الآية ٢ من سورة الكهف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 18 الكهف > الآية ٢ من سورة الكهف

قَيِّمًۭا لِّيُنذِرَ بَأْسًۭا شَدِيدًۭا مِّن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًۭا ٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 133 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢ من سورة الكهف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢ من سورة الكهف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ولهذا قال : ( قيما ) أي : مستقيما .

( لينذر بأسا شديدا من لدنه ) أي : لمن خالفه وكذبه ولم يؤمن به ، ينذره بأسا شديدا ، عقوبة عاجلة في الدنيا وآجلة في الآخرة ) من لدنه ) أي : من عند الله الذي لا يعذب عذابه أحد ، ولا يوثق وثاقه أحد .

( ويبشر المؤمنين ) أي : بهذا القرآن الذين صدقوا إيمانهم بالعمل الصالح ) أن لهم أجرا حسنا ) أي مثوبة عند الله جميلة

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (2) يقول تعالى ذكره: أنـزل على عبده القرآن معتدلا مستقيما لا عوج فيه لينذركم أيها الناس بأسا من الله شديدا ، وعنى بالبأس العذاب العاجل، والنكال الحاضر والسطوة ، وقوله: (مِنْ لَدُنْهُ) يعني: من عند الله.

وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق (لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا) عاجل عقوبة في الدنيا، وعذابا في الآخرة.(مِنْ لَدُنْهُ) : أي من عند ربك الذي بعثك رسولا.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، بنحوه.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: (مِنْ لَدُنْهُ) : أي من عنده.

فإن قال قائل: فأين مفعول قوله (لِيُنْذِرَ) فإن مفعوله محذوف اكتفى بدلالة ما ظهر من الكلام عليه من ذكره، وهو مضمر متصل بينذر قبل البأس، كأنه قيل: لينذركم بأسا، كما قيل: يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ [آل عمران: 175] إنما هو: يخوّفكم أولياءه.

وقوله: (وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ) يقول: ويبشر المصدقين الله ورسوله (الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ) وهو العمل بما أمر الله بالعمل به، والانتهاء عما نهى الله عنه (أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا) يقول: ثوابا جزيلا لهم من الله على إيمانهم بالله ورسوله، وعملهم في الدنيا الصالحات من الأعمال، وذلك الثواب: هو الجنة التي وعدها المتقون.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قَيِّمًانصب على الحال .وقال قتادة : الكلام على سياقه من غير تقديم ولا تأخير , ومعناه : ولم يجعل له عوجا ولكن جعلناه قيما .وقول الضحاك فيه حسن , وأن المعنى : مستقيم , أي مستقيم الحكمة لا خطأ فيه ولا فساد ولا تناقض .وقيل : " قيما " على الكتب السابقة يصدقها .وقيل : " قيما " بالحجج أبدا .لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًاأي لينذر محمد أو القرآن .وفيه إضمار , أي لينذر الكافرين عقاب الله .وهذا العذاب الشديد قد يكون في الدنيا وقد يكون في الآخرة .مِنْ لَدُنْهُأي من عنده وقرأ أبو بكر عن عاصم " من لدنه " بإسكان الدال وإشمامها الضم وكسر النون , والهاء موصولة بياء .والباقون " لدنه " بضم الدال وإسكان النون وضم الهاء .قال الجوهري : وفي " لدن " ثلاث لغات : لدن , ولدى , ولد .وقال : من لد لحييه إلى منحوره المنحور لغة في المنحر .وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًاأي بأن لهم أجرا حسنا وهي الجنة .وإن حملت التبشير على البيان لم يحتج إلى الباء في " بأن " .والأجر الحسن : الثواب العظيم الذي يؤدي إلى الجنة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وقوله { لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ } أي: لينذر بهذا القرآن الكريم، عقابه الذي عنده، أي: قدره وقضاه، على من خالف أمره، وهذا يشمل عقاب الدنيا وعقاب الآخرة، وهذا أيضا، من نعمه أن خوف عباده، وأنذرهم ما يضرهم ويهلكهم.

كما قال تعالى -لما ذكر في هذا القرآن وصف النار- قال: { ذلك يخوف الله به عباده يا عباد فاتقون } فمن رحمته بعباده، أن قيض العقوبات الغليظة على من خالف أمره، وبينها لهم، وبين لهم الأسباب الموصلة إليها.

{ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا } أي: وأنزل الله على عبده الكتاب، ليبشر المؤمنين به، وبرسله وكتبه، الذين كمل إيمانهم، فأوجب لهم عمل الصالحات، وهي: الأعمال الصالحة، من واجب ومستحب، التي جمعت الإخلاص والمتابعة، { أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا } وهو الثواب الذي رتبه الله على الإيمان والعمل الصالح، وأعظمه وأجله، الفوز برضا الله ودخول الجنة، التي فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.

وفي وصفه بالحسن، دلالة على أنه لا مكدر فيه ولا منغص بوجه من الوجوه، إذ لو وجد فيه شيء من ذلك لم يكن حسنه تاما.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

" قيما " أي : مستقيما .

قال ابن عباس : عدلا .

وقال الفراء : قيما على الكتب كلها أي : مصدقا لها ناسخا لشرائعها .

وقال قتادة : ليس على التقديم والتأخير بل معناه : أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا ولكن جعله قيما ولم يكن مختلفا على ما قال الله تعالى : " ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا " ( النساء - 82 ) .

وقيل : معناه لم يجعله مخلوقا وروي عن ابن عباس في قوله : " قرآنا عربيا غير ذي عوج " ( الزمر - 28 ) أي : غير مخلوق .

( لينذر بأسا شديدا ) أي : لينذر ببأس شديد ( من لدنه ) أي : من عنده ( ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا ) أي : الجنة .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قيّما» مستقيما حال ثانية مؤكدة «لينذر» يخوف بالكتاب الكافرين «بأسا» عذابا «شديدا من لدنه» من قبل الله «ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

جعله الله كتابًا مستقيمًا، لا اختلاف فيه ولا تناقض؛ لينذر الكافرين من عذاب شديد من عنده، ويبشر المصدقين بالله ورسوله الذين يعملون الأعمال الصالحات، بأن لهم ثوابًا جزيلا هو الجنة، يقيمون في هذا النعيم لا يفارقونه أبدًا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله : ( قيما ) تأكيد فى المعنى لقوله - سبحانه - : ( وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا ) لأنه قد يكون الشئ مستقيما فى الظاهر ، إلا أنه لا يخلو عن اعوجاج فى حقيقة الأمر ، ولذا جمع - سبحانه - بين نفى العوج ، وإثبات الاستقامة .قال صاحب الكشاف : فإن قلت : ما فائدة الجمع بين نفى العوج وإثبات الاستقامة ، وفى أحدهما غنى عن الآخر؟قلت : فائدته التأكيد ، فرب مستقيم مشهود له بالاستقامة ، ولا يخلو من أدنى عوج عند السبر والتصفح ، وقيل : قيما على سائر الكتب ، مصدقا لها ، شاهدا بصحتها ، وقيل : قيما بمصالح العباد وما لا بد لهم منه من الشرائع .وشبيه بهذه الآية فى مدح القرآن الكريم قوله - تعالى - : ( كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ الناس مِنَ الظلمات إِلَى النور بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إلى صِرَاطِ العزيز الحميد ) وقوله - سبحانه - .

( إِنَّ هذا القرآن يَِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ .

.

) وقوله - عز وجل : ( وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هذا القرآن مِن كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ قُرْآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ) وقوله - تعالى - : ( أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القرآن وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ الله لَوَجَدُواْ فِيهِ اختلافا كَثِيراً ) ثم شرع - سبحانه - فى بيان وظيفة القرآن الكريم ، بعد أن وصفه بالاستقامة والإِحكام ، فقال : ( لِّيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِّن لَّدُنْهُ ..

.

) .والإِنذار : الإِعلام المقترن بتخويف وتهديد ، فكل إنذار إعلام ، وليس كل إعلام إنذارا .واللام فى قوله ( لينذر ) متعلقة بأنزل ، والبأس : العذاب ، وهو المفعول الثانى للفعل ينذر ، ومفعوله الأول محذوف .والمعنى : أنزل - سبحانه - على عبده الكتاب حالة كونه لم يجعل له عوجا بل جعله مستقيما ، لينذر الذين كفروا عذابا شديدا ، صادرا من عنده - تعالى - .والتعبير بقوله ( من لدنه ) يشعر بأنه عذاب ليس له دافع ، لأنه من عند الله تعالى - القاهر فوق عباده .أما وظيفة القرآن بالنسبة للمؤمنين ، فقد بينها - سبحانه - بعد ذلك فى قوله : ( وَيُبَشِّرَ المؤمنين الذين يَعْمَلُونَ الصالحات أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً مَّاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً ) .أى : أنزل الله هذا القرآن ، ليخوف به الكافرين من عذابه ، وليبشر به المؤمنين الذين يعملون الأعمال الصالحات ، أن لهم من خالقهم - عز وجل - أجراً حسنا هو الجنة ونعيمها .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: أما الكلام في حقائق قولنا: ﴿ الحمد للَّهِ ﴾ فقد سبق، والذي أقوله هاهنا أن التسبيح أينما جاء فإنما جاء مقدماً على التحميد، ألا ترى أنه يقال: سبحان الله والحمد لله إذا عرفت هذا فنقول: إنه جل جلاله ذكر التسبيح عندما أخبر أنه أسرى بمحمد صلى الله عليه وسلم فقال: ﴿ سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً  ﴾ وذكر التحميد عندما ذكر أنه أنزل الكتاب على محمد صلى الله عليه وسلم فقال: ﴿ الحمد لِلَّهِ الذي أَنْزَلَ على عَبْدِهِ الكتاب ﴾ وفيه فوائد: الفائدة الأولى: أن التسبيح أول الأمر لأنه عبارة عن تنزيه الله عما لا ينبغي وهو إشارة إلى كونه كاملاً في ذاته والتحميد عبارة عن كونه مكملاً لغيره، ولا شك أن أول الأمر هو كونه كاملاً في ذاته.

ونهاية الأمر كونه مكملاً لغيره.

فلا جرم وقع الابتداء في الذكر بقولنا ﴿ سبحان الله ﴾ ثم ذكر بعده ﴿ الحمد لله ﴾ تنبيهاً على أن مقام التسبيح مبدأ ومقام التحميد نهاية.

إذا عرفت هذا فنقول: ذكر عند الإسراء لفظ التسبيح وعند إنزال الكتاب لفظ التحميد.

وهذا تنبيه على أن الإسراء به أول درجات كماله وإنزال الكتاب غاية درجات كماله، والأمر في الحقيقة كذلك لأن الإسراء به إلى المعراج يقتضي حصول الكمال له، وإنزال الكتاب عليه يقتضي كونه مكملاً للأرواح البشرية وناقلاً لها من حضيض البهيمية إلى أعلى درجات الملكية، ولا شك أن هذا الثاني أكمل.

وهذا تنبيه على أن أعلى مقامات العباد مقاماً أن يصير (العبد) عالماً في ذاته معلماً لغيره ولهذا روي في الخبر أنه عليه الصلاة والسلام قال: «من تعلم وعلم فذاك يدعى عظيماً في السموات».

الفائدة الثانية: أن الإسراء عبارة عن رفع ذاته من تحت إلى فوق وإنزال الكتاب عليه عبارة عن إنزال نور الوحي عليه من فوق إلى تحت، ولا شك أن هذا الثاني أكمل.

الفائدة الثالثة: أن منافع الإسراء به كانت مقصورة عليه ألا ترى أنه تعالى قال هنالك: ﴿ لِنُرِيَهُ مِنْ ءاياتنا  ﴾ ومنافع إنزال الكتاب عليه متعدية، ألا ترى أنه قال: ﴿ لِّيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مّن لَّدُنْهُ وَيُبَشّرَ المؤمنين ﴾ والفوائد المتعدية أفضل من القاصرة.

المسألة الثانية: المشبهة استدلوا بلفظ الإسراء في السورة المتقدمة وبلفظ الإنزال في هذه السورة على أنه تعالى مختص بجهة فوق.

والجواب عنه مذكور بالتمام في سورة الأعراف في تفسير قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ استوى عَلَى العرش  ﴾ .

المسألة الثالثة: إنزال الكتاب نعمة عليه ونعمة علينا، أما كونه نعمة عليه فلأنه تعالى أطلعه بواسطة هذا الكتاب الكريم على أسرار علوم التوحيد والتنزيه وصفات الجلال والإكرام وأسرار أحوال الملائكة والأنبياء وأحوال القضاء والقدر، وتعلق أحوال العالم السفلي بأحوال العالم العلوي، وتعلق أحوال عالم الآخرة بعالم الدنيا، وكيفية نزول القضاء من عالم الغيب، وكيفية ارتباط عالم الجسمانيات بعالم الروحانيات، وتصيير النفس كالمرآة التي يتجلى فيها عالم الملكوت وينكشف فيها قدس اللاهوت فلا شك أن ذلك من أعظم النعم، وأما كون هذا الكتاب نعمة علينا فلأنه مشتمل على التكاليف والأحكام والوعد والوعيد والثواب والعقاب، وبالجملة فهو كتاب كامل في أقصى الدرجات فكل واحد ينتفع به بمقدار طاقته وفهمه فلما كان كذلك وجب على الرسول وعلى جميع أمته أن يحمدوا الله عليه فعلمهم الله تعالى كيفية ذلك التحميد فقال: ﴿ الحمد لِلَّهِ الذي أَنْزَلَ على عَبْدِهِ الكتاب ﴾ ثم إنه تعالى وصف الكتاب بوصفين فقال: ﴿ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا قَيِّماً ﴾ وفيه أبحاث: البحث الأول: أنا قد ذكرنا أن الشيء يجب أن يكون كاملاً في ذاته ثم يكون مكملاً لغيره ويجب أن يكون تاماً في ذاته ثم يكون فوق التمام بأن يفيض عليه كمال الغير إذا عرفت هذا فنقول في قوله: ﴿ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا ﴾ إشارة إلى كونه كاملاً في ذاته وقوله: ﴿ قَيِّماً ﴾ إشارة إلى كونه مكملاً لغيره لأن القيم عبارة عن القائم بمصالح الغير ونظيره قوله في أول سورة البقرة في صفة الكتاب: ﴿ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لّلْمُتَّقِينَ  ﴾ فقوله: ﴿ لاَ رَيْبَ فِيهِ ﴾ إشارة إلى كونه في نفسه بالغاً في الصحة وعدم الإخلال إلى حيث يجب على العاقل أن لا يرتاب فيه وقوله: ﴿ هُدًى لّلْمُتَّقِينَ ﴾ إشارة إلى كونه سبباً لهداية الخلق وإكمال حالهم فقوله: ﴿ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا ﴾ قائم مقام قوله: ﴿ لاَ رَيْبَ فِيهِ ﴾ وقوله: ﴿ قَيِّماً ﴾ قائم مقام قوله: ﴿ هُدًى لّلْمُتَّقِينَ ﴾ وهذه أسرار لطيفة.

البحث الثاني: قال أهل اللغة العوج في المعاني كالعوج في الأعيان، والمراد منه وجوه: أحدها: نفي التناقض عن آياته كما قال: ﴿ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ الله لَوَجَدُواْ فِيهِ اختلافا كَثِيراً  ﴾ .

وثانيها: أن كل ما ذكر الله من التوحيد والنبوة والأحكام والتكاليف فهو حق وصدق ولا خلل في شيء منها ألبتة.

وثالثها: أن الإنسان كأنه خرج من عالم الغيب متوجهاً إلى عالم الآخرة وإلى حضرة جلال الله وهذه الدنيا كأنها رباط بني على طريق عالم القيامة حتى أن المسافر إذا نزل فيه اشتغل بالمهمات التي يجب رعايتها في هذا السفر ثم يرتحل منه متوجهاً إلى عالم الآخرة فكل ما دعاه في الدنيا إلى الآخرة ومن الجسمانيات إلى الروحانيات ومن الخلق إلى الحق ومن اللذات الشهوانية الجسدانية إلى الاستنارة بالأنوار الصمدانية فثبت أنه مبرأ عن العوج والانحراف والباطل فلهذا قال تعالى: ﴿ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا ﴾ .

الصفة الثانية: للكتاب وهي قوله: ﴿ قَيِّماً ﴾ قال ابن عباس يريد مستقيماً وهذا عندي مشكل لأنه لا معنى لنفي الإعوجاج إلا حصول الاستقامة فتفسير القيم بالمستقيم يوجب التكرار وأنه باطل، بل الحق ما ذكرناه وأن المراد من كونه: ﴿ قَيِّماً ﴾ أنه سبب لهداية الخلق وأنه يجري مجرى من يكون قيماً للأطفال، فالأرواح البشرية كالأطفال، والقرآن كالقيم الشفيق القائم بمصالحهم.

البحث الثالث: قال الواحدي جميع أهل اللغة والتفسير قالوا هذا من التقديم والتأخير والتقدير: أنزل على عبده الكتاب قيماً ولم يجعل له عوجاً.

وأقول قد بينا ما يدل على فساد هذا الكلام لأنا بينا أن قوله: ﴿ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا ﴾ يدل على كونه كاملاً في ذاته، وقوله: ﴿ قَيِّماً ﴾ يدل على كونه مكملاً لغيره وكونه كاملاً في ذاته متقدم بالطبع على كونه مكملاً لغيره فثبت بالبرهان العقلي أن الترتيب الصحيح هو الذي ذكره الله تعالى وهو قوله: ﴿ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا قَيِّماً ﴾ فظهر أن ما ذكروه من التقديم والتأخير فاسد يمتنع العقل من الذهاب إليه.

البحث الرابع: اختلف النحويون في انتصاب قوله: ﴿ قَيِّماً ﴾ وذكروا فيه وجوهاً.

الأول: قال صاحب الكشاف لا يجوز جعله حالاً من الكتاب لأن قوله: ﴿ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا ﴾ معطوف على قوله: ﴿ أَنَزلَ ﴾ فهو داخل في حيز الصلة فجعله حالاً من ﴿ الكتاب ﴾ يوجب الفصل بين الحال وذي الحال ببعض الصلة، وأنه لا يجوز.

قال: ولما بطل هذا وجب أن ينتصب بمضمر والتقدير: ولم يجعل له عوجاً وجعله قيماً.

الوجه الثاني: قال الأصفهاني الذي نرى فيه أن يقال قوله: ﴿ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا ﴾ حال وقوله: ﴿ قَيِّماً ﴾ حال أخرى وهما حالان متواليان والتقدير أنزل على عبده الكتاب غير مجعول له عوجاً قيماً.

الوجه الثالث: قال السيد صاحب حل العقد يمكن أن يكون قوله: ﴿ قَيِّماً ﴾ بدلاً من قوله: ﴿ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا ﴾ لأن معنى: ﴿ لَّمْ يَجْعَلِ لَّهُ عِوَجَا ﴾ أنه جعله مستقيماً فكأنه قيل: أنزل على عبده الكتاب وجعله قيماً.

الوجه الرابع: أن يكون حالاً من الضمير في قوله: ﴿ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا ﴾ أي حال كونه قائماً بمصالح العباد وأحكام الدين، واعلم أنه تعالى لما ذكر أنه: أنزل على عبده الكتاب الموصوف بهذه الصفات المذكورة أردفه ببيان ما لأجله أنزله فقال: ﴿ لِّيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مّن لَّدُنْهُ ﴾ وأنذر متعد إلى مفعولين كقوله: ﴿ إِنَّا أنذرناكم عَذَاباً قَرِيباً  ﴾ إلا أنه اقتصر هاهنا على أحدهما وأصله ﴿ لّيُنذِرَ ﴾ الذين كفروا ﴿ بَأْسًا شَدِيدًا ﴾ كما قال في ضده: ﴿ وَيُبَشّرُ المؤمنين ﴾ والبأس مأخوذ من قوله تعالى: ﴿ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ  ﴾ وقد بؤس العذاب وبؤس الرجل بأساً وبآسة وقوله: ﴿ مِن لَّدُنْهُ ﴾ أي صادراً من عنده قال الزجاج وفي: لدن لغات يقال لدن ولدي ولد والمعنى واحد، قال وهي لا تتمكن تمكن عند لأنك تقول هذا القول صواب عندي ولا تقول صواب لدني وتقول عندي مال عظيم والمال غائب عنك ولدني لما يليك لا غير وقرأ عاصم في رواية أبي بكر بسكون الدال مع إشمام الضم وكسر النون والهاء وهي لغة بني كلاب ثم قال تعالى: ﴿ وَيُبَشّرَ المؤمنين الذين يَعْمَلُونَ الصالحات أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا ﴾ واعلم أن المقصود من إرسال الرسل إنذار المذنبين وبشارة المطيعين، ولما كان دفع الضرر أهم عند (ذوي) العقول من إيصال النفع لا جرم قدم الإنذار على التبشير في اللفظ، قال صاحب الكشاف وقرئ ﴿ ويبشر ﴾ بالتخفيف والتثقيل وقوله: ﴿ مَّاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا ﴾ يعني خالدين وهو حال للمؤمنين من قوله: ﴿ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا ﴾ ، قال القاضي: الآية دالة على صحة قولنا في مسائل، أحدها: أن القرآن مخلوق وبيانه من وجوه: الأول: أنه تعالى وصفه بالإنزال والنزول وذلك من صفات المحدثات فإن القديم لا يجوز عليه التغير.

الثاني: وصفه بكونه كتاباً والكتب هو الجمع وهو سمي كتاباً لكونه مجموعاً من الحروف والكلمات وما صح فيه التركيب والتأليف فهو محدث.

الثالث: أنه تعالى أثبت الحمد لنفسه على إنزال الكتاب والحمد إنما يستحق على النعمة والنعمة محدثة مخلوقة.

الرابع: أنه وصف الكتاب بأنه غير معوج وبأنه مستقيم والقديم لا يمكن وصفه بذلك فثبت أنه محدث مخلوق.

وثانيها: مسألة خلق الأعمال فإن هذه الآيات تدل على قولنا في هذه المسألة من وجوه: الأول: نفس الأمر بالحمد لأنه لو لم يكن للعبد فعل لم ينتفع بالكتاب إذ الانتفاع به إنما يحصل إذا قدر على أن يفعل ما دل الكتاب على أنه يجب فعله ويترك ما دل الكتاب على أنه يجب تركه وهو إنما يفعل ذلك لو كان مستقلاً بنفسه، أما إذا لم يكن مستقلاً بنفسه لم يكن لعوج الكتاب أثر في اعوجاج فعله ولم يكن لكون الكتاب قيماً أثر في استقامة فعله، أما إذا كان العبد قادراً على الفعل مختاراً فيه بقي لعوج الكتاب واستقامته أثر في فعله.

والثاني: أنه تعالى لو كان أنزل بعض الكتاب ليكون سبباً لكفر البعض وأنزل الباقي ليؤمن البعض الآخر فمن أين أن الكتاب قيم لا عوج فيه؟

لأنه لو كان فيه عوج لما زاد على ذلك.

والثالث: قوله: ﴿ لّيُنذِرَ ﴾ وفيه دلالة على أنه تعالى أراد منه صلى الله عليه وسلم إنذار الكل وتبشير الكل وبتقدير أنه يكون خالق الكفر والإيمان هو الله تعالى لم يبق للإنذار والتبشير معنى لأنه تعالى إذا خلق الإيمان فيه حصل شاء أو لم يشأ وإذا خلق الكفر فيه حصل شاء أو لم يشاء فبقي الإنذار والتبشير على الكفر والإيمان جارياً مجرى الإنذار والتبشير على كونه طويلاً قصيراً وأسود وأبيض مما لا قدرة له عليه.

والرابع: وصفه المؤمنين بأنهم يعملون الصالحات فإن كان ما وقع خلق الله تعالى فلا عمل لهم ألبتة.

الخامس: إيجابه لهم الأجر الحسن على ما عملوا فإن كان الله تعالى يخلق ذلك فيهم فلا إيجاب ولا استحقاق.

المسألة الرابعة: قال قوله: ﴿ لّيُنذِرَ ﴾ يدل على أنه تعالى إنما يفعل أفعاله لأغراض صحيحة وذلك يبطل قول من يقول إن فعله غير معلل بالغرض، واعلم أن هذه الكلمات قد تكررت في هذا الكتاب فلا فائدة في الإعادة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

لقن الله عباده وفقههم كيف يثنون عليه ويحمدونه على أجزل نعمائه عليهم وهي نعمة الإسلام، وما أنزل على عبده محمد صلى الله عليه وسلم من الكتاب الذي هو سبب نجاتهم وفوزهم ﴿ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا ﴾ ولم يجعل له شيئاً من العوج قط، والعوج في المعاني كالعوج في الأعيان، والمراد نفي الاختلاف والتناقض عن معانيه، وخروج شيء منه من الحكمة والإصابة فيه.

فإن قلت: بم انتصب ﴿ قَيِّماً ﴾ ؟

قلت: الأحسن أن ينتصب بمضمر ولا يجعل حالاً من الكتاب؛ لأنّ قوله ﴿ وَلَمْ يَجْعَل ﴾ معطوف على أنزل، فهو داخل في حيز الصلة، فجاعله حالاً من الكتاب فاصل بين الحال وذي الحال ببعض الصلة، وتقديره: ولم يجعل له عوجا جعله قيماً؛ لأنه إذا نفى عنه العوج فقد أثبت له الاستقامة.

فإن قلت: ما فائدة الجمع بين نفي العوج وإثبات الاستقامة، وفي أحدهما غنى عن الآخر؟

قلت: فائدته التأكيد، فرب مستقيم مشهود له بالاستقامة ولا يخلو من أدنى عوج عند السبر والتصفح.

وقيل: قيما على سائر الكتب مصدقاً لها، شاهداً بصحتها.

وقيل: قيماً بمصالح العباد وما لابد لهم منه من الشرائع وقرئ ﴿ قيماً ﴾ ﴿ أنذر ﴾ متعدّ إلى مفعولين، كقوله ﴿ إِنَّا أنذرناكم عَذَاباً قَرِيباً ﴾ [النبأ: 40] فاقتصر على أحدهما، وأصله ﴿ لِّيُنذِرَ ﴾ الذين كفروا ﴿ بَأْسًا شَدِيدًا ﴾ والبأس من قوله ﴿ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ ﴾ [الأعراف: 165] وقد بؤس العذاب وبؤس الرجل بأساً وبآسة ﴿ مِّن لَّدُنْهُ ﴾ صادراً من عنده.

وقرئ ﴿ من لدنه ﴾ بسكون الدال مع إشمام الضمة وكسر النون ﴿ وَيُبَشِّرُ ﴾ بالتخفيف والتثقيل.

فإن قلت: لم اقتصر على أحد مفعولى أنذر؟

قلت: قد جعل المنذر به هو الغرض المسبوق إليه، فوجب الاقتصار عليه.

والدليل عليه تكرير الإنذار في قوله ﴿ وَيُنْذِرَ الذين قَالُواْ اتخذ الله وَلَدًا (4) ﴾ متعلقاً بالمنذرين من غير ذكر المنذر به، كما ذكر المبشر به في قوله: ﴿ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا ﴾ استغناء بتقدّم ذكره.

والأجر الحسن: الجنة ﴿ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ ﴾ أي بالولد أو باتخاذه، يعني أنّ قولهم هذا لم يصدر عن علم ولكن عن جهل مفرط وتقليد للآباء، وقد اشتملته آباؤهم من الشيطان وتسويله.

فإن قلت: اتخاذ الله ولداً في نفسه محال، فكيف قيل: ما لهم به من علم؟

قلت: معناه ما لهم به من علم؛ لأنه ليس مما يعلم لاستحالته، وانتفاء العلم بالشيء إمّا للجهل بالطريق الموصل إليه، وإما لأنه في نفسه محال لا يستقيم تعلق العلم به.

قرئ ﴿ كبرت كلمة ﴾ ، وكلمة: بالنصب على التمييز والرفع على الفاعلية، والنصب أقوى وأبلغ.

وفيه معنى التعجب، كأنه قيل: ما أكبرها كلمة.

و ﴿ تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ﴾ صفة للكلمة تفيد استعظاماً لاجترائهم على النطق بها وإخراجها من أفواههم، فإن كثيراً مما يوسوسه الشيطان في قلوب الناس ويحدّثون به أنفسهم من المنكرات لا يتمالكون أن يتفوّهوا به ويطلقوا به ألسنتهم، بل يكظمون عليه تشوّرا من إظهاره، فكيف بمثل هذا المنكر؟

وقرئ ﴿ كبْرت ﴾ بسكون الباء مع إشمام الضمة.

فإن قلت: إلام يرجع الضمير في كبرت؟

قلت: إلى قولهم ﴿ اتخذ الله وَلَدًا ﴾ وسميت كلمة كما يسمون القصيدة بها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قَيِّمًا ﴾ مُسْتَقِيمًا مُعْتَدِلًا لا إفْراطَ فِيهِ ولا تَفْرِيطَ، أوْ ﴿ قَيِّمًا ﴾ بِمَصالِحِ العِبادِ فَيَكُونُ وصْفًا لَهُ بِالتَّكْمِيلِ بَعْدَ وصْفِهِ بِالكَمالِ، أوْ عَلى الكُتُبِ السّابِقَةِ يَشْهَدُ بِصِحَّتِها، وانْتِصابُهُ بِمُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ جَعَلَهُ قَيِّمًا أوْ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿ لَهُ ﴾ ، أوْ مِنَ ﴿ الكِتابَ ﴾ عَلى أنَّ الواوَ ﴿ وَلَمْ يَجْعَلْ ﴾ لِلْحالِ دُونَ العَطْفِ، إذْ لَوْ كانَ لِلْعَطْفِ لَكانَ المَعْطُوفُ فاصِلًا بَيْنَ أبْعاضِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ ولِذَلِكَ قِيلَ فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ وقُرِئَ « قَيِّمًا» .

﴿ لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا ﴾ أيْ لِيُنْذِرَ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذابًا شَدِيدًا، فَحُذِفَ المَفْعُولُ الأوَّلُ اكْتِفاءً بِدَلالَةِ القَرِينَةِ واقْتِصارًا عَلى الغَرَضِ المَسُوقِ إلَيْهِ.

﴿ مِن لَدُنْهُ ﴾ صادِرًا مِن عِنْدِهِ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ بِإسْكانِ الدّالِّ كَإسْكانِ الباءِ مَن سَبْعٍ مَعَ الإشْمامِ لِيَدُلَّ عَلى أصْلِهِ، وكَسْرِ النُّونِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ وكَسْرِ الهاءِ لِلْإتْباعِ.

﴿ وَيُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أنَّ لَهم أجْرًا حَسَنًا ﴾ هو الجَنَّةُ.

﴿ ماكِثِينَ فِيهِ ﴾ في الأجْرِ.

﴿ أبَدًا ﴾ بِلا انْقِطاعٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قَيِّماً} مستقيماً وانتصابه بمضمر وتقديره جعله قيماً لأنه إذا نفى عنه العوج فقد أثبت له الاستقامة وفائدة الجمع بين نفي العوج وإثبات الاستقامة وفي أحدهما غنى عن الآخر التأكيد فرب مستقيم مشهود له بالاستقامة ولا يخلو من أدنى عوج عند التصفح أو قيماً على سائر الكتب مصدقا لها شاهداً بصحتها {لّيُنذِرَ} أنذر متعدٍ إلى مفعولين كقوله إنا أنذرناكم عذابا قريبا فاقتصر على أحدهما وأصله لينذر الذين كفروا {بَأْسًا} عذاباً {شَدِيداً} وإنما اقتصر على أحد مفعولي أنذر لأن المنذر به هو المسوق إليه فاقتصر عليه {مِن لَّدُنْهُ} صادراً من عنده {وَيُبَشّرُ المؤمنين الذين يَعْمَلُونَ الصالحات أَنَّ لَهُمْ} أي بأن لهم {أَجْرًا حَسَنًا} أي الجنة ويبشر حمزه على

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قَيِّمًا ﴾ أيْ: مُسْتَقِيمًا كَما أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الضَّحّاكِ، ورُوِيَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والمُرادُ مِمّا قِيلَ إنَّهُ لا خَلَلَ في لَفْظِهِ ولا في مَعْناهُ، والمُرادُ مِن هَذا أنَّهُ مُعْتَدِلٌ لا إفْراطَ فِيما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ التَّكالِيفِ حَتّى يَشُقَّ عَلى العِبادِ ولا تَفْرِيطَ فِيهِ بِإهْمالِ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ حَتّى يُحْتاجَ إلى كِتابٍ آخَرَ كَما قالَ سُبْحانَهُ ﴿ ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ ﴾ ولِذا كانَ آخِرَ الكُتُبِ المُنَزَّلِ عَلى خاتَمِ الرُّسُلِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقِيلَ: المُرادُ مِنهُ ما أُرِيدَ مِمّا قَبْلَهُ وذَكَرَهُ لِلتَّأْكِيدِ.

وقالَ الفَرّاءُ: المُرادُ قَيِّمًا عَلى سائِرِ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ شاهِدًا بِصِحَّتِها.

وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: المُرادُ: قَيِّمًا بِمَصالِحِ العِبادِ مُتَكَفِّلًا بِها وبِبَيانِها لَهم لِاشْتِمالِهِ عَلى ما يَنْتَظِمُ بِهِ المَعاشُ والمَعادُ وهو عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ تَأْسِيسٌ أيْضًا لا تَأْكِيدٌ فَكَأنَّهُ قِيلَ: كِتابًا صادِقًا في نَفْسِهِ مُصَدِّقًا لِغَيْرِهِ أوْ كِتابًا خالِيًا عَنِ النَّقائِصِ حالِيًا بِالفَضائِلِ وقِيلَ: المُرادُ عَلى الأخِيرِ أنَّهُ كامِلٌ في نَفْسِهِ ومُكَمِّلٌ لِغَيْرِهِ، ونَصْبُهُ بِمُضْمَرٍ أيْ جَعَلَهُ قَيِّمًا عَلى أنَّ الجُمْلَةَ مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ جَعَلَهُ قَيِّمًا عَلى أنَّها مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلُ إلّا أنَّهُ قِيلَ: إنَّ حَذْفَ حَرْفِ العَطْفِ مَعَ المَعْطُوفِ تَكَلُّفٌ، وكانَ حَفْصٌ يَسْكُتُ عَلى: ﴿ عِوَجًا ﴾ سَكْتَةً خَفِيفَةً ثُمَّ يَقُولُ: ﴿ قَيِّمًا ﴾ .

واخْتارَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّهُ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في «لَهُ» أيْ: لَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا حالَ كَوْنِهِ مُسْتَقِيمًا ولا عِوَجَ فِيهِ عَلى ما سَمِعْتَ أوَّلًا مِن مَعْنى المُسْتَقِيمِ إذْ مُحَصِّلُهُ أنَّهُ تَعالى صانَهُ عَنِ الخَلَلِ في اللَّفْظِ والمَعْنى حالَ كَوْنِهِ مُسْتَقِيمًا ولا عِوَجَ فِيهِ عَلى ما سَمِعْتَ أوَّلًا مِن مَعْنى المُسْتَقِيمِ إذْ مُحَصِّلُهُ أنَّهُ تَعالى صانَهُ عَنِ الخَلَلِ في اللَّفْظِ والمَعْنى حالَ كَوْنِهِ خالِيًا عَنِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ، وكَذا عَلى القَوْلَيْنِ الأخِيرَيْنِ، نَعَمْ قِيلَ: إنَّ جَعْلَهُ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ مَعَ تَفْسِيرِ المُسْتَقِيمِ بِالخالِي عَنِ العِوَجِ رَكِيكٌ.

وتَعَقَّبَهُ بَعْضُهم بِأنَّهُ تَنْدَفِعُ الرَّكاكَةُ بِالحَمْلِ عَلى الحالِ المُؤَكِّدَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ ولَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ﴾ وفِيهِ بَحْثٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الكِتابِ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ يَلْزَمُ حِينَئِذٍ العَطْفُ قَبْلَ تَمامِ الصِّلَةِ؛ لِأنَّ الحالَ بِمَنزِلَةِ جُزْءٍ مِنها، وأُجِيبَ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ: ﴿ ولَمْ يَجْعَلْ ﴾ إلَخْ مِن تَتِمَّةِ الصِّلَةِ الأُولى عَلى أنَّهُ عَطْفٌ بَيانِيٌّ حَيْثُ قالَ تَعالى: ﴿ أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ ﴾ الكامِلَ في بابِهِ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا ﴾ فَحِينَئِذٍ لا يَكُونُ الفَصْلُ قَبْلَ تَمامِ الصِّلَةِ، وهو نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وكُفْرٌ بِهِ والمَسْجِدِ الحَرامِ ﴾ عَلى قَوْلٍ.

وأيْضًا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الواوُ فِي: ﴿ ولَمْ يَجْعَلْ ﴾ لِلْحالِ، والجُمْلَةُ بَعْدَهُ حالٌ مِن ( الكِتابَ ) كَ «قَيِّمًا» واخْتارَهُ الأصْبِهانِيُّ.

وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّ ذاكَ عَلى مَذْهَبِ مَن يُجَوِّزُ وُقُوعَ حالَيْنِ مِن ذِي حالٍ واحِدٍ بِغَيْرِ عَطْفٍ، وكَثِيرٌ مِن أصْحابِنا عَلى مَنعِهِ، وقالَ آخَرُ: إنَّ قِياسَ قَوْلِ الفارِسِيِّ في الخَبَرِ أنَّهُ لا يَتَعَدَّدُ مُخْتَلِفًا بِالإفْرادِ والجُمْلِيَّةِ أنْ يَكُونَ الحالُ كَذَلِكَ.

وأُجِيبَ بِأنَّهُ غَيْرُ وارِدٍ؛ إذْ ما ذَكَرَهُ الفارِسِيُّ خِلافُ مَذْهَبِ الجُمْهُورِ مَعَ أنَّهُ قِياسٌ مَعَ الفارِقِ فَلا يُسْمَعُ، وكَذا ما ذَكَرَهُ أبُو حَيّانَ عَنِ الكَثِيرِ خِلافُ المُعَوَّلِ عَلَيْهِ عِنْدَ الأكْثَرِ، نَعَمْ فِرارًا مِنَ القِيلِ والقالِ جَعَلَ بَعْضُهُمُ الواوَ لِلِاعْتِراضِ والجُمْلَةَ اعْتِراضِيَّةً، وفي الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والأصْلُ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ قَيِّمًا ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا، ورُوِيَ القَوْلُ بِالتَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ، وذَكَرَ السَّمِينُ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ حَيْثُ وقَعَتْ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ في النَّظْمِ يَجْعَلُها مُقَدَّمَةً مِن تَأْخِيرٍ، ووَجَّهَ ذَلِكَ بِأنَّها وقَعَتْ بَيْنَ لَفْظَيْنِ مُرْتَبِطَيْنِ فَهي في قُوَّةِ الخُرُوجِ مِن بَيْنِهِما، ولَمّا كانَ: ﴿ قَيِّمًا ﴾ يُفِيدُ اسْتِقامَةً ذاتِيَّةً أوْ ثابِتَةً لِكَوْنِهِ صِفَةً مُشَبَّهَةً وصِيغَةَ مُبالَغَةٍ، وما مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ إلّا وقَدْ يُتَوَهَّمُ فِيهِ أدْنى عِوَجٍ، ذَكَرَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ ولَمْ يَجْعَلْ ﴾ إلَخْ لِلِاحْتِراسِ، وقُدِّمَ لِلِاهْتِمامِ كَما في قَوْلِهِ: ألا يا اسْلَمِي يا دارَ مَيَّ عَلى البِلا ولا زالَ مُنْهَلًّا بِجَرْعائِكِ القَطْرُ ومِن هُنا يُعْلَمُ أنَّ تَفْسِيرَ القَيِّمِ بِالمُسْتَقِيمِ بِالمَعْنى المُتَبادَرِ، وأنَّ قَوْلَ الزَّمَخْشَرِيِّ فائِدَةُ الجَمْعِ بَيْنَهُ وبَيْنَ نَفْيِ العِوَجِ التَّأْكِيدُ فَرُبَّ مُسْتَقِيمٍ مَشْهُودٌ لَهُ بِالِاسْتِقامَةِ، ولا يَخْلُو مِن أدْنى عِوَجٍ عِنْدَ السَّبْرِ والتَّصَفُّحِ غَيْرُ ذِي عِوَجٍ عِنْدَ السَّبْرِ والتَّصَفُّحِ، وأنَّهُ لا يُرَدُّ قَوْلُ الإمامِ إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ( لَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا ) يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مُكَمِّلًا في ذاتِهِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ قَيِّمًا ﴾ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مُكَمِّلًا لِغَيْرِهِ، فَثَبَتَ بِالبُرْهانِ العَقْلِيِّ أنَّ التَّرْتِيبَ الصَّحِيحَ كَما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى، وأنَّ ما ذَكَرُوهُ مِنَ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ فاسِدٌ يَمْتَنِعُ العَقْلُ مِنَ الذَّهابِ إلَيْهِ.

انْتَهى.

ولَعَمْرِي إنَّ هَذا الكَلامَ لا يَنْبَغِي مِنَ الإمامِ إنْ صَحَّ عِنْدَهُ أنَّ القَوْلَ المَذْكُورَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ، فَإنَّ الأوَّلَ تُرْجُمانُ القُرْآنِ وناهِيكَ بِهِ جَلالَةً ومَعْرِفَةً بِدَقائِقِ اللِّسانِ، وقَدْ قِيلَ في الثّانِي: إذا جاءَكَ التَّفْسِيرُ عَنْ مُجاهِدٍ فَحَسْبُكَ، وقالَ صاحِبُ «حَلِّ العَقْدِ»: يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ قَيِّمًا بَدَلًا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا ﴾ قالَ أبُو حَيّانَ: ويَكُونُ حِينَئِذٍ بَدَلَ مُفْرَدٍ مِن جُمْلَةٍ كَما قالُوا في عَرَفْتُ زَيْدًا أبُو مَن هُوَ؛ إنَّهُ بَدَلُ جُمْلَةٍ مِن مُفْرَدٍ، وفي جَوازِ ذَلِكَ خِلافٌ، هَذا وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ ضَمِيرَ: «لَهُ» عائِدٌ عَلى «عَبْدِهِ» وحِينَئِذٍ لا يَتَأتّى جَمِيعُ التَّخارِيجِ الإعْرابِيَّةِ السّابِقَةِ، وقَرَأ أبانُ بْنُ ثَعْلَبٍ «قِيَمًا» بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الياءِ المُخَفَّفَةِ، وفي بَعْضِ مَصاحِفِ الصَّحابَةِ: «ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا لَكِنَّهُ قَيِّمًا» وحُمِلَ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ تَفْسِيرٌ لا قِراءَةٌ ( لِيُنْذِرَ ) مُتَعَلِّقٌ بِ «أنْزَلَ» واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ، واسْتَدَلَّ بِهِ مَن قالَ بِتَعْلِيلِ أفْعالِ اللَّهِ تَعالى بِالأغْراضِ كالسَّلَفِ والماتُرِيدِيَّةِ، ومَن يَأْبى ذَلِكَ يَجْعَلُها لامَ العاقِبَةِ، وزَعَمَ الحُوفِيُّ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِ «قَيِّمًا» ولَيْسَ بِقَيِّمٍ، والفاعِلُ ضَمِيرُ الجَلالَةِ، وكَذا في الفِعْلَيْنِ المَعْطُوفَيْنِ عَلَيْهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ في الكُلِّ ضَمِيرَ الكِتابِ أوْ ضَمِيرَهُ  ، وأنْذَرَ يَتَعَدّى لِمَفْعُولَيْنِ قالَ تَعالى: ﴿ أنْذَرْناكم عَذابًا قَرِيبًا ﴾ وحَذَفَ هُنا المَفْعُولُ الأوَّلُ واقْتَصَرَ عَلى الثّانِي، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَأْسًا شَدِيدًا ﴾ إيذانًا بِأنَّ ما سِيقَ لَهُ الكَلامُ هو المَفْعُولُ الثّانِي، وأنَّ الأوَّلَ ظاهِرٌ لا حاجَةَ إلى ذِكْرِهِ وهو الَّذِينَ كَفَرُوا بِقَرِينَةِ ما بَعْدُ، والمُرادُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالكِتابِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِنَ البَأْسِ الشَّدِيدِ عَذابُ الآخِرَةِ لا غَيْرَ، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَنْدَرِجَ فِيهِ عَذابُ الدُّنْيا.

﴿ مِن لَدُنْهُ ﴾ أيْ: صادِرًا مِن عِنْدِهِ تَعالى نازِلًا مِن قِبَلِهِ بِمُقابَلَةِ كُفْرِهِمْ فالجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً ثانِيَةً لِلْبَأْسِ، ولَدُنْ هُنا بِمَعْنى عِنْدَ كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، وذَكَرَ الرّاغِبُ أنَّهُ أخَصُّ مِنهُ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى ابْتِداءِ نِهايَةٍ نَحْوَ أقَمْتُ عِنْدَهُ مِن لَدُنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ إلى غُرُوبِها، وقَدْ يُوضَعُ مَوْضِعَ عِنْدَ.

وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ «لَدُنْ» أبْلَغُ مِن عِنْدَ وأخَصُّ وفِيهِ لُغاتٌ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِإشْمامِ الدّالِ بِمَعْنى تَضْعِيفِ الصَّوْتِ بِالحَرَكَةِ الفاصِلَةِ بَيْنَ الحَرْفَيْنِ فَيَكُونُ إخْفاءً لَها وبِكَسْرِ النُّونِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ وكَسْرِ الهاءِ لِلْإتْباعِ، ويُفْهَمُ مِن كَلامِ بَعْضِهِمْ أنَّهُ قَرَأ بِالإسْكانِ مَعَ الإشْمامِ بِمَعْنى الإشارَةِ إلى الحَرَكَةِ بِضَمِّ الشَّفَتَيْنِ مَعَ انْفِراجٍ بَيْنِهِما فاسْتُشْكِلَ في الدُّرِّ المَصُونِ.

وغَيْرُهُ بِأنَّ هَذا الإشْمامَ إنَّما يَتَحَقَّقُ في الوَقْفِ عَلى الآخِرِ، وكَوْنُهُ في الوَسَطِ كَما هُنا لا يُتَصَوَّرُ، ولِذا قِيلَ: إنَّهُ يُؤْتى بِهِ هُنا بَعْدَ الوَقْفِ عَلى الهاءِ.

ودُفِعَ الِاعْتِراضُ بِأنَّهُ لا يَدُلُّ حِينَئِذٍ عَلى حَرَكَةِ الدّالِ وقَدْ عُلِّلَ بِهِ بِأنَّهُ مُتَعَيِّنٌ؛ إذْ لَيْسَ في الكَلِمَةِ ما يَصْلُحُ أنْ يُشارَ إلى حَرَكَتِهِ غَيْرُها، ولا يَخْفى ما فِيهِ، وما قَدَّمْناهُ حاسِمٌ لِمادَّةِ الإشْكالِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِضَمِّ الدّالِ والهاءِ وسُكُونِ النُّونِ إلّا أنَّ ابْنَ كَثِيرٍ يَصِلُ الهاءَ بِواوٍ وغَيْرُهُ لا يَصِلُ ﴿ ويُبَشِّرَ ﴾ بِالنَّصْبِ عُطِفَ عَلى يُنْذِرَ وقُرِئَ شاذًّا بِالرَّفْعِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: «ويَبْشُرُ» بِالتَّخْفِيفِ ﴿ المُؤْمِنِينَ ﴾ أيِ المُصَدِّقِينَ بِالكِتابِ كَما يُشْعِرُ بِهِ وكَذا بِما تَقَدَّمَ ذَكَرَ ذَلِكَ بَعْدَ الِامْتِنانِ بِإنْزالِ الكِتابِ ﴿ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ ﴾ أيِ الأعْمالَ الصّالِحَةَ الَّتِي بُيِّنَتْ في تَضاعِيفِهِ، وإيثارُ صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ في الصِّلَةِ لِلْإشْعارِ بِتَجَدُّدِ العَمَلِ واسْتِمْرارِهِ، وإجْراءُ المَوْصُولِ عَلى مَوْصُوفِهِ المَذْكُورِ لِما أنَّ مَدارَ قَبُولِ العَمَلِ الإيمانُ ﴿ أنَّ لَهُمْ ﴾ أيْ: بِأنَّ لَهم بِمُقابَلَةِ إيمانِهِمْ وعَمَلِهِمُ المَذْكُورِ ﴿ أجْرًا حَسَنًا ﴾ هو كَما قالَ السُّدِّيُّ وغَيْرُهُ الجَنَّةُ وفِيها مِنَ النَّعِيمِ المُقِيمِ والثَّوابِ العَظِيمِ ما فِيها، ويُؤَيِّدُ كَوْنَ المُرادِ بِهِ الجَنَّةُ ظاهِرُ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

مكية وهي مائة وعشر آيات قوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ، يقول: الشكر لله، والألوهية لِلَّهِ.

الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ، أي أنزل على عبده محمدا  القرآن.

وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً، أي لم ينزله متناقضاً.

قَيِّماً، بل أنزله مستقيماً.

ويقال: في الآية تقديم، ومعناه: الحمد لِلَّهِ الذى أَنْزَلَ على عبده الكتاب قيماً أي مستقيماً، وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً أي لم ينزله مخالفاً للتوراة والإنجيل.

قال أهل اللغة: عِوَجاً بكسر العين في الأقوال وبنصب العين في الأشخاص ويقال: في كلامه عوج، وفي هذه الخشبة عوج.

لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً، أي لينذركم ببأس شديد، كما قال: يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ [آل عمران: 175] أي بأوليائه وهذا قول القتبي وقال الزجاج: أي لينذرهم بالعذاب البئيس.

مِنْ لَدُنْهُ، أي من قبله، ويقال: لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً، أي يخوفهم بالعذاب الشديد بما في القرآن مِنْ لَدُنْهُ، أي من عنده.

قرأ عاصم في رواية أبي بكر: مِنْ لَدُنْهُ بجزم الدال، وقرأ الباقون بالضم، ومعناهما واحد.

وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ، بالجنة.

ثم وصف المؤمنين، فقال: الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ، فيما بينهم وبين ربهم.

ثم بيّن الذي يبشرهم به، فقال: أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً في الْجَنَّةِ، ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً أي مقيمين في الثواب والنعيم خالداً مخلدا وماكِثِينَ منصوب على الحال في معنى خالدين.

وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا، أي يخوف بالقرآن الذين قَالُواْ: اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً، وهم المشركون والنصارى.

مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ، أي ليس لهم بذلك القول بيان ولا حجة، وَلا لِآبائِهِمْ أي ولا حجة لآبائهم الذين مضوا، فأخبر أنهم أخذوا دينهم من آبائهم بالتقليد لا بالحجة والبيان، لأنهم قالوا كان آباؤُنا على هذا.

كَبُرَتْ كَلِمَةً، أي عظمت الكلمة.

قرأ الحسن بالضم، ومعناه: عظمت كلمة وهي قولهم: اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً [البقرة: 116] كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ، فصارت نصباً بالتفسير.

إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً، أي ما يقولون إلا كذبا.

وقال: فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ، أي قاتل نفسك أسفاً وحزناً عَلى آثارِهِمْ، أي على أعمالهم.

إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً، أي بهذا القرآن أسفاً، والأسف: المبالغة في الحزن والغضب، وهو منصوب لأنه مصدر في موضع الحال.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

لمسلم، وفي رواية لمسلم وأبي داود: «من آخر الكهف» ، وعن أبي سعيد الخدريّ، أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: من قرأ سورة الكهف كما أنزلت، كانت له نورا من مقامه إلى مكّة، ومن قرأ بعشر آيات من آخرها، فخرج الدّجّال، لم يسلّط عليه «١» رواه الترمذيّ والحاكم في «المستدرك» والنسائيّ، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، وله في رواية: «من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له من النّور ما بين الجمعتين» «٢» ، وقال: صحيح الإسناد، وأخرجه الدّارميّ في مسنده موقوفا ورواته «٣» متّفق على الاحتجاج بهم إلا أبا هاشم يحيى بن دينار الرّمّاني وقد وثّقه أحمد ويحيى وأبو زرعة وأبو حاتم.

انتهى من «السلاح» .

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

قوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ كان حفْصٌ عن عاصم «٤» يَسْكُتُ عند قوله: عِوَجاً سكتةً خفيفة، وعند مَرْقَدِنا في يس [يس: ٥٢] وسبب هذه البداءة في هذه السورة أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لما سألته قريشٌ عن المسائِلِ الثَّلاثِ: الرُّوحِ، وأصحابِ الكهف، وذِي القَرْنَيْنِ، حسب ما أمرتهم به يهود- قال لهم صلّى الله عليه وسلّم: «غَداً أُخْبِرُكُمْ بِجَوَابِ مَا سَأَلْتُمْ» ولم يقلْ: إِن شاء اللَّه، فعاتَبَهُ اللَّه عزَّ وجلَّ، وأمسك عنه الوحْيَ خَمْسَةَ عَشَرَ يوماً، وأرجف به كُفَّار قريشٍ، وشَقَّ ذلك على النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم وبلَغَ منه، فلما انقضى الأمَدُ الذي أراد اللَّهُ عِتَابَ نبيِّه، جاءه الوحْيُ بجوابِ ما سألوه، وغير ذلك، فافتتح الوحْي ب الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ، وهو القرآن.

وقوله: وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً، أي: لم ينزله عن طريق الاستقامة، «والعِوَج» فَقُدُ الاستقامة، ومعنى قَيِّماً، أي: مستقيماً قاله ابن «٥» عباس وغيره، وقيل: معناه أنه قيّم

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ الكَهْفِ * فَصْلٌ في نُزُولِها رَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ سُورَةَ ( الكَهْفِ ) مَكِّيَّةٌ، وكَذَلِكَ قالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.

وهَذا إجْماعُ المُفَسِّرِينَ مِن غَيْرِ خِلافٍ نَعْلَمُهُ، إلّا أنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ أنَّ مِنها آَيَةً مَدَنِيَّةً، وهي قَوْلُهُ: ﴿ واصْبِرْ نَفْسَكَ  ﴾ .

وقالَ مُقاتِلٌ: مِن أوَّلِها إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ صَعِيدًا جُرُزًا  ﴾ مَدَنِيٌّ، و قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ  ﴾ الآَيَتانِ مَدَنِيَّةٌ، وباقِيها مَكِّيٌّ.

ورَوى أبُو الدَّرْداءِ عَنْ رَسُولِ اللهِ  أنَّهُ قالَ: " «مَن حَفِظَ عَشْرَ آَياتٍ مِن أوَّلِ الكَهْفِ، ثُمَّ أدْرَكَ الدَّجّالَ لَمْ يَضُرَّهُ، ومَن حَفِظَ خَواتِيمَ سُورَةِ الكَهْفِ كانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ القِيامَةِ» " .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في أوَّلِ ( الفاتِحَةِ ) .

والمُرادُ بِعَبْدِهِ هاهُنا: مُحَمَّدٌ  ، وبِالكِتابِ: القُرْآَنُ، تَمَدَّحَ بِإنْزالِهِ؛ لِأنَّهُ إنْعامٌ عَلى الرَّسُولِ خاصَّةً، وعَلى النّاسِ عامَّةً.

قالَ العُلَماءُ بِاللُّغَةِ والتَّفْسِيرِ: في هَذِهِ الآَيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُا: أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ ﴿ قَيِّمًا ﴾ ؛ أيْ: مُسْتَقِيمًا عَدْلًا.

وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ، وابْنُ يَعْمُرَ، والنَّخَعِيُّ، والأعْمَشُ: ( قِيَمًا ) بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الياءِ، وقَدْ فَسَّرْناهُ في ( الأنْعامِ: ١٦١ ) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا ﴾ ؛ أيْ: لَمْ يَجْعَلْ فِيهِ اخْتِلافًا، وقَدْ سَبَقَ بَيانُ العِوَجِ في ( آَلِ عِمْرانَ: ٩٩ ) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا ﴾ ؛ أيْ: عَذابًا شَدِيدًا، ﴿ مِن لَدُنْهُ ﴾ ؛ أيْ: مِن عِنْدِهِ، ومِن قَبْلِهِ، والمَعْنى: لِيُنْذِرَ الكافِرِينَ، ﴿ وَيُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أنَّ لَهُمْ ﴾ ؛ أيْ: بِأنَّ لَهم ﴿ أجْرًا حَسَنًا ﴾ وهو الجَنَّةُ.

﴿ ماكِثِينَ ﴾ ؛ أيْ: مُقِيمِينَ، وهو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ.

﴿ وَيُنْذِرَ ﴾ بِعَذابِ اللَّهِ ﴿ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا ﴾ وهُمُ اليَهُودُ حِينَ قالُوا: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، والنَّصارى حِينَ قالُوا: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، والمُشْرِكُونَ حِينَ قالُوا: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، ﴿ ما لَهم بِهِ ﴾ ؛ أيْ: بِذَلِكَ القَوْلِ ﴿ مِن عِلْمٍ ﴾ ؛ لِأنَّهم قالُوا: افْتَرى عَلى اللَّهِ، ﴿ وَلا لآبائِهِمْ ﴾ الَّذِينَ قالُوا ذَلِكَ، ﴿ كَبُرَتْ ﴾ ؛ أيْ: عَظُمَتْ ﴿ كَلِمَةً ﴾ الجُمْهُورِ عَلى النَّصْبِ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وأبُو رَزِينٍ، وأبُو رَجاءٍ، ويَحْيى بْنُ يَعْمُرَ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( كَلِمَةٌ ) بِالرَّفْعِ.

قالَ الفَرّاءُ مَن نَصَبَ أضْمَرَ: كَبُرَتْ تِلْكَ الكَلِمَةُ كَلِمَةً، ومِن رَفَعَ لَمْ يُضْمِرْ شَيْئًا، كَما تَقُولُ: عَظُمَ قَوْلُكَ.

وقالَ الزَّجّاجُ: مَن نَصَبَ فالمَعْنى: كَبُرَتْ مَقالَتُهُمْ: اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا كَلِمَةً، و " كَلِمَةً " مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ.

ومَن رَفَعَ فالمَعْنى: عَظُمَتْ كَلِمَةً هي قَوْلُهُمْ: اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَخْرُجُ مِن أفْواهِهِمْ ﴾ ؛ أيْ: إنَّها قَوْلٌ بِالفَمِ لا صِحَّةَ لَها، ولا دَلِيلَ عَلَيْها، ﴿ إنْ يَقُولُونَ ﴾ ؛ أيْ: ما يَقُولُونَ ﴿ إلا كَذِبًا ﴾ .

ثُمَّ عاتَبَهُ عَلى حُزْنِهِ لِفَوْتِ ما كانَ يَرْجُو مِن إسْلامِهِمْ، فَقالَ: ﴿ فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ ﴾ وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو الجَوْزاءِ، وقَتادَةُ: ( باخِعٌ نَفْسِكَ ) بِكَسْرِ السِّينِ عَلى الإضافَةِ.

قالَ المُفَسِّرُونَ واللُّغَوِيُّونَ: فَلَعَلَّكَ مُهْلِكٌ نَفْسَكَ، وقاتَلٌ نَفْسَكَ، وأنْشَدَأبُو عُبَيْدَةَ لِذِي الرُّمَّةِ: ألا أيُّهَذا الباخِعُ الوَجْدُ نَفْسَهُ لِشَيْءٍ نَحَتْهُ عَنْ يَدَيْهِ المَقادِرُ أيْ: نَحَّتْهُ فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالَ: " فَلَعَلَّكَ " والغالِبُ عَلَيْها الشَّكُ، واللَّهُ عالِمٌ بِالأشْياءِ قَبْلَ كَوْنِها ؟

فالجَوابُ: أنَّها لَيْسَتْ بِشَكٍّ، إنَّما هي مُقَدَّرَةٌ تَقْدِيرَ الِاسْتِفْهامِ الَّذِي يَعْنِي بِهِ التَّقْرِيرُ، فالمَعْنى: هَلْ أنْتَ قاتِلٌ نَفْسَكَ ؟

لا يَنْبَغِي أنْ يَطُولَ أساكَ عَلى إعْراضِهِمْ، فَإنَّ مَن حَكَمْنا عَلَيْهِ بِالشِّقْوَةِ لا تُجْدِي عَلَيْهِ الحَسْرَةُ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلى آثارِهِمْ ﴾ ؛ أيْ: مِن بَعْدِ تَوَلِّيهِمْ عَنْكَ، ﴿ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ ﴾ يَعْنِي: القُرْآَنَ، ﴿ أسَفًا ﴾ وفِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: حَزَنًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّانِي: جَزَعًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: غَضَبًا، قالَهُ قَتادَةُ.

والرّابِعُ: نَدَمًا، قالَهُ السُّدِّيُّ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: نَدَمًا وتَلَهُّفًا وأسًى.

قالَ الزَّجّاجُ: الأسَفُ: المُبالَغَةُ في الحُزْنِ أوِ الغَضَبِ، يُقالُ: قَدْ أسِفَ الرَّجُلُ فَهو أسِيفٌ، قالَ الشّاعِرُ: أرى رَجُلًا مِنهم أسَيْفًا كَأنَّما ∗∗∗ يَضُمُّ إلى كَشْحَيْهِ كَفًّا مُخَضَّبًا وَهَذِهِ الآَيَةُ يُشِيرُ بِها إلى نَهْيِ رَسُولِ اللهِ  عَنْ كَثْرَةِ الحِرْصِ عَلى إيمانِ قَوْمِهِ؛ لِئَلّا يُؤَدِّيَ ذَلِكَ إلى هَلاكِ نَفْسِهِ بِالأسَفِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الكَهْفِ هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ، ورُوِيَ عن فِرْقَةٍ أنَّ أوَّلَ السُورَةِ نَزَلَ بِالمَدِينَةِ، إلى قَوْلِهِ تَعالى: "جُرُزًا"، والأوَّلُ أصَحُّ.

وهِيَ مِن أفْضَلِ سُوَرِ القُرْآنِ، ورُوِيَ أنَّ النَبِيَّ  قالَ: « "ألا أُخْبِرُكم بِسُورَةٍ (مَلَأ) عِظَمُها ما بَيْنَ السَماواتِ والأرْضِ، ولِمَن جاءَ بِها مِنَ الأجْرِ مِثْلُ ذَلِكَ"؟

قالُوا: أيُّ سُورَةٍ هي يا رَسُولَ اللهِ؟

قالَ: "سُورَةُ الكَهْفِ، مَن قَرَأ بِها يَوْمَ الجُمْعَةِ غُفِرَ لَهُ ما بَيْنَ الجُمْعَةِ إلى الجُمْعَةِ الأُخْرى -وَزِيادَةُ ثَلاثَةِ أيّامٍ في رِوايَةِ أنَسٍ -، ومَن قَرَأ بِها أُعْطِيَ نُورًا بَيْنَ السَماءِ والأرْضِ، ووُقِيَ بِها فِتْنَةَ القَبْرِ".» قوله عزّ وجلّ: ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا ﴾ ﴿ قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَدُنْهُ ويُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصالِحاتِ أنَّ لَهم أجْرًا حَسَنًا ﴾ ﴿ ماكِثِينَ فِيهِ أبَدًا ﴾ ﴿ وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللهُ ولَدًا ﴾ ﴿ ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ ولا لآبائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِن أفْواهِهِمْ إنْ يَقُولُونَ إلا كَذِبًا ﴾ كانَ حَفْصٌ عن عاصِمٍ يَسْكُتُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: "عِوَجًا" سَكْتَةً خَفِيفَةً، وعِنْدَ "مَرْقَدِنا" في يَسِ، وسَبَبُ هَذِهِ البُداءَةِ في هَذِهِ السُورَةِ أنَّ رَسُولَ اللهِ  لَمّا سَألَتْهُ قُرَيْشٌ عَنِ المَسائِلِ الثَلاثِ: الرُوحِ والكَهْفِ وذِي القَرْنَيْنِ -حَسْبَما أمَرَتْهم بِهِنَّ يَهُودٌ- قالَ لَهم رَسُولُ اللهِ  : "غَدًا أُخْبِرُكم بِجَوابِ سُؤالِكُمْ"، ولَمْ يُقَلْ: "إنْ شاءَ اللهُ"، فَعاتَبَهُ اللهُ تَعالى بِأنْ أمْسَكَ عنهُ الوَحْيَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَأرْجَفَ بِهِ كُفّارُ قُرَيْشٍ، وقالُوا: إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ تَرَكَهُ رَئِيُّهُ الَّذِي كانَ يَأْتِيهِ مِنَ الجِنِّ، وقالَ بَعْضُهُمْ: قَدْ عَجَزَ عن أكاذِيبِهِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى رَسُولِ اللهِ  ، وبَلَغَ مِنهُ، فَلَمّا أنْ قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي أرادَ اللهُ تَعالى عِتابَ مُحَمَّدٍ  - عَلَيْهِ، جاءَ الوَحْيُ مِنَ اللهِ تَعالى بِجَوابِ الأسْئِلَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ، فافْتُتِحَ الوَحْيُ بِـ" الحَمْد للَّه الَّذِي أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ "، أيْ: بِزَعْمِكم أنْتُمْ يا قُرَيْشُ، كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ يُحِبُّ مُساءَتَكَ فَلا يَرى إلّا نِعْمَتَكَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْعَمَ عَلَيَّ وفَعَلَ بِي كَذا، عَلى جِهَةِ النِعْمَةِ عَلَيْهِ.

و"الكِتابُ" هو القُرْآنُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا ﴾ أيْ: لَمْ يُزِلْهُ عن طَرِيقِ الِاسْتِقامَةِ، وُ "العِوَجُ" فَقْدُ الِاسْتِقامَةِ، وهو بِكَسْرِ العَيْنِ في الأُمُورِ والطُرُقِ وما لا يُحِسُّ مُنْتَصِبًا شَخْصًا، و"العَوَجُ" بِفَتْحِ العَيْنِ في الأشْخاصِ، كالعَصا والحائِطِ ونَحْوِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: ولَمْ يَجْعَلْهُ مَخْلُوقًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا ﴾ يَعُمُّ هَذا وجَمِيعَ ما ذَكَرَ مِن أنَّهُ لا تَناقُضَ فِيهِ، ومِن أنَّهُ لا خَلَلَ ولا اخْتِلافَ فِيهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "قَيِّمًا" نُصِبَ عَلى الحالِ مِنَ "الكِتابِ"، فَهو بِمَعْنى التَقْدِيمِ مُؤَخَّرٌ في اللَفْظِ، أيْ: أنْزَلَ الكِتابَ قَيِّمًا، واعْتَرَضَ بَيْنَ الحالِ وذِي الحالِ قَوْلُهُ: ﴿ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا ﴾ .

ذَكَرَ الطَبَرِيٌّ هَذا التَأْوِيلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "مَنصُوبًا" بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: أنْزَلَهُ، أو جَعَلَهُ قَيِّمًا، وفي بَعْضِ مَصاحِفِ الصَحابَةِ: "وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا لَكِنْ جَعْلَهُ قَيِّمًا"، قالَهُ قَتادَةُ، ومَعْنى "قِيَمٍ" مُسْتَقِيمٌ، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ، وقِيلَ: مَعْناهُ أنَّهُ قَيِّمٌ عَلى سائِرِ الكُتُبِ بِتَصْرِيفِها.

ذَكَرَهُ المَهْدَوِيُّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا مُحْتَمَلٌ، ولَيْسَ مِنَ الِاسْتِقامَةِ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْنى "قِيَمٍ" قِيامَهُ بِأمْرِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى عَلى العالَمِ، وهَذا المَعْنى يُؤَيِّدُهُ ما بَعْدَهُ مِنَ النِذارَةِ والبِشارَةِ اللَذَيْنِ عَمّا العالَمَ.

و"البَأْسُ الشَدِيدُ": عَذابُ الآخِرَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَنْدَرِجَ مَعَهُ في النِذارَةِ عَذابُ الدُنْيا بِبَدْرٍ وغَيْرِها، ونَصْبُهُ عَلى المَفْعُولِ الثانِي، والمَعْنى: لِيُنْذَرَ العالَمَ، وقَوْلُهُ تَعالى: "مِن لَدُنْهُ" أيْ: مِن عِنْدِهِ ومِن قَبْلِهِ، والضَمِيرُ عائِدٌ عَلى اللهِ تَعالى.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "مِن لَدُنْهُ" بِضَمِّ الدالِّ وسُكُونِ النُونِ وضَمِّ الهاءِ، وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: "مِن لَدْنِهِ" بِسُكُونِ الدالِ وإشْمامِ الضَمِّ فِيها وكَسْرِ النُونِ والهاءِ.

وفي "لَدُنْ" لُغاتٌ، يُقالُ: "لَدُنْ" مِثْلُ سَبُعْ، و"لَدْنُ" بِسُكُونِ الدالِ، و"لُدْنُ" بِضَمِّ اللامِ، و"لَدَنُ" بِفَتْحِ اللامِ والدالِ، وهي لَفْظَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى السُكُونِ، ويَلْحَقُها حَذْفُ النُونِ مَعَ الإضافَةِ، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ، وطَلْحَةُ: "وَيَبْشُرُ" بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الباءِ وضَمِّ الشِينِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنَّ لَهم أجْرًا ﴾ تَقْدِيرُهُ: بِأنَّ لَهم أجْرًا، و"الأجْرُ الحَسَنُ": نَعِيمُ الجَنَّةِ، ويَتَقَدَّمُهُ خَيْرُ الدُنْيا.

و"ماكِثِينَ" حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في "لَهُمْ"، و"أبَدًا" ظَرْفٌ؛ لِأنَّهُ دالٌّ عَلى زَمَنٍ غَيْرِ مُتَناهٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدْ أشَرْنا في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ إلى أمْرِ اليَهُودِ قُرَيْشًا بِسُؤالِ رَسُولِ اللهِ  عَنِ المَسائِلِ الثَلاثِ، ويَنْبَغِي أنْ نَنُصَّ كَيْفَ كانَ ذَلِكَ.

ذَكَرَ ابْنُ إسْحاقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما بِسَنَدٍ أنَّهُ قالَ: بَعَثَتْ قُرَيْشٌ النَضِرَ بْنَ الحارِثِ، وعُقْبَةَ بْنَ أبِي مُعَيْطٍ، إلى أحْبارِ يَهُودٍ بِالمَدِينَةِ، فَقالُوا لَهُما: سَلاهم عن مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ-، وصِفا لَهم صِفَتَهُ، فَإنَّهم أهْلُ الكِتابِ الأوَّلِ، وعِنْدَهم ما لَيْسَ عِنْدَنا مِن عِلْمِ الأنْبِياءِ، فَخَرَجا حَتّى أتَيا المَدِينَةَ، فَسَألا أحْبارَ اليَهُودِ عن رَسُولِ اللهِ  ، فَقالَتْ لَهُما أحْبارُ اليَهُودِ: سَلُوهُ عن ثَلاثٍ، فَإنْ أخْبَرَكم بِهِنَّ فَهو نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وإنْ لَمْ يَفْعَلْ فالرَجُلُ مُتَقَوِّلٌ فَرَوْا فِيهِ رَأْيَكُمْ، سَلُوهُ عن فِتْيَةٍ ذَهَبُوا في الدَهْرِ الأوَّلِ، وما كانَ مِن أمْرِهِمْ؟

فَإنَّهم كانَ لَهم حَدِيثٌ عَجِيبٌ، وسَلُوهُ عن رَجُلٍ طَوّافٍ بَلَغَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها، ما كانَ نَبَؤُهُ؟

وسَلُوهُ عَنِ الرُوحِ، فَأقْبَلَ النَضِرُ وعُقْبَةُ إلى مَكَّةَ، وسَألُوا رَسُولَ اللهِ  عن ذَلِكَ، وكانَ الأمْرُ ما ذَكَرْناهُ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللهُ ولَدًا ﴾ الآيَةَ.

أهْلُ هَذِهِ المَقالَةِ هم بَعْضُ اليَهُودِ في عُزَيْرٍ، والنَصارى في المَسِيحِ، وبَعْضُ العَرَبِ في المَلائِكَةِ.

والضَمِيرُ في "بِهِ" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى القَوْلِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ "قالُوا" المُتَقَدِّمُ، وتَكُونُ جُمْلَةُ قَوْلِهِ: ﴿ ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: قالُوا جاهِلِينَ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى "الوَلَدِ"، أيْ: لا عِلْمَ لَهم بِهَذا الوَلَدِ الَّذِي ادَّعَوْهُ، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ صِفَةً لِقَوْلِهِ: "وَلَدًا"، قالَهُ المَهْدَوِيُّ، وهو مُعْتَرِضٌ؛ لِأنَّهُ لا يَصِفُهُ إلّا القائِلُ، وهم لَيْسَ في قَصْدِهِمْ أنْ يَصِفُوهُ.

والصَوابُ عِنْدِي أنَّهُ نَفْيٌ مُؤْتَنِفٌ، أخْبَرَ اللهُ تَعالى بِهِ بِجَهْلِهِمْ في ذَلِكَ، فَلا مَوْضِعَ لِلْجُمْلَةِ مِنَ الإعْرابِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى اللهِ تَعالى، وهَذا التَأْوِيلُ أذَمُّ لَهُمْ، وأقْضى بِالجَهْلِ التامِّ عَلَيْهِمْ، وهو قَوْلُ الطَبَرِيٌّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا لآبائِهِمْ ﴾ ، يُرِيدُ الَّذِينَ أخَذَ هَؤُلاءِ هَذِهِ المَقالَةَ عنهم.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "كَبُرَتْ كَلِمَةً" بِنَصْبِ "كَلِمَةٍ"، كَما تَقُولُ: نِعْمَ رَجُلًا زَيْدٌ، وفَسَّرَ الكَلِمَةَ وصْفُها بِالخُرُوجِ مِن أفْواهِهِمْ، وقالَ بَعْضُهُمْ: نَصْبُها عَلى التَفْسِيرِ عَلى حَدِّ نَصْبِ قَوْلِهِ: ﴿ وَساءَتْ مُرْتَفَقًا  ﴾ ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: نَصْبُها عَلى الحالِ، والتَقْدِيرُ: كَبُرَتْ فِرْيَتُهم -أو نَحْوَ هَذا- كَلِمَةً، وسُمِّيَتْ هَذِهِ الكَلِماتُ كَلِمَةً مِن حَيْثُ هي مَقالَةٌ واحِدَةٌ، كَما يَقُولُونَ لِلْقَصِيدَةِ: كَلِمَةً.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ المَقالَةُ قائِمَةٌ في النَفْسِ مَعْنًى واحِدًا فَيَحْسُنُ أنْ تُسَمّى كَلِمَةً.

وقَرَأ الحَسَنُ، ويَحْيى بْنُ يَعْمُرَ، وابْنُ مَحِيضٍ، والقَوّاسُ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: "كَلِمَةٌ" بِالرَفْعِ عَلى أنَّها فاعِلَةٌ بِـ "كَبُرَتْ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ يَقُولُونَ إلا كَذِبًا ﴾ ، أيْ: ما يَقُولُونَ إلّا كَذِبًا، فَهي النافِيَةُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

موقع الافتتاح بهذا التحميد كموقع الخطبة يفتتح بها الكلام في الغرض المهم.

ولما كان إنزال القرآن على النبي أجزل نَعماء الله تعالى على عباده المؤمنين لأنه سبب نجاتهم في حياتهم الأبدية، وسبب فوزهم في الحياة العاجلة بطيب الحياة وانتظام الأحوال والسيادة على الناس، ونعمة على النبي بأن جعله واسطة ذلك ومبلَغه ومبينه؛ لأجل ذلك استحق الله تعالى أكمل الحمد إخباراً وإنشاءً.

وقد تقدم إفادة جملة «الحمد لله» استحقاقه أكمل الحمد في صدر سورة الفاتحة.

وهي هنا جملة خبرية، أخبر الله نبيئَه والمسلمين بأن مستحق الحمد هو الله تعالى لا غيره، فأجرى على اسم الجلالة الوصف بالموصول تنويهاً بمضمون الصلة ولما يفيده الموصول من تعليل الخبر.

وذكر النبي صلى الله عليه وسلم بوصف العبودية لله تقريب لمنزلته وتنويه به بما في إنزال الكتاب عليه من رفعة قدره كما في قوله تعالى: ﴿ تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ﴾ [الفرقان: 1].

والكتاب: القرآن.

فكل مقدار منزل من القرآن فهو الكتاب}.

فالمراد بالكتاب هنا ما وقع إنزاله من يوم البعثة في غار حراء إلى يوم نزول هذه السورة، ويلحق به ما ينزل بعد هذه الآية ويزاد به مقداره.

وجملة ﴿ ولم يجعل له عوجاً ﴾ معترضة بين ﴿ الكتاب ﴾ وبين الحال منه وهو ﴿ قيماً ﴾ .

والواو اعتراضية.

ويجوز كون الجملة حالاً والواو حالية.

والعِوج بكسر العين وفتحها وبفتح الواو حقيقته: انحراف جسم ما عن الشكل المستقيم، فهو ضد الاستقامة.

ويطلق مجازاً على الانحراف عن الصواب والمعاني المقبولة المستحسنة.

والذي عليه المحققون من أيمة اللغة أن مكسور العين ومفتوحها سواء في الإطلاقين الحقيقي والمجازي.

وقيل: المكسورُ العيننِ يختص بالإطلاق المجازي وعليه درج في «الكشاف».

ويبطله قوله تعالى لما ذكر نسف الجبال ﴿ فيذرها قاعاً صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتاً ﴾ [طه: 106 107] حيث اتفق القراء على قراءته بكسر العين.

وعن ابن السكيت: أن المكسور أعم يجيء في الحقيقي والمجازي وأن المفتوح خاص بالمجازي.

والمراد بالعِوج هنا عوج مدلولات كلامه بمخالفتها للصواب وتناقضها وبعدها عن الحكمة وإصابة المراد.

والمقصود من هذه الجملة المعترضة أو الحالية إبطال ما يرميه به المشركون من قولهم: افتراه، وأساطير الأولين، وقول كاهن، لأن تلك الأمور لا تخلو من عوج، قال تعالى: ﴿ أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً ﴾ [النساء: 82].

وضمير له } عائد إلى ﴿ الكتاب ﴾ .

وإنما عدي الجعل باللام دون (في) لأن العوج المعنوي يناسبه حرف الاختصاص دون حرف الظرفية لأن الظرفية من علائق الأجسام، وأما معنى الاختصاص فهو أعم.

فالمعنى: أنه متصف بكمال أوصاف الكتب من صحة المعاني والسلامة من الخطأ والاختلاف.

وهذا وصف كمال للكتاب في ذاته وهو مقتض أنه أهل للانتفاع به، فهذا كوصفه ب ﴿ أنه لا ريب فيه ﴾ في سورة البقرة (2).

و قيماً } حال من ﴿ الكتاب ﴾ أو من ضميره المجرور باللام، لأنه إذا جعل حالاً من أحدهما ثبت الاتصاف به للآخر إذ هما شيء واحد، فلا طائل فيما أطالوا به من الإعراب.

والقيم: صفة مبالغة من القيام المجازي الذي يطلق على دوام تعهد شيء وملازمة صلاحه، لأن التعهد يستلزم القيام لرؤية الشيء والتيقظ لأحواله، كما تقدم عند قوله تعالى: ﴿ الحي القيوم ﴾ في سورة البقرة (255).

والمراد به هنا أنه قيم على هدي الأمة وإصلاحها، فالمراد أن كماله متعدّ بالنفع، فوزانه وزان وصفه بأنه ﴿ هدى للمتقين ﴾ في سورة البقرة: (2).

والجمع بين قوله: ولم يجعل له عوجاً } وقوله: ﴿ قيماً ﴾ كالجمع بين ﴿ لا ريب فيه ﴾ [البقرة: 2] وبين ﴿ هدى للمتقين ﴾ [البقرة: 2] وليس هو تأكيداً لنفي العوج.

لِّيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِّن لَّدُنْهُ} ﴿ لينذر ﴾ متعلق ب ﴿ أنزل ﴾ .

والضمير المرفوع عائد إلى اسم الجلالة، أي لينذر الله بأساً شديداً من لدنه، والمفعول الأول ل ﴿ ينذر ﴾ محذوف لقصد التعميم، أو تنزيلاً للفعل منزلة اللازم لأن المقصود المنذَر به وهو البَأس الشديد تهويلاً له ولتهديد المشركين المنكرين إنزال القرآن من الله.

والبأس: الشدة في الألم.

ويطلق على القوة في الحرب لأنها تؤلم العدو.

وقد تقدم في قوله تعالى: ﴿ والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس ﴾ من سورة البقرة (177).

والمراد هنا: شدة الحال في الحياة الدنيا، وذلك هو الذي أطلق على اسم البأس في القرآن، وعليه درج الطبري.

وهذا إيماء بالتهديد للمشركين بما سيلقونه من القتل والأسر بأيدي المسلمين، وذلك بأس من لدنه تعالى لأنه بتقديره وبأمره عباده أن يفعلوه، فاستعمال (لدن) هنا في معنييه الحقيقي والمجازي.

وليس في جعل الإنذار ببأس الدنيا علّةً لإنزال الكتاب ما يقتضي اقتصار عِلل إنزاله على ذلك، لأن الفعل الواحد قد تكون له علل كثيرة يذكر بعضُها ويُترك بعض.

وإنما آثَرْتُ الحمل على جعل اليأس الشديد بأسَ الدنيا للنقصي مما يرد على إعادة فعل ﴿ وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا ﴾ [الكهف: 4] كما سيأتي.

ويجوز أن يراد بالبأس عذابُ الآخرة فإنه بأس شديد، ويكون قوله: من لدنه} مستعملاً في حقيقته.

وبهذا الوجه فسر جمهور المفسرين.

ويجوز أن يراد بالبأس الشديد ما يشمل بأس عذاب الآخرة وبأس عذاب الدنيا، وعلى هذا درج ابن عطية والقرطبي، ويكون استعمال من ﴿ لدنه ﴾ في معنييه الحقيقي والمجازي، أما في عذاب الآخرة فظاهر، وأما في عذاب الدنيا فلأن بعضه بالقتل والأسر وهما من أفعال الناس ولكن الله أمر المسلمين بهما فهما من لدنه.

وحذف مفعول ﴿ ينذر ﴾ لدلالة السياق عليه لظهور أنه ينذر الذين لم يؤمنوا بهذا الكتاب ولا بالمنزل عليه، ولدلالة مقابله عليه في قوله: ﴿ ويبشر المؤمنين ﴾ .

عطف على قوله: ﴿ لينذر بأساً ﴾ ، فهو سبب آخر لإنزال الكتاب أثارته مناسبة ذكر الإنذار ليبقى الإنذار موجهاً إلى غيرهم.

وقوله: ﴿ أن لهم أجراً حسناً ﴾ متعلق ب ﴿ يبشر ﴾ بحذف حرف الجر مع (أن)، أي بأن لهم أجراً حسناً.

وذكر الإيمان والعمل الصالح للإشارة إلى أن استحقاق ذلك الأجر بحصول ذلك لأمرين.

ولا يتعرض القرآن في الغالب لحالة حصول الإيمان مع شيء من الأعمال الصالحة كثيرٍ أو قليللٍ، ولحُكْمِهِ أدلة كثيرة.

والمكث: الاستقرار في المكان، شُبه ما لهم من اللذات والملائمات بالظرف الذي يستقر فيه حالُّهُ للدلالة على أن الأجر الحسن كالمحيط بهم لا يفارقهم طرفة عين، فليس قوله: ﴿ أبداً ﴾ بتأكيدٍ لمعنى ﴿ ماكثين ﴾ بل أفيد بمجموعها الإحاطة والدوام.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ الكَهْفِ مَكِّيَّةٌ كُلُّها في قَوْلِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وعَطاءٍ وجابِرٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: إلّا آيَةً واحِدَةً ﴿ واصْبِرْ نَفْسَكَ  ﴾ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ ﴾ يَعْنِي عَلى مُحَمَّدٍ القُرْآنَ، فَتَمَدَّحَ بِإنْزالِهِ لِأنَّهُ أنْعَمَ عَلَيْهِ خُصُوصًا، وعَلى الخَلْقِ عُمُومًا.

﴿ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا ﴾ في ﴿ عِوَجًا ﴾ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي مُخْتَلِفًا، قالَهُ مُقاتِلٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: أدُومُ بِوُدِّي لِلصَّدِيقِ تَكَرُّمًا ولا خَيْرَ فِيمَن كانَ في الوُدِّ أعْوَجا الثّانِي: يَعْنِي مَخْلُوقًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: أنَّهُ العُدُولُ عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ، وعَنِ الِاسْتِقامَةِ إلى الفَسادِ، وهو قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ عِيسى.

والفَرْقُ بَيْنَ العِوَجِ بِالكَسْرِ والعَوَجِ بِالفَتْحِ أنَّ العِوَجَ بِكَسْرِ العَيْنِ ما كانَ في الدِّينِ وفي الطَّرِيقِ وفِيما لَيْسَ بِقائِمٍ مُنْتَصِبٍ، والعَوَجُ بِفَتْحِ العَيْنِ ما كانَ في القَناةِ والخَشَبَةِ وفِيما كانَ قائِمًا مُنْتَصِبًا.

﴿ قَيِّمًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ المُسْتَقِيمُ المُعْتَدِلُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والضَّحّاكِ.

الثّانِي: أنَّهُ قَيِّمٌ عَلى سائِرِ كُتُبِ اللَّهِ تَعالى يُصَدِّقُها ويَنْفِي الباطِلَ عَنْها.

الثّالِثُ: أنَّهُ المُعْتَمَدُ عَلَيْهِ والمَرْجُوعُ إلَيْهِ كَقَيِّمِ الدّارِ الَّذِي يُرْجَعُ إلَيْهِ في أمْرِها، وفِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ في قَوْلِ الجَمِيعِ وتَقْدِيرُهُ: أنْزَلَ الكِتابَ عَلى عَبْدِهِ قَيِّمًا ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا ولَكِنْ جَعَلَهُ قَيِّمًا.

﴿ لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَدُنْهُ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ عَذابُ الِاسْتِئْصالِ في الدُّنْيا.

الثّانِي: أنَّهُ عَذابُ جَهَنَّمَ في الآخِرَةِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق علي، عن ابن عباس في قوله: ﴿ الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً قيماً ﴾ قال: أنزل الكتاب عدلاً قيماً ولم يجعل له عوجاً ملتبساً.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً ﴾ قال: هذا من التقديم والتأخير، أنزل على عبده الكتاب قيماً ولم يجعل له عوجاً.

وأخرج ابن المنذر عن الضحاك في قوله: ﴿ قيماً ﴾ قال: مستقيماً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ لينذر بأساً شديداً ﴾ قال: عذاباً شديداً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ من لدنه ﴾ أي من عنده.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً حسناً ﴾ يعني، الجنة.

وفي قوله: ﴿ وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولداً ﴾ قال: هم اليهود والنصارى.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله تعالى: ﴿ لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا ﴾ قال ابن عباس: (يريد: لينذر عذابًا شديدًا) (١) (٢) يعني أن] (٣) ﴿ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ ، فأظهر (٤) (٥) وقوله تعالى: ﴿ مِنْ لَدُنْهُ ﴾ قال ابن عباس: (يريد من عنده) (٦) وقال الزجاج:- (من قِبَلِهِ) (٧) (٨) (٩) (١٠) (١١) وقرأ عاصم في رواية أبي بكر: (من لَدُنِهِ)، بشم الدال الضمة وبكسر النون والهاء (١٢) (١٣) روى أبو زيد عنهم أجمعين: (هذا من لدُنِه، فتحوا اللام وضموا الدال وكسروا النون) (١٤) قال أبو علي الفارسي: (في لدُنْ لغات: لدن مثل سبعٍ، وتخفف الدال، فإذا خففت على ضربين أحدهما: أن تحذف (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) ﴿ قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا  ﴾ ، إن شاء الله.

والجار في قوله: "من لدنه" يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون صفة النكرة التي هي قوله: "بأسًا"، وفيها ذكر الموصوف.

والآخر: يكون متعلقًا بشديد (١٩) وقوله تعالى: ﴿ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا ﴾ قال الزجاج: (المعنى بأن لهم أجرًا حسنًا) (٢٠) قال ابن عباس: (يريد ثوابًا عظيمًا) (٢١) وقال السدي: (هو الجنة) (٢٢) (١) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة.

انظر: "جامع البيان" 15/ 192، و"تفسير كتاب الله العزيز" 3/ 80، و"المحرر الوجيز" 9/ 228، و"زاد المسير" 5/ 103، و"الجامع لأحكام القرآن" 10/ 352.

(٢) "معاني القرآن" للفراء 2/ 133.

(٣) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).

(٤) انظر: "لكشاف" 2/ 379، و"الدر المصون" 7/ 437، و"البحر المحيط" 6/ 96.

(٥) "معاني القرآن" للزجاج ص 3/ 267.

(٦) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة "معالم التنزيل" 5/ 143، و"المحرر الوجيز" 9/ 228، و"زاد المسير" 5/ 103.

(٧) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 267.

(٨) قوله: (المعنى) ساقط من نسخة: (س).

(٩) قوله: (ولا تقول: هو لدني صواب)، مكرر في نسخة (س).

(١٠) (ويقول) في نسخة (س).

(١١) ذكره الزجاج مختصرًا في "معاني القرآن" 3/ 303، وأورده الأزهري في "تهذيب اللغة" (لدن) 4/ 3256، والفارسي في "الحجة للقراء السبعة" 5/ 125.

(١٢) انظر: "السبعة" 388، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 124، و"المبسوط" 233، و"التبصرة" 247، و"الكشف عن وجوه القراءات" 2/ 54، و"العنوان في القراءات" 122.

(١٣) الكلابيون: بطن عظيم من عامر بن صعصعة من العدنانية، وهو بنو كلاب بن ربيعة ابن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن قيس بن عيلان، كانت ديارهم حمى ضرية، وهو حمى كليب، وحمى الربذة في جهات المدينة المنورة، وفدك والعوالي، ثم انتقلوا إلى الشام.

انظر: "نهاية الأرب" ص 365، و"معجم قبائل العرب" 3/ 989، و"التعريف في الأنساب" ص 77.

(١٤) "تهذيب اللغة" (لدن) 4/ 3256، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 125.

(١٥) في نسخة (س): (أن تخفف)، وهو تصحيف.

(١٦) من طريق شعبة عن عاصم.

انظر: "السبعة" (388)، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 124، و"التبصرة" (247)، و"الكشف عن وجوه القراءات" 2/ 54.

(١٧) الإشمام: إطباقك الشفين بعد الإسكان وتدع بينهما انفراجًا ليخرج النفس بغير صوت، وذلك إشارة للحركة التي ختصت بها الكلمة، ويكون في المرفوع والمضموم، ولا يعرف ذلك الأعمى؛ لأنه لرؤية العين.

انظر: "التحديد في الإتقان والتجويد" ص 98، و"البرهان في تجويد القرآن" ص 66.

(١٨) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 124، و"البحر المحيط" 6/ 96، و"الدر المصون" 7/ 438.

(١٩) "الدر المصون" 7/ 439)، و"الجدول في إعراب القرآن الكريم" 15/ 112.

(٢٠) "معاني القرآن" للزجاج 2/ 268.

(٢١) "جامع البيان" 15/ 192، و"تفسير القرآن العظيم" 3/ 80 بمعناه بدون نسبة.

(٢٢) "معالم التنزيل" 5/ 143 بدون نسبة، و"المحرر الوجيز" 229/ 9 بدون نسبة، و"الدر المنثور" 4/ 382 وعزاه لابن أبي حاتم.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ الحمد لِلَّهِ الذي أَنْزَلَ على عَبْدِهِ الكتاب ﴾ العبد هنا هو النبي صلى الله عليه وسلم، ووصفه بالعبودية تشريفاً له، وإعلاماً باختصاصه وقربه، والكتاب القرآن ﴿ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا ﴾ العوج بكسر العين في المعاني التي لا تحسن، وبالفتح في الأشخاص كالعصا ونحوها، ومعناه عدم الاستقامة، وقيل فيه هنا: معناه لا تناقض فيه ولا خلل، وقيل: لم يجعله مخلوقاً، واللفظ أعم من ذلك ﴿ قَيِّماً ﴾ أي مستقيماً، وقيل قيماً على الخلق بأمر الله تعالى، وقيل، قيماً على سائر الكتب بتصديقها، وانتصابه على الحال من الكتاب، والعامل فيه أنزل، ومنع الزمخشري ذلك للفصل بين الحال وذي الحال، واختار أن العامل فيه فعل مضمر تقديره جعله قيماً ﴿ لِّيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً ﴾ متعلق بأنزل أو بقيماً، والفاعل به ضمير الكتاب أو النبي صلى الله عليه وسلم، والبأس العذاب، وحذف المفعول الثاني وهو الناس، كما حذف المفعول الآخر من قوله: وينذر الذين لدلالة المعنى على المحذوف ﴿ مِّن لَّدُنْهُ ﴾ أي من عنده، والضمير عائد على الله تعالى ﴿ أَجْراً حَسَناً ﴾ يعني الجنة ﴿ ماكثين فِيهِ ﴾ أي دائمين، وانتصابه على الحال من الضمير في لهم ﴿ وَيُنْذِرَ الذين قَالُواْ اتخذ الله وَلَداً ﴾ هم النصارى لقولهم في عيسى، واليهود لقولهم في عزير، وبعض العرب لقولهم في الملائكة ﴿ مَّا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ ﴾ الضمير عائد على قولهم، أو على الولد.

﴿ كَبُرَتْ كَلِمَةً ﴾ انتصب على التمييزعلى الحال ويعني بالكلمة قولهم اتخذ الله ولداً: وعلى هذا يعود الضمير في كبرت.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ من لدنه ﴾ بإشمام الدال ﴿ شيئاً ﴾ بالضم وكسر النون ووصل الهاء بالياء: يحيى.

الآخرون بضم الدال وسكون النون وضم الهاء ﴿ ويبشر ﴾ مخففاً.

حمزة وعلي.

الباقون بالتشديد.

﴿ هيىء لنا ﴾ ﴿ ويهيىء لكم ﴾ بتليين الهمزة فيهما إلا أوقية والأعشى في الوقوف ﴿ فاووا ﴾ بإبدال الهمزة ألفاً: أبو عمرو ويزيد والأعشى والأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف ﴿ مرفقاً ﴾ بفتح الميم وكسر الفاء: أو جعفر ونافع وابن عامر والأعشى والبرجمي، الآخرون على العكس ﴿ تزاور ﴾ خفيفاً بحذف تاء التفاعل: عاصم وحمزة علي وخلف ﴿ تزور ﴾ بتشديد الراء: ابن عامر مثل "تحمر" ويعقوب.

الباقون ﴿ تزوار ﴾ بتشديد الزاي لإدغام التاء فيه ﴿ المهتدي ﴾ كما مر في "سبحان" ﴿ ولملئت ﴾ مشددة للمبالغة: أبو جعفر ونافع وابن كثير، وقرأ أبو عمرو ويزيد والأعشى والأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف غير مهموز: ﴿ بورقكم ﴾ بسكون الراء: أبو عمرو وحمزة وحماد وأبو بكر والخزاز عن هبيرة وعباس بكسر الراء وإدغام القاف في الكاف الآخرون بكسر الراء مظهراً ﴿ ربي أعلم ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو ﴿ أن يهديني ﴾ و ﴿ أن ترني ﴾ و ﴿ وأن يؤتيني ﴾ و ﴿ أن تعلمني ﴾ بالياآت في الحالين: سهل ويعقوب وابن كثير غير ابن فليح.

وزمعة.

وروى ابن شنبوذ عن قنبل كلها بالياء في الحالين.

وعن البزي وابن فليح كلها بغير ياء - في الحالين - وافقهم أبو جعفر ونافع وأبو عمرو بالياء في الوصل ﴿ ثلثمائة سنين ﴾ بالإضافة: حمزة وعلي وخلف الباقون بالتنوين ﴿ ولا تشرك ﴾ بالتاء على النهي: ابن عامر وروح وزيد.

الآخرون ﴿ ولا يشرك ﴾ بياء الغيبة ورفع الكاف.

الوقوف: ﴿ عوجاً ﴾ ه ط لأن ﴿ قيماً ﴾ ليس بصفة له ولكنه انتصب بمحذوف دل عليه المتلو وهو أنزل أي أنزله قيما، وللوصل وجه وهو أن يكون حالاً من الكتاب أو العبد وما بينهما اعتراض ﴿ حسناً ﴾ ، ه لا ﴿ أبداً ﴾ ه ﴿ ولداً ﴾ ج ه، لأن ما بعده يحتمل الصفة أو ابتداء وإخبار، والوقف أوضح ليكون ادعاء الولد مطلقاً كما هو الظاهر ﴿ لآبائهم ﴾ ط ﴿ من أفواههم ﴾ ط ﴿ كذبا ﴾ ه ﴿ أسفا ﴾ ه ﴿ عملا ﴾ ه ﴿ جرزا ﴾ ، ه ط لتمام القصة ما بعده استفهام تقرير وتعجيب ﴿ عجباً ﴾ ه ﴿ رشدا ﴾ ه ﴿ عددا ﴾ ، لا للعطف ﴿ أمدا ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ هدى ﴾ والوصل أولى للعطف ﴿ شططاً ﴾ ه ﴿ آلهة ﴾ ط لابتداء التحضيض ﴿ بين ﴾ ط ﴿ كذبا ﴾ ه ﴿ مرفقاً ﴾ ه ﴿ فجوة منه ﴾ ط ﴿ آيات الله ﴾ ط ﴿ فهو المهتد ﴾ ج ﴿ مرشداً ﴾ ه ﴿ رقود ﴾ قف والأولى الوصل على أن ما بعده حال أي رقدوا ونحن نقلبهم ﴿ الشمال ﴾ قف والوصل أحسن على أن المعنى نقلبهم وكلبهم باسط ﴿ بالوصيد ﴾ ط ﴿ رعباً ﴾ ه ﴿ بينهم ﴾ ط ﴿ كم لبثتم ﴾ ط ﴿ بعض يوم ﴾ ط ﴿ أحداً ﴾ ه ﴿ أبداً ﴾ ه ﴿ لا ريب فيها ﴾ ج لأن "إذا" يصلح أن يكون طرفاً للإعثار عليهم وأن يكون منصوباً بإضمار "اذكر" ﴿ بنياناً ﴾ ط ﴿ بهم ﴾ ط ﴿ مسجداً ﴾ ه ﴿ رابعهم كلبهم ﴾ ج فصلاً بين المقالتين مع اتفاق الجملتين ﴿ بالغيب ﴾ ج لوقوع العارض ﴿ كلبهم ﴾ ط ﴿ قليل ﴾ ه ﴿ ظاهراً ﴾ ص ﴿ أحداً ﴾ ه ﴿ يشاء الله ﴾ ز لاتفاق الجملتين مع عارض الظرف والاستثناء ﴿ رشداً ﴾ ه ﴿ تسعاً ﴾ ه ﴿ لبثوا ﴾ ج لاحتمال أن ما بعده مفعول "قل" أو إخبار مستأنف ﴿ والأرض ﴾ ط لابتداء التعجب ﴿ وأسمع ﴾ ط ﴿ من ولى ﴾ ط لمن قرأ ﴿ ولا تشرك ﴾ على النهي، ومن قرأ على الغيبة إخباراً جوز وقفه لاختلاف الجملتين ﴿ أحداً ﴾ ه.

التفسير: ألصق الحمد والتكبير المذكورين في آخر السورة المتقدمة بالحمد على أجزل نعمائه على العباد وهي نعمة إنزال الكتاب على محمد  .

قال بعض العلماء: نزه نفسه في أوّل سورة "سبحان" عمَّا لا ينبغي وهو إشارة إلى كونه كاملاً في ذاته، وحمد نفسه في أول هذه السورة وهو إشارة إلى كونه مكملاً لغيره، وفيه تنبيه على أن مقام التسبيح مبدأ ومقام التحميد نهاية موافقاً لما ورد في الذكر "سبحان الله والحمد لله".

وفيه أن الإسراء أول درجات كماله من حيث إنه يقتضي حصول الكمال له وإنزال الكتاب غاية درجات كماله لأن فيه تكميل الأرواح البشرية ونقلها من حضيض البهيمية إلى أوج الملكية ولا شك أن المنافع المتعدية أفضل من القاصرة كما ورد في الخبر: "من تعلم وعلم وعمل فذاك يدعى عظيماً في السموات" وإنزال الكتاب على النبي  نعمة عليه وعلينا.

أما أنه نعمة عليه فلأنه اطلع بواسطته على أسرار التوحيد ونعوت الجلال والإكرام وأحوال الملائكة والأنبياء وسائر النفوس المقدسة، وعلى كيفية القضاء والقدر وتعلق أحوال العالم السفلي بالعالم العلوي والشهادة بالغيب وارتباط أحدهما بالآخر.

وأما أنه نعمة علينا فلأنا نستفيد منه أيضاً مثل ذلك ونعرف منه الأحكام الشرعية المفضية إلى إصلاح المعاش والمعاد.

وفي انتصاب ﴿ قيماً ﴾ وجوه فاختار صاحب الكشاف أن يكون منصوباً بمضمر أي جعله وأنزله قيماً.

وأبى أن يكون حالاً لأن العطف يدل على تمام الكلام وجعله حالاً يدل على نقصانه.

قال جامع الأصفهاني: هما حالان متواليان إلا أن الأولى جملة والثانية مفرد.

وقيل: حال من الضمير في قوله: ﴿ ولم يجعل له ﴾ وفائدة الجمع بين نفي العوج وإثبات الاستقامة هي التأكيد، فرب مستقيم في الظاهر لا يخرج عن أدنى عوج في الحقيقة هذا تفسير ابن عباس.

ويحتمل أن يراد أنه قيم على سائر الكتب مصدّق لها شاهد بصحتها، وأنه قيم بمصالح العباد وما لا بد لهم منه من الشرائع والأحكام، وعلى هذا يكون قوله: ﴿ ولم يجعل له عوجاً ﴾ إشارة إلى أنه كامل في ذاته، مبرأ عن الاختلاف والتناقض، مشتمل على كل ما هو في نفس الأمر حق وصدق.

وقوله: ﴿ قيماً ﴾ إشارة إلى أنه مكمل لغيره مصلح بحسن بيانه وإرشاده لأحوال معاشه ومعاده، فتكون الآية نظير قوله في أول "البقرة".

﴿ لا ريب فيه هدى للمتقين ﴾ ثم أراد أن يفصل ما أجمله في قوله فيما قال: ﴿ لينذر بأساً شديداً من لدنه ﴾ وحذف المنذر للعلم به بعمومه ولتطهير اللسان عن ذكره أي لينذر الذين كفروا عذاباً إليماً صادراً من عنده.

والأجر الحسن الجنة بدليل قوله: ﴿ ماكثين فيه ﴾ وهو حال من الضمير في ﴿ لهم ﴾ ثم كرر الإنذار وذكر المنذر لخصوصه وحذف المنذر به وهو البأس الشديد لتقدم ذكره.

وقد تذكر قضية كلية ثم يعطف عليها بعض جزئياتها تنبيهاً على كونه أعظم جزئيات ذلك الكلي.

ففي عطف الإنذار المخصوص على الإنذار المطلق دليل على أن أقبح أنواع الكفر والمعصية إثبات الولد لله  على ما زعم بعض كفار قريش من أن الملائكة بنات الله، وقالت اليهود عزير ابن الله، وقالت النصارى المسيح ابن الله.

ثم قال: ﴿ ما لهم به ﴾ أي بالولد أو باتخاذ الله إياه ﴿ من علم ولا لآبائهم ﴾ وانتفاء العلم بالشي إما بالجهل بالطريق الموصل إليه.

وإما لأنه في نفسه محال فلا يتعلق به العلم لذلك وهو المراد في الآية، أي قولهم هذا لم يصدر عن علم ولكن عن جهل مفرط وتقليد لآبائهم الذين هم مثلهم في الجهالة.

قال جار الله: الضمير في قوله: ﴿ كبرت ﴾ يعود إلى قولهم "اتخذ الله ولداً" وسميت ﴿ كلمة ﴾ كما يسمون القصيدة بها.

قلت: ويجوز أن يعود إلى مضمر ذهني يفسره الظاهر كقوله "ربه رجلاً ونعمت امرأة عندي".

قال الواحدي: انتصبت ﴿ كلمة ﴾ على التمييز وذلك أنك لو قلت: كبرت المقالة أو الكلمة جاز أن يتوهم أنها كبرت كذباً أو جهلاً أو افتراءً، فلما قلت: كلمة فقد ميزتها من محتملاتها.

وقرىء بالرفع على الفاعلية كما يقال "عظم قولك".

قال أهل البيان: النصب أقوى وأبلغ لإفادته التعب من جهتين: من جهة الصيغة ومن جهة التمييز كأنه قيل: ما أكبرها كلمة.

وفي وصف الكلمة بقوله: ﴿ يخرج من أفواههم ﴾ مبالغة أخرى من وجهين: الأول أن كثيراً من وساوس الشيطان وهواجس القلوب لا يتمالك العقلاء أن يتفوهوا به حياء وخجلاً، فبين الله  أن هذا المنكر لم يستحيوا من إظهاره والنطق به فما أشنع فعلتهم وما أعظم فحشهم.

الثاني أن هذا الذي يقولونه لا يحكم به عقلهم وفكرهم ألبتة لكونه في غاية البطلان، وكأنه شيء يجري على لسانهم بطريق التقليد: احتج النظام على مذهبه أن الكلام جسم بأن الخروج عبارة عن الحركة من خواص الأجسام.

والجواب أن الخارج من الفم هو الهواء لأن الحروف والأصوات كيفيات قائمة بالهواء فأسند إلى الحال ما هو من شأن المحل مجازاً.

ثم زاد في تقبيح صورتهم بقوله: ﴿ إن يقولون إلا كذباً ﴾ وفيه إبطال قول من زعم أن الكذب هو الخبر الذي يطابق المخبر عنه مع علم قائله بأنه غير مطابق وذلك لأن القيد الأخير غير موجود ههنا مع أنه  سماه كذباً.

ثم سلى رسول الله صلى الله عيله وسلم بقوله: ﴿ فلعلك باخع ﴾ قال الليث: بخع الرجل نفسه إذا قتلها غيظاً: وقال الأخفش والفراء: أصل البخع الجهد.

يروى أن عائشة ذكرت عمر فقالت: بخع الأرض أي جهدها حتى أخذ ما فيها من أموال الملوك.

وقال الكسائي: بخعت الأرض بالزراعة إذ جعلتها ضعيفة بسبب متابعة الحراثة، وبخع الرجل نفسه إذا نهكها و ﴿ أسفاً ﴾ منصوب على المصدر أي تأسف أسفاً وحذف الفعل لدلالة الكلام عليه.

وقال الزجاج: هو مصدر في موضع الحال أو مفعول له أي لفرط الحزن شبهه وإياهم حين لم يؤمنوا بالقرآن وأعرضوا عن نبيهم برجل فارقته أحبته فهو يتساقط حسرات عليهم.

والحاصل أنه قيل له لا تعظم حزنك عليهم بسبب كفرهم فإنه ليس عليك إلا البلاغ، فأما تحصيل الإيمان فيهم فليس إليك.

قال القاضي، أطلق الحديث على القرآن فدل ذلك على أنه غير قديم.

وأجيب بأنه لا نزاع في حدوث الحروف والأصوات وإنما النزاع في الكلام النفسي، قوله  : ﴿ إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها ﴾ قال أهل النظم: كأنه  يقول: إني خلقت الأرض وزينتها ابتلاء للخلق بالتكاليف، ثم إنهم يتمردون ويكفرون ومع ذلك فلا أقطع عنهم مواد هذه النعم، فأنت أيضاً يا محمد لا تترك الاشتغال بدعوتهم بعد أن لا تأسف عليهم وما على الأرض المواليد الثلاثة أعنى المعادن والنبات والحيوان وأشرفها الإنسان.

وقال القاضي: الأولى أن لا يدخل المكلف فيه لأن ما على الأرض ليس زينة لها بالحقيقة وإنما هو زينة لأهلها الغرض الابتلاء، فالذي له الزينة يكون خارجاً عن الزينة.

ومضى أنه مجاز بالصورة والمراد أنه  يعاملهم معاملة لو صدرت تلك المعاملة عن غيره لكان من قبيل الابتلاء والامتحان.

وقد مر هذا البحث بتمامه في سورة البقرة في تفسير قوله: ﴿ وإذ ابتلى إبراهيم ربه  ﴾ .

واللام في ﴿ لنبلوهم ﴾ للغرض عند المعتزلة، أو العاقبة أو استتباع الغاية عند غيرهم حذراً من لزوم الاستكمال.

قال الزجاج ﴿ أيهم ﴾ رفع بالابتداء لأن لفظه لفظ الاستفهام والمعنى لنمتحن هذا ﴿ أحسن عملاً ﴾ أم ذلك.

ثم زهد في الميل إلى زينة الأرض بقوله: ﴿ وإنا لجاعلون ما عليها ﴾ من هذه الزينة ﴿ صعيداً جرزاً ﴾ أي مثل أرض بيضاء لا نبات فيها بعد أن كانت خضراء معشبة في إزالة بهجته وإماتة سكانه.

قال أبو عبيد: الصعيد المستوي من الأرض التي لا نبات فيها من قولهم "امرأة جروز" إذا كانت أكولاً، "وسيف جراز" إذا كان مستأصلاً وجرز الجراد والشاه والإبل الأرض إذا أكملت ما عليها.

ثم إن القوم تعجبوا من قصة أصحاب الكهف وسألوا عنه الرسول  على سبيل الامتحان فقال  ﴿ أم حسبت ﴾ يعني بل أظننت يا إنسان أنهم كانوا عجباً من آياتنا فقط فلا تحسبن ذلك فإن آياتنا كلها عجب، فإن من كان قادراً على تخليق السموات والأرض ثم تزيين الأرض بأنواع المعادن والنبات والحيوان، ثم جعلها بعد ذلك صعيداً خالياً عن الكل كيف تستبعدون قدرته وحفظه ورحمته بالنسبة إلى طائفة مخصوصة.

وقال جار الله: يعني أن ذلك التزيين وغيره أعظم من قصة أصحاب الكهف يعني أنه ذكر أولاً عظيم قدرته، ثم أضرب عن ذلك موبخاً للإنسان.

والحاصل أنك تعجب من هذا الأدنى فكيف بما فوقه، والكهف الغار الواسع في الجبل، والرقيم اسم كلبهم، وعن سعيد بن جبير ومجاهد أنه لوح من حجارة أو رصاص رقمت فيه أسماؤهم جعل على باب الكهف، فعلى هذا يكون اللفظ عربياً "فعيلاً" بمعنى "مفعول" ومثله ما روي أن الناس رقموا حديثهم نقرأ في الجبل.

وعن السدي أنه القرية التي خرجوا منها.

وقيل: هو الوادي أو الجبل الذي فيه الكهف.

والعجب مصدر وصف به أو المراد ذات عجب.

وقوله: ﴿ إذ أوى الفتية إلى الكهف ﴾ صاروا إليه وجعلوه مأواهم منصوب بإضمار "اذكر" بـ ﴿ حسبت ﴾ لفساد المعنى، ولا يبعد أن يتعلق بـ ﴿ عجباً ﴾ والتنوين في ﴿ رحمة ﴾ إما للتعظيم أو للنوع.

وتقديم ﴿ من لدنك ﴾ للاختصاص أي رحمة مخصوصة بأنها من خزائن رحمتك وهي المغفرة والرزق والأمن من الأعداء ﴿ وهيىء لنا ﴾ أي أصلح لنا من قولك هيئات الأمر فتهيأ ﴿ من أمرنا ﴾ الذي نحن عليه من مفارقة الكفار ﴿ رشداً ﴾ أي أمر إذا رشد حتى نكون بسببه راشدين غير ضالين فتكون "من" للابتداء.

ويجوز أن تكون للتجريد كما في قولك "رأيت منك أسداً" أي اجعل أمرنا رشداً كله.

﴿ فضربنا على آذانهم ﴾ قال المفسرون: أي أنمناهم والأصل فيه أن المفعول محذوف وهو الحجاب كما يقال: "بنى على امرأته" أي بنى عليها القبة.

و ﴿ سنين ﴾ ظرف زمان و ﴿ عدداً ﴾ أي ذوات عدد وهو مصدر وصف به والمراد بهذا الوصف إما القلة لأن الكثير قليل عند الله ﴿ وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون  ﴾ وإما الكثرة.

قال الزجاج: إذا قل فهم مقدار عدده فلم يحتج إلى العدد وإذا كثر احتاج إلى أن يعدّ ﴿ ثم بعثناهم ﴾ أيقظناهم ﴿ لنعلم ﴾ ليظهر معلومنا وفعل العلم معلق لما في "أي" من معنى الاستفهام فارتفع ﴿ أي الحزبين ﴾ على الابتداء وخبره ﴿ أحصى ﴾ وهو فعل ماض و "ما" في ﴿ لما لبثوا ﴾ مصدرية أي أحصى ﴿ أحداً ﴾ للبثهم فيكون الجار والمجرور صفة للأمد فلما قدم صار حالاً منه.

وقيل: اللام "زائدة" و "ما" بمعنى الذي وأمداً تمييز والتقدير: أحصى لما لبثوه أمداً والأمد الغاية.

وزعم بعضهم أن ﴿ أحصى ﴾ أفعل تفضيل كما في قولهم "أعدى من الجرب" و "أفلس من ابن المذلق"، ولم يستصوبه في الكشاف لأن الشاذ لا يقاس عليه.

واختلفوا في تعيين الحزبين فعن عطاء عن ابن عباس أن أصحاب الكهف حزب والملوك الذين تداولوا المدينة ملكاً بعد ملك حزب.

وقال مجاهد: الحزبان من أصحاب الكهف.

وذلك أنهم لما انتبهوا اختلفوا فقال بعضهم: ﴿ لبثنا يوماً أو بعض يوم ﴾ وقال آخرون: ﴿ ربكم أعلم بما لبثتم ﴾ وذلك حين حدسوا أن لبثهم قد تطاول.

وقال الفراء: إن طائفتين من المسلمين في زمان أصحاب الكهف اختلفوا في مدة لبثهم ﴿ نحن نقص عليك نبأهم بالحق ﴾ أي على وجه الصدق ﴿ أنهم فتية ﴾ شباب ﴿ آمنوا بربهم ﴾ أي بي فوضع الظاهر موضع المضمر ﴿ وزدناهم هدى ﴾ أي بالتوفيق والتثبيت ﴿ وربطنا على قلوبهم ﴾ قوّيناهم بإلهام الصبر على فراق الخلائق والأوطان والفرار بالدين إلى بعض الغيران ﴿ إذ قاموا ﴾ وفي هذا القيام أقوال: فعن مجاهد أنهم اجتمعوا وراء المدينة من غير ميعاد فقال رجل منهم:هو أكبر القوم إني لأجد في نفسي شيئاً ما أظن أحداً يجده، أجد أن ربي رب السموات والأرض.

فقالوا: نحن كذلك في أنفسنا فقاموا جميعاً ﴿ فقالوا ربنا رب السموات والأرض ﴾ وقال أكثر المفسرين: إنه كان لهم ملك جبار - يقال له دقيانوس - وكان يدعو الناس إلى عبادة الطواغيت فثبت الله هؤلاء الفتية وعصمهم حتى قاموا بين يديه ﴿ فقالوا ربنا رب السموات والأرض ﴾ وعن عطاء ومقاتل أنهم قالوا ذلك عند قيامهم من النوم.

والشطط الإفراط في الظلم والإبعاد فيه من شط إذا بعد والمراد قولاً ذا شطط أي بعيد عن الحق.

﴿ هؤلاء ﴾ مبتدأ و ﴿ قومنا ﴾ عطف بيان أبو بدل ﴿ اتخذوا ﴾ خير وهو إخبار في معنى إنكار.

وفي اسم الإشارة تحقير لهم ﴿ لولا يأتون عليهم ﴾ هلا يأتون على حقيقة إلهيتهم أو على عبادتهم ﴿ بسلطان بين ﴾ بحجة ظاهرة، استدل بعدم الدليل على عدم الشركاء والأضداد فاستدل بعض العلماء بذلك على أن هذه طريقة صحيحة، ويمكن أن يجاب بأنه إنما ذكر ذلك على سبيل التبكيت، فمن المعلوم أن الإتيان بسلطان على عباده الأوثان محال، وفيه دليل على فساد التقليد ويؤكده قوله ﴿ فمن أظلم من افترى على الله كذباً ﴾ بنسبة الشريك إليه وخاطب بعضهم بعضاً حين صمم عزمهم على الفرار بالدين.

وقوله: ﴿ وما يعبدون ﴾ عطف على المضمير المنصوب يعني وإذا اعتزلتموهم ومعبوديهم.

وقوله: ﴿ إلا الله ﴾ استثناء منقطع على الدهر، ويجوز أن يكون متصلاً بتاءً على أن المشركين يقرون بالخالق الأكبر.

وقيل هو كلام معترض إخبار من الله  عن الفتية أنهم لم يعبدوا غير الله فـ "ما" نافية.

قال الفراء ﴿ فأووا إلى الكهف ﴾ جواب "إذا" ومعناه إذهبوا إليه واجعلوا مأواكم ﴿ ينشر لكم ربكم من رحمته ﴾ يبسطها لكم و ﴿ مرفقاً ﴾ على القراءتين مشتق من الارتفاق الانتفاع.

وقيل: فتح الميم أقيس وكسرها أكثر.

وقيل: المرفق بالكسر ما ارتفعت به، والمرفق بالفتح الأمر الرافق.

وكان الكسائي ينكر في مرفق اليد إلا كسر الميم.

قالوا ذلك ثقة بفضل الله وتوكلاً عليه، وإما لأنه أخبرهم نبي في عصرهم منهم أو من غيرهم.

﴿ وترى الشمس ﴾ أيها الإنسان ﴿ إذا طلعت تزاور ﴾ أصله من الزور بفتح الواو وهو الميل ومنه زاره إذا مال إليه.

والمراد أن الشمس تعدل عن سمتهم إلى الجهتين فلا تقع عليهم.

والفجوة المتسع إن الشمس تعدل عن سمتهم إلى الجهتين فلا تقع عليهم.

والفجوة المتسع من المكان ومنه الحديث "فإذا وجد فجوة نص" وللمفسرين في الآية قولان: أحدهما أنهم في ظل نهارهم كله لا تصيبهم الشمس في طلوعها ولا غروبها مع أنهم في مكان واسع منفتح وإلى هذا الحجب أشار بقوله: ﴿ ذلك من آيات الله ﴾ وثانيهما أن باب ذلك الكهف كان مفتوحاً إلى جانب الشمال فإذا طلعت الشمس كانت على يمين الكهف، وإذا غربت كانت على يساره فلذلك كانت الشمس لا تصل إليهم.

ثم إنهم كانوا مع ذلك في منفسح من الغار ينالهم فيه روح الهواء وبرد النسيم، واعترض بأن عدم وصول الشمس إليهم لا يكون آية من آيات الله على هذا التقدير.

وأجيب بأن المشار إليه حفظهم في ذلك الغار مدة طويلة، والمقصود من بيان وضع الغار تعيين مكانهم.

ثم بين الله  لطفه بهم بصون أبدانهم عن الفساد في تلك المدة المديدة كما لطف بهم في أول الأمر بالهداية فكان فيه ثناء عليهم وتذكير لغيرهم إن الهداية وضدها كليهما بمشيئة الله وعنايتها الأزلية وبلطفه وقهره الذي سبق به القلم, قال جار الله: فيه تنبيه على أن من سلك طريق الراشدين المهديين فهو الذي أصاب الفلاح، ومن تعرض للخسران فلن يجد من يليه ويرشده.

ثم حكى طرفاً آخر من غرائب أحوالهم فقال ﴿ وتحسبهم أيقاظاً ﴾ هي جمع يقظ بكسر القاف كأنكاد في جمع نكد ﴿ وهم رقود ﴾ جمع راقد كقعود في قاعد.

واستبعده في التفسير الكبير.

وقيل: عيونهم مفتحة وهم نيام فيحسبهم الناظر لذلك أيقاظاً.

وقال الزجاج: لكثرة تقلبهم.

وقيل: لهم تقلبتان في السنة.

وقيل: تقلبة واحدة في يوم عاشوراء.

وعن مجاهد: يمكثون رقوداً على أيمانهم سبع سنين ثم يقلبون على شمائلهم فيمكثون رقوداً سبع سنين، وفائدة تقلبهم ظاهرة وهي أن لا تأكل لحومهم الأرض.

قال ابن عباس: وتعجب منه الإمام فخر الدين قال: وإن الله  قادر على حفظهم من غير تقليب.

وأقول: لا ريب في قدرة الله  ولكن الوسائط معتبرة في أغلب الأحوال ﴿ وكلبهم باسط ﴾ حكاية الحال الماضية ولهذا عمل في المفعول به.

والوصيد الفناء وقيل العتبة أو الباب.

قال السدي: الكهف لا يكون له عتبة ولا باب وإنما أراد أن الكلب منه موضع العتبة من البيت.

عن ابن عباس: هربوا ليلاً من ملكهم فمروا براع معه كلب فتبعهم على دينهم ومعه كلبه.

وقال كعب: مروا بكلب فنبح عليهم فطردوه فعاد ففعلوا ذلك ثلاث مرات فقال لهم الكلب: ما تريدون مني أنا أحب أحباء الله فناموا حتى أحرسكم.

وقال عبيد ابن عمرو: كان ذلك كلب صيدهم والاطلاع على الشيء الإشراف عليه.

قال الزجاج قوله ﴿ فراراً ﴾ منصوب على المصدر لأنه بمعنى التولية.

وسبب الرعب هيبة ألبسهم الله إياهم.

وقيل طول أظفارهم وشعورهم وعظم أجرامهم ووحشة مكانهم منه يحكى أن معاوية غزا الروم فقال: لو كشف لنا عن هؤلاء فنظرنا إليهم فقال له ابن عباس: ليس لك ذلك قد منع الله منه من هو خير منك؟

فقال: ﴿ لو اطلعت عليهم لوليت منهم فراراً ﴾ فقال معاوية: لا أنتهي حتى أعلم علمهم فبعث ناساً فقال لهم: اذهبوا فانظروا ففعلوا، فلما دخلوا الكهف بعث الله ريحاً فأخرجتهم ﴿ وكذلك ﴾ إشارة إلى المذكور قبله أي وكما أنمناهم تلك النومة وفعلنا بهم ما فعلنا من الكرامات كذلك ﴿ بعثناهم ﴾ وفيه تذكير لقدرته على الإنامة والبعث جميعاً، ثم ذكر غاية بعثهم فقال: ﴿ ليتساءلوا ﴾ أي ليقع التساؤل بينهم والاختلاف والتنازع في مدة اللبث غرض صحيح لما فيه من انكشاف الحال وظهور آثار القدرة ﴿ قال قائل منهم كم لبثتم ﴾ قال ابن عباس: وهو رئيسهم يمليخارد علم ذلك إلى الله  حين رأى التغير في شعورهم وأظفارهم وبشرتهم.

والفاء في ﴿ فابعثوا ﴾ للتسبيب كأنه قيل: واذ قد حصل اليأس من تعيين مدة اللبث فخذوا في شيء آخر مما يهمكم.

والورق الفضة مضروبة أو غير مضروبة.

وفي تزودهم الورق عند فرارهم دليل على أن إمساك بعض ما يحتاج إليه الإنسان في سفره وحضره لا ينافي التوكل على الله.

والمدينة طرسوس.

قال في الكشاف: ﴿ أيها ﴾ معناه أيّ أهلها ﴿ أزكى طعاماً ﴾ وأقول: يحتمل أن يعود الضمير إلى الأطعمة ذهناً كقوله: "زيد طيب أباً" على أن الأب هو زيد، ويجوز أن يراد أي أطعمة المدينة أزكى طعاماً على الوجه المذكور.

عن ابن عباس: يريد ما حل من الذبائح لأن عامة أهل بلدهم كانوا مجوساً وفيهم قوم يخفون أديانهم.

وقال مجاهد: احترزوا من المغصوب لأن ملكهم كان ظلماً.

وقيل: أيها أطيب وألذ.

وقيل: الرخص ﴿ وليتلطف ﴾ وليتكلف اللطف فيما يباشره من أمر المبايعة حتى لا يغبن.

والأظهر أنهم طلبوا اللطف في أمر التخفي حتى لا يعرف.

يؤيده قوله ﴿ ولا يشعرون بكم أحد ﴾ أي لا يفعلن ما يؤدي إلى الشعور ويسبب له ﴿ إنهم إن يظهروا ﴾ يطلعوا على مكانكم أو ﴿ عليكم يرجموكم ﴾ يقتلوكم أخبث القتلة وهي الرجم وكأنه كانت عادتهم ﴿ أو يعيدوكم في ملتهم ﴾ بالإكراه العنيف.

وقال في الكشاف: العود في معنى الصيرورة أكثر شيء في كلامهم يقولون ما عدت أفعل كذا يريدون ابتداء الفعل.

قلت: يحتمل أن يكون العود ههنا على معناه الأصلي لاحتمال أن يكون أصحاب الكهف على ملة أهل المدينة قبل أن هداهم الله.

وفي "أذن" معنى الشرط كأنه قال: إن رجعتم إلى دينهم فلم تفلحوا أبداً، قال المحققون: لا خوف على المؤمن الفار بدينه أعظم من هذين.

ففي الأول هلاك الدنيا، وفي الثاني هلاك الآخرة.

وإنما نفى الفلاح على التأبيد مع أن كفر المكره لا يضر، لأنهم خافوا أن يجرهم ظاهر الموافقة إلى الكفر القلبي، وكما أنمناهم وبعثناهم ﴿ أعثرنا عليهم ﴾ سمى الإعلام إعثاراً والعلم عثوراً لأن من كان غافلاً عن شيء فعثر به نظر إليه وعرفه وكان الإعثار سبباً لحصول العلم واليقين.

وفي سبب الإعثار قولان: أحدهما أنه طالت شعورهم وأظفارهم طولاً مخالفاً للعادة وتغيرت بشرتهم فعرفوا بذلك.

والأكثرون قالوا: إن ذلك الرجل لما ذهب بالورق إلى السوق وكانت دارهم دقيانوسية اتهموه بأنه وجد كنزاً فذهبوا به إلى الملك فقال له: من أين وجدت هذه الدراهم؟

قال: بعت به أمس شيئاً من التمر.

فعرف الملك أنه ما وجد كنزاً وأن الله بعثه بعد موته فقص عليه القصة.

ثم ذكر  غاية الإعثار فقال: ﴿ ليعلموا أن وعد الله حق ﴾ يروى أن ملك ذلك العصر من كان ينكر البعث إلا أنه كان مع كفره منصفاً فجعل الله أمر الفتية دليلاً للملك.

وقيل: بل اختلفت الأمة في ذلك الزمان فقال بعضهم: الجسد والروح يبعثان جميعاً.

وقال آخرون: الروح تبعث وأما الجسد فتأكله الأرض.

ثم إن ذلك الملك كان يتضرع أن يظهر له آية يستدل بها على ما هو الحق في المسألة فأطلعه الله  على أمر أصحاب الكهف حتى تقرر عنده صحة بعث الأجساد، لأن انتباههم بعد ذلك النوم الطويل يشبه من يموت ثم يبعث.

فالمراد بالتنازع هو اختلافهم في حقيقة البعث.

والضمائر في قوله: ﴿ إذ يتنازعون بينهم أمرهم ﴾ تعود إلى تلك الأمة.

وقيل: أراد إذ يتنازع الناس بينهم أمر أصحاب الكهف ويتكلمون في قصتهم، أو يتنازعون بينهم تدبير أمرهم حين توفوا كيف يخفون مكانهم وكيف يسدون الطريق إليهم.

﴿ فقالوا ابنوا ﴾ على باب كهفهم ﴿ بنياناً ﴾ يروى أنه انطلق الملك وأهل المدينة معه وأبصروهم وحمدوا الله على آياته الدالة على البعث.

ثم قالت الفتية للملك: نستودعك الله ونعيذك به من شر الجن والإنس ثم رجعوا إلى مضاجعهم وتوفى الله أنفسهم، فألقى الملك عليهم ثيابه وأمر فجعل لكل واحد تابوتاً من ذهب فرآهم في المنام كارهين للذهب، فجعلها من الساج وبنى على باب الكهف مسجداً.

فيكون فيه دليل على أن أولئك الأقوام كانوا عارفين بالله  ومعترفين بالعبادة والصلاة، وقيل: إن الكفار قالوا: إنهم كانوا على ديننا ونتخذ عليهم بنياناً، والمسلمين قالوا: بل كانوا على ديننا فنتخذ عليهم مسجداً، وقيل: إنهم تنازعوا في عددهم وأسمائهم.

قال جار الله: ﴿ ربهم أعلم بهم ﴾ من كلام المتنازعين كأنهم تذاكروا أمرهم وتناقلوا الكلام في أنسابهم وأحوالهم، فلما لم يهتدوا إلى حقيقته قالوا ذلك، أو هو من كلام الله عز وجل رد القول الخائضين في حديثهم من أولئك المتنازعين، أو من الذين تنازعوا عوافيهم على عهد رسول الله  من أهل الكتاب.

والذين غلبوا على أمرهم المسلمون وملكهم المسلم لأنهم بنوا عليهم مسجداً يصلى فيه المسلمون ويتبركون بمكانهم وكانوا أولى بهم بالبناء عليهم حفظاً لتربتهم بها وضناً بها ﴿ سيقولون ﴾ يعنى الخائضين في قصتهم من المؤمنين ومن أهل الكتاب المعاصرين وكان كما أخبر فكان معجزاً، يروى أن السيد والعاقب وأصحابهما من أهل نجران كانوا عند النبي  فجرى ذكر أصحاب الكهف فقال السيد وكان يعقوبياً هم ﴿ ثلاثة رابعهم كلبهم ﴾ وقال العاقب وكان نسطورياً هم ﴿ خمسة وسادسهم كلبهم ﴾ فزيف الله قولهما بأن قال: ﴿ رجماً بالغيب ﴾ أي يرمون رمياً بالخبر الخفي يقال: فلان يرمي بالكلام رمياً أي يتكلم من غير تدبر.

وكثيراً ما يقال رجم بالظن.

مكان قولهم ظن.

وقال المسلمون.

هم سبعة ثامنهم كلبهم.

قال العلماء: وهذا قول محقق عرفه المسلمون بأخبار رسول الله  عن لسان جبرائيل  .

والذي يدل عليه أمور منها ما روي عن علي  أنهم سبعة تقرأ أسماؤهم.

يمليخا ومكشلينيا ومشلينيا - هؤلاء أصحاب يمين الملك - وكان عن يساره مرنوس ودبرنوش وشادنوش.

وكان يستشير هؤلاء الستة في أمره، والسابع الراعي الذي وافقهم واسمه كفشططوش.

واسم مدينتهم أفسوس، واسم كلبهم قطمير.

وقيل ريان.

عن ابن عباس: أن أسماء أصحاب الكهف تصلح للطلب والهرب وإطفاء الحريق تكتب في خرقة ويرمى بها في وسط النار، ولبكاء الطفل تكتب وتوضع تحت رأسه في المهد، وللحرث تكتب على القرطاس.

وترفع على خشب منصوب في وسط الزرع، وللضربان وللحمى المثلثة والصداع الغنى والجاه.

والدخول على السلاطين تشد على الفخذ اليمنى، ولعسر الولادة تشد على فخذها الأيسر، ولحفظ المال والركوب في البحار والنجاة من القتل.

ومنها قول صاحب الكشاف إن الواو في قوله ﴿ وثامنهم ﴾ هي التي تدخل على الجملة والواقعة صفة للنكرة في قولك "جاءني رجل ومعه آخر" كما تدخل على الجملة الواقعة حالاً من المعرفة في قولك "مررت بزيد ومعه سيف" وفائدته توكيد لصوق الصفة بالموصوف والدلالة على أن اتصافه بها أمر ثابت مستقر لأن الواو مقتضاها الجمعية وكأنهم وصفوا بكونهم سبعة مرتين بخلاف القولين الأولين فإنهم وصفوا بما وصفوا مرة واحدة.

ولقائل أن يقول: إن العاطف لا يوسط بين الوصف والموصوف ألبتة لشدة الاتصال بينهما، ومقتضى الواو هو الحالة المتوسطة بين كمال الاتصال وكمال الانقطاع.

بل الواو للعطف عطف الجملة على الجملة وإما للحال وجاز لأنهم لم يسوغوا إذا الحال نكرة، لا مكان التباس الحال بالصفة في نحو قولك "رأيت رجلاً راكباً" وههنا الالتباس مرتفع لمكان الواو.

ومنها بعضهم إن الضمير في قوله: ﴿ ويقولون سبعة ﴾ لله تعالى والجمع للتعظيم.

ومنها قول ابن عباس حين وقعت الواو انقطعت العدّة أي لم تبق بعدها عدة عاد يلتفت إليها وثبت أنهم سبعة وثامنهم كلبهم على القطع والثبات.

ومنها أنه خص القولين الأولين بزيادة قوله: ﴿ رحيماً بالغيب ﴾ وتخصيص الشيء بالوصف يدل على أن الحال في الباقي بخلافه، فمن البعيد أن يذكر الله  جملة الأقوال الباطلة ولا يذكر الحق على أنه  منعه عن المناظرة معهم وعن الاستفتاء منهم في هذا الباب، وهذا المنع إنما يصح إذا علمه حكم هذه الواقعة.

وأيضاً الله  قال: ﴿ ما يعلمهم إلا قليل ﴾ ويبعد أن لا يحصل العلم بذلك للنبي  ويحصل لغير النبي  كعلي وابن عباس حسين قال: أنا من أولئك القليل.

وقد عرفت قولهما في هذا الباب.

وإذا حصل فالظاهر أنه حصل بهذا الوحي لأن الأصل فيما سواه العدم.

وقيل: الضمير في ﴿ سيقولون ﴾ لأهل الكتاب خاصة أي سيقول أهل الكتاب فيهم كذا وكذا ولا علم بذلك إلا في قليل منهم وقوله  في الموضعين الأخيرين و ﴿ يقولون ﴾ بغير السين لا ريب أنهما للاستقبال أيضاً إلا أن ذلك يحتمل أن يكون لأجل الصيغة التي تصلح له، وأن يكون لتقدير السين بحكم العطف كما تقول: قد أكرم وأنعم أي وقد أنعم.

أما فائدة تخصيص الواو في قوله: ﴿ وثامنهم ﴾ فقد عرفت آنفاً وقد يقال: إن لعدد السبعة عند العرب تداولاً على الألسنة في مظان المبالغة من ذلك قوله  : ﴿ إن تستغفر لهم سبعين مرة  ﴾ لأن هذا العدد سبعة عقودٍ، فإذا وصلوا إلى الثامنة ذكروا لفظاً يدل على الاستئناف كقوله في أبواب الجنة ﴿ وفتحت أبوابها  ﴾ وكقوله ﴿ ثيبات وأبكاراً  ﴾ وزيف القفال هذا الوجه بقوله  : ﴿ هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر  ﴾ وذلك لم يذكر الواو في النعت الثامن.

والانصاف أن هذا التزييف ليس في موضعه لأن وجود الواو هو الذي يفتقر إلى التوجيه، وأما عدمه فعلى الأصل وبين التوجيه والإيجاب بون بعيد، والقائل بصدد الأول دون الأخير.

ثم نهى نبيه  عن الجدال مع أهل الكتاب في شأن أصحاب الكهف ثم قال: ﴿ الأمراء ظاهراً ﴾ فقال جار الله: أي جد إلا غير متعمق فيه وهو أن تقص عليهم ما أوحى الله إليك فحسب ولا تزيد من غير تجهيل ولا تعنيف.

وقال في التفسير الكبير: المراد أن لا يكذبهم في تعيين ذلك العدد بل يقول هذا التعيين لا دليل عليه فوجب التوقف.

ثم نهاه عن الاستفتاء منهم في شأنهم لأن المفتي يجب أن يكون أعلم من المستفتي وههنا الأمر بالعكس ولا سيما في باب واقعة أصحاب الكهف كما بينا.

ولنذكر ههنا مسألة جواز الكرامات وما تتوقف هي عليه فنقول: الولي مشتق من الولي وهو القرب.

فقيل: "فعيل" بمعنى "فاعل" كعليم وقدير وذلك أنه توالت طاعاته من غير تخلل معصية.

وقيل: بمعنى "مفعول" كقتيل وذلك أن الحق  تولى حفظه وحراسته وقرب منه بالفضل والإحسان، فإذا ظهر فعل خارق للعادة على إنسان فإن كان مقروناً بدعوى الإلهية كما نقل أن فرعون كانت تظهر على يده الخوارق، وكما ينقل أن الدجال سيكون منه ذلك فهذا القسم جوزه الأشاعرة لأن شكله وخلقه يدل على كذبه فلا يفضي إلى التلبيس وإن كان مقروناً بدعوى النبوة.

فإن كان صادقاً وجب أن لا يحصل له المعارض، وإن كان كاذباً وجب.

ويمكن أن يقال: إن الكاذب يستحيل أن يظهر منه الفعل الخارق وإليه ذهب جمهور المعتزلة، وخالفهم أبو الحسين البصري وصاحبه محمود الخوارزمي وجوزا ظهور خوارق العادات على من كان مردوداً على طاعة الله وسموه بالاستدراج.

وقد يفرق بين النبي الصادق والساحر الخبيث بالدعاء إلى الخير والشر وإن كان مقروناً بدعوى الولاية فصاحبه هو الولي، ومن المحققين من لم يجوّز للولي دعوى الولاية لأنه مأمور بالإخفاء كما أن النبي مأمور بالإظهار.

ثم إن المعتزلة أنكروا كرامات الأولياء وأثبتها أهل السنة مستدلين بالقرآن والأخبار والآثار والمعقول.

أما القرآن فكقصة مريم ونبأ أصحاب الكهف.

قال القاضي: لا بد أن يكون في ذلك الزمان نبي تنسب إليه تلك الكرامات.

وأجيب في التفسير الكبير بأن إقدامهم على النوم أمر غير خارق للعادة حتى يجعل ذلك معجزة لأحد، وأما قيامهم من النوم بعد ثلثمائة سنة فهذا أيضاً لا يمكن جعله معجزة لأن الناس لا يصدقونهم في هذه الواقعة لأنهم لا يعرف كونهم صادقين في هذه الدعوى إلا إذا بقوا طول هذه المدة وعرفوا أن هؤلاء الذين جاؤا في هذا الوقت هم الذين ناموا قبل ذلك بثلثمائة وتسع سنين، وكل هذه الشرائط لم توجد فامتنع جعل هذه الواقعة معجزة لأحد من الأنبياء، فلم يبق إلا أن تجعل كرامة لهم.

ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يكون نفس بعثهم معجز النبي هذا الزمان؟

وأما أن ذلك البعث بعد نوم طويل فيعرف بأمارات أخر كما مر من حديث الدرهم وغيره.

وأما الأخبار فمنها ما أخرج في الصحاح عن أبي هريرة عن النبي  أنه قال: " لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة عيسى ابن مريم وصبي في زمان جريج وصبي آخر.

أما عيسى فقد عرفتموه، وأما جريج فكان رجلاً عابداً في بني إسرائيل وكانت له أم وكان يوماً يصلي إذ اشتاقت إليه أمه فقالت: يا جريج فقال: يا رب الصلاة خير أم رؤيتها ثم صلى.

فدعته ثانياً مثل ذلك حتى كان ذلك ثلاث مرار.

وكان يصلي ويدعها فاشتد ذلك على أمة فقالت: اللَّهم لا تمته حتى تريه المومسات.

وكانت في بني إسرائيل زانية فقالت لهم: أنا أفتن جريجاً حتى يزني فأتته فلم تقدر عليه شيئاً وكان هناك راع يأوى بالليل إلى أصل صومعته فأرادت الراعي على نفسها فأتاها فولدت غلاماً وقالت: ولدي هذا من جريج.

فأتاه بنو إسرائيل وكسروا صومعته وشتموه فصلى ودعا ثم نخس الغلام.

قال أبو هريرة: كأنى أنظر إلى النبي  حين قال بيده يا غلام من أبوك؟

فقال: فلان الراعي فندم القوم على ما كان منهم واعتذروا إليه وقالوا نبني صومعتك من ذهب وفضة فأبى عليهم وبناها كما كانت.

وأما الصبي الآخر فإن امرأة كانت معها صبي ترضعه إذ مر بها شاب جميل ذو شارة فقالت: اللَّهم اجعل ابني مثل هذا فقال الصبي: اللَّهم لا تجعلني مثله.

ثم مر بها امرأة ذكروا أنها سرقت وزنت وعوقبت فقالت: اللَّهم لا تجعل ابني مثل هذه.

فقال: اللَّهم اجعلني مثلها.

فقالت له أمه في ذلك فقال: إن الراكب جبار من الجبابرة وإن هذه قيل لها سرقت ولم تسرق وزنيت ولم تزن هي تقول حسبي الله" .

ومنها ما روي عن ابن عمر أن رسول الله  قال: " انطلق ثلاثة رهط ممن كان قبلكم فأواهم المبيت إلى غار فدخلوه فانحدرت صخرة من الجبل فسدّت عليهم الغار فقالوا إنه والله لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم فقال رجل منهم كان لي أبوان شيخان كبيران فكنت لا أغبق قبلهما فناما في ظل شجرة يوماً فلم أبرح عنهما وحلبت لهما غبوقهما فجئتهما به فوجدتهما نائمين فكرهت أن أوقظهما وكرهت أن أغبق قبلهما فقمت والقدح في يدي أنتظر استيقاظهما حتى ظهر الفجر فاستيقظا فشربا غبوقهما اللَّهم إن كنت فعلت هذا ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة فانفرجت انفراجاً لا يستطيعون الخروج منه.

ثم قال الآخر اللَّهم إنه كانت لي ابنة عم وكانت أحب الناس إليّ فأردتها عن نفسها فامتنعت حتى ألمت سنة من السنين فجاءتني وأعطيتها مالاً عظيماً على أن تخلي بيني وبين نفسها فلما قدرت عليها قالت لا آذن لك أن تفك الخاتم إلا بحقه فتحرجت من ذلك العمل وتركتها وتركت المال معها اللَّهم فإن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه.

فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها قال رسول الله  : ثم قال الثالث اللَّهم إني استأجرت أجراء أعطيتهم أجورهم غير رجل واحد منهم ترك الذي له وذهب فثمرت أجرته حتى كثرت منه الأموال فجاءني بعد حين فقال يا عبد الله أدّ إليّ أجرتي فقلت له كل ما ترى من الإبل والغنم والرقيق من أجرتك فقال يا عبد الله لاتستهزىء بي فقلت إني لا أستهزىء بأحد فأخذ ذلك كله اللَّهم إن كنت فعلته ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه فانفرجت الصخرة عن الغار فخرجوا يمشون" وهذا حديث صحيح متفق عليه.

ومنها قوله  : "رب أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره" .

ولم يفرق بين شيء وشيء فيما يقسم به على الله.

ومنها رواية سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي  قال: "بينا رجل يسوق بقرة قد حمل عليها إذا التفتت البقرة وقالت إني لم أخلق لهذا وإنما خلقت للحرث فقال الناس: سبحان الله!

فقال النبي  : آمنت بهذا أنا وأبو بكر وعمر" .

ومنها رواية أبي هريرة عن النبي  : "بينا رجل سمع رعداً أو صوتاً في السحاب أن اسق حديقة فلان قال فغدوت إلى تلك الحديقة فإذا رجل قائم فيها فقلت له: ما اسمك؟

قال: فلان ابن فلان.

فقلت: فما تصنع بحديقتك هذه إذا صرمتها؟

قال: ولم تسأل عن ذلك؟

قلت: لأني سمعت صوتاً في السحاب أن اسق حديقة فلان.

قال: أما إذ قلت فإني أجعلها أثلاثاً فأجعل لنفسي ولأهلي ثلثاً وأجعل للمساكين وأبناء السبيل ثلثاً وأنفق عليها ثلثاً" وأما الآثار فمن كرامات أبي بكر الصديق أنه لما حملت جنازته إلى باب قبر النبي  ونودي السلام عليك يا رسول الله هذا أبو بكر بالباب فإذا الباب قد فتح فإذا هاتف يهتف من القبر أدخلوا الحبيب إلى الحبيب.

ومن كرامات عمر ما روي أنه بعث جيشاً وأمر عليهم رجلاً يدعى سارية بن حصين.

فبينا عمر يوم الجمعة يخطب جعل يصيح في خطبته يا سارية الجبل الجبل.

قال علي بن أبي طالب  : وكتبت تاريخ هذه الكلمة.

فقدم رسول ذلك الجيش.

فقال: يا أمير المؤمنين غدونا يوم الجمعة في وقت الخطبة فدهمونا فإذا بإنسان يصيح يا سارية الجبل فأسندنا ظهورنا إلى الجبل فهزم الله الكفار وظفرنا بالغنائم العظيمة.

قال بعض العلماء: كان ذلك بالحقيقة معجزة للنبي  لأنه قال لأبي بكر وعمر: أنتما مني بمنزلة السمع والبصر.

فلما كان عمر بمنزلة البصر لا جرم قدر على رؤية الجيش من بعد.

ومنها ما روي أن نيل مصر كان في الجاهلية يقف في كل سنة مرة واحدة وكان لا يجري حتى يلقى فيه فيه جارية حسناء.

فلما جاء الإسلام كتب عمرو بن العاص بهذه الحالة إلى عمر.

فكتب عمر على الخزف: من عمر أمير المؤمنين إلى نيل مصر أما بعد فإن كنت تجري بأمرك فلا حاجة لنا فيك، وإن كنت تجري بأمر الله فاجر على بركة الله.

وأمر أن يلقى الخزف في النيل فجرى ولم يقف بعد ذلك.

ووقعت الزلزلة بالمدينة فضرب عمر الدرة على الأرض وقال: اسكني بإذن الله فسكنت.

ووقعت النار في بعض دورالمدينة فكتب عمر على خزفة: يا نار اسكني بإذن الله  فألقوها في النار فانطفأت في الحال.

ويروى أن رسول ملك الروم جاء إلى عمر وطلب داره فظن أن داره مثل قصور الملوك فقالوا: ليس له ذلك إنما هو في الصحراء يضرب اللبن.

فلما ذهب إلى الصحراء رأى عمر واضعاً درته تحت رأسه وهو نائم على التراب فتعجب الرسول من ذلك وقال في نفسه: أهل الشرق والغرب يخافون منه وهو على هذه الصفة فسل سيفه ليقتله فأخرج الله أسدين من الأرض فقصداه فخاف فألقى السيف فانتبه عمر وأسلم الرجل.

قال أهل السير: لم يتفق لأحد من أول عهد إلى الآن ما تيسر له فإنه مع غاية بعده عن التكلفات كيف قدر على تلك السياسات، ولا شك أن هذا من أعظم الكرامات.

وأما عثمان فعن أنس قال: مررت في طريق فوقعت عيني على امرأة ثم دخلت على عثمان فقال: ما لي أراكم تدخلون عليّ وآثار الزنا عليكم؟!

فقلت: أوحي نزل بعد رسول الله  ؟

فقال: لا ولكن فراسة صادقة.

وقيل: لما طعن بالسيف فأول قطرة سقطت من دمه سقطت على المصحف على قوله: ﴿ فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم  ﴾ .

ويروى أن جهجاهاً الغفاري انتزع العصا من يده وكسرها في ركبته فوقعت الآكلة في ركبته.

وأما علي صلوات الله عليه فيروى أن واحداً من أصحابه سرق وكان عبداً أسود فأتي به إلى علي  فقال: أسرقت؟

قال: نعم.

فقطع يده فانصرف من عند علي  فلقيه سلمان الفارسي وابن الكواء فقال ابن الكواء: من قطع يدك؟

قال: أمير المؤمنين ويعسوب المسلمين وختن الرسول وزوج البتول.

فقال: قطع يدك وتمدحه.

قال: ولم لا أمدحه وقد قطع يدي بحق وخلصني من النار.

فسمع سلمان ذلك فأخبر به علياً  فدعا الأسود ووضع يده على ساعده وغطاه بمنديل ودعا بدعوات، فسمعنا صوتاً من السماء ارفع الرداء عن اليد فرفعنا الرداء فإذا اليد كما كانت بإذن الله  .

وأما سائر الصحابة فعن محمد بن المنذر أنه قال: ركبت البحر فانكسرت السفينة التي كنت فيها فركبت لوحاً من ألواحها فطرحني اللوح في أجمة فيها أسد، فخرج إليّ أسد فقلت: يا أبا الحرث أنا مولى رسول الله  قال: فتقدم ودلني على الطريق ثم همهم فظننت أنه يودعني ورجع.

وروى ثابت عن أنس أن أسيد بن حضير ورجلاً آخر من الأنصار خرجاً من عند رسول الله  حين ذهب من الليل قطع، وكانت ليلة مظلمة وفي يد كل واحد منهما عصاه فأضاءت عصا أحدهما حتى مشيا في ضوئها، فلما افترقا أضاءت لكل واحد منهما عصاه حتى مشى في ضوئها وبلغ منزله.

وقيل لخالد بن الوليد إن في عسكرك من يشرب الخمر فركب فرسه ليلاً فطاف في العسكر فرأى رجلاً على فرس ومعه زق من خمر فقال: ما هذا؟

فقال: خل.

فقال خالد: اللَّهم اجعله خلاً.

فذهب الرجل إلى أصحابه وقال: أتيتكم بخمر ما شربت العرب مثلها.

فلما فتحوا فإذا هي خل.

فقالوا: والله ما جئتنا إلا بخل.

فقال: هذه والله دعوة خالد.

ومن الوقائع المشهورة أن خالد بن الوليد أكل كفاً من السم على اسم الله وما ضره.

وعن ابن عمر أنه كان في بعض أسفاره فلقي جماعة على طريق خائفين من السبع فطرد السبع عن طريقهم ثم قال: إنما يسلط على ابن آدم ما يخافه ولو أنه لم يخف غير الله لما سلط عليه شيء.

وروي أن النبي  بعث العلاء بن الحضرمي في غزاة فحال بينه وبين المطلوب قطعة من البحر فدعا باسم الله الأعظم فمشوا على الماء.

وفي كتب الصوفية من هذا الباب روايات كثيرة ولا سيما في كتاب تذكرة الأولياء ومن أرادها فليطالعها.

وأما المعقول فهو أن الرب حبيب العبد والعبد حبيب الرب لقوله ﴿ يحبهم ويحبونه  ﴾ فإذا بلغ العبد في طاعته مع عجزه إلى حيث يفعل كل ما أمره الله.

فأي بعد في أن يفعل الرب مع غاية قدرته وسعة جوده مرة واحدة ما يريد العبد.

وأيضاً لو امتنع إظهار الكرامة فذلك إما لأجل أن الله  ليس أهلاً له فذلك قدح في قدرته، وإما لأن المؤمن ليس أهلاً له وهو بعيد لأن معرفة الله والتوفيق على طاعته أشرف العطايا وأجزلها، وإذا لم يبخل الفياض بالأشرف فلأن لا يبخل بالأدون أولى ومن هنا قالت الحكماء: إن النفس إذا قويت بحسب قوتها العلمية والعملية تصرفت في أجسام العالم السفلي كما تتصرف في جسده.

قلت: وذلك أن النفس نور ولا يزال يتزايد نوريته وإشراقه بالمواظبة على العلم والعمل وفيضان الأنوار الإلهية عليه حتى ينبسط ويقوى على إنارة غيره والتصرف فيه، والوصول إلى مثل هذا المقام هو المعني بقول علي بن أبي طالب صلوات الله عليه.

والله ما قلعت باب خيبر بقوة جسدانية ولكن بقوة ربانية.

حجة المنكرين للكرامات أن ظهور الخوارق دليل على النبوة، فلو حصل لغير النبي لبطلت هذه الدلالة.

وأجيب بالفرق بين المعجز والكرامة بأن المعجز مقرون بدعوى النبوة والكرامة مقرونة بدعوى الولاية.

وأيضاً النبي يدعي المعجزة ويقطع بها.

والولي إذا ادعى الكرامة لا يقطع بها،وأيضاً أنه يجب نفي المعارضة عن المعجزة ولا يجب نفيها عن الكرامة.

جميع هذا عند من يجوّز للولي دعوى الولاية، وأما من لا يجوّز ذلك من حيث إن النبي مأمور بالإظهار لضرورة الدعوة والولي ليس كذلك ولكن إظهاره يوجب طلب الإشهار والفخر المنهي عنهما، فإنه يفرق بينهما بأن المعجز مسبوق بدعوى النبوة، والكرامة غير مسبوقة بشيء من الدعاوى قالوا: قال  حكاية عن الله  : "لن يتقرب إليّ المتقربون بمثل أداء ما افترضت عليهم" لكن المتقرب إلى الله بأداء الفرائض لا يحصل له شيء من الكرامات، فالمتقرب إليه بأداء النوافل أولى بأن لا يحصل له ذلك.

وأجيب بأن الكلام في المتقرب إليه بأداء الفرائض والنوافل جميعاً.

قالوا: قال  : ﴿ وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس  ﴾ فالقول بطيّ الأرض للأولياء طعن في الآية وطعن في محمد  حين لم يصل من المدينة إلى مكة إلا في أيام.

وأجيب بأن الآية وردت على ما هو المعهود المتعارف وكرامات الأولياء أحوال نادرة فتصير كالمستثناة من ذلك العموم، وإن محمداً  لم يكن قاصراً عن رتبة بعض الأولياء ولكنه لم يتفق له ذلك، أو لعله اتفق له في غير ذلك السفر قالوا: إذا ادعى الولي على إنسان درهماً فإن لم يطالبه بالبينة كان تاركاً لقوله: "البينة على المدعي." وإن طالبه كان عبثاً لأن ظهور الكرامة عليه دليل قاطع على أنه لا يكذب ومع الدليل القاطع لا يجوز العمل بالظن.

والجواب مثل ما مر من أن النادر لا يحكم به.

قالوا: لو جاز ظهور الكرامة على بعض الأولياء لجاز على كلهم، وإذا كثرت الكرامات انقلب خرق لعادة وفقاً لها.

وأجيب بأن المطيعين فيهم قلة لقوله  : ﴿ وقليل من عبادي الشكور  ﴾ والولي فيهم أعز من الكبريت الأحمر، واتفاق الكرامة للولي أيضاً على سبيل الندرة فكيف يصير ما يظهر عليه معتاداً؟!

في الفرق بين الكرامات والاستدراج هو أن يعطيه الله كل ما يريده في الدنيا ليزداد غيه وضلاله وقد يسمى مكراً وكيداً وضلالاً وإملاء، والفرق أن صاحب الكرامة لا يستأنس بها ولكنه يخاف سوء الخاتمة، وصاحب الاستدراج يسكن إلى ما أوتي ويشتغل به، وإنما كان الاستئناس بالكرامات قاطعاً للطريق لأنه حينئذ اعتقد أنه مستحق لذلك وأن له حقاً على الخالق فيعظم شأنه في عينه ويفتخر بها لا بالمكرم، ولا ريب أن الإعجاب مهلك ولهذا وقع إبليس فيما وقع، والعبد الصالح هو الذي يزداد تذللـه وتواضعه بين يدي مولاه بازدياد آثار الكرامة والولاية عليه، قرأ المقرئ في مجلس الأستاذ أبى علي الدقاق ﴿ إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه  ﴾ فقال: علامة رفع العمل أن لا يبقى منه في نظرك شيء، فإن بقي فهو غير مرفوع.

واختلف في أن الولي هل يعرف كونه ولياً؟.

قال الأستاذ أبو بكر بن فورك: لا يجوز لأن ذلك يوجب الأمن ﴿ ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون  ﴾ والأمن ينافي اعتقاد قهارية الله  ويقتضي زوال العبودية الموجب لسخط الله.

وكيف يأمن الولي وقد وصف الله عباده المخلصين بقوله: ﴿ ويدعوننا رغباً ورهباً  ﴾ وأيضاً إن طاعة العباد ومعاصيهم لا تؤثر في محبة الحق وعداوته لأنها محدثة متناهية وصفاته قديمة غير متناهية، والمحدث المتناهي لا يغلب القديم غير المتناهي.

فقد يكون العبد في عين المعصية ونصيبه في الأزل هو المحبة وقد يكون في عين الطاعة ونصيبه المبغضية، ولهذا لا يحصل الجزم بكيفية الخاتمة.

قيل: من هنا قال  : ﴿ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها  ﴾ ولم يقل من عمل حسنة.

ومن كانت محبته لا لعلة امتنع أن يصير عدوّاً لعلة المعصية وبالعكس، ومحبة الحق وعداوته من الأسرار التي لا يطلع عليها إلا الله أو من أطلعه عليها الله.

وقال الأستاذ أبو علي الدقاق وتلميذه أبو القاسم القشيري: إن للولاية ركنين: أحدهما انقياد للشريعة في الظاهر، والثاني كونه في الباطن مستغرقاً في نور الحقيقة فإذا حصل هذان الأمران وعرف الإنسان ذلك عرف لا محالة كونه ولياً، وعلامته أن يكون فرحه بطاعة الله واستئناسه بذكر الله.

قلت: لا ريب أن مداخل الأغلاط في هذا الباب كثيرة، ودون الوصول إلى عالم الربوبية حجب وأستار من نيران وأنوار، فالجزم بالولاية خطر والقضاء بالمحبة عسر والله  أعلم.

قال المفسرون: إن اليهود حين قالت لقريش: سلوا محمداً عن مسائل ثلاثة عن الروح وعن أصحاب الكهف وعن ذي القرنين فسألوهن قال  : "أجيبكم عنها غداً ولم يستثن فاحتبس الوحي عنه خمس عشرة ليلة." وقيل: أربعين يوماً ثم نزل قوله: ﴿ ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً ﴾ أي لأجل شيء تعزم عليه ليس فيه بيان أنه ماذا ﴿ إلا أن يشاء الله ﴾ فقال العلماء: إنه لا يمكن أن يكون من تمام قوله ﴿ إني فاعل ﴾ إذا يصير المعنى إلا أن يشاء الله أن لا أفعله أي إلا أن تعرض مشيئة الله دون فعله وهذا ليس منهياً عنه.

فالصواب أن يقال: إنه من تمام قوله: ﴿ ولا تقولن ﴾ ثم إن قدر المراد إلا أن يشاء الله أن تقول إني فاعل ذلك غداً أي فيما يستقبل من الزمان ولم يرد الغد بعينه.وقوله: ﴿ إلا أن يشاء الله ﴾ أن تقوله بأن يأذن لك في ذلك الإخبار كان معنى صحيحاً، ولكنه لا يكون موافقاً لسبب النزول.

فالمعنى الموافق هو أن يكون قوله هذا في موضع الحال أي لا تقولنه إلا متلبساً بأن يشاء الله يعني قائلاً إن شاء الله.

وهذا نهي تأديب لنبيه  لأن الإنسان إذا قال سأفعل الفعل الفلاني غداً لم يبعد أن يموت قبل مجيء الغد أو يعوقه عن ذلك عائق، فلو لم يقل إن شاء الله صار كاذباً في هذا الوعد والكذب منهي وجوز في الكشاف أن يكون ﴿ إن شاء الله ﴾ في معنى كلمة تأبيد كأنه قيل: ولا تقولنه أبداً.

قال أهل السنة: في صحة الاستثناء بل في وجوبه دلالة على أن إرادة الله  غالبة وإرادة العبد مغلوبة ويؤكده أنه إذا قال المديون القادر على أداء الدين: والله لأقضين هذا الدين غداً ثم قال: إن شاء الله فإذا جاء الغد ولم يقض لم يحنث بالاتفاق، وما ذاك إلا لأن الله ما شاء ذلك الفعل مع أنه أمره باداء الدين، وإنما لم يقع الطلاق في قول الرجل لامرأته: أنت طالق إن شاء الله، لأن مشيئة الله غير معلومة فيلزم الدور لتوقف العلم بالمشيئة على العلم بوقوع الطلاق وبالعكس.

واستدل القائلون بأن المعدوم شيء بقوله: ﴿ ولا تقولن لشيء ﴾ وذلك أن الشيء الذي سيفعله غداً معدوم مع أنه سماه شيئاً في الحال.

وأجيب بأنه مجاز كقوله: ﴿ أعصر خمراً  ﴾ ﴿ واذكر ربك ﴾ أي مشيئة ربك ﴿ إذا نسيت ﴾ كلمة الاستثناء.

ثم تنبهت لها، وللعلماء في مدة النسيان إلى الذكر خلاف، فعن ابن عباس: يستثني ولو بعد سنة ما لم يحنث.

وعن سعيد بن جبير: ولو بعد يوم أو أسبوع أو شهر أو سنة وهو قول ابن عباس بعينه.

وعن طاوس: هو استثناء ما دام في مجلسه.

وعن عطاء: يستثني على مقدار حلب ناقة غزيرة.

وعند عامة الفقهاء لا أثر له في الأحكام ما لم يكن موصولاً.

قالوا: إن الآيات الكثيرة دلت على وجوب الوفاء بالعهد والعقد فإذا أتى بالعهد وجب عليه الوفاء بمقتضاه خالفنا هذا الدليل فيما إذا كان الاستثناء متصلاً بناء على أن المستثنى منه مع الاستثناء وأداته كالكلام الواحد، فإذا كان منفصلاً لم يمكن هذا التوجيه فوجب الرجوع إلى أصل الدليل.

وقيل: أراد واذكر ربك بالتسبيح والاستغفار إذا نسيت كلمة الاستثناء، وفيه بعث على الاهتمام بها.

وقيل: اذكر إذا اعتراك النسيان في بعض الأمور لتذكر المنسي، أو اذكره إذا تركت بعض ما أمرك به ليس لهذين القولين شديد ارتباط بما قيل، وكذا قوله من حمله على أداء الصلاة المنسية عند ذكرها.

واختلفوا في المشار إليه بقوله: ﴿ لأقرب من هذا ﴾ الظاهر عند صاحب الكشاف أن المراد إذا نسيت شيئاً فاذكر ربك، وذكر ربك عند نسيانه أن تقول: عسى ربي أن يهديني لشيء آخر بدل هذا المنسي أقرب منه ﴿ رشداً ﴾ وأدنى خيراً ومنفعة.

وقيل: إن ترك قوله "إن شاء الله" ليس بحسن وذكره أحسن.

فقوله "هذا" إشارة إلى الترك وأقرب منه ذكر هذه الكلمة، وقيل: إنه إشارة إلى نبأ أصحاب الكهف ومعناه لعل الله يؤتيني من البينات والحجج على أني صادق ما هو أعظم في الدلالة وأقرب رشداً من نبئهم، وقد فعل ذلك حيث آتاه من قصص الأنبياء والأخبار بالمغيبات ما هو أعظم وأدل.

عن قتادة.

أن قوله  : ﴿ ولبثوا في كهفهم ﴾ حكاية لأهل الكتاب و ﴿ قل الله أعلم بما لبثوا ﴾ رد عليه ويؤيده قراءة عبد الله ﴿ وقالوا لبثوا ﴾ والجمهور على أنه بيان لما أجمل في قوله: ﴿ فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عدداً ﴾ والمراد من قوله ﴿ قل الله أعلم ﴾ أن لا تتجاوزوا الحق الذي أخبر الله به ولا تلتفتوا إلى ما سواه من اختلافات أهل الأديان نظيره قوله: ﴿ قل ربي أعلم بعدّتهم ﴾ بعد قوله: ﴿ سبعة وثامنهم كلبهم ﴾ قال النحويون: سنين عطف بيان لثلثمائة لأن مميز مائة وأخواتها مجرور مفرد.

وقيل: فيه تقديم وتأخير أي لبثوا سنين ثلثمائة.

ومن قرأ بالإضافة فعلى وضع الجميع موضع الجميع موضع الواحد في التمييز كما مر في قوله: ﴿ وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطاً أمماً  ﴾ قوله: ﴿ وازدادوا تسعاً ﴾ أي تسع سنين لدلالة لما قبله عليه دون أن يقول "ولبثوا ثلثمائة سنة وتسع سنين".

فعن الزجاج المراد ثلثمائة بحساب السنين الشمسية وثلثمائة وتسع بالسنين القمرية وهذا شيء تقريبي.

وقيل: إنهم لما استكملوا ثلثمائة سنة قرب أمرهم من الانتباه.

ثم اتفق ما أوجب بقاءهم في النوم بعد ذلك تسع سنين، ثم أكد قوله: ﴿ الله أعلم بما لبثوا ﴾ بقوله: ﴿ له غيب السموات والأرض ﴾ أي ليس لغيره ما خفى فيهما من أحوالهما وأحوال سكانهما وهو مختص بذلك.

ثم زاد في المبالغة فجاء بما دل على التعجب من إدراكه للمبصرات والمسموعات.

والضمير في قوله: ﴿ مالهم ﴾ لأهل السموات والأرض.

وفيه بيان لكمال قدرته وأن الكل تحت قهره وتسخيره وأنه لا يتولى أمورهم غيره ﴿ ولا يشرك في حكمه ﴾ وقضائه قبل أصحاب الكهف ﴿ أحداً ﴾ منهم ومن قرأ ﴿ لا نشرك ﴾ على النهي فهو عطف معطوف على ﴿ لا تقولن ﴾ والمراد أنه لا يسأل أحداً عما أخبره الله به من نبأ أصحاب الكهف.

واقتصر على بيانه.

وقيل: الضمير في مالهم لأصحاب الكهف أي أنه هو الذي حفظهم في ذلك النوم الطويل وتولى أمرهم.

وقيل: ليس للمختلفين في مدة لبثهم من دون الله من يتولى أمورهم فكيف يعلمون هذه الواقعة من دون إعلامه؟!

وقيل: فيه نوع تهديد لأنهم لما ذكروا في هذا الباب أقوالاً على خلاف قول الله فقد استوجبوا العقاب فبين الله  أنه: ﴿ ليس لهم من دونه ولي ﴾ يمنع العقاب عنهم.

واعلم أن الناس اختلفوا في زمان لبث أصحاب الكهف في مكانهم فقيل: كانوا قبل موسى  وأنه ذكرهم في التوراة فلهذا سألت اليهود ما سألوا وقيل: دخلوا الكهف قبل المسيح وأخبروه بخبرهم ثم لبثوا في الوقت الذي بين عيسى ومحمد عليهما السلام.

وحكى القفال عن محمد بن إسحق أنهم دخلوا كهفهم بعد عيسى.

وقيل: إنهم لم يموتوا ولا يموتون إلى يوم القيامة.

وذكر أبو علي بن سينا في باب الزمان من كتاب الشفاء إن أرسطا طاليس الحكيم زعم أنه عرض لقوم من المتألهين حالة شبيهة بحالة أصحاب الكهف ثم قال أبو علي: ويدل التاريخ على أنهم كانوا قبل أصحاب الكهف.

وأما المكان فحكى القفال عن محمد بن موسى الخوارزمي المنجم أن الواثق أنفذه إلى ملك الروم ليعرف أحوال أصحاب الكهف، فوجهه مع طائفة إلى ذلك الموضع قال: وإن الرجل الموكل بذلك المقام فزعني من الدخول عليهم، فدخلت فرأيت الشعور على صدورهم فعرفت أنه تمويه واحتيال وأن الناس كانوا قد عالجوا تلك الجثث بالأدوية المجففة الحافظة لأبدان الموتى عن البلى كالصبر وغيره.

قلت: حين لم يملأ الخوارزمي رعباً من الاطلاع عليهم حصل القطع بأنهم ليسوا أصحاب الكهف والرقيم، ولو صح ما حكينا عن معاوية حين غزا الروم حصل ظن غالب بأنهم منهم والله  أعلم.

التأويل: ﴿ الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ﴾ والعبد الحقيقي من يكون حراً عن الكونين وهو محمد  إذ يقول: "أمتي أمتي" يوم يقول كل نبي " نفسي نفسي"، ولأنه هو الذي صحح نسبة العبودية كما ينبغي أطلق عليه اسم العبد مطلقاً وقيد لسائر الأنبياء كما قال: ﴿ عبده زكريا  ﴾ ، ﴿ واذكر عبدنا داود  ﴾ ، ولأنه كان خلقه القرآن قيل: ﴿ ولم يجعل له ﴾ أي لقلبه ﴿ عوجاً ﴾ لا يستقيم فيه القرآن، ومن استقامة قلبه نال ليلة المعراج رتبة ﴿ فأوحى إلى عبده ما أوحى  ﴾ بلا واسطة جبرائيل، ونال قلبه الاستقامة بأمر التكوين بقوله: ﴿ فاستقم كما أمرت  ﴾ ﴿ أجراً حسناً ﴾ .

هو التمتع من حسن الله وجماله.

﴿ لعلك باخع نفسك ﴾ كان من عادته عليه الصلاة والسلام أن يبالغ في المأمور به حتى ينهى عنه، بالغ في الدعوة والشفقة على أمته حتى قيل له لا تبخع نفسك، وبالغ في الإنفاق إلى أن أعطى قميصه فقعد عرياناً فنهى عنه بقوله: ﴿ ولا تبسطها كل البسط  ﴾ ﴿ إنا جعلنا ما على الأرض زينة ﴾ أي زينا الدنيا وشهواتها للخلق ملائماً لطبائعهم وجعلناها محل ابتلاء للمحب وللسائل ﴿ لنبلوهم أيهم أحسن عملاً ﴾ في تركها ومخالفة هوى نفسه طلباً لله ومرضاته.

ثم أخبر عن سعادة السادة الذين أعرضوا عن الدنيا وأقبلوا على المولى بقوله: ﴿ أم حسبت ﴾ ومعناه لا تعجب من حالهم فإن في أمتك من هو أعجب حالاً منهم، ففيهم أصحاب الخلوات الذين كهفهم بيت الخلوة، ورقيمهم قلوبهم المرقومة برقم المحبة فإنهم أووا إلى الكهف خوفاً من لقاء دقيانوس وفراراً منه، فهؤلاء أووا إلى الخلوة شوقاً إلى لقائي وفراراً إليّ.

وإنهم طلبوا النجاة من شر.

والخروج من الغار بالسلامة بقولهم ﴿ ربنا آتنا ﴾ الآية.

فهؤلاء طلبوا الخلاص من شر نفوسهم والخروج من ظلمات الغار المجازي للوصول إلى نور الوجود الحقيقي.

﴿ فضربنا ﴾ على آذان باطنه وحواسهم الآخر في مدة الخلوة لمحو النقوش الفاسدة عن ألواح نفوسهم وانتقاشها بالعلوم الدينية والأنوار الإلهية ليفنيهم الله عنهم ويبقيهم به وهو سر قوله: ﴿ ثم بعثناهم ﴾ أي أحييناهم بنا ﴿ لنعلم أي الحزبين ﴾ أصحاب الخلوة أم أصحاب السلوة: ﴿ أحصى ﴾ أي أكثر فائدة وأتم عائدة لأمد لبثهم في الدنيا التي هي مزرعة الآخرة ﴿ وزدناهم هدى ﴾ فإنهم كانوا يريدون الإيمان الغيبي فأنمناهم ﴿ ثم بعثناهم ﴾ حتى صار الإيمان إيقاناً والغيب عياناً ﴿ اتخذوا من دونه آلهة ﴾ من الدنيا والهوى.

﴿ وترى الشمس إذا طلعت ﴾ قال الشيخ المحقق نجم الدين.

المعروف: بداية هذا أخبار من أصناف ألطافه بأضيافه، وفيه إشارة إلى أن نور ولايتهم يغلب نور الشمس ويرده عن الكهف كما يغلب نور المؤمن نار جهنم لقول  : "إن المؤمن إذا ورد النار تستغيث النار وتقول: حزباً مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي" ﴿ وهم في فجوة منه ﴾ في متسع وفراغ من ذلك النور يدفع عنهم كل ضر ويراعيهم عن بلى أجسادهم وثيابهم.

قلت: يحتمل أن يراد أن شمس الروح أو المعرفة والولاية إذا طلعت من أفق الهداية وأشرقت في سماء الواردات - وهو حالة السكر وغلبات الوجد - لا تنصرف في حال خلوتهم إلى أمر يتعلق بالعقبى وهو جانب اليمين ﴿ وإذا غربت ﴾ أي سكنت تلك الغلبات وظهرت حالة الصحو لا تلتفت همم أرواحهم إلى أمر يتعلق بالدنيا وهو جانب الشمال، بل تنحرف عن الجهتين إلى المولى وهم في حال دفاع وفراغ ما يشغلهم عن الله ﴿ وتحسبهم إيقاظاً ﴾ متصرفين في أمور الدنيا ﴿ وهم رقود ﴾ عنها لأنهم يتصرفون فيها لأجل الحق لا لحظ النفس، أو تحسبهم أيقاظاً مشغولين بأمور الآخرة لأن الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا، وهم رقود متصرفون في أمور الدنيا لأن الناس بهم يرزقون ويمطرون.

وفي قوله: ﴿ ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال ﴾ إشارة إلى أنهم في التسليم لمقلب القلوب في الأحوال كلها كالميت بين يدي الغسال.

قيل: في الآية دلالة على أن المريد الذي يربيه الله بلا واسطة المشايخ تكامل أمره في ثلثمائة وتسع سنين، والذي يربيه بواسطتهم تم أمره في أربعينات معدودة ولهذا تكون ثمرة البساتين الزهر وثمرة الجبال وفي قوله: ﴿ وكلبهم باسط ﴾ إشارة أن أكلب نفوسهم نائمة معطلة عن الأعمال بها.

ربيت القلوب والأرواح معنى أن هذا النوع من التربية من قبيل القدرة الإلهية التي اختصهم بها، ويمكن أن يراد أن نفوسهم صارت بحيث تطيعهم في جميع الأحوال وتحرسهم عما يضرهم ﴿ ولملئت منهم رعباً ﴾ بما شاهدت عليهم من آثار الأنوار التي زدناهم، ولجلاليب الهيبة والعظمة التي ألبسناهم ﴿ لبثنا يوماً أو بعض يوم ﴾ لأن أيام الوصال قصيرة، فما رأوا أنهم في دهشة الوصال وحياة الأحوال ﴿ قالوا ربكم أعلم بما لبثتم ﴾ لأنه كان حاضراً معكم وأنتم غيب عنكم ﴿ فابعثوا أحدكم ﴾ من العجب أنهم ما احتاجوا مدة ثلثمائة وتسع سنين بما نالوا من غذاء الروح كقوله  : "أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني" .

فلما رجعوا من عند الله الحق إلى عبدية أنفسهم احتاجوا إلى الغذاء الجسماني ﴿ أزكى طعاماً ﴾ لما رجعوا إلى العالم الجسماني، تعللوا من جمال الله بمشاهدة كل جميل وتوسلوا إلى تلك الملاطفات بلطافة الأغذية الجسمانية وزكائها.

﴿ ولا يشعرنّ بكم أحد ﴾ فيه أن أرباب المعرفة والمحبة يجب أن يحترزوا عن شعور أهل الغفلة والسلوة ﴿ ليعلموا أن وعد الله حق ﴾ بإحياء القلوب الميتة حق قدره، الأمر فيما أظهر وأبدى أو أسر وأخفى.

﴿ سيقولون ﴾ أن القوى والأركان الأصلية للإنسان ﴿ ثلاثة ﴾ الحيوانية والطبيعية والنفسانية التي منشؤهن القلب والكبد والدماغ.

﴿ رابعهم كلبهم ﴾ هو النفس الناطقة.

﴿ ويقولون خمسة ﴾ هو الحواس الظاهرة ﴿ سادسهم ﴾ النفس ﴿ ويقولون سبعة ﴾ هو الحواس الظاهرة مع الوهم المدرك للمعاني والخيال المدرك للصور ﴿ وثامنهم كلبهم ﴾ هو النفس المدرك للكليات ﴿ قل ربي أعلم بعدتهم ﴾ لأن القوى الباطنة والظاهرة وأفاعيلها وغاياتها لا يعلمهن إلا الله  ومن أطلعه الله عليه وذلك قوله: ﴿ ما يعلمهم إلا قليل ﴾ والله أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله  : ﴿ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَابَ ﴾ : تأويل الحمد هاهنا وفي أمثاله - والله أعلم - أي: حق الحمد للذي منه وصلت إلى كل أحد نعمة أي: أنها وصلت على أيدي من وصلت إلى كل من وصلت فإن حق الحمد والثناء له في تلك النعمة وإن حمد من دونه؛ إذ منه ذلك، لا من الذي وصلت على يده، وأن الذي وصلت على يديه كالمستعمل له؛ فحق الحمد والثناء له لا من دونه.

أو أن يكون قوله: ﴿ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ أي: قولوا: له الحمد والثناء؛ لأنه في جميع ما ذكر الحمد له ألحق به شيئاً: إمّا قدرته وسلطانه، وإما نعمه التي أنعم على الخلق كقوله: ﴿ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ...

﴾ الآية [الأنعام: 1].

و ﴿ ٱلْحَمْدُ للَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ...

﴾ الآية [فاطر: 1] و ﴿ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً  ﴾ .

وقوله: ﴿ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَابَ ﴾ ونحوه.

ما ذكر الحمد لنفسه والثناء إلا ذكر على أثره ما قدرته وسلطانه.

وأما نعمه، فما كان المذكور على أثره النعمة فهو يستأدي به شكره وحمده.

وإن كان الملحق به القدرة والسلطان فيخرج القول منه مخرج الأمر بالتعظيم له والهيبة والإجلال، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا * قَيِّماً ﴾ أي: لم يجعله عوجاً، ويجوز زيادة اللام في مثله؛ كقوله: ﴿ رَدِفَ لَكُم  ﴾ ، وردفكم؛ هذا جائز في اللغة ثم قوله: ﴿ أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا * قَيِّماً ﴾ أي: لم يجعله عوجاً، وهو يخرج على وجهين: أحدهما: على التقديم والتأخير على ما قاله أهل التأويل، أي: أنزل على عبده الكتاب قيماً ولم يجعله عوجاً.

والثاني: على زيادة (بل) كأنه قال: (أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً بل جعله قيماً)؛ على أحد هذين الوجهين يخرج والله أعلم.

ثم قوله: ﴿ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا * قَيِّماً ﴾ إذا لم يكن عوجاً كان قيماً، وإذا كان قيماً كان غير عوج، في كل واحد من الحرفين معنى الآخر، إلا أن من عادة العرب تكرار الكلام وإعادته على التأكيد، كقوله: ﴿ مُحْصَنَٰتٍ غَيْرَ مُسَٰفِحَٰتٍ  ﴾ وإذا كن مسافحات لم يكن محصنات، حرفان مؤديان معنى واحداً، إلا أنه كرّر، لما ذكرنا [أن] من عادة العرب التكرار، وكذلك ما ذكر: ﴿ لِّيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً ﴾ البأس: هو الشديد، والشديد هو البأس، هما واحد، فعلى ذلك الأول.

ثم اختلف في قوله ﴿ قَيِّماً ﴾ قال بعضهم: القيم: هو الشاهد، أي: القيم على الكتب المتقدمة، والشاهد عليها في الزيادة والنقصان، وفي التغيير والتحريف يبين ما زادوا فيها، وما نقصوا وما حرفوه، وما غيروه، كقوله: ﴿ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ...

﴾ الآية [البقرة: 79].

وقوله: ﴿ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً...

﴾ الآية [آل عمران: 78] كانوا يحرفون نظمه ورصفه، ومنهم من كان يحرف أحكامه وشرائعه؛ فهذا القرآن شاهد، وقيم في بيان ما فعلوا.

وقال بعضهم قوله: ﴿ قَيِّماً ﴾ أي: ثابتاً قائماً أبداً لا يبدّل، ولا يغير، ولا ينسخ ولا يزداد، ولا ينقص، وهو على ما وصفه ﴿ لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ...

﴾ الآية [فصلت: 42].

وهو على ما وصف الحق بالثبات والقيام والباطل بالذهاب والتلاشي ﴿ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَاطِلَ...

﴾ الآية [الرعد: 17] وما وصف الكلمة الطيبة بالثبات والقيام لها، والخبيثة بالزوال والتغيير والذهاب فعلى ذلك هذا القرآن، لأنه حق.

وقال بعضهم: ﴿ قَيِّماً ﴾ ، أي: مستقيماً، وتأويل المستقيم: المستوي الموافق، أي: يصدق بعضه بعضاً، ويوافق أوله آخره، وآخره أوله، أي: لم يخرج مختلفاً، وهو على ما قال: ﴿ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً  ﴾ ، ولو كان من عند غير الله على ما قال أولئك الكفرة، لكان خرج مختلفاً متناقضاً، ينقض أوله آخره، وآخره أوله، فإذا لم يكن دل أنه من عند الله نزل، ولو كان على ما يقولون أصحاب العموم والظاهر أيضاً لم يكن قيماً ولا مستقيماً، بل يخرج مختلفاً متناقضاً؛ لأنهم يعتقدون على العموم والظاهر، ثم يخصّون بدليل، فهو مختلف، وأصله قيم بالحجج والبراهين على أي تأويل كان، وبالله التوفيق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِّيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً ﴾ : أي: أنزله على عبده، لينذركم بأساً شديداً، أي: لينذر ببأس شديد، والبأس: العذاب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مِّن لَّدُنْهُ ﴾ .

هذا يحتمل وجهين: أحدهما: أنزل على عبده الكتاب من لدنه، أي: من عنده.

والثاني: لينذركم الكفار بأساً شديداً ينزل من عنده، والله أعلم.

وقوله: - عز وجل - ﴿ وَيُبَشِّرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّالِحَاتِ ﴾ .

فيه دلالة: أنه قد يكون المؤمنون يستحقون اسم الإيمان، وإن لم يعملوا الصالحات، حيث ذكر المؤمنين، ثم ذكر الأعمال الصالحات، خص المؤمنين بعمل الصالحات، لكن البشارة المطلقة إنما تكون للمؤمنين الذين عملوا الصالحات؛ لأنه لم يذكر البشارة المطلقة في جميع القرآن إلا للمؤمنين الذين عملوا الصالحات، ثم المؤمنون الذين عملوا غير الصالحات في مشيئة الله: إن شاء عفا عنهم، وإن شاء عذبهم بقدر عملهم الذي كانوا عملوا، وإن شاء قابل سيئاتهم بحسناتهم فإن فضلت حسناتهم على سيئاتهم، بدل سيئاتهم حسنات على ما أخبر: ﴿ فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ...

 ﴾ هم في مشيئة الله على ما ذكر، وليست لهم البشارة المطلقة التي للمؤمنين الذين عملوا الصالحات.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً ﴾ : لا سوء فيه ولا قبح.

وقوله: ﴿ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً ﴾ دون قوله: ﴿ ...لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً  ﴾ ، ﴿ كَبِيراً  ﴾ في الذكر لكنه صار مثله بقوله: ﴿ مَّاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً ﴾ لا يخرجون منه أبداً، وهم مقيمون فيه.

ثم يحتمل وجهين: أحدهما: ﴿ مَّاكِثِينَ فِيهِ ﴾ ، أي: لا تأخذهم سآمة ولا ملالة فيه؛ فيريدون التحول منه إلى غير؛ على ما يكون في الشاهد: أنه يسأم المرء ويمل من طعامٍ - وإن كان رفيعاً - ويرغب فيما دونه، وهو ما قال: ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً ﴾ .

والثاني: ﴿ مَّاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً ﴾ ؛ لأن خوف الخروج والزوال عن النعمة ينقص النعمة على صاحبها، وهو ما قال ﴿ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً  ﴾ ؛ وقال: ﴿ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُنْذِرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً * مَّا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ ﴾ : هذا يحتمل وجهين: أحدهما: أي: يعلمون أنه لم يتخذ ولداً، ولكن يقولون ذلك على العلم منهم كذباً وزوراً؛ كقوله: ﴿ وَتَدْعُونَنِيۤ إِلَى ٱلنَّارِ  تَدْعُونَنِي لأَكْـفُرَ بِٱللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ  ﴾ أي: أشرك ما أعلم منه: ليس هو لشريك له، وكقوله: ﴿ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ ٱللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ  ﴾ ، أي: أتنبئون الله بما لا يعلم أنه ليس على ما تقولون.

والثاني: يحتمل قوله: ﴿ مَّا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ ﴾ ، أي: عن جهلهم يقولون ما يقولون من الولد والشريك لا عن علم؛ تقليداً لآبائهم؛ لأنهم ليسوا بأهل كتاب يعرفون به، ولا كانوا يؤمنون بالرسل، وأسباب العلم هذان: الكتاب والرسل، فما قالوا إنما قالوا عن جهل لا عن علم، وكذلك آباؤهم، فإن كان على هذا، ففيه دلالة أن من قال شيئاً عن جهل فإنه يؤاخذ به حيث قال: ﴿ وَيُنْذِرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ...

﴾ الآية.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ﴾ .

أي: كبرت وعظمت تلك الكلمة التي قالوها على من عرف الله حق المعرفة حتى كادت السماوات والأرض أن تنشق؛ لعظم ما قالوا في الله كقوله: ﴿ تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ...

﴾ الآية [مريم: 90].

وقوله: ﴿ إِن يَقُولُونَ ﴾ : أي: ما يقولون إلا كذباً، ثم تكلم أهل الأدب في نصب ﴿ كَلِمَةً ﴾ .

قال بعضهم: انتصب على المصدر، أي: كبرت كلمتهم التي قالوها كلمة؛ كقوله: ﴿ وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيماً  ﴾ .

وقال قطرب: هو على الوصف؛ كما يقال: بئس رجلاً، ونعم رجلاً؛ على الوصف به، وذلك جائز في اللغة فعلى ذلك هذا.

وقال الخليل: إنما انتصب، لأنها نعت لاسم مضمر معرفة، وهو بمنزلة قوله: ﴿ سَآءَ مَثَلاً  ﴾ وإنما كان نعتاً لاسم مضمر؛ لأنه قال: ﴿ وَيُنْذِرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً ﴾ ، فهذا القول هو فرية، فتأويله: كبرت الفرية كلمة.

وقد قيل: كبرت المقالة كلمة، وهو ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله: - عز وجل - ﴿ تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ﴾ : أي: كبرت [كلمة]: تكلموا بها.

أو يقول: كبرت كلمة تتكلمونها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ ﴾ .

وقال في آية أخرى: ﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ  ﴾ ، أخبر أنه فاعل ما ذكر، ولم يقل له، افعل أو لا تفعل في هذا، فيشبه أن يكون النهي ما ذكر في آية أخرى، وهو قوله: ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ  ﴾ ؛ ولهذا قال بعض الناس: إن في قوله: ﴿ فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ ﴾ .

نهيا عن الحزن عليهم.

وعندنا: ليس يخرج على النهي، ولكن على التسلي والسلوة.

ثم اختلف في قوله: ﴿ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفاً ﴾ : في الأسف.

قال بعضهم: الأسف: هو النهاية في الغضب؛ كقوله: ﴿ فَلَمَّآ آسَفُونَا ٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ  ﴾ قال أهل التأويل: ﴿ آسَفُونَا ﴾ أغضبونا.

وقال بعضهم: الأسف: هو النهاية في الحزن، كقوله: ﴿ يَٰأَسَفَىٰ عَلَى يُوسُفَ  ﴾ ، أي: يا حزني.

ويحتمل أن يكون منه الحزن؛ إشفاقاً عليهم أن تتلف أنفسهم في النار بتركهم الإيمان، أو كانت نفسه تغضب عليهم؛ بتركهم الإجابة، والقول في الله  على ما قالوا فيه، وكلاهما يجوزان، إذا كان ذلك لله كادت نفسه أن تتلف حزناً عليهم؛ إشفاقاً منهم، أو كادت تتلف غضباً عليهم، وفيه دلالة أنه لم يكن يقاتل الكفرة، للقتل والتلف، ولكن كان يقاتلهم؛ ليسلموا حيث كادت نفسه تتلف؛ إشفاقاً عليهم منه؛ فلا يحتمل أن يكون يقاتلهم للقتل وفي القتل ترك الشفقة، ولكن كان يقاتلهم، ليضطرهم القتال إلى الإسلام، فيسلموا فلا يهلكوا، وفيه تذكير للمسلمين وتنبيه لهم من وجهين: أحدهما: ما أخبر عن عظيم محل الذنوب في قلبه، فلعل ذلك يؤذيه، فيلحقهم اللعن؛ كقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ...

﴾ الآية [الأحزاب: 57] وفي ذلك زجر عن ارتكاب ما يسوءه، ويؤذيه.

والثاني: تعليم منه لأمته: أن كيف يعامل الكفرة وأهل المناكير منهم، يقاتلون في الظاهر، ويضمرون الشفقة لهم في القلب على ما فعل بهم رسول الله، وعاملهم.

وقوله: ﴿ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ ﴾ سمى القرآن: حديثاً، وهو ما قال: ﴿ ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ...

 ﴾ سماه بأسامٍ: قصصاً، وحديثاً، وذكراً، وروحاً، وأمثاله.

والنهاية في الحزن والغضب للأنبياء، أنفسهم تقوم لهذين، وأما غيرهم من الخلائق، فلا تحتمل أنفسهم إلا لأحدهما إذا كان الحزن؛ ذهب الغضب وإذا جاء الغضب ذهب الحزن؛ فالأنبياء هم المخصوصون بهذا.

وقوله: - عز وجل - ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلأَرْضِ زِينَةً لَّهَا ﴾ : اختلف فيما أخبر أنه جعل للأرض زينة: قال بعضهم: كل ما على وجه الأرض من النبات والشجر والإنسان وغيره هو زينة لها ﴿ لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾ ، فإن كان التأويل على هذا فيكون قوله: ﴿ وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً ﴾ القيامة، يعني: جميع ما على وجه الأرض فتبقى قاعاً صفصفاً، وذلك إخبار عن القيامة.

وقال بعضهم: ﴿ زِينَةً لَّهَا ﴾ : هو النبات الذي عليها، وما جعل لهم من الرزق؛ ليبلوهم بما جعل لهم من الأرزاق بالأمر والنهي والعبادات وغيره، لم يجعل ذلك النبات عليها وتلك الأرزاق مجاناً، ولكن ليختبرهم ويبتليهم بأنواع الامتحان، فإذا كان كذلك ففيه دلالة: أن ليس لأحد أن يتناول مما عليها إلا بإذن، ولا يقدم على شيء منها إلا بأمر من أربابها.

وقال أبو بكر عبد الرحمن بن كيسان: زينة لها: أهلها، جعل ذلك، ليبلوهم، ذكر هاهنا: أنه جعل ما على الأرض؛ ليبلوهم أيهم أحسن عملاً.

وقال في آية أخرى: ﴿ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً  ﴾ ثم من الناس من يجمع بين الآيتين، فيقول: جعل الحياة للابتلاء والموت للجزاء؛ فيستدل على ذلك بقوله: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾ .

أخبر: أنه يبلوهم بالزينة والحياة لا بالضيق والموات.

ومنهم من يقول: امتحنهم بهما جميعاً بالحياة؛ ليتزودا فيها لما بعد الموت؛ كما يتزود في حال السعة والرخاء لحال الضيق والشدة فمن لم يتزود في حال السعة فلا زاد له في حال الضيق؛ فعلى ذلك من لم يتزود في الحياة فلا زاد له بعد الموت.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً ﴾ : أي: نبتليهم ونختبرهم أيضاً بذهاب النبات والأنزال وتأويله: أن يبتليهم بالرخاء والسعة وبالضيق والشدة، كقوله: ﴿ وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ...

﴾ الآية [البقرة: 155].

وقوله: ﴿ وَبَلَوْنَاهُمْ بِٱلْحَسَنَاتِ وَٱلسَّيِّئَاتِ  ﴾ ونحوه، فعلى ذلك قوله: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً * وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً ﴾ والله أعلم.

أي: نبتليهم بالسعة والرخاء والضيق والشدة.

وقال القتبي: ﴿ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ ﴾ ، أي: مهلك نفسك.

وقال أبو عوسجة: ﴿ بَاخِعٌ ﴾ : بخع نفسه، أي: أخرجها.

وقالا جميعاً: الأسف: الحزن.

وقال غيرهما: الأسف: الغضب أيضاً، دليله قوله: ﴿ فَلَمَّآ آسَفُونَا ٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ  ﴾ أي: أغضبونا.

وقال القتبي: الصعيد: المستوي، ويقال: وجه الأرض، ومنه قيل للتراب: صعيد؛ لأنه وجه الأرض، والجرز: الأرض التي لا تنبت شيئاً، يقال: أرض جرز، وأرضون أجراز، وكذلك قال أبو عوسجة: والجرز: التي لا نبت فيها، والصعيد: التراب.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

بل جعله مستقيمًا لا تناقض فيه ولا اختلاف؛ ليخوّف الكافرين من عذاب قوي من عند الله ينتظرهم، ويخبر المؤمنين الذين يعملون الأعمال الصالحات بما يسرهم أن لهم ثوابًا حسنًا لا يدانيه ثواب.

<div class="verse-tafsir" id="91.o4Zvr"

مزيد من التفاسير لسورة الكهف

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله