زاد المسير سورة المؤمنون

الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > تفسير سورة المؤمنون

تفسيرُ سورةِ المؤمنون كاملةً من زاد المسير (ابن الجوزي) (جمال الدين ابن الجوزي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 69 دقيقة قراءة

تفسير سورة المؤمنون كاملةً (جمال الدين ابن الجوزي)

قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ ١ ٱلَّذِينَ هُمْ فِى صَلَاتِهِمْ خَـٰشِعُونَ ٢ وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنِ ٱللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ٣ وَٱلَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَوٰةِ فَـٰعِلُونَ ٤ وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَـٰفِظُونَ ٥ إِلَّا عَلَىٰٓ أَزْوَٰجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ٦ فَمَنِ ٱبْتَغَىٰ وَرَآءَ ذَٰلِكَ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْعَادُونَ ٧ وَٱلَّذِينَ هُمْ لِأَمَـٰنَـٰتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَٰعُونَ ٨ وَٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَٰتِهِمْ يُحَافِظُونَ ٩ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْوَٰرِثُونَ ١٠ ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ ١١

سُورَةُ المُؤْمِنُونَ سُورَةُ المُؤْمِنُونَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجَمِيعِ.

رَوى عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  أنَّهُ قالَ: " «لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيْنا عَشْرُ آياتٍ مَن أقامَهُنَّ دَخَلَ الجَنَّةَ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿ قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ ﴾ إلى عَشْرِ آياتٍ "»، رَواهُ الحاكِمُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ في " صَحِيحِهِ " .

ورَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  أنَّهُ قالَ: " «إنَّ اللَّهَ تَعالى حاطَ حائِطَ الجَنَّةِ لَبِنَةً مِن ذَهَبٍ ولَبِنَةٍ مِن فِضَّةٍ، وغَرَسَ غَرْسَها بِيَدِهِ، فَقالَ لَها: تَكَلَّمِي، فَقالَتْ: قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ، فَقالَ لَها: طُوبى لَكِ مَنزِلَ المُلُوكِ» " .

قالَ الفَرّاءُ: " قَدْ " هاهُنا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ تَأْكِيدًا لِفَلاحِ المُؤْمِنِينَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ تَقْرِيبًا لِلْماضِي مِنَ الحالِ؛ لِأنَّ " قَدْ " تُقَرِّبُ الماضِيَ مِنَ الحالِ حَتّى تُلْحِقَهُ بِحُكْمِهِ، ألا تَراهم يَقُولُونَ: قَدْ قامَتِ الصَّلاةُ، قَبْلَ حالِ قِيامِها، فَيَكُونُ مَعْنى الآيَةِ: إنَّ الفَلّاحَ قَدْ حَصَلَ لَهم، وإنَّهم عَلَيْهِ في الحالِ.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وعِكْرِمَةُ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وطِلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: ( قَدْ أُفْلِحَ ) بِضَمِّ الألْفِ وكَسْرِ اللّامِ وفَتْحِ الحاءِ، عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ.

قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى الآيَةِ: قَدْ نالَ المُؤْمِنُونَ البَقاءَ الدّائِمَ في الخَيْرِ.

ومَن قَرَأ: ( قَدْ أُفْلِحَ ) بِضَمِّ الألْفِ، كانَ مَعْناهُ: قَدْ أُصِيرُوا إلى الفَلاحِ.

وأصِلُ الخُشُوعِ في اللُّغَةِ: الخُضُوعُ والتَّواضُعُ.

وَفِي المُرادِ بِالخُشُوعِ في الصَّلاةِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ النَّظَرُ إلى مَوْضِعِ السُّجُودِ.

رَوى أبُو هُرَيْرَةَ، قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ  إذا صَلّى رَفَعَ بَصَرَهُ إلى السَّماءِ، فَنَزَلَتِ: " الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ " فَنَكَّسَ رَأْسَهُ» .

وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ مُسْلِمُ بْنُ يَسارٍ وقَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّهُ تَرْكُ الِالتِفاتِ في الصَّلاةِ، وأنْ تُلِينَ كَنَفَكَ لِلرَّجُلِ المُسْلِمِ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ السُّكُونُ في الصَّلاةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وإبْراهِيمُ، والزُّهْرِيُّ.

والرّابِعُ: أنَّهُ الخَوْفُ، قالَهُ الحَسَنُ.

وَفِي المُرادِ بِاللَّغْوِ هاهُنا خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: الشِّرْكُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: الباطِلُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: المَعاصِي، قالَهُ الحَسَنُ.

والرّابِعُ: الكَذِبُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والخامِسُ: الشَّتْمُ والأذى الَّذِي كانُوا يَسْمَعُونَهُ مِنَ الكُفّارِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قالَ الزَّجّاجُ: واللَّغْوُ: كُلُّ لَعِبٍ ولَهْوٍ، وكُلُّ مَعْصِيَةٍ فَهي مُطَّرَحَةٌ مُلْغاةٌ؛ فالمَعْنى: شَغَلَهُمُ الجِدُّ فِيما أمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ عَنِ اللَّغْوِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ ﴾ ؛ أيْ: مُؤَدُّونَ، فَعَبَّرَ عَنِ التَّأْدِيَةِ بِالفِعْلِ؛ لِأنَّهُ فَعَلَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا عَلى أزْواجِهِمْ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: " عَلى " بِمَعْنى " مِن " .

وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أنَّهم يُلامُونَ في إطْلاقِ ما حُظِرَ عَلَيْهِمْ وأُمِرُوا بِحِفْظِهِ، إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم لا يُلامُونَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَنِ ابْتَغى ﴾ ؛ أيْ: طَلَبَ، ﴿ وَراءَ ذَلِكَ ﴾ ؛ أيْ: سِوى الأزْواجِ والمَمْلُوكاتِ، ﴿ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ ﴾ يَعْنِي: الجائِرِينَ الظّالِمِينَ؛ لِأنَّهم قَدْ تَجاوَزُوا إلى ما لا يَحِلُّ.

﴿ والَّذِينَ هم لأماناتِهِمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ( لِأمانَتِهِمْ ) وهو اسْمُ جِنْسٍ، والمَعْنى: لِلْأماناتِ الَّتِي ائْتُمِنُوا عَلَيْها، فَتارَةً تَكُونُ الأمانَةُ بَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ رَبِّهِ، وتارَةً تَكُونُ بَيْنَهُ وبَيْنَ جِنْسِهِ، فَعَلَيْهِ مُراعاةُ الكُلِّ، وكَذَلِكَ العَهْدُ.

ومَعْنى ﴿ راعُونَ ﴾ : حافِظُونَ.

قالَ الزَّجّاجُ: وأصِلُ الرَّعْيِ في اللُّغَةِ: القِيامُ عَلى إصْلاحِ ما يَتَوَلّاهُ الرّاعِي مِن كُلِّ شَيْءٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلى صَلَواتِهِمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: ( صَلَواتِهِمْ ) عَلى الجَمْعِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ( صَلاتِهِمْ ) عَلى التَّوْحِيدِ، وهو اسْمُ جِنْسٍ.

والمُحافَظَةُ عَلى الصَّلَواتِ: أداؤُها في أوْقاتِها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ ﴾ ذَكَرَ السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَرْفَعُ لِلْكُفّارِ الجَنَّةَ، فَيَنْظُرُونَ إلى بُيُوتِهِمْ فِيها لَوْ أنَّهم أطاعُوا، ثُمَّ تُقَسَّمُ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ فَيَرِثُونَهم، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ ﴾ .

وقَدْ شَرَحْنا هَذا في ( الأعْرافِ: ٤٣ ) عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ أُورِثْتُمُوها ﴾ ، وشَرَحْنا مَعْنى الفِرْدَوْسِ في ( الكَهْفِ: ١٠٧ ) .

<div class="verse-tafsir"

وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ مِن سُلَـٰلَةٍۢ مِّن طِينٍۢ ١٢ ثُمَّ جَعَلْنَـٰهُ نُطْفَةًۭ فِى قَرَارٍۢ مَّكِينٍۢ ١٣ ثُمَّ خَلَقْنَا ٱلنُّطْفَةَ عَلَقَةًۭ فَخَلَقْنَا ٱلْعَلَقَةَ مُضْغَةًۭ فَخَلَقْنَا ٱلْمُضْغَةَ عِظَـٰمًۭا فَكَسَوْنَا ٱلْعِظَـٰمَ لَحْمًۭا ثُمَّ أَنشَأْنَـٰهُ خَلْقًا ءَاخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَـٰلِقِينَ ١٤ ثُمَّ إِنَّكُم بَعْدَ ذَٰلِكَ لَمَيِّتُونَ ١٥ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ تُبْعَثُونَ ١٦

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وإنَّما قِيلَ: ﴿ مِن سُلالَةٍ ﴾ ؛ لِأنَّهُ اسْتُلَّ مِن كُلِّ الأرْضِ، هَذا مَذْهَبُ سَلْمانَ الفارِسِيِّ، وابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ، وقَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّهُ ابْنُ آدَمَ، والسُّلالَةُ: النُّطْفَةُ اسْتُلَّتْ مِنَ الطِّينِ، والطِّينُ: آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قالَ الزَّجّاجُ: والسُّلالَةُ: فُعالَةٌ، وهي القَلِيلُ مِمّا يَنْسَلُّ، وكُلُّ مَبْنِيٍّ عَلى ( فُعالَةٍ ) يُرادُ بِهِ القَلِيلُ، مِن ذَلِكَ: الفُضالَةُ، والنُّخالَةُ، والقُلامَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ جَعَلْناهُ ﴾ يَعْنِي: ابْنَ آدَمَ، ﴿ نُطْفَةً في قَرارٍ ﴾ وهو الرَّحِمُ، ﴿ مَكِينٍ ﴾ ؛ أيْ: حَرِيزٍ، قَدْ هُيِّئَ لِاسْتِقْرارِهِ فِيهِ.

وقَدْ شَرَحْنا في سُورَةِ ( الحَجِّ: ٥ ) مَعْنى النُّطْفَةِ والعَلَقَةِ والمُضْغَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَخَلَقْنا المُضْغَةَ عِظامًا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( عِظامًا فَكَسَوْنا العِظامَ ) عَلى الجَمْعِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( عَظْمًا فَكَسَوْنا العَظْمَ ) عَلى التَّوْحِيدِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ ﴾ وهَذِهِ الحالَةُ السّابِعَةُ.

قالَ عَلَيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ: لا تَكُونُ مَوْءُودَةً حَتّى تَمُرَّ عَلى التّاراتِ السَّبْعِ.

وَفِي مَحِلِّ هَذا الإنْشاءِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ بَطْنُ الأُمِّ.

ثُمَّ في صِفَةِ الإنْشاءِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ نَفْخُ الرُّوحِ فِيهِ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ أبُو العالِيَةِ، والشَّعْبِيُّ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ في آخَرِينَ.

والثّانِي: أنَّهُ جَعَلَهُ ذَكَرًا أوْ أُنْثى، قالَهُ الحَسَنُ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِن بَطْنِ أُمِّهِ.

ثُمَّ في صِفَةِ هَذا الإنْشاءِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ ابْتِداءَ ذَلِكَ الإنْشاءِ أنَّهُ اسْتَهَلَّ، ثُمَّ دُلَّ عَلى الثَّدْيِ، وعَلِمَ كَيْفَ يَبْسُطُ رِجْلَيْهِ إلى أنْ قَعَدَ، إلى أنْ قامَ عَلى رِجْلَيْهِ، إلى أنْ مَشى، إلى أنَّ فُطِمَ، إلى أنْ بَلَغَ الحُلُمَ، إلى أنْ تَقَلَّبَ في البِلادِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ اسْتِواءُ الشَّبابِ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ ومُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: أنَّهُ خُرُوجُ الأسْنانِ والشَّعْرِ، قالَهُ الضَّحّاكُ، فَقِيلَ لَهُ: ألَيْسَ يُولَدُ وعَلى رَأْسِهِ الشَّعْرُ ؟

فَقالَ: وأيْنَ العانَةُ والإبِطُ ؟

والرّابِعُ: أنَّهُ إعْطاءُ العَقْلِ والفَهْمِ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَتَبارَكَ اللَّهُ ﴾ ؛ أيِ: اسْتَحَقَّ التَّعْظِيمَ والثَّناءَ.

وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى " تَبارَكَ " في ( الأعْرافِ: ٥٤ ) .

﴿ أحْسَنُ الخالِقِينَ ﴾ ؛ أيِ: المُصَوِّرِينَ والمُقَدِّرِينَ، والخَلْقُ في اللُّغَةِ: التَّقْدِيرُ.

وجاءَ في الحَدِيثِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ وعِنْدَهُ عُمْرُ، إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ خَلْقًا آخَرَ ﴾ ، فَقالَ عُمْرُ: فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : " لَقَدْ خُتِمَتْ بِما تَكَلَّمْتَ بِهِ يابْنَ الخَطّابِ "» .

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿ أحْسَنُ الخالِقِينَ ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿ هَلْ مِن خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ  ﴾ ؟

فالجَوابُ: أنَّ الخَلْقَ يَكُونُ بِمَعْنى الإيجادِ، ولا مُوجِدَ سِوى اللَّهِ، ويَكُونُ بِمَعْنى التَّقْدِيرِ، كَقَوْلِ زُهَيْرٍ: [ ولَأنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ ] وبَعْـ ضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِي فَهَذا المُرادُ هاهُنا، أنَّ بَنِي آدَمَ قَدْ يُصَوِّرُونَ ويَقْدِرُونَ ويَصْنَعُونَ الشَّيْءَ، فاللَّهُ خَيْرُ المُصَوِّرِينَ والمُقَدِّرِينَ.

وقالَ الأخْفَشُ: الخالِقُونَ هاهُنا هُمُ الصّانِعُونَ، فاللَّهُ خَيْرُ الخالِقِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ إنَّكم بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ ؛ أيْ: بَعْدَ ما ذُكِرَ مِن تَمامِ الخَلْقِ، ﴿ لَمَيِّتُونَ ﴾ عِنْدَ انْقِضاءِ آجالِكم.

وقَرَأ أبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( لَمائِتُونَ ) بِألِفٍ.

قالَ الفَرّاءُ: والعَرَبُ تَقُولُ لِمَن لَمْ يَمُتْ: إنَّكَ مائِتٌ عَنْ قَلِيلٍ، ومَيِّتٌ، ولا يَقُولُونَ لِلْمَيِّتِ الَّذِي قَدْ ماتَ: هَذا مائِتٌ، إنَّما يُقالُ في الِاسْتِقْبالِ فَقَطْ، وكَذَلِكَ يُقالُ: هَذا سَيِّدُ قَوْمِهِ اليَوْمَ، فَإذا أخْبَرْتَ أنَّهُ يَسُودُهم عَنْ قَلِيلٍ، قُلْتَ: هَذا سائِدُ قَوْمِهِ عَنْ قَلِيلٍ، وكَذَلِكَ هَذا شَرِيفُ القَوْمِ، وهَذا شارِفٌ عَنْ قَلِيلٍ، وهَذا البابُ كُلُّهُ في العَرَبِيَّةِ عَلى ما وصَفْتُ لَكَ.

<div class="verse-tafsir"

وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَآئِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ ٱلْخَلْقِ غَـٰفِلِينَ ١٧ وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۢ بِقَدَرٍۢ فَأَسْكَنَّـٰهُ فِى ٱلْأَرْضِ ۖ وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍۭ بِهِۦ لَقَـٰدِرُونَ ١٨ فَأَنشَأْنَا لَكُم بِهِۦ جَنَّـٰتٍۢ مِّن نَّخِيلٍۢ وَأَعْنَـٰبٍۢ لَّكُمْ فِيهَا فَوَٰكِهُ كَثِيرَةٌۭ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ١٩ وَشَجَرَةًۭ تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَآءَ تَنۢبُتُ بِٱلدُّهْنِ وَصِبْغٍۢ لِّلْـَٔاكِلِينَ ٢٠

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكم سَبْعَ طَرائِقَ ﴾ يَعْنِي: السَّماواتُ السَّبْعُ.

قالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ واحِدَةِ طَرِيقَةٍ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: إنَّما سُمِّيَتْ طَرائِقَ بِالتَّطارُقِ؛ لِأنَّ بَعْضَها فَوْقَ بَعْضٍ، يُقالُ: طارَقْتَ الشَّيْءَ: إذا جَعَلْتَ بَعْضَهُ فَوْقَ بَعْضٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما كُنّا عَنِ الخَلْقِ غافِلِينَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: ما غَفَلْنا عَنْهم إذْ بَنَيْنا فَوْقَهم سَماءً أطْلَعْنا فِيها الشَّمْسَ والقَمَرَ والكَواكِبَ.

والثّانِي: ما كُنّا تارِكِينَ لَهم بِغَيْرِ رِزْقٍ فَأنْزَلْنا المَطَرَ.

والثّالِثُ: لَمْ نَغْفُلْ عَنْ حِفْظِهِمْ مِن أنْ تَسْقُطَ السَّماءُ عَلَيْهِمْ فَتُهْلِكَهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ ﴾ يَعْلَمُهُ اللَّهُ، وقالَ مُقاتِلٌ: بِقَدْرِ ما يَكْفِيهِمْ لِلْمَعِيشَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَشَجَرَةً ﴾ هي مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ جَنّاتٍ ﴾ .

وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ، وابْنُ يَعْمُرَ، وإبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ: ( وشَجَرَةٌ ) بِالرَّفْعِ، والمُرادُ بِهَذِهِ الشَّجَرَةِ: شَجَرَةُ الزَّيْتُونِ.

فَإنْ قِيلَ: لِماذا خَصَّ هَذِهِ الشَّجَرَةَ مِن بَيْنِ الشَّجَرِ ؟

فالجَوابُ مِن أرْبَعَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: لِكَثْرَةِ انْتِفاعِهِمْ بِها، فَذَكَّرَهم مِن نِعَمِهِ ما يَعْرِفُونَ، وكَذَلِكَ خَصَّ النَّخِيلَ والأعْنابَ في الآيَةِ الأُولى؛ لِأنَّهُما كانا جُلَّ ثِمارِ الحِجازِ وما والاها، وكانَتِ النَّخِيلُ لِأهْلِ المَدِينَةِ، والأعْنابُ لِأهْلِ الطّائِفِ.

والثّانِي: لِأنَّهم لا يَكادُونَ يَتَعاهَدُونَها بِالسَّقْيِ، وهي تُخْرِجُ الثَّمَرَةَ الَّتِي يَكُونُ مِنها الدُّهْنُ.

والثّالِثُ: أنَّها تَنْبُتُ بِالماءِ الَّذِي هو ضِدُّ النّارِ، وفي ثَمَرَتِها حَياةٌ لِلنّارِ ومادَّةٌ لَها.

والرّابِعُ: لِأنَّ أوَّلَ زَيْتُونَةٍ نَبَتَتْ بِذَلِكَ المَكانِ فِيما زَعَمَ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ طُورِ سَيْناءَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: ( طُورِ سِيناءَ ) مَكْسُورَةَ السِّينِ.

وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ مَفْتُوحَةَ السِّينِ، وكُلُّهم مَدَّها.

قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تَقُولُ: ( سَيْناءَ ) بِفَتْحِ السِّينِ في جَمِيعِ اللُّغاتِ، إلّا بَنِيَ كِنانَةَ فَإنَّهم يَكْسِرُونَ السِّينَ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: ولا تَنْصَرِفُ هَذِهِ الكَلِمَةُ؛ لِأنَّها جُعِلَتِ اسْمًا لِبُقْعَةٍ أوْ أرْضٍ، وكَذَلِكَ ( سِينَيْنُ )، ولَوْ جُعِلَتِ اسْمًا لِلْمَكانِ، أوْ لِلْمَنزِلِ، أوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الأسْماءِ المُذَكَّرَةِ لَصُرِفَتْ؛ لِأنَّكَ كُنْتَ قَدْ سَمَّيْتَ مُذَكَّرًا بِمُذَكِّرٍ.

والطُّورُ: الجَبَلُ.

وَفِي مَعْنى " سَيْناءَ " خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ بِمَعْنى الحُسْنِ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقالَ الضَّحّاكُ: " الطُّورُ ": الجَبَلُ بِالسُّرْيانِيَّةِ، و" سَيْناءُ ": الحَسَنُ بِالنَّبَطِيَّةِ.

وقالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ: الجَبَلَ الحَسَنَ.

والثّانِي: أنَّهُ المُبارَكُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ اسْمُ حِجارَةٍ بِعَيْنِها، أُضِيفَ الجَبَلُ إلَيْها لِوُجُودِها عِنْدَهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والرّابِعُ: أنَّ طُورَ سَيْناءَ: الجَبَلُ المُشَجَّرُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والخامِسُ: أنَّ سَيْناءَ: اسْمُ المَكانِ الَّذِي بِهِ هَذا الجَبَلُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قالَ الواحِدِيُّ: وهو أصَحُّ الأقْوالِ.

قالَ ابْنُ زَيْدٍ: وهَذا هو الجَبَلُ الَّذِي نُودِيَ مِنهُ مُوسى، وهو بَيْنَ مِصْرَ وأيْلَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: ( تُنْبِتُ ) بِرَفْعِ التّاءِ وكَسْرِ الباءِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ الباءِ.

قالَ الفَرّاءُ: وهُما لُغَتانِ: نَبَتَتْ وأنْبَتَتْ، وكَذَلِكَ قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: نَبَتَ الشَّجَرُ وأنْبَتَ في مَعْنى واحِدٍ، قالَ زُهَيْرٌ: رَأيْتَ ذَوِي الحاجاتِ حَوْلَ بُيُوتِهِمْ قَطِينًا لَهم حَتّى إذا أنْبَتَ البَقْلُ قالَ: ومَعْنى ﴿ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ ﴾ : تَنْبُتُ ومَعَها دُهْنٌ، كَما تَقُولُ: جاءَنِي زَيْدٌ بِالسَّيْفِ؛ أيْ: جاءَنِي ومَعَهُ السَّيْفُ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْنى الآيَةِ: تَنْبُتُ الدُّهْنَ، والباءُ زائِدَةٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ بِظُلْمٍ  ﴾ ، وقَدْ بَيَّنّا هَذا المَعْنى هُناكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَصِبْغٍ ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ يَعْمُرَ، وإبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ، والأعْمَشُ: ( وصِبْغًا ) بِالنَّصْبِ.

وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ: ( وصِباغٍ ) بِألِفٍ مَعَ الخَفْضِ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الصِّبْغُ مِثْلُ الصِّباغِ، كَما يُقالُ: دِبْغٌ ودِباغٌ، ولِبْسٌ ولِباسٌ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: والمُرادُ بِالصِّبْغِ هاهُنا: الزَّيْتُ؛ لِأنَّهُ يُلَوِّنُ الخُبْزَ إذا غُمِسَ فِيهِ، والمُرادُ: أنَّهُ إدامٌ يُصْبَغُ بِهِ.

<div class="verse-tafsir"

وَإِنَّ لَكُمْ فِى ٱلْأَنْعَـٰمِ لَعِبْرَةًۭ ۖ نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِى بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَـٰفِعُ كَثِيرَةٌۭ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ٢١ وَعَلَيْهَا وَعَلَى ٱلْفُلْكِ تُحْمَلُونَ ٢٢

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ ﴾ وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( نَسْقِيكم ) بِفَتْحِ النُّونِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِضَمِّها.

وقَدْ شَرَحْنا هَذا في ( النَّحْلِ: ٦٦ ) إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَكم فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ ﴾ يَعْنِي: في ظُهُورِها وألْبانِها، وأوْلادِها، وأصْوافِها وأشْعارِها، ﴿ وَمِنها تَأْكُلُونَ ﴾ مِن لُحُومِها وأوْلادِها والكَسْبِ عَلَيْها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعَلَيْها ﴾ يَعْنِي: الإبِلَ خاصَّةً، ﴿ وَعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ ﴾ فالإبِلُ تَحْمِلُ في البَرِّ، والسُّفُنُ تَحْمِلُ في البَحْرِ.

<div class="verse-tafsir"

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِۦ فَقَالَ يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُۥٓ ۖ أَفَلَا تَتَّقُونَ ٢٣ فَقَالَ ٱلْمَلَؤُا۟ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن قَوْمِهِۦ مَا هَـٰذَآ إِلَّا بَشَرٌۭ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَأَنزَلَ مَلَـٰٓئِكَةًۭ مَّا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِىٓ ءَابَآئِنَا ٱلْأَوَّلِينَ ٢٤ إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌۢ بِهِۦ جِنَّةٌۭ فَتَرَبَّصُوا۟ بِهِۦ حَتَّىٰ حِينٍۢ ٢٥ قَالَ رَبِّ ٱنصُرْنِى بِمَا كَذَّبُونِ ٢٦ فَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ أَنِ ٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ ۙ فَٱسْلُكْ فِيهَا مِن كُلٍّۢ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ مِنْهُمْ ۖ وَلَا تُخَـٰطِبْنِى فِى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا۟ ۖ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ ٢٧ فَإِذَا ٱسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى ٱلْفُلْكِ فَقُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى نَجَّىٰنَا مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ ٢٨ وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِى مُنزَلًۭا مُّبَارَكًۭا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْمُنزِلِينَ ٢٩ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍۢ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ٣٠ ثُمَّ أَنشَأْنَا مِنۢ بَعْدِهِمْ قَرْنًا ءَاخَرِينَ ٣١ فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًۭا مِّنْهُمْ أَنِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُۥٓ ۖ أَفَلَا تَتَّقُونَ ٣٢ وَقَالَ ٱلْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَكَذَّبُوا۟ بِلِقَآءِ ٱلْـَٔاخِرَةِ وَأَتْرَفْنَـٰهُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا مَا هَـٰذَآ إِلَّا بَشَرٌۭ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ ٣٣ وَلَئِنْ أَطَعْتُم بَشَرًۭا مِّثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًۭا لَّخَـٰسِرُونَ ٣٤ أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَابًۭا وَعِظَـٰمًا أَنَّكُم مُّخْرَجُونَ ٣٥ ۞ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ ٣٦ إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ٣٧ إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًۭا وَمَا نَحْنُ لَهُۥ بِمُؤْمِنِينَ ٣٨ قَالَ رَبِّ ٱنصُرْنِى بِمَا كَذَّبُونِ ٣٩ قَالَ عَمَّا قَلِيلٍۢ لَّيُصْبِحُنَّ نَـٰدِمِينَ ٤٠ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ بِٱلْحَقِّ فَجَعَلْنَـٰهُمْ غُثَآءًۭ ۚ فَبُعْدًۭا لِّلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ ٤١ ثُمَّ أَنشَأْنَا مِنۢ بَعْدِهِمْ قُرُونًا ءَاخَرِينَ ٤٢ مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَـْٔخِرُونَ ٤٣ ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا ۖ كُلَّ مَا جَآءَ أُمَّةًۭ رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ ۚ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُم بَعْضًۭا وَجَعَلْنَـٰهُمْ أَحَادِيثَ ۚ فَبُعْدًۭا لِّقَوْمٍۢ لَّا يُؤْمِنُونَ ٤٤

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: هَذا تَعْزِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ  بِذِكْرِ هَذا الرَّسُولِ الصّابِرِ؛ لِيَتَأسّى بِهِ في صَبْرِهِ، ولِيَعْلَمَ أنَّ الرُّسُلَ قَبْلَهُ قَدْ كُذِّبُوا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ ﴾ ؛ أيْ: يَعْلُوَكم بِالفَضِيلَةِ فَيَصِيرَ مَتْبُوعًا، ﴿ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ﴾ أنْ لا يُعْبَدَ شَيْءٌ سِواهُ؛ ﴿ لأنْزَلَ مَلائِكَةً ﴾ تُبَلِّغُ عَنْهُ أمْرَهُ لَمْ يُرْسَلْ بَشَرًا، ﴿ ما سَمِعْنا بِهَذا ﴾ الَّذِي يَدْعُونا إلَيْهِ نُوحٌ مِنَ التَّوْحِيدِ، ﴿ فِي آبائِنا الأوَّلِينَ ﴾ فَأمّا الجَنَّةُ فَمَعْناها: الجُنُونُ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ حَتّى حِينٍ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ المَوْتُ، فَتَقْدِيرُهُ: انْتَظِرُوا مَوْتَهُ.

والثّانِي: أنَّهُ وقْتٌ مُنْكَّرٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ رَبِّ انْصُرْنِي ﴾ وقَرَأ عِكْرِمَةُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ: ( قالَ رَبُّ ) بِضَمِّ الباءِ، وفي القِصَّةِ الأُخْرى [ المُؤْمِنُونَ: ٣٩ ] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِما كَذَّبُونِ ﴾ وقَرَأ يَعْقُوبُ: ( كَذَّبُونِي ) بِياءٍ، وفي القِصَّةِ الَّتِي تَلِيها أيْضًا: ( فاتَّقُونِي ) [ المُؤْمِنُونَ: ٥٢ ]، ( أنْ يَحْضُرُونِي ) [ المُؤْمِنُونَ: ٩٨ ]، ( رَبِّ ارْجِعُونِي ) [ المُؤْمِنُونَ: ٩٩ ]، ( ولا تُكَلِّمُونِي ) [ المُؤْمِنُونَ: ١٠٨ ]، أثْبَتَهُنَّ في الحالَيْنِ يَعْقُوبُ، والمَعْنى: انْصُرْنِي بِتَكْذِيبِهِمْ؛ أيِ: انْصُرْنِي بِإهْلاكِهِمْ جَزاءً لَهم بِتَكْذِيبِهِمْ.

﴿ فَأوْحَيْنا إلَيْهِ ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في ( هُودٍ: ٣٧ ) إلى قَوْلِهِ: ﴿ فاسْلُكْ فِيها ﴾ ؛ أيِ: ادْخُلْ في سَفِينَتِكَ، ﴿ مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ " ( مِن كُلِّ ) بِكَسْرِ اللّامِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ.

وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( مِن كُلِّ ) بِالتَّنْوِينِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: قِراءَةُ الجُمْهُورِ إضافَةُ " كُلِّ " إلى ﴿ زَوْجَيْنِ ﴾ ، وقِراءَةُ حَفْصٍ تَئُولُ إلى زَوْجَيْنِ؛ لِأنَّ المَعْنى: مِن كُلِّ الأزْواجِ زَوْجَيْنِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقُلْ رَبِّ أنْزِلْنِي مُنْزَلا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( مُنْزَلًا ) بِضَمِّ المِيمِ.

ورَوى أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ فَتْحَها.

والمَنزِلُ بِفَتْحِ المِيمِ: اسْمٌ لِكُلِّ ما نَزَلْتَ بِهِ، والمَنزِلُ بِضَمِّها: المَصْدَرُ بِمَعْنى الإنْزالِ، تَقُولُ: أنْزَلْتُهُ إنْزالًا ومَنزِلًا.

وَفِي الوَقْتِ الَّذِي قالَ فِيهِ نُوحٌ ذاكَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: عِنْدَ نُزُولِهِ في السَّفِينَةِ.

والثّانِي: عِنْدَ نُزُولِهِ مِنَ السَّفِينَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ في ذَلِكَ ﴾ ؛ أيْ: في قِصَّةِ نُوحٍ وقَوْمِهِ، ﴿ لآياتٍ وإنْ كُنّا ﴾ ؛ أيْ: وما كُنّا، ﴿ لَمُبْتَلِينَ ﴾ ؛ أيْ: لَمُخْتَبِرِينَ إيّاهم بِإرْسالِ نُوحٍ إلَيْهِمْ.

﴿ ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ ﴾ يَعْنِي: عادًا، ﴿ فَأرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولا مِنهُمْ ﴾ وهو هُودٌ، هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ.

وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: هم ثَمُودُ والرَّسُولُ صالِحٌ.

وما بَعْدَ هَذا ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿ أيَعِدُكم أنَّكُمْ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَوْضِعُ " أنَّكم " نَصْبٌ عَلى مَعْنى: أيَعِدُكم [ أنَّكم ] مُخْرَجُونَ إذا مُتُّمْ، فَلَمّا طالَ الكَلامُ أُعِيدَ ذِكْرُ " أنَّ "، كَقَوْلِهِ: ﴿ ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ مَن يُحادِدِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَأنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَيْهاتَ هَيْهاتَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( هَيْهاتَ هَيْهاتَ ) بِفَتْحِ التّاءِ فِيهِما في الوَصْلِ وإسْكانِها في الوَقْفِ.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، وهارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو: ( هَيْهاتًا هَيْهاتًا ) بِالنَّصْبِ والتَّنْوِينِ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وأبُو حَيَوَةَ الحَضْرَمِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: ( هَيْهاتٌ هَيْهاتٌ ) بِالرَّفْعِ والتَّنْوِينِ.

وقَرَأ أبُو العالِيَةِ وقَتادَةُ: ( هَيْهاتٍ هَيْهاتٍ ) بِالخَفْضِ والتَّنْوِينِ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: ( هَيْهاتِ هَيْهاتِ ) بِالخَفْضِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ وكانَ يَقِفُ بِالهاءِ.

وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، النّاجِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ: ( هَيْهاتُ هَيْهاتُ ) بِالرَّفْعِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ.

وقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، وابْنُ يَعْمُرَ، وأبُو رَجاءٍ، وخارِجَةُ عَنْ أبِي عَمْرٍو: ( هَيْهاتْ هَيْهاتْ ) بِإسْكانِ التّاءِ فِيهِما.

وفي " هَيْهاتَ " عَشْرُ لُغاتٍ قَدْ ذَكَرْنا مِنها سَبْعَةً عَنِ القُرّاءِ، والثّامِنَةُ: ( أيْهاتَ )، والتّاسِعَةُ: ( أيْهانَ ) بِالنُّونِ، والعاشِرَةُ: ( أيْها ) بِغَيْرِ نُونٍ، ذَكَرَهُنَّ ابْنُ القاسِمِ، وأنْشَدَ الأحْوَصُ في الجَمْعِ بَيْنَ لُغَتَيْنِ مِنهُنَّ: تَذَكَّرُ أيّامًا مَضَيْنَ مِنَ الصِّبا وهَيْهاتِ هَيْهاتًا إلَيْكَ رُجُوعُها قالَ الزَّجّاجُ: فَأمّا الفَتْحُ فالوَقْفُ فِيهِ بِالهاءِ، تَقُولُ: ( هَيْهاهْ ) إذا فَتَحْتَ ووَقَفْتَ بَعْدَ الفَتْحِ، فَإذا كَسَرْتَ ووَقَفْتَ عَلى التّاءِ كُنْتَ مِمَّنْ يُنَوِّنُ في الوَصْلِ، أوْ كُنْتَ مِمَّنْ لا يُنَوِّنُ.

وتَأْوِيلُ " هَيْهاتَ ": البُعْدُ لِما تُوعَدُونَ.

وإذا قُلْتَ: ( هَيْهاتَ ما قُلْتَ ) فَمَعْناهُ: بَعِيدٌ ما قُلْتَ.

وإذا قُلْتَ: ( هَيْهاتَ لِما قُلْتَ ) فَمَعْناهُ: البُعْدُ لِما قُلْتَ.

ويُقالُ: ( أيْهاتَ ) في مَعْنى ( هَيْهاتَ )، وأنْشَدُوا: وأيْهاتَ أيْهاتَ العَقِيقُ ومَن بِهِ ∗∗∗ وأيْهاتَ وصْلٌ بِالعَقِيقِ نُواصِلُهُ قالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: إذا وقَفْتَ عَلى ( هَيْهاتَ ) فَقُلْ: ( هَيْهاهْ ) .

وقالَ الفَرّاءُ: الكِسائِيُّ يَخْتارُ الوَقْفَ بِالهاءِ، وأنا أخْتارُ التّاءَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِما تُوعَدُونَ ﴾ قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( ما تُوعَدُونَ ) بِغَيْرِ لامٍ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: اسْتَبْعَدَ القَوْمُ بَعَثَهم بَعْدَ المَوْتِ؛ إغْفالًا مِنهم لِلتَّفَكُّرِ في بُدُوِّ أمْرِهِمْ وقُدْرَةِ اللَّهِ عَلى إيجادِهِمْ، وأرادُوا بِهَذا الِاسْتِبْعادِ أنَّهُ لا يَكُونُ أبَدًا.

﴿ إنْ هي إلا حَياتُنا الدُّنْيا ﴾ يَعْنُونَ: ما الحَياةُ إلّا ما نَحْنُ فِيهِ، ولَيْسَ بَعْدَ المَوْتِ حَياةٌ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالُوا: ﴿ نَمُوتُ ونَحْيا ﴾ وهم لا يُقِرُّونَ بِالبَعْثِ ؟

فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ ذَكَرَها الزَّجّاجُ: أحَدُها: نَمُوتُ ويَحْيا أوْلادُنا، فَكَأنَّهم قالُوا: يَمُوتُ قَوْمٌ ويَحْيا قَوْمٌ.

والثّانِي: نَحْيا ونَمُوتُ؛ لِأنَّ الواوَ لِلْجَمْعِ لا لِلتَّرْتِيبِ.

والثّالِثُ: ابْتِداؤُنا مَواتٌ في أصْلِ الخِلْقَةِ، ثُمَّ نَحْيا، ثُمَّ نَمُوتُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ هُوَ ﴾ يَعْنُونَ: الرَّسُولَ.

وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُ ما بَعْدَ هَذا [ هُودٍ: ٧، النَّحْلِ: ٣٨ ] إلى قَوْلِهِ: ﴿ قالَ عَمّا قَلِيلٍ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: عَنْ قَلِيلٍ، و" ما " زائِدَةٌ بِمَعْنى التَّوْكِيدِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ ﴾ ؛ أيْ: عَلى كُفْرِهِمْ، ﴿ فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالحَقِّ ﴾ ؛ أيْ: بِاسْتِحْقاقِهِمُ العَذابَ بِكُفْرِهِمْ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: صاحَ بِهِمْ جِبْرِيلُ صَيْحَةً رَجَفَتْ لَها الأرْضُ مِن تَحْتِهِمْ، فَصارُوا لِشِدَّتِها غُثاءً.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الغُثاءُ: ما أشْبَهَ الزَّبَدَ، وما ارْتَفَعَ عَلى السَّيْلِ، ونَحْوُ ذَلِكَ مِمّا لا يُنْتَفَعُ بِهِ في شَيْءٍ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَعْنى: فَجَعَلْناهم هَلْكى كالغُثاءِ، وهو ما عَلا السَّيْلُ مِنَ الزَّبَدِ والقَمَشِ؛ لِأنَّهُ يَذْهَبُ ويَتَفَرَّقُ.

وقالَ الزَّجّاجُ: الغُثاءُ: الهالِكُ والبالِي مِن ورَقِ الشَّجَرِ الَّذِي إذا جَرى السَّيْلُ رَأيْتَهُ مُخالِطًا زَبَدَهُ.

وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ شَرْحُهُ [ الحِجْرِ: ٥ ] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو جَعْفَرٍ: ( تَتْرًى كُلَّما ) مُنَوَّنَةً والوَقْفُ بِالألِفِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِلا تَنْوِينٍ، والوَقْفُ عِنْدَ نافِعٍ وابْنِ عامِرٍ بِألِفٍ.

ورَوى هُبَيْرَةُ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ يَقِفُ بِالياءِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: يَعْنِي بِقَوْلِهِ: يَقِفُ بِالياءِ: أيْ: بِألِفٍ مُمالَةٍ.

قالَ الفَرّاءُ: أكْثَرُ العَرَبِ عَلى تَرْكِ التَّنْوِينِ، ومِنهم مَن نَوَّنَ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والمَعْنى: نُتابِعُ بِفَتْرَةٍ بَيْنَ كُلِّ رَسُولَيْنِ، وهو مِنَ التَّواتُرِ، والأصْلُ: وتْرى، فَقُلِبَتِ الواوُ تاءً كَما قَلَبُوها في التَّقْوى والتُّخَمَةِ.

وحَكى الزَّجّاجُ عَنِ الأصْمَعِيِّ أنَّهُ قالَ: مَعْنى واتَرْتُ الخَبَرَ: أتْبَعْتُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وبَيْنَ الخِبْرَيْنِ هُنَيَّةٌ.

وقَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ، قالَ: ومِمّا تَضَعُهُ العامَّةُ غَيْرَ مَوْضِعِهِ قَوْلُهم: تَواتَرَتْ كُتُبِي إلَيْكَ، يَعْنُونَ: اتَّصَلَتْ مِن غَيْرِ انْقِطاعٍ، فَيَضَعُونَ التَّواتُرَ في مَوْضِعِ الِاتِّصالِ، وذَلِكَ غَلَطٌ، إنَّما التَّواتُرُ: مَجِيءُ الشَّيْءِ ثُمَّ انْقِطاعُهُ ثُمَّ مَجِيئُهُ، وهو التَّفاعُلُ مِنَ الوَتْرِ، وهو الفَرْدُ، يُقالُ: واتَرْتُ الخَبَرَ: أتْبَعَتُ بَعْضَهُ بَعْضًا وبَيْنَ الخَبَرَيْنِ هُنَيْهَةٌ.

قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى ﴾ أصْلُها: ( وتَرى ) مِنَ المُواتَرَةِ، فَأُبْدِلَتِ التّاءُ مِنَ الواوِ، ومَعْناهُ: مُنْقَطِعَةٌ مُتَفاوِتَةٌ؛ لِأنَّ بَيْنَ كُلِّ نَبِيَّيْنِ دَهْرًا طَوِيلًا.

وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ: لا بَأْسَ بِقَضاءِ رَمَضانَ تَتْرى؛ أيْ: مُنْقَطِعًا.

فَإذا قِيلَ: واتَرَ فُلانٌ كُتُبَهُ، فالمَعْنى: تابَعَها وبَيْنَ كُلِّ كِتابَيْنِ فَتْرَةٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأتْبَعْنا بَعْضَهم بَعْضًا ﴾ ؛ أيْ: أهْلَكْنا الأُمَمَ بَعْضَهم في إثْرِ بَعْضٍ، ﴿ وَجَعَلْناهم أحادِيثَ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أيْ: يُتَمَثَّلُ بِهِمْ في الشَّرِّ، ولا يُقالُ في الخَيْرِ: جَعَلْتُهُ حَدِيثًا.

<div class="verse-tafsir"

ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ وَأَخَاهُ هَـٰرُونَ بِـَٔايَـٰتِنَا وَسُلْطَـٰنٍۢ مُّبِينٍ ٤٥ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَإِي۟هِۦ فَٱسْتَكْبَرُوا۟ وَكَانُوا۟ قَوْمًا عَالِينَ ٤٦ فَقَالُوٓا۟ أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَـٰبِدُونَ ٤٧ فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا۟ مِنَ ٱلْمُهْلَكِينَ ٤٨

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاسْتَكْبَرُوا ﴾ ؛ أيْ: عَنِ الإيمانِ بِاللَّهِ وعِبادَتِهِ، ﴿ وَكانُوا قَوْمًا عالِينَ ﴾ ؛ أيْ: قاهِرِينَ لِلنّاسِ بِالبَغْيِ والتَّطاوُلِ عَلَيْهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ ﴾ ؛ أيْ: مُطِيعُونَ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كُلُّ مَن دانَ لِمَلِكٍ فَهو عابِدٌ لَهُ.

<div class="verse-tafsir"

وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ٤٩ وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُۥٓ ءَايَةًۭ وَءَاوَيْنَـٰهُمَآ إِلَىٰ رَبْوَةٍۢ ذَاتِ قَرَارٍۢ وَمَعِينٍۢ ٥٠

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ ﴾ يَعْنِي: التَّوْراةَ، أُعْطِيها جُمْلَةً واحِدَةً بَعْدَ غَرَقِ فِرْعَوْنَ، ﴿ لَعَلَّهُمْ ﴾ يَعْنِي: بَنِي إسْرائِيلَ، والمَعْنى: لِكَيْ يَهْتَدُوا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْنا ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ آيَةً ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( آيَتَيْنِ ) عَلى التَّثْنِيَةِ، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿ وَجَعَلْناها وابْنَها آيَةً  ﴾ ، وقَدْ سَبَقَ شَرْحُهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَآوَيْناهُما ﴾ ؛ أيْ: جَعَلْناهُما يَأْوِيانِ، ﴿ إلى رَبْوَةٍ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( رُبْوَةٍ ) بِضَمِّ الرّاءِ.

وقَرَأ عاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ بِفَتْحِها.

وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى الرَّبْوَةِ في ( البَقَرَةِ: ٢٦٥ ) .

( ﴿ ذاتِ قَرارٍ ﴾ )؛ أيْ: مُسْتَوِيَةٍ يَسْتَقِرُّ عَلَيْها ساكِنُوها، والمَعْنى: ذاتُ مَوْضِعِ قَرارٍ.

وقالَ الزَّجّاجُ: أيْ: ذاتُ مُسْتَقَرٍّ.

﴿ وَمَعِينٍ ﴾ وهو الماءُ الجارِي مِنَ العُيُونِ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " ذاتُ قَرارٍ "؛ أيْ: يَسْتَقِرُّ بِها لِلْعِمارَةِ، " ومَعِينٍ ": هو الماءُ الظّاهِرُ، وَيُقالُ: هو مَفْعُولٌ مِنَ العَيْنِ، كَأنَّ أصْلَهُ مَعْيُونٌ، كَما يُقالُ: ثَوْبٌ مَخِيطٌ، وبُرٌّ مَكِيلٌ.

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَوْضِعِ هَذِهِ الرَّبْوَةِ المَوْصُوفَةِ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها دِمَشْقُ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلّامٍ وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ.

والثّانِي: أنَّها بَيْتُ المَقْدِسِ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، وعَنِ الحَسَنِ كالقَوْلَيْنِ.

والثّالِثُ: أنَّها الرَّمَلَةُ مِن أرْضِ فِلَسْطِينَ، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ.

والرّابِعُ: مِصْرُ، قالَهُ وهَبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، وابْنُ زَيْدٍ، وابْنُ السّائِبِ.

فَأمّا السَّبَبُ الَّذِي لِأجْلِهِ أوَيا إلى الرَّبْوَةِ، فَقالَ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: فَرَّتْ مَرْيَمُ بِابْنِها عِيسى مِن مَلِكِهِمْ، ثُمَّ رَجَعَتْ إلى أهْلِها بَعْدَ اثْنَتَيْ عَشْرَةً سَنَةً.

قالَ وهَبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: وكانَ المَلِكُ أرادَ قَتْلَ عِيسى.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُوا۟ مِنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ وَٱعْمَلُوا۟ صَـٰلِحًا ۖ إِنِّى بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌۭ ٥١ وَإِنَّ هَـٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمْ أُمَّةًۭ وَٰحِدَةًۭ وَأَنَا۠ رَبُّكُمْ فَٱتَّقُونِ ٥٢ فَتَقَطَّعُوٓا۟ أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُرًۭا ۖ كُلُّ حِزْبٍۭ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ٥٣ فَذَرْهُمْ فِى غَمْرَتِهِمْ حَتَّىٰ حِينٍ ٥٤ أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِۦ مِن مَّالٍۢ وَبَنِينَ ٥٥ نُسَارِعُ لَهُمْ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ ۚ بَل لَّا يَشْعُرُونَ ٥٦

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الرُّسُلُ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ في آخَرِينَ: يَعْنِي بِالرُّسُلِ هاهُنا: مُحَمَّدًا  وحْدَهُ، وهو مَذْهَبُ العَرَبِ في مُخاطَبَةِ الواحِدِ خِطابَ الجَمِيعِ، ويَتَضَمَّنُ هَذا أنَّ الرُّسُلَ جَمِيعًا كَذا أُمِرُوا، وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ ابْنُ قُتَيْبَةَ والزَّجّاجُ، والمُرادُ بِالطَّيِّباتِ: الحَلالُ.

قالَ عَمْرُو بْنُ شُرَحْبِيلَ: كانَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ يَأْكُلُ مِن غَزْلِ أُمِّهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: ( وأنَّ ) بِالفَتْحِ وتَشْدِيدِ النُّونِ.

وافَقَ ابْنُ عامِرٍ في فَتْحِ الألِفِ، لَكِنَّهُ سَكَّنَ النُّونَ.

وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( وإنَّ ) بِكَسْرِ الألِفِ وتَشْدِيدِ النُّونِ.

قالَ الفَرّاءُ: مَن فَتَحَ عَطَفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ إنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ ، وبِأنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم، فَمَوْضِعُها خَفْصٌ؛ لِأنَّها مَرْدُودَةٌ عَلى " ما "، وإنْ شِئْتَ كانَتْ مَنصُوبَةً بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، كَأنَّكَ قُلْتَ: واعْلَمُوا هَذا، ومَن كَسَرَ اسْتَأْنَفَ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: وأمّا ابْنُ عامِرٍ فَإنَّهُ خَفَّفَ النُّونَ المُشَدَّدَةَ، وإذا خُفِّفَتْ تَعَلَّقَ بِها ما يَتَعَلَّقُ بِالمُشَدَّدَةِ.

وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى الآيَةِ والَّتِي بَعْدَها في ( الأنْبِياءِ: ٩٢ ) إلى قَوْلِهِ: ﴿ زُبُرًا ﴾ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: ( زُبَرًا ) بِرَفْعِ الزّايِ وفَتْحِ الباءِ.

وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ وابْنُ السَّمَيْفَعِ: ( زُبْرًا ) بِرَفْعِ الزّايِ وإسْكانِ الباءِ.

قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ: ( زُبُرًا ) بِضَمِّ الباءِ، فَتَأْوِيلُهُ: جَعَلُوا دِينَهم كُتُبًا مُخْتَلِفَةً، جَمْعُ زَبُورٍ.

ومَن قَرَأ: ( زُبَرًا ) بِفَتْحِ الباءِ، أرادَ: قِطَعًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴾ ؛ أيْ: بِما عِنْدَهم مِنَ الدِّينِ الَّذِي ابْتَدَعُوهُ مُعْجَبُونَ، يَرَوْنَ أنَّهم عَلى الحَقِّ.

وَفِي المُشارِ إلَيْهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم أهْلُ الكِتابِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: أنَّهم أهْلُ الكِتابِ ومُشْرِكُو العَرَبِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: ( في غَمَراتِهِمْ ) عَلى الجَمْعِ.

قالَ الزَّجّاجُ: في عَمايَتِهِمْ وحَيْرَتِهِمْ.

﴿ حَتّى حِينٍ ﴾ ؛ أيْ: إلى حِينِ يَأْتِيهِمْ ما وُعِدُوا بِهِ مِنَ العَذابِ.

قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي: كُفّارَ مَكَّةَ.

* فَصْلٌ وَهَلْ هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ أمْ لا ؟

فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.

والثّانِي: أنَّ مَعْناها التَّهْدِيدُ فَهي مُحْكَمَةٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ ﴾ وقَرَأ عِكْرِمَةُ وأبُو الجَوْزاءِ: ( يُمِدُّهم ) بِالياءِ المَرْفُوعَةِ وكَسْرِ المِيمِ.

وقَرَأ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: ( نَمُدُّهم ) بِنُونٍ مَفْتُوحَةٍ ورَفْعِ المِيمِ.

قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أيَحْسَبُونَ أنَّ الَّذِي نَمُدُّهم بِهِ ﴿ مِن مالٍ وبَنِينَ ﴾ مُجازاةٌ لَهم ؟

إنَّما هو اسْتِدْراجٌ.

﴿ نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ ﴾ ؛ أيْ: نُسارِعُ لَهم بِهِ في الخَيْراتِ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وأيُّوبُ السِّخْتِيانِيُّ: ( يُسارِعُ ) بِياءٍ مَرْفُوعَةٍ وكَسْرِ الرّاءِ.

وقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ وأبُو المُتَوَكِّلِ مِثْلَهُ، إلّا أنَّهُما فَتَحا الرّاءَ.

وقَرَأ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: ( يُسْرِعُ ) بِياءٍ مَرْفُوعَةٍ وسُكُونِ السِّينِ ونُصْبِ الرّاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ لا يَشْعُرُونَ ﴾ ؛ أيْ: لا يَعْلَمُونَ أنَّ ذَلِكَ اسْتِدْراجٌ لَهم.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ ٥٧ وَٱلَّذِينَ هُم بِـَٔايَـٰتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ ٥٨ وَٱلَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ ٥٩ وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ ءَاتَوا۟ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَٰجِعُونَ ٦٠ أُو۟لَـٰٓئِكَ يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ وَهُمْ لَهَا سَـٰبِقُونَ ٦١

ثُمَّ ذَكَرَ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ هم مِن خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ ﴾ وقَدْ شَرَحْنا هَذا المَعْنى في قَوْلِهِ: ﴿ وَهم مِن خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا ﴾ وقَرَأ عاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: ( يَأْتُونَ ما أتَوْا ) بِقَصْرِ هَمْزَةِ ( أتَوْا ) .

«وَسَألَتْ عائِشَةُ رَسُولَ اللَّهِ  عَنْ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ أهَمُ الَّذِينَ يُذْنِبُونَ وهم مُشْفِقُونَ ؟

فَقالَ: " لا، بَلْ هُمُ الَّذِينَ يُصَلُّونَ وهم مُشْفِقُونَ، ويَصُومُونَ وهم مُشْفِقُونَ، ويَتَصَدَّقُونَ وهم مُشْفِقُونَ أنْ لا يُتَقَبَّلَ مِنهم "» .

قالَ الزَّجّاجُ: فَمَعْنى ﴿ يُؤْتُونَ ﴾ : يُعْطُونَ ما أعْطَوْا وهم يَخافُونَ أنْ لا يُتَقَبَّلَ مِنهم.

﴿ أنَّهم إلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ ﴾ ؛ أيْ: لِأنَّهم يُوقِنُونَ أنَّهم يَرْجِعُونَ.

ومَعْنى " يَأْتُونَ ": يَعْمَلُونَ الخَيْراتِ وقُلُوبُهم خائِفَةٌ أنْ يَكُونُوا مَعَ اجْتِهادِهِمْ مُقَصِّرِينَ.

﴿ أُولَئِكَ يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ ﴾ وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ وابْنُ السَّمَيْفَعِ: ( يُسْرِعُونَ ) بِرَفْعِ الياءِ وإسْكانِ السِّينِ وكَسْرِ الرّاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ.

قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: أسْرَعْتُ وسارَعْتُ في مَعْنًى واحِدٍ، إلّا أنَّ سارَعْتُ أبْلَغُ مِن أسْرَعَتُ.

﴿ وَهم لَها ﴾ ؛ أيْ: مِن أجْلِها، وهَذا كَما تَقُولُ: أنا أُكْرِمُ فُلانًا لَكَ؛ أيْ: مِن أجْلِكَ.

وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: الوَجَلُ المَذْكُورُ هاهُنا واقِعٌ عَلى مُضْمَرٍ.

<div class="verse-tafsir"

وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۖ وَلَدَيْنَا كِتَـٰبٌۭ يَنطِقُ بِٱلْحَقِّ ۚ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ٦٢ بَلْ قُلُوبُهُمْ فِى غَمْرَةٍۢ مِّنْ هَـٰذَا وَلَهُمْ أَعْمَـٰلٌۭ مِّن دُونِ ذَٰلِكَ هُمْ لَهَا عَـٰمِلُونَ ٦٣ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِم بِٱلْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْـَٔرُونَ ٦٤ لَا تَجْـَٔرُوا۟ ٱلْيَوْمَ ۖ إِنَّكُم مِّنَّا لَا تُنصَرُونَ ٦٥ قَدْ كَانَتْ ءَايَـٰتِى تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَىٰٓ أَعْقَـٰبِكُمْ تَنكِصُونَ ٦٦ مُسْتَكْبِرِينَ بِهِۦ سَـٰمِرًۭا تَهْجُرُونَ ٦٧

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَدَيْنا كِتابٌ ﴾ يَعْنِي: اللَّوْحَ المَحْفُوظَ.

﴿ يَنْطِقُ بِالحَقِّ ﴾ قَدْ أُثْبِتَ فِيهِ أعْمالُ الخَلْقِ فَهو يَنْطِقُ بِما يَعْمَلُونَ، ﴿ وَهم لا يُظْلَمُونَ ﴾ ؛ أيْ: لا يُنْقَصُونَ مِن ثَوابِ أعْمالِهِمْ.

ثُمَّ عادَ إلى الكُفّارِ فَقالَ: ﴿ بَلْ قُلُوبُهم في غَمْرَةٍ مِن هَذا ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: في غَفْلَةٍ عَنِ الإيمانِ بِالقُرْآنِ.

وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: في عَمًى عَنْ هَذا القُرْآنِ.

قالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى ما وُصِفَ مِن أعْمالِ البِرِّ في قَوْلِهِ: ﴿ أُولَئِكَ يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ ﴾ ، فَيَكُونَ المَعْنى: بَلْ قُلُوبُ هَؤُلاءِ في عَمايَةٍ مِن هَذا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى الكِتابِ، فَيَكُونُ المَعْنى: بَلْ قُلُوبُهم في غَمْرَةٍ مِنَ الكِتابِ الَّذِي يَنْطِقُ بِالحَقِّ وأعْمالُهم مُحْصاةٌ فِيهِ.

فَخَرَجَ في المُشارِ إلَيْهِ بِـ " هَذا " ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: القُرْآنُ.

والثّانِي: أعْمالُ البِرِّ.

والثّالِثُ: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَهم أعْمالٌ مِن دُونِ ذَلِكَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أعْمالٌ سَيِّئَةٌ دُونَ الشِّرْكِ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: خَطايا سَيِّئَةٌ مِن دُونِ ذَلِكَ الحَقِّ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: مِن دُونِ أعْمالِ المُؤْمِنِينَ وأهْلِ التَّقْوى والخَشْيَةِ.

والثّالِثُ: أعْمالٌ غَيْرُ الأعْمالِ الَّتِي ذُكِرُوا بِها سَيَعْمَلُونَها، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والرّابِعُ: أعْمالٌ - مِن قَبْلِ الحِينِ الَّذِي قَدَّرَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ يُعَذِّبُهم عِنْدَ مَجِيئِهِ - مِنَ المَعاصِي، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هم لَها عامِلُونَ ﴾ إخْبارٌ بِما سَيَعْمَلُونَهُ مِن أعْمالِهِمَ الخَبِيثَةِ الَّتِي كُتِبَتْ عَلَيْهِمْ لا بُدَّ لَهم مِن عَمَلِها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ ﴾ ؛ أيْ: أغْنِياءَهم ورُؤَساءَهم، والإشارَةُ إلى قُرَيْشٍ.

وفي المُرادِ ﴿ بِالعَذابِ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ضَرْبُ السُّيُوفِ يَوْمَ بَدْرٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ.

والثّانِي: الجُوعُ الَّذِي عُذِّبُوا بِهِ سَبْعَ سِنِينَ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

و ﴿ يَجْأرُونَ ﴾ بِمَعْنى: يَصِيحُونَ.

﴿ لا تَجْأرُوا اليَوْمَ ﴾ ؛ أيْ: لا تَسْتَغِيثُوا مِنَ العَذابِ، ﴿ إنَّكم مِنّا لا تُنْصَرُونَ ﴾ ؛ أيْ: لا تُمْنَعُونَ مِن عَذابِنا.

﴿ قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ ﴾ يَعْنِي: القُرْآنَ، ﴿ فَكُنْتُمْ عَلى أعْقابِكم تَنْكِصُونَ ﴾ ؛ أيْ: تَرْجِعُونَ وتَتَأخَّرُونَ عَنِ الإيمانِ بِها، ﴿ مُسْتَكْبِرِينَ ﴾ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ بِهِ ﴾ الكِنايَةُ عَنِ البَيْتِ الحَرامِ، وهي كِنايَةٌ عَنْ غَيْرِ مَذْكُورٍ، والمَعْنى: إنَّكم تَسْتَكْبِرُونَ وتَفْتَخِرُونَ بِالبَيْتِ والحَرَمِ؛ لِأمْنِكم فِيهِ مَعَ خَوْفِ سائِرِ النّاسِ في مَواطِنِهِمْ.

تَقُولُونَ: نَحْنُ أهْلُ الحَرَمِ فَلا نَخافُ أحَدًا، ونَحْنُ أهْلُ بَيْتِ اللَّهِ ووُلاتُهُ، هَذا مَذْهَبُ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ.

قالَ الزَّجّاجُ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الهاءُ في " بِهِ " لِلْكِتابِ، فَيَكُونَ المَعْنى: تُحْدِثُ لَكم تِلاوَتُهُ عَلَيْكُمُ اسْتِكْبارًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سامِرًا ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْناهُ: تَهْجُرُونَ سُمّارًا، والسّامِرُ بِمَعْنى السُّمّارِ، بِمَنزِلَةِ طِفْلٍ في مَوْضِعِ أطْفالٍ، وهو مِن سَمَرِ اللَّيْلِ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " سامِرًا "؛ أيْ: مُتَحَدِّثِينَ لَيْلًا، والسَّمَرُ: حَدِيثُ اللَّيْلِ.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: ( سُمَّرًا ) بِضَمِّ السِّينِ وتَشْدِيدِ المِيمِ وفَتْحِها، جَمْعُ سامِرٍ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو رَجاءٍ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: ( سُمّارًا ) بِرَفْعِ السِّينِ وتَشْدِيدِ المِيمِ وألْفٍ بَعْدَها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَهْجُرُونَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( تَهْجُرُونَ ) بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ الجِيمِ.

وفي مَعْناها أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: تَهْجُرُونَ ذِكْرَ اللَّهِ والحَقَّ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: تَهْجُرُونَ كِتابَ اللَّهِ تَعالى ونَبِيَّهُ  ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: تَهْجُرُونَ البَيْتَ، قالَهُ أبُو صالِحٍ.

وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كانَتْ قُرَيْشٌ تَسْمُرُ حَوْلَ البَيْتِ، وتَفْتَخِرُ بِهِ ولا تَطُوفُ بِهِ.

والرّابِعُ: تَقُولُونَ هَجْرًا مِنَ القَوْلِ، وهو اللَّغْوُ والهَذَيانُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

قالَ الفَرّاءُ: يُقالُ: قَدْ هَجَرَ الرَّجُلُ في مَنامِهِ: إذا هَذى، والمَعْنى: إنَّكم تَقُولُونَ في رَسُولِ اللَّهِ  ما لَيْسَ فِيهِ وما لا يَضُرُّهُ.

وَقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، ونافِعٌ: ( تَهْجُرُونَ ) بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الجِيمِ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وهَذا مِنَ الهَجْرِ، وهو السَّبُّ والإفْحاشُ مِنَ المَنطِقِ، يُرِيدُ: سَبُّهم لِلنَّبِيِّ  ومَنِ اتَّبَعَهُ.

وقَرَأ أبُو العالِيَةِ، وعِكْرِمَةُ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وأبُو نَهِيكٍ: ( تُهَجِّرُونَ ) بِتَشْدِيدِ الجِيمِ ورَفْعِ التّاءِ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ومَعْناها مَعْنى قِراءَةِ ابْنِ عَبّاسٍ.

<div class="verse-tafsir"

أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا۟ ٱلْقَوْلَ أَمْ جَآءَهُم مَّا لَمْ يَأْتِ ءَابَآءَهُمُ ٱلْأَوَّلِينَ ٦٨ أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا۟ رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُۥ مُنكِرُونَ ٦٩ أَمْ يَقُولُونَ بِهِۦ جِنَّةٌۢ ۚ بَلْ جَآءَهُم بِٱلْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَـٰرِهُونَ ٧٠

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَلَمْ يَدَّبَّرُوا القَوْلَ ﴾ يَعْنِي: القُرْآنَ، فَيَعْرِفُوا ما فِيهِ مِنَ الدَّلالاتِ والعِبَرِ عَلى صِدْقِ رَسُولِهِمْ.

﴿ أمْ جاءَهم ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الأوَّلِينَ ﴾ المَعْنى: ألَيْسَ قَدْ أُرْسِلَ الأنْبِياءُ إلى أُمَمِهِمْ كَما أُرْسِلَ مُحَمَّدٌ  ؟

﴿ أمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ ﴾ هَذا تَوْبِيخٌ لَهم؛ لِأنَّهم عَرَفُوا نَسَبَهُ وصِدْقَهُ وأمانَتَهُ، صَغِيرًا وكَبِيرًا، ثُمَّ أعْرَضُوا عَنْهُ.

والجِنَّةُ: الجُنُونُ، ﴿ بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ ﴾ يَعْنِي: القُرْآنَ.

<div class="verse-tafsir"

وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ بَلْ أَتَيْنَـٰهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ ٧١ أَمْ تَسْـَٔلُهُمْ خَرْجًۭا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌۭ ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ ٧٢ وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ ٧٣

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهُمْ ﴾ في المُرادِ بِالحَقِّ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ جُرَيْجٍ، والسُّدِّيُّ في آخَرِينَ.

والثّانِي: أنَّهُ القُرْآنُ، ذَكَرَهُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ.

فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ يَكُونُ المَعْنى: لَوْ جَعَلَ اللَّهُ لِنَفْسِهِ شَرِيكًا كَما يُحِبُّونَ.

وعَلى الثّانِي: لَوْ نَزَلَ القُرْآنُ بِما يُحِبُّونَ مِن جَعْلِ شَرِيكٍ لِلَّهِ.

﴿ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ بَلْ أتَيْناهم بِذِكْرِهِمْ ﴾ ؛ أيْ: بِما فِيهِ شَرَفُهم وفَخْرُهم، وهو القُرْآنُ.

﴿ فَهم عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ ﴾ ؛ أيْ: قَدْ تَوَلَّوْا عَمّا جاءَهم مِن شَرَفِ الدُّنْيا والآخِرَةِ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو الجَوْزاءِ: ( بَلْ أتَيْناهم بِذِكْراهم فَهم عَنْ ذِكْراهم مُعْرِضُونَ ) بِألِفٍ فِيهِما.

﴿ أمْ تَسْألُهُمْ ﴾ عَمّا جِئْتَهم بِهِ، ﴿ خَرْجًا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ: ( خَرْجًا ) بِغَيْرِ ألِفٍ، [ ( فَخَراجُ ) بِألِفٍ ] .

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: ( خَرْجًا فَخَرْجُ ) بِغَيْرِ ألِفٍ في الحَرْفَيْنِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ( خَراجًا ) بِألِفٍ، ( فَخَراجُ ) بِألِفٍ في الحَرْفَيْنِ.

ومَعْنى " خَرْجًا ": أجْرًا ومالًا.

﴿ فَخَراجُ رَبِّكَ ﴾ ؛ أيْ: فَما يُعْطِيكَ رَبُّكَ مِن أجْرِهِ وثَوابِهِ، ﴿ خَيْرٌ وهو خَيْرٌ الرّازِقِينَ ﴾ ؛ أيْ: أفْضَلُ مَن أعْطى، وهَذا عَلى سَبِيلِ التَّنْبِيهِ لَهم أنَّهُ لَمْ يَسْألْهم أجْرًا، لا أنَّهُ قَدْ سَألَهم.

والنّاكِبُ: العادِلُ، يُقالُ: نَكَبَ عَنِ الطَّرِيقِ؛ أيْ: عَدَلَ عَنْهُ.

<div class="verse-tafsir"

وَإِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْـَٔاخِرَةِ عَنِ ٱلصِّرَٰطِ لَنَـٰكِبُونَ ٧٤ ۞ وَلَوْ رَحِمْنَـٰهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِم مِّن ضُرٍّۢ لَّلَجُّوا۟ فِى طُغْيَـٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ ٧٥ وَلَقَدْ أَخَذْنَـٰهُم بِٱلْعَذَابِ فَمَا ٱسْتَكَانُوا۟ لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ ٧٦ حَتَّىٰٓ إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًۭا ذَا عَذَابٍۢ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ ٧٧

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ رَحِمْناهم وكَشَفْنا ما بِهِمْ مِن ضُرٍّ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الضُّرُّ هاهُنا: الجُوعُ الَّذِي نَزَلَ بِأهْلِ مَكَّةَ حِينَ دَعا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ  ، فَقالَ: " «اللَّهُمَّ أعِنِّي عَلى قُرَيْشٍ بِسِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ "، فَجاءَ أبُو سُفْيانَ إلى رَسُولِ اللَّهِ  ، فَشَكا إلَيْهِ الضُّرَّ وأنَّهم قَدْ أكَلُوا القَدَّ والعِظامَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ والَّتِي بَعْدَها، وهو العَذابُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿ وَلَقَدْ أخَذْناهم بِالعَذابِ ﴾ » .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى إذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا ذا عَذابٍ شَدِيدٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ يَوْمَ بَدْرٍ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ الجُوعُ الَّذِي أصابَهم، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: بابٌ مِن عَذابِ جَهَنَّمَ في الآخِرَةِ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذا هم فِيهِ مُبْلِسُونَ ﴾ وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو نَهِيِكٍ، ومُعاذٌ القارِئُ: ( مُبْلَسُونَ ) بِفَتْحِ اللّامِ.

وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى المُبْلِسِ في ( الأنْعامِ: ٤٥ ) .

<div class="verse-tafsir"

وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَنشَأَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلْأَبْصَـٰرَ وَٱلْأَفْـِٔدَةَ ۚ قَلِيلًۭا مَّا تَشْكُرُونَ ٧٨ وَهُوَ ٱلَّذِى ذَرَأَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ٧٩ وَهُوَ ٱلَّذِى يُحْىِۦ وَيُمِيتُ وَلَهُ ٱخْتِلَـٰفُ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ٨٠ بَلْ قَالُوا۟ مِثْلَ مَا قَالَ ٱلْأَوَّلُونَ ٨١ قَالُوٓا۟ أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًۭا وَعِظَـٰمًا أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ٨٢ لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَءَابَآؤُنَا هَـٰذَا مِن قَبْلُ إِنْ هَـٰذَآ إِلَّآ أَسَـٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ ٨٣ قُل لِّمَنِ ٱلْأَرْضُ وَمَن فِيهَآ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ٨٤ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ۚ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ٨٥

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَلِيلا ما تَشْكُرُونَ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: يُرِيدُ: أنَّهم لا يَشْكُرُونَ أصْلًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَرَأكم في الأرْضِ ﴾ ؛ أيْ: خَلَقَكم مِنَ الأرْضِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ ﴾ ؛ أيْ: هو الَّذِي جَعَلَهُما مُخْتَلِفَيْنِ يَتَعاقَبانِ ويَخْتَلِفانِ في السَّوادِ والبَياضِ.

﴿ أفَلا تَعْقِلُونَ ﴾ ما تَرَوْنَ مِن صُنْعِهِ ؟

وما بَعْدُ هَذا ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿ قُلْ لِمَنِ الأرْضُ ﴾ ؛ أيْ: قُلْ لِأهْلِ مَكَّةَ المُكَذِّبِينَ بِالبَعْثِ: لِمَنِ الأرْضُ، ﴿ وَمَن فِيها ﴾ مِنَ الخَلْقِ، ﴿ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ بِحالِها، ﴿ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو: ( لِلَّهِ ) بِغَيْرِ ألِفٍ هاهُنا وفي اللَّذَيْنِ بَعْدَها بِألِفٍ.

وقَرَأ الباقُونَ: ( لِلَّهِ ) في المَواضِعِ الثَّلاثَةِ.

وقِراءَةُ أبِي عَمْرٍو عَلى القِياسِ.

قالَ الزَّجّاجُ: ومَن قَرَأ: ( سَيَقُولُونَ اللَّهُ ) فَهو جَوابُ السُّؤالِ، ومَن قَرَأ: ( لِلَّهِ ) فَجَيِّدٌ أيْضًا؛ لِأنَّكَ إذا قُلْتَ: مَن صاحِبُ هَذِهِ الدّارُ ؟

فَقِيلَ: لِزَيْدٍ، جازَ؛ لِأنَّ مَعْنى ( مَن صاحِبُ هَذِهِ الدّارِ ؟

): لِمَن هي.

وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: مَن قَرَأ: ( لِلَّهِ ) في المَوْضِعَيْنِ الآخَرَيْنِ، فَقَدْ أجابَ عَلى المَعْنى دُونَ ما يَقْتَضِيهِ اللَّفْظُ.

وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ: ( سَيَقُولُونَ اللَّهُ ) ( اللَّهُ ) ( اللَّهُ ) بِألِفٍ فِيهِنَّ كُلِّهِنَّ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ الأهْوازِيُّ: وهو في مَصاحِفِ أهْلِ البَصْرَةِ بِألِفٍ فِيهِنَّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ أفَلا تَذَكَّرُونَ ﴾ فَتَعْلَمُونَ أنَّ مَن قَدَرَ عَلى خَلْقِ ذَلِكَ ابْتِداءً، أقْدَرُ عَلى إحْياءِ الأمْواتِ.

<div class="verse-tafsir"

قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ ٱلسَّبْعِ وَرَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ ٨٦ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ۚ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ ٨٧ قُلْ مَنۢ بِيَدِهِۦ مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْءٍۢ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ٨٨ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ۚ قُلْ فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ ٨٩

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَلا تَتَّقُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: تَتَّقُونَ عِبادَةَ غَيْرِهِ.

والثّانِي: تَخْشَوْنَ عَذابَهُ.

فَأمّا المَلَكُوتُ فَقَدْ شَرَحْناهُ في ( الأنْعامِ: ٧٥ ) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ ﴾ ؛ أيْ: يَمْنَعُ [ مِنَ ] السُّوءِ مَن شاءَ، ولا يَمْنَعُ مِنهُ مَن أرادَهُ بِسُوءٍ، يُقالُ: أجْرُتُ فُلانًا؛ أيْ: حَمَيْتُهُ، وأجَرْتُ عَلَيْهِ؛ أيْ: حَمَيْتُ عَنْهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأنّى تُسْحَرُونَ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أنّى تُخْدَعُونَ وتُصْرَفُونَ عَنْ هَذا ؟

<div class="verse-tafsir"

بَلْ أَتَيْنَـٰهُم بِٱلْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ ٩٠ مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍۢ وَمَا كَانَ مَعَهُۥ مِنْ إِلَـٰهٍ ۚ إِذًۭا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍۭ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍۢ ۚ سُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ٩١ عَـٰلِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ فَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ ٩٢

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ أتَيْناهم بِالحَقِّ ﴾ ؛ أيْ: بِالتَّوْحِيدِ والقُرْآنِ، ﴿ وَإنَّهم لَكاذِبُونَ ﴾ فِيما يُضِيفُونَ إلى اللَّهِ مِنَ الوَلَدِ والشَّرِيكِ، ثُمَّ نَفاهُما عَنْهُ بِما بَعْدَ هَذا إلى قَوْلِهِ: ﴿ إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِما خَلَقَ ﴾ ؛ أيْ: لانْفَرَدَ بِخَلْقِهِ ولَمْ يَرْضَ أنْ يُضافَ خَلْقُهُ وإنْعامُهُ إلى غَيْرِهِ، ولَمَنَعَ الإلَهَ الآخَرَ عَنِ الِاسْتِيلاءِ عَلى ما خَلَقَ، ﴿ وَلَعَلا بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ ﴾ ؛ أيْ: غَلَبَ بَعْضُهم بَعْضًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عالِمِ الغَيْبِ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو [ عَمْرٍو، وابْنُ ] عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( عالِمِ ) بِالخَفْضِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( عالِمُ ) بِالرَّفْعِ.

قالَ الأخْفَشُ: الجَرُّ أجْوَدُ؛ لِيَكُونَ الكَلامُ مِن وجْهٍ واحِدٍ، والرَّفْعُ عَلى أنْ يَكُونَ خَبَرَ ابْتِداءٍ مَحْذُوفٍ، ويُقَوِّيهِ أنَّ الكَلامَ الأوَّلَ قَدِ انْقَطَعَ.

<div class="verse-tafsir"

قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّى مَا يُوعَدُونَ ٩٣ رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِى فِى ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ ٩٤ وَإِنَّا عَلَىٰٓ أَن نُّرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَـٰدِرُونَ ٩٥ ٱدْفَعْ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ ٱلسَّيِّئَةَ ۚ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ ٩٦ وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَٰتِ ٱلشَّيَـٰطِينِ ٩٧ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ ٩٨

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إمّا تُرِيَنِّي ﴾ وقَرَأ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ والضَّحّاكُ: ( تُرِئَنِّي ) بِالهَمْزِ بَيْنَ الرّاءِ والنُّونِ مِن غَيْرِ ياءٍ والمَعْنى: إنْ أرَيْتَنِي ما يُوعَدُونَ مِنَ القَتْلِ والعَذابِ، فاجْعَلْنِي خارِجًا عَنْهم ولا تُهْلِكْنِي بِهَلاكِهِمْ، فَأراهُ اللَّهُ تَعالى ما وعَدَهم بِبَدْرٍ وغَيْرِها، ونَجّاهُ ومَن مَعَهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ السَّيِّئَةَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: ادْفَعْ إساءَةَ المُسِيءِ بِالصَّفْحِ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: ادْفَعِ الفُحْشَ بِالسَّلامِ، قالَهُ عَطاءٌ والضَّحّاكُ.

والثّالِثُ: ادْفَعِ الشِّرْكَ بِالتَّوْحِيدِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والرّابِعُ: ادْفَعِ المُنْكَرَ بِالمَوْعِظَةِ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

وذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّ هَذا مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَصِفُونَ ﴾ ؛ أيْ: بِما يَقُولُونَ مِنَ الشِّرْكِ والتَّكْذِيبِ، والمَعْنى: إنّا نُجازِيهِمْ عَلى ذَلِكَ.

﴿ وَقُلْ رَبِّ أعُوذُ ﴾ ؛ أيْ: ألْجَأُ وأمْتَنِعُ، ﴿ بِكَ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو نَخْسُها وطَعْنُها، ومِنهُ قِيلَ لِلَعائِبِ: هُمَزَةٌ، كَأنَّهُ يَطْعَنُ ويَنْخَسُ إذا عابَ.

وقالَ ابْنُ فارِسٍ: الهَمْزُ كالعَصْرِ، يُقالُ: هَمَزْتُ الشَّيْءَ في كَفِّي، ومِنهُ الهَمْزُ في الكَلامِ؛ لِأنَّهُ كَأنَّهُ يَضْغَطُ الحَرْفَ.

وقالَ غَيْرُهُ: الهَمْزُ في اللُّغَةِ: الدَّفْعُ، وهَمَزاتُ الشَّياطِينِ: دَفْعُهم بِالإغْواءِ إلى المَعاصِي.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ يَحْضُرُونِ ﴾ ؛ أيْ: أنْ يَشْهَدُونَ، والمَعْنى: أنْ يُصِيبُونِي بِسُوءٍ؛ لِأنَّ الشَّيْطانَ لا يَحْضُرُ ابْنَ آدَمَ إلّا بِسُوءٍ.

ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ المُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ يَسْألُونَ الرَّجْعَةَ إلى الدُّنْيا عِنْدَ المَوْتِ بِالآيَةِ الَّتِي تَلِي هَذِهِ، وقِيلَ: هَذا السُّؤالُ مِنهم لِلْمَلائِكَةِ الَّذِينَ يَقْبِضُونَ أرْواحَهم.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالَ: ﴿ ارْجِعُونِ ﴾ وهو يُرِيدُ: ارْجِعْنِي ؟

فالجَوابُ: أنَّ هَذا اللَّفْظَ تَعْرِفُهُ العَرَبُ لِلْعَظِيمِ الشَّأْنِ، وذَلِكَ أنَّهُ يُخْبِرُ عَنْ نَفْسِهِ [ فِيهِ ] بِما تُخْبِرُ بِهِ الجَماعَةُ، كَقَوْلِهِ: ﴿ إنّا نَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ  ﴾ ، فَجاءَ خِطابُهُ كَإخْبارِهِ عَنْ نَفْسِهِ، هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.

<div class="verse-tafsir"

حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ٱرْجِعُونِ ٩٩ لَعَلِّىٓ أَعْمَلُ صَـٰلِحًۭا فِيمَا تَرَكْتُ ۚ كَلَّآ ۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا ۖ وَمِن وَرَآئِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ ١٠٠ فَإِذَا نُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَلَآ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍۢ وَلَا يَتَسَآءَلُونَ ١٠١ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ١٠٢ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ فِى جَهَنَّمَ خَـٰلِدُونَ ١٠٣ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَـٰلِحُونَ ١٠٤

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فِيما مَضى مِن عُمْرِي.

وقالَ مُقاتِلٌ: فِيما تَرَكْتُ مِنَ العَمَلِ الصّالِحِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَلا ﴾ ؛ أيْ: لا يُرْجَعُ إلى الدُّنْيا، ﴿ إنَّها ﴾ يَعْنِي: مَسْألَتُهُ الرَّجْعَةَ، ﴿ كَلِمَةٌ هو قائِلُها ﴾ ؛ أيْ: هو كَلامٌ لا فائِدَةَ لَهُ فِيهِ.

﴿ وَمِن ورائِهِمْ ﴾ ؛ أيْ: أمامِهم وبَيْنَ أيْدِيهِمْ، ﴿ بَرْزَخٌ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: البَرْزَخُ: ما بَيْنَ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وكُلُّ شَيْءٍ بَيْنَ شَيْئَيْنِ فَهو بَرْزَخٌ.

وقالَ الزَّجّاجُ: البَرْزَخُ في اللُّغَةِ: الحاجِزُ، وهو هاهُنا ما بَيْنَ مَوْتِ المَيِّتِ وبَعْثِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ ﴾ في هَذِهِ النَّفْخَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها النَّفْخَةُ الأُولى، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّها الثّانِيَةُ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا أنْسابَ بَيْنَهُمْ ﴾ في الكَلامِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: لا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ يَتَفاخَرُونَ بِها أوْ يَتَقاطَعُونَ بِها؛ لِأنَّ الأنْسابَ لا تَنْقَطِعُ يَوْمَئِذٍ، إنَّما يُرْفَعُ التَّواصُلُ والتَّفاخُرُ بِها.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَلا يَتَساءَلُونَ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لا يَتَساءَلُونَ بِالأنْسابِ أنْ يَتْرُكَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ حَقَّهُ.

والثّانِي: لا يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا عَنْ شَأْنِهِ لِاشْتِغالِ كُلِّ واحِدٍ بِنَفْسِهِ.

والثّالِثُ: لا يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا مِن أيِّ قَبِيلٍ أنْتَ، كَما تَفْعَلُ العَرَبُ لِتَعْرِفَ النَّسَبَ فَتَعْرِفَ قَدْرَ الرَّجُلِ.

وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ [ الأعْرافِ: ٨ ] إلى قَوْلِهِ: ﴿ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النّارُ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: تَلْفَحُ وتَنْفَحُ بِمَعْنًى واحِدٍ، إلّا أنَّ اللَّفْحَ أعْظَمُ تَأْثِيرًا.

والكالِحُ: الَّذِي قَدْ تَشَمَّرَتْ شَفَتُهُ عَنْ أسْنانِهِ، نَحْوَ ما تَرى [ مِن ] رُءُوسِ الغَنَمِ إذا بَرَزَتِ الأسْنانُ وتَشَمَّرَتِ الشِّفاهُ.

وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: قَدْ بَدَتْ أسْنانُهم وتَقَلَّصَتْ شِفاهُهم كالرَّأْسِ المَشِيطِ بِالنّارِ.

ورَوى أبُو عَبْدِ اللَّهِ الحاكِمُ في " صَحِيحِهِ " مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  أنَّهُ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: " تَشْوِيهِ النّارُ فَتُقَلِّصُ شَفَتَهُ العُلْيا حَتّى تَبْلُغَ وسَطَ رَأْسِهِ، وتَسْتَرْخِيَ شَفَتُهُ السُّفْلى حَتّى تَبْلُغَ سُرَّتَهُ» " .

<div class="verse-tafsir"

أَلَمْ تَكُنْ ءَايَـٰتِى تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ ١٠٥ قَالُوا۟ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًۭا ضَآلِّينَ ١٠٦ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَـٰلِمُونَ ١٠٧ قَالَ ٱخْسَـُٔوا۟ فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ ١٠٨ إِنَّهُۥ كَانَ فَرِيقٌۭ مِّنْ عِبَادِى يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّٰحِمِينَ ١٠٩ فَٱتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّىٰٓ أَنسَوْكُمْ ذِكْرِى وَكُنتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ ١١٠ إِنِّى جَزَيْتُهُمُ ٱلْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوٓا۟ أَنَّهُمْ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ ١١١

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَكُنْ ﴾ المَعْنى: ويُقالُ لَهم: ألَمْ تَكُنْ، ﴿ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ ﴾ ، يَعْنِي: القُرْآنَ.

﴿ قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: ( شِقْوَتُنا ) بِكَسْرِ الشِّينِ مِن غَيْرِ ألِفٍ.

وقَرَأ عَمْرُو بْنُ العاصِ، وأبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ، وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ بِفَتْحِ الشِّينِ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، والحَسَنُ، والأعْمَشُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( شَقاوَتُنا ) بِألِفٍ مَعَ فَتْحِ الشِّينِ والقافِ.

وعَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ كَذَلِكَ، إلّا أنَّ الشِّينَ مَكْسُورَةٌ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: أقَرَّ القَوْمُ بِأنَّ ما كُتِبَ عَلَيْهِمْ مِنَ الشَّقاءِ مَنَعَهُمُ الهُدى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَبَّنا أخْرِجْنا مِنها ﴾ ؛ أيْ: مِنَ النّارِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: طَلَبُوا الرُّجُوعَ إلى الدُّنْيا.

﴿ فَإنْ عُدْنا ﴾ ؛ أيْ: إلى الكُفْرِ والمَعاصِي.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اخْسَئُوا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: تَباعَدُوا تَباعُدَ سَخَطٍ، يُقالُ: خَسَأْتُ الكَلْبَ أخْسَؤُهُ: إذا زَجَرْتَهُ لِيَتَباعَدَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تُكَلِّمُونِ ﴾ ؛ أيْ: في رَفْعِ العَذابِ عَنْكم.

قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: إنَّ أهْلَ جَهَنَّمَ يَدْعُونَ مالِكًا أرْبَعِينَ عامًا فَلا يُجِيبُهم، ثُمَّ يَقُولُ: ﴿ إنَّكم ماكِثُونَ  ﴾ ، ثُمَّ يُنادُونَ رَبَّهم ﴿ رَبَّنا أخْرِجْنا مِنها ﴾ فَيَدَعُهم مِثْلَ عُمْرِ الدُّنْيا، ثُمَّ يَقُولُ: ﴿ إنَّكم ماكِثُونَ ﴾ ، ثُمَّ يُنادُونَ رَبَّهم ﴿ رَبَّنا أخْرِجْنا مِنها ﴾ فَيَدَعُهم مِثْلَ عُمْرِ الدُّنْيا، ثُمَّ يَرُدُّ عَلَيْهِمُ ﴿ اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ ﴾ فَما يَنْبِسُ القَوْمُ بَعْدَ ذَلِكَ بِكَلِمَةٍ، إنْ كانَ إلّا الزَّفِيرُ والشَّهِيقُ.

ثُمَّ بَيَّنَ الَّذِي لِأجْلِهِ أخْسَأهم بِقَوْلِهِ: " إنَّهُ " .

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: ( أنَّهُ ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ.

" كانَ فَرِيقٌ مِن عِبادِي " قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ: المُهاجِرِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاتَّخَذْتُمُوهُمْ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الأجْوَدُ إدْغامُ الذّالِ في التّاءِ لِقُرْبِ المَخْرَجَيْنِ، وإنْ شِئْتَ أظْهَرْتَ؛ لِأنَّ الذّالَ مِن كَلِمَةٍ والتّاءَ مِن كَلِمَةٍ، وبَيْنَ الذّالِ والتّاءِ في المَخْرَجِ شَيْءٌ مِنَ التَّباعُدِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سِخْرِيًّا ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو حاتِمٍ عَنْ يَعْقُوبَ: ( سُخْرِيًّا ) بِضَمِّ السِّينِ هاهُنا وفي ( ص: ٦٣ )، تابَعَهُمُ المُفَضَّلُ في ( ص: ٣٢ ) .

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ بِكَسْرِ السِّينِ في السُّورَتَيْنِ.

ولَمْ يَخْتَلِفْ في ضَمِّ السِّينِ في الحَرْفِ الَّذِي في ( الزُّخْرُفِ: ٣٢ ) .

واخْتارَ الفَرّاءُ الضَّمَّ، والزَّجّاجُ الكَسْرَ.

وهَلْ هَما بِمَعْنًى ؟

فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُما لُغَتانِ ومَعْناهُما واحِدٌ، قالَهُ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ العَرَبِ: بَحْرٌ لُجِّيٌّ ولِجِّيٌّ، وكَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ودِرِّيٌّ.

والثّانِي: أنَّ الكَسْرَ بِمَعْنى الهَمْزِ، والضَّمَّ بِمَعْنى السُّخْرَةِ والِاسْتِعْبادِ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وحَكاهُ الفَرّاءُ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةُ.

قالَ أبُو عِلِيٍّ: قِراءَةُ مَن كَسَرَ أرْجَحُ مِن قِراءَةِ مَن ضَمَّ؛ لِأنَّهُ مِنَ الهُزْءِ، والأكْثَرُ في الهُزْءِ كَسْرُ السِّينِ.

قالَ مُقاتِلٌ: كانَ رُءُوسُ كُفّارِ قُرَيْشٍ، كَأبِي جَهْلٍ، وعُقْبَةَ، [ والوَلِيدِ ]، قَدِ اتَّخَذُوا فُقَراءَ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ  ، كَعَمّارٍ، وبِلالٍ، وخَبّابٍ، وصُهَيْبٍ، سِخْرِيًّا يَسْتَهْزِئُونَ بِهِمْ ويَضْحَكُونَ مِنهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى أنْسَوْكم ذِكْرِي ﴾ ؛ أيْ: أنْساكُمُ الِاشْتِغالُ بِالِاسْتِهْزاءِ بِهِمْ ذِكْرِي، فَنَسَبَ الفِعْلَ إلى المُؤْمِنِينَ وإنْ لَمْ يَفْعَلُوهُ؛ لِأنَّهم كانُوا السَّبَبَ في وُجُودِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنِّي جَزَيْتُهُمُ اليَوْمَ بِما صَبَرُوا ﴾ ؛ أيْ: عَلى أذاكم واسْتِهْزائِكم.

﴿ أنَّهُمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: ( أنَّهم ) بِفَتْحِ الألِفِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ( إنَّهم ) بِكَسْرِها.

فَمَن فَتَحَ ( أنَّهم ) فالمَعْنى: جَزْيَتُهم بِصَبْرِهِمُ الفَوْزَ، ومَن كَسَرَ ( إنَّهم ) اسْتَأْنَفَ.

<div class="verse-tafsir"

قَـٰلَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِى ٱلْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ ١١٢ قَالُوا۟ لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍۢ فَسْـَٔلِ ٱلْعَآدِّينَ ١١٣ قَـٰلَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًۭا ۖ لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ١١٤ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَـٰكُمْ عَبَثًۭا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ١١٥ فَتَعَـٰلَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ ۖ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْكَرِيمِ ١١٦ وَمَن يَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءَاخَرَ لَا بُرْهَـٰنَ لَهُۥ بِهِۦ فَإِنَّمَا حِسَابُهُۥ عِندَ رَبِّهِۦٓ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلْكَـٰفِرُونَ ١١٧ وَقُل رَّبِّ ٱغْفِرْ وَٱرْحَمْ وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّٰحِمِينَ ١١٨

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: ( قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ )، وهَذا سُؤالُ اللَّهِ تَعالى لِلْكافِرِينَ.

وفي وقْتِهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يَسْألُهم يَوْمَ البَعْثِ.

والثّانِي: بَعْدَ حُصُولِهِمْ في النّارِ.

وَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( قُلْ كَمْ لَبِثْتُمْ ) وفِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ خِطابٌ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم، والمَعْنى: قُلْ يا أيُّها الكافِرُ.

والثّانِي: أنَّ المَعْنى: قُولُوا، فَأخْرَجَهُ مَخْرَجَ الأمْرِ لِلْواحِدِ، والمُرادُ الجَماعَةُ؛ لِأنَّ المَعْنى مَفْهُومٌ.

وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ يُدْغِمُونَ ثاءَ ( لَبِثْتُمْ )، والباقُونَ لا يُدْغِمُونَها.

فَمَن أدْغَمَ فَلِتَقارُبِ مَخْرَجِ الثّاءِ والتّاءِ، ومَن لَمْ يُدْغِمْ فَلِتَبايُنِ المَخْرَجَيْنِ.

وَفِي المُرادِ بِالأرْضِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها القُبُورُ.

والثّانِي: الدُّنْيا.

فاحْتَقَرَ القَوْمُ ما لَبِثُوا لِما عايَنُوا مِنَ الأهْوالِ والعَذابِ، فَقالُوا: ﴿ لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: والمَعْنى: لا نَدْرِي كَمْ لَبِثْنا.

وَفِي المُرادِ بِالعادِّينَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: المَلائِكَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: الحِسابُ، قالَهُ قَتادَةُ.

وقَرَأ الحَسَنُ، والزُّهْرِيُّ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وابْنُ يَعْمُرَ: ( العادِينَ ) بِتَخْفِيفِ الدّالِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ إنْ لَبِثْتُمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: ( قالَ إنْ لَبِثْتُمْ ) .

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ( قُلْ إنْ لَبِثْتُمْ ) عَلى مَعْنى: قُلْ أيُّها السّائِلُ عَنْ لُبْثِهِمْ.

وزَعَمُوا أنَّ في مُصْحَفِ أهْلِ الكُوفَةِ: ( قُلْ ) في المَوْضِعَيْنِ، فَقَرَأهُما حَمْزَةُ والكِسائِيُّ عَلى ما في مَصاحِفِهِمْ؛ أيْ: ما لَبِثْتُمْ في الأرْضِ، ﴿ إلا قَلِيلا ﴾ ؛ لِأنَّ مُكْثَهم في الأرْضِ وإنْ طالَ، فَإنَّهُ مُتَناهٍ، ومُكْثَهم في النّارِ لا يَتَناهى.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ لَوْ أنَّكم كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لَوْ عَلِمْتُمْ قَدْرَ لُبْثِكم في الأرْضِ.

والثّانِي: لَوْ عَلِمْتُمْ أنَّكم إلى اللَّهِ تَرْجِعُونَ فَعَمِلْتُمْ لِذَلِكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَحَسِبْتُمْ ﴾ ؛ أيْ: أفَظَنَنْتُمْ.

﴿ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا ﴾ ؛ أيْ: لِلْعَبَثِ.

والعَبَثُ في اللُّغَةِ: اللَّعِبُ، وقِيلَ: هو الفِعْلُ لا لِغَرَضٍ صَحِيحٍ.

﴿ وَأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ: ( لا تُرْجَعُونَ ) بِضَمِّ التّاءِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِفَتْحِها.

﴿ فَتَعالى اللَّهُ ﴾ عَمّا يَصِفُهُ بِهِ الجاهِلُونَ مِنَ الشِّرْكِ والوَلَدِ.

﴿ المَلِكُ ﴾ قالَ الخَطّابِيُّ: هو التّامُّ المُلْكِ الجامِعُ لِأصْنافِ المَمْلُوكاتِ.

وأمّا المالِكُ: فَهو الخالِصُ المُلْكِ.

وقَدْ ذَكَرْنا مَعْنى ﴿ الحَقُّ ﴾ في ( يُونُسَ: ٣٢ ) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ ﴾ والكَرِيمُ في صِفَةِ الجَمادِ بِمَعْنى: الحَسَنِ.

وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: ( الكَرِيمُ ) بِرَفْعِ المِيمِ، يَعْنِي: اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ ﴾ ؛ أيْ: لا حُجَّةٌ لَهُ بِهِ ولا دَلِيلٌ.

وقالَ بَعْضُهم: مَعْناهُ: فَلا بُرْهانَ لَهُ بِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ ﴾ ؛ أيْ: جَزاؤُهُ عِنْدَ رَبِّهِ.

تَمَّ - بِعَوْنِ اللَّهِ تَبارَكَ وتَعالى - الجُزْءُ الخامِسُ مِن كِتابِ " زادِ المَسِيرِ في عِلْمِ التَّفْسِيرِ " ويَلِيهِ الجُزْءُ السّادِسُ وَأوَّلُهُ تَفْسِيرُ " سُورَةِ النُّورِ "

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله