل أمتي خير أمة أخرجت للناس، وجعل أمتي أمة وسطاً، وجعل أمتي هم الأولون والآخرون، وشرح لي صدري، ووضع عني وزري، ورفع لي ذكري، وجعلني فاتحاً وخاتماً» .
فقال إبراهيم عليه السلام: بهذا فضلكم محمد صلى الله عليه وسلم.
ثم: أتي بآنية ثلاثة مغطاة أفواهها، فأتي بإناء منها فيه ماء، فقيل: اشرب، فشرب منه يسيراً، ثم رفع إليه إناء آخر فيه لبن، فقيل: اشرب، فشرب منه حتى روي، ثم رفع إليه إناء آخر فيه خمر، فقيل له: اشرب، فقال: لا أريده قد رويت.
فقال له جبريل:- عليه السلام- أما إنها ستحرم على أمتك، ولو شربت منها لم يتبعك من أمتك إلا قليل.
ثم صعدوا بي إلى السماء فاستفتح، فقيل: من هذا يا جبريل؟
قال: هذا محمد، قالوا: وقد أرسل إليه؟
قال: نعم.
قالوا: حياه الله من أخ ومن خليفة، فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء، فدخل فإذا هو برجل تام الخلق لم ينقص من خلقه شيء، كما ينقص من خلق الناس، على يمينه باب يخرج منه ريح طيبة، وعن شماله باب يخرج منه ريح خبيثة، إذا نظر إلى الباب الذي عن يمينه فرح وضحك، وإذا نظر إلى الباب الذي عن يساره بكى وحزن، فقلت يا جبريل، من هذا؟
قال: هذا أبوك آدم، وهذا الباب الذي يمينه باب الجنة، إذا نظر إلى من يدخله من ذريته ضحك واستبشر، والباب الذي عن شماله باب جهنم، إذا نظر من يدخله بكى وحزن.
ثم صعد بي جبريل عليه السلام إلى السماء الثانية، فاستفتح قيل: من هذا معك؟
قال: محمد صلى الله عليه وسلم، قالوا: وقد أرسل إليه؟
قال: نعم.
قالوا: حياه الله من أخ وخليفة فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء، فإذا هو بشابين، قال: يا جبريل، من هذان؟
قال: عيسى ابن مريم ويحيى بن زكريا فصعد به إلى السماء الثالثة، فاستفتح، فقالوا: من هذا؟
قال: جبريل، قالوا: ومن معك؟
قال: محمد، قالوا: وقد أرسل إليه؟
قال: نعم.
قالوا: حياه الله من أخ ومن خليفة فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء، فدخل فإذا هو برجل قد فضل على الناس كما فضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، قال: من هذا يا جبريل؟
قال: هذا أخوك يوسف عليه السلام ثم صعد بي إلى السماء الرابعة فاستفتح فقيل: من هذا؟
قال: جبريل، قالوا: ومن معك؟
قال: محمد، قالوا: وقد أرسل إليه؟
قال: نعم.
قالوا: حياه الله من أخ ومن خليفة فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء، فدخل فإذا هو برجل، قال: من هذا يا جبريل؟
قال: هذا إدريس رفعه الله مكاناً علياً.
ثم صعد إلى السماء الخامسة فاستفتح، فقيل: من هذا؟
قال: جبريل، قيل: ومن معك؟
قال: محمد، قالوا: وقد أرسل إليه؟
قال: نعم.
قالوا: مرحباً به حياه الله من أخ وخليفة فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء، ثم دخل فإذا هو برجل جالس وحوله قوم يقص عليهم، قال: من هذا يا جبريل ومن هؤلاء حوله؟
قال: هذا هرون المحبب وهؤلاء بنو إسرائيل.
ثم صعد به إلى السماء السادسة فاستفتح فقيل له: من هذا؟
قال: جبريل، قيل: ومن معك؟
قال: محمد قالوا: وقد أرسل إليه؟
قال: نعم.
قالوا: حياه الله من أخ وخليفة فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء، فإذا هو برجل جالس فجاوزه فبكى الرجل قال: يا جبريل من هذا؟
قال: موسى، قال: فما له يبكي؟
قال: زعم بنو إسرائيل أني أكرم بني آدم على الله، وهذا رجل من بني آدم قد خلفني في دنيا وأنا في أخرى فلو أنه بنفسه لم أبال، ولكن مع كل نبي أمته.
ثم صعد به إلى السماء السابعة فاستفتح، فقيل من هذا؟
قال: جبريل، قيل: ومن معك؟
قال: محمد، قالوا: وقد أرسل إليه؟
قال: نعم.
قالوا: حياه الله من أخ وخليفة فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء، فدخل فإذا هو برجل أشمط جالس عند باب الجنة على كرسي وعنده قوم جلوس بيض الوجوه أمثال القراطيس، وقوم في ألوانهم شيء، فقام هؤلاء الذين في ألوانها شيء فدخلوا نهراً فاغتسلوا فيه فخرجوا وقد خلص ولم يكن في أبدانهم شيء، ثم دخلوا نهراً آخر فاغتسلوا فيه فخرجوا وقد خلص من ألوانهم شيء، ثم دخلوا نهراً آخر فاغتسلوا فيه فخرجوا وقد خلصت ألوانهم فصارت مثل ألوان أصحابهم، فجاؤوا فجلسوا إلى أصحابهم، فقال: يا جبريل، من هذا الأشمط، ومن هؤلاء بيض الوجوه، ومن هؤلاء الذين في ألوانهم شيء، وما هذه الأنهار التي دخلوا؟
قال: هذا أبوك إبراهيم أول من شمط على الأرض.
وأما هؤلاء البيض الوجوه، فقوم لم يلبسوا إيمانهم بظلم، وأما هؤلاء الذين في ألوانهم شيء، فقوم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً، فتابوا فتاب الله عليهم، وأما الأنهار، فأولها رحمة الله، والثاني نعمة الله، والثالث سقاهم ربهم شراباً طهوراً.
ثم انتهى إلى السدرة، قيل له هذه السدرة ينتهي إليها كل واحد خلا من أمتك على نسك، فإذا هي شجرة يخرج من أصلها أنهار من ماء غير آسن، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، وأنهار من خمر لذة للشاربين، وأنهار من عسل مصفى، وهي شجرة يسير الراكب في ظلها سبعين عاماً لا يقطعها، والورقة منها مغطية للأمة كلها، فغشيها نور الخلاق عز وجل، وغشيتها الملائكة عليهم السلام أمثال الغربان حين تقع على الشجرة.
فكلمه الله تعالى عند ذلك فقال له: سل، فقال: اتخذت إبراهيم خليلاً، وأعطيته ملكاً عظيماً، وكلمت موسى تكليماً، وأعطيت داود ملكاً عظيماً، وألنت له الحديد وسخرت له الجبال، وأعطيت سليمان ملكاً عظيماً وسخرت له الجن والإنس والشياطين وسخرت له الرياح وأعطيته ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، وعلمت عيسى التوراة والإنجيل وجعلته يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذنك وَأَعَذْتَهُ وأمَّه من الشيطان الرجيم، فلم يكن للشيطان عليهما سبيل.
فقال له ربه عز وجل: وقد اتخذتك خليلاً، وهو مكتوب في التوراة حبيب الرحمن، وأرسلتك إلى الناس كافة بشيراً ونذيراً، وشرحت لك صدرك، ووضعت عنك وزرك.
ورفعت لك ذكرك، فلا أذكر إلا ذكرت معي، وجعلت أمتك خير أمة أخرجت للناس، وجعلت أمتك لا تجوز لهم خطبة حتى يشهدوا أنك عبدي ورسولي، وجعلت من أمتك أقواماً قلوبهم أناجيلهم، وجعلتك أول النبيين خلقاً، وآخرهم بعثاً، وأولهم يقضى له، وأعطيتك سبعاً من المثاني لم أعطها نبياً قبلك، وأعطيتك خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش، لم أعطها نبياً قبلك، وأعطيتك الكوثر وأعطيتك ثمانية أسهم: الإسلام والهجرة والجهاد والصلاة والصدقة وصوم رمضان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجعلتك فاتحاً وخاتماً.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فضلني ربي وأرسلني رحمة للعالمين وكافة للناس بشيراً ونذيراً، وألقى في قلب عدوي الرعب من مسيرة شهر، وأحل لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وجعلت لي الأرض كلها مسجداً وطهوراً، وأعطيت فواتح الكلام وخواتمه وجوامعه، وعرضت علي أمتي فلم يخف علي التابع والمتبوع، ورأيتهم أتوا على قوم ينتعلون الشعر، ورأيتهم أتوا على قوم عراض الوجوه صغار الأعين، كأنما خرمت أعينهم بالمخيط، فلم يخف عليّ ما هم لاقون من بعدي، وأمرت بخمسين صلاة، فلما رجع إلى موسى عليه السلام قال: بم أمرت؟
قال: بخمسين صلاة، قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإن أمتك أضعف الأمم، فقد لقيت من بني إسرائيل شدة، فرجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى ربه فسأله التخفيف، فوضع عنه عشراً، ثم رجع إلى موسى فقال: بكم أمرت؟
قال: بأربعين: قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فرجع فوضع عنه عشراً، إلى أن جعلها خمساً، ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، قال: قد رجعت إلى ربي حتى استحيت منه، فما أنا براجع إليه.
قيل له: أما إنك كما صبرت نفسك على خمس صلوات، فإنهن يجزين عنك خمسين صلاة، وإن كل حسنة بعشر أمثالها فرضي محمد صلى الله عليه وسلم كل الرضا.
قال: وكان موسى عليه السلام من أشدهم عليه حين مر به، وخيرهم له حين رجع إليه» .
وأخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه من طريق محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أخيه عيسى، عن أبيه عبد الرحمن، عن أبيه أبي ليلى: أن جبريل عليه السلام أتى النبي صلى الله عليه وسلم بالبراق فحمله بين يديه، ثم جعل يسير به فإذا بلغ مكاناً مطأطئاً طالت يداه وقصرت رجلاه حتى يستوي به، وإذا بلغ مكاناً مرتفعاً قصرت يداه وطالت رجلاه حتى يستوي به ثم عرض له رجل عن يمين الطريق، فجعل يناديه يا محمد، إلى الطريق، مرتين، فقال له جبريل عليه السلام: امض ولا تكلم أحداً، ثم عرض له رجل عن يسار الطريق، فقال له إلى الطريق يا محمد، فقال له جبريل عليه السلام: امض ولا تكلم أحداً، ثم عرضت له امرأة حسناء جميلة، ثم قال له جبريل السلام: تدري من الرجل الذي دعاك عن يمين الطريق؟
قال: لا، قال: تلك اليهود دعتك إلى دينهم.
ثم قال: تدري من الرجل الذي دعاك عن يسار الطريق؟
قال: لا، قال: تلك النصارى، دعتك إلى دينهم.
ثم قال: تدري من المرأة الحسناء الجميلة؟
قال: لا، قال: تلك الدنيا تدعوك إلى نفسها، ثم انطلقا حتى أتيا بيت المقدس، فإذا هم بنفر جلوس، فقالوا مرحباً بالنبي الأمي، وإذا في النفر شيخ، قال: ومن هذا يا جبريل؟
قال: هذا أبوك إبراهيم، وهذا موسى، وهذا عيسى، ثم أقيمت الصلاة، فتدافعوا.
حتى قدموا محمداً صلى الله عليه وسلم، ثم أتوا بأشربة، فاختار النبي صلى الله عليه وسلم اللبن، فقال له جبريل عليه السلام أصبت الفطرة، ثم قيل له: قم إلى ربك، فقام فدخل، ثم جاء فقيل له: ماذا صنعت؟
قال: «فرضت على أمتي خمسون صلاة» فقال له موسى عليه السلام: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، فإن أمتك لا تطيق هذا، فرجع ثم جاء فقال له موسى عليه السلام: ماذا صنعت؟
فقال: «ردها إلى خمس وعشرين صلاة» فقال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فرجع ثم جاء فقال: ردها إلى اثنتي عشرة، فقال موسى عليه السلام: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فرجع ثم جاء فقال: «ردها إلى خمس» فقال موسى عليه السلام: ارجع فاسأله التخفيف قال: «قد استحيت من ربي فما أراجعه وقد قال لي ربي أن لك بكل ردة رددتها مسألة أعْطَيْتُكَها» .
وأخرج ابن عرفة في جزئه المشهور وأبو نعيم في الدلائل وابن عساكر في تاريخه من طريق أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتاني جبريل عليه السلام بدابة دون البغل وفوق الحمار، فحملني عليه ثم انطلق يهوي بنا كلما صعد عقبة استوت رجلاه كذلك مع يديه، وإذا هبط استوت يداه مع رجليه، حتى مررنا برجل طَوَال سِبْطَ آدم كأنه من رجال شنوأة، وهو يقول: ويرفع صوته أكرمته وفضلته، فدفعنا إليه فسلمنا، فرد السلام، فقال: من هذا معك يا جبريل؟
قال: هذا أحمد قال: مرحباً بالنبي الأمي العربي الذي بلغ رسالة ربه ونصح لأمته، ثم اندفعنا، فقلت: من هذا يا جبريل؟
قال: هذا موسى بن عمران عليه الصلاة والسلام، قلت: ومن يعاتب؟
قال: يعاتب ربه فيك، قلت: ويرفع صوته على ربه؟!
قال: إن الله قد عرف له حديثه، ثم اندفعنا حتى مررنا بشجرة كأن ثمرها السراح تحتها شيخ وعياله، فقال لي جبريل عليه السلام: اعمد إلى أبيك إبراهيم، فدفعنا إليه فسلمنا عليه فرد السلام، فقال إبراهيم: من معك يا جبريل؟
قال: هذا ابنك أحمد، فقال: مرحباً بالنبي الأمي الذي بلغ رسالة ربه ونصح لأمته، يا بني، إنك لاق ربك الليلة، وإن أمتك آخر الأمم وأضعفها، فإن استطعت أن تكون حاجتك أو جلها في أمتك فافعل، ثم اندفعنا حتى انتهينا إلى المسجد الأقصى، فنزلت فربطت الدابة بالحلقة التي في باب المسجد التي كانت الأنبياء عليهم السلام تربط بها، ثم دخلت المسجد فعرفت النبيين من بين قائم وراكع وساجد، ثم أتيت بكأسين من عسل ولبن، فأخذت اللبن فشربت، فضرب جبريل عليه السلام منكبي، وقال أصبت الفطرة، ثم أقيمت الصلاة فأممتهم ثم انصرفنا فأقبلنا» .
وأخرج الحارث بن أبي أسامة والبزار والطبراني وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل وابن عساكر من طريق علقمة رضي الله عنه، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتيت بالبراق فركبته إذا أتى على جبل ارتفعت رجلاه وإذا هبط ارتفعت يداه، فسار بنا في أرض غمة منتنة، ثم أفضينا إلى أرض فيحاء طيبة، فسألت جبريل عليه السلام؟
قال: تلك أرض النار وهذه أرض الجنة، فأتيت على رجل قائم يصلي، فقلت: من هذا يا جبريل؟
فقال: هذا أخوك عيسى عليه السلام فسرنا، فسمعنا صوتاً وتذمراً، فأتينا على رجل فقال: من هذا معك؟
قال: هذا أخوك محمد صلى الله عليه وسلم، فسلم ودعا بالبركة وقال: سل لأمتك اليسر، فقلت من هذا يا جبريل؟
قال: هذا أخوك موسى عليه السلام، قلت على من كان تذمره؟
قال: على ربه عز وجل، قلت: أعلى ربه؟!
قال: نعم.
قد عرف حدته، ثم سرنا فرأيت مصابيح وضوءاً، فقلت: ما هذا يا جبريل؟
قال: هذه شجرة أبيك إبراهيم عليه السلام ادن منها، فدنوت منها، فرحب بي ودعا لي بالبركة، ثم مضينا حتى أتينا بيت المقدس، فربطت الدابة بالحلقة التي تربط بها الأنبياء عليهم السلام، ثم دخلت المسجد فنشرت لي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، من سمى الله منهم ومن لم يسم، فصليت بهم إلا هؤلاء الثلاث: إبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام» .
وأخرج ابن مردويه من طريق المغيرة بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صليت ليلة أسري بي في مقدم المسجد، ثم دخلت إلى الصخرة، فإذا ملك قائم معه آنية ثلاث، فتناولت العسل، فشربت منه قليلاً، ثم تناولت الآخر فشربت منه حتى رويت، فإذا هو لبن، فقال اشرب من الآخر، فإذا هو خمر، قلت قد رويت.
قال: أما أنك لو شربت من هذا لم تجتمع أمتك على الفطرة أبداً، ثم انطلق بي إلى السماء، ففرضت عليّ الصلاة، ثم رجعت إلى خديجة رضي الله عنها وما تحوّلت عن جانبها الآخر» .
وأخرج الطبراني وابن مردويه، عن أم هانئ رضي الله عنها قالت: بات رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به في بيتي، ففقدته من الليل، فامتنع عني النوم مخافة أن يكون عرض له بعض قريش، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن جبريل عليه السلام أتاني فأخذ بيدي فأخرجني فإذا على الباب دابة دون البغل وفوق الحمار، فحملني عليها ثم انطلق حتى أتى بي إلى بيت المقدس، فأراني إبراهيم يشبه خلقه خلقي، ويشبه خلقي خلقه، وأرأني موسى آدم طوالاً، سبط الشعر أشبهه برجال ازد شنوأة، وأراني عيسى ابن مريم ربعة أبيض يضرب إلى الحمرة شبهته بعروة بن مسعود الثقفي، وأراني الدجال ممسوح العين اليمنى شبهته بقطن بن عبد العزى، قال: وأنا أريد أن أخرج إلى قريش فأخبرهم ما رأيت» فأخذت بثوبه، فقلت إني أذكرك الله، إنك تأتي قوماً يكذبونك وينكرون مقالتك، فأخاف أن يسطوا بك، قالت: فضرب ثوبه من يدي، ثم خرج إليهم فأتاهم وهم جلوس، فأخبرهم، فقام مطعم بن عدي فقال: يا محمد، لو كنت شاباً كما كنت ما تكلمت بما تكلمت به وأنت بين ظهرانينا.
فقال رجل من القوم: يا محمد، هل مررت بإبل لنا في مكان كذا وكذا؟
قال: «نعم، والله وجدتهم قد أضلوا بعيراً لهم فهم في طلبه» قال: هل مررت بإبل لبني فلان قال: «نعم وجدتهم في مكان كذا وكذا، قد انكسرت لهم ناقة حمراء، فوجدتهم وعندهم قصعة من ماء فشربت ما فيها» قالوا: فأخبرنا عن عدتها وما فيها من الرعاء.
قال: «قد كنت عن عدتها مشغولاً» فقام وأتى بالإبل فعدها وعلم ما فيها من الرعاء.
ثم أتى قريشاً فقال لهم: «سألتموني عن إبل بني فلان، فهي كذا وكذا، وفيها من الرعاء فلان وفلان، وسألتموني عن إبل بني فلان فهي كذا وكذا وفيها من الرعاء ابن أبي قحافة وفلان وفلان وهي مصبحتكم الغداة الثنية» فقعدوا إلى الثنية ينظرون أصدقهم ما قال، فاستقبلوا الإبل فسألوا، هل ضل لكم بعير؟
قالوا: نعم.
فسألوا الآخر، هل انكسر لكم ناقة حمراء؟
قالوا: نعم.
قال: فهل كان عندكم قصعة من ماء؟
قال أبو بكر رضي الله عنه: والله أنا وضعتها فما شربها أحد منا ولا أهريقت في الأرض، فصدقه أبو بكر رضي الله عنه وآمن به، فسمي يومئذ الصديق.
وأخرج أبو يعلى وابن عساكر، عن أم هانئ رضي الله عنها قال: دخل علي النبي صلى الله عليه وسلم بغلس وأنا على فراشي، فقال: «شعرت أني نمت الليلة في المسجد الحرام فأتاني جبريل، فذهب بي إلى باب المسجد، فإذا دابة أبيض فوق الحمار ودون البغل مضطرب الأذنين فركبته، فكان يضع حافره مد بصره، إذا أخذ بي في هبوط طالت يداه وقصرت رجلاه، وإذا أخذ بي في صعود طالت رجلاه وقصرت يداه، وجبريل لا يفوتني حتى انتهينا إلى بيت المقدس، فأوثقته بالحلقة التي كانت الأنبياء توثق بها، فنشر لي رهط من الأنبياء عليهم السلام منهم إبراهيم وموسى وعيسى فصليت بهم وكلمتهم، وأتيت بإناءين أحمر وأبيض، فشربت الأبيض، فقال لي جبريل عليه السلام: شربت اللبن وتركت الخمر، لو شربت الخمر لارتدت أمتك، ثم ركبته فأتيت المسجد الحرام، فصليت به الغداة،» فتعلقت بردائه وقلت: أنشدك الله يا ابن عم، إن تحدث بها قريشاً، فيكذبك من صدقك، فضربت بيدي على ردائه فانتزعته من يدي، فارتفع عن بطنه فنظرت إلى عكنه فوق ازاره كأنها طي القراطيس، وإذا نور ساطع عند فؤاده كاد يختطف بصري، فخررت ساجدة، فلما رفعت رأسي إذا هو قد خرج، فقلت لجاريتي: ويحك اتبعيه، وانظري ماذا يقول وماذا يقال له، فلما رجعت أخبرتني أنه انتهى إلى نفر من قريش فيهم المطعم بن عدي وعمرو بن هشام والوليد بن المغيرة.
فقال: «إني صليت الليلة العشاء في هذه المسجد وصليت به الغداة وأتيت فيما بين ذلك ببيت المقدس فنشر لي رهط من الأنبياء فيهم إبراهيم وموسى وعيسى فصليت بهم وكلمتهم» فقال عمرو بن هشام- كالمستهزئ-: صفهم لي.
فقال: صلى الله عليه وسلم: «أما عيسى ففوق الربعة ودون الطويل عريض الصدر جعد الشعر يعلوه صهبة كأنه عروة بن مسعود الثقفي، وأما موسى فضخم آدم طوال كأنه من رجال شنوأة كثير الشعر غائر العينين متراكب الأسنان مقلص الشفة خارج اللثة عابس، وأما إبراهيم فوالله لأنا أشبه الناس به خلقاً» فضجوا وأعظموا ذاك، فقال المطعم: كل أمرك قبل اليوم كان أمماً غير قولك اليوم، أنا أشهد أنك كاذب، نحن نضرب أكباد الإبل إلى بيت المقدس مصعداً شهراً ومنحدراً شهراً تزعم أنك أتيته في ليلة!
واللات والعزى لا أصدقك.
فقال أبو بكر رضي الله عنه- يا مطعم، بئس ما قلت لابن أخيك جبهته وكذبته، أنا أشهد أنه صادق، فقالوا: يا محمد، صف لنا بيت المقدس، قال: دخلته ليلاً وخرجت منه ليلاً، فأتاه جبريل عليه السلام فصوّره في جناحه، فجعل يقول: باب منه كذا في موضع كذا، وباب منه كذا في موضع كذا، وأبو بكر رضي الله عنه يقول: صدقت صدقت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ: «يا أبا بكر إن الله قد سماك الصديق» قالوا يا محمد، أخبرنا عن عيرنا، قال: «أتيت على عير بني فلان بالروحاء قد أضلوا ناقة لهم، فانطلقوا في طلبها فانتهيت إلى رحالهم ليس بها منهم أحد وإذا قدح ماء فشربت منه، ثم انتهيت إلى عير بني فلان فنفرت مني الإبل وبرك منها جمل أحمر عليه جوالق مخطط ببياض لا أدري أكسر البعير أم لا، ثم انتهيت إلى عير بني فلان في التنعيم يقدمها جمل أورق وها هي ذه تطلع عليكم من الثنية» فقال الوليد بن المغيرة: ساحر، فانطلقوا فنظروا فوجدوا كما قال، فرموه بالسحر، وقالوا: صدق الوليد.
فأنزل الله: ﴿ وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلاَّ فتنة للناس ﴾ [ الإسراء: 60] .
وأخرج ابن إسحاق وابن جرير، عن أم هانئ رضي الله عنها قالت: ما أسري برسول الله إلا وهو في بيتي نائم عندي تلك الليلة، فصلى العشاء الآخرة، ثم نام ونمنا، فلما كان قبيل الفجر أهبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما صلى الصبح وصلينا معه قال صلى الله عليه وسلم: «يا أم هانئ لقد صليت معكم العشاء الآخرة كما رأيت بهذا الوادي، ثم جئت بيت المقدس فصليت فيه، ثم صليت صلاة الغداة معكم الآن كما ترين» .
وأخرج ابن سعد وابن عساكر، عن عبد الله بن عمر، وأم سلمة وعائشة وأم هانئ وابن عباس رضي الله عنهما، دخل حديث بعضهم في بعض قالوا: أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة سبع عشرة من شهر ربيع الأول قبل الهجرة بسنة من شعب أبي طالب إلى بيت المقدس.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حملت على دابة بيضاء بين الحمار وبين البغل في فخذها جناحان تحفز بهما رجليها، فلما دنوت لأركبها شمست، فوضع جبريل عليه السلام يده على معرفتها ثم قال: ألا تستحيين يا براق مما تصنعي، والله ما ركبك عبد لله قبل محمد أكرم على الله منه، فاستحيت حتى ارفضت عرقاً، ثم قرت حتى ركبتها، فعلت بأذنيها وقبضت الأرض حتى كان منتهى وقع حافرها طرفها، وكانت طويلة الظهر طويلة الأذنين.
وخرج معي جبريل لا يفوتني ولا أفوته حتى أتى بيت المقدس، فأتى البراق إلى موقفه الذي كان يقف فربطه فيه، وكان مربط الأنبياء عليهم السلام، رأيت الأنبياء جمعوا لي، فرأيت إبراهيم وموسى وعيسى، فظننت أنه لا بد أن يكون لهم إمام، فقدمني جبريل عليه السلام حتى صليت بين أيديهم، وسألتهم؟
فقالوا: بعثنا بالتوحيد» .
وقال بعضهم: فقد النبي صلى الله عليه وسلم تلك الليلة، فتفرقت بنو عبد المطلب يطلبونه يلتمسونه، وخرج العباس رضي الله عنه حتى إذا بلغ ذا طوى، فجعل يصرخ يا محمد يا محمد، فأجابه رسول الله صلى الله عليه وسلم لبيك لبيك، فقال: ابن أخي، أعييت قومك منذ الليلة، فأين كنت؟
قال: أتيت من بيت المقدس، قال: في ليلتك؟!
قال: نعم.
قال: هل أصابك إلا خير؟
قال: ما أصابني إلا خير.
وقالت أم هانئ رضي الله عنها: ما أسري به إلا من بيتنا، بينا هو نائم عندنا تلك الليلة صلى العشاء ثم نام، فلما كان قبل الفجر أنبهناه للصبح فقام فصلى الصبح.
قال: «يا أم هانئ، لقد صليت معكم العشاء كما رأيت بهذا الوادي ثم قد جئت بيت المقدس فصليت به، ثم صليت الغداة معكم» ثم قام ليخرج، فقلت لا تحدث هذا الناس فيكذبوك ويؤذوك.
فقال: والله لأحدثنهم، فأخبرهم، فتعجبوا وقالوا لم نسمع بمثل هذا قط.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل عليه السلام: «يا جبريل، إن قومي لا يصدقوني» قال: يصدقك أبو بكر وهو الصديق.
وافتتن ناس كثير وضلوا كانوا قد أسلموا وقمت في الحجر، فجلا الله لي بيت المقدس فطفقت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه، فقال بعضهم: كم للمسجد من باب؟- ولم أكن عددت أبوابه- فجعلت أنظر إليها وأعدها باباً باباً وأعلمهم، وأخبرتهم عن عير لهم في الطريق وعلامات فيها، فوجدوا ذلك كما أخبرتهم.
وأنزل الله: ﴿ وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس ﴾ قال: كانت رؤيا عين رآها بعينه.
وأخرج أحمد وعبد بن حميد والترمذي وابن جرير وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل، عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بالبراق ليلة أسري به مسرجاً ملجماً ليركبه فاستصعب عليه فقال له جبريل عليه السلام: أبمحمد صلى الله عليه وسلم تفعل هذا؟
فوالله ما ركبك خلق أكرم على الله منه.
قال: فأرفضّ عرقاً.
وأخرج ابن مردويه، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: أسري بالنبي- صلى الله عليه وسلم ليلة سبع عشرة من شهر ربيع الأول، قبل الهجرة بسنة.
وأخرج البيهقي في الدلائل، عن ابن شهاب رضي الله عنه قال: أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس، قبل خروجه إلى المدينة بستة عشر شهراً.
وأخرج البيهقي عن عروة مثله.
وأخرج البيهقي، عن السدي رضي الله عنه قال: أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس، قبل مهاجره بستة عشر شهراً.
وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم والنسائي وابن مردويه والبيهقي في كتاب حياة الأنبياء، عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مررت ليلة أسري بي على موسى عليه السلام قائماً يصلي في قبره عند الكثيب الأحمر» .
وأخرج أبو يعلى وابن مردويه والبيهقي، عن أنس رضي الله عنه قال: حدثني بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أن النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به، مر على موسى وهو يصلي في قبره.
قال: وذكر لي أنه حمل على البراق.
قال: فأوثقت الفرس.
أو قال: الدابة بالحلقة.
فقال أبو بكر رضي الله عنه صفها لي يا رسول الله، قال: كذه وذه.
وكان أبو بكر رضي الله عنه قد رآها.
وأخرج ابن مردويه، عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما أسري بي إلى السماء رأيت موسى يصلي في قبره» .
وأخرج الطبراني، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على موسى وهو قائم يصلي في قبره.
وأخرج ابن مردويه، عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما أسري بي مررت بموسى وهو قائم يصلي في قبره» .
وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «لما أسري بالنبي- صلى الله عليه وسلم- جعل يمر بالنبي والنبيين معهم الرهط، والنبيين معهم القوم والنبي والنبيين ليس معهم أحد، حتى مر بسواد عظيم،» فقلت: من هؤلاء؟
فقيل موسى وقومه، ولكن ارفع رأسك وانظر، فإذا سواد عظيم!
قد سد الأفق من ذا الجانب وذا الجانب، فقيل لي: هؤلاء وسوى هؤلاء من أمتك، سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب «قال: فدخل ولم يسألوه بأنفسهم ولم يفسر لهم.
فقال قائلون: نحن هم.
وقال قائلون هم أبناؤنا الذين ولدوا في الإسلام، فخرج فقال: هم الذين لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون» .
فقام عكاشة بن محصن فقال: أنا منهم يا رسول الله؟
فقال: «أنت منهم» ، فقام رجل آخر فقال: أنا منهم؟
قال: «سبقك بها عكاشة» .
وأخرج أحمد والنسائي والبزار والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الدلائل بسند صحيح، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما أسري بي مرت بي رائحة طيبة، فقلت: يا جبريل ما هذه الرائحة الطيبة؟
قال: ماشطة بنت فرعون وأولادها كانت تمشطها، فسقط المشط من يدها، فقالت بسم الله، فقالت ابنة فرعون، أبي؟
قالت: بل ربي وربك ورب أبيك.
قالت: أولك رب غير أبي؟
قالت: نعم.
قالت: فأخبر بذلك أبي؟
قالت: نعم فأخبرته فدعاها فقال: ألك رب غيري؟
قالت: نعم، ربي وربك الله الذي في السماء.
فأمر ببقرة من نحاس فأحميت، ثم أمر بها لتلقي فيها وأولادها.
قالت: إن لي إليك حاجة، قال: وما هي؟
قالت: تجمع عظامي وعظام ولدي، فتدفنه جميعاً.
قال: ذلك لك لما لك علينا من الحق، فألقوا واحداً واحداً حتى بلغ رضيعاً فيهم قال: أسرعي يا أمه ولا تقاعسي فإنك على الحق، فألقيت هي وولدها» .
قال ابن عباس رضي الله عنه وتكلم أربعة وهم صغار: هذا، وشاهد يوسف، وصاحب جريج، وعيسى ابن مريم.
وأخرج ابن ماجه وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن أبي بن كعب رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ليلة أسري بي وجدت ريحاً طيبة، فقلت: يا جبريل، ما هذه؟
قال: هذه الماشطة وزوجها وابنها، بينما هي تمشط ابنة فرعون إذ سقط المشط من يدها، فقال: تعس فرعون، فأخبرت أباها، وكان للمرأة ابنان وزوج، فأرسل إليهم، فراود المرأة وزوجها أن يرجعا عن دينهما، فأبيا، فقال: إني قاتلكما: فقالا إحسان منك إلينا، إن قتلتنا أن تجعلنا في بيت، ففعل،» فلما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم، وجد ريحاً طيبة، فسأل جبريل عليه السلام؟
فأخبره.
وأخرج أحمد وأبو داود، عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون في وجوههم وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟
قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم» .
وأخرج ابن مردويه، عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليلة أسري بي مررت بناس تقرض شفاههم بمقاريض من نار كلما قرضت عادت كما كانت، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟، قال: هؤلاء خطباء أمتك الذين يقولون ما لا يفعلون» .
وأخرج ابن مردويه، عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليلة أسري بي رأيت رجلاً يسبح في نهر يلقم الحجارة فسألت من هذا؟
فقيل لي: هذا آكل الربا» .
وأخرج الترمذي والبزار والحاكم وصححه وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل، عن بريدة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما كان ليلة أسري بي، أتى جبريل الصخرة التي ببيت المقدس، فوضع أصبعه فيها فخرقها فشد بها البراق» .
وأخرج الطبراني وابن مردويه، عن صهيب بن سنان رضي الله عنه قال: لما عرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به الماء، ثم الخمر، ثم اللبن، أخذ اللبن.
فقال له جبريل عليه السلام: أصبت الفطرة، وبه غذيت كل دابة، ولو أخذت الخمر غويت وغوت أمتك وكنت من أهل هذه، وأشار إلى الوادي الذي يقال له وادي جهنم، فنظر إليه فإذا هو نار تلتهب.
وأخرج أحمد وابن مردويه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني ليلة أسري بي، وضعت قدمي حيث توضع أقدام الأنبياء عليهم السلام من بيت المقدس، وعرض عليّ عيسى عليه السلام، فإذا أقرب الناس به شبهاً عروة بن مسعود، وعرض عليّ موسى عليه السلام، فإذا رجل جعد ضرب من الرجال، وعرض عليّ إبراهيم عليه السلام، فإذا أقرب الناس به شبهاً صاحبكم» .
وأخرج البخاري ومسلم وابن جرير، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حين أسري بي لقيت موسى عليه السلام، فنعته فإذا هو رجل مضطرب رجل الرأس كأنه من رجال شنوأة، ولقيت عيسى عليه الصلاة والسلام فنعته ربعة أحمر كأنما خرج من ديماس، ورأيت إبراهيم عليه الصلاة والسلام أنا أشبه ولده به، وأتيت بإناءين في أحدهما لبن وفي الآخر خمر، قيل لي خذ أيهما شئت، فأخذت اللبن فشربت، قيل لي هديت للفطرة أما إنك لو أخذت الخمر غوت أمتك» .
وأخرج مسلم والنسائي وابن مردويه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقد رأيتني في الحجر وقريش تسألني عن مسراي، فسألوني عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها، فكربت كرباً ما كربت مثله قط، فرفعه الله لي أنظر إليه، ما سألوني عن شيء، إلا أنبأتهم به، وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وإذا موسى عليه السلام قائم وإذا رجل ضرب جعد كأنه من رجال شنوأة، وإذا عيسى عليه السلام قائم يصلي أقرب الناس به شبهاً عروة بن مسعود الثقفي، وإذا إبراهيم عليه السلام قائم يصلي أشبه الناس به صاحبكم،- يعني نفسه- فحانت الصلاة فأممتهم، فلما فرغت قال قائل: يا محمد، هذا مالك خازن النار، فالتفت إليه فبدأني بالسلام» .
وأخرج ابن مردويه، عن عمر رضي الله عنه قال: لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم رأى مالكاً خازن النار، فإذا رجل عابس يعرف الغضب في وجهه.
وأخرج أحمد، عن عبيد بن آدم، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان بالجابية، فذكر فتح بيت المقدس، فقال لكعب رضي الله عنه: أين ترى أن أصلي؟
قال: خلف الصخرة.
قال: لا.
ولكن أصلي حيث صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتقدم إلى القبلة فصلى.
وأخرج أحمد وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل والضياء في المختارة بسند صحيح، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ليلة أسري بالنبي دخل الجنة فسمع في جانبها وجساً، فقال: يا جبريل ما هذا؟
فقال: هذا بلال المؤذن.
فقال النبي حين جاء إلى الناس: «قد أفلح بلال رأيت له كذا وكذا» فلقيه موسى عليه الصلاة والسلام فرحب به وقال مرحباً بالنبي الأمي، قال: «وهو رجل آدم طويل سبط، شعره مع أذنيه أو فوقهما، فقال: من هذا يا جبريل؟
قال: هذا موسى عليه السلام، فمضى فلقيه رجل فرحب به، قال: من هذا؟
قال: هذا عيسى عليه السلام، فمضى فلقيه شيخ جليل مهيب فرحب به وسلم عليه، وكلهم يسلم عليه، قال: من هذا يا جبريل؟، قال: أبوك إبراهيم عليه السلام.
قال: ونظر في النار، فإذا قوم يأكلون الجيف!
قال: من هؤلاء يا جبريل؟
قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس.
ورأى رجلاً أحمر أزرق جداً، قال: من هذا يا جبريل؟
قال: هذا عاقر الناقة، فلما أتى النبي صلى الله عليه وسلم المسجد الأقصى، قام يصلي، ثم التفت فإذا النبيون أجمعون يصلون معه، فلما انصرف جيء بقدحين أحدهما عن اليمين، والآخر عن الشمال، في أحدهما لبن، وفي الآخرة عسل، فأخذ اللبن فشرب منه، فقال الذي كان معه القدح: أصبت الفطرة» .
وأخرج أحمد وأبو يعلى وابن مردويه وابو نعيم، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس، ثم جاء من ليلته فحدثهم بمسيره، وبعلامة بيت المقدس وبعيرهم، فقال ناس: نحن لا نصدق محمداً بما يقول: فارتدوا كفاراً!
فضرب الله رقابهم مع أبي جهل.
وقال أبو جهل: يخوفنا محمد بشجرة الزقوم، هاتوا تمراً وزبداً فتزقموا به.
ورأى الدجال في صورته، رؤيا عين ليس برؤيا منام.
وعيسى وموسى وإبراهيم عليهم السلام، فسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الدجال؟
فقال: «رأيته قيلمانياً أقمرهجان، إحدى عينيه قائمة كأنها كوكب دري، كأن شعره أغصان شجرة.
ورأيت عيسى عليه السلام شاباً أبيض جعد الرأس حديد البصر مبطن الخلق، ورأيت موسى أسحم آدم كثير الشعر شديد الخلق، ونظرت إلى إبراهيم عليه السلام فلا أنظر إلى أرب منه إلا نظرت إليه مني حتى كأنه صاحبكم، قال جبريل سلم على أبيك فسلمت عليه» .
وأخرج البخاري ومسلم والطبراني وابن مردويه من طريق قتادة، عن أبي العالية، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رأيت ليلة أسري بي موسى بن عمران عليه السلام رجلاً طوالاً جعداً كأنه من رجال شنوأة، ورأيت عيسى ابن مريم عليه السلام مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض سبط الرأس، ورأيت مالكاً خازن جهنم، والدجال في آيات أراهن الله» قال: ﴿ فلا تكن في مرية من لقائه ﴾ [ السجدة: 23] فكان قتادة رضي الله عنه يفسرها أن النبي صلى الله عليه وسام قد لقي موسى عليه السلام.
وأخرج سعيد بن منصور وأحمد وابن أبي شيبة وابن ماجه وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث والنشور، عن ابن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لقيت ليلة أسري بي، إبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام، فتذاكروا أمر الساعة، فردوا أمرهم إلى إبراهيم، فقال لا علم لي بها، فردوا أمرهم إلى موسى، فقال: لا علم لي بها، فردوا أمرهم إلى عيسى، فقال: أما وجبتها، فلا يعلم بها أحد إلا الله تعالى.
وفيما عهد إلي ربي، أن الدجال خارج، ومعي قضيبان، فإذا رآني ذاب كما يذوب الرصاص، فيهلكه الله إذا رآني، حتى أن الحجر والشجر يقول: يا مسلم، إن تحتي كافراً، فتعال فاقتله، فيهلكهم الله، ثم يرجع الناس إلى بلادهم وأوطانهم، فعند ذلك يخرج يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون، فيطأون بلادهم، لا يأتون على شيء إلا أهلكوه، لا يمرون على ماء إلا شربوه، ثم يرجع الناس إلي، فيشكونهم فأدعو الله تعالى عليهم، فيهلكهم ويميتهم، حتى تجيف الأرض من نتن ريحهم، فينزل الله المطر، فيجترف أجسادهم حتى يقذفهم في البحر.
ففيما عهد إليَّ ربي إن كان كذلك، أن الساعة كالحامل المتم لا يدري أهلها متى تفجؤهم بولادتها ليلاً أو نهاراً» .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وصححه والنسائي وابن جرير والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل، عن حذيفة رضي الله عنه أنه حدث، عن ليلة أسري بمحمد صلى الله عليه وسلم فقال: ما زايل البراق حتى فتحت له أبواب السماوات، فرأى الجنة والنار، ووعد الآخرة أجمع، ثم عاد ولفظ ابن مردويه، فأري ما في السماوات وأري ما في الأرض قيل له أي دابة البراق؟
قال: دابة طويل أبيض خطوه مد البصر.
وأخرج أبو يعلى والطبراني في الأوسط وابن عساكر، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليلة عرج بي إلى السماء، ما مررت بسماء إلا وجدت اسمي فيها مكتوباً، محمد رسول الله، وأبو بكر الصديق خلفي» .
وأخرج البزار عن ابن عمر رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما عرج بي إلى السماء، ما مررت بسماء إلا وجدت اسمي فيها مكتوباً، محمد رسول الله» .
وأخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه بسند صحيح، عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مررت ليلة أسري بي على الملأ الأعلى، فإذا جبريل كالحلس البالي من خشية الله» ، وفي لفظ لابن مردويه، «مررت على جبريل في السماء الرابعة، فإذا هو كأنه حلس بال من خشية الله» .
وأخرج سعيد بن منصور والطبراني وابن مردويه وأبو نعيم في المعرفة، عن عبد الرحمن بن قرط رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ليلة أسري بي إلى المسجد الأقصى، كان بين المقام وزمزم، جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره، فطارا به حتى بلغ السماوات العلى، فلما رجع قال: سمعت تسبيحاً في السموات العلى مع تسبيح كثير سبحت السماوات العلى من ذي المهابة مشفقات من ذي العلوّ بما علا، سبحان العلي الأعلى سبحانه وتعالى» .
وأخرج ابن عساكر، عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما أسرى بي جبريل، سمعت تسبيحاً في السماوات العلى، فرجف فؤادي فقال لي جبريل عليه السلام: تقدم يا محمد ولا تخف، فإن اسمك مكتوب على العرش، لا إله إلا الله محمد رسول الله» .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن ماجة وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليلة أسري بي لما نتهينا إلى السماء السابعة، نظرت فوق فإذا رعد وبرق وصواعق، وأتيت على قوم بطونهم كالبيوت فيها الحيات والعقارب ترى من خارج بطونهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟
قال: هؤلاء أكلة الربا، فلما نزلت إلى السماء الدنيا نظرت إلى أسفل مني، فإذا أنا برهج ودخان وأصوات، فقلت: ما هذا يا جبريل؟
قال: هذه الشياطين يحومون على أعين بني آدم، لا يتفكرون في ملكوت السماوات والأرض، ولولا ذلك لرأوا العجائب» .
وأخرج ابن مردويه، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما أسري بي، مررت بالكوثر، فقال جبريل عليه السلام: هذا الكوثر الذي أعطاك ربك، فضربت بيدي على تربته، فإذا مسك أذفر» .
وأخرج ابن مردويه، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لما عرج بي إلى السماء، رأيت نهراً يطرد عجاجاً مثل السهم، أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، حافتاه قباب من در مجوف، فضربت بيدي إلى جانبه، فإذا مسكة ذفراء، فضربت بيدي إلى رضراضها، فإذا در.
قلت: يا جبريل، ما هذا النهر؟
قال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربك» .
وأخرج ابن مردويه، عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رأيت إبراهيم ليلة أسري بي وهو أشبه من رأيت بصاحبكم» .
وأخرج أحمد وابن أبي حاتم وابن حبان وابن رمدويه، عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «عرج بي إلى السماء فرأيت إبراهيم خليل الرحمن، فقال إبراهيم: يا جبريل، من هذا الذي معك؟
فقال جبريل: هذا محمد، فرحب بي وقال: مر أمتك فليكثروا من غراس الجنة، فإن تربتها طيبة وأرضها واسعة.
فقال له النبي:- صلى الله عليه وسلم- وما غراس الجنة؟
قال: لا حول ولا قوة إلا بالله» .
وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتيت ليلة أسري بي على إبراهيم عليه الصلاة والسلام، فقال: يا محمد، أخبر أمتك أن الجنة قيعان وأن غراسها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر» .
وأخرج الترمذي وحسنه والطبراني وابن مردويه، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقيت إبراهيم ليلة أسري بي، فقال: يا محمد، أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء وأنها قيعان وأن غراسها: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله» .
وأخرج ابن مردويه، عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما أسري بي رأيت الجنة من درة بيضاء، فقلت يا جبريل، إنهم يسألوني عن الجنة؟
قال: أخبرهم أن أرضها قيعان وترابها المسك» .
وأخرج ابن ماجة والحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في البعث والنشور، عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رأيت ليلة أسري بي مكتوباً على باب الجنة، الصدقة بعشر أمثالها والقرض بثمانية عشر، فقلت: يا جبريل، ما بال القرض أفضل من الصدقة؟
قال: لأن السائل يسأل وعنده، والمستقرض لا يستقرض إلا من حاجة» .
وأخرج الطبراني، عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما أسري بي إلى السماء، أدخلت الجنة، فوقعت على شجرة من أشجار الجنة، لم أر في الجنة أحسن منها ولا أبيض ورقاً ولا أطيب ثمرة، فتناولت ثمرة من ثمراتها فأكلتها فصارت نطفة في صلبي، فلما هبطت إلى الأرض واقعت خديجة فحملت بفاطمة رضي الله عنها، فإذا أنا اشتقت إلى ريح الجنة شممت ريح فاطمة» .
وأخرج الحاكم وضعفه، عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أتاني جبريل عليه السلام بسفرجلة، فأكلتها ليلة أسري بي، فعلقت خديجة بفاطمة، فكنت إذا اشتقت إلى رائحة الجنة شممت رقبة فاطمة» .
وأخرج البزار وأبو قاسم البغوي وابن قانع كلاهما في معجم الصحابة وابن عدي وابن عساكر، عن عبد الله بن أسعد بن زرارة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليلة أسري بي انتهيت إلى قصر من لؤلؤة» ولفظ البغوي «أسري بي في قفص من لؤلؤة، فراشه ذهب يتلألأ نوراً وأعطيت ثلاثاً: إنك سيد المرسلين، وإمام المتقين، وقائد الغر المحجلين» .
وأخرج ابن قانع والطبراني وابن مردويه، عن أبي الحمراء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما أسري بي إلى السماء السابعة، فإذا على ساق العرش الأيمن، لا إله إلا الله محمد رسول الله» .
وأخرج ابن عدي وابن عساكر عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله: «لما عرج بي رأيت على ساق العرش مكتوباً لا إله إلا الله محمد رسول الله أيدته بعلي» .
وأخرج ابن عساكر، عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليلة أسري بي، رأيت على العرش مكتوباً لا إله إلا الله محمد رسول الله، أبو بكر الصديق عمر الفاروق عثمان ذو النورين» .
وأخرج الدارقطني في الأفراد والخطيب وابن عساكر، عن أبي الدرداء، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «رأيت ليلة أسري بي في العرش فريدة خضراء فيها مكتوب بنور أبيض، لا إله إلا الله محمد رسول الله، أبو بكر الصديق عمر الفاروق» .
وأخرج البزار، عن علي رضي الله عنه قال: لما أراد الله تعالى أن يعلم رسوله الأذان، أتاه جبريل عليه السلام بدابة يقال لها البراق، فذهب يركبها فاستصعبت، فقال لها جبريل عليه السلام- أسكني، فوالله ما ركبك عبد أكرم على الله من محمد- صلى الله عليه وسلم- فركبها حتى انتهى إلى الحجاب الذي يلي الرحمن، فبينما هو كذلك، إذ خرج عليه ملك من الحجاب، فقال الملك: الله أكبر الله أكبر، فقيل من وراء الحجاب: صدق عبدي أنا أكبر أنا أكبر، ثم قال الملك: أشهد أن لا إله إلا الله، فقيل له من وراء الحجاب: صدق عبدي، أنا الله لا إله إلا أنا.
فقال الملك: أشهد أن محمداً رسول الله، فقيل من وراء الحجاب: صدق عبدي، أنا أرسلت محمداً، فقال الملك: حيّ على الصلاة حي على الفلاح قد قامت الصلاة.
ثم قال: الله أكبر الله أكبر، فقيل من وراء الحجاب: صدق عبدي، أنا أكبر أنا أكبر، ثم قال: لا إله إلا الله، فقيل من وراء الحجاب صدق عبدي، لا إله إلا أنا، ثم أخذ الملك بيد محمد صلى الله عليه وسلم فقدمه، فأم أهل السموات فيهم آدم ونوح، فيومئذ أكمل الله لمحمد الشرف على أهل السموات والأرض.
وأخرج أبو نعيم في الدلائل، عن محمد بن الحنفية رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما عرج به إلى السماء، فانتهى إلى مكان من السماء وقف فيه، وبعث الله ملكاً فقام من السماء مقاماً ما قامه قبل ذلك، فقيل له: علمه الأذان، فقال الملك: الله أكبر الله أكبر فقال الله: صدق عبدي أنا الله الأكبر، فقال الملك: أشهد أن لا إله إلا الله، فقال الله: صدق عبدي أنا الله لا إله إلا أنا فقال الملك: أشهد أن محمداً رسول الله، فقال الله: صدق عبدي أنا أرسلته وأنا اخترته وأنا ائتمنته، فقال: حي على الصلاة، فقال الله: صدق عبدي ودعا إلي فريضتي وحقي، فمن أتاها محتسباً كانت كفارة لكل ذنب، فقال الملك: حي على الفلاح، فقال الله: صدق عبدي أنا أقمت فرائضها وعدتها ومواقيتها، ثم قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: تقدم، فتقدم، فائتم به أهل السموات، فتم له شرفه على سائر الخلائق.
وأخرج ابن مردويه، عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما أسري بي إلى السماء أذن جبريل، فظنت الملائكة أنه يصلي بهم، فقدّمني فصليت بالملائكة» .
وأخرج الطبراني في الأوسط، عن ابن عمر رضي الله عنهما- أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أسري به إلى السماء، أوحى إليه بالأذان، فنزل به فعلمه جبريل.
وأخرج ابن مردويه، عن علي رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم- علم الأذان ليلة أسري به وفرضت عليه الصلاة.
وأخرج ابن مردويه، عن أنس رضي الله عنه أن النبي- صلى الله عليه وسلم- فرضت عليه الصلاة ليلة أسري به.
وأخرج أحمد، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: فرض الله على نبيه صلى الله عليه وسلم الصلاة خمسين صلاة، فسأل ربه فجعلها خمس صلوات.
وأخرج أبو داود والبيهقي، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كانت الصلاة خمسين، والغسل من الجنابة سبع مرات، وغسل البول من الثوب سبع مرات، فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل؟
حتى جعلت الصلاة خمساً، وغسل الجنابة مرة، وغسل البول من الثوب مرة.
وأخرج مسلم والترمذي والنسائي وابن مردويه، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم، فانتهى إلى سدرة المنتهى وإليها ينتهي ما يصعد به، وفي لفظ: يعرج به من الأرواح حتى يقبض منها، وإليها ينتهي ما يهبط من فوقها حتى يقبض ﴿ إذ يغشى السدرة ما يغشى ﴾ [ النجم: 16] قال: غشيها فراش من ذهب.
وأعطي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الصلوات الخمس، وخواتيم سورة البقرة، وغفر لمن لا يشرك بالله شيئاً من أمته المقحمات.
وأخرج الطبراني، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لما أسري بي انتهيت إلى سدرة المنتهى، فإذا نبقها أمثال القلال» .
وأخرج ابن مردويه، عن أنس رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه- وسلم لما انتهى إلى سدرة المنتهى رأى فراشاً من ذهب يلوذ بها.
وأخرج ابن مردويه، عن أسماء بنت أبي بكر- رضي الله عنهما- قالت: «سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهو يقول: يصف سدرة المنتهى، فقال: فيها فراش من ذهب، وثمرها كالقلال، وأوراقها كآذان الفيلة قلت: يا رسول، ما رأيت عندها؟
قال: رأيته عندها» يعني ربه عز وجل.
وأخرج ابن ماجة وابن مردويه، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما مررت ليلة أسري بي بملأ من الملائكة إلا قالوا لي يا محمد، مر أمتك بالحجامة» .
وأخرج أحمد ووالحاكم وصححه وابن مردويه، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما مررت بملأ من الملائكة ليلة أسري بي، إلا قالوا عليك بالحجامة» وفي لفظ مر أمتك بالحجامة.
وأخرج ابن مردويه، عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما مررت على ملأ من الملائكة ليلة أسري بي إلا أمروني بالحجامة» .
وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بعثني الله ليلة أسري بي إلى يأجوج ومأجوج أدعوهم إلى دين الله وعبادته، فأمروا أن يجيبوني وهم في النار مع من يحصى من ولد آدم، وولد إبليس» .
وأخرج سعيد بن منصور وابن سعد والطبراني في الأوسط وابن مردويه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به، فكان بذي طوى قال: يا جبريل، إن قومي لا يصدقوني، قال يصدقك أبو بكر وهو الصديق.
وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: لما أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الأقصى أصبح يحدث الناس بذلك، فارتد ناس ممن كانوا آمنوا به وصدقوه، وسعوا بذلك إلى أبي بكر رضي الله عنه فقالوا: هل لك في صاحبك، يزعم أنه أسري به الليلة إلى بيت المقدس.
قال: أو قال ذلك؟
قالوا: نعم.
قال: لئن قال ذلك، لقد صدق.
قالوا: فتصدقه أنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس وجاء قبل أن يصبح؟!
قال: نعم.
إني لأصدقه بما هو أبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء في غدوة أو روحة.
فلذلك سمي أبا بكر الصديق.
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والنسائي والبزار والطبراني وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل والضياء في المختارة وابن عساكر بسند صحيح، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما كان ليلة أسري بي، فأصبحت في مكة قطعت وعرفت أن الناس مكذبي، فقعدت معتزلاً حزيناً، فمر به عدوّ الله أبو جهل، فجاء حتى جلس إليه، فقال له كالمستهزئ، هل كان من شيء؟
قال: نعم.
قال وما هو؟
قال: إني أسري بي الليلة قال: إلى أين؟
قال: إلى بيت المقدس قال: ثم أصبحت بين ظهرانينا؟
قال: نعم.
فلم يرد أن يكذبه مخافة أن يجحده الحديث، إن دعا قومه إليه.
قال: أرأيت إن دعوت قومك أتحدثهم بما حدثتني؟
قال: نعم.
قال: هيا يا معشر بني كعب بن لؤي، فانقضت إليه المجالس وجاؤوا حتى جلسوا إليهما.
قال: حدث قومك بما حدثتني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني أسري بي الليلة قالوا: إلى أين؟
قال: إلى بيت المقدس قالوا إيليا؟
قال: نعم.
قالوا: ثم أصبحت بين ظهرانينا؟
قال: نعم.
قال: فمن بين مصفق، ومن بين واضع يده على رأسه متعجباً!
قالوا: وتستطيع أن تنعت المسجد؟
وفي القوم من قد سافر إليه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:فذهبت أنعت فما زلت أنعت حتى التبس عليّ بعض النعت، فجيء بالمسجد وأنا أنظر إليه، حتى وضع دون دار عقيل أو عقال فنعته وأنا أنظر إليه، فقام القوم أما النعت فوالله لقد أصاب» .
وأخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما كذبتني قريش لما أسري بي إلى بيت المقدس قمت في الحجر، فجلا الله لي بيت المقدس، فطفقت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه» .
وأخرج أبو نعيم في الدلائل، عن عروة رضي الله عنه قال: قالت قريش لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- لما أخبرهم بمسراه إلى بيت المقدس، أخبرنا ماذا ضل عنا وائتنا بآية ما تقول: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ضلت منكم ناقة ورقاء عليها بر لكم» فلما قدمت عليهم قالوا انعت لنا ما كان عليها، ونشر له جبريل عليه السلام ما عليها كله ينظر إليه، فأخبرهم بما كان عليها وهم قيام ينظرون، فزادهم ذلك شكاً وتكذيباً.
وأخرج البيهقي في الدلائل، عن السدي رضي الله عنه قال: لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبر قومه بالرفقة والعلامة في العير قالوا: فمتى تجيء؟
قال: يوم الأربعاء، فلما كان ذلك اليوم أشرفت قريش ينظرون، وقد ولى النهار ولم تجئ، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم، فزيد له في النهار ساعة وحبست عليه الشمس، فلم ترد الشمس على أحد إلا على النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى يوشع بن نون عليه السلام حين قاتل الجبارين.
واخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن جرير، عن عبد الله بن شداد رضي الله عنه قال: لما أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم أتى بدابة دون البغل وفوق الحمار يضع حافره عند منتهى طرفه، يقال له البراق.
ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعير للمشركين، فنفرت فقالوا: يا هؤلاء ما هذا؟
فقالوا ما نرى شيئاً؛ ما هذه الرائحة إلا ريح، حتى أتى بيت المقدس، فأتى بإناءين: في أحدهما خمر، وفي الآخر لبن فأخذ اللبن فقال جبريل عليه السلام: «هديت وهديت أمتك» .
وأخرج ابن سعد وابن عساكر، عن الواقدي، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي سبرة وغيره من رجاله قالوا: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل ربه أن يريه الجنة والنار فلما كان ليلة السبت لسبع عشرة خلت من رمضان قبل الهجرة بثمانية عشر شهراً ورسول الله صلى الله عليه وسلم نائم في بيته ظهراً أتاه جبريل وميكائيل، فقالا: انطلق إلى ما سألت الله، فانطلقا به إلى السموات ما بين المقام وزمزم، فأتي بالمعراج، فإذا هو أحسن شيء منظراً، فعرج به إلى السموات سماءً سماءً فلقي فيها الأنبياء وانتهى إلى سدرة المنتهى، ورأى الجنة والنار.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ولما انتهيت إلى السماء السابعة لم أسمع إلا صريف الأقلام» وفرضت عليه الصلوات الخمس ونزل جبريل عليه السلام، فصلى برسول الله صلى الله عليه وسلم الصلوات في مواقيتها.
وأخرج ابن مردويه، عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أسري به، ريحه ريح عروس وأطيب من ريح عروس.
وأخرج ابن مردويه، عن جبير قال: سمعت سفيان الثوري رضي الله عنه سئل، عن ليلة أسري به، فقال: أسري ببدنه.
وأخرج أبو نعيم في الدلائل، عن محمد بن كعب القرظي رضي الله عنه، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم دحية الكلبي رضي الله عنه إلى قيصر وكتب إليه معه، فلقيه بحمص ودعا الترجمان، فإذا في الكتاب من محمد رسول الله، إلى قيصر صاحب الروم، فغضب أخ له وقال: تنظر في كتاب رجل بدأ بنفسه قبلك، وسماك قيصر صاحب الروم ولم يذكر أنك ملك؟!
قال له قيصر: إنك والله ما علمت أحمق صغيراً، مجنوناً كبيراً: تريد أن تحرق كتاب رجل قبل أن أنظر فيه؟
فلعمري لئن كان رسول الله كما يقول: فنفسه أحق أن يبدأ بها مني، وإن كان سماني صاحب الروم، فلقد صدق، ما أنا إلا صاحبهم وما أملكهم، ولكن الله سخرهم لي ولو شاء لسلطهم علي، ثم قرأ قيصر الكتاب، فقال: يا معشر الروم، إني لأظن هذا الذي بشر به عيسى ابن مريم، ولو أعلم أنه هو مشيت إليه حتى أخدمه بنفسي، لا يسقط وضوءه إلا على يدي، قالوا: ما كان الله ليجعل ذلك في الإِعراب الأميين ويدعنا، ونحن أهل الكتاب قال: فأصل الهدى بيني وبينكم الإِنجيل، ندعو به فنفتحه، فإن كان هو إياه اتبعناه، وإلا أعدنا عليه خواتمه كما كانت إنما هي خواتيم مكان خواتم قال: وعلى الإِنجيل يومئذ اثنا عشر خاتماً من ذهب ختم عليه هرقل، فكان كل ملك يليه بعده ظاهر عليه بخاتم آخر، حتى ألقى ملك قيصر وعليه إثنا عشر خاتماً، يخبر أوّلهم لآخرهم أنه لا يحل لهم أن يفتحوا الإنجيل في دينهم، وإنهم يوم يفتحونه يغير دينهم ويهلك ملكهم، فدعا بالإنجيل ففض عنه أحد عشر خاتماً حتى بقي عليه خاتم واحد، فقامت الشمامسة والأساقفة والبطارقة، فشقوا ثيابهم وصكوا وجوههم ونتفوا رؤوسهم!
قال: ما لكم؟
قالوا: اليوم يهلك ملك بيتك، وتغير دين قومك.
قال: فأصل الهدى عندي.
قالوا: لا تعجل حتى نسأل عن هذا ونكاتبه وننظر في أمره؟
قال: فمن نسأل عنه؟
قالوا: قوماً كثيراً بالشام، فأرسل يبتغي قوماً يسألهم؟
فجمع له أبو سفيان وأصحابه، فقال: أخبرني يا أبا سفيان عن هذا الرجل الذي بعث فيكم، فلم يأل أن يصغر أمره ما استطاع، قال: أيها الملك، لا يكبر عليك شأنه، إنا لنقول: هو ساحر، ونقول: هو شاعر، ونقول: هو كاهن.
قال قيصر: كذلك والذي نفسي بيده كان يقال للأنبياء عليهم السلام قبله.
قال: أخبرني عن موضعه فيكم.
قال: هو أوسطنا.
قال: كذلك بعث الله كل نبي من أوسط قومه.
أخبرني عن أصحابه.
قال: غلماننا وأحداث أسنانهم والسفهاء، أما رؤساؤنا فلم يتبعه منهم أحد.
قال: أولئك والله أتباع الرسل، أما الملأ والرؤوس فأخذتهم الحمية.
قال: أخبرني عن أصحابه هل يفارقونه بعدما يدخلون في دينه؟
قال: ما يفارقه منهم أحد.
قال: فلا يزال داخل منكم في دينه؟
قال: نعم.
قال: ما تزيدونني عليه إلا بصيرة، والذي نفسي بيده ليوشكن أن يغلب على ما تحت قدمي.
يا معشر الروم، هلموا إلى أن نجيب هذا الرجل إلى ما دعا إليه ونسأله الشام أن لا يطأ علينا أبداً.
فإنه لم يكتب قط نبي من الأنبياء إلى ملك من الملوك يدعوه إلى الله فيجيبه إلى ما دعاه، ثم يسأله مسألة إلا أعطاه مسألته ما كانت، فأطيعوني.
قالوا: لا نطاوعك في هذا أبداً.
قال أبو سفيان: والله ما يمنعني من أن أقول عليه قولاً أسقطه من عينه إلا أني أكره أن أكذب عنده كذبة يأخذها علي، ولا يصدقني حتى ذكرت قوله ليلة أسري به.
قلت: أيها الملك، أنا أخبرك عنه خبراً تعرف أنه قد كذب.
قال: وما هو؟
قلت: إنه يزعم لنا أنه خرج من أرضنا أرض الحرم في ليلة فجاء مسجدكم هذا مسجد إيليا، ورجع إلينا في تلك الليلة قبل الصباح قال: وبطريق إيليا عند رأس قيصر.
قال البطريق: قد علمت تلك الليلة.
فنظر إليه قيصر فقال ما علمك بهذا؟
قال: إني كنت لا أبيت ليلة حتى أغلق أبواب المسجد، فلما كانت تلك الليلة أغلقت الأبواب كلها غير باب واحد غلبني، فاستعنت عليه عمالي ومن يحضرني كلهم، فعالجته فلم نستطع أن نحركه كأنما نزاول به جبلاً، فدعوت الناجرة، فنظروا إليه، فقالوا هذا باب سقط عليه التجاق والبنيان، فلا نستطيع أن نحركه حتى نصبح فننظر من اين أتى، فرجعت وتركته مفتوحاً فلما أصبحت غدوت، فإذا الحجر الذي من زاوية الباب مثقوب، وإذا فيه أثر مربط الدابة، فقلت لأصحابي ما حبس هذا الباب الليلة إلا على نبي، فقد صلى الليلة في مسجدنا، فقال قيصر: يا معشر الروم، أليس تعلمون أن بين عيسى وبين الساعة نبي بشركم به عيسى عليه السلام؟
وهذا هو النبي الذي بشر به عيسى، فأجيبوه إلى ما دعا إليه، فلما رأى نفورهم قال: يا معشر الروم، دعاكم ملككم يختبركم كيف صلابتكم في دينكم، فشتمتموه وسببتموه وهو بين أظهركم فخروا له سجداً.
وأخرج الواسطي في فضائل بيت المقدس، عن كعب رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به، وقف البراق في الموقف الذي كان يقف فيه الأنبياء، ثم دخل من باب النبي، وجبريل عليه السلام أمامه، فأضاء له ضوء كما تضيء الشمس، ثم تقدم جبريل عليه السلام أمامه، حتى كان من شامي الصخرة، فأذن جبريل عليه السلام، ونزلت الملائكة عليهم السلام من السماء، وحشر الله لهم المرسلين عليهم السلام، فأقام الصلاة ثم تقدم جبريل عليه السلام، فصلى النبي صلى الله عليه وسلم بالملائكة والمرسلين، ثم تقدم قدام ذلك إلى موضع، فوضع له مرقاة من ذهب ومرقاة من فضة وهو المعراج حتى عرج جبريل والنبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء.
وأخرج الواسطي من طريق أبي حذيفة مؤذن بيت المقدس، عن جدته أنها رأت صفية زوج النبي رضي الله عنها وكعباً رضي الله عنه يقول: لها يا أم المؤمنين، صلي ههنا، فإن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بالنبيين عليهم السلام حين أسري به ههنا، وأومأ أبو حذيفة بيده إلى القبلة القصوى في دبر الصخرة.
وأخرج الواسطي، عن الوليد بن مسلم رضي الله عنه قال: حدثني بعض أشياخنا أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لما ظهر على بيت المقدس ليلة أسري به فإذا عن يمين المسجد وعن يساره نوران ساطعان، فقلت يا جبريل، ما هذان النوران؟
قال: أما هذا الذي عن يمينك فإنه محراب أخيك داود- عليه السلام- وأما هذا الذي عن يسارك فعلى قبر أختك مريم.
وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر، عن الحسن بن الحسين رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بينا أنا نائم في الحجر جاءني جبريل فهمزني برجله، فجلست فلم أر شيئاً، فعدت لمضجعي، فجاءني الثانية فهمزني بقدمه، فجلست فلم أر شيئاً، فعدت لمضجعي فجاءني فهمزني بقدمه، فجلست فأخذ بعضدي، فقمت معه فخرج إلى باب المسجد، فإذا دابة أبيض بين الحمار والبغل له في فخذيه جناحان يحفز بهما رجليه يضع يده في منتهى طرفه، فحملني عليه، ثم خرج لا يفوتني ولا أفوته» .
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق السدي، عن أبي مالك وأبي صالح، عن ابن عباس رضي الله عنهما، وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله: ﴿ سبحان الذي أسرى بعبده ﴾ الآية.
قال: أتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم بمكة، فحمله على البراق، فسار به إلى بيت المقدس، فمر بأبي سفيان في بعض الطريق وهو يحتلب ناقة، فنفرت من حس البراق فأهرقت اللبن، فسب أبو سفيان من نفرها، ونَدَّ جمل لهم أورق، فذهب إلى بعض المياه فطلبوه، فأخذوه، ومر بواد فنفخ عليه من ريح المسك، فسأل جبريل- عليه السلام- ما هذا الريح فقال: هؤلاء أهل بيت من المسلمين، حرقوا بالنار في الله عز وجل.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن عبد الله بن حوالة الأزدي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رأيت ليلة أسري بي عمود أبيض كأنه لؤلؤة تحمله الملائكة، قلت: ما تحملون، قالوا: عمود الإسلام أمرنا أن نضعه بالشام» .
وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ سبحان الذي أسرى بعبده ﴾ قال: أسري به من شعب أبي طالب.
وأخرج ابن إسحاق وابن جرير، عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما فقدت جسد رسول الله ولكن الله أسرى بروحه.
وأخرج ابن إسحاق وابن جرير، عن معاوية بن أبي سفيان: أنه كان إذا سئل عن مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كانت رؤيا من الله صادقة.
وأخرج ابن النجار في تاريخه، عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتاني جبريل بالبراق، فقال له أبو بكر رضي الله عنه: قد رأيتها يا رسول الله؟
قال: صفها لي، قال: بدنة.
قال: صدقت، قد رأيتها يا أبا بكر» .
وأخرج الخطيب، عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما أسري بي إلى السماء قربني الله تعالى حتى كان بيني وبينه كقاب قوسين أو أدنى لا بل أدنى، وعلمني المسميات، قال: يا محمد، قلت: لبيك يا رب، قال: هل غمك أن جعلتك آخر النبيين؟
قلت: يا رب، لا.
قال: فهل غم أمتك أن جعلتهم آخر الأمم؟
قلت: يا رب لا، قال: أبلغ أمتك مني السلام، وأخبرهم أني جعلتهم آخر الأمم، لأفضح الأمم عندهم، ولا أفضحهم عند الأمم» .
وأخرج الطبراني، عن أم هانئ رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أسري به: «إني أريد أن أخرج إلى قريش فأخبرهم» فكذبوه، وصدقه أبو بكر الصديق رضي الله عنه فسمي يومئذ الصديق.
وأخرج ابن جرير من طريق ابن شهاب رضي الله عنه قال: أخبرني ابن المسيب وأبو أسامة بن عبد الرحمن، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم- أسري به على البراق- وهي دابة إبراهيم التي كان يزور عليها البيت الحرام، يقع حافرها موضع طرفها.
قال: فمرت بعير من عيرات قريش- بواد من تلك الأودية، فنفر بعير عليه غرارتان سوداء وزرقاء، حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم إيليا، فأتي بقدحين قدح خمر وقدح لبن، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم اللبن.
قال له جبريل عليه السلام: هديت إلى الفطرة، لو أخذت قدح الخمر غوت أمتك.
قال ابن شهاب رضي الله عنه: فأخبرني ابن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقي هناك إبراهيم وموسى وعيسى، فنعتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أما موسى فضرب، رجل الرأس كأنه من رجال شنوأة، وأما عيسى فرجل أحمر كأنما خرج من ديماس، فأشبه من رأيت به عروة بن مسعود الثقفي، وأما إبراهيم فأنا أشبه ولده به.
فلما رجع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حدث قريشاً أنه أسري به، فارتد ناس كثير بعدما أسلموا.
قال أبو سلمة: فأتى أبو بكر الصديق رضي الله عنه فقيل له: هل لك في صاحبك؟
يزعم أنه أسري به إلى بيت المقدس.
ثم رجع في ليلة واحدة.
قال أبو بكر رضي الله عنه: أو قال ذلك؟
قالوا: نعم.
قال: فأشهد إن كان قال ذلك، لقد صدق.
قالوا: أفتشهد أنه جاء الشام في ليلة واحدة؟
قال: إني أصدقه بأبعد من ذلك!
أصدقه بخبر السماء.
وأخرج عبد الرزاق في المصنف، عن ابن جريج قال نافع بن جبير رضي الله عنه وغيره: لما أصبح النبي صلى الله عليه وسلم من الليلة التي أسري به فيها، لم يرعه إلا جبريل عليه السلام يتدلى حين زاغت الشمس، ولذلك سميت الأولى، فأمر بلالاً يصيح في الناس الصلاة جامعة فاجتمعوا، فصلى جبريل بالنبي صلى الله عليه وسلم- وصلى النبي صلى الله عليه وسلم- للناس، طوّل الركعتين الأوليين، ثم قصر في الباقيتين، ثم سلم جبريل- عليه السلام- على النبي صلى الله عليه وسلم، وسلم النبي صلى الله عليه وسلم على الناس، ثم في العصر عمل مثل ذلك، ففعلوا كما فعلوا في الظهر، ثم نزل في أول الليل، فصيح الصلاةُ جامعة، فصلى جبريل عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم- وصلى النبي صلى الله عليه وسلم- للناس طوّل في الأولتين وقصر في الثالثة، ثم سلم جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم سلم النبي صلى الله عليه وسلم على الناس، ثم لما ذهب ثلث الليل نزل فصيح الصلاة جامعة، فاجتمعوا فصلى جبريل عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم وصلى النبي صلى الله عليه وسلم للناس، فقرأ في الأولتين فطوّل وجَهَرَ وقصر في الباقيتين، ثم سلم جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم على الناس، ثم لما طلع الفجر صيح الصلاة جامعة، فصلى جبريل عليه السلام للنبي- صلى الله عليه وسلم- وصلى النبي صلى الله عليه وسلم للناس، فقرأ فيهما وجهر وطول ورفع صوته، ثم سلم جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم- وسلم النبي صلى الله عليه وسلم على الناس.
وأخرج أبو بكر الواسطي في كتاب بيت المقدس، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: كانت الأرض ماء فبعث الله تعالى ريحاً فمسحت الماء مسحاً، فظهرت على الأرض زبدة، فقسمها أربع قطع: خلق من قطعة مكة، والثانية المدينة، والثالثة بيت المقدس، والرابعة الكوفة.
وقال الواسطي رضي الله عنه، عن وهب بن منبه رضي الله عنه قال: أن داود عليه السلام أراد أن يعلم عدد بني إسرائيل كم هم، فبعث نقباء وعرفاء وأمرهم أن يرفعوا إليه ما بلغ عددهم، فعتب الله عليه لذلك، وقال: قد علمت أني وعدت إبراهيم أن أبارك فيه وفي ذريته حتى أجعلكم كعدد الذر، وأجعلهم لا يحصى عددهم، وأردت أن تعلم عددهم، إنه لا يحصى عددهم، فاختاروا إثنين أن أبتليكم بالجوع ثلاث سنين، أو أسلط عليكم العدو ثلاثة أشهر، أو الموت ثلاثة أيام، فأشار بذلك داود عليه السلام على بني إسرائيل، فقالوا ما لنا بالجوع ثلاث سنين صبر، ولا بالعدوّ ثلاثة أشهر صبر، فليس لهم تقية، فإن كان لا بد، فالموت بيده لا بيده غيره، فمات منهم في ساعة ألوف كثيرة ما يدري عددهم، فلما رأى ذلك داود- عليه السلام- شق عليه ما بلغه من كثرة الموت فسأل الله ودعا، فقال: يا رب، أنا آكل الحامض وبنو إسرائيل تدرس؟
أنا طلبت ذلك، وأمرت به بني إسرائيل، فما كان من شيء فبي، وارفع عن بني إسرائيل.
فاستجاب له، ورفع عنهم الموت، فرأى داود عليه السلام الملائكة- عليهم السلام- سالين سيوفهم يغمدونها، يرفعون في سلم من ذهب من الصخرة، فقال داود: هذا مكان ينبغي أن يبنى فيه لله مسجد أو تكرمة، وأراد أن يأخذ في بنيانه، فأوحى الله إليه: هذا بيت المقدس، وإنك بسطت يدك في الدماء فلست ببانيه، ولكن ابن لك بعدك اسمه سليمان، أسلمه من الدماء.
فلما ملك سليمان عليه الصلاة والسلام بناه وشرفه، فلما أراد سليمان عليه السلام أن يبنيه قال للشياطين: إن الله عز وجل أمرني أن أبني بيتاً له لا يقطع فيه حجر بحديدة.
فقالت الشياطين: لا يقدر على هذا إلا شيطان في البحر له مشربة يردها، فانطلقوا إلى مشربته فأخرجوا ماءها، وجعلوا مكانه خمراً فجاء يشرب، فوجد ريحاً، فقال شيئاً ولم يشرب، فلما اشتد ظمؤه جاء فشرب فأخذ، فبينما هم في الطريق إذا هم برجل يبيع الثوم بالبصل فضحك، ثم مر بامرأة تكهن لقوم فضحك، فلما انتهى إلى سليمان أخبر بضحكه، فسأله؟
فقال: مررت برجل يبيع الدواء بالداء، ومررت بامرأة تكهن وتحتها كنز لا تعلم به.
فذكر له شأن البناء، فأمر أن يؤتى بقدر من نحاس لا تقلها البقر.
فجعلوها على فروخ النسر، ففعلوا ذلك، فأقبل إليه، فلم يصل إلى فروخه، فعلا في جوّ السماء ثم تدلى فأقبل بعود في منقاره فوضعه على القدر فانفلقت، فعمدوا إلى ذلك العود فأخذوه فعملوا به الحجارة.
وأخرج ابن سعد، عن سالم أبي النضر رضي الله عنه قال: لما كثر المسلمون في عهد عمر رضي الله عنه ضاق بهم المسجد، فاشترى عمر رضي الله عنه ما حول المسجد من الدور، إلا دار العباس بن عبد المطلب وحجر أمهات المؤمنين، فقال عمر رضي الله عنه للعباس: يا أبا الفضل إن مسجد المسلمين قد ضاق بهم، وقد ابتعت ما حوله من المنازل؛ نوسع به على المسلمين في مسجدهم إلا دارك وحجر أمهات المؤمنين.
قال عمر: فأما حجر أمهات المؤمنين فلا سبيل إليها، وأما دارك فبعنيها بما شئت من بيت مال المسلمين، أوسع بها في مسجدهم.
فقال العباس رضي الله عنه ما كنت لأفعل.
فقال عمر رضي الله عنه: اختر مني أحدى ثلاث: إما أن تبيعنيها بما شئت من بيت مال المسلمين، وإما أن أحطك حيث شئت من المدينة وأبنيها لك من بيت مال المسلمين، وإما أن تصدق بها على المسلمين فيوسع بها في مسجدهم.
فقال: لا ولا واحدة منها.
فقال عمر رضي الله عنه: اجعل بيني وبينك من شئت.
فقال أبي بن كعب رضي الله عنه فانطلقا إلى أبي فقصا عليه القصة فقال أبي رضي الله عنه إن شئتما حدثتكما بحديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقالا: حدثنا.
فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله أوحى إلى داود، ابن لي بيتاً أُذْكَرُ فيه، فخط له هذه الخطة- خطة بيت المقدس- فإذا بربعها زاوية بيت من بني إسرائيل، فسأل داود أن يبيعه إياه فأبى، فحدث داود نفسه أن يأخذه منه، فأوحى الله إليه: أن يا داود أمرتك أن تبني لي بيتاً أذكر فيه، فأردت أن تدخل في بيتي الغصب، وليس من شأني الغصب، وإن عقوبتك أن لا تبنيه قال: يا رب، فمن ولدي قال: من ولدك» .
قال: فأخذ عمر رضي الله عنه بمجامع ثياب أبي بن كعب رضي الله عنه وقال: جئتك بشيء، فجئت بما هو أشد منه، لتخرجنّ مما قلت، فجاء يقوده حتى أدخله المسجد، فأوقفه على حلقة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم- فيهم أبو ذر رضي الله عنه.
فقال أبي رضي الله عنه إني نشدت الله رجلاً سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم- يذكر حديث بيت المقدس، حيث أمر الله تعالى، داود أن يبينه إلا ذكره.
فقال أبو ذر: أنا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال آخر: أنا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فأرسل أبياً.
فأقبل أبي على عمر رضي الله عنه فقال: يا عمر، أتتهمني على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
فقال عمر: يا أبا المنذر، لا والله ما اتهمتك عليه، ولكني كرهت أن يكون الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ظاهراً.
قال: وقال عمر رضي الله عنه للعباس رضي الله عنه: اذهب فلا أعرض لك في ذلك.
فقال العباس رضي الله عنه: أما إذ فعلت هذا، فإني تصدقت بها على المسلمين أوسع بها عليهم في مسجدهم، فأما وأنت تخاصمني فلا.
فخط له عمر رضي الله عنه داره التي هي له اليوم وبناها من بيت مال المسلمين.
وأخرج ابن سعد، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانت للعباس دار بالمدينة فقال عمر رضي الله عنه هبها لي أو بعنيها حتى أدخلها في المسجد فأبى.
قال اجعل بيني وبينك رجلاً من أصحاب رسول الله، فجعلا أبي بن كعب رضي الله عنه بينهما، فقضى أبي على عمر.
فقال عمر رضي الله عنه ما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد أجرأ علي من أبي.
قال: إذ أنصح لك يا أمير المؤمنين، أما علمت قصة المرأة؟
أن داود- عليه السلام- لما بنى بيت المقدس، ادخل فيه بيت امرأة بغير إذنها، فلما بلغ حجراً لرجال منع بناءه، فقال: أي رب، إذ منعتني ففي عقبي من بعدي.
فلما كان بعد قال له العباس رضي الله عنه أليس قد قضيت لي؟
قال: بلى.
قال: فهي لك قد جعلتها لله.
وأخرج عبد الرزاق في المصنف، عن سعيد بن المسيب رضي الله عنه قال: أراد عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يأخذ دار العباس بن عبد المطلب ليزيد بها في المسجد، فأبى العباس رضي الله عنه أن يعطيها إياه.
فقال عمر رضي الله عنه لآخذنها.
قال: فاجعل بيني وبينك أبي بن كعب.
قال: نعم، فأتيا أبياً فذكرا له، فقال أبي رضي الله عنه أوحى الله إلى سليمان بن داود- عليه السلام- أن يبني بيت المقدس، وكانت أرض لرجل فاشترى منه الأرض، فلما أعطاه الثمن، قال: الذي أعطيتني خير أم الذي أخذت مني؟
قال: بل الذي أخذت منك.
قال: فإني لا أجيز، ثم اشتراها منه بشيء أكثر من ذلك، فصنع الرجل مثل ذلك مرتين أو ثلاثاً، فاشترط عليه سليمان عليه السلام أني أبتاعها منك على حكمك، ولا تسألني أيهما خير.
قال: نعم.
فاشتراها منه بحكمة، فاحتكم إثني عشر ألف قنطار ذهباً، فتعاظم ذلك سليمان أن يعطيه، فأوحى الله إليه «إن كنت تعطيه من شيء هو لك فأنت أعلم، وإن كنت تعطيه من رزقنا، فأعطه حتى يرضى» قال: ففعل.
قال: وإني أرى أن عباساً رضي الله عنه أحق بداره حتى يرضى.
قال العباس رضي الله عنه- فإذ قضيت، فإني أجعلها صدقة على المسلمين.
وأخرج عبد الرزاق، عن زيد بن أسلم قال: كان للعباس بن عبد المطلب دار إلى جنب مسجد المدينة، فقال له عمر رضي الله عنه بعنيها.
وأراد عمر أن يدخلها في المسجد، فأبى العباس أن يبيعها إياه.
فقال عمر رضي الله عنه: فهبها لي، فأبى.
فقال عمر: فوسعها أنت في المسجد.
فأبى، فقال عمر: لا بد لك من إحداهن، فأبى عليه.
قال: فخذ بيني وبينك رجلاً.
فأخذا أبي بن كعب، فاختصما إليه، فقال أبي لعمر: ما أرى أن تخرجه من داره حتى ترضيه: فقال له عمر: أرأيت قضاءك هذا في كتاب الله، أم سنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
قال أبي: بل سنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال عمر: وما ذاك؟
قال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن سليمان بن داود لما بنى بيت المقدس جعل كلما بنى حائطاً أصبح منهدماً، فأوحى الله إليه أن لا تبن في حق رجل حتى ترضيه» فتركه عمر رضي الله عنه فوسعها العباس رضي الله عنه بعد ذلك في المسجد.
وأخرج الواسطي عن سعيد بن المسيب رضي الله عنه قال: لما أمر الله تعالى داود أن يبني بيت المقدس قال: يا رب وأين أبنيه؟
قال: «حيث ترى الملك شاهراً سيفه» قال: فرآه في ذلك المكان.
فأخذ داود عليه السلام فأسس قواعده ورفع حائطه، فلما ارتفع انهدم.
فقال داود عليه السلام: يا رب، أمرتني أن أبني لك بيتاً، فلما ارتفع هدمته!
فقال: «يا داود إنما جعلت خليفتي في خلقي، لم أخذته من صاحبه بغير ثمن؟
إنه يبنيه رجل من ولدك» فلما كان سليمان عليه السلام ساوم صاحب الأرض بها.
فقال له: هي بقنطار، فقال له سليمان عليه السلام: قد استوجبتها، فقال له صاحب الأرض: هي خير أم ذاك؟
قال: لا، بل هي خير، قال: فإنه قد بدا لي.
قال: أو ليس قد أوجبتها.
قال: لا، ولكن البيعان بالخيار ما لم يتفرقا.
قال ابن المبارك رضي الله عنه هذا أصل الخيار.
قال: فلم يزل يزايده ويقول له مثل قوله الأول حتى استوجبتها منه بتسعة قناطير، فبناه سليمان عليه السلام حتى فرغ منه، وتغلقت أبوابه فعالجها سليمان عليه السلام أن يفتحها فلم تنفتح حتى قال في دعائه: بصلوات أبي داود إلا تفتحت الأبواب، فتفتحت الأبواب.
قال: ففرغ له سليمان- عليه السلام- عشرة آلاف من قراء بني إسرائيل، خمسة آلاف بالليل، وخمسة آلاف بالنهار، ولا تأتي ساعة من ليل ولا نهار، إلا والله عز وجل يعبد فيه.
وأخرج الواسطي، عن الشيباني قال: أوحى الله تبارك وتعالى إلى داود- عليه السلام- إنك لم تتم بناء بيت المقدس.
قال أي رب، ولم؟
قال: لأنك غمرت يدك في الدم.
قال: أي رب، ولم يكن ذلك في طاعتك؟
قال: بلى وإن كان.
وأخرج ابن حبان في الضعفاء، والطبراني وابن مردويه والواسطي، عن رافع بن عمير رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «قال الله لداود عليه السلام: ابن لي بيتاً في الأرض فبنى داود عليه السلام بيتاً لنفسه قبل البيت الذي أمر به.
فأوحى الله إليه: يا داود قضيت بيتك قبل بيتي قال: يا رب، هكذا قلت: من ملك استأثر، ثم أخذ في بناء المسجد، فلما تم السور سقط ثلث، فشكا ذلك إلى الله.
فأوحى الله إليه: إنك لا تصلح أن تبني لي بيتاً قال: ولم يا رب؟
قال: لما جرى على يديك من الدماء!
قال: يا رب أو لم يكن ذلك في هواك ومحبتك؟
قال: بلى ولكنهم عبادي وأنا أرحمهم فشق ذلك عليه، فأوحى الله إليه لا تحزن، فإني سأقضي بناءه على يدي ابنك سليمان فلما مات داود عليه السلام، أخذ سليمان في بنائه، فلما تم قرب القرابين وذبح الذبائح وجمع بني إسرائيل.
فأوحى الله تعالى إليه: قد أرى سرورك ببنيان بيتي، فاسألني أعطك قال: أسألك ثلاث خصال: حكماً يصادف حكمك، وملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي، ومن أتى هذا البيت لا يريد إلا الصلاة فيه، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما الاثنتان فقد أعطيهما وأنا أرجو أن يكون قد أعطي الثالثة» .
وأخرج الواسطي عن كعب، قال: أوحى الله إلى داود عليه السلام: «ابن لي بيت المقدس: فعارضه ببناء له.
فأوحى الله إليه يا داود أمرتك أن تبني بيتاً لي فعارضته ببناء لك ليس لك أن تبنيه قال: يا رب، ففي عقبي.
قال: في عقبك.
فلما ولي سليمان- عليه السلام- أوحى الله إليه أن ابن بيت المقدس فبناه فلما كمل خرَّ ساجداً شاكراً لله تعالى.
قال: يا رب، من دخله من خائف فأمنه، أو من داع فاستجب له، أو مستغفر فاغفر له، فأوحى الله إليه أني قد خصصت لآل داود الدعاء قال: فذبح أربعة آلاف بقرة، وسبعة آلاف شاة، وصنع طعاماً ودعا بني إسرائيل» .
وأخرج أحمد والحكيم الترمذي في نوادر الأصول، والنسائي وابن ماجه والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإيمان، عن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن سليمان عليه السلام لما بنى بيت المقدس سأل ربه ثلاثاً، فأعطاه اثنتين، وأنا أرجو أن يكون أعطاه الثالثة.
سأله حكماً يصادف حكمه فأعطاه إياه، وسأله ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، فأعطاه إياه، وسأله أيما رجل خرج من بيته لا يريد إلا الصلاة في هذا المسجد يعني بيت المقدس خرج من خطيئته كيوم ولدته أمه قال النبي صلى الله عليه وسلم:ونحن نرجو أن يكون الله أعطاه ذلك» .
وأخرج ابن أبي شيبة والواسطي، عن عبد الله بن عمر قال: إن الحرم، لَحَرَم في السموات السبع بمقداره من الأرض.
وإن بيت المقدس لمقدس في السموات السبع بمقداره من الأرض.
وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم وابن ماجه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى» .
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه، عن أبي سعيد الخدري: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى» .
وأخرج الواسطي، عن عطاء الخراساني رضي الله عنه قال: لما فرغ سليمان بن داود عليه السلام من بناء بيت المقدس، أنبت الله له شجرتين عند باب الرحمة: إحداهما تنبت الذهب، والأخرى تنبت الفضة.
فكان في كل يوم ينتزع من كل واحدة مائتي رطل من ذهب وفضة، ففرش المسجد بلاطة ذهباً، وبلاطة فضة، فلما جاء بختنصر، خربه واحتمل منه ثمانين عجلة ذهباً وفضة فطرحه برومية.
وأخرج ابن عساكر، عن يحيى بن عمرو الشيباني قال: لما بنى داود عليه السلام مسجد بيت المقدس، نهى أن يدخل الرخام بيت المقدس، لأنه الحجر الملعون، فخر على الحجارة فلعن.
وأخرج الحاكم وصححه، عن أبي ذر رضي الله عنه قال: تذاكرنا ونحن عند النبي- صلى الله عليه وسلم- أيهما أفضل؟
مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو مسجد بيت المقدس؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من أربع صلوات فيه، ولنعم المصلى، وليوشكن أن يكون للرجل مثل بسط فرشه من الأرض، حيث يرى منه بيت المقدس، خير له من الدنيا جميعاً، أو قال خير من الدنيا وما فيها» .
وأخرج الواسطي، عن كعب رضي الله عنه قال: أن الله عز وجل ينظر إلى بيت المقدس كل يوم مرتين.
وأخرج الواسطي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال، وهو ببيت المقدس: يا نافع، أخرج بنا من هذا البيت، فإن السيئات تضاعف فيه، كما تضاعف الحسنات.
وأخرج الواسطي عن مكحول رضي الله عنه: أن ميمونة رضي الله عنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيت المقدس، قال: «نعم المسكن بيت المقدس، ومن صلى فيه صلاة بألف صلاة فيما سواه» قالت: فمن لم يطق ذلك، قال فليهد إليه زيتاً.
وأخرج الواسطي، عن مكحول رضي الله عنه قال: من صلى في بيت المقدس ظهراً وعصراً ومغرباً وعشاءً وصبحاً، ثم صلى الغداة خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه.
وأخرج الواسطي، عن كعب رضي الله عنه قال: شكا بيت المقدس إلى الله عز وجل الخراب، فقيل: هل يتكلم المسجد؟
فقال: إنه ما من مسجد إلا وله عينان يبصر بهما، ولسان يتكلم به، وإنه ليلتوي من البزاق والنجاسة كما تلتوي الدابة من ضرب السوط.
وأخرج الواسطي، عن كعب في بيت المقدس: اليوم فيه كألف يوم، والشهر فيه كألف شهر، والسنة فيه كألف سنة، ومن مات فيه فكأنما مات في السماء الدنيا.
وأخرج الواسطي، عن الشيباني رضي الله عنه قال: ليس يعد من الخلفاء إلا من ملك المسجدين المسجد الحرام ومسجد بيت المقدس.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ الذي باركنا حوله ﴾ قال: أنبتنا حوله الشجر.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل ﴾ قال جعله الله هدى، يخرجهم من الظلمات إلى النور، وجعله رحمة لهم.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ أن لا يتخذوا من دوني وكيلاً ﴾ قال: شريكاً.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ذرية من حملنا مع نوح ﴾ قال: هو على النداء، يا ذرية من حملنا مع نوح.
وأخرج ابن مردويه، عن عبد الله بن زيد الأنصاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ﴿ ذرية من حملنا مع نوح ﴾ ما كان مع نوح إلا أربعة أولاد: حام وسام ويافث وكوش، فذاك أربعة أولاد انتسلوا هذا الخلق» .
وأخرج ابن مردويه، عن أبي فاطمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كان نوح عليه السلام لا يحمل شيئاً صغيراً ولا كبيراً إلا قال: بسم الله والحمد لله، فسماه الله عبداً شكوراً» .
وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإيمان، عن سلمان رضي الله عنه قال: كان نوح عليه السلام إذا لبس ثوباً أو طعم طعاماً قال: الحمد لله فسمي عبداً شكوراً.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني، عن سعيد بن مسعود الثقفي الصحابي رضي الله عنه قال: إنما سمي نوح عليه السلام عبداً شكوراً، لأنه كان إذا أكل أو شرب أو لبس ثوباً أحمد الله.
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في شعب الإيمان عن عائشة رضي الله عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن نوحاً لم يقم عن خلاء قط إلا قال: الحمد لله الذي أذاقني لذته، وأبقى فيّ منفعته، وأخرج عني أذاه» .
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف، عن العوّام قال: حدثت أن نوحاً عليه السلام كان يقول: الحمد لله الذي أذاقني لذته، وأبقى في منفعته، وأذهب عني أذاه.
واخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في شعب الإيمان، عن أصبغ بن زيد: أن نوحاً عليه السلام كان إذا خرج من الكنيف قال ذلك، فسمي ﴿ عبداً شكوراً ﴾ .
وأخرج ابن أبي شيبة، عن إبراهيم التيمي رضي الله عنه: أن نوحاً عليه السلام إذا خرج من الغائط قال: الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني.
وأخرج عبد الله بن حمد في زوائد الزهد، عن إبراهيم رضي الله عنه قال: شكره أن يسمي إذا أكل، ويحمد الله إذا فرغ.
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في شعب الإيمان، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ إنه كان عبداً شكوراً ﴾ قال: لم يأكل شيئاً قط إلا حمد الله، ولم يشرب شراباً قط إلا حمد الله عليه، فأثنى عليه ﴿ إنه كان عبدا شكوراً ﴾ .
وأخرج أحمد في الزهد وابن أبي الدنيا والبيهقي في الشعب، عن محمد بن كعب القرظي رضي الله عنه قال: كان نوح عليه السلام إذا أكل قال: الحمد لله، وإذا شرب قال: الحمد لله، وإذا لبس قال: الحمد لله، وإذا ركب قال: الحمد لله، فسماه الله ﴿ عبداً شكوراً ﴾ .
وأخرج ابن مردويه، عن معاذ بن أنس الجهني رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما سمى الله نوحاً ﴿ عبداً شكوراً ﴾ لأنه كان إذا أمسى وأصبح قال: سبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد في السموات والأرض وعشياً وحين تظهرون» .
وأخرج ابن أبي شيبة، عن علي رضي الله عنه أنه قال: حق الطعام أن يقول العبد: بسم الله اللهم بارك لنا فيما رزقتنا، وشكره أن يقول: الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا.
وأخرج ابن أبي شيبة، عن تميم بن سلمة رضي الله عنه قال: حدثت أن الرجل إذا ذكر اسم الله على طعامه، وحمد الله على آخره، لم يسأل عن نعيم لذة الطعام.
وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي وابن ماجة والطبراني في الدعاء، عن حاتم عن عمر بن الخطاب أنه لبس جديداً فقال: الحمد لله الذي كساني ما أواري به عورتي، وأتجمل به في حياتي.
ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من لبس ثوباً جديداً فقال: الحمد لله الذي كساني ما أواري به عورتي، وأتجمل به في حياتي، ثم عمد إلى الثوب الذي خلق فتصدق به، كان في كنف الله وفي حفظ الله، وفي ستر الله حياً وميتاً» قالها ثلاثاً.
وأخرج ابن أبي شيبة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا لبس أحدكم ثوباً جديداً، فليقل الحمد لله الذي كساني ما أواري به عورتي، وأتجمل به في الناس» .
وأخرج ابن أبي شيبة، عن عون بن عبد الله قال: لبس رجلا ثوباً جديداً، فحمد الله، فأدخل الجنة، أو غفر له.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وقضينا إلى بني إسرائيل ﴾ قال: أعلمناهم.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وقضينا إلى بني إسرائيل ﴾ قال: أخبرناهم.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وقضينا إلى بني إسرائيل ﴾ قال: قضينا عليهم.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ﴾ قال: هذا تفسير الذي قبله.
وأخرج ابن المنذر والحاكم، عن طاوس قال: كنت عند ابن عباس- رضي الله عنهما- ومعنا رجل من القدرية، فقلت إن أناساً يقولون لا قدر.
قال: أوفي القوم أحد منهم؟
قلت: لو كان، ما كنت تصنع به؟
قال: لو كان فيهم أحد منهم لأخذت برأسه.
ثم قرأت عليه ﴿ وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علواً كبيراً ﴾ .
وأخرج ابن جرير، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: إن الله عهد إلى بني إسرائيل في التوراة ﴿ لتفسدن في الأرض مرتين ﴾ .
فكان أوّل الفساد: قتل زكريا عليه السلام، فبعث الله عليهم ملك النبط، فبعث الجنود وكانت أساورته ألف فارس ﴿ فهم أولو بأس ﴾ فتحصنت بنو إسرائيل، وخرج فيهم بختنصر يتيماً مسكيناً، إنما خرج يستطعم، وتلطف حتى دخل المدينة، فأتى مجالسهم وهم يقولون: لو يعلم عدوّنا ما قذف في قلوبنا من الرعب بذنوبنا ما أرادوا قتالنا، فخرج بختنصر حين سمع ذلك منهم وأشد القيام على الجيش، فرجعوا وذلك قول الله: ﴿ فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عباداً لنا أولي بأس شديد ﴾ الآية.
ثم أن بني إسرائيل تجهزوا فغزوا النبط، فأصابوا منهم، فاستنقذوا ما في أيديهم، فذلك قوله: ﴿ ثم رددنا لكم الكرة عليهم ﴾ الآية.
وأخرج ابن عساكر في تاريخه، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قوله: ﴿ لتفسدن في الأرض مرتين ﴾ قال: الأولى، قتل زكريا عليه الصلاة والسلام، والأخرى، قتل يحيى عليه السلام.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن عطية العوفي رضي الله عنه في قوله: ﴿ لتفسدن في الأرض مرتين ﴾ قال: أفسدوا المرة الأولى، فبعث الله عليهم جالوت فقتلهم، وأفسدوا المرة الثانية، فقتلوا يحيى بن زكريا عليهما السلام، فبعث الله عليهم بختنصر.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: بعث الله عليهم في الأولى جالوت، فجاس خلال ديارهم وضرب عليهم الخراج والذل، فسألوا الله أن يبعث إليهم ملكاً يقاتلون في سبيل الله، فبعث الله طالوت، فقتل جالوت فنصر بنو إسرائيل، وقتل جالوت بيدي داود عليه السلام، ورجع إلى بني إسرائيل ملكهم، فلما أفسدوا: بعث الله عليهم في المرة الآخرة بختنصر، فخرب المساجد وتبر ﴿ ما علوا تتبيراً ﴾ قال الله: بعد الأولى والآخرة ﴿ عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا ﴾ قال: فعادوا فسلط الله عليهم المؤمنين.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق أبي هاشم العبدي، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ملك ما بين المشرق والمغرب أربعة: مؤمنان، وكافران، أما الكافران، فالفرخان وبختنصر.
فأنشأ أبو هاشم يحدث قال: كان رجل من أهل الشام صالحاً فقرأ هذه الآية ﴿ وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب ﴾ إلى قوله: ﴿ علواً كبيراً ﴾ قال: يا رب، أما الأولى فقد فاتتني، فأرني الآخرة، فأتى وهو قاعد في مصلاه قد خفق برأسه فقيل: الذي سألت عنه ببابل واسمه بختنصر، فعرف الرجل أنه قد استجيب له، فاحتمل جراباً من دنانير فأقبل حتى انتهى إلى بابل، فدخل على الفرخان فقال: إني قد جئت بمال فأقسمه بين المساكين، فأمر به فأنزل، فجمعوهم له، ثم جعل يعطيهم ويسألهم عن أسمائهم، حتى إذا فرغ ممن بحضرته قيل له: فإنه قد بقيت منهم بقايا في الرساتيق، فجعل يبعث فتاه حتى إذا كان الليل رجع إليه فاقرأه رجلاً رجلاً، فأتى على ذكر بختنصر فقال: قف.
كيف قلت؟
قال: بختنصر.
قال: وما بختنصر هذا؟
قال: هو أشدهم فاقة، وهو مقعد يأتي عليه السفارون، فيلقي أحدهم إليه الكسرة، ويأخذ بأنفه.
قال: فإني مسلم به [ 7] لا بد.
قال الآخر: فإنما هو في خيمة له يحدث فيها، حتى أذهب فأقبلها وأغسله.
قال: دونك هذه الدنانير.
فأقبل إليه بالدنانير فأعطاه إياها.
ثم رجع إلى صاحبه فجاء معه، فدخل الخيمة فقال: ما اسمك؟
قال: بختنصر.
قال: من سماك بختنصر؟
قال: من عسى أن يسميني إلا أمي!
قال: فهل لك أحد؟
قال: لا والله، إني لههنا أخاف بالليل أن تأكلني الذئاب.
قال: فأي الناس أشد بلاء؟
قال: أنا.
قال: أفرأيت إن ملكت يوماً من دهر أتجعل لي أن لا تعصيني؟
قال أي سيدي لا يضرك أن لا تهزأ بي.
قال: أرأيت إن ملكت مرة أتجعل لي أن لا تعصيني؟
قال: أما هذه فلا أجعلها لك ولكن سوف أكرمك كرامة لا أكرمها أحداً.
قال دونك هذه الدنانير، ثم انطلق فلحق بأرضه، فقام الآخر فاستوى على رجليه، ثم انطلق فاشترى حماراً وأرساناً، ثم جعل يستعرض تلك الأعاجم فيجزها فيبيعه، ثم قال: إلى متى هذا الشقاء؟
فعمد فباع ذلك الحمار وتلك الأرسان واكتسى كسوة، ثم أتى باب الملك، فجعل يشير عليهم بالرأي وترتفع منزلته حتى انتهوا إلى بواب الفرخان الذي يليه، فقال له الفرخان: قد ذكر لي رجل عندك، فما هو؟
قال: ما رأيت مثله قط!
قال: ائتني به، فكلمه فأعجب به.
قال: إن بيت المقدس وتلك البلاد قد استعصوا علينا، وانا باعثون عليهم بعثاً، وإني باعث إلى البلاد من يختبرها، فنظر حينئذ إلى رجال من أهل الأرب والمكيدة، فبعثهم جواسيس، فلما فصلوا إذا بختنصر قد أتى بخرجيه على بغلة، قال: أين تريد؟
قال: معهم قال: أفلا آذنتني فابعثك عليهم؟
قال: لا، حتى إذا وقعوا بالأرض قال: تفرقوا وسأل بختنصر عن أفضل أهل البلد؟
فدل عليه، فألقى خرجيه في داره.
قال لصاحب المنزل: ألا تخبرني عن أهل بلادك، قال: على الخبير سقطت، هم قوم فيهم كتاب فلا يقيمونه، وأنبياء فلا يطيعونهم، وهم متفرقون.
قال بختنصر كالمتعجب منه: كتاب لا يقيمونه، وأنبياء لا يطيعونهم، وهم متفرقون!
فكتبهن في ورقة وألقى في خرجيه وقال: ارتحلوا، فاقبلوا، حتى قدموا على الفرخان، فجعل يسأل كل رجل منهم، فجعل الرجل يقول: أتينا بلاد كذا ولها حصن كذا ولها نهر كذا قال: يا بختنصر، ما تقول؟
قال: قدمنا أرضاً على قوم لهم كتاب لا يقيمونه، وأنبياء لا يطيعونهم، وهم متفرقون، فأمر حينئذ، فندب الناس وبعث إليهم سبعين ألفاً، وأمر عليهم بختنصر، فساروا حتى إذا علوا في الأرض أدركهم البريد: إن الفرخان قد مات ولم يستخلف أحداً.
قال للناس: مكانكم.
ثم أقبل على البريد حتى قدم على الناس وقال: كيف صنعتم؟
قالوا: كرهنا أن نقطع أمراً دونك.
قال: إن الناس قد بايعوني.
فبايعوه، ثم استخلف عليهم وكتب بينهم كتاباً، ثم انطلق بهم سريعاً حتى قدم على أصحابه، فأراهم الكتاب، فبايعوه وقالوا: ما بنا رغبة عنك.
فساروا، فلما سمع أهل بيت المقدس تفرقوا وطاروا تحت كل كوكب، فشعث ما هناك، أي أفسد، وقتل من قتل وخرب بيت المقدس، واستبى أبناء الأنبياء فيهم دانيال.
فسمع به صاحب الدنانير فأتاه فقال: هل تعرفني؟
قال: نعم.
فأدنى مجلسه ولم يشفعه في شيء، حتى إذا نزل بابل لا ترد له راية.
فكان كذلك ما شاء الله، ثم إنه رأى رؤيا فأفظعته، فأصبح قد نسيها.
قال: عليّ بالسحرة والكهنة.
قال: أخبروني عن رؤيا رأيتها الليلة، والله لتخبرني بها، أو لأقتلنكم.
قالوا: ما هي؟
قال: قد نسيتها قالوا: ما عندنا من هذا علم، إلا أن ترسل إلى أبناء الأنبياء.
فأرسل إلى أبناء الأنبياء.
قال: أخبروني عن رؤيا رأيتها الليلة، والله لتخبرني بها أو لأقتلنكم.
قالوا: ما هي؟
قال: قد نسيتها.
قالوا غيب ولا يعلم الغيب إلا الله تعالى.
قال والله لتخبرني بها، أو لأضربن أعناقكم.
قالوا: فدعنا حتى نتوضأ ونصلي وندعو الله تعالى.
قال: فافعلوا.
فانطلقوا فأحسنوا الوضوء، فأتوا صعيداً طيباً فدعوا الله، فأخبروا بها، ثم رجعوا إليه فقالوا: رأيت كأن رأسك من ذهب، وصدرك من فخار، ووسطك من نحاس، ورجليك من حديد.
قال: نعم.
قال: أخبروني بعبارتها أو لأقتلنكم.
قالوا: فدعنا ندعو ربنا.
قال اذهبوا، فدعوا ربهم فاستجاب لهم، فرجعوا إليه قالوا: رأيت كأن رأسك من ذهب، ملكك هذا يذهب عند رأس الحول من هذه الليلة.
قال: ثم مه؟
قالوا: ثم يكون بعدك ملك يفخر على الناس، ثم يكون ملك يخشى الناس شدته، ثم يكون ملك لا يقله شيء، إنما هو مثل الحديد يعني الإسلام فأمر بحصن فبني له، بينه وبين السماء، ثم جعل ينطقه بمقاعد الرجال والاحراس، وقال لهم: إنما هي هذه الليلة لا يجوز عليكم أحد، وإن قال أنا بختنصر إلا قتلتموه مكانه، كائناً من كان من الناس.
فقعد كل أناس في مكانهم الذي وكلوا به.
واهتاج بطنه من الليل، فكره أن يرى مقعده هناك.
وضرب على أسمخة القوم، فاستثقلوا نوماً، فأتى عليهم وهم نيام، ثم أتى عليهم فاستيقظ بعضهم، فقال: من هذا؟
قال: بختنصر.
قال: هذا الذي حفي إلينا فيه الليلة.
فضربه فقتله، فأصبح الخبيث قتيلاً.
وأخرج ابن جرير نحوه أخصر منه عن سعيد بن جبير رضي الله عنه، وعن السدي وعن وهب بن منبه.
وأخرج ابن جرير عن سعيد بن المسيب قال: ظهر بختنصر على الشام، فخرب بيت المقدس وقتلهم، ثم أتى دمشق فوجد بها دماً يغلي على كباء فسألهم ما هذا الدم؟
قالوا: أدركنا آبائنا على هذا وكلما [ 7] ظهر عليهم الكباء ظهر، فقتل على ذلك الدم سبعين ألفاً من المسلمين وغيرهم فسكن.
وأخرج ابن عساكر، عن الحسن رضي الله عنه: أن بختنصر لما قتل بني إسرائيل وهدم بيت المقدس وسار بسبايا بني إسرائيل إلى أرض بابل، فسامهم سوء العذاب، أراد أن يتناول السماء، فطلب حيلة يصعد بها، فسلط الله عليه بعوضة، فدخلت منخره فوقفت في دماغه، فلم تزل تأكل دماغه وهو يضرب رأسه بالحجر حتى مات.
وأخرج ابن جرير، عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن بني إسرائيل لما اعتدوا في السبت وعلوا وقتلوا الأنبياء عليهم السلام بعث الله عليهم ملك فارس بختنصر، وكان الله ملكه سبعمائة سنة، فسار إليهم حتى دخل بيت المقدس، فحاصرها وفتحها، وقتل على دم زكريا عليه السلام سبعين ألفاً، ثم سبى أهلها وبني الأنبياء، وسلب حلى بيت المقدس، واستخرج منها سبعين ألفاً ومائة ألف عجلة من حلى، حتى أورده بابل» قال حذيفة رضي الله عنه فقلت: يا رسول الله، لقد كان بيت المقدس عظيماً عند الله؟!
قال: «أجل , فبناه سليمان بن داود- عليه السلام- من ذهب ودر وياقوت وزبرجد وكان بلاطة ذهبا وبلاطة فضة، وعمده ذهباً، أعطاه الله ذلك وسخر له الشياطين يأتونه بهذه الأشياء في طرفة عين، فسار بختنصر بهذه الأشياء حتى نزل بها بابل، فأقام بنو إسرائيل مائة سنة يعذبهم المجوس وأبناء المجوس، فيهم الأنبياء وأبناء الأنبياء، ثم إن الله رحمهم، فأوحى إلى ملك من ملوك فارس يقال له كورس- وكان مؤمناً- أن: سر إلى بقايا بني إسرائيل حتى تستنقذهم، فسار كورس ببني إسرائيل ودخل بيت المقدس حتى رده إليه، فأقام بنو إسرائيل مطيعين لله مائة سنة، ثم إنهم عادوا في المعاصي، فسلط عليهم ابطنانحوس فغزا ثانياً بمن غزا مع بختنصر، فغزا بني إسرائيل، حتى أتاهم بيت المقدس، فسبى أهلها وأحرق بيت المقدس.
وقال لهم: يا بني إسرائيل، إن عدتم في المعاصي، عدنا عليكم في السباء، فعادوا في المعاصي، فسير الله عليهم السباء الثالث: ملك رومية يقال له فاقس بن اسبايوس، فغزاهم في البر والبحر فسباهم، وسيَّر حلى بيت المقدس وأحرق بيت المقدس بالنيران، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فهذا من صفة حلى بيت المقدس ويرده المهدي إلى بيت المقدس، وهو ألف سفينة وسبعمائة سفينة يرسى بها على يافا، حتى تنتقل إلى بيت المقدس وبها يجتمع إليه الأوّلون والآخرون» .
وأخرج ابن جرير، عن ابن زيد قال: كان إفسادهم الذي يفسدون في الأرض مرتين: قتل زكريا عليه السلام ويحيى بن زكريا، فسلط عليهم سابور ذا الأكتاف، ملكاً من ملوك فارس، من قبل زكريا، وسلط عليهم بختنصر من قبل يحيى.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فإذا جاء وعد أولاهما ﴾ قال: إذا جاء وعد أولى تينك المرتين اللتين قضينا إلى بني إسرائيل ﴿ لتفسدن في الأرض مرتين ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ بعثنا عليكم عباداً لنا أولي بأس شديد ﴾ قال جند أتوا من فارس يتجسسون من أخبارهم ويسمعون حديثهم معهم بختنصر فوعى حديثهم من بين أصحابه، ثم رجعت فارس ولم يكثر قتال ونصرت عليهم بنو إسرائيل، فهذا وعد الأولى ﴿ فإذا جاء وعد الآخرة ﴾ بعث ملك فارس ببابل جيشاً وأمر عليهم بختنصر فدمروهم، فهذا وعد الآخرة.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فجاسوا ﴾ قال فمشوا.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه قال: أما المرة الأولى فسلط عليهم جالوت، حتى بعث طالوت ومعه داود فقتله داود، ثم رد الكرة لبني إسرائيل ﴿ وجعلناكم أكثر نفيراً ﴾ أي عدداً وذلك في زمان داود ﴿ فإذا جاء وعد الآخرة ﴾ آخر العقوبتين ﴿ ليسوءوا وجوهكم ﴾ قال ليقبحوا وجوهكم، ﴿ وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة ﴾ قال: كما دخل عدوهم قبل ذلك ﴿ وليتبروا ما علوا تتبيرا ﴾ قال: يدمروا ما علوا تدميراً، فبعث الله عليهم في الآخرة بختنصر البابلي المجوسي أبغض خلق الله إليه، فسبى وقتل وخرب بيت المقدس، وسامهم سوء العذاب.
وأخرج ابن جرير، عن ابن زيد رضي الله عنه في الآية قال: كانت الآخرة أشد من الأولى بكثير، فإن الأولى كانت هزيمة فقط، والآخرة كانت تدميراً، وحرق بختنصر التوراة حتى لم يترك فيها حرفاً واحداً، وخرب بيت المقدس.
وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ تتبيراً ﴾ قال: تدميراً.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: ﴿ تبرنا ﴾ دمرنا بالنبطية.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ عسى ربكم أن يرحمكم ﴾ قال: كانت الرحمة التي وعدهم: بعث محمد صلى الله عليه وسلم.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإن عدتم عدنا ﴾ قال: فعادوا، فبعث الله عليهم محمداً- صلى الله عليه وسلم- فهم يعطون ﴿ الجزية عن يد وهم صاغرون ﴾ [ التوبة: 29].
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وجعلنا جهنم للكافرين حصيراً ﴾ قال: سجناً.
وأخرج ابن النجار في تاريخه، عن أبي عمران الجوني في قوله: ﴿ وجعلنا جهنم للكافرين حصيراً ﴾ قال سجناً.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وجعلنا جهنم للكافرين حصيراً ﴾ يقول جعل الله مأواهم فيها.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ حصيراً ﴾ قال: يحصرون فيها.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الحسن في قوله: ﴿ حصيراً ﴾ قال: فراشاً ومهاداً.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ ﴾ الآية.
يحتاج هاهنا إلى إضمار القول على تقدير: وقلنا: ﴿ إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ ﴾ ، قال ابن عباس: يريد إن أطعتم الله فيما بقي عفا عنكم المساوئ، ﴿ وَإِنْ أَسَأْتُمْ ﴾ قال: يريد الفساد وعصيان الأنبياء وقتلهم، ﴿ فَلَهَا ﴾ ، قال: يريد فعلى أنفسكم يقع الوبال.
قال النحويون: إنما قيل: ﴿ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ﴾ للتقابل، والمعنى: فإليها أو فعليها (١) ﴿ بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا ﴾ أي إليها.
وقوله تعالى: ﴿ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ ﴾ أي وعد المرة الآخرة من إفسادكم، قال المفسرون: فأفسدوا المرة؛ فقتلوا يحيى بن زكريا، فبعث الله عليهم (بخت نصر) البابلي المجوسي (٢) (٣) وجواب قوله: ﴿ فَإِذَا جَاءَ ﴾ محذوف، تقديره: ﴿ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ ﴾ بعثنا ﴿ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ ﴾ ، ودل عليه ما تقدم، من قوله: ﴿ بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا ﴾ فَحُذف لتقدم ذكره، ولأنه جواب (إذا) وشرطها يقتضيه، فحُذف للدلالة عليه، قاله الفراء (٤) (٥) وقوله تعالى: ﴿ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ ﴾ يقال: ساءه يسوؤه، أي: أحزنه، وذكرنا ذلك في مواضع [[منها في سورة البقرة آية [49].]]، قال أبو علي: قال: ﴿ وُجُوهَكُمْ ﴾ على أنَّ الوجوهَ مفعول ﴿ لِيَسُوءُوا ﴾ ، وعُدِّيَ إلى الوجوه، ولأن الوجوه قد يُراد بها ذَوو الوجوه؛ لقوله: ﴿ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ﴾ ، وكأن الوجوه إنما خُصَّت بذلك؛ لأنها تدل على ما كان من ذوي الوجوه من الناس من حزنٍ ومسرةٍ وبشارةٍ وكآبةٍ (٦) (٧) (٨) (٩) ﴿ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ ﴾ ، وقرأ حمزة: ﴿ لِيَسُوءُوا ﴾ على واحد بالياء (١٠) ﴿ بَعَثْنَا ﴾ المتقدم (١١) (١٢) (١٣) وقوله تعالى: ﴿ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا ﴾ يقال: تَبِرَ الشيءُ يَتْبَرُ تَبارًا إذا هلك، وتَبَّرَه: أهلكه (١٤) قال أبو إسحاق: وكل شيء كَسَرْتَه وفَتَّتَّهُ فقد تَبَّرْتَهُ (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) وقال الزجاج: معناه لِيُدَمِّروا (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) (١) ورد بنحوه في "تفسير الطبري" 15/ 31، و"الثعلبي" 7/ 104 ب، و"الطوسي" 6/ 451، انظر: "تفسير ابن الجوزي" 5/ 10، و"الفخر الرازي" 20/ 158 بنصه، و"الدر المصون" 7/ 316.
وذهب النحاس إلى أن لها على بابها، وقال: ﴿ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ﴾ : أي يحصل العقاب لها، ثم قال: و (لها) بمعنى (عليها) لا يقوله النحويون الحذاق، وقد رجحه العكبري والمنتجب؛ قال العكبري: وقيل: هي على بابها، وهو الصحيح؛ لأن اللام للاختصاص، والعامل مختص بجزاء عمله حسنة وسيئة.
انظر "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 231، و"الإملاء" 2/ 88، و"الفريد في إعراب القرآن" 3/ 260.
(٢) هذا القول مشهور، بل قال "الطبري" 15/ 27: لا اختلاف بين أهل العلم أن إفسادهم في المرة الآخرة كان قتلهم يحيى بن زكريا، ومع ذلك فقد رده كثير من العلماء، قال الثعلبي: ومن روى أن بختنصر هو الذي غزا بني إسرائيل عند قتلهم يحيى بن زكريا، فغلط عند أهل السير والأخبار؛ لأنهم مجمعون على أن بختنصر إنما غزا بني إسرائيل عند قتلهم شَعْيَا وفي عهد أرمياء، قالوا: ومن عهد أرمياء وتخريب بختنصر بيت المقدس إلى مولد يحيى بن زكريا -عليهما السلام- أربعمائة سنة وإحدى وستون سنة، وقال السهيلي: وهذا لا يصح؛ لأن قتل يحيى كان بعد رفع عيسى، وبختنصر كان قبل عيسى بن مريم -عليهما السلام- بزمان طويل، ..
ولكنه أريد بالمرة الأخرى حين قتلوا شَعْيَا؛ فقد كان بختنصر إذ ذاك حيًا، فهو الذي قتلهم وخرَّب بيت المقدس.
وقال الفخر الرازي: التواريخ تشهد بأن == بختنصر كان قبل وقت عيسى ، ويحيى بن زكريا -عليهما السلام- بسنين متطاولة.
انظر: "تفسير الثعلبي" 7/ 103 أ، و"ابن الجوزي" 5/ 11، و"الفخر الرازي" 20/ 158، و"القرطبي" 10/ 220.
(٣) أخرجه "الطبري" 15/ 35 - 43، بنحوه عن ابن عباس وابن الزبير ومجاهد وقتادة وابن جبير، وورد بنحوه في "تفسير هود الهواري" 2/ 409، انظر: "تفسير البغوي" 5/ 80، و"ابن الجوزي" 5/ 11.
اختلف في فسادي بني إسرائيل من حيث الوقوع وعدمه على ثلاثة أقوال: الأول: أن كلا الفسادين وقع قبل بعة النبي - - ونزول القرآن، ووقعا في بيت المقدس، وإليه ذهب القدامى من المفسرين، واختلفوا في الفساد الأول؛ فذهب علي وابن مسعود وابن عباس وابن زيد - م- إلى أنه قتلهم زكريا ، وروى ابن إسحاق أنه كان قتلهم شعياء، وأيَّد قوله بأن بعضَ أهلِ العلم أخبره أن زكريا مات موتًا ولم يُقتل، أما فسادهم في المرة الآخرة، فقد ذكر ابن جرير أنه لا خلاف بين أهل العلم أنه كان قتلهم يحيى بن زكريا عليهما السلام.
انظر: "تفسير الطبري" 15/ 27 - 28، و"الدر المنثور" 4/ 296.
القول الثاني: أن الفساد الأول مضى قبل الإسلام والثاني هو فسادهم الحالي، قاله بعض المعاصرين، ومنهم الدكتور مصطفى مسلم، فقد ذكر أن الإفساد الأول كان بعد مملكة سليمان ، وأن الإفساد الثاني لمَّا يأت بعد، لكنه قال: وبدأت بذوره من بداية مؤتمر اليهود في بال بسويسرا عام 1897 م والتي وضعوا فيها المخطط المدروس لإفساد العالم، ويرى أن اللبنة الأولى قيام دولة إسرائيل، ومنذ ذاك الوقت -إلى الآن- وعلو بني إسرائيل في تزايد مستمر.
انظر: "معالم قرآنية في الصراع مع اليهود" ص 252.
وأما الشيخ سعيد حوى فقد وضع ضابطًا لترجيح أَيِّ قول حول إفسادهم؛ فقال: إن النص يحدثنا عن إفسادتين لبني إسرائيل يرافقهما علو كبير، وهذا مهمّ جدًّا في فهم الموضوع؛ لقد أفسد بنو إسرائيل إفسادات كثيرة ولكن لم يكن يرافق كل ذلك علوّ كبير لهم ودولة، كما أنهم قد علوا علوًّا كبيرًا في مراحل -كما حدث في زمن داود وسليمان -عليهما السلام- ولكنه علو لا يرافقه فساد.
ثم قال: ويبدو بما لا == يقبل الجدل أن الإفسادة الأولى هي التي سلط عليهم بها بختنصر، فهي الإفسادة التي رافقها بغي وطغيان وعتو، ثم قال: فهل الإفسادة الثانية هي ما نراه الآن؟
إذ لهم دولة وسلطان، وإفساد وطغيان ..
وبعد مناقشات رجح أن الإفسادة الثانية هي الآن، فقال: والآن إفسادهم في الأرض كلها معروف، وسيطرتهم الخفية على بعض بلدان العالم معروفة، واجتمع لهم سلطان ودولة.
انظر: "الأساس في التفسير" 6/ 3037، وعلى هذا القول يكون مكان الإفسادتين بيت المقدس أيضًا.
القول الثالث: أن الفسادين وقعا بعد بعثة النبيّ - - ونزول القرآن؛ فالأول وقع إبان بعثة النبي - - والثاني هو الحالي، قاله أيضًا بعض المعاصرين؛ يقول الشيخ سعيد حوى: ويمكن أن نفهم المسألة فهمًا آخر؛ بأن نعتبر الإفسادة الأولى هي محاولتهم الوقوف في وجه الدعوة الإِسلامية، وتسليط الله المسلمين عليهم وعلى ديارهم حول المدينة المنورة، والإفسادة الثانية هي الإفسادة الحالية، ويكون المسلمون الذين غلبوهم أول مرة هم الذين سيغلبونهم المرة الثانية، إذا اجتمع لهم العبودية لله والبأس الشديد.
انظر: "الأساس في التفسير" 6/ 3040.
وقد انتصر الدكتور صلاح الخالدي للقول الثالث، بل لم ير غيره، وناقش قول القدامى ورد عليه، وأهم منطلقاته أن قول القدامى اعتمد على الإسرائيليات وعلى روايات تاريخية لم تثبت تاريخيًا ولا علميًا، ودلل على أن إفسادهم الأول المقرون بالعلو الكبير لم يكن أثناء وجودهم في بيت المقدس، إنما كان أول إفساد لهم مقرونًا بالعلو الكبير بالحجاز قبل بعثة النبي - - وبعدها، وذكر صورًا من مظاهر إفسادهم الأول، ثم دلل على أن الإفسادة الثانية هي الحالية بتحليل مفردات الآية السادسة ﴿ ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ ..
﴾ ، والاستدلال بواقعهم المعاصر الذي وصلوا فيه الذروة في العلو الكبير.
انظر: "حقائق قرآنية حول القضية الفلسطينية" (150 - 190)، و"الشخصية اليهودية من خلال القرآن" (327 - 349).
(٤) "معاني القرآن" للفراء 2/ 116، بنحوه.
(٥) "الحجة للقراء" 5/ 86 بنصه تقريبًا.
(٦) ورد في "تفسير الطوسي" 6/ 450 بنصه تقريبًا.
(٧) "الحجة للقراء" 5/ 86 بتصرف واختصار.
(٨) وهم: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وحفص عن عاصم، قرؤوا بالياء وضم الهمزة وإشباعها، انظر: "السبعة" ص 378، و"علل القراءات" 1/ 313، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 1/ 363، و"الحجة للقراء" 5/ 85، و"المبسوط في القراءات" ص 227، و"التبصرة" ص 567، و"النشر" 2/ 306.
(٩) ساقطة من (د).
(١٠) أي: (لِيَسُوءَ)، وقرأ بها كذلك عاصم وابن عامر.
انظر المصادر السابقة.
(١١) ورد في "الحجة للقراء" 5/ 86 بنصه تقريبًا.
(١٢) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 228 بنصه.
(١٣) أي: (لِنَسُوءَ) انظر المصادر نفسها الصفحة السابقة حاشية رقم (5).
(١٤) انظر: (تبر) في "جمهرة اللغة" 1/ 253، و"المحيط في اللغة" 9/ 429، و"الصحاح" 2/ 600، و"اللسان" 1/ 416 (١٥) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 228 - بمعناه، وورد في "تهذيب اللغة" (تبر) 1/ 424 بنصه.
(١٦) في جميع النسخ (لتكسره)، والمثبت هو الصحيح، ويؤيده ما في التهذيب، قال: ومن هذا قيل لِمُكَسَّر الزجاج.
(١٧) ورد بنحوه في "تفسير مقاتل" 1/ 212 أ، و"الطبري" 15/ 36 بنصه، و"السمرقندي" 2/ 261، وهود الهواري 2/ 409، و"الطوسي" 6/ 451، انظر: "تفسير ابن الجوزي" 5/ 11، و"الفخر الرازي" 20/ 159، بنصه.
(١٨) أخرجه بنحوه: "عبد الرزاق" 2/ 373، و"الطبري" 15/ 36، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 299 وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.
(١٩) في (ع) زيادة (ما) أي: ليدمروا ما، وأغلب الظن أنه خطأ من النساخ.
(٢٠) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 228، بنصه.
(٢١) هكذا وردت العبارة -بين القوسين- في جميع النسخ، ويبدو أن (ما) تقدمت على (فجعل)، فتكون العبارة فجعل (ما) ظرفًا.
(٢٢) "الإغفال" 2/ 153 بنصه تقريبًا، ولا فرق كبير بين المعنيين، مع وصفه لعبارته بأنها أجود وأوضح.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ ﴾ أحسنتم الأول بمعنى الحسنات، والثاني: بمعنى الإحسان كقولك: أحسنت إلى فلان، ففيه تجنيس، واللام فيه بمعنى إلى، وكذلك اللام في قوله: وإن سألتم فلها ﴿ فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ الآخرة لِيَسُوءُواْ وُجُوهَكُمْ ﴾ يعني إذا أفسدوا في المرة الأخيرة، بعث الله عليهم أولئك العباد للانتقام منهم، فالآخرة صفة للمرة، ومعنى يسوؤا: يجعلونها تظهر فيها آثار الشر والسوء كقوله: سيئت وجوه الذين كفروا، واللام لام كي وهي تتعلق ببعثنا المحذوف لدلالة الأول عليه، وقيل: هي لام الأمر ﴿ وَلِيَدْخُلُواْ المسجد ﴾ يعني بيت المقدس ﴿ وَلِيُتَبِّرُواْ ﴾ من التبار، وهو الإهلاك وشدّة الفساد ﴿ مَا عَلَوْاْ ﴾ ما مفعول ليتبروا: أي يهلكوا ما غلبوا عليه من البلاد، وقيل إن ما ظرفية أي يفسدوا مدة علوهم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ يتخذوا ﴾ بياء الغيبة.
أبو عمرو وعباس مخيراً.
الباقون بتاء الخطاب ﴿ أساتم ﴾ بالمد: أبو عمرو ويزيد الأصبهاني عن ورش والأعشى وحمزة في الوقف.
﴿ ليسوء ﴾ بياء الغيبة على التوحيد: ابن عامر وحمزة وأبو بكر وحماد و ﴿ لنسوء ﴾ بالنون: علي.
الباقون ﴿ ليسؤوا ﴾ على الجمع ﴿ ويبشر ﴾ مخففاً: حمزة وعلي.
﴿ ويخرج ﴾ بالياء مجهولاً: يزيد ﴿ ويخرج ﴾ لازماً: يعقوب الآخرون بالنون متعدياً ﴿ تلقاه ﴾ مشدداً: ابن عامر ويزيد، وروى النقاش عن ابن ذكوان بالإمالة.
الباقون مخففة، وقرأ حمزة وعلي وخلف بالإمالة ﴿ قرأ كتابك ﴾ بغيرهم: الأعشى وأوقية وحمزة في الوقف: ﴿ أمرنا ﴾ من باب المفاعلة: يعقوب.
الوقوف: ﴿ آياتنا ﴾ ط ﴿ البصير ﴾ ه ﴿ وكيلاً ﴾ ط لمن قرأ ﴿ تتخذوا ﴾ بتاء الخطاب لإمكان أن يجعل ﴿ ذرية ﴾ منادى ﴿ نوح ﴾ ط ﴿ شكوراً ﴾ ه ﴿ كبيراً ﴾ ه ﴿ الديار ﴾ ط ﴿ مفعولاً ﴾ ه ﴿ نفيراً ﴾ ه ﴿ فلها ﴾ ط لأن ما بعد عائد إلى قوله ﴿ فإذا جاء وعد أولٰهما ﴾ مع اعتراض العوارض ﴿ تتبيراً ﴾ ه ﴿ يرحمكم ﴾ ه للابتداء بالشرط مع العطف ﴿ عدنا ﴾ ه حذراً من توهم العطف ﴿ حصيراً ﴾ ه ﴿ كبيراً ﴾ ه لا للعطف ﴿ أليما ﴾ ه ﴿ بالخير ﴾ ط ﴿ عجولاً ﴾ ه ﴿ والحساب ﴾ ، ط ﴿ تفصيلاً ﴾ ه ﴿ عنقه ﴾ ط ﴿ منشوراً ﴾ ه ﴿ كتابك ﴾ ط ﴿ حسيباً ﴾ ه ط للابتداء بعد بالشرط ﴿ لنفسه ﴾ ج للشرط مع العطف ﴿ عليها ﴾ ط ﴿ أخرى ﴾ ط ﴿ رسولاً ﴾ ه ﴿ تدميراً ﴾ ه ﴿ نوح ﴾ ط ﴿ بصيراً ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف ﴿ مدحوراً ﴾ ه ﴿ مشكوراً ﴾ ه ﴿ عطاء ربك ﴾ ط ﴿ محظوراً ﴾ ه ﴿ بعض ﴾ ط ﴿ تفصيلاً ﴾ .
الوقوف: لما عزم على نبيه في خواتيم النحل جوامع مكارم الأخلاق حكى طرفاً مما خصة به من المعجزات فقال: ﴿ سبحان الذي ﴾ وهو اسم علم للتسبيح وقد مر إعرابه في قوله: ﴿ سبحانك لاعلم لنا إلاَّ ما علمتنا ﴾ والمراد تنزيه الله من كل مالا يليق بجلاله ﴿ وأسرى ﴾ وسرى لغتان.
يروى أنه لما وصل النبي إلى المراتب العلية في معراجه في معراجه أوحى الله إليه يا محمد: بم أشرِّفك؟
فقال: يا رب تنسبني إلى نفسك بالعبودية.
فأنزل فيه: ﴿ سبحان الذي أسرى بعبده ﴾ وقوله: ﴿ ليلاً ﴾ نصب على الظرف وفيه تأكيد الإسراء، وفي تنكيره تقليل مدة الإسراء لأن التنكير فيه معنى البعضية، أخبر أنه أسرى به في بعض الليل ﴿ من المسجد الحرام ﴾ عن النبي : بينا أنا في المسجد الحرام في الحجر عند البيت بين النائم واليقظان إذ أتاني جبريل بالبراق.
وقيل: المراد بالمسجد الحرام الحرم لإحاطته بالمسجد والتباسه به.
وعن ابن عباس: الحرم كله مسجد وإلى هذا القول ذهب الأكثرون.
قالوا: إنه أسرى به من دار أم هانيء بنت أبي طالب قبل الهجرة بسنة.
وعن أنس والحسن أنه كان قبل البعثة.
﴿ إلى المسجد الأقصى ﴾ هو بيت المقدس بالإتفاق سمي بالأقصى لبعد المسافة بينه وبين المسجد الحرام ولم يكن حينئذ وراءه مسجد.
﴿ الذي باركنا حوله ﴾ يري بركات الدين والدنيا لأنه متعبد الأنبياء من وقت موسى ، ومهبط الوحي وهو محفوف بالأنهار الجارية والأشجار المثمرة.
وقوله: ﴿ أسرى ﴾ مع قوله: ﴿ باركنا ﴾ سلوك لطريقة الالتفات ﴿ لنريه من آياتنا ﴾ بيان لحكمة الإسراء.
سؤال: أرى إبراهيم ملكوت السموات والأرض، وأرى محمداً صلى الله عليه وسلم بعض آياته فيلزم أن يكون معراج إبراهيم أفضل؟
الجواب: لعل بعض الآيات المضافة إلى الله أشرف وأجل من ملكوت السموات والأرض كلها ولهذا ختم الآية بقوله: ﴿ إنه هو السميع ﴾ لأقوال محمد ﴿ البصير ﴾ بأفعاله المهذبة الخالصة فيكرمه على حسب ذلك.
واعلم أن الأكثرين من علماء الإسلام اتفقوا على أنه أسري بجسد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأقلون على أنه ما أسرى إلا بروحه.
حكى محمد بن جرير الطبريّ في تفسيره عن حذيفة أنه قال: كان ذلك رؤيا وأنه ما فقد جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكنه عرج بروحه.
وحكى هذا القول عن عائشة أيضاً.
وقد احتج بعض العقلاء على هذا القول بوجوه منها: أن الحركة الجسمانية البالغة في السرعة إلى هذا الحد غير معقولة: ومنها أن صعوده إلى السموات يوجب انخراق الفلك.
ومنها أنه لو صح ذلك لكان من أعظم معجزاته فوجب أن يكون بمحضر من الجم الغفير حتى يستدلوا بذلك على صدقه، وما الفائدة في إسراته ليلاً على حين غفلة من الناس.
ومنها أن الإنسان عبارة عن الروح وحده لأنه باقٍ من أول عمره إلى آخره، والأجزاء البدنية في التغير والانتقال والباقي مغاير للمتغير، ولأن الإنسان يدرك ذاته حين ما يكون غافلاً عن جميع جوارحه وأعضائه.
ومنها قوله .
﴿ وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلاَّ فتنة للناس ﴾ وما تلك الرؤيا إلاَّ حديث المعراج.
وإنما كانت فتنة للناس لأن كثيراً ممن آمن به حين سمعها ارتد وكفر به.
ومنها أن حديث المعراج الجسماني اشتمل على أشياء بعيدة عن العقل كشق بطنه وتطهيره بماء زمزم وركوب البراق وإيجاب خمسين صلاة، فإن ذلك يقتضي نسخ الحكم قبل حضور وقته، وأنه يوجب البداء.
أجاب الأكثرون عن الأول بأنه حركة الرسول من مكة إلى فوق الفلك الأعظلم لم يكن إلاّ نصف قطر الفلك، ونسبة نصف القطر إلى نصف الدور نسبة الواحد إلى ثلاثة أمثال وسبع هي نصف حركة الفلك في يوم بليلته، وإذا كان الأكثر واقعاً فالأقل بالإمكان أولى، ولو كان القول بمعراج محمد في ليلة واحدة ممتنعاً لكان القول بنزول جبريل من العرش إلى مكة في لحظة واحدة ممتنعاً، لأن الملائكة أيضاً أجسام عند جمهور المسلمين، وكذا القول في حركات الجن والشياطين وقد سخر الله لسليمان الريح غدوّها شهر ورواحها شهر، وقد ﴿ قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك ﴾ .
وكان عرش بلقيس في أقصى اليمن وسليمان في الشام.
وعلى قول من يقول إن الإبصار بخروج الشعاع فإنما ينتقل شعاع العين من البصر إلى الكواكب الثابتة في آن واحد، فيثبت أن المعراج أمرممكن في نفسه.
أقصى ما في الباب الاستبعاد وخرق العادة ولكنه ليس مخصوصاً بهذه الصورة وإنما ذلك أمر حاصل في جميع المعجزات.
وعن الثاني أن انخراق الأفلاك عند حكماء الإسلام جائز.
وعن الثالث أن فائدة الإسراء قد عادت إليه حيث شاهد العالم العلوي والعرش والكرسي وما فيها وعليها فحصل في قلبه زيادة قوة وطمأنينة، بها انقطعت تعلقاته عن الكونين ولم يبق مشغول القلب بشيء من أمور الدنيا والآخرة.
وعن الرابع أن العبد عبارة عن مجموع الروح والجسد.
وعن الخامس أن تلك الرؤيا هي غير حكاية المعراج كما سيجيء في تفسيره، ولو سلم أنها هي المعراج فالرؤيا بمعنى الرؤية.
وعن السادس أنه لا اعتراض على الله في شيء من أفعاله وأنه على كل شيء قدير.
واعلم أنه ليس في الآية دلالة على العروج من بيت المقدس إلى السموات وإلى ما فوق العرش إلاَّ أنه ورد الحديث به، ومنهم من استدل على ذلك بأول سورة النجم أو بقوله { ﴿ لتركبن طبقاً عن طبق ﴾ وتفسيرهما مذكور في موضعه.
يروى أنه نائماً في بيت أم هانىء بعد صلاة العشاء فأسري به ورجع من ليلته وقص القصة على أم هانىء وقال: مثل لي النبيون وصليت بهم.
وقام ليخرج إلى المسجد فتشبثت أم هانىء بثوبه فقال: مالك؟
قالت: أخشى أن يكذبك قومك إن أخبرتهم قال: وإن كذبوني.
فخرج فجلس إليه أبو جهل فأخبره رسول الله بحديث الإسراء به وأنه أسري به من مكة إلى بيت المقدس ومنه عرج إلى السماء ورأى ما فيها من العجائب ولقي الأنبياء وبلغ البيت المعمور وسدرة المنتهى.
فقال أبو جهل: يا معشر بني كعب بن لؤي هلم فحدثهم، فمن بين مصفقٍ وواضع يده على رأسه تعجباً وإنكاراً، وارتد ناس ممن كان آمن به.
وسعى رجال إلى أبي بكر فقال: إن كان قال ذلك لفد صدق.
قالوا: أتصدقه على ذلك؟
قال: إني لأصدقه على أبعد من ذلك فسمي الصديق.
وكان فيهم من سافر إلى الشام فاستنعتوه المسجد فجلى له بيت المقدس فطفق ينظر إليه وينعته لهم فقالوا: أما النعت فقد أصاب.
فقالوا: أخبرنا عن عيرنا فأخبرهم بعدد جمالهم وأحوالها وقال: تقدم يوم كذا مع طلوع الشمس يقدمها جمل أورق، فخرجوا يشتدون ذلك اليوم نحو الثنية فقال قائل منهم: هذه والله الشمس قد شرقت، وقال آخر: وهذه والله العير قد أقبلت يقدمها جمل أورق كما قال محمد ، ثم لم يؤمنوا وقالوا: ما هذا إلاَّ سحر مبين.
ولما حكى طرفاً من إكرام محمد ذكر شيئاً من إكرام موسى فقال: ﴿ وآتينا موسى الكتاب ﴾ أي التوراة ﴿ وجعلناه هدى لبني إسرائيل ﴾ أخرجناهم بواسطته من ظلمات الجهل والكفر إلى نور العلم والدين ﴿ ألا تتخذوا ﴾ من قرأ على الغيبة فــ"أَنْ" ناصبة ولام العاقبة محذوفة أي لئلا يتخذوا، ومن قرأ على الخطاب فَـ"أَنْ" مفسرة معناها أي لا تتخذوا كقولك: كتبت إليه أن افعل كذا، وزائدة والقول مضمر يعني قلنا لهم لا تتخذوا ﴿ من دوني وكيلاً ﴾ رباً تكلون إليه أمركم يا ﴿ ذرية من حملنا مع نوح ﴾ قال قتادة: الناس كلهم ذرية نوح لأنه كان معه في السفينة ثلاثة بنين: سام وحام ويافث، والناس كلهم من ذرية أولئك.
فقوله "يا ذرية" قائم مقام قوله: ﴿ يا أيها الناس ﴾ وعلى القراءة الأولى انتصب ﴿ ذرية ﴾ على الاختصاص، وعلى القراءتين احتمل أن ينتصب على أنه مفعول آخر ليتخذوا أي لا تجعلوهم أرباباً كقوله: ﴿ ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً ﴾ من ذرية المحمولين مع نوح وعيسى وعزير.
ثم علل النهي عن الإشراك بقوله: ﴿ إنه كان عبداً شكوراً ﴾ أي أنتم ذرية من آمن به وحمل معه فاجعلوه أسوتكم كما جعله آباؤكم أسوتهم في الشكر لله وعدم اتخاذ الشريك له.
ويجوز أن يكون تعليلاً لاختصاص بني إسرائيل والثناء عليهم بأنهم أولاد المحمولين مع نوح فهم متصلون به، فلهذا استأهلوا الاختصاص.
وجوز في الكشاف أن يكون ثناء على نوح بطريق الاستطراد.
يروى من شكره أنه كان إذا أكل قال: الحمد لله الذي أطعمني ولو شاء أجاعني، وإذا شرب قال: الحمد لله الذي سقاني ولو شاء أظمأني، وإذا اكتسى قال: الحمد لله الذي كساني ولو شاء أعراني، وإذا احتذى قال: الحمد لله الذي حذاني ولو شاء أحفاني، وإذا قضى حاجته قال: الحمد لله الذي أخرج عني أذاه في عافية ولو شاء حبسه، وكان إذا أراد الإفطار عرض طعامه على من آمن به فإن وجده محتاجاً آثر به.
ثم ذكر أن كثيراً من بني إسرائيل ما اهتدوا بهدى التوراة فقال: ﴿ وقضينا إلى بني إسرائيل ﴾ أوحينا إليهم وحياً مقضياً مقطوعاً به في الكتاب الذي هو التوراة.
وقول: ﴿ لتفسدن ﴾ جواب قسم محذوف، أو أجرى القضاء المبتوت مجرى القسم كأنه قيل: وأقسمنا لتفسدن ﴿ في الأرض ﴾ أرض مصر ﴿ مرتين ولتعلن ﴾ لتعظمن وتستولن على الناس ﴿ علواً كبيراً ﴾ تسلطاً عظيماً وبغياً شديداً ﴿ فإذا جاء وعد ﴾ عقاب ﴿ أولاهما ﴾ أولى المرتين ﴿ بعثنا ﴾ أرسلنا وسلطنا ﴿ عليكم عباد لنا أولي بأس شديد ﴾ أصحاب نجدة وشدة قتال ﴿ فجاسوا ﴾ ترددوا للمارة ﴿ خلال الديار ﴾ أوساطها وفرجها يعني ديار بيت المقدس ﴿ وكان ﴾ وعد العقاب ﴿ وعداً مفعولاً ﴾ لا بد من وقوعه ﴿ ثم رددنا لكم الكرة ﴾ الدولة والغلبة ﴿ عليهم ﴾ على الذين بعثوا عليكم حين تبتم ورجعتم عن الفساد والعلو: ﴿ وجعلناكم أكثر نفيراً ﴾ مما كنتم.
والنفير من ينفر مع الرجل من قومه.
احتجت الأشاعرة بقوله : ﴿ قضينا ﴾ بعثنا ﴿ وكان وعداً مفعولاً ﴾ على صحة القضاء والقدر وأن الفساد والنهب والقتل والأسر كلها بفعله.
وأجابت المعتزلة بأن المراد أنه خلى بينهم وبين ما فعلوا ولم يمنعهم عن تخريب بيت المقدس وإحراق التوراة وقتل حفاظها.
وضعف بأن تفسير البعث بالتخلية وعدم المنع خلاف الظاهر، على أن الدليل الكلي العقلي قد دل على وجوب انتهاء الكل إليه.
ولما حكى عنهم أنهم حين عصوا سلط عليهم أعداءهم مهد قاعدة كلية في الإحسان والإساءة قائلاً ﴿ إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها ﴾ لم يقل فعليها أو فإليها للتقابل، مع أن حروف الإضافة بعضها يقوم مقام البعض.
قال أهل الإشارة: إنه أعاد الإحسان ولم يذكر الإساءة إلا مرة ففيه دليل على أن جانب الرحمة أغلب ﴿ فإذا جاء وعد ﴾ عقاب المرة ﴿ الآخرة ﴾ بعثناهم حذف جواب "إذاً" لدلالة ذكره أولاً عليه.
ومعنى ﴿ ليسوؤا وجوهكم ﴾ ليجعلها الله، أو الوعد، أو البعث، أو ليجعلوها بادية آثار المساءة والكآبة فيها لأن آثار الأعراض النفسانية الحاصلة في القلب إنما تظهر على الوجه ﴿ وليتبروا ما علوا ﴾ ليهلكوا كل شيء غلبوه واستولوا عليه، ويجوز أن يكون "ما" بمعنى المدة أي ما دام سلطانهم جارياً على بني إسرائيل.
وقوله: ﴿ تتبيراً ﴾ ذكر المصدر إزالة للشك وتحقيقاً للخبر.
وروى أن بني إسرائيل تعظموا وتكبروا واستحلوا المحارم وقتلوا الأنبياء وسفكوا الدماء وذلك أول الفسادين، فسلط الله عليهم بختنصر أو سنجاريب وجنوده أو جالوت.
عن ابن عباس: قتلوا علماءهم وأحرقوا التوراة وسبوا منهم سبعين ألفاً وبقوا في الذل إلى أن قيض الله ملكاً آخر من أهل بابل وتزوج بامرأة من بني إسرائيل وطلبت من ذلك الملك أن يرد بني إسرائيل إلى بيت المقدس ففعل، وبعد مدة قامت فيهمالأنبياء ورجعوا إلى أحسن ما كانوا عليه، ثم أقدموا على قتل زكريا ويحيى عليهما السلام وقصدوا قتل عيسى ابن مريم ، وهذا ثاني الإفسادين فانتقم من اليهود بسبب هؤلاء ملك من الروم يقال له قسطنطين الملك.
وقال صاحب الكشاف: المرة الأولى قتل زكريا وحبس أرميا، والآخرة قتل يحيى بن زكريا وقصد قتل عيسى.
واعلم أنه لا يتعلق كثير غرض بمعرفة أعيان هؤلاء الأقوام، والمقصود الأصلي الذي دل عليه القرآن هو أنهم كلما عصوا وأفسدوا سلط الله عليهم أعداءهم.
وفيه تحذير للعقلاء من مخالفة أوامر الله ونواهيه، ثم قال: ﴿ عسى ربكم ﴾ يا بني إسرائيل ﴿ أن يرحمكم ﴾ بعد إنتقامه منكم في المرة الثانية ﴿ وإن عدتم ﴾ للثالثة ﴿ عدنا ﴾ لها.
قال أهل السير: ثم إنهم قد عادوا إلى فعل ما لا ينبغي.
وهو تكذيب محمد وكتمان ما ورد من نعته في التوراة والإنجيل.
فعاد الله عليهم بالتعذيب على أيدي العرب، فجرى على بني النضير وقريظة وبني قينقاع ويهود خيبر ما جرى من القتل والإجلاء، ثم الباقون منهم مقهورون بالجزية لا حشمة لهم ولا عزة فيهم إلى يوم القيامة، وأما بعد ذلك فهو قوله ﴿ وجعلنا جهنم للكافرين حصيراً ﴾ أي محبساً حاصراً ومحصوراً لا يتخلصون منه أبداً.
وعن الحسن: بساطاً كما يبسط الحصير المنسوج.
ثم لما شرح فعله في حق عباده المخلصين كمحمد وموسى وفي حق عبيدة العاصين كأكثر بني إسرائيل، وكان في ذلك تنبيه على أن طاعة الله توجب كل خير وكرامة ومعصيته تقتضي كل شر وغرامة، عظم شأن القرآن المبين للأحكام الهادي للأنام فقال: ﴿ إن هذا القرآن يهدي للتي ﴾ أي للحالة أو الشريعة أو الطريقة التي ﴿ هي أقوام ﴾ وفي حذف الموصوف فخلفه بعرفها أهل البلاغة لعموم الاعتبار وذهاب الوهم كل مذهب.
قيل: هذا الشيء أقوم من ذلك.
إنما يصح في شيئين يشتركان في معنى الاستقامة، ثم يكون للأول على الآخر.
وكيف يتصور في غير هذا الدين شيء من الاستقامة حتى يستقيم هذا التفضيل؟
وأجيب بأن "أفعل" ههنا بمعنى الفاعل كقولنا "الله أكبر" هو الكبير.
وكقولهم "الناقص والأشج أعدلا بني مروان" أي عادلا بني مروان.
ويمكن أن يقال: لا شيء من الأديان إلا وفيه نوع من الاستقامة كالاعتراف بالله الواجب بالذات، والالتزام لأصول الأخلاق ومكارم العادات وقوانين السياسات إلا أن بعض الخلل أبطل الكل فالكل ينهدم بانهدام الجزء.
ثم إن كون القرآن هادياً إلى الاعتقاد الأصوب والعمل الأصلح له نتيجة وأثر وذلك هو البشارة بالأجر الكبير لأهل الإيمان والعمل الصالح وبالعذاب الأليم لغيرهم، وأنت خبير بأن لفظ البشارة بمعنى الإنذار يستعمل للتهكم إذ البشارة مطلق الخبر المغير للبشرة فكأنه قيل: ويخبر الذي لا يؤمنون بالآخرة أن لهم عذاباً.
ويجوز أن يبشر المؤمنين ببشارتين: إحداهما بثوابهم والأخرى بعذاب أعدائهم.
قال في الكشاف: كيف ذكر المؤمنين الأبرار والكفار ولم يذكر الفسقة؟
وأجاب على أصول الاعتزال بأن الناس كانوا حينئذ إما من أهل التقوى وإما من أهل الشرك، وإنما حدث أصحاب المنزلة بين المنزلتين بعد ذلك.
قلت: هذا الجواب منه عجيب، فإن هذا الصنف لو سلم أنه لم يكن موجوداً في ذلك العصر إلا أن حكمه يجب أن يذكر في القرآن الذي فيه أصول الأحكام، على أن ذكر الفساق من الأمة في القرآن المكي والمدني موجودة قال : ﴿ فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ﴾ ﴿ يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ﴾ ﴿ والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ﴾ .
وإذا كان ذكرهم في القرآن وارداً وأنه تعلى يعدد ههنا أوصاف القرآن على جهة المدح فأي مقام أدعى إلى ذكر هذا الوصف من ههنا.
والجواب الحق أن الفسقة جعلوا بالعين أهل الإيمان والله أعلم.
قيل: هذه الآية واردة في شرح أحوال اليهود وهم ما كانوا ينكرون الإيمان بالآخرة.
والجواب المنع من الخصوص ولو سلم فإيمانهم بالآخرة كلا إيمان، فبعضهم أنكروا المعاد الجسماني وبعضهم قالوا: لن تمسنا النار إلاَّ أياماً.
واعلم أنه قال ههنا: ﴿ أجراً كبيراً ﴾ وفي أول الكهف ﴿ أجراً حسناً ﴾ ، رعاية للفاصلة وإلا فالأجر الكبير والأجر الحسن كلاهما الجنة.
ولما بين أن القرآن كافٍ في الهداية ذكر أن الإنسان قد يعدل عن التمسك بأحكامه فقال: ﴿ ويدع الإنسان ﴾ أي جنس الكافر.
وقد ذكر جمع من المفسرين أنه النضر بن الحرث دعا ﴿ اللَّهم إن كان هذا هو الحق من عندك ﴾ ، الآية فأجاب الله دعاءه وضربت رقبته صبراً.
وكان بعضهم يقول: ائتنا بعذاب الله، وآخرون متى هذا الوعد جهلاً منهم واعتقاداً أن محمداً كاذب.
وقيل: المراد أنه يدعو الله عند غضبه وضجره فيلعن نفسه وولده وماله، ولو استجيب له في الشر كما يستجاب له في الخير لهلك.
ويروى أنه دفع إلى سودة بنت زمعة أسيراً فأقبل يئن بالليل فقالت له: مالك تئن؟
فشكا ألم القد فأرخت من كتافه، فلما نامت أخرج يده وهرب.
فلما أصبح النبي دعا به فأعلم بشأنه فقال : اللَّهم اقطع يديها فرفعت سودة يديه تتوقع الإجابة وأن يقطع الله يديها قال النبي : إني سألت الله أن يجعل لعنتي ودعائي على من لا يستحق من أهلي رحمة لأني بشر أغضب كما يغضب البشر فلترد سودة يديها.
﴿ وكان الإنسان عجولاً ﴾ يستعجل بالعذاب مع أنه آتيه أو يتسرع إلى طلبه كل ما يقع في قلبه ويخطر بباله معتقداً أن خيره فيه وإن كان ذلك عند التأمل مضراً له.
وقيل: أراد بهذا الإنسان آدم، وذلك أنه لما انتهى الروح إلى سرته نظر إلى جسده فأعجبه ما رأى فذهب لينهض فلم يقدر.
وليس هذا القول بالحقيقة مغايراً للأول لأن أصل الآدمي إذا كان كذلك كان كل فرد منه متصفاً به لا محالة.
قال أهل النظم: لما ذكر نعمة الدين وهو القرآن أردفها بنعمة الدنيا فقال: ﴿ وجعلنا الليل والنهار آيتين ﴾ وفيه أن القرآن لا يتم المقصود منه إلا بنوعية المحكم والمتشابه، فكذا الزمان لا يكمل الانتفاع به إلا بجزئيه الليل والنهار.
فالمحكم كالنهار في وضوحه، والمتشابه بمنزلة الليل في خفائه.
وبوجه آخر لما ذكر دلائل النبوة والتوحيد أكدها بدليل آخر من عجائب الزمان.
وبوجه آخر لما وصف الإنسان بكونه عجولاً أي منتقلاً من حالة إلى حالة ومن صفة إلى صفة بين أن كل أحوال هذا العالم كذلك فينتقل الهواء من الإنارة إلى الظلام وبالعكس، وينتقل القمر من النقصان إلى الامتلاء وبالضد.
﴿ فمحونا آية الليل ﴾ هي من إضافة الشيء إلى نفسه للبيان كقولك "نفس الشيء أو ذاته" أي فمحونا الآية التي هي الليل أي جعلنا الليل ممحوّ الضوء مطموساً مظلماً لا يستبان فيه شيء كما لا يستبان ما في اللوح الممحو ﴿ وجعلنا ﴾ الآية.
التي هي ﴿ النهار مبصرة ﴾ ذات إيصار وذلك باعتبار من فيها أي تبصر فيها الأشياء وتستبان، أو أريد بالإبصار الإضاءة لأنها سببه.
وقيل: المضاف محذوف والتقدير وجعلنا نيرى الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل التي هي القمر حيث لم يخلق له شعاع كشعاع الشمس فترى به الأشياء رؤية غير بينة، وجعلنا الشمس ذات شعاع يبصر في ضوئها كل شيء ﴿ لتبتغوا فضلاً من ربكم ﴾ لتتواصلوا ببياض النهار أو بشعاع الشمس المستلزم للنهار إلى التصرف في وجوه معايشكم.
﴿ ولتعلموا ﴾ باختلاف الجديدين أو بزيادة ضوء القمر ونقصانه ﴿ عدد السنن ﴾ الشمسية أو القمرية المركبة من الشهور ﴿ و ﴾ لتعلموا جنس ﴿ الحساب ﴾ المبني على الساعات والأيام والشهور والسنين والأدوار.
وقيل: أراد بمحو القمر الكلف الذي هو وجهه.
وسببه في الشرع ما روي أن الشمس والقمر كانا سواء في النور والضوء فأرسل الله جبريل فأمر جناحه على وجه القمر فأذهب عنه أثر الضياء.
وسببه عند الفلاسفة أنه ارتكز في وجه القمر أجسام قليلة الضوء كارتكاز الكواكب في أجرام الأفلاك، ولما كانت تلك الأجرام أقل ضوءاً من جرم القمر لا جرم شوهدت تلك الأجرام في وجه القمر كالكلف في وجه الإنسان.
ونحن قد ذكرنا له وجهاً آخر في الهيئة، قال أهل التجارب: إن اختلاف أحوال القمر في مقادير النور له أثر عظيم في أحوال هذا العالم ومصالحه لا سيما في أحوال البحار والبحارين على ما يذكره الأطباء، إلا أن الكلف ليس له مدخل في ابتغاء فضل الله وفي معرفة الحسابات تفصيلاً.
نعم لو قيل: إن الكلف نقص من نور القمر حتى لم يقو على إزالة ظلام الليل بالكلية فبقي في وقت السكون والراحة بحالة ووقت التردد في طلب المعاش بحالة، وصار تعاقب الليل والنهار سبباً لمعرفة الأيام وما يتركب منها كان متجهاً.
ثم قال: ﴿ وكل شيء ﴾ مما تفتقرون إليه في دينكم ودنياكم ﴿ فصلناه تفصيلاً ﴾ بيناه بياناً غير ملتبس حتى انزاحت العلل وزالت الأعذار فلا يهلك من يهلك إلا عن بينة فلذلك قال: ﴿ وكل إنسان ألزمناه طائره ﴾ أي عمله ﴿ في عنقه ﴾ وبوجه آخر لما شرح أحوال الشمس والقمر والنهار والليل لابتغاء المعاش وللدعة والراحة ولمعرفة المواقيت، وكان الغرض الأصلي من الكل هو الاشتغال بخدمة المعبود وتهذيب الأفعال وإصلاح الأقوال، ذكر أن الإنسان مؤاخذ في عرصة القيامة بأقواله وأفعاله وسائر أحواله ليظهر أنه هل أتى بما هو المقصود من خلقه أم لا.
قال أكثر أهل اللغة: إن العرب إذا أرادوا الإقدام على عمل من الأعمال اعتبروا أحوال الطائر أنه يطير بنفسه أو يحتاج إلى إزعاجه، وإذا طار فهل يطير متيامناً أو متياسراً أو صاعداً في الجو إلى غير ذلك من الأحوال التي كانوا يعتبرونها ويستدلون بكل واحد منها على ما يسوقهم عملهم إليه من خير أو شر، فإطلاق الطائر على العمل تسمية للنبي باسم لازمه.
وقال أبو عبيدة: الطائر عند العرب الحظ ويقال له البخت.
فالطائر ما وقع للشخص في الأزل مما هو نصيبه من العقل والعلم والعمر والرزق والسعادة والشقاوة كأنه طائر يطير إليه من وكر الأزل وظلمات عالم الغيب طيراناً لا نهاية له ولا غاية إلا إن انتهى إلى ذلك الشخص في وقته المقدر من غير خلاص ولا مناص وفي هذا دليل على أنه لا يظهر في الأبد إلا ما حكم الله به في الأزل، والكفاية الأبدية لا تتم إلا بالعناية الأزلية.
وإنه أكد هذا المعنى بإضافة الإلزام على نفسه ثم بقوله: ﴿ في عنقه ﴾ .
يقال: جعلت هذا الأمر في عنقك أي قلدتكه والزمتك الاحتفاظ به.
فإن كان خيراً يزينه كان كالطوق، وإن كان شراً يشينه كان كالغل.
ومن أمثال العرب "تقلدها طوق الحمامة" ﴿ ونخرج له ﴾ من قرأ بالنون فظاهر.
وقوله: ﴿ يلقاه منشوراً ﴾ صفتان للكتاب أو ﴿ يلقاه ﴾ صفة ﴿ منشوراً ﴾ حال من مفعول يلقاه.
ومن قرأ بالياء مجهولاً أو لازماً فالضمير للطائر ﴿ وكتاباً ﴾ حال منه، يقال: لقيت الشيء ولقانيه غيري.
عن الحسن: يا ابن آدم بسطت الصحيفة وطويت في قبرك معك، ثم إذا بعثت قلدتها في عنقك ﴿ اقرأ كتابك ﴾ على إضمار القول.
قال قتادة: يقرأ في ذلك اليوم من لم يكن قارئاً و ﴿ وبنفسك ﴾ فاعل كفى و ﴿ حسيباً ﴾ تمييز بمعنى حاسب وإنه كثير من فعل بالضم كقريب وبعيد، ولكنه من فعل بالفتح غريب، منه ما قال سيبويه: ضريب القداح بمعنى ضاربها، وصريم بمعنى صارم.
"وعلى" متعلق بحسيب من قولك حسب عليه كذا، ويجوز أن يكون الحسيب بمعنى الكافي ثم وضع.
موضع الشهيد فعدي بعلى لأن الشاهد يكفي المدعي ما أهمه.
وذكر حسيباً بمعنى رجلاً حسيباً لأنه بمنزلة الشهيد، والغالب أن الشهادة يتولاها الرجال كالقضاء والإمارة والنفس مؤوّل بالشخص، أو حمل "فعيل" بمعنى "فاعل" على "فعيل" بمعنى "مفعول" كقتيل، ويجوز أن يكون الحسيب بمعنى المحاسب.
قال الحسن: عدل الله في حقك من جعلك حسيب نفسك.
وقال السدي: يقول الكافر يومئذٍ إنك قضيت أنك لست بظلام للعبيد فاجعلني أحاسب نفسي فيقال له: ﴿ اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً ﴾ وروي أن يؤتى المؤمن يوم القيامة صحيفته وحسناته في ظهرها يغبطه الناس عليها وسيئاته في جوف صحيفته وهو يقرؤها، حتى إذا ظن أنها قد أوبقته قال الله له: فقد غفرتها لك فيما بيني وبينك فيعظم سروره ويصير من الذين قال الله في حقهم ﴿ وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة ﴾ قال الحكيم: التكرار يوجب تقرير الآثار، فكل عمل يصدر من الإنسان خيراً أو شراً فإنه يحصل منه في جوهر روحه أثر مخصوص إلا أن ذلك الأثر يخفى ما دام الروح متعلقاً بالبدن مشتغلاً بواردات الحواس والقوى، فإذا انقطعت علاقته عن البدن قامت قيامته لأن النفس كأنها كانت ساكنة مستقرة في الجسد وعند ذلك قامت وتوجهت نحو الصعود إلى العالم العلوي، فيزول الغطاء وتنكشف الأحوال ويظهر على لوح النفس نقش كل شيء عمله في مدة عمره، وهذا معنى الكتابة والقرآءة بحسب العقل، وإنه لا ينافي ما ورد في النقل.
ثم بين أن ثواب العمل الصالح وعقاب ضده مختص بفاعله لا يتعدى منه إلى غيره فقال: ﴿ من اهتدى ﴾ إلى قوله: ﴿ وزر أخرى ﴾ .
قال الجبائي: فيها دلالة على أن الأطفال لا يعذبون بكفر آبائهم، وأن الوزر والإثم ليس من فعل الله وإلا لم يؤاخذ العبد به كما لا يؤاخذ بوزر غيره بل كان يجب أن لا وزر أصلاً لأن الصبي لا يوصف بالوزر لأنه غير مختار.
وجواب الأشاعرة أن الوزر مختص بأفعال المكلفين من الثقلين، وقدَحَت عائشة بذلك في صحة ما رواه ابن عمر "إنَّ الميت ليعذب ببكاء أهله" واستدل به جماعة من الفقهاء في الامتناع من ضرب الدية على العاقلة.
ويمكن أن يجاب بأنه ما من عام إلا وقد خصص.
أما قوله: ﴿ وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً ﴾ فقد استدل به الأشاعرة في أن وجوب شكر المنعم لا يثبت بالعقل بل بالسمع لأن الوجوب لا تتقرر ما هيته إلا بترتيب العقاب على الترك ولا عقاب قبل الشرع بحكم هذه الآية.
أجاب الخصم بأنه لو لم يثبت الوجوب العقلي لم يثبت الوجوب الشرعي لأن النبي إذا جاء وادعى المعجزة فهل يجب على المستمع قبول قوله والتأمل في معجزته أو لا يجب، والثاني باطل بالاتفاق، وعلى الأوّل إن وجب بالعقل فهو المدعي، وإن وجب بالشرع فذلك الشارع إن كان ذلك النبي لزم إثبات الشيء، وإن كان غيره دار أو تسلسل.
وبوجه آخر إذا أوجب النبي بعض الأفعال وحرم بعضها فلا معنى لذلك إلا ترتب العقاب على الترك أو الفعل.
ثم إنه يجب على المكلف أن يحترز عن العقاب أو لا يجب لا سبيل إلى الثاني بالاتفاق، وعلى الأول يلزم الوجوب العقلي وإلا لزم الدور أو التسلسل.
ثم إن مذهب أهل السنة جواز العفو عن عقاب الكبيرة فتكون ماهية الوجوب حاصلة مع عدم العقاب، ولا ذم مع جواز العفو فلم يبق إلا أن ماهية الواجب إنما تتقرر بسبب حصول الخوف من العقاب، ولا يكون هذا الخوف إلا بمحض العقل فثبت أن الوجوب العقلي لا يمكن دفعه.
فأما أن تجري الآية على ظاهرها يقال: العقل هو رسول الله إلى الخلق، بل هو الرسول الذي لولاه لما تقررت رسالة أحد من الرسل ومجيء الأنبياء كالتنبيه على النظر وكالإيقاظ من رقدة الغفلة والحجة وإن كانت لازمة لهم قبل بعثة الرسل إلا أنها بعد البعثة ألزم.
وإما أن يخصص عموم الآية فيقال: المراد وما كنا معذبين في الأعمال التي لا سبيل إلى معرفة وجوبها إلا بالشرع إلا بعد مجيء الشرع.
ومما ارتضاه الإمام فخر الدين الرازي أن مجرد العقل سبب في أنه يجب عليها فعل ما ينتفع به وترك ما يستضر به، أما مجرد العقل فلا يدل على أنه يجب على الله شيء وذلك أنا مجبولين على طلب النفع والاحتراز عن الضرر، والله منزه عن ذلك.
ولقائل أن يقول: إنه منزه عن الانتفاع والاستضرار إلا أنه حكيم جواد فلم لا يقبح من الحكيم الجواد ترك ما ينتفع به غيره وفعل ما يستضر به، وإذا قبح منه ذلك حسن منه ضده، والحكيم لا يترك الأحسن.
فصدور ذلك الأحسن منه ألبته هو الذي لك أن تسميه وجوباً كما وصف به نفسه في قوله: ﴿ كان على ربك حتماً مقضياً ﴾ ولكم من آية في القرآن دالة على أن الفعل قد يصدر منه صدوراً لا يحتمل النقيض من ذلك قوله: ﴿ وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ﴾ .
وللمفسرين في معنى ﴿ أمرنا ﴾ قولان: الأول أن المراد به الأمر الذي هو نقيض النهي وعلى هذا اختلفوا في المأمور به، فالأكثرون على أن الطاعة والخير.
وقال في الكشاف: معناه وإذا دنا وقت إهلاك قوم ولم يبق من زمان إمهالهم إلا قليل أمرناهم بالفسق ففسقوا.
ولما كان من أصول الاعتزال أنه لا يأمر بالفحشاء ذكر أن الأمر بالفسق ههنا مجاز، ووجهه أنه صب عليهم النعمة صباً فجعلوها ذريعة إلى المعاصي واتباع الشهوات، فكان إيتاء النعمة سبباً لإيثارهم الفسوق على الائتمار فكأنهم مأمورون بذلك.
ثم إنه جعل تقدير أمرناهم بالطاعة ففسقوا عن قبيل التكاليف بعلم الغيب، ولم يجوّز أن تكون من قبيل "أمرته فعصاني" فإنه يفهم منه أن المأمور به طاعته ولكنه حكم بأنه مثل أمرته فقام أو أمرته فقرأ فإنه لا يفهم منه إلا أن المأمور به قيام أو قراءة.
ولقائل أن يقول: كما أن قوله "أمرته فعصاني" يدل على أن المأمور به شيء غير المعصية منحيث إن المعصية منافية للأمر ومناقضة له فكذلك قوله: "أمرته ففسق" يدل على أن المأمور به شيء غير الفسق لأن الفسق عبارة عن الإتيان بضد المأمور به، فكونه فسقاً ينافي كونه مأموراً به كما أن كونها معصية ينافي كونها مأموراً بها، وهذا ظاهر فلا أدري لم أصرّ جار الله على قوله مع ضعفه ومخالفته أصله.
القول الثاني إن معنى: ﴿ أمرنا مترفيها ﴾ أكثرنا فساقها.
قال الواحدي: تقول العرب: أمر القوم.
إذا كثروا، وأمرهم الله إذا كثرهم، وآمرهم أيضاً بالمد واحتج أبو عبيدة على صحة هذه اللغة بقوله "خير المال سكة مأبورة ومهرة مأمورة" فالسكة النخيل المصطفة، والمهرة المأمورة كثيرة النتاج.
وقد حمل بعضهم الحديث على الأمر ضد النهي أي قال الله لها: كوني كثيرة النسل فكانت، "وروي أن رجلاً من المشركين قال لرسول الله : إني أرى أمرك هذا حقيراً.
فقال : إنه سيأمر" أي سيكثر وسيكبر.
والمترف في اللغة المنعم الذي قد أبطرته النعمة وسعة العيش: ﴿ ففسقوا فيها ﴾ خرجوا عما أمرهم الله ﴿ فحق عليها القول ﴾ استوجبت العذاب ﴿ فدمرناها تدميراً ﴾ أهلكناها على سبيل الاستئصال.
قال الأشاعرة: ظاهرة الآية يدل على أنه أراد إهلاكهم ابتداء، ثم توسل إلى إهلاكهم بهذا الطريق ويؤيده قوله: ﴿ فحق عليها القول ﴾ أي بالكفر ثم التعذيب.
وقال الكعبي: إن سائر الآيات دلت على أنه لا يبتدىء بالتعذيب كقوله: ﴿ إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ﴾ وقوله: ﴿ ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم ﴾ فتلك الآيات محكمة وهذه المتشابهات فيجب حمل هذه على تلك.
قال في التفسير الكبير: أحسن الناس كلاماً في تأويل هذه الآية القفال فإنه ذكر وجهين: الأول أخبر الله أنه لا يعذب أحداً بما علمه منه ما لم يعمل به أي لا يجعل علمه حجة على من علم أنه إن أمره عصاه بل يأمره حتى يظهر عصيانه للناس فحينئذ يعاقبه ومعنى الآية وإذا أردنا إمضاء ما سبق من القضاء بإهلاك قوم.
الثاني أن نقول: وإذا أردنا إهلاك قوم بسبب ظهور العصيان منهم لم نعالجهم بالعذاب في أوّل ظهور المعصية منهم، بل أمرنا مترفيها بالرجوع عن تلك المعاصي.
وخص المترفين بذلك لأن نعمة الله عليهم أكثر فكان الشكر عليهم أوجب، فإذا لم يرجعوا وأصروا صب عليهم البلاء صباً.
وزعم الجبائي أن المراد بالإرادة الدنو والمشارفة كقولك إذا أراد المريض أن يموت ازداد مرضه شدة، وإذا أراد التاجر يريد ان يفتقر أتاه الخسران من كل جهة.
ليس المعنى أن المريض يريد أن يموت والتاجر يريد أن يفتقر، وإنما عنيت أنه سيصير إلى ذلك، فمعنى الآية وإذا قرب وقت إهلاك قرية.
وقد نقلنا مثله عن صاحب الكشاف، ولا يخفى أنه عدول عن الظاهر.
ثم ذكر عادته الجارية مع القرون الخالية فقال: ﴿ وكم أهلكنا ﴾ فـ ﴿ كم ﴾ مفعول ﴿ أهلكنا ﴾ و ﴿ من القرون ﴾ بيان لكم وتمييز له أراد بهم عاداً وثمود ونحوهما.
ثم خاطب رسوله بما هو ردع للناس كافة قائلاً ﴿ وكفى بربك ﴾ الآية.
قال الفراء: إنما يجوز إدخال الباء في المرفوع إذا كان يمدح به صاحبه أو يذم كقولك "كفاك به" "وأكرم به رجلاً" "وطاب بطعامك طعاماً" ولا يقال: قام بأخيك وأنت تريد قام أخوك.
وفي الآية بشارة عظيمة لأهل الطاعة وإنذار شديد لغيرهم لأن العلم التام مع القدرة الكاملة والحكمة الشاملة يقتضيإيصال الجزاء إلى كل أحد بقدر استحقاقه.
ثم أكد المعاني المذكورة من قوله: ﴿ وكل إنسان ألزمناه طائره ﴾ ومن قوله: ﴿ من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ﴾ بقوله: ﴿ من كان يريد العاجلة ﴾ أي المنفعة أو الدار العاجلة ﴿ عجلنا له فيها ﴾ ثم قيد المعجل بقيدين: أحدهما قوله: ﴿ ما نشاء ﴾ ولهذا ترى كثيراً من هؤلاء يتمنون ما يتمنون ولا يعطون إلا بعضاً منه.
وثانيهما قوله: ﴿ لمن نريد ﴾ وهو بدل من ﴿ له ﴾ بدل البعض من الكل لأن الضمير يرجع إلى "من" وهو للمعلوم، ولهذا ترى كثيراً منهم يتمنون البعض اليسير من الدنيا ولا يؤتون فيجتمع عليهم فقر الدنيا وحرمان الآخرة بل عذابها لقوله: ﴿ ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموماً مدحوراً ﴾ مطروداً من رحمة الله.
﴿ ومن أراد الآخرة ﴾ بأن يعقد بها همته ويتجافى عن دار الغرور ﴿ وسعى لها سعيها ﴾ أي حق السعي لأجلها وذلك أن يكون العمل الذي يتوسل به إلى الفوز بثواب الآخرة من جملة القرب والطاعات وعلى قوانين الشرع والعقل لا البدعة والهوى ﴿ وهو مؤمن ﴾ لأن شيئاً من صور الأعمال الصالحة لا يوجب الثواب إلا بعد تقديم الإيمان ﴿ فأولئك كان سعيهم مشكوراً ﴾ قال العلماء: الشكر عبارة عن مجموع أمور ثلاثة: اعتقاد كونه محسناً في تلك الأعمال، والثناء عليه بالقول، والإتيان بأفعال تدل على كونه معظماً عند ذلك الشاكر.
والله ، يعامل المطيعين بهذه الأمور الثلاثة لأنه يعلم كونهم محسنين في تلك الأعمال وأنه يثنى عليهم بكلامه ويعاملهم المعاملات الدالة على كونهم معظمين عند الله.
وفي قوله: ﴿ من كان يريد العاجلة ﴾ دون أن يقول: "من أراد العاجلة" كما قال: ﴿ ومن أراد الآخرة ﴾ إشارة إلى أن مريد نفع الدنيا لا يكون مذموماً إلا إذا كان غالباً في ذلك ثابت القدم فسيح الأمل، ومريد الآخرة يكون محموداً بأدنى التفاتة بعد وجود الشرط.
قالت الأشاعرة: إن مجموع القدرة مع الداعي هو الموجب للفعل ونحن نشكر الله على الإيمان لأنه أعطى القدرة والداعية، ولكنه حين حصل الإيمان للعبد واستتبع السعادات الباقية صار العبد أيضاً مشكوراً، ولا منافاة بين الأمرين.
وقالت المعتزلة: نحن لا نشكر الله على الإيمان لأن المدح على عمل لم يعمله الممدوح قبيح.
قال : ﴿ ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا ﴾ ولكنا نشكره على ما أعطانا من القدرة والعقل وإنزال الكتب وإيضاح الدلائل.
واعلم أنه ذكر صنفين من الناس: قاصد خيرات الدنيا وقاصد خيرات الآخرة.
وههنا ثلاثة أقسام أخر: الأوّل أن يكون طلب الآخرة في عمله راجحاً فقيل إنه غير مقبول أيضاً لما روي أن النبي قال حكاية عن رب العزة: "أنا أغنى الأغنياء عن الشكر من عمل عملاً أشرك فيه غيري تركته وشركه" وقيل: يعارض المثل بالمثل ويبقى القدر الزائد داعية خالصة لطلب الآخرة فيقع في حيز القبول.
الثاني أن يكون طلب الدنيا وطلب الآخرة متعادلين.
الثالث أن يكون طلب الدنيا راجحاً.
واتفقوا على أن هذين القسمين أيضاً لا يقبلان إلا أنهما على كل حال خير من الرياء المحض.
ثم بين كمال رأفته وشمول رحمته فقال: ﴿ كلا ﴾ أي كل واحد من الفريقين ﴿ نمد ﴾ أي نزيدهم من عطائنا على تلاحق من غير انقطاع بالمعصية.
وقوله: ﴿ هؤلاء وهؤلاء ﴾ بدل من كل و ﴿ من عطاء ربك ﴾ متعلق بــ ﴿ نمد ﴾ ﴿ وما كان عطاء ربك محظوراً ﴾ ممنوعاً من المكلف بسبب عصيانه ﴿ أنظر ﴾ يا محمد أو يا من له أهلية النظر والاعتبار إلى عطائنا المباح للفريقين في الدنيا ﴿ كيف فضلنا بعضهم على بعض ﴾ فأوصلناه إلى مؤمن وقبضناه عن مؤمن آخر، وأوصلناه إلى كافر وقبضناه عن كافر آخر ليكون بعضهم تحت تسخير بعض.
﴿ وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلاً ﴾ لأن نسبة التفاضل في درجات الآخرة إلى التفاضل في درجات الدنيا كنسبة الآخرة إلى الدنيا.
وقيل: المراد أن المؤمنين يدخلون الجنة والكافرين يدخلون النار فيظهر فضل المؤمنين على الكافرين.
وعن بعضهم: أيها المباهي بالرفع منك في مجالس الدنيا، أما ترغب في المباهاة بالرفع في مجالس الآخرة وهي أكبر وأفضل؟!.
التأويل: نزه نفسه بقوله: ﴿ سبحان ﴾ عن الاتحاد الكلي، ولكن أخبر عن مقام وصول حبيبه.
فقوله: ﴿ أسرى ﴾ إشارة إلى الجذبة الخفية عن الأغيار، وقوله ﴿ بعبده ﴾ إشارة إلى مقام تصحيح نسبة العبدية التي هي آخر مقامات السالكين، وقوله: ﴿ ليلاً ﴾ رمز إلى أن ذلك الجذب كاد يكون خفياً عن المجذوب إذا كان ذاهلاً عن أنانيته.
وقوله: ﴿ من المسجد الحرام ﴾ هو مقام يحرم فيه الالتفات إلى ما سوى الله.
﴿ إلى المسجد الأقصى ﴾ هو مقام الفناء في الله ﴿ الذي باركنا حوله ﴾ بالبقاء بالله ﴿ لنريه من آياتنا ﴾ التي لم تسمع إذن ولا أبصرت عين ﴿ إنه هو السميع البصير ﴾ فلا يصل أحد إليه إلا إذا سمع به وأبصر به.
هذا ما خطر ببال هذا الضعيف في تأويل هذه الآية فإن كان صواباً فمن فضل الله وعطائه، وإلا فمني ومن الشيطان ﴿ فجاسوا خلال الديار ﴾ الجسدانية بالقتل وفك التركيب وخلال الديار المعنوية حين استولت الصفات الذميمة على الخصال الحميدة لتخريب بيت مقدس القلب ﴿ ثم رددنا لكم الكرة عليهم ﴾ باستيلاء داود القلب وقتل جالوت النفس ﴿ وأمددناكم بأموال ﴾ الطاعات ﴿ وبنين ﴾ الإيمان والإيقان ﴿ وإذا جاء وعد الآخرة ﴾ حين ارتد عن الطريقة ﴿ ليسوؤا ﴾ وجوه قلوبكم بحجب سوء أعمالكم ﴿ وإن عدتم ﴾ إلى الجهل ﴿ عدنا ﴾ إلى الفضل، أو وإن عدتم إلى الندم عدنا إلى الكرم، أو إن عدتم إلى العبودية عدنا إلى الربوبية، أو إن عدتم إلى التقربات عدنا إلى الجذبات ﴿ وجعلنا ليل ﴾ البشرية ونهار الروحانية ﴿ فمحونا آية الليل ﴾ وهي قمر القلب فني في نور العقل حين تطلع شمس شهود الحق وهي آية النهار، فإذا طلع الصباح استغنى عن المصباح ﴿ لتبتغوا فضلاً من ربكم ﴾ وهو تجلي ذاته وصفاته، وقد اختص الإنسان به من بين المخلوقات.
﴿ ولتعلموا ﴾ أيام الطلب وحساب الترقي من مقام إلى مقام وكل شيء يحتاج إليه السالك بيناه بالإشارات ﴿ من كان يريد العاجلة ﴾ فيه أن قلب الإنسان بين أصبعي قهر الرحمن ولطفه وبحسب ذلك يحوّل وجه الى الدنيا حتى يؤل أمره إلى درجات البعد أو يحوّله إلى الآخرة حتى يصل إلى درجات الوصال والله المستعان على ما تصفون.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَآتَيْنَآ مُوسَى ٱلْكِتَابَ ﴾ .
يعني: التوراة.
﴿ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾ .
كل كتب الله: هدى لمن استهدى، ورشد لمن استرشد، وبيان لمن استوضح؛ لأنها دعت إلى ثلاث خصال: دعت إلى معالي الأمور، ومكارم الأخلاق، وصالح الأعمال.
ونهت عن ثلاث: عن مساوي الأعمال، وعن سفاسف الأمور، ودناءة الأخلاق ورداءتها.
ذكر أنه جعل الكتاب هدى لبني إسرائيل؛ لأن منفعة الكتاب حصلت لهم: أنهم هم الذين استهدوا به؛ فعلى ذلك هو هدى لمن استهدى، والله أعلم.
وقوله - عزّ وجلّ - ﴿ أَلاَّ تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلاً ﴾ .
أي: معتمداً، أي: قلنا لهم فيه، أو ذكرنا لهم فيه، أو أمرناهم فيه: ألا تتخذوا من دوني وكيلاً، أي: معتمداً موكولاً، الوكيل: هو موكول الأمر إليه، معتمد في الأحوال عليه، قائم في جميع ما وكل إليه بالتبرع والتفضل.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ ﴾ .
قال بعضهم: يعني بالذرية الأنبياء الذين كانوا من قبل، أي: كانوا من ذرية نوح ومن حمل معه، وهم بشر؛ قال: ذكر [هذا لإنكارهم] بعث الرسل من البشر؛ حيث قالوا: ﴿ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً ﴾ .
والثاني: يحتمل غيره، أي: من ذرية من حملنا مع نوح، أي: هؤلاء من ذرية من حملنا مع نوح؛ فكيف خالفوا آباءهم الذين كانوا على الهدى، وتابعوا غيرهم؟!
أو يذكر أن هؤلاء الرسل من ذرية من حملنا مع نوح، [وهم بشر، فكيف أنكروا الرسول من بشر؟!
ثم قال بعضهم: هو على النداء والدعاء: يا ذرّية من حملنا مع نوح] في السفينة - في أصلاب الرجال وأرحام النساء زمان الطوفان - لا تتخذوا من دوني وكيلاً، قيل: ربّاً وإلهاً، وقيل: شريكاً.
وأصله ما ذكرنا أن الوكيل: هو المعتمد.
﴿ إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً ﴾ .
يعني: نوحاً، قال بعضهم: سمّاه شكوراً؛ لأنه كان يذكر ربّه في كل أحواله، وقال بعضهم: الشكور هو الذي يبتغِي مرضات منعمِهِ، ويجتنب مساخطه، وقال بعضهم: الشكور هو المطيع لله.
وقد ذكرنا معنى الشكر: أنه اسم المكافأة، أو يقال: كانت عبادته لله عبادة شكر لا عبادة استغفار، أي: كان شكوراً في عبادته لا مستغفراً.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي ٱلْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي ٱلأَرْضِ مَرَّتَيْنِ ﴾ .
اختلف في قوله: ﴿ وَقَضَيْنَآ ﴾ : قال الحسن وغيره: أوحينا إليهم وأخبرناهم وأعلمناهم في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين.
وقال بعضهم: قضينا عليهم.
وقال بعضهم: كتبنا عليهم فكيفما كان، ففيه نقض قول المعتزلة؛ لأنه أخبر: أنه أخبرهم وأعلمهم؛ على تأويل من زعم أن القضاء - هاهنا - هو الإعلام والإخبار لهم؛ فيقال لهم: كان أخبرهم وأعلمهم؛ ليصدق في خبره أوْلا: فإن كان أخبرهم ليصدق في خبره - فذلك منه حكم أنهم: ليفسدن في الأرض مرّتين؛ فإن كان تأويل القضاء: الكتاب والحكم، فهو ظاهر، وهو ما نقول: إن كل فاعلٍ فعلاً طاعة كانت أو معصية - كان بحكمه.
[ثم من] سأل أخر عن المعصية أنها كانت بقضاء الله؛ فلا يجب أن يجاب له على الإطلاق: بـ (نعم) أو بـ (لا)، إلا أن يبين أنه ما يريد بالقضاء وما يفهم منه؛ لأن القضاء يتوجه إلى وجوه: يرجع إلى الخلق؛ كقوله: ﴿ فَقَضَٰهُنَّ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ ﴾ أي: خلقهن.
والقضاء: الأمر؛ كقوله: ﴿ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ ﴾ ، أي: أمر ربك.
والقضاء: الحكم؛ كقوله: ﴿ فَٱقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ ﴾ ، أي: احكم ما أنت حاكم.
ولم يعرف القضاء: الحمل والدفع؛ على ما يقوله المعتزلة، ونحوه، فلا يجاب على الإطلاق إلا أن يبيّن أنه ما أراد بالقضاء؟
فإن أراد بالقضاء: الحكم: فعند ذلك يقال: نعم، كان بقضائه وحكمه، وليس فيما قضى وحكم دفعه في المعصية.
ثم اختلف في قوله: مرتين: قال بعضهم من أهل التأويل: إن بني إسرائيل عصوا ربهم؛ فسلط الله عليهم جالوت؛ فقتلهم، وسبى ذراريهم وأموالهم، فكانوا كذلك زماناً، ثم تابوا ورجعوا عن ذلك، ثم بعث الله داود؛ فقتل جالوت، واستنقذهم من يديه، وردهم إلى مكانهم، ثم عادوا إلى ما كانوا من قبل؛ ثم سلط عليهم بختنصر؛ ففعل بهم ما فعل جالوت، ثم تابوا، فبُعِث محمد .
وقال بعضهم: بعث - أولاً - بختنصر، ثم فلاناً وفلاناً، وهو ما قال: ﴿ فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا ﴾ ، أي: عدتم إلى العصيان عدنا إلى العقوبة، ولكن ليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة سوى ما فيه من وجوه الحكمة والدلالة: أحدهما: فيه دلالة إثبات رسالة محمد ؛ لأنه أخبر عما كان في كتبهم من غير أن علم ما في كتبهم، ولا اختلف إلى أحد منهم؛ فكان - على ما أخبر - دل أنه إنما عرف ذلك بالله بما أخبره في كتابه.
وفيه أنه لم يُهْلَك قوم بنفس الكفر إهلاك استئصال، حتى كان منهم مع الكفر السّعي في الأرض بالفساد، والعناد للآيات.
وفيه أن ليس على الله حفظ الأصلح لهم وإعطاؤه في الدين؛ حيث لم يُمِتهُم على الإيمان، ولكن تركهم حتى عصوا ربهم، ثم سلّط عليهم من قتلهم على تلك الحال، ودعاهم إلى دينه وهو كفر؛ فلو كان عليه إعطاء الأصلح لأماتهم على الإسلام؛ فذلك أصلح لهم في الدين.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً ﴾ .
قيل: لتجترئون جراءة عظيمة، وقيل: لتقهرُنّ ولتعلن غلبة؛ كقوله: ﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ ، أي: قهر وغلب، ألا ترى أنه قال: ﴿ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَآئِفَةً مِّنْهُمْ ﴾ ثبت أنه على الغلبة والقهر.
وقيل: العلو هو العتوّ والجراءة والتكبّر، وهو ما ذكرنا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولاهُمَا ﴾ .
أي: جاء وعد هلاك من عصى منهم أولاً، وخالف أمر الله وكفر به.
﴿ بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ﴾ .
قال الحسن: قوله: ﴿ بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ ﴾ ليس على بعث الوحي إليهم؛ ولكن على التخلية، أي: خلينا بينهم وبين عباد أولي بأس شديد، أي: أولي بطش شديد وقوة؛ كقوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّآ أَرْسَلْنَا ٱلشَّيَاطِينَ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ ﴾ ، أي: [خلينا بينهم وبين الشياطين.
وقال بعضهم: ﴿ بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ ﴾ أي:] سلطنا عليكم.
وقوله: ﴿ بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ﴾ رد على المعتزلة؛ لأنه ذكر [أنه] بعث عليهم عباداً أولي بأس شديد، وإنما بعثهم لجزاء إساءتهم ولسوء صنيعهم، وذلك شر يفعل بهم؛ دلّ أن لله صنعاً في جميع فعل العباد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَجَاسُواْ خِلاَلَ ٱلدِّيَارِ ﴾ .
قال بعضهم: جاسوا - من التجسّس، أي: يتجسّسون أخبارهم ويسمعون أحاديثهم، وهم جنود جاءوا من فارس.
وقال بعضهم: ﴿ فَجَاسُواْ ﴾ ، أي: قتلوا الناس في الأَزِقَّة، وقيل: في الطرق.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً ﴾ .
أي: الذين قالوا: ﴿ لَتُفْسِدُنَّ فِي ٱلأَرْضِ مَرَّتَيْنِ ﴾ وعداً كائناً مفعولاً، أي: كان وعداً موعوداً مفعولاً كائناً، وإلا الوعد لا يأتى، وكذلك قوله: ﴿ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً ﴾ ، أي: موعوداً مأتيّاً، وكذلك ما أشبه هذا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ ٱلْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ ﴾ .
أي: الغلبة والهلاك عليهم.
﴿ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً ﴾ .
أي: أكثر رجالاً منكم - قبل ذلك - وعدداً، ثم إذا عصوا ثانياً، وكفروا بربهم سلط الله عليهم قوماً آخرين؛ فدمروا عليهم، فذلك قوله: ﴿ فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلآخِرَةِ ﴾ .
الهلاك والتدمير، أي: موعود الآخرة.
﴿ لِيَسُوءُواْ وُجُوهَكُمْ ﴾ .
ثم وعد لهم الرحمة إن تابوا ورجعوا عن ذلك بقوله: ﴿ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ ﴾ .
ثم أوعدهم العود إليهم بالعقوبة بقوله: ﴿ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا ﴾ ، أي: وإن عدتم إلى المعاصي عدنا عليكم بالعقوبة.
ثم قول أهل التأويل: إن سلّط عليهم بختنصر وجالوت ثم فلاناً وفلاناً - فذلك لا يعلم إلا بالخبر عن رسول الله، وليس في الآية سوى أنه بعث عليهم ﴿ عِبَاداً لَّنَآ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ﴾ ؛ فلا يزاد على ذلك إلا بالخبر، سوى أنه ذكر هذا لنا، وفيه وجوه من الحكمة: أحدها: ما ذكرنا من إثبات نبوة محمد ومن صدق رسولهم؛ حيث حذرهم العقوبة بعصيانهم، فكان كما قال.
وفيه تحذيرنا عن مثل صنيعهم؛ لأنهم ليسوا بذلك أَوْلى من غيرهم.
وقال القتبي: ﴿ فَجَاسُواْ خِلاَلَ ٱلدِّيَارِ ﴾ ، أي: عاثوا بين الديار، وأفسدوا.
ويقال: جاسوا، وحاسوا.
﴿ ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ ٱلْكَرَّةَ ﴾ .
أي: الدولة.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ أَكْثَرَ نَفِيراً ﴾ .
أي: عدداً، وقال أبو عوسجة: ﴿ أَكْثَرَ نَفِيراً ﴾ : هو من الخروج والنفر، ومعناه: أكثر عدداً، وقال أبو عبيدة: ﴿ فَجَاسُواْ خِلاَلَ ٱلدِّيَارِ ﴾ : معناه، أي: فقتلوا في ديارهم.
وقال قتادة: النفير: المُقاتِلَة الذين يستنفرون للقتال، أي: لو استنفرتم أنتم، واستنفر أولئك كنتم أكثر منهم.
ثم جاء قوله: ﴿ فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولاهُمَا ﴾ إلى قوله: ﴿ فَجَاسُواْ خِلاَلَ ٱلدِّيَارِ ﴾ ، معلوم أنه لم يكن في كتابهم هذا اللفظ: ﴿ بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ ﴾ ؛ ﴿ فَجَاسُواْ ﴾ - على الابتداء، ولكن كان - والله أعلم - إذا جاء وعد أولاهما لنبعثن عباداً أولي بأس شديد يتجسسون أو يجوسون، لكنه خاطب بهذا - [والله أعلم] - الذين كانوا بحضرة رسول الله وإن كانوا هم لم يفعلوا ما ذكر؛ لكن لما فعل أوائلهم خاطب هؤلاء؛ لما كانوا يفتخرون بأوائلهم ويقولون: هم أبناء الله وأحباؤه، فيذكِّر هؤلاء نعمه التي أنعم على أولئك، ويحذرهم صنيعهم، وهو ما خاطبهم بقوله: ﴿ وَإِذْ قُلْتُمْ يَٰمُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ...
﴾ الآية [البقرة: 55]، وقوله: ﴿ وَإِذْ قُلْتُمْ يَٰمُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ ﴾ ، ونحوه: خاطب هؤلاء الذين كانوا بحضرة رسول الله وعاتبهم على صنيع أولئك وفعلهم؛ وإن كان هؤلاء لم يقولوا ذلك لما رضوا بصنيع أولئك وفعلهم؛ استئداء منهم الشكر؛ لما أنعم على أولئك، وتحذيراً لهم عن مثل صنيعهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ ﴾ .
لا لله؛ إذ إليكم يرجع منفعة ذلك، وأنتم تجزون على ذلك: ﴿ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ﴾ .
أي: فعليها؛ كقوله: ﴿ مَّنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلِنَفْسِهِ...
﴾ الآية [فصلت: 46]، أي: عليها ضرر ذلك، وعلى ذلك جميع ما أمر الله عباده من الأعمال أو نهاهم عنها إنما أمر ونهى؛ لمنفعة أنفسهم ولحاجتهم؛ لا لمنفعة له أو لحاجة له.
وقال بعضهم: ﴿ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ﴾ ، أي: إليها، أي: إلى أنفسكم تسيئون.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلآخِرَةِ ﴾ .
أي: إذا جاء وعد موعود الآخرة، وهو العقوبة بعصيانهم وتكذيبهم رسل الله، وقوله: ﴿ فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلآخِرَةِ ﴾ ؛ بالتغيير وتبديل الدين.
﴿ لِيَسُوءُواْ وُجُوهَكُمْ ﴾ .
بواوين: على الجماعة، وبواو واحدة: على الواحد: (لنسوء وجوهكم)، ولم يبين من يسوء وجوههم؛ فيشبه أن يكون يبعث قوماً يسوءون وجوههم، كما ذكر في الوعد الأول: ﴿ فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ﴾ ؛ فهم يسوءون وجوهكم.
ومن قرأ بالنون: (لنسوء وجوهكم): أضاف إلى نفسه؛ لما بأمره ما كان يفعل وبتسليطه إياهم عليهم.
وقال بعضهم: ذكر الوجه - هاهنا - كناية عن الحزن والهمّ والإهانة لهم؛ ما يقال في السرور: أكرم وجهه، أي: أدخل فيه سروراً، أو ذكر الوجه؛ لما بالوجه يظهر ذلك التغير والقبح، والله أعلم.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَلِيَدْخُلُواْ ٱلْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ .
في ظاهر الآية أن يدخل الأولون المسجد في المرة الثانية كما دخلوا في المرة الأولى؛ لأنه قال: ﴿ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ ، لكن يحتمل ليدخل عبادٌ آخرون المسجد في المرة الثانية كما دخل الأوّلون في المرة الأولى.
وقال بعضهم: المسجد - هاهنا - الكنيسة أو البِيعة.
وقوله: ﴿ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيراً ﴾ .
أي: ليهلكوا ما علوا به، أي: ما غلبوا به وقهروا، أي: الأسباب التي بها عصوا.
وقال أبو عوسجة: ﴿ مَا عَلَوْاْ ﴾ ، أي: ليفسدوا ما أهلكوا، والتَّبَار: الفساد، يقال: علوت الشيء، أي: ملكت: وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ ﴾ .
يحتمل: أن يكون ذلك لأولئك الذين تقدم ذكرهم، وفيهم نزل ما نزل، يرحمهم إن تابوا، ويشبه أن يكون على الابتداء: عسى ربكم أن يرحمكم بمحمد.
﴿ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا ﴾ .
أي: وإن عدتم إلى التكذيب والعصيان عدنا إلى العقوبة والقتال إلى يوم القيامة.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً ﴾ .
قيل: سجناً لا يخرجون منها، وقيل: محبساً، وحصيراً يحصرون فيها، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
إن أحسنتم - يا بني إسرائيل - أعمالكم، وجئتم بها على الوجه المطلوب، فجزاء ذلك عائد لكم، فالله غني عن أعمالكم، وإن أسأتم أفعالكم فعاقبة ذلك عليكم، فالله لا ينفعه إحسان أفعالكم، ولا تضره إساءتها، فإذا حصل الإفساد الثاني سلطنا عليكم أعداءكم ليخزوكم، ويجعلوا المساءة ظاهرة على وجوهكم، لما يذيقونكم من صنوف الهوان، وليدخلوا بيت المقدس ويخربوه كما دخلوه وخربوه المرة الأولى، وليدمروا ما غلبوا عليه من البلاد تدميرًا كاملًا.
من فوائد الآيات في قوله: ﴿ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى ﴾ : إشارة لدخوله في حكم الإسلام؛ لأن المسجد موطن عبادةِ المسلمين.
بيان فضيلة الشكر، والاقتداء بالشاكرين من الأنبياء والمرسلين.
من حكمة الله وسُنَّته أن يبعث على المفسدين من يمنعهم من الفساد؛ لتحقق حكمة الله في الإصلاح.
التحذير لهذه الأمة من العمل بالمعاصي؛ لئلا يصيبهم ما أصاب بني إسرائيل، فسُنَّة الله واحدة لا تتبدل ولا تتحول.
<div class="verse-tafsir" id="91.W9d2y"