الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > سورة 23 المؤمنون > الآيات ٦٢-٦٧
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 6 دقيقة قراءةقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَدَيْنا كِتابٌ ﴾ يَعْنِي: اللَّوْحَ المَحْفُوظَ.
﴿ يَنْطِقُ بِالحَقِّ ﴾ قَدْ أُثْبِتَ فِيهِ أعْمالُ الخَلْقِ فَهو يَنْطِقُ بِما يَعْمَلُونَ، ﴿ وَهم لا يُظْلَمُونَ ﴾ ؛ أيْ: لا يُنْقَصُونَ مِن ثَوابِ أعْمالِهِمْ.
ثُمَّ عادَ إلى الكُفّارِ فَقالَ: ﴿ بَلْ قُلُوبُهم في غَمْرَةٍ مِن هَذا ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: في غَفْلَةٍ عَنِ الإيمانِ بِالقُرْآنِ.
وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: في عَمًى عَنْ هَذا القُرْآنِ.
قالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى ما وُصِفَ مِن أعْمالِ البِرِّ في قَوْلِهِ: ﴿ أُولَئِكَ يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ ﴾ ، فَيَكُونَ المَعْنى: بَلْ قُلُوبُ هَؤُلاءِ في عَمايَةٍ مِن هَذا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى الكِتابِ، فَيَكُونُ المَعْنى: بَلْ قُلُوبُهم في غَمْرَةٍ مِنَ الكِتابِ الَّذِي يَنْطِقُ بِالحَقِّ وأعْمالُهم مُحْصاةٌ فِيهِ.
فَخَرَجَ في المُشارِ إلَيْهِ بِـ " هَذا " ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: القُرْآنُ.
والثّانِي: أعْمالُ البِرِّ.
والثّالِثُ: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَهم أعْمالٌ مِن دُونِ ذَلِكَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أعْمالٌ سَيِّئَةٌ دُونَ الشِّرْكِ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: خَطايا سَيِّئَةٌ مِن دُونِ ذَلِكَ الحَقِّ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: مِن دُونِ أعْمالِ المُؤْمِنِينَ وأهْلِ التَّقْوى والخَشْيَةِ.
والثّالِثُ: أعْمالٌ غَيْرُ الأعْمالِ الَّتِي ذُكِرُوا بِها سَيَعْمَلُونَها، قالَهُ الزَّجّاجُ.
والرّابِعُ: أعْمالٌ - مِن قَبْلِ الحِينِ الَّذِي قَدَّرَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ يُعَذِّبُهم عِنْدَ مَجِيئِهِ - مِنَ المَعاصِي، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هم لَها عامِلُونَ ﴾ إخْبارٌ بِما سَيَعْمَلُونَهُ مِن أعْمالِهِمَ الخَبِيثَةِ الَّتِي كُتِبَتْ عَلَيْهِمْ لا بُدَّ لَهم مِن عَمَلِها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ ﴾ ؛ أيْ: أغْنِياءَهم ورُؤَساءَهم، والإشارَةُ إلى قُرَيْشٍ.
وفي المُرادِ ﴿ بِالعَذابِ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ضَرْبُ السُّيُوفِ يَوْمَ بَدْرٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ.
والثّانِي: الجُوعُ الَّذِي عُذِّبُوا بِهِ سَبْعَ سِنِينَ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
و ﴿ يَجْأرُونَ ﴾ بِمَعْنى: يَصِيحُونَ.
﴿ لا تَجْأرُوا اليَوْمَ ﴾ ؛ أيْ: لا تَسْتَغِيثُوا مِنَ العَذابِ، ﴿ إنَّكم مِنّا لا تُنْصَرُونَ ﴾ ؛ أيْ: لا تُمْنَعُونَ مِن عَذابِنا.
﴿ قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ ﴾ يَعْنِي: القُرْآنَ، ﴿ فَكُنْتُمْ عَلى أعْقابِكم تَنْكِصُونَ ﴾ ؛ أيْ: تَرْجِعُونَ وتَتَأخَّرُونَ عَنِ الإيمانِ بِها، ﴿ مُسْتَكْبِرِينَ ﴾ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ بِهِ ﴾ الكِنايَةُ عَنِ البَيْتِ الحَرامِ، وهي كِنايَةٌ عَنْ غَيْرِ مَذْكُورٍ، والمَعْنى: إنَّكم تَسْتَكْبِرُونَ وتَفْتَخِرُونَ بِالبَيْتِ والحَرَمِ؛ لِأمْنِكم فِيهِ مَعَ خَوْفِ سائِرِ النّاسِ في مَواطِنِهِمْ.
تَقُولُونَ: نَحْنُ أهْلُ الحَرَمِ فَلا نَخافُ أحَدًا، ونَحْنُ أهْلُ بَيْتِ اللَّهِ ووُلاتُهُ، هَذا مَذْهَبُ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ.
قالَ الزَّجّاجُ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الهاءُ في " بِهِ " لِلْكِتابِ، فَيَكُونَ المَعْنى: تُحْدِثُ لَكم تِلاوَتُهُ عَلَيْكُمُ اسْتِكْبارًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سامِرًا ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْناهُ: تَهْجُرُونَ سُمّارًا، والسّامِرُ بِمَعْنى السُّمّارِ، بِمَنزِلَةِ طِفْلٍ في مَوْضِعِ أطْفالٍ، وهو مِن سَمَرِ اللَّيْلِ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " سامِرًا "؛ أيْ: مُتَحَدِّثِينَ لَيْلًا، والسَّمَرُ: حَدِيثُ اللَّيْلِ.
وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: ( سُمَّرًا ) بِضَمِّ السِّينِ وتَشْدِيدِ المِيمِ وفَتْحِها، جَمْعُ سامِرٍ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو رَجاءٍ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: ( سُمّارًا ) بِرَفْعِ السِّينِ وتَشْدِيدِ المِيمِ وألْفٍ بَعْدَها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَهْجُرُونَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( تَهْجُرُونَ ) بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ الجِيمِ.
وفي مَعْناها أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: تَهْجُرُونَ ذِكْرَ اللَّهِ والحَقَّ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: تَهْجُرُونَ كِتابَ اللَّهِ تَعالى ونَبِيَّهُ ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: تَهْجُرُونَ البَيْتَ، قالَهُ أبُو صالِحٍ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كانَتْ قُرَيْشٌ تَسْمُرُ حَوْلَ البَيْتِ، وتَفْتَخِرُ بِهِ ولا تَطُوفُ بِهِ.
والرّابِعُ: تَقُولُونَ هَجْرًا مِنَ القَوْلِ، وهو اللَّغْوُ والهَذَيانُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
قالَ الفَرّاءُ: يُقالُ: قَدْ هَجَرَ الرَّجُلُ في مَنامِهِ: إذا هَذى، والمَعْنى: إنَّكم تَقُولُونَ في رَسُولِ اللَّهِ ما لَيْسَ فِيهِ وما لا يَضُرُّهُ.
وَقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، ونافِعٌ: ( تَهْجُرُونَ ) بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الجِيمِ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وهَذا مِنَ الهَجْرِ، وهو السَّبُّ والإفْحاشُ مِنَ المَنطِقِ، يُرِيدُ: سَبُّهم لِلنَّبِيِّ ومَنِ اتَّبَعَهُ.
وقَرَأ أبُو العالِيَةِ، وعِكْرِمَةُ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وأبُو نَهِيكٍ: ( تُهَجِّرُونَ ) بِتَشْدِيدِ الجِيمِ ورَفْعِ التّاءِ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ومَعْناها مَعْنى قِراءَةِ ابْنِ عَبّاسٍ.
<div class="verse-tafsir"