الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > سورة 2 البقرة > الآية ١٩
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 6 دقيقة قراءةقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ ﴾ "أوْ" حَرْفٌ مَرْدُودٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا ﴾ واخْتَلَفَ العُلَماءُ فِيهِ عَلى سِتَّةِ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ داخِلٌ هاهُنا لِلتَّخْيِيرِ، تَقُولُ العَرَبُ جالِسِ الفُقَهاءَ أوِ النَّحْوِيِّينَ، ومَعْناهُ: أنْتَ مُخَيَّرٌ في مُجالَسَةِ أيِّ: الفَرِيقَيْنِ شِئْتَ، فَكَأنَّهُ خَيَّرَنا بَيْنَ أنْ نَضْرِبَ لَهُمُ المَثَلَ الأوَّلَ أوِ الثّانِي.
والثّانِي: أنَّهُ داخِلٌ لِلْإبْهامِ فِيما قَدْ عَلِمَ اللَّهُ تَحْصِيلَهُ، فَأُبْهِمَ عَلَيْهِمْ ما لا يَطْلُبُونَ تَفْصِيلَهُ، فَكَأنَّهُ قالَ: مَثَلُهم كَأحَدِ هَذَيْنِ.
ومَثَلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَهِيَ كالحِجارَةِ أوْ أشَدُّ قَسْوَةً ﴾ والعَرَبُ تُبْهِمُ ما لا فائِدَةَ في تَفْصِيلِهِ.
قالَ لَبِيدُ: تَمَنّى ابْنَتايَ أنْ يَعِيشَ أبُوهُما وهَلْ أنا إلّا مِن رَبِيعَةَ أوْ مُضَرِ أيْ: هَلْ أنا إلّا مِن أحَدِ هَذَيْنِ الفَرِيقَيْنِ، وقَدْ فَنِيا فَسَبِيلِي أنْ أفْنى كَما فَنِيا.
والثّالِثُ: أنَّهُ بِمَعْنى بَلْ.
وأنْشَدَ الفَرّاءُ بَدَتْ مِثْلَ قَرْنِ الشَّمْسِ في رَوْنَقِ الضُّحى ∗∗∗ وصُورَتُها أوْ أنْتَ في العَيْنِ أمْلَحُ والرّابِعُ: أنَّهُ لِلتَّفْصِيلِ، ومَعْناهُ: بَعْضُهم يُشَبَّهُ بِالَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا، وبَعْضُهم بِأصْحابِ الصَّيِّبِ.
ومَثَلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى ﴾ مَعْناهُ: قالَ بَعْضُهم، وهُمُ اليَهُودَ: كُونُوا هُودًا، وقالَ النَّصارى: كُونُوا نَصارى.
وكَذا قَوْلُهُ: ﴿ فَجاءَها بَأْسُنا بَياتًا أوْ هم قائِلُونَ ﴾ مَعْناهُ: جاءَ بَعْضُهم بَأْسُنا بَياتًا وجاءَ بَعْضُهم بَأْسُنا وقْتَ القائِلَةِ.
والخامِسُ: أنَّهُ بِمَعْنى الواوِ.
ومَثَلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكم أوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ ﴾ قالَ جَرِيرٌ: نالَ الخِلافَةَ أوْ كانَتْ لَهُ قَدَرًا ∗∗∗ كَما أتى رَبَّهُ مُوسى عَلى قَدَرِ السّادِسُ أنَّهُ لِلشَّكِّ في حَقِّ المُخاطَبِينَ، إذِ الشَّكُّ مُرْتَفِعٌ عَنِ الحَقِّ عَزَّ وجَلَّ، ومَثَلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ ﴾ يُرِيدُ: فالإعادَةُ أهْوَنُ مِنَ الِابْتِداءِ فِيما تَظُنُّونَ.
فَأمّا التَّفْسِيرُ لِمَعْنى الكَلامِ: أوْ كَأصْحابِ صَيِّبٍ، فَأضْمَرَ الأصْحابَ؛ لِأنَّ في قَوْلِهِ: ﴿ يَجْعَلُونَ أصابِعَهم في آذانِهِمْ ﴾ دَلِيلًا عَلَيْهِ.
والصَّيِّبُ: المَطَرُ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو فَيْعَلٌ مِن صابَ يُصُوبُ: إذا نَزَلَ مِنَ السَّماءِ، وقالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ نازِلٍ مِن عُلُوٍّ إلى اسْتِفالٍ، فَقَدْ صابَ يَصُوبُ، قالَ الشّاعِرُ: كَأنَّهم صابَتْ عَلَيْهِمْ سَحابَةٌ ∗∗∗ صَواعِقُها لِطَيْرِهِنَّ دَبِيبُ وَفِي الرَّعْدِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ صَوْتُ مَلِكٍ يَزْجُرُ السَّحابَ، وقَدْ رُوِيَ هَذا المَعْنى مَرْفُوعًا إلى النَّبِيِّ ، وبِهِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ.
وفي رِوايَةٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ صَوْتُ مَلِكٍ يَسْبَحُ.
وقالَ عِكْرِمَةُ: هو مَلِكٌ يَسُوقُ السَّحابَ كَما يَسُوقُ الحادِيَ الإبِلَ.
والثّانِي: أنَّهُ رِيحٌ تَخْتَنِقُ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ.
وقَدْ رُوِيَ عَنْ أبِي الجِلْدِ أنَّهُ قالَ: الرَّعْدِ: الرِّيحُ.
واسْمُ أبِي الجِلْدِ: جِيلانُ بْنُ أبِي فَرْوَةَ البَصَرِيُّ، وقَدْ رَوى عَنْهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: أنَّهُ اصْطِكاكُ أجْرامِ السَّحابِ، حَكاهُ شَيْخُنا عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ.
وَفِي البَرْقِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ مَخارِيقٌ يَسُوقُ بِها المَلِكُ السَّحابَ، رُوِيَ هَذا المَعْنى مَرْفُوعًا إلى النَّبِيِّ ، وهو قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ.
وفي رِوايَةٍ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: هو ضَرْبَةٌ بِمِخْراقٍ مِن حَدِيدٍ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ ضَرْبَةٌ بِسَوْطٍ مِن نُورٍ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: المَخارِيقُ: ثِيابٌ تَلُفُّ، ويَضْرِبُ بِها الصِّبْيانُ بَعْضُهم بَعْضًا، فَشَبَّهَ السَّوْطَ الَّذِي يَضْرِبُ بِهِ السَّحابَ بِذَلِكَ المِخْراقِ.
قالَ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ: كَأنَّ سُيُوفَنا فِينا وفِيهِمْ ∗∗∗ مَخارِيقٌ بِأيْدِي لاعِبِينا وَقالَ مُجاهِدٌ: البَرْقُ مَصْعُ مَلَكَ، والمَصْعُ: الضَّرْبُ والتَّحْرِيكُ.
الثّانِي: أنَّ البَرْقَ: الماءُ، قالَهُ أبُو الجِلْدِ، وحَكى ابْنُ فارِسٍ أنَّ البَرْقَ: تَلَأْلُؤُ الماءِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ نارٌ تَتَقَدَّحُ مِنِ اصْطِكاكِ أجْرامِ السَّحابِ لِسَيْرِهِ، وضَرْبِ بَعْضِهِ لِبَعْضٍ، حَكاهُ شَيْخُنا.
والصَّواعِقُ: جُمْعُ صاعِقَةٍ، وهي صَوْتٌ شَدِيدٌ مِن صَوْتِ الرَّعْدِ يَقَعُ مَعَهُ قِطْعَةٌ مِن نارٍ تُحْرِقُ ما تُصِيبُهُ، ورُوِيَ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ: أنَّ المَلِكَ الَّذِي يَسُوقُ السَّحابَ، إذا اشْتَدَّ غَضَبُهُ، طارَ مِن فِيهِ النّارُ، فَهي الصَّواعِقُ.
وقالَ غَيْرُهُ: هي نارٌ تَنْقَدِحُ مِنِ اصْطِكاكِ أجْرامِ السَّحابِ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وإنَّما سُمِّيَتْ صاعِقَةً، لِأنَّها إذا أصابَتْ قَتَلَتْ، يُقالُ: صَعَقَتْهم أيْ: قَتَلَتْهم.
*** قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللَّهُ مُحِيطٌ بِالكافِرِينَ ﴾ .
فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ لا يَفُوتُهُ أحَدٌ مِنهم، فَهو جامِعُهم يَوْمَ القِيامَةِ.
ومَثَلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾ قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: أنَّ الإحاطَةَ: الإهْلاكُ، مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ ﴾ .
والثّالِثُ: أنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ ما يَفْعَلُونَ.
<div class="verse-tafsir"