الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > سورة 18 الكهف > الآيات ١-٦
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 6 دقيقة قراءةسُورَةُ الكَهْفِ * فَصْلٌ في نُزُولِها رَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ سُورَةَ ( الكَهْفِ ) مَكِّيَّةٌ، وكَذَلِكَ قالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.
وهَذا إجْماعُ المُفَسِّرِينَ مِن غَيْرِ خِلافٍ نَعْلَمُهُ، إلّا أنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ أنَّ مِنها آَيَةً مَدَنِيَّةً، وهي قَوْلُهُ: ﴿ واصْبِرْ نَفْسَكَ ﴾ .
وقالَ مُقاتِلٌ: مِن أوَّلِها إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ صَعِيدًا جُرُزًا ﴾ مَدَنِيٌّ، و قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ﴾ الآَيَتانِ مَدَنِيَّةٌ، وباقِيها مَكِّيٌّ.
ورَوى أبُو الدَّرْداءِ عَنْ رَسُولِ اللهِ أنَّهُ قالَ: " «مَن حَفِظَ عَشْرَ آَياتٍ مِن أوَّلِ الكَهْفِ، ثُمَّ أدْرَكَ الدَّجّالَ لَمْ يَضُرَّهُ، ومَن حَفِظَ خَواتِيمَ سُورَةِ الكَهْفِ كانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ القِيامَةِ» " .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في أوَّلِ ( الفاتِحَةِ ) .
والمُرادُ بِعَبْدِهِ هاهُنا: مُحَمَّدٌ ، وبِالكِتابِ: القُرْآَنُ، تَمَدَّحَ بِإنْزالِهِ؛ لِأنَّهُ إنْعامٌ عَلى الرَّسُولِ خاصَّةً، وعَلى النّاسِ عامَّةً.
قالَ العُلَماءُ بِاللُّغَةِ والتَّفْسِيرِ: في هَذِهِ الآَيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُا: أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ ﴿ قَيِّمًا ﴾ ؛ أيْ: مُسْتَقِيمًا عَدْلًا.
وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ، وابْنُ يَعْمُرَ، والنَّخَعِيُّ، والأعْمَشُ: ( قِيَمًا ) بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الياءِ، وقَدْ فَسَّرْناهُ في ( الأنْعامِ: ١٦١ ) .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا ﴾ ؛ أيْ: لَمْ يَجْعَلْ فِيهِ اخْتِلافًا، وقَدْ سَبَقَ بَيانُ العِوَجِ في ( آَلِ عِمْرانَ: ٩٩ ) .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا ﴾ ؛ أيْ: عَذابًا شَدِيدًا، ﴿ مِن لَدُنْهُ ﴾ ؛ أيْ: مِن عِنْدِهِ، ومِن قَبْلِهِ، والمَعْنى: لِيُنْذِرَ الكافِرِينَ، ﴿ وَيُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أنَّ لَهُمْ ﴾ ؛ أيْ: بِأنَّ لَهم ﴿ أجْرًا حَسَنًا ﴾ وهو الجَنَّةُ.
﴿ ماكِثِينَ ﴾ ؛ أيْ: مُقِيمِينَ، وهو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ.
﴿ وَيُنْذِرَ ﴾ بِعَذابِ اللَّهِ ﴿ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا ﴾ وهُمُ اليَهُودُ حِينَ قالُوا: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، والنَّصارى حِينَ قالُوا: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، والمُشْرِكُونَ حِينَ قالُوا: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، ﴿ ما لَهم بِهِ ﴾ ؛ أيْ: بِذَلِكَ القَوْلِ ﴿ مِن عِلْمٍ ﴾ ؛ لِأنَّهم قالُوا: افْتَرى عَلى اللَّهِ، ﴿ وَلا لآبائِهِمْ ﴾ الَّذِينَ قالُوا ذَلِكَ، ﴿ كَبُرَتْ ﴾ ؛ أيْ: عَظُمَتْ ﴿ كَلِمَةً ﴾ الجُمْهُورِ عَلى النَّصْبِ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وأبُو رَزِينٍ، وأبُو رَجاءٍ، ويَحْيى بْنُ يَعْمُرَ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( كَلِمَةٌ ) بِالرَّفْعِ.
قالَ الفَرّاءُ مَن نَصَبَ أضْمَرَ: كَبُرَتْ تِلْكَ الكَلِمَةُ كَلِمَةً، ومِن رَفَعَ لَمْ يُضْمِرْ شَيْئًا، كَما تَقُولُ: عَظُمَ قَوْلُكَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: مَن نَصَبَ فالمَعْنى: كَبُرَتْ مَقالَتُهُمْ: اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا كَلِمَةً، و " كَلِمَةً " مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ.
ومَن رَفَعَ فالمَعْنى: عَظُمَتْ كَلِمَةً هي قَوْلُهُمْ: اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَخْرُجُ مِن أفْواهِهِمْ ﴾ ؛ أيْ: إنَّها قَوْلٌ بِالفَمِ لا صِحَّةَ لَها، ولا دَلِيلَ عَلَيْها، ﴿ إنْ يَقُولُونَ ﴾ ؛ أيْ: ما يَقُولُونَ ﴿ إلا كَذِبًا ﴾ .
ثُمَّ عاتَبَهُ عَلى حُزْنِهِ لِفَوْتِ ما كانَ يَرْجُو مِن إسْلامِهِمْ، فَقالَ: ﴿ فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ ﴾ وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو الجَوْزاءِ، وقَتادَةُ: ( باخِعٌ نَفْسِكَ ) بِكَسْرِ السِّينِ عَلى الإضافَةِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ واللُّغَوِيُّونَ: فَلَعَلَّكَ مُهْلِكٌ نَفْسَكَ، وقاتَلٌ نَفْسَكَ، وأنْشَدَأبُو عُبَيْدَةَ لِذِي الرُّمَّةِ: ألا أيُّهَذا الباخِعُ الوَجْدُ نَفْسَهُ لِشَيْءٍ نَحَتْهُ عَنْ يَدَيْهِ المَقادِرُ أيْ: نَحَّتْهُ فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالَ: " فَلَعَلَّكَ " والغالِبُ عَلَيْها الشَّكُ، واللَّهُ عالِمٌ بِالأشْياءِ قَبْلَ كَوْنِها ؟
فالجَوابُ: أنَّها لَيْسَتْ بِشَكٍّ، إنَّما هي مُقَدَّرَةٌ تَقْدِيرَ الِاسْتِفْهامِ الَّذِي يَعْنِي بِهِ التَّقْرِيرُ، فالمَعْنى: هَلْ أنْتَ قاتِلٌ نَفْسَكَ ؟
لا يَنْبَغِي أنْ يَطُولَ أساكَ عَلى إعْراضِهِمْ، فَإنَّ مَن حَكَمْنا عَلَيْهِ بِالشِّقْوَةِ لا تُجْدِي عَلَيْهِ الحَسْرَةُ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلى آثارِهِمْ ﴾ ؛ أيْ: مِن بَعْدِ تَوَلِّيهِمْ عَنْكَ، ﴿ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ ﴾ يَعْنِي: القُرْآَنَ، ﴿ أسَفًا ﴾ وفِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: حَزَنًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ قُتَيْبَةَ.
والثّانِي: جَزَعًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: غَضَبًا، قالَهُ قَتادَةُ.
والرّابِعُ: نَدَمًا، قالَهُ السُّدِّيُّ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: نَدَمًا وتَلَهُّفًا وأسًى.
قالَ الزَّجّاجُ: الأسَفُ: المُبالَغَةُ في الحُزْنِ أوِ الغَضَبِ، يُقالُ: قَدْ أسِفَ الرَّجُلُ فَهو أسِيفٌ، قالَ الشّاعِرُ: أرى رَجُلًا مِنهم أسَيْفًا كَأنَّما ∗∗∗ يَضُمُّ إلى كَشْحَيْهِ كَفًّا مُخَضَّبًا وَهَذِهِ الآَيَةُ يُشِيرُ بِها إلى نَهْيِ رَسُولِ اللهِ عَنْ كَثْرَةِ الحِرْصِ عَلى إيمانِ قَوْمِهِ؛ لِئَلّا يُؤَدِّيَ ذَلِكَ إلى هَلاكِ نَفْسِهِ بِالأسَفِ.
<div class="verse-tafsir"