زاد المسير سورة الحج

الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > تفسير سورة الحج

تفسيرُ سورةِ الحج كاملةً من زاد المسير (ابن الجوزي) (جمال الدين ابن الجوزي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 97 دقيقة قراءة

تفسير سورة الحج كاملةً (جمال الدين ابن الجوزي)

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ ۚ إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌۭ ١ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَـٰرَىٰ وَمَا هُم بِسُكَـٰرَىٰ وَلَـٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٌۭ ٢ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَـٰدِلُ فِى ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍۢ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَـٰنٍۢ مَّرِيدٍۢ ٣ كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُۥ مَن تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُۥ يُضِلُّهُۥ وَيَهْدِيهِ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ ٤

سُورَةُ الحَجِّ * فَصْلٌ: في نُزُولِها رَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها مَكِّيَّةٌ كُلُّها، غَيْرُ آيَتَيْنِ نَزَلَتا بِالمَدِينَةِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ ﴾ ، والَّتِي تَلِيها [ الحَجّ ١٢، ١٣ ] .

وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها مَدَنِيَّةٌ، إلّا أرْبَعَ آياتٍ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ.

.

.

﴾ إلى آخَرِ الأرْبَعِ [ الحَجّ: ٥٣ - ٥٧ ] .

وقالَ عَطاءُ بْنُ يَسارٍ: نَزَلَتْ بِمَكَّةَ إلّا ثَلاثَ آياتٍ مِنها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ: ﴿ هَذانِ خَصْمانِ ﴾ واللَّتانِ بَعْدَها [ الحَجّ: ٢٠ - ٢٢ ] .

وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: أوَّلُها مَدَنِيٌّ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَبَشِّرِ المُحْسِنِينَ  ﴾ وسائِرُها مَكِّيٌّ.

وقالَ الثَّعْلَبِيُّ: هي مَكِّيَّةٌ غَيْرَ سِتِّ آياتٍ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذانِ خَصْمانِ ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الحَمِيدِ ﴾ \[ الحَجّ ٢٠ - ٢٥ \] .

وقالَ هِبَةُ اللَّهِ بْنُ سَلامَةَ: هي مِن أعاجِيبِ سُوَرِ القُرْآنِ؛ لِأنَّ فِيها مَكِّيًّا ومَدَنِيًّا، وحَضَرِيًّا وسَفَرِيًّا، وحَرْبِيًّا وسِلْمِيًّا، ولَيْلِيًّا ونَهارِيًّا، وناسِخًا ومَنسُوخًا.

فَأمّا المَكِّيُّ: فَمِن رَأْسِ الثَّلاثِينَ مِنها إلى آخِرِها.

وَأمّا المَدَنِيُّ: فَمِن رَأْسِ خَمْسٍ وعِشْرِينَ إلى رَأْسِ ثَلاثِينَ.

وَأمّا اللَّيْلِيُّ: فَمِن أوَّلِها إلى آخَرِ خَمْسِ آياتٍ.

وَأمّا النَّهارِيُّ: فَمِن رَأْسِ خَمْسِ [ آياتٍ ] إلى رَأْسِ تِسْعٍ.

وَأمّا السَّفَرِيُّ: فَمِن رَأْسِ تِسْعٍ إلى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ.

وَأمّا الحَضَرِيُّ: فَإلى رَأْسِ العِشْرِينَ [ مِنها ]، نُسِبَ إلى المَدِينَةِ لِقُرْبِ مُدَّتِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اتَّقُوا رَبَّكُمْ ﴾ ؛ أيِ: احْذَرُوا عِقابَهُ، ﴿ إنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ ﴾ الزَّلْزَلَةُ: الحَرَكَةُ عَلى الحالَةِ الهائِلَةِ.

وَفِي وقْتِ هَذِهِ الزَّلْزَلَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها يَوْمَ القِيامَةِ بَعْدَ النُّشُورِ.

رَوى عِمْرانُ بْنُ حُصَيْنٍ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  أنَّهُ قَرَأ: " ﴿ إنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ﴾ ، وقالَ: تَدْرُونَ أيَّ يَوْمٍ ذَلِكَ ؟

فَإنَّهُ يَوْمَ يُنادِي الرَّبُّ عَزَّ وجَلَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ابْعَثْ بَعْثًا إلى النّارِ "»، فَذَكَرَ الحَدِيثَ.

ورَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : " «يَقُولُ اللَّهُ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ لِآدَمَ: قُمْ، فابْعَثْ بَعْثَ النّارِ، فَيَقُولُ: يا رَبِّ؛ وما بَعْثُ النّارِ ؟

قالَ: مِن كُلِّ ألْفٍ تِسْعُمِائَةٍ وتِسْعَةً وتِسْعِينَ إلى النّارِ، فَحِينَئِذٍ يَشِيبُ المَوْلُودُ، وتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها "، وقَرَأ الآيَةَ» .

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: زَلْزَلَةُ السّاعَةِ: قِيامُها، يَعْنِي: أنَّها تُقارِبُ قِيامَ السّاعَةِ وتَكُونُ مَعَها.

وقالَ الحَسَنُ والسُّدِّيُّ: هَذِهِ الزَّلْزَلَةُ تَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ.

والثّانِي: أنَّها تَكُونُ في الدُّنْيا قَبْلَ القِيامَةِ، وهي مِن أشْراطِ السّاعَةِ، قالَهُ عَلْقَمَةُ، والشَّعْبِيُّ، وابْنُ جُرَيْجٍ.

ورَوى أبُو العالِيَةِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قالَ: سِتُّ آياتٍ قَبْلَ القِيامَةِ، بَيْنَما النّاسُ في أسْواقِهِمْ إذْ ذَهَبَ ضَوْءُ الشَّمْسِ، فَبَيْنَما هم كَذَلِكَ إذْ تَناثَرَتِ النُّجُومُ، فَبَيْنَما هم كَذَلِكَ إذْ وقَعَتِ الجِبالُ عَلى وجْهِ الأرْضِ، فَتَحَرَّكَتْ واضْطَرَبَتْ، فَفَزِعَ الجِنُّ إلى الإنْسِ، والإنْسُ إلى الجِنِّ، واخْتَلَطَتِ الدَّوابُّ والطَّيْرُ والوَحْشُ، فَماجَ بَعْضُهم في بَعْضٍ، فَقالَتِ الجِنُّ لِلْإنْسِ: نَحْنُ نَأْتِيكم بِالخَبَرِ، فانْطَلَقُوا إلى البُحُورِ، فَإذا هي نارٌ تَأجَّجُ، فَبَيْنَما هم كَذَلِكَ، إذْ تَصَدَّعَتِ الأرْضُ إلى الأرْضِ السّابِعَةِ، والسَّماءُ إلى السَّماءِ السّابِعَةِ، فَبَيْنَما هم كَذَلِكَ، إذْ جاءَتْهم الرِّيحُ فَماتُوا.

وقالَ مُقاتِلٌ: هَذِهِ الزَّلْزَلَةُ قَبْلَ النَّفْخَةِ الأُولى، وذَلِكَ أنْ مُنادِيًا يُنادِي مِنَ السَّماءِ: يا أيُّها النّاسُ أتى أمْرُ اللَّهِ، فَيَفْزَعُونَ فَزَعًا شَدِيدًا، فَيَشِيبُ الصَّغِيرُ وتَضَعُ الحَوامِلُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ شَيْءٌ عَظِيمٌ ﴾ ؛ أيْ: لا يُوصَفُ لِعِظَمِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ تَرَوْنَها ﴾ يَعْنِي: الزَّلْزَلَةَ، ﴿ تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أرْضَعَتْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: تَسْلُو عَنْ ولَدِها وتَتْرُكُهُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّانِي: تُشْغَلُ عَنْهُ، قالَهُ قُطْرُبٌ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ رَواحَةَ: وَيُذْهِلُ الخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهِ وَقَرَأ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( تُذْهِلُ ) بِرَفْعِ التّاءِ وكَسْرِ الهاءِ، ( كُلَّ ) بِنَصْبِ اللّامِ.

قالَ الأخْفَشُ: وإنَّما قالَ: ﴿ مُرْضِعَةٍ ﴾ ؛ لِأنَّهُ أرادَ - والله أعْلَمُ - الفِعْلَ، ولَوْ أرادَ الصِّفَةَ فِيما نَرى لَقالَ: مُرْضِعٍ.

قالَ الحَسَنُ: تَذْهَلُ المُرْضِعَةُ عَنْ ولَدِها لِغَيْرِ فِطامٍ، وتَضَعُ الحامِلُ ما في بَطْنِها لِغَيْرِ تَمامٍ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الزَّلْزَلَةَ تَكُونُ في الدُّنْيا؛ لِأنَّ بَعْدَ البَعْثِ لا تَكُونُ حُبْلى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَرى النّاسَ سُكارى ﴾ وقَرَأ عِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ، وابْنُ يَعْمُرَ: ( وتُرى ) بِضَمِّ التّاءِ، ومَعْنى ﴿ سُكارى ﴾ : مِن شِدَّةِ الخَوْفِ.

﴿ وَما هم بِسُكارى ﴾ مِنَ الشَّرابِ، والمَعْنى: تَرى النّاسَ كَأنَّهم سُكارى مِن ذُهُولِ عُقُولِهِمْ؛ لِشِدَّةِ ما يَمُرُّ بِهِمْ، يَضْطَرِبُونَ اضْطِرابَ السَّكْرانِ مِنَ الشَّرابِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: ( سَكْرى وما هم بِسَكْرى ) وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ.

قالَ الفَرّاءُ: وَهُوَ وجْهٌ جَيِّدٌ؛ لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ الهَلْكى والجَرْحى.

وقَرَأ عِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: ( سُكارى وما هم بِسُكارى ) بِفَتْحِ السِّينِ والرّاءِ وإثْباتِ الألَفِ.

﴿ وَلَكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ﴾ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ سُكْرَهم مِن خَوْفِ عَذابِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ، وفِيما جادَلَ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ كانَ كُلَّما نَزَلَ شَيْءٌ مِنَ القُرْآنِ كَذَّبَ بِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ زَعَمَ أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: أنَّهُ قالَ: لا يَقْدِرُ اللَّهُ عَلى إحْياءِ المَوْتى، ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ ؛ أيْ: إنَّما يَقُولُهُ بِإغْواءِ الشَّيْطانِ لا بِعِلْمٍ.

﴿ وَيَتَّبِعُ ﴾ ما يُسَوِّلُ لَهُ، ﴿ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ ﴾ وقَدْ ذَكَرْنا مَعْنى " المَرِيدِ " في سُورَةِ ( النِّساءِ: ١١٧ ) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُتِبَ عَلَيْهِ أنَّهُ مَن تَوَلاهُ ﴾ : ﴿ كُتِبَ ﴾ بِمَعْنى: قُضِيَ، والهاءُ في " عَلَيْهِ " وفي ﴿ تَوَلاهُ ﴾ كِنايَةٌ عَنِ الشَّيْطانِ، ومَعْنى الآيَةِ: قُضِيَ عَلى الشَّيْطانِ أنَّهُ يَضِلُّ مَنِ اتَّبَعَهُ.

وقَرَأ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: ( كَتَبَ ) بِفَتْحِ الكافِ، ( أنَّهُ ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، [ ( فَإنَّهُ ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ ] .

وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ أبِي لَيْلى، والضَّحّاكُ، وابْنُ يَعْمُرَ: ( إنَّهُ )، ( فَإنَّهُ ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ فِيهِما.

وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى ﴿ السَّعِيرِ ﴾ في سُورَةِ ( النِّساءِ: ١٠ ) .

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍۢ مِّنَ ٱلْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَـٰكُم مِّن تُرَابٍۢ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍۢ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍۢ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍۢ مُّخَلَّقَةٍۢ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍۢ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ ۚ وَنُقِرُّ فِى ٱلْأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًۭا ثُمَّ لِتَبْلُغُوٓا۟ أَشُدَّكُمْ ۖ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰٓ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنۢ بَعْدِ عِلْمٍۢ شَيْـًۭٔا ۚ وَتَرَى ٱلْأَرْضَ هَامِدَةًۭ فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنۢبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍۭ بَهِيجٍۢ ٥ ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ وَأَنَّهُۥ يُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ وَأَنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ ٦ وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٌۭ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ ٱللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِى ٱلْقُبُورِ ٧

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها النّاسُ ﴾ يَعْنِي: أهْلَ مَكَّةَ، ﴿ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ ﴾ ؛ أيْ: في شَكٍّ مِنَ القِيامَةِ، ﴿ فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ ﴾ يَعْنِي: خَلْقَ آدَمَ، ﴿ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ﴾ يَعْنِي: خَلْقَ ولَدِهِ، والمَعْنى: إنْ شَكَكْتُمْ في بَعْثِكم فَتَدَبَّرُوا أمْرَ خَلْقِكم وابْتِدائِكم، فَإنَّكم لا تَجِدُونَ في القُدْرَةِ فَرْقًا بَيْنَ الِابْتِداءِ والإعادَةِ.

فَأمّا النُّطْفَةُ: فَهي المَنِيُّ.

والعَلَقَةُ: دَمٌ عَبِيطٌ جامِدٌ، وقِيلَ: سُمِّيْتْ عَلَقَةً؛ لِرُطُوبَتِها وتَعَلُّقِها بِما تَمُرُّ بِهِ، فَإذا جَفَّتْ فَلَيْسَتْ عَلَقَةً.

والمُضْغَةُ: لَحْمَةٌ صَغِيرَةٌ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأنَّها بِقَدْرِ ما يُمْضَغُ، كَما قِيلَ: غُرْفَةٌ لِقَدْرِ ما يُغْرَفُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مُخَلَّقَةٍ وغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ المُخَلَّقَةَ: ما خُلِقَ سَوِيًّا، وغَيْرَ المُخَلَّقَةِ: ما ألْقَتْهُ الأرْحامُ مِنَ النُّطَفِ وهو دَمٌ قَبْلَ أنْ يَكُونَ خَلْقًا، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.

والثّانِي: أنَّ المُخَلَّقَةَ: ما أُكْمِلَ خَلْقُهُ بِنَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ، وهو الَّذِي يُولَدُ حَيًّا لِتَمامٍ، وغَيْرَ المُخَلَّقَةِ: ما سَقَطَ غَيْرَ حَيٍّ لَمْ يُكْمَلْ خَلْقُهُ بِنَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ، هَذا مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّ المُخَلَّقَةَ: المُصَوَّرَةُ، وغَيْرُ المُخَلَّقَةِ: غَيْرُ مُصَوَّرَةٍ، قالَهُ الحَسَنُ.

والرّابِعُ: أنَّ المُخَلَّقَةَ وغَيْرَ المُخَلَّقَةِ: السِّقْطُ، تارَةً يَسْقُطُ نُطْفَةً وعَلَقَةً، وتارَةً قَدْ صُوِّرَ بَعْضُهُ، وتارَةً قَدْ صُوِّرَ كُلُّهُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والخامِسُ: أنَّ المُخَلَّقَةَ: التّامَّةُ، وغَيْرَ المُخَلَّقَةِ: السِّقْطُ، قالَهُ الفَرّاءُ وابْنُ قُتَيْبَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: خَلَقْناكم لِنُبَيِّنَ لَكم ما تَأْتُونَ وما تَذَرُوَنَ.

والثّانِي: لِنُبَيِّنَ لَكم في القُرْآنِ بُدُوَّ خَلْقِكم وتَنَقُّلَ أحْوالِكم.

والثّالِثُ: لِنُبَيِّنَ لَكم كَمالَ حِكْمَتِنا وقُدْرَتِنا في تَقْلِيبِ أحْوالِ خَلْقِكم.

والرّابِعُ: لِنُبَيِّنَ لَكم أنَّ البَعْثَ حَقٌّ.

وَقَرَأ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( لِيُبَيِّنَ لَكم ) بِالياءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنُقِرُّ في الأرْحامِ ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وأبُو رَجاءٍ: ( ويُقَرُّ ) بِياءٍ مَرْفُوعَةٍ وفَتْحِ القافِ ورَفْعِ الرّاءِ.

وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ وأبُو إسْحاقَ السَّبِيعِيُّ: ( ويُقِرَّ ) بِياءٍ مَرْفُوعَةٍ وبِكَسْرِ القافِ ونَصْبِ الرّاءِ.

والَّذِي يُقَرُّ في الأرْحامِ هو الَّذِي لا يَكُونُ سِقْطًا.

﴿ إلى أجَلٍ مُسَمًّى ﴾ وهو أجْلُ الوِلادَةِ، ﴿ ثُمَّ نُخْرِجُكم طِفْلا ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو في مَوْضِعِ أطْفالٍ، والعَرَبُ قَدْ تَضَعُ لَفْظَ الواحِدِ في مَعْنى الجَمِيعِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ والمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ  ﴾ ؛ أيْ: ظُهَراءَ، وأنْشَدَ: فَقُلْنا أسْلِمُوا إنّا أخُوكم فَقَدْ بَرِئَتْ مِنَ الإحَنِ الصُّدُورُ وَأنْشَدَ أيْضًا: في حَلْقِكم عَظْمٌ وقَدْ شُجِينا وَقالَ غَيْرُهُ: إنَّما قالَ: ﴿ طِفْلا ﴾ فَوَحَّدَ؛ لِأنَّ المِيمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ نُخْرِجُكُمْ ﴾ قَدْ دَلَّتْ عَلى الجَمِيعِ، فَلَمْ يَحْتَجْ إلى أنْ يَقُولَ: أطْفالًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ لِتَبْلُغُوا ﴾ فِيهِ إضْمارٌ، تَقْدِيرُهُ: ثُمَّ نُعَمِّرُكم لِتَبْلُغُوا أشُدَّكم، وقَدْ سَبَقَ مَعْنى " الأشُدِّ " ( الأنْعام: ١٥٣ ) .

﴿ وَمِنكم مَن يُتَوَفّى ﴾ مِن قَبْلِ بُلُوغِ الأشُدِّ، ﴿ وَمِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ ﴾ وقَدْ شَرَحْناهُ في ( النَّحْلِ: ٧٠ ) .

ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى دَلَّهم عَلى إحْيائِهِ المَوْتى بِإحْيائِهِ الأرْضِ، فَقالَ تَعالى: ﴿ وَتَرى الأرْضَ هامِدَةً ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ؛ أيْ: مَيِّتَةً يابِسَةً، ومِثْلُهُ: هَمَدَتِ النّارُ: إذا طُفِئَتْ فَذَهَبَتْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ ﴾ يَعْنِي: المَطَرَ، ﴿ اهْتَزَّتْ ﴾ ؛ أيْ: تَحَرَّكَتْ لِلنَّباتِ، وذَلِكَ أنَّها تَرْتَفِعُ عَنِ النَّباتِ إذا ظَهَرَ، فَهو مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَرَبَتْ ﴾ ؛ أيِ: ارْتَفَعَتْ وزادَتْ.

وقالَ المُبَرِّدُ: أرادَ: اهْتَزَّ نَباتُها ورَبا، فَحَذَفَ المُضافَ.

قالَ الفَرّاءُ: وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ المَدَنِيُّ: ( ورَبَأتْ ) بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَ الباءِ.

فَإنْ كانَ ذَهَبَ إلى الرَّبِيئَةِ الَّذِي يَحْرُسُ القَوْمَ؛ أيْ: إنَّهُ يَرْتَفِعُ، وإلّا فَهو غَلَطٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مِن كُلِّ جِنْسٍ حَسَنٌ يُبْهِجُ؛ أيْ: يُسِرُّ، وهو فَعِيلٌ في مَعْنى فاعِلٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: الأمْرُ ذَلِكَ كَما وُصِفَ لَكم، والأجْوَدُ أنْ يَكُونَ مَوْضِعُ ﴿ ذَلِكَ ﴾ رَفْعًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى مَعْنى: فَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ بِأنَّهُ هو الحَقُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنَّ السّاعَةَ ﴾ ؛ أيْ: ولِتَعْلَمُوا أنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ.

<div class="verse-tafsir"

وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَـٰدِلُ فِى ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍۢ وَلَا هُدًۭى وَلَا كِتَـٰبٍۢ مُّنِيرٍۢ ٨ ثَانِىَ عِطْفِهِۦ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۖ لَهُۥ فِى ٱلدُّنْيَا خِزْىٌۭ ۖ وَنُذِيقُهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ ٩ ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّـٰمٍۢ لِّلْعَبِيدِ ١٠

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ ﴾ قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ.

وهَذا مِمّا نَزَلَ في النَّضْرِ أيْضًا.

والهُدى: البَيانُ والبُرْهانُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثانِيَ عِطْفِهِ ﴾ العِطْفُ: الجانِبُ، وعِطْفا الرَّجُلِ: جانِباهُ عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ، وهو المَوْضِعُ الَّذِي يَعْطِفُهُ الإنْسانُ ويَلْوِيهِ عِنْدَ إعْراضِهِ عَنِ المَشْيِ.

قالَ الزَّجّاجُ: ﴿ ثانِيَ ﴾ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، ومَعْناهُ التَّنْوِينُ، مَعْناهُ: ثانِيًا عِطْفَهُ.

وجاءَ في التَّفْسِيرِ: أنَّ مَعْناهُ: لاوِيًا عُنُقَهُ، وهَذا يُوصَفُ بِهِ المُتَكَبِّرُ، والمَعْنى: ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ بِغَيْرِ عِلْمٍ مُتَكَبِّرًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيُضِلَّ ﴾ ؛ أيْ: لِيَصِيرَ أمْرُهُ إلى الضَّلالِ، فَكَأنَّهُ وإنْ لَمْ يَقْدِرْ أنَّهُ يُضِلُّ، فَإنَّ أمْرَهُ يَصِيرُ إلى ذَلِكَ.

﴿ لَهُ في الدُّنْيا خِزْيٌ ﴾ وهو ما أصابَهُ يَوْمَ بَدْرٍ، وذَلِكَ أنَّهُ قُتِلَ.

وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ [ يُونُس: ٧٠ ] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَمِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ ﴾ وفي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: «أنَّ ناسًا مِنَ العَرَبِ كانُوا يَأْتُونَ رَسُولَ اللَّهِ  فَيَقُولُونَ: نَحْنُ عَلى دِينِكَ، فَإنْ أصابُوا مَعِيشَةً، ونَتَجَتْ خَيْلُهم، ووَلَدَتْ نِساؤُهُمُ الغِلْمانَ، اطْمَأنُّوا وقالُوا: هَذا دِينُ حَقٍّ، وإنْ لَمْ يَجْرِ الأمْرُ عَلى ذَلِكَ قالُوا: هَذا دِينُ سَوْءٍ، فَيَنْقَلِبُونَ عَنْ دِينِهِمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، هَذا مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الأكْثَرُونَ.

والثّانِي: «أنَّ رَجُلًا مِنَ اليَهُودِ أسْلَمَ، فَذَهَبَ بَصَرُهُ ومالُهُ ووَلَدُهُ، فَتَشاءَمَ بِالإسْلامِ، فَأتى رَسُولَ اللَّهِ  ، فَقالَ: أقِلْنِي، فَقالَ: " إنَّ الإسْلامَ لا يُقالُ " .

فَقالَ: إنْ لَمْ أُصِبْ في دِينِي هَذا خَيْرًا، أُذْهِبَ بَصَرِي ومالِي ووَلَدِي.

فَقالَ: " يا يَهُودِيُّ؛ إنَّ الإسْلامَ يَسْبِكُ الرِّجالَ كَما تَسْبِكُ النّارُ خَبَثَ الحَدِيدِ والفِضَّةِ والذَّهَبِ "، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، رَواهُ عَطِيَّةُ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ.

<div class="verse-tafsir"

وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍۢ ۖ فَإِنْ أَصَابَهُۥ خَيْرٌ ٱطْمَأَنَّ بِهِۦ ۖ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ٱنقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِۦ خَسِرَ ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةَ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ ١١ يَدْعُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُۥ وَمَا لَا يَنفَعُهُۥ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلَـٰلُ ٱلْبَعِيدُ ١٢ يَدْعُوا۟ لَمَن ضَرُّهُۥٓ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِۦ ۚ لَبِئْسَ ٱلْمَوْلَىٰ وَلَبِئْسَ ٱلْعَشِيرُ ١٣ إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ جَنَّـٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ١٤

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلى حَرْفٍ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: عَلى شَكٍّ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كُلُّ شاكٍّ في شَيْءٍ فَهو عَلى حَرْفٍ لا يَثْبُتُ ولا يَدُومُ.

وبَيانُ هَذا أنَّ القائِمَ عَلى حَرْفِ الشَّيْءِ غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ مِنهُ، فَشُبِّهَ بِهِ الشّاكُّ؛ لِأنَّهُ قَلِقٌ في دِينِهِ عَلى غَيْرِ ثَباتٍ، ويُوَضِّحُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ أصابَهُ خَيْرٌ ﴾ ؛ أيْ: رَخاءٌ وعافِيَةٌ، ﴿ اطْمَأنَّ بِهِ ﴾ عَلى عِبادَةِ اللَّهِ، ﴿ وَإنْ أصابَتْهُ فِتْنَةٌ ﴾ اخْتِبارٌ بِجَدْبٍ وقِلَّةِ مالٍ، ﴿ انْقَلَبَ عَلى وجْهِهِ ﴾ ؛ أيْ: رَجَعَ عَنْ دِينِهِ إلى الكُفْرِ، والمَعْنى: انْصَرَفَ إلى وجْهِهِ الَّذِي تُوَجَّهَ مِنهُ، وهو الكُفْرُ.

﴿ خَسِرَ الدُّنْيا ﴾ حَيْثُ لَمْ يَظْفَرْ بِما أرادَ مِنها، وخَسِرَ " الآخِرَةَ " بِارْتِدادِهِ عَنِ الدِّينِ.

وقَرَأ أبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ، وأبُو مِجْلَزٍ، ومُجاهِدٌ، وطِلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وزَيْدٌ عَنْ يَعْقُوبَ: ( خاسِرَ الدُّنْيا ) بِألِفٍ قَبْلَ السِّينِ، وبِنَصْبِ الرّاءِ، ( والآخِرَةِ ) بِخَفْضِ التّاءِ.

﴿ يَدْعُو ﴾ هَذا المُرْتَدُّ؛ أيْ: يَعْبُدُ، ﴿ ما لا يَضُرُّهُ ﴾ إنْ لَمْ يَعْبُدْهُ، ﴿ وَما لا يَنْفَعُهُ ﴾ إنْ أطاعَهُ، ﴿ ذَلِكَ ﴾ الَّذِي فَعَلَ، ﴿ هُوَ الضَّلالُ البَعِيدُ ﴾ عَنِ الحَقِّ، ﴿ يَدْعُو لَمَن ضَرُّهُ ﴾ قالَ بَعْضُهُمُ: اللّامُ صِلَةٌ، والمَعْنى: يَدْعُو مَن ضَرُّهُ.

وحَكى الزَّجّاجُ عَنِ البَصْرِيِّينَ والكُوفِيِّينَ أنَّ اللّامَ مَعْناها التَّأْخِيرُ، والمَعْنى: يَدْعُو مَن لِضُرِّهِ، ﴿ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ ﴾ ، قالَ: وشَرْحُ هَذا: أنَّ اللّامَ لِلْيَمِينِ والتَّوْكِيدِ، فَحَقُّها أنْ تَكُونَ أوَّلَ الكَلامِ، فَقُدِّمَتْ لِتُجْعَلَ في حَقِّها.

قالَ السُّدِّيُّ: ضُرُّهُ في الآخِرَةِ بِعِبادَتِهِ إيّاهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ.

فَإنْ قِيلَ: فَهَلْ لِلنَّفْعِ مِن عِبادَةِ الصَّنَمِ وجْهٌ ؟

فالجَوابُ: أنَّهُ لا نَفْعَ مِن قِبَلِهِ أصْلًا، غَيْرَ أنَّهُ جاءَ عَلى لُغَةِ العَرَبِ، وهم يَقُولُونَ في الشَّيْءِ الَّذِي لا يَكُونُ: هَذا بَعِيدٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَبِئْسَ المَوْلى ولَبِئْسَ العَشِيرُ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَوْلى: الوَلِيُّ، والعَشِيرُ: الصّاحِبُ والخَلِيلُ.

<div class="verse-tafsir"

مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى ٱلسَّمَآءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُۥ مَا يَغِيظُ ١٥ وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَـٰهُ ءَايَـٰتٍۭ بَيِّنَـٰتٍۢ وَأَنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يُرِيدُ ١٦ إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَٱلَّذِينَ هَادُوا۟ وَٱلصَّـٰبِـِٔينَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ وَٱلْمَجُوسَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ شَهِيدٌ ١٧

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في نَفَرٍ مِن أسَدٍ وغَطَفانَ، قالُوا: إنّا نَخافُ أنْ لا يُنْصَرَ مُحَمَّدٌ، فَيَنْقَطِعُ الَّذِي بَيْنَنا وبَيْنَ حُلَفائِنا مِنَ اليَهُودِ، وإلى نَحْوِ هَذا ذَهَبَ أبُو حَمْزَةَ الثُّمالِيُّ والسُّدِّيُّ.

وحَكى أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: أنَّ الإشارَةَ بِهَذِهِ الآيَةِ إلى الَّذِينَ انْصَرَفُوا عَنِ الإسْلامِ لِأنَّ أرْزاقَهم ما اتَّسَعَتْ، وقَدْ شَرَحْنا القِصَّةَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَمِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ ﴾ .

وَفِي هاءِ ﴿ يَنْصُرَهُ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ عَلى " مَن "، والنَّصْرُ بِمَعْنى: الرِّزْقِ، هَذا مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عَطاءٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وقَفَ عَلَيْنا سائِلٌ مِن بَنِي بَكْرٍ، فَقالَ: مَن يَنْصُرُنِي نَصَرَهُ اللَّهُ؛ أيْ: مَن يُعْطِينِي أعْطاهُ اللَّهُ، ويُقالُ: نَصَرَ المَطَرُ أرْضَ كَذا؛ أيْ: جادَها وأحْياها، قالَ الرّاعِي: [ إذا أدْبَرَ الشَّهْرُ الحَرامُ فَوَدِّعِي بِلادَ تَمِيمٍ ] وانْصُرِي أرْضَ عامِرِ والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى رَسُولِ اللَّهِ  ، فالمَعْنى: مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَ اللَّهُ مُحَمَّدًا، رَواهُ التَّمِيمِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عَطاءٌ وقَتادَةُ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وهَذِهِ كِنايَةٌ عَنْ غَيْرِ مَذْكُورٍ، وكانَ قَوْمٌ مِنَ المُسْلِمِينَ لِشِدَّةِ حَنَقِهِمْ عَلى المُشْرِكِينَ يَسْتَبْطِئُونَ ما وعَدَ اللَّهُ رَسُولَهُ مِنَ النَّصْرِ، وآخَرُونَ مِنَ المُشْرِكِينَ يُرِيدُونَ اتِّباعَهُ، ويَخْشَوْنَ أنْ لا يُتِمَّ أمْرُهُ، فَقالَ هَذِهِ الآيَةَ لِلْفَرِيقَيْنِ.

ثُمَّ في مَعْنى [ هَذا ] النَّصْرِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الغَلَبَةُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنٍ عَبّاسٍ، والجُمْهُورُ.

والثّانِي: أنَّهُ الرِّزْقُ، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلى السَّماءِ ﴾ في المُرادِ بِالسَّماءِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: سَقْفُ بَيْتِهِ، والمَعْنى: فَلْيَشْدُدْ حَبْلًا في سَقْفِ بَيْتِهِ، فَلْيَخْتَنِقْ بِهِ، ﴿ ثُمَّ لِيَقْطَعْ ﴾ الحَبْلَ لِيَمُوتَ مُخْتَنِقًا، هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ.

ومَعْنى الآيَةِ: لِيُصَوِّرْ هَذا الأمْرَ في نَفْسِهِ لا أنَّهُ يَفْعَلُهُ؛ لِأنَّهُ إذا اخْتَنَقَ لا يُمْكِنُهُ النَّظَرُ والعِلْمُ.

والثّانِي: أنَّها السَّماءُ المَعْرُوفَةُ، والمَعْنى: فَلْيَقْطَعِ الوَحْيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  إنْ قَدَرَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ لِيَقْطَعْ ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ: ( ثُمَّ لِيَقْطَعْ )، ( ثُمَّ لِيَقْضُوا ) [ الحَجّ: ٢٩ ] بِكَسْرِ اللّامِ.

زادَ ابْنُ عامِرٍ: ( ولِيُوفُوا ) [ الحَجّ: ٢٩ ]، ( ولِيَطَّوَّفُوا ) [ الحَجّ: ٢٩ ] بِكَسْرِ اللّامِ أيْضًا.

وكَسَرَ ابْنُ كَثِيرٍ لامَ ( ثُمَّ لْيَقْضُوا ) فَحَسْبٌ.

وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِسُكُونِ هَذِهِ اللّاماتِ، وكَذَلِكَ في كُلِّ القُرْآنِ إذا كانَ قَبْلَها واوٌ، أوْ فاءٌ، [ أوْ ] ثُمَّ.

قالَ الفَرّاءُ: مَن سَكَّنَ فَقَدْ خَفَّفَ، وكُلُّ لامِ أمْرٍ وُصِلَتْ بِواوٍ أوْ فاءٍ، فَأكْثَرُ كَلامِ العَرَبِ تَسْكِينُها، وقَدْ كَسَرَها بَعْضُهم.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: الأصْلُ الكَسْرُ؛ لِأنَّكَ إذا ابْتَدَأْتَ قُلْتَ: لِيَقُمْ زَيْدٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَعْنى: هَلْ تُذْهِبَنَّ حِيلَتُهُ غَيْظَهُ، والمَعْنى: لِيَجْهَدْ جُهْدَهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ ﴾ ؛ أيْ: ومِثْلُ ذَلِكَ الَّذِي تَقَدَّمَ مِن آياتِ القُرْآنِ، " أنْزَلْناهُ " يَعْنِي: القُرْآنَ.

وما بَعْدَ هَذا ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ ﴾ ؛ أيْ: يَقْضِي ﴿ يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ بَيْنَهم بِإدْخالِ المُؤْمِنِينَ الجَنَّةَ والآخَرِينَ النّارَ، ﴿ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ ﴾ مِن أعْمالِهِمْ ﴿ شَهِيدٌ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُۥ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلْجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ وَكَثِيرٌۭ مِّنَ ٱلنَّاسِ ۖ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ ۗ وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن مُّكْرِمٍ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ ۩ ١٨

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ والشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ والجِبالُ والشَّجَرُ والدَّوابُّ ﴾ ؛ أيْ: ألَمْ تَعْلَمْ.

وقَدْ بَيَّنّا في سُورَةِ ( النَّحْلِ: ٤٩ ) مَعْنى السُّجُودِ في حَقِّ مَن يَعْقِلُ ومَن لا يَعْقِلُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ ﴾ يَعْنِي: المُوَحِّدِينَ الَّذِينَ يَسْجُدُونَ لِلَّهِ.

وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمَ الكفّارُ، وهم يَسْجُدُونَ، وسُجُودُهم سُجُودُ ظِلِّهِمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّهم لا يَسْجُدُونَ، والمَعْنى: وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ أبى السُّجُودَ، فَحَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ لِتَرْكِهِ السُّجُودَ، هَذا قَوْلُ الفَرّاءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ ﴾ ؛ أيْ: مَن يَشُقِهِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن مُسْعِدٍ، ﴿ إنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ﴾ في خَلْقِهِ مِنَ الكرامَةِ والإهانَةِ.

<div class="verse-tafsir"

۞ هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُوا۟ فِى رَبِّهِمْ ۖ فَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌۭ مِّن نَّارٍۢ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ ٱلْحَمِيمُ ١٩ يُصْهَرُ بِهِۦ مَا فِى بُطُونِهِمْ وَٱلْجُلُودُ ٢٠ وَلَهُم مَّقَـٰمِعُ مِنْ حَدِيدٍۢ ٢١ كُلَّمَآ أَرَادُوٓا۟ أَن يَخْرُجُوا۟ مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا۟ فِيهَا وَذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ ٢٢

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذانِ خَصْمانِ ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في النَّفَرِ الَّذِينَ تَبارَزُوا لِلْقِتالِ يَوْمَ بَدْرٍ، حَمْزَةَ، وعَلِيٍّ، وعُبَيْدِ بْنِ الحارِثِ، وعَتَبَةَ وشَيْبَةَ ابْنَيْ رَبِيعَةَ، والوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ، هَذا قَوْلُ أبِي ذَرٍّ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في أهْلِ الكِتابِ، قالُوا لِلْمُؤْمِنِينَ: نَحْنُ أوْلى بِاللَّهِ، وأقْدَمُ مِنكم كِتابًا، ونَبِيُّنا قَبْلَ نَبِيِّكم، وقالَ المُؤْمِنُونَ: نَحْنُ أحَقُّ بِاللَّهِ، آمَنّا بِمُحَمَّدٍ، وآمَنّا بِنَبِيِّكم، وبِما أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ، وأنْتُمْ تَعْرِفُونَ نَبِيَّنا، ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ حَسَدًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ.

والثّالِثُ: أنَّها في جَمِيعِ المُؤْمِنِينَ والكُفّارِ، وإلى هَذا المَعْنى ذَهَب الحَسَنُ، وعَطاءٌ، ومُجاهِدٌ.

والرّابِعُ: أنَّها نَزَلَتْ في اخْتِصامِ الجَنَّةِ والنّارِ، فَقالَتْ النّارُ: خَلَقَنِي اللَّهُ لِعُقُوبَتِهِ، وقالَتِ الجَنَّةُ: خَلَقَنِي اللَّهُ لِرَحْمَتِهِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذانِ ﴾ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ كَثِيرٍ: ( هاذّانِ ) بِتَشْدِيدِ النُّونِ ( خَصْمانِ )، فَمَعْناهُ: جَمْعانِ، ولَيْسا بِرَجُلَيْنِ، ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿ اخْتَصَمُوا ﴾ ، ولَمْ يَقُلِ: اخْتَصَما، عَلى أنَّهُ قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( اخْتَصَما ) .

وَفِي خُصُومَتِهِمْ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: في دِينِ رَبِّهِمْ، وهَذا عَلى القَوْلَيْنِ الأوَّلَيْنِ.

والثّانِي: في البَعْثِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: أنَّهُ خِصامُ مُفاخِرَةٍ، عَلى قَوْلِ عِكْرِمَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُطِّعَتْ لَهم ثِيابٌ ﴾ ؛ أيْ: سُوِّيْتْ وجُعِلَتْ لِباسًا.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قُمُصٌ مِن نارٍ.

وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: المُرادُ بِالنّارِ هاهُنا: النُّحاسُ.

فَأمّا ﴿ الحَمِيمُ ﴾ فَهو الماءُ الحارُّ ﴿ يُصْهَرُ بِهِ ﴾ ، قالَ الفَرّاءُ: يُذابُ بِهِ، يُقالُ: صَهَرْتُ الشَّحْمَ بِالنّارِ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: يُذابُ بِالماءِ الحارِّ ما في بُطُونِهِمْ مِن شَحْمٍ أوْ مِعًى حَتّى يَخْرُجَ مِن أدْبارِهِمْ، وتَنْضَجُ الجُلُودُ فَتَتَساقَطُ مِن حَرِّهِ.

﴿ وَلَهم مَقامِعُ ﴾ قالَ الضَّحّاكُ: هي المَطارِقُ.

وقالَ الحَسَنُ: إنَّ النّارَ تَرْمِيهِمْ بِلَهَبِها، حَتّى إذا كانُوا في أعْلاها ضُرِبُوا بِمَقامِعَ، فَهَوَوْا فِيها سَبْعِينَ خَرِيفًا، فَإذا انْتَهَوْا إلى أسْفَلِها ضَرَبَهُمُ زَفِيرُ لَهَبِها، فَلا يَسْتَقِرُّونَ ساعَةً.

قالَ مُقاتِلٌ: إذا جاشَتْ جَهَنَّمُ ألْقَتْهم في أعْلاها، فَيُرِيدُونَ الخُرُوجَ، فَتَتَلَقّاهم خَزَنَةُ جَهَنَّمَ بِالمَقامِعِ فَيَضْرِبُونَهم، فَيَهْوِي أحَدُهم مِن تِلْكَ الضَّرْبَةِ إلى قَعْرِها.

وقالَ غَيْرُهُ: إذا دَفَعَتْهُمُ النّارُ ظَنُّوا أنَّها سَتَقْذِفُهم خارِجًا مِنها، فَتُعِيدُهم الزَّبانِيَةُ بِمَقامِعِ الحَدِيدِ.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ جَنَّـٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍۢ وَلُؤْلُؤًۭا ۖ وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌۭ ٢٣ وَهُدُوٓا۟ إِلَى ٱلطَّيِّبِ مِنَ ٱلْقَوْلِ وَهُدُوٓا۟ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْحَمِيدِ ٢٤

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلُؤْلُؤًا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( ولُؤْلُوٍ ) بِالخَفْضِ.

وقَرَأ نافِعٌ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( ولُؤْلُؤًا ) بِالنَّصْبِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن خَفَضَ فالمَعْنى: يُحَلَّوْنَ أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ومِن لُؤْلُؤٍ، ومَن نَصَبَ قالَ: ويُحِلَّونَ لُؤْلُؤًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُدُوا ﴾ ؛ أيْ: أُرْشِدُوا في الدُّنْيا، ﴿ إلى الطَّيِّبِ مِنَ القَوْلِ ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ " لا إلَهَ إلّا اللَّهُ والحَمْدُ لِلَّهِ "، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وزادَ ابْنُ زَيْدٍ: " واللَّهُ أكْبَرُ " .

والثّانِي: القُرْآنُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

فَأمّا ﴿ صِراطِ الحَمِيدِ ﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو طَرِيقُ الإسْلامِ.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ٱلَّذِى جَعَلْنَـٰهُ لِلنَّاسِ سَوَآءً ٱلْعَـٰكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ ۚ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍۭ بِظُلْمٍۢ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍۢ ٢٥

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ ؛ أيْ: يَمْنَعُونَ النّاسَ مِنَ الدُّخُولِ في الإسْلامِ.

قالَ الزَّجّاجُ: ولَفْظُ " يَصُدُّونَ " لَفْظُ مُسْتَقْبَلٍ عُطِفَ بِهِ عَلى لَفْظِ الماضِي؛ لِأنَّ مَعْنى ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ : الَّذِينَ هم كافِرُونَ، فَكَأنَّهُ قالَ: إنَّ الكافِرِينَ والصّادِّينَ، فَأمّا خَبَرُ " إنَّ " فَمَحْذُوفٌ، فَيَكُونُ المَعْنى: إنَّ الَّذِينَ هَذِهِ صِفَتُهم هَلَكُوا.

وَفِي " المَسْجِدِ الحَرامِ " قَوْلانِ: أحَدُهُما: جَمِيعُ الحَرَمِ.

رَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: كانُوا يَرَوْنَ الحَرَمَ كُلَّهُ مَسْجِدًا.

والثّانِي: نَفْسُ المَسْجِدِ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنّاسِ ﴾ هَذا وقْفُ التَّمامُ.

وَفِي مَعْناهُ قَوْلانِ: أحَدُهُما: جَعَلْناهُ لِلنّاسِ كُلِّهِمْ، لَمْ نَخُصَّ بِهِ بَعْضُهم دُونَ بَعْضٍ، هَذا عَلى أنَّهُ جَمِيعُ الحَرَمِ.

والثّانِي: جَعَلْناهُ قِبْلَةً لِصَلاتِهِمْ ومَنسَكًا لِحُجَّتِهِمْ، وهَذا عَلى أنَّهُ نَفْسُ المَسْجِدِ.

وقَرَأ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( سَواءً ) بِالنَّصْبِ، فَيَتَوَجَّهُ الوَقْفُ عَلى ( سَواءً )، وقَدْ وقَفَ بَعْضُ القُرّاءِ كَذَلِكَ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: أُبْدِلَ العاكِفُ والبادِي مِنَ النّاسِ مِن حَيْثُ كانا كالشّامِلِ لَهم، فَصارَ المَعْنى: الَّذِي جَعَلْناهُ لِلْعاكِفِ والبادِي سَواءً.

فَأمّا العاكِفُ: فَهو المُقِيمُ، والبادِي: الَّذِي يَأْتِيه مِن غَيْرِ أهْلِهِ، وهَذا مِن قَوْلِهِمْ: بَدا القَوْمُ: إذا خَرَجُوا مِنَ الحَضَرِ إلى الصَّحْراءِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: ( البادِي ) بِالياءِ، غَيْرَ أنَّ ابْنَ كَثِيرٍ وقَفَ بِياءٍ، وأبُو عَمْرٍو بِغَيْرِ ياءٍ.

وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والمُسَيِّبِيُّ عَنْ نافِعٍ بِغَيْرِ ياءٍ في الحالَتَيْنِ.

ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ العاكِفَ والبادِي يَسْتَوِيانِ في سُكْنى مَكَّةَ والنُّزُولِ بِها، فَلَيْسَ أحَدُهُما أحَقَّ بِالمَنزِلِ مِنَ الآخَرِ، غَيْرَ أنَّهُ لا يُخْرَجُ أحَدٌ مِن بَيْتِهِ، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، وإلى نَحْوِ هَذا ذَهَبَ أبُو حَنِيفَةَ وأحْمَدُ، ومَذْهَبُ هَؤُلاءِ أنَّ كِراءَ دُورِ مَكَّةَ وبَيْعِها حَرامٌ، هَذا عَلى أنَّ المَسْجِدَ: الحَرَمُ كُلُّهُ.

والثّانِي: أنَّهُما يَسْتَوِيانِ في تَفْضِيلِهِ وحُرْمَتِهِ، وإقامَةِ المَناسِكِ بِهِ، هَذا قَوْلُ الحَسَنِ ومُجاهِدٌ.

[ ومِنهم ] مَن أجازَ بَيْعَ دُورِ مَكَّةَ، وإلَيْهِ يَذْهَبُ الشّافِعِيُّ.

وعَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالمَسْجِدِ: الحَرَمُ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ نَفْسُ المَسْجِدِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ ﴾ الإلْحادُ في اللُّغَةِ: العُدُولُ عَنِ القَصْدِ، والباءُ زائِدَةٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ  ﴾ ، وأنْشَدُوا: بِوادٍ يَمانٍ يَنْبُتُ الشَّثَّ صَدْرُهُ وأسْفَلُهُ بِالمَرْخِ والشَّبَهانِ المَعْنى: وأسْفَلُهُ يُنْبِتُ المَرْخَ، وقالَ آخَرُ: هُنَّ الحَرائِرُ لا رَبّاتُ أخْمِرَةٍ ∗∗∗ سُودُ المَحاجِرِ لا يَقْرَأْنَ بِالسُّورِ وَقالَ آخَرُ: نَحْنُ بَنُو جَعْدَةَ أرْبابُ الفَلَجِ ∗∗∗ نَضْرِبُ بِالسَّيْفِ ونَرْجُو بِالفَرَجِ هَذا قَوْلُ جُمْهُورِ اللُّغَوِيِّينَ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والباءُ قَدْ تُزادُ في الكَلامِ كَهَذِهِ الآيَةِ، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ  ﴾ ، ﴿ وَهُزِّي إلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ  ﴾ ، ﴿ بِأيِّيكُمُ المَفْتُونُ  ﴾ ، ﴿ تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ  ﴾ ، ﴿ عَيْنًا يَشْرَبُ بِها  ﴾ ؛ أيْ: يَشْرَبُها، وقَدْ تُزادُ ( مِن ) كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما أُرِيدُ مِنهم مِن رِزْقٍ  ﴾ ، وتُزادُ اللّامُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِلَّذِينَ هم لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ  ﴾ ، والكافُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ  ﴾ ، و( عَنْ ) كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُخالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ  ﴾ ، و( إنَّ ) كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإنَّهُ مُلاقِيكُمْ  ﴾ ، و( إنْ ) الخَفِيفَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فِيما إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ  ﴾ ، و( ما ) كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ  ﴾ ، والواوُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ﴾ ﴿ وَنادَيْناهُ  ﴾ .

وَفِي المُرادِ بِهَذا الإلْحادِ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ الظُّلْمُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقالَ مُجاهِدٌ: هو عَمَلُ سَيِّئَةٍ، فَعَلى هَذا تَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ المَعاصِي، وقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ قالَ: لا تَحْتَكِرُوا الطَّعامَ بِمَكَّةَ، فَإنَّ احْتِكارَ الطَّعامِ بِمَكَّةَ إلْحادٌ بِظُلْمٍ.

والثّانِي: أنَّهُ الشِّرْكُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ.

والثّالِثُ: الشِّرْكُ والقَتْلُ، قالَهُ عَطاءٌ.

والرّابِعُ: أنَّهُ اسْتِحْلالُ مَحْظُوراتِ الإحْرامِ، وهَذا المَعْنى مَحْكِيٌّ عَنْ عَطاءٍ أيْضًا.

والخامِسُ: اسْتِحْلالُ الحَرامِ تَعَمُّدًا، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

فَإنْ قِيلَ: هَلْ يُؤاخَذُ الإنْسانُ إنْ أرادَ الظُّلْمَ بِمَكَّةَ ولَمْ يَفْعَلْهُ ؟

فالجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ إذا هَمَّ بِذَلِكَ في الحَرَمِ خاصَّةً، عُوقِبَ، هَذا مَذْهَبُ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَإنَّهُ قالَ: لَوْ أنَّ رَجُلًا هَمَّ بِخَطِيئَةٍ لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ ما لَمْ يَعْمَلْها، ولَوْ أنَّ رَجُلًا هَمَّ بِقَتْلِ مُؤْمِنٍ عِنْدَ البَيْتِ وهو بِـ " عَدَنِ أبْيَنَ "، أذاقَهُ اللَّهُ في الدُّنْيا مِن عَذابٍ ألِيمٍ.

وقالَ الضَّحّاكُ: إنَّ الرَّجُلَ لَيَهُمُّ بِالخَطِيئَةِ بِمَكَّةَ وهو بِأرْضٍ أُخْرى، فَتُكْتَبُ عَلَيْهِ ولَمْ يَعْمَلْها.

وقالَ مُجاهِدٌ: تُضاعَفُ السَّيِّئاتُ بِمَكَّةَ كَما تُضاعَفُ الحَسَناتُ.

وسُئِلَ الإمامُ أحْمَدُ: هَلْ تُكْتَبُ السَّيِّئَةُ أكْثَرَ مِن واحِدَةٍ ؟

فَقالَ: لا، إلّا بِمَكَّةَ؛ لِتَعْظِيمِ البَلَدِ.

وأحْمَدُ عَلى هَذا يَرى فَضِيلَةَ المُجاوَرَةِ بِها، وقَدْ جاوَرَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وكانَ ابْنُ عُمَرَ يُقِيمُ بِها.

والثّانِي: أنَّ مَعْنى ﴿ وَمَن يُرِدْ ﴾ : مَن يَعْمَلُ.

قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: هَذا قَوْلُ سائِرِ مَن حَفِظْنا عَنْهُ.

<div class="verse-tafsir"

وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَٰهِيمَ مَكَانَ ٱلْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِى شَيْـًۭٔا وَطَهِّرْ بَيْتِىَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلْقَآئِمِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ ٢٦ وَأَذِّن فِى ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًۭا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍۢ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍۢ ٢٧ لِّيَشْهَدُوا۟ مَنَـٰفِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا۟ ٱسْمَ ٱللَّهِ فِىٓ أَيَّامٍۢ مَّعْلُومَـٰتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلْأَنْعَـٰمِ ۖ فَكُلُوا۟ مِنْهَا وَأَطْعِمُوا۟ ٱلْبَآئِسَ ٱلْفَقِيرَ ٢٨ ثُمَّ لْيَقْضُوا۟ تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا۟ نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا۟ بِٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ ٢٩

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ بَوَّأْنا لإبْراهِيمَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: جَعَلْنا.

وقالَ مُقاتِلٌ: دَلَلْناهُ عَلَيْهِ.

وقالَ ثَعْلَبٌ: وإنَّما أُدْخِلَ اللّامُ عَلى أنَّ ﴿ بَوَّأْنا ﴾ في مَعْنى: جَعَلْنا، فَيَكُونُ بِمَعْنى ﴿ رَدِفَ لَكُمْ  ﴾ ؛ أيْ: رِدِفَكم.

وقَدْ شَرَحْنا كَيْفِيَّةَ بِناءِ البَيْتِ في ( البَقَرَةِ: ١٢٩ ) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا ﴾ المَعْنى: وأوْحَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ، ﴿ وَطَهِّرْ بَيْتِيَ ﴾ حَرَّكَ هَذِهِ الياءَ نافِعٌ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ.

وقَدْ شَرَحْنا الآيَةَ في ( البَقَرَةِ: ١٢٥ ) .

وَفِي المُرادِ بِـ " القائِمِينَ " قَوْلانِ: أحَدُهُما: القائِمُونَ في الصَّلاةِ، قالَهُ عَطاءٌ والجُمْهُورُ.

والثّانِي: المُقِيمُونَ بِمَكَّةَ، حُكِيَ عَنْ قَتادَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأذِّنْ في النّاسِ بِالحَجِّ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا فَرَغَ إبْراهِيمُ مِن بِناءِ البَيْتِ، أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى أنْ يُؤَذِّنَ في النّاسِ بِالحَجِّ، فَقالَ إبْراهِيمُ: يا رَبِّ؛ وما يَبْلُغُ صَوْتِي ؟

وقالَ: أذِّنْ وعَلَيَّ البَلاغُ؛ فَعَلا عَلى جَبَلِ أبِي قُبَيْسٍ وقالَ: يا أيُّها النّاسُ؛ إنْ رَبَّكم قَدْ بَنى بَيْتًا فَحُجُّوهُ، فَأُسْمِعَ مَن في أصْلابِ الرِّجالِ وأرْحامِ النِّساءِ مِمَّنْ سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ أنْ يَحُجَّ، فَأجابُوهُ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ.

والأذانُ بِمَعْنى النِّداءِ والإعْلامِ، والمَأْمُورُ بِهَذا الأذانِ إبْراهِيمُ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، إلّا ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: المَأْمُورُ بِهِ مُحَمَّدٌ  .

والنّاسُ هاهُنا: اسْمٌ يَعُمُّ جَمِيعَ بَنِي آدَمَ عِنْدَ الجُمْهُورِ، إلّا ما رَوى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: عَنى بِالنّاسِ: أهْلَ القِبْلَةِ.

واعْلَمْ أنَّ مَن أتى البَيْتَ الَّذِي دَعا إلَيْهِ إبْراهِيمُ، فَكَأنَّهُ قَدْ أتى إبْراهِيمَ؛ لِأنَّهُ أجابَ نِداءَهُ.

وواحِدُ الرِّجالِ هاهُنا: راجِلٌ، مِثْلُ: صاحِبٌ وصِحابٌ، والمَعْنى: يَأْتُوكَ مُشاةً.

وقَدْ رُوِيَ أنَّ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ حَجّا ماشِيَيْنِ، وحَجَّ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ خَمْسًا وعِشْرِينَ حَجَّةً ماشِيًا مِنَ المَدِينَةِ إلى مَكَّةَ، والنَّجائِبُ تُقادُ مَعَهُ.

وحَجَّ الإمامُ أحْمَدُ ماشِيًا مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ ﴾ ؛ أيْ: رُكْبانًا عَلى ضُمَّرٍ مِن طُولِ السَّفَرِ.

قالَ الفَرّاءُ: و ﴿ يَأْتِينَ ﴾ فِعْلٌ لِلنُّوقِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: " يَأْتِينَ " عَلى مَعْنى الإبِلِ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( يَأْتُونَ ) بِالواوِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ﴾ ؛ أيْ: طَرِيقٍ بَعِيدٍ.

وقَدْ ذَكَرْنا تَفْسِيرَ الفَجِّ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْنا فِيها فِجاجًا  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَشْهَدُوا ﴾ ؛ أيْ: لِيَحْضُرُوا، ﴿ مَنافِعَ لَهُمْ ﴾ ، وفِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: التِّجارَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: مَنافِعُ الآخِرَةِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، والزَّجّاجُ في آخَرِينَ.

والثّالِثُ: مَنافِعُ الدّارَيْنِ جَمِيعًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وهو أصَحُّ؛ لِأنَّهُ لا يَكُونُ القَصْدُ لِلتِّجارَةِ خاصَّةً، وإنَّما الأصْلُ قَصْدُ الحَجِّ، والتِّجارَةُ تَبَعٌ.

وَفِي الأيّامِ المَعْلُوماتِ سِتَّةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها أيّامُ العَشْرِ، رَواهُ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وعَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والشّافِعِيُّ.

والثّانِي: تِسْعَةُ أيّامٍ مِنَ العَشْرِ، قالَهُ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ.

والثّالِثُ: يَوْمُ الأضْحى وثَلاثَةُ أيّامٍ بَعْدَهُ، رَواهُ نافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، ومِقْسَمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: أنَّها أيّامُ التَّشْرِيقِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ، والنَّخَعِيُّ، والضَّحّاكُ.

والخامِسُ: أنَّها خَمْسَةُ أيّامٍ أوَّلُها يَوْمُ التَّرْوِيَةِ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والسّادِسُ: ثَلاثَةُ أيّامٍ أوَّلُها يَوْمُ عَرَفَةَ، قالَهُ مالِكُ بْنُ أنَسٍ.

وقِيلَ: إنَّما قالَ: ﴿ مَعْلُوماتٍ ﴾ ؛ لِيَحْرِصَ عَلى عِلْمِها بِحِسابِها مِن أجْلِ وقْتِ الحَجِّ في آخِرِها.

قالَ الزَّجّاجُ: والذِّكْرُ هاهُنا يَدُلُّ عَلى التَّسْمِيَةِ عَلى ما يُنْحَرُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الذِّكْرُ المَذْكُورُ هاهُنا هو الذِّكْرُ عَلى الهَدايا الواجِبَةِ، كالدَّمِ الواجِبِ لِأجْلِ التَّمَتُّعِ والقِرانِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الذَّكَرُ المَفْعُولُ عِنْدَ رَمْيِ الجِمارِ وتَكْبِيرِ التَّشْرِيقِ؛ لِأنَّ الآيَةَ عامَّةٌ في ذَلِكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَكُلُوا مِنها ﴾ يَعْنِي: الأنْعامَ الَّتِي تُنْحَرُ، وهَذا أمْرُ إباحَةٍ.

وكانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ لا يَسْتَحِلُّونَ أكْلَ ذَبائِحِهِمْ، فَأعْلَمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّ ذَلِكَ جائِزٌ، غَيْرَ أنَّ هَذا إنَّما يَكُونُ في الهَدْيِ المُتَطَوَّعِ بِهِ، فَأمّا دَمُ التَّمَتُّعِ والقِرانِ، فَعِنْدَنا أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَأْكُلَ مِنهُ، وقالَ الشّافِعِيُّ: لا يَجُوزُ.

وقَدْ رَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: مِن كُلِّ الهَدْيِ يُؤْكَلُ، إلّا ما كانَ مِن فِداءٍ، أوْ جَزاءٍ، أوْ نَذْرٍ.

فَأمّا ﴿ البائِسَ ﴾ فَهو ذُو البُؤْسِ، وهو شِدَّةُ الفَقْرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: حَلْقُ الرَّأْسِ، وأخْذُ الشّارِبِ، ونَتْفُ الإبِطِ، وحَلْقُ العانَةِ، وقَصُّ الأظْفارِ، والأخْذُ مِنَ العارِضَيْنِ، ورَمْيُ الجِمارِ، والوُقُوفُ بِعَرَفَةَ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: مَناسِكُ الحَجِّ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ.

والثّالِثُ: حَلْقُ الرَّأْسِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والرّابِعُ: الشَّعْرُ والظُّفْرُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

والقَوْلُ الأوَّلُ أصَحُّ؛ لِأنَّ التَّفَثَ: الوَسَخُ، والقَذارَةُ مِن طُولِ الشَّعْرِ والأظْفارِ والشَّعَثِ.

وقَضاؤُهُ: نَقْضُهُ وإذْهابُهُ.

والحاجُّ مُغْبَرٌّ شَعِثٌ لَمْ يَدْهِنْ ولَمْ يَسْتَحِدَّ، فَإذا قَضى نُسُكَهُ وخَرَجَ مِن إحْرامِهِ بِالحَلْقِ، والقَلْمِ، وقَصُّ الأظْفارِ، ولِبْسُ الثِّيابِ، ونَحْوِ ذَلِكَ؛ فَهَذا قَضاءُ تَفَثِهِ.

قالَ الزَّجّاجُ: وأهْلُ اللُّغَةِ لا يَعْرِفُونَ التَّفَثَ إلّا مِنَ التَّفْسِيرِ، وكَأنَّهُ الخُرُوجُ مِنَ الإحْرامِ إلى الإحْلالِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ ﴾ ورَوى أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( ولْيُوَفُّوا ) بِتَسْكِينِ اللّامِ وتَشْدِيدِ الفاءِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو نَحْرُ ما نَذَرُوا مِنَ البُدْنِ.

وقالَ غَيْرُهُ: ما نَذَرُوا مِن أعْمالِ البِرِّ في أيّامِ الحَجِّ، فَإنَّ الإنْسانَ رُبَّما نَذَرَ أنْ يَتَصَدَّقَ إنْ رَزَقَهُ اللَّهُ رُؤْيَةَ الكَعْبَةِ، وقَدْ يَكُونُ عَلَيْهِ نُذُورٌ مُطْلَقَةٌ، فالأفْضَلُ أنْ يُؤَدِّيَها بِمَكَّةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالبَيْتِ العَتِيقِ ﴾ هَذا هو الطَّوافُ الواجِبُ؛ لِأنَّهُ أُمِرَ بِهِ بَعْدَ الذَّبْحِ، والذَّبْحُ إنَّما يَكُونُ في يَوْمِ النَّحْرِ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ الطَّوافُ المَفْرُوضُ.

وَفِي تَسْمِيَةِ البَيْتِ عَتِيقًا أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أعْتَقَهُ مِنَ الجَبابِرَةِ.

رَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  ، قالَ: " إنَّما سَمّى اللَّهُ البَيْتَ: العَتِيقَ؛ لِأنَّ اللَّهَ أعْتَقَهُ مِنَ الجَبابِرَةِ، فَلَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِ جَبّارٌ قَطُّ "»، وهَذا قَوْلُ مُجاهِد وقَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّ مَعْنى العَتِيقِ: القَدِيمُ، قالَهُ الحَسَنُ وابْنُ زَيْدٍ.

والثّالِثُ: لِأنَّهُ لَمْ يُمْلَكْ قَطُّ، قالَهُ مُجاهِدٌ في رِوايَةٍ، وسُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ.

والرّابِعُ: لِأنَّهُ أُعْتِقَ مِنَ الغَرَقِ زَمانَ الطُّوفانِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

وقَدْ تَكَلَّمْنا في هَذِهِ السُّورَةِ في "لْيَقْضُوا "، و" لِيُوفُوا "، و" لِيَطَّوَّفُوا " .

<div class="verse-tafsir"

ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَـٰتِ ٱللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌۭ لَّهُۥ عِندَ رَبِّهِۦ ۗ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ ٱلْأَنْعَـٰمُ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ ۖ فَٱجْتَنِبُوا۟ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلْأَوْثَـٰنِ وَٱجْتَنِبُوا۟ قَوْلَ ٱلزُّورِ ٣٠ حُنَفَآءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِۦ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَتَخْطَفُهُ ٱلطَّيْرُ أَوْ تَهْوِى بِهِ ٱلرِّيحُ فِى مَكَانٍۢ سَحِيقٍۢ ٣١ ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَـٰٓئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ ٣٢ لَكُمْ فِيهَا مَنَـٰفِعُ إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَى ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ ٣٣

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ ﴾ ؛ أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ، يَعْنِي: ما ذُكِرَ مِن أعْمالِ الحَجِّ.

﴿ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ ﴾ فَيَجْتَنِبُ ما حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ في الإحْرامِ تَعْظِيمًا لِأمْرِ اللَّهِ.

قالَ اللَّيْثُ: الحُرْمَةُ: ما لا يَحِلُّ انْتِهاكُهُ.

وقالَ الزَّجّاجُ: الحُرْمَةُ: ما وجَبَ القِيامُ بِهِ وحَرُمَ التَّفْرِيطُ فِيهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَهُوَ ﴾ يَعْنِي: التَّعْظِيمَ، ﴿ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ ﴾ في الآخِرَةِ، ﴿ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأنْعامُ ﴾ وقَدْ سَبَقَ بَيانُها [ المائِدَة: ١ ] .

﴿ إلا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ ﴾ تَحْرِيمُهُ، يَعْنِي [ بِهِ ]: ما ذُكِرَ في ( المائِدَةِ: ٣ ) مِنَ المُنْخَنِقَةِ وغَيْرِها.

وقِيلَ: وأُحِلَّتْ لَكُمُ الأنْعامُ في حالِ إحْرامِكم، إلّا ما يُتْلى عَلَيْكم في الصَّيْدِ، فَإنَّهُ حَرامٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ ﴾ ؛ أيْ: دَعُوهُ جانِبًا.

قالَ الزَّجّاجُ: و ﴿ مِنَ ﴾ هاهُنا لِتَخْلِيصِ جِنْسٍ مِن أجْناسٍ، المَعْنى: فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ الَّذِي هو وثَنٌ.

وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى الرِّجْسِ في ( المائِدَةِ: ٩٠ ) .

وَفِي المُرادِ بِقَوْلِ الزُّورِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: شَهادَةُ الزُّورِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.

والثّانِي: الكَذِبُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: الشِّرْكُ، قالَهُ أبُو مالِكٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ قَوْلُ المُشْرِكِينَ في الأنْعامِ: هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قالَ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حُنَفاءَ لِلَّهِ ﴾ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، وتَأْوِيلُهُ: مُسْلِمِينَ لا يُنْسَبُونَ إلى دِينٍ غَيْرِ الإسْلامِ.

ثُمَّ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلْمُشْرِكِ، فَقالَ: ﴿ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ سَحِيقٍ ﴾ ، والسَّحِيقُ: البَعِيدُ.

واخْتَلَفُوا في قِراءَةِ ﴿ فَتَخْطَفُهُ ﴾ ، فَقَرَأ الجُمْهُورُ: ( فَتَخْطَفُهُ ) بِسُكُونِ الخاءِ مِن غَيْرِ تَشْدِيدِ الطّاءِ.

وقَرَأ نافِعٌ بِتَشْدِيدِ الطّاءِ.

وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ ومُعاذٌ القارِئُ بِفَتْحِ التّاءِ والخاءِ وتَشْدِيدِ الطّاءِ ونَصْبِ الفاءِ.

وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وأبُو الجَوْزاءِ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ بِكَسْرِ التّاءِ والخاءِ وتَشْدِيدِ الطّاءِ ورَفْعِ الفاءِ.

وقَرَأ الحَسَنُ والأعْمَشُ بِفَتْحِ التّاءِ وكَسْرِ الخاءِ وتَشْدِيدِ الطّاءِ ورَفْعِ الفاءِ، وكُلُّهم فَتَحَ الطّاءَ.

وَفِي المُرادِ بِهَذا المَثَلِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ شَبَّهَ المُشْرِكَ بِاللَّهِ في بُعْدِهِ عَنِ الهُدى وهَلاكِهِ، بِالَّذِي يَخِرُّ مِنَ السَّماءِ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّهُ شَبَّهَ حالَ المُشْرِكِ في أنَّهُ لا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ نَفْعًا ولا دَفْعَ ضُرٍّ يَوْمَ القِيامَةِ، بِحالِ الهاوِي مِنَ السَّماءِ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ ﴾ ؛ أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ الَّذِي ذَكَرْناهُ، ﴿ وَمَن يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ ﴾ قَدْ شَرَحْنا مَعْنى الشَّعائِر في ( البَقَرَةِ: ١٥٨ ) .

وَفِي المُرادِ بِها هاهُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها البُدْنُ.

وتَعْظِيمُها: اسْتِحْسانُها واسْتِسْمانُها، ﴿ لَكم فِيها مَنافِعُ ﴾ قَبْلَ أنْ يُسَمِّيَها صاحِبُها هَدْيًا، أوْ يُشْعِرَها ويُوجِبَها، فَإذا فَعَلَ ذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مِن مَنافِعِها شَيْءٌ، رَوى هَذا المَعْنى مِقْسَمٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ.

وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: لَكم في هَذِهِ الهَدايا مَنافِعُ بَعْدَ إيجابِها وتَسْمِيَتِها هَدايا، إذا احْتَجْتُمْ إلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، أوِ اضْطَرَرْتُمْ إلى شُرْبِ ألْبانِها، ﴿ إلى أجَلٍ مُسَمًّى ﴾ وهو أنْ تَنْحَرَ.

والثّانِي: أنَّ الشَّعائِرَ: المَناسِكُ ومَشاهِدُ مَكَّةَ، والمَعْنى: لَكم فِيها مَنافِعُ بِالتِّجارَةِ إلى أجَلٍ مُسَمًّى، وهو الخُرُوجُ مِن مَكَّةَ، رَواهُ أبُو رَزِينٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقِيلَ: لَكم فِيها مَنافِعُ مِنَ الأجْرِ والثَّوابِ في قَضاءِ المَناسِكِ إلى أجَلٍ مُسَمًّى، وهو انْقِضاءُ أيّامِ الحَجِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّها ﴾ يَعْنِي: الأفْعالُ المَذْكُورَةُ، مِنَ اجْتِنابِ الرِّجْسِ، وقَوْلِ الزُّورِ، وتَعْظِيمِ الشَّعائِرِ.

وقالَ الفَرّاءُ: " فَإنَّها " يَعْنِي: الفِعْلَةُ ﴿ مِن تَقْوى القُلُوبِ ﴾ ، وإنَّما أضافَ التَّقْوى إلى القُلُوبِ؛ لِأنَّ حَقِيقَةَ التَّقْوى تَقْوى القُلُوبِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ مَحِلُّها ﴾ ؛ أيْ: حَيْثُ يَحِلُّ نَحْرُها، ﴿ إلى البَيْتِ ﴾ يَعْنِي: عِنْدَ البَيْتِ، والمُرادُ بِهِ: الحَرَمُ كُلُّهُ؛ لِأنّا نَعْلَمُ أنَّها لا تُذْبَحُ عِنْدَ البَيْتِ، ولا في المَسْجِدِ، هَذا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ، وعَلى الثّانِي يَكُونُ المَعْنى: ثُمَّ مَحِلُّ النّاسِ مِن إحْرامِهِمْ إلى البَيْتِ، وهو أنْ يَطُوفُوا بِهِ بَعْدَ قَضاءِ المَناسِكِ.

<div class="verse-tafsir"

وَلِكُلِّ أُمَّةٍۢ جَعَلْنَا مَنسَكًۭا لِّيَذْكُرُوا۟ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلْأَنْعَـٰمِ ۗ فَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ فَلَهُۥٓ أَسْلِمُوا۟ ۗ وَبَشِّرِ ٱلْمُخْبِتِينَ ٣٤ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَٱلصَّـٰبِرِينَ عَلَىٰ مَآ أَصَابَهُمْ وَٱلْمُقِيمِى ٱلصَّلَوٰةِ وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ ٣٥

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وبَعْضُ أصْحابِ أبِي عَمْرٍو بِكَسْرِ السِّينِ.

وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها.

فَمَن فَتَحَ أرادَ المَصْدَرَ مِن نَسَكَ يَنْسُكُ، ومَن كَسَرَ أرادَ مَكانَ النُّسُكِ كالمَجْلِسِ والمَطْلَعِ.

ومَعْنى الآيَةِ: لِكُلِّ جَماعَةٍ مُؤْمِنَةٍ مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ جَعَلْنا ذَبْحَ القَرابِينِ؛ ﴿ لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ ﴾ ، وإنَّما خَصَّ بَهِيمَةَ الأنْعامِ؛ لِأنَّها المَشْرُوعَةُ في القُرْبِ.

والمُرادُ مِنَ الآيَةِ: أنَّ الذَّبائِحَ لَيْسَتْ مِن خَصائِصِ هَذِهِ الأُمَّةِ، وأنَّ التَّسْمِيَةَ عَلَيْها كانَتْ مَشْرُوعَةً قَبْلَ هَذِهِ الأُمَّةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ ﴾ ؛ أيْ: لا يَنْبَغِي أنْ تَذْكُرُوا عَلى ذَبائِحِكم سِواهُ، ﴿ فَلَهُ أسْلِمُوا ﴾ ؛ أيِ: انْقادُوا واخْضَعُوا، وقَدْ ذَكَرْنا مَعْنى الإخْباتِ في ( هُودٍ: ٢٣ )، وكَذَلِكَ ألْفاظُ الآيَةِ الَّتِي تَلِي هَذِهِ.

<div class="verse-tafsir"

وَٱلْبُدْنَ جَعَلْنَـٰهَا لَكُم مِّن شَعَـٰٓئِرِ ٱللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌۭ ۖ فَٱذْكُرُوا۟ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا صَوَآفَّ ۖ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا۟ مِنْهَا وَأَطْعِمُوا۟ ٱلْقَانِعَ وَٱلْمُعْتَرَّ ۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرْنَـٰهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ٣٦ لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَآؤُهَا وَلَـٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقْوَىٰ مِنكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا۟ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمْ ۗ وَبَشِّرِ ٱلْمُحْسِنِينَ ٣٧

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والبُدْنَ ﴾ وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ يَعْمُرُ بِرَفْعِ الدّالِ.

قالَ الفَرّاءُ: يُقالُ: بُدْنٌ وبُدُنٌ، والتَّخْفِيفُ أجْوَدُ وأكْثَرُ؛ لِأنَّ كُلَّ جَمْعٍ كانَ واحِدُهُ عَلى ( فَعَلَةٍ )، ثُمَّ ضُمَّ أوَّلُ جَمْعِهِ خُفِّفَ، مِثْلُ: أكَمَةٍ وأُكْمٍ، وأجَمَةٍ وأُجْمٍ، وخَشَبَةٍ وخُشْبٍ.

وقالَ الزَّجّاجُ: " البُدْنَ " مَنصُوبَةٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ الَّذِي ظَهَرَ، والمَعْنى وجَعَلَنا البُدْنَ.

وإنْ شِئْتَ رَفَعْتَها عَلى الِاسْتِئْنافِ، والنَّصْبُ أحْسَنُ، ويُقالُ: بُدْنٌ وبُدُنٌ وبَدَنَةٌ، مِثْلُ قَوْلِكَ: ثُمْرٌ وثُمُرٌ وثَمَرَةٌ، وإنَّما سُمِّيَتْ بَدَنَةً لِأنَّها تَبْدُنُ؛ أيْ: تَسْمَنُ.

وَلِلْمُفَسِّرِينَ في البُدْنِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها الإبِلُ والبَقَرُ، قالَهُ عَطاءٌ.

والثّانِي: الإبِلُ خاصَّةً، حَكاهُ الزَّجّاجُ.

وقالَ: الأوَّلُ قَوْلُ أكْثَرِ فُقَهاءِ الأمْصارِ.

قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: البَدَنَةُ: اسْمٌ يَخْتَصُّ الإبِلَ في اللُّغَةِ، والبَقَرَةُ تَقُومُ مَقامَها في الحُكْمِ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ  جَعَلَ البَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ والبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ جَعَلْناها لَكم مِن شَعائِرِ اللَّهِ ﴾ ؛ أيْ: جَعَلْنا لَكم فِيها عِبادَةً لِلَّهِ، مِن سَوْقِها إلى البَيْتِ، وتَقْلِيدِها، وإشْعارِها، ونَحْرِها، والإطْعامِ مِنها.

﴿ لَكم فِيها خَيْرٌ ﴾ وهو النَّفْعُ في الدُّنْيا والأجْرُ في الآخِرَةِ، ﴿ فاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها ﴾ ؛ أيْ: عَلى نَحْرِها، ﴿ صَوافَّ ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: ( صَوافِنَ ) بِالنُّونِ.

وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو مِجْلَزٍ، وأبُو العالِيَةِ، والضَّحّاكُ، وابْنُ يَعْمُرَ: ( صَوافِي ) بِالياءِ.

قالَ الزَّجّاجُ: " صَوّافَّ " مَنصُوبَةٌ عَلى الحالِ، ولَكِنَّها لا تُنَوَّنُ لِأنَّها لا تَنْصَرِفُ؛ أيْ: قَدْ صُفَّتْ قَوائِمُها، والمَعْنى: اذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها في حالِ نَحْرِها، والبَعِيرُ يُنْحَرُ قائِمًا، وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ.

ومَن قَرَأ: ( صَوافِنَ ) فالصّافِنُ: الَّتِي تَقُومُ عَلى ثَلاثٍ، والبَعِيرُ إذا أرادُوا نَحْرَهُ تُعْقَلُ إحْدى يَدَيْهِ، فَهو الصّافِنُ، والجَمِيعُ صَوافِنُ.

هَذا ومَن قَرَأ: ( صَوافِي ) بِالياءِ وبِالفَتْحِ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، فَتَفْسِيرُهُ: خَوالِصُ؛ أيْ: خالِصَةً لِلَّهِ لا تُشْرِكُوا بِهِ في التَّسْمِيَةِ عَلى نَحْرِها أحَدًا.

﴿ فَإذا وجَبَتْ جُنُوبُها ﴾ ؛ أيْ: إذا سَقَطَتْ إلى الأرْضِ، يُقالُ: وجَبَ الحائِطُ وجْبَةً: إذا سَقَطَ، ووَجَبَ القَلْبُ وجَيْبًا: إذا تَحَرَّكَ مِن فَزَعٍ.

واعْلَمْ أنَّ نَحْرَها قِيامًا سُنَّةٌ، والمُرادُ بِوُقُوعِها عَلى جَنُوبِها: مَوْتُها، والأمْرُ بِالأكْلِ مِنها أمْرُ إباحَةٍ، وهَذا في الأضاحِي.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأطْعِمُوا القانِعَ والمُعْتَرَّ ﴾ وقَرَأ الحَسَنُ: ( والمُعْتَرِ ) بِكَسْرِ الرّاءِ خَفِيفَةً.

وفِيهِما سِتَّةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ القانِعَ: الَّذِي يَسْألُ، والمُعْتَرَّ: الَّذِي يَتَعَرَّضُ ولا يَسْألُ، رَواهُ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ.

والثّانِي: أنَّ القانِعَ: المُتَعَفِّفُ، والمُعْتَزُّ: السّائِلُ، رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، والنَّخَعِيُّ، وعَنِ الحَسَنِ كالقَوْلَيْنِ.

والثّالِثُ: أنَّ القانِعَ: المُسْتَغْنِي بِما أعْطَيْتَهُ وهو في بَيْتِهِ، والمُعْتَرَّ: الَّذِي يَتَعَرَّضُ لَكَ ويُلِمُّ بِكَ ولا يَسْألُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقالَ مُجاهِدٌ: القانِعُ: جارُكَ الَّذِي يَقْنَعُ بِما أعْطَيْتَهُ، والمُعْتَرُّ: الَّذِي يَتَعَرَّضُ ولا يَسْألُ، وهَذا مَذْهَبُ القُرَظِيِّ.

فَعَلى هَذا يَكُونُ مَعْنى القانِعِ: أنْ يَقْنَعَ بِما أُعْطِي.

ومَن قالَ: هو المُتَعَفِّفُ، قالَ: هو القانِعُ بِما عِنْدَهُ.

والرّابِعُ: القانِعُ: أهْلُ مَكَّةَ، والمُعْتَرُّ: الَّذِي يَعْتَرُّ بِهِمْ مِن غَيْرِ أهْلِ مَكَّةَ، رَواهُ خَصِيفٌ عَنْ مُجاهِدٍ.

والخامِسُ: القانِعُ: الجارُ وإنْ كانَ غَنِيًّا، والمُعْتَرُّ: الَّذِي يَعْتَرُّ بِكَ، رَواهُ لَيْثٌ عَنْ مُجاهِدٍ.

والسّادِسُ: القانِعُ: المِسْكِينُ السّائِلُ، والمُعْتَرُّ: الصَّدِيقُ الزّائِرُ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: قَنَعَ يَقْنَعُ قُنُوعًا: إذا سَألَ، وقَنِعَ يَقْنَعُ قَناعَةً: إذا رَضِيَ، ويُقالُ في المُعْتَرِّ: اعْتَرَنِي واعْتَرانِي وعَرّانِي.

وقالَ الزَّجّاجُ: مَذْهَبُ أهْلِ اللُّغَةِ: أنَّ القانِعَ: السّائِلُ، يُقالُ: قَنَعَ يَقْنَعُ قُنُوعًا: إذا سَألَ، فَهو قانِعٌ، قالَ الشَّمّاخُ: لَمالُ المَرْءِ يُصْلِحُهُ فَيُغْنِي مَفاقِرَهُ أعَفُّ مِنَ القُنُوعِ أيْ: مِنَ السُّؤالِ، ويُقالُ: قَنِعَ قَناعَةً: إذا رَضِيَ، فَهو قَنِعٌ، والمُعْتَرُّ والمُعْتَرِي واحِدٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ ﴾ ؛ أيْ: مِثْلَ ما وصَفْنا مِن نَحْرِها قائِمَةً، ﴿ سَخَّرْناها لَكُمْ ﴾ نِعْمَةً مِنّا عَلَيْكم لِتَتَمَكَّنُوا مِن نَحْرِها عَلى الوَجْهِ المَسْنُونِ، ﴿ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ ﴾ ؛ أيْ: لِكَيْ تَشْكُرُوا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها ﴾ وقَرَأ عاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وابْنُ يَعْمُرَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، ويَعْقُوبُ: ( لَنْ تَنالَ اللَّهَ لُحُومُها ) بِالتّاءِ، ( ولَكِنْ تَنالُهُ التَّقْوى ) بِالتّاءِ أيْضًا.

سَبَبُ نُزُولِها أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا إذا ذَبَحُوا اسْتَقْبَلُوا الكَعْبَةَ بِالدِّماءِ يَنْضَحُونَ بِها نَحْوَ الكَعْبَةِ، فَأرادَ المُسْلِمُونَ أنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: ومَعْنى الآيَةِ: لَنْ تُرْفَعَ إلى اللَّهِ لُحُومُها ولا دِماؤُها، وإنَّما يُرْفَعُ إلَيْهِ التَّقْوى، وهو ما أُرِيدَ بِهِ وجْهُهُ مِنكم.

فَمَن قَرَأ: ( تَنالُهُ التَّقْوى ) بِالتّاءِ، فَإنَّهُ أنَّثَ لِلَفْظِ التَّقْوى.

ومَن قَرَأ: ( يَنالُهُ ) بِالياءِ؛ فَلِأنَّ التَّقْوى والتُّقى واحِدٌ.

والإشارَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ إلى أنَّهُ لا يَقْبَلُ اللُّحُومَ والدِّماءَ، إذا لَمْ تَكُنْ صادِرَةً عَنْ تَقْوى اللَّهِ، وإنَّما يَتَقَبَّلُ ما يَتَّقُونَهُ بِهِ، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى امْتِناعِ قَبُولِ الأعْمالِ إذا عَرِيَتْ عَنْ نِيَّةٍ صَحِيحَةٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ سَخَّرَها ﴾ قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ [ الحَجّ: ٣٧ ] .

﴿ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ ﴾ ؛ أيْ: عَلى ما بَيَّنَ لَكم وأرْشَدَكم إلى مَعالِمِ دِينِهِ ومَناسِكِ حَجِّهِ، وذَلِكَ أنْ يَقُولَ: اللَّهُ أكْبَرُ عَلى ما هَدانا، ﴿ وَبَشِّرِ المُحْسِنِينَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي: المُوَحِّدِينَ.

<div class="verse-tafsir"

۞ إِنَّ ٱللَّهَ يُدَٰفِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍۢ كَفُورٍ ٣٨ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَـٰتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا۟ ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ٣٩ ٱلَّذِينَ أُخْرِجُوا۟ مِن دِيَـٰرِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّآ أَن يَقُولُوا۟ رَبُّنَا ٱللَّهُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍۢ لَّهُدِّمَتْ صَوَٰمِعُ وَبِيَعٌۭ وَصَلَوَٰتٌۭ وَمَسَـٰجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا ٱسْمُ ٱللَّهِ كَثِيرًۭا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ ٤٠ ٱلَّذِينَ إِن مَّكَّنَّـٰهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ أَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُا۟ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَمَرُوا۟ بِٱلْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا۟ عَنِ ٱلْمُنكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَـٰقِبَةُ ٱلْأُمُورِ ٤١

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: ( يَدْفَعُ )، ( ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ ) بِغَيْرِ ألِفٍ، وهَذا عَلى مَصْدَرِ ( دَفَعَ ) .

وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( إنَّ اللَّهَ يُدافِعُ ) بِألِفٍ، ( ولَوْلا دَفْعُ ) بِغَيْرِ ألِفٍ، وهَذا عَلى مَصْدَرِ ( دافَعَ )، والمَعْنى: يَدْفَعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا غائِلَةَ المُشْرِكِينَ بِمَنعِهِمْ مِنهم ونَصْرِهِمْ عَلَيْهِمْ.

قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: إذا فَعَلْتُمْ هَذا وخالَفْتُمُ الجاهِلِيَّةَ فِيما يَفْعَلُونَهُ مِن نَحْرِهِمْ وإشْراكِهِمْ، فَإنَّ اللَّهَ يَدْفَعُ عَنْ حِزْبِهِ.

والـ ﴿ خَوّانٍ ﴾ فَعّالٌ مِنَ الخِيانَةِ، والمَعْنى: أنَّ مَن ذَكَرَ غَيْرَ اسْمِ اللَّهِ، وتَقَرَّبَ إلى الأصْنامِ بِذَبِيحَتِهِ، فَهو خَوّانٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأنَّهم ظُلِمُوا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وَحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( أذِنَ ) بِفَتْحِ الألِفِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( أُذِنَ ) بِضَمِّها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِكَسْرِ التّاءِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِفَتْحِها.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «كانَ مُشْرِكُو أهْلِ مَكَّةَ يُؤْذُونَ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ  ، فَيَقُولُ لَهُمُ: " اصْبِرُوا، فَإنِّي لَمْ أُومَرْ بِالقِتالِ "، حَتّى هاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ  ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ، وهي أوَّلُ آيَةٍ أُنْزِلَتْ في القِتالِ» .

وقالَ مُجاهِدٌ: هم ناسٌ خَرَجُوا مِن مَكَّةَ مُهاجِرِينَ، فَأدْرَكَهم كُفّارُ قُرَيْشٍ، فَأُذِنَ لَهم في قِتالِهِمْ.

قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى الآيَةِ: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ أنْ يُقاتِلُوا.

﴿ بِأنَّهم ظُلِمُوا ﴾ ؛ أيْ: بِسَبَبِ ما ظُلِمُوا.

ثُمَّ وعَدَهُمُ النَّصْرَ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَإنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ﴾ ولا يَجُوزُ أنْ تُقْرَأ بِفَتْحِ " إنَّ " هَذِهِ مِن غَيْرِ خِلافٍ بَيْنِ أهْلِ اللُّغَةِ؛ لِأنَّ " إنَّ " إذا كانَتْ مَعَها اللّامُ لَمْ تُفْتَحْ أبَدًا.

وقَوْلُهُ: ﴿ إلا أنْ يَقُولُوا رَبُّنا اللَّهُ ﴾ مَعْناهُ: أُخْرِجُوا لِتَوْحِيدِهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ ﴾ قَدْ فَسَّرْناهُ في ( البَقَرَةِ: ٢٥١ ) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَهُدِّمَتْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ: ( لَهُدِمَتْ ) خَفِيفَةً، والباقُونَ بِتَشْدِيدِ الدّالِ.

فَأمّا الصَّوامِعُ فَفِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها صَوامِعُ الرُّهْبانِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو العالِيَةِ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ.

والثّانِي: أنَّها صَوامِعُ الصّابِئِينَ، قالَهُ قَتادَةُ وابْنُ قُتَيْبَةَ.

فَأمّا البِيَعُ فَهي جَمْعُ بَيْعَةٍ، وهي بَيْعُ النَّصارى.

وَفِي المُرادِ بِالصَّلَواتِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَواضِعُ الصَّلَواتِ.

ثُمَّ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها كَنائِسُ اليَهُودِ، قالَهُ قَتادَةُ والضَّحّاكُ، وقَرَأتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُور اللُّغَوِيِّ، قالَ: قَوْلُهُ: ﴿ وَصَلَواتٌ ﴾ : هي كَنائِسُ اليَهُودِ، وهي بِالعِبْرانِيَّةِ: ( صُلُوثا ) .

والثّانِي: أنَّها مَساجِدُ الصّابِئِينَ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها الصَّلَواتُ حَقِيقَةً، والمَعْنى: لَوْلا دَفْعُ اللَّهِ عَنِ المُسْلِمِينَ بِالمُجاهِدِينَ، لانْقَطَعَتِ الصَّلَواتُ في المَساجِدِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

فَأمّا المَساجِدُ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي مَساجِدُ المُسْلِمِينَ.

وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى الآيَةِ: لَوْلا دَفْعُ بَعْضِ النّاسِ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ في زَمَنِ مُوسى الكَنائِسُ، وفي زَمَنِ عِيسى الصَّوامِعُ والبِيَعُ، وفي زَمَنِ مُحَمَّدٍ المَساجِدُ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ يُذْكَرُ فِيها اسْمُ اللَّهِ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الكِنايَةَ تَرْجِعُ إلى جَمِيعِ الأماكِنِ المَذْكُوراتِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والثّانِي: إلى المَساجِدِ خاصَّةً؛ لِأنَّ جَمِيعَ المَواضِعِ المَذْكُورَةِ الغالِبُ فِيها الشِّرْكُ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ ﴾ ؛ أيْ: مَن يَنْصُرُ دِينَهُ وشَرْعَهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ إنْ مَكَّنّاهم في الأرْضِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هَذِهِ صِفَةُ ناصِرِيهِ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: التَّمْكِينُ في الأرْضِ: نُصْرَتُهم عَلى عَدُوِّهِمْ، والمَعْرُوفُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، والمُنْكَرُ: الشِّرْكُ.

قالَ الأكْثَرُونَ: وهَؤُلاءِ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ  .

وقالَ القُرَظِيُّ: هُمُ الوُلاةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ ﴾ ؛ أيْ: إلَيْهِ مَرْجِعُها؛ لِأنَّ كُلَّ مَلِكٍ يُبْطِلُ سِوى مُلْكِهِ.

<div class="verse-tafsir"

وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍۢ وَعَادٌۭ وَثَمُودُ ٤٢ وَقَوْمُ إِبْرَٰهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍۢ ٤٣ وَأَصْحَـٰبُ مَدْيَنَ ۖ وَكُذِّبَ مُوسَىٰ فَأَمْلَيْتُ لِلْكَـٰفِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ ۖ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ٤٤ فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَـٰهَا وَهِىَ ظَالِمَةٌۭ فَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَبِئْرٍۢ مُّعَطَّلَةٍۢ وَقَصْرٍۢ مَّشِيدٍ ٤٥

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ أخَذْتُهُمْ ﴾ ؛ أيْ: بِالعَذابِ، ﴿ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ ﴾ أثْبَتَ الياءَ في " نَكِيرِ " يَعْقُوبُ [ في الحالَيْنِ ]، ووافَقَهُ ورْشٌ في إثْباتِها في الوَصْلِ، والمَعْنى: كَيْفَ [ أنْكَرْتُ عَلَيْهِمْ ما فَعَلُوا مِنَ التَّكْذِيبِ بِالإهْلاكِ والمَعْنى: إنِّي ] أنْكَرْتُ عَلَيْهِمْ أبْلَغَ إنْكارٍ، وهَذا اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ التَّقْرِيرُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أهْلَكْناها ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو: ( أهْلَكْتُها ) بِالتّاءِ، والباقُونَ: ( أهْلَكْناها ) بِالنُّونِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، [ وعاصِمٌ ]، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( وبِئْرٍ ) مَهْمُوزٌ.

ورَوى ورْشٌ عَنْ نافِعٍ بِغَيْرِ هَمْزٍ، والمَعْنى: وكَمْ بِئْرٍ مُعَطِّلَةٍ؛ أيْ: مَتْرُوكَةٍ.

﴿ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مُجَصَّصٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ.

قالَ الزَّجّاجُ: أصْلُ الشِّيدِ: الجِصُّ والنُّورَةُ، وكُلُّ ما بُنِيَ بِهِما أوْ بِأحَدِهِما فَهو مَشِيدٌ.

والثّانِي: طَوِيلٌ، قالَهُ الضَّحّاكُ ومُقاتِلٌ.

وفي الكَلامِ إضْمارٌ، تَقْدِيرُهُ: وقَصْرٌ مُشَيَّدٌ مُعَطَّلٌ أيْضًا لَيْسَ فِيهِ ساكِنٌ.

<div class="verse-tafsir"

أَفَلَمْ يَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌۭ يَعْقِلُونَ بِهَآ أَوْ ءَاذَانٌۭ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى ٱلْأَبْصَـٰرُ وَلَـٰكِن تَعْمَى ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِى فِى ٱلصُّدُورِ ٤٦ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ وَعْدَهُۥ ۚ وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍۢ مِّمَّا تَعُدُّونَ ٤٧ وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِىَ ظَالِمَةٌۭ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَىَّ ٱلْمَصِيرُ ٤٨

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَلَمْ يَسِيرُوا ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: أفَلَمْ يَسِرْ قَوْمُكَ في أرْضِ اليَمَنِ والشّامِ، ﴿ فَتَكُونَ لَهم قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها ﴾ إذا نَظَرُوا آثارَ مَن هَلَكَ، ﴿ أوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها ﴾ أخْبارَ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ، ﴿ فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: الهاءُ في قَوْلِهِ: ﴿ فَإنَّها ﴾ عِمادٌ، والمَعْنى: أنَّ أبْصارَهم لَمْ تَعْمَ، وإنَّما عَمِيَتْ قُلُوبُهم.

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ الَّتِي في الصُّدُورِ ﴾ فَهو تَوْكِيدٌ؛ لِأنَّ القَلْبَ لا يَكُونُ إلّا في الصَّدْرِ، ومِثْلُهُ: ﴿ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ  ﴾ ، ﴿ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ  ﴾ ، ﴿ يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ القُرَشِيِّ.

وقالَ غَيْرُهُ: هو قَوْلُهم لَهُ: ﴿ مَتى هَذا الوَعْدُ  ﴾ ، ونَحْوُهُ مِنِ اسْتِعْجالِهِمْ.

﴿ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وعْدَهُ ﴾ في إنْزالِ العَذابِ بِهِمْ في الدُّنْيا، فَأنْزَلَهُ بِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ، ﴿ وَإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ ﴾ ؛ أيْ: مِن أيّامِ الآخِرَةِ، ﴿ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ ﴾ مِن أيّامِ الدُّنْيا.

قَرَأ عاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: ( تَعُدُّونَ ) بِالتّاءِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( يَعُدُّونَ ) بِالياءِ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ انْصَرَفَ الكَلامُ مِن ذِكْرِ العَذابِ إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ ﴾ ؟

فَعَنْهُ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ اسْتَعْجَلُوا العَذابَ في الدُّنْيا، فَقِيلَ لَهم: لَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وعْدَهُ في إنْزالِ العَذابِ بِكم في الدُّنْيا، وإنَّ يَوْمًا مِن أيّامِ عَذابِكم في الآخِرَةِ كَألْفِ سَنَةٍ مِن سِنِي الدُّنْيا، فَكَيْفَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالعَذابِ ؟

فَقَدْ تَضَمَّنَتِ الآيَةُ وعْدَهم بِعَذابِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، هَذا قَوْلُ الفَرّاءِ.

والثّانِي: وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ اللَّهِ وألْفَ سَنَةٍ سَواءٌ في قُدْرَتِهِ عَلى عَذابِهِمْ، فَلا فَرْقَ بَيْنَ وُقُوعِ ما يَسْتَعْجِلُونَهُ وبَيْنَ تَأْخِيرِهِ في القُدْرَةِ، إلّا أنَّ اللَّهَ تَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِالإمْهالِ، هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.

<div class="verse-tafsir"

قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَآ أَنَا۠ لَكُمْ نَذِيرٌۭ مُّبِينٌۭ ٤٩ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌۭ وَرِزْقٌۭ كَرِيمٌۭ ٥٠ وَٱلَّذِينَ سَعَوْا۟ فِىٓ ءَايَـٰتِنَا مُعَـٰجِزِينَ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَحِيمِ ٥١

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾ يَعْنِي بِهِ: [ الرِّزْقَ ] الحَسَنَ في الجَنَّةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ سَعَوْا في آياتِنا ﴾ ؛ أيْ: عَمِلُوا في إبْطالِها، ﴿ مُعاجِزِينَ ﴾ قَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( مُعْجِزِينَ ) بِغَيْرِ ألِفٍ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: ( مُعاجِزِينَ ) بِألِفٍ.

قالَ الزَّجّاجُ: ( مُعاجِزِينَ )؛ أيْ: ظانِّينَ أنَّهم يُعْجِزُونَنا؛ لِأنَّهم ظَنُّوا أنَّهم لا يُبْعَثُونَ، وأنَّهُ لا جَنَّةٌ ولا نارٌ.

قالَ: وقِيلَ في التَّفْسِيرِ: مُعاجِزِينَ: مُعانِدِينَ، ولَيْسَ هو بِخارِجٍ عَنِ القَوْلِ الأوَّلِ.

و" مُعْجِزِينَ " تَأْوِيلُها: أنَّهم كانُوا يُعَجِّزُونَ مَنِ اتَّبَعَ النَّبِيَّ  ويُثَبِّطُونَهم عَنْهُ.

<div class="verse-tafsir"

وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍۢ وَلَا نَبِىٍّ إِلَّآ إِذَا تَمَنَّىٰٓ أَلْقَى ٱلشَّيْطَـٰنُ فِىٓ أُمْنِيَّتِهِۦ فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلْقِى ٱلشَّيْطَـٰنُ ثُمَّ يُحْكِمُ ٱللَّهُ ءَايَـٰتِهِۦ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ ٥٢ لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِى ٱلشَّيْطَـٰنُ فِتْنَةًۭ لِّلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌۭ وَٱلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ ۗ وَإِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ لَفِى شِقَاقٍۭ بَعِيدٍۢ ٥٣ وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا۟ بِهِۦ فَتُخْبِتَ لَهُۥ قُلُوبُهُمْ ۗ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهَادِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ ٥٤ وَلَا يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فِى مِرْيَةٍۢ مِّنْهُ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ ٥٥

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ﴾ الآيَةُ، قالَ المُفَسِّرُونَ: سَبَبُ نُزُولِها «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  لَمّا نَزَلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ ( النَّجْمِ ) قَرَأها حَتّى بَلَغَ قَوْلَهُ: ﴿ أفَرَأيْتُمُ اللاتَ والعُزّى ﴾ ﴿ وَمَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرى  ﴾ ، فَألْقى الشَّيْطانُ عَلى لِسانِهِ: تِلْكَ الغَرانِيقُ العُلا، وإنَّ شَفاعَتَهُنَّ لَتُرْتَجى، فَلَمّا سَمِعَتْ قُرَيْشٌ بِذَلِكَ فَرِحُوا، فَأتاهُ جِبْرِيلُ فَقالَ: ماذا صَنَعْتَ ؟

تَلَوْتَ عَلى النّاسِ ما لَمْ آتِكَ بِهِ عَنِ اللَّهِ، فَحَزِنَ رَسُولُ اللَّهِ  حُزْنًا شَدِيدًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ تَطْيِيبًا لِقَلْبِهِ، وإعْلامًا لَهُ أنَّ الأنْبِياءَ قَدْ جَرى لَهم مِثْلَ هَذا» .

قالَ العُلَماءُ المُحَقِّقُونَ: وهَذا لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ  مَعْصُومٌ عَنْ مِثْلِ هَذا، ولَوْ صَحَّ كانَ المَعْنى: أنَّ بَعْضَ شَياطِينِ الإنْسِ قالَ تِلْكَ الكَلِماتِ، فَإنَّهم كانُوا إذا تَلا لَغَطُوا، كَما قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ  ﴾ .

قالَ: وفي مَعْنى ﴿ تَمَنّى ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: تَلا، قالَهُ الأكْثَرُونَ، وأنْشَدُوا: تَمَنّى كِتابَ اللَّهِ أوَّلَ لَيْلِهِ وآخِرَهُ لاقى حِمامَ المَقادِرِ وَقالَ آخَرُ: تَمَنّى كِتابَ اللَّهِ آخِرَ لَيْلِهِ ∗∗∗ تَمَنِّي داوُدَ الزَّبُورَ عَلى رِسْلِ والثّانِي: أنَّهُ مِنَ الأُمْنِيَةِ، وذَلِكَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  تَمَنّى يَوْمًا أنْ لا يَأْتِيهِ مِنَ اللَّهِ شَيْءٌ يَنْفِرُ عَنْهُ بِهِ قَوْمُهُ، فَألْقى الشَّيْطانُ عَلى لِسانِهِ لِما كانَ قَدْ تَمَنّاهُ»، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ﴾ ؛ أيْ: يُبْطِلُهُ ويُذْهِبُهُ.

" ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ " قالَ مُقاتِلٌ: يُحْكِمُها مِنَ الباطِلِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَجْعَلَ ﴾ اللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ ألْقى الشَّيْطانُ ﴾ ، والفِتْنَةُ هاهُنا بِمَعْنى: البَلِيَّةُ والمِحْنَةُ.

والمَرَضُ: الشَّكُّ والنِّفاقُ.

﴿ والقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ ﴾ يَعْنِي: الجافِيَةَ عَنِ الإيمانِ.

ثُمَّ أعْلَمَهُ أنَّهم ظالِمُونَ وأنَّهم في شِقاقٍ دائِمٍ، والشِّقاقُ: غايَةُ العَداوَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ﴾ وهو التَّوْحِيدُ والقُرْآنُ، وهُمُ المُؤْمِنُونَ.

وقالَ السُّدِّيُّ: التَّصْدِيقُ بِنَسْخِ اللَّهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنَّهُ الحَقُّ ﴾ إشارَةٌ إلى نَسْخِ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ، فالمَعْنى: لِيَعْلَمُوا أنَّ نَسْخَ ذَلِكَ وإبْطالَهُ حَقٌّ مِنَ اللَّهِ، ﴿ فَيُؤْمِنُوا ﴾ بِالنَّسْخِ، ﴿ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ ﴾ ؛ أيْ: تَخْضَعُ وتَذِلُّ.

ثُمَّ بَيَّنَ بِباقِي الآيَةِ أنَّ هَذا الإيمانَ والإخْباتَ إنَّما هو بِلُطْفِ اللَّهِ وهِدايَتِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي مِرْيَةٍ مِنهُ ﴾ ؛ أيْ: في شَكٍّ.

وَفِي هاءِ " مِنهُ " أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها تَرْجِعُ إلى قَوْلِهِ: تِلْكَ الغَرانِيقُ العُلا.

والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى سُجُودِهِ في سُورَةِ ( النَّجْمِ ) .

والقَوْلانِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، فَيَكُونُ المَعْنى: إنَّهم يَقُولُونَ: ما بالُهُ ذَكَرَ آلِهَتَنا ثُمَّ رَجَعَ عَنْ ذِكْرِها.

والثّالِثُ: أنَّها تَرْجِعُ إلى القُرْآنِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

والرّابِعُ: أنَّها تَرْجِعُ إلى الدِّينِ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ ﴾ وفِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: القِيامَةُ تَأْتِي مَن تَقُومُ عَلَيْهِ مِنَ المُشْرِكِينَ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: ساعَةُ مَوْتِهِمْ، ذَكَرَهُ الواحِدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوْ يَأْتِيَهم عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما أنَّهُ يَوْمَ بَدْرٍ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ.

والثّانِي: أنَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ.

وأصِلُ العُقْمَ في الوِلادَةِ، يُقالُ: امْرَأةٌ عَقِيمٌ: لا تَلِدُ، ورَجُلٌ عَقِيمٌ: لا يُولَدُ لَهُ، وأنْشَدُوا: عُقِمَ النِّساءُ فَلا يَلِدْنَ شَبِيهَهُ ∗∗∗ إنَّ النِّساءَ بِمِثْلِهِ عُقْمُ وَسُمِّيَتِ الرِّيحُ العَقِيمُ بِهَذا الِاسْمِ؛ لِأنَّها لا تَأْتِي بِالسَّحابِ المُمْطِرِ، فَقِيلَ لِهَذا اليَوْمِ: عَقِيمٌ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِخَيْرٍ.

فَعَلى قَوْلِ مَن قالَ: هو يَوْمُ بَدْرٍ، في تَسْمِيَتِهِ بِالعَقِيمِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ لِلْكُفّارِ بَرَكَةٌ ولا خَيْرٌ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والثّانِي: لِأنَّهم لَمْ يُنْظَرُوا فِيهِ إلى اللَّيْلِ، بَلْ قُتِلُوا قَبْلَ المَساءِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

والثّالِثُ: لِأنَّهُ لا مِثْلَ لَهُ في عِظَمِ أمْرِهِ لِقِتالِ المَلائِكَةِ فِيهِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

وَعَلى قَوْلِ مَن قالَ: هو يَوْمُ القِيامَةِ، في تَسْمِيَتِهِ بِذَلِكَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لِأنَّهُ لا لَيْلَةَ لَهُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

والثّانِي: لِأنَّهُ لا يَأْتِي المُشْرِكِينَ بِخَيْرٍ ولا فَرَجٍ، ذَكَرَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ.

<div class="verse-tafsir"

ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍۢ لِّلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ ۚ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فِى جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ ٥٦ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَكَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا فَأُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمْ عَذَابٌۭ مُّهِينٌۭ ٥٧ وَٱلَّذِينَ هَاجَرُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوٓا۟ أَوْ مَاتُوا۟ لَيَرْزُقَنَّهُمُ ٱللَّهُ رِزْقًا حَسَنًۭا ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ ٥٨ لَيُدْخِلَنَّهُم مُّدْخَلًۭا يَرْضَوْنَهُۥ ۗ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌۭ ٥٩

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ المُلْكُ يَوْمَئِذٍ ﴾ ؛ أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ، ﴿ لِلَّهِ ﴾ مِن غَيْرِ مُنازِعٍ ولا مُدَّعٍ، ﴿ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ ﴾ ؛ أيْ: بَيْنَ المُسْلِمِينَ والمُشْرِكِينَ، وحُكْمُهُ بَيْنَهم بِما ذَكَرَهُ في تَمامِ الآيَةِ وما بَعْدَها.

ثُمَّ ذَكَرَ فَضْلَ المُهاجِرِينَ، فَقالَ: ﴿ والَّذِينَ هاجَرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ ؛ أيْ: مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ.

وَفِي الرِّزْقِ الحَسَنِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الحَلالُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: رِزْقُ الجَنَّةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ قُتِلُوا أوْ ماتُوا ﴾ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: ( قُتِّلُوا ) بِالتَّشْدِيدِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَيُدْخِلَنَّهم مُدْخَلا ﴾ \[ وقَرَأ نافِعٌ بِفَتْحِ المِيمِ \] .

﴿ يَرْضَوْنَهُ ﴾ يَعْنِي: الجَنَّةَ.

والمَدْخَلُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، فَيَكُونَ المَعْنى: لِيُدْخِلَنَّهم إدْخالًا يُكْرَمُونَ بِهِ فَيَرْضَوْنَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى المَكانِ.

و ﴿ مُدْخَلا ﴾ بِفَتْحِ المِيمِ عَلى تَقْدِيرِ: فَيَدْخُلُونَ مَدْخَلًا.

﴿ وَإنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ ﴾ بِنِيّاتِهِمْ، ﴿ حَلِيمٌ ﴾ عَنْهم.

<div class="verse-tafsir"

۞ ذَٰلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِۦ ثُمَّ بُغِىَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ ٱللَّهُ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌۭ ٦٠ ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِى ٱلَّيْلِ وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌۢ بَصِيرٌۭ ٦١ ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِۦ هُوَ ٱلْبَـٰطِلُ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْكَبِيرُ ٦٢

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: الأمْرُ ذَلِكَ؛ أيِ: الأمْرُ ما قَصَصْنا عَلَيْكم.

﴿ وَمَن عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ﴾ والعُقُوبَةُ: الجَزاءُ، والأوَّلُ لَيْسَ بِعُقُوبَةٍ، ولَكِنَّهُ سُمِّيَ عُقُوبَةً لِاسْتِواءِ الفِعْلَيْنِ في جِنْسِ المَكْرُوهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٍ مِثْلُها  ﴾ ، لَمّا كانَتِ المُجازاةُ إساءَةً بِالمَفْعُولِ بِهِ سُمِّيَتْ سَيِّئَةً، ومَثَلُهُ: ﴿ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ  ﴾ ، قالَهُ الحَسَنُ.

ومَعْنى الآيَةِ: مَن قاتَلَ المُشْرِكِينَ كَما قاتَلُوهُ.

" ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ "؛ أيْ: ظُلِمَ بِإخْراجِهِ عَنْ مَنزِلِهِ.

وزَعَمَ مُقاتِلٌ أنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ مُشْرِكِي مَكَّةَ لَقُوُا المُسْلِمِينَ لِلَيْلَةٍ بَقِيَتْ مِنَ المُحَرَّمِ فَقاتَلُوهم، فَناشَدَهُمُ المُسْلِمُونَ أنْ لا يُقاتِلُوهم في الشَّهْرِ الحَرامِ، فَأبَوْا إلّا القِتالَ، فَثَبَتَ المُسْلِمُونَ ونَصَرَهُمُ اللَّهُ عَلى المُشْرِكِينَ، وَوَقْعَ في نُفُوسِ المُسْلِمِينَ مِنَ القِتالِ في الشَّهْرِ الحَرامِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وقالَ: ﴿ إنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ ﴾ عَنْهم ﴿ غَفُورٌ ﴾ لِقِتالِهِمْ في الشَّهْرِ الحَرامِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ ﴾ ؛ أيْ: ذَلِكَ النَّصْرُ، ﴿ بِأنَّ اللَّهَ ﴾ القادِرَ عَلى ما يَشاءُ.

فَمِن قُدْرَتِهِ أنَّهُ يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ، وأنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لِدُعاءِ المُؤْمِنِينَ بَصِيرٌ بِهِمْ، حَيْثُ جَعَلَ فِيهِمُ الإيمانَ والتَّقْوى، ﴿ ذَلِكَ ﴾ الَّذِي فَعَلَ مِن نَصْرِ المُؤْمِنِينَ ﴿ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ ﴾ ؛ أيْ: هو الإلَهُ الحَقُّ.

﴿ وَأنَّ ما يَدْعُونَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( يَدْعُونَ ) بِالياءِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِالتّاءِ، والمَعْنى: وأنَّ ما يَعْبُدُونَ ﴿ مِن دُونِهِ هو الباطِلُ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ فَتُصْبِحُ ٱلْأَرْضُ مُخْضَرَّةً ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌۭ ٦٣ لَّهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ ٱلْغَنِىُّ ٱلْحَمِيدُ ٦٤

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً ﴾ يَعْنِي: المَطَرَ، ﴿ فَتُصْبِحُ الأرْضُ مُخْضَرَّةً ﴾ بِالنَّباتِ.

وحَكى الزَّجّاجُ عَنِ الخَلِيلِ أنَّهُ قالَ: مَعْنى الكَلامِ: التَّنْبِيهُ، كَأنَّهُ قالَ: أتَسَمَعُ، أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَكانَ كَذا وكَذا.

وقالَ ثَعْلَبٌ: مَعْنى الآيَةِ عِنْدَ الفَرّاءِ خَبَرٌ، كَأنَّهُ قالَ: اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ يُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ، ولَوْ كانَ اسْتِفْهامًا والفاءُ شَرْطًا لَنَصَبَهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ ﴾ ؛ أيْ: بِاسْتِخْراجِ النَّباتِ مِنَ الأرْضِ رِزْقًا لِعِبادِهِ، ﴿ خَبِيرٌ ﴾ بِما في قُلُوبِهِمْ عِنْدَ تَأْخِيرِ المَطَرِ.

وقَدْ سَبَقَ مَعْنى الغَنِيِّ الحَمِيدِ في ( البَقَرَةِ: ٢٦٧ ) .

<div class="verse-tafsir"

أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِى ٱلْأَرْضِ وَٱلْفُلْكَ تَجْرِى فِى ٱلْبَحْرِ بِأَمْرِهِۦ وَيُمْسِكُ ٱلسَّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى ٱلْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِۦٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌۭ رَّحِيمٌۭ ٦٥ وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ۗ إِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ لَكَفُورٌۭ ٦٦

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكم ما في الأرْضِ ﴾ يُرِيدُ: البَهائِمَ الَّتِي تُرْكَبُ، ﴿ وَيُمْسِكُ السَّماءَ أنْ تَقَعَ عَلى الأرْضِ إلا بِإذْنِهِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: كَراهَةَ أنْ تَقَعَ.

وقالَ غَيْرُهُ: لِئَلّا تَقَعَ.

﴿ إنَّ اللَّهَ بِالنّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ فِيما سَخَّرَ لَهم وفِيما حَبَسَ عَنْهم مِن وُقُوعِ السَّماءِ عَلَيْهِمْ.

﴿ وَهُوَ الَّذِي أحْياكُمْ ﴾ بَعْدَ أنْ كُنْتُمْ نُطَفًا مَيِّتَةً، ﴿ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ﴾ عِنْدَ آجالِكم، ﴿ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ﴾ لِلْبَعْثِ والحِسابِ، ﴿ إنَّ الإنْسانَ ﴾ يَعْنِي: المُشْرِكَ، ﴿ لَكَفُورٌ ﴾ لِنِعَمِ اللَّهِ إذْ لَمْ يُوَحِّدْهُ.

<div class="verse-tafsir"

لِّكُلِّ أُمَّةٍۢ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ ۖ فَلَا يُنَـٰزِعُنَّكَ فِى ٱلْأَمْرِ ۚ وَٱدْعُ إِلَىٰ رَبِّكَ ۖ إِنَّكَ لَعَلَىٰ هُدًۭى مُّسْتَقِيمٍۢ ٦٧ وَإِن جَـٰدَلُوكَ فَقُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ ٦٨ ٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ٦٩ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ ۗ إِنَّ ذَٰلِكَ فِى كِتَـٰبٍ ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌۭ ٧٠

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا ﴾ قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ في هَذِهِ السُّورَةِ [ الحَجِّ: ٣٤ ]، ﴿ فَلا يُنازِعُنَّكَ في الأمْرِ ﴾ ؛ أيْ: في الذَّبائِحِ، وذَلِكَ أنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ وخُزاعَةَ خاصَمُوا رَسُولَ اللَّهِ  في أمْرِ الذَّبِيحَةِ، فَقالُوا: كَيْفَ تَأْكُلُونَ ما قَتَلْتُمْ ولا تَأْكُلُونَ ما قَتَلَهُ اللَّهُ ؟

يَعْنُونَ: المَيْتَةَ.

فَإنْ قِيلَ: إذا كانُوا هُمُ المُنازِعِينَ لَهُ، فَكَيْفَ قِيلَ: ﴿ فَلا يُنازِعُنَّكَ في الأمْرِ ﴾ ؟

.

فَقَدْ أجابَ عَنْهُ الزَّجّاجُ، فَقالَ: المُرادُ: النَّهْيُ لَهُ عَنْ مُنازَعَتِهِمْ، فالمَعْنى: لا تُنازِعَنَّهم، كَما تَقُولُ لِلرَّجُلِ: لا يُخاصِمَنَّكَ فُلانٌ في هَذا أبَدًا، وهَذا جائِزٌ في الفِعْلِ الَّذِي لا يَكُونُ إلّا مِنِ اثْنَيْنِ؛ لِأنَّ المُجادَلَةَ والمُخاصَمَةَ لا تَتِمُّ إلّا بِاثْنَيْنِ، فَإذا قُلْتَ: لا يُجادِلَنَّكَ فُلانٌ، فَهو بِمَنزِلَةِ: لا تُجادِلَنَّهُ، ولا يَجُوزُ هَذا في قَوْلِكَ: لا يَضْرِبَنَّكَ فُلانٌ، وأنْتَ تُرِيدُ: لا تَضْرِبَنَّهُ، [ ولَكِنْ ] لَوْ قُلْتَ: لا يُضارِبَنَّكَ فُلانٌ، لَكانَ كَقَوْلِكَ: لا تُضارِبَنَّ، ويَدُلُّ عَلى هَذا الجَوابِ قَوْلُهُ: ﴿ وَإنْ جادَلُوكَ ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وادْعُ إلى رَبِّكَ ﴾ ؛ أيْ: إلى دِينِهِ والإيمانِ بِهِ.

و" جادَلُوكَ " بِمَعْنى: خاصَمُوكَ في أمْرِ الذَّبائِحِ، ﴿ فَقُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ ﴾ مِنَ التَّكْذِيبِ، فَهو يُجازِيكم بِهِ.

﴿ اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكم يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ ؛ أيْ: يَقْضِي بَيْنَكم، ﴿ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾ مِنَ الدِّينِ؛ أيْ: تَذْهَبُونَ إلى خِلافِ ما ذَهَبَ إلَيْهِ المُؤْمِنُونَ، وهَذا أدَبٌ حَسَنٌ عَلَّمَهُ اللَّهُ عِبادَهُ، لِيَرُدُّوا بِهِ مَن جادَلَ عَلى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ، ولا يُجِيبُوهُ ولا يُناظِرُوهُ.

* فَصْلٌ قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: هَذا نَزَلَ قَبْلَ الأمْرِ بِالقِتالِ، ثُمَّ نُسِخَ بِآيَةِ السَّيْفِ.

وقالَ بَعْضُهم: هَذا نَزَلَ في حَقِّ المُنافِقِينَ، كانَتْ تَظْهَرُ مِن أقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ فَلَتاتٌ تَدُلُّ عَلى شِرْكِهِمْ، ثُمَّ يُجادِلُونَ عَلى ذَلِكَ، فَوَكَلَ أمْرَهم إلى اللَّهِ تَعالى، فالآيَةُ عَلى هَذا مُحْكَمَةٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في السَّماءِ والأرْضِ ﴾ هَذا اسْتِفْهامٌ يُرادُ بِهِ التَّقْرِيرُ، والمَعْنى: قَدْ عَلِمْتَ ذَلِكَ.

﴿ إنَّ ذَلِكَ ﴾ يَعْنِي: ما يَجْرِي في السَّماواتِ والأرْضِ.

﴿ فِي كِتابٍ ﴾ يَعْنِي: اللَّوْحَ المَحْفُوظَ، ﴿ إنَّ ذَلِكَ ﴾ ؛ أيْ: عِلْمَ اللَّهِ بِجَمِيعِ ذَلِكَ، ﴿ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ سَهْلٌ لا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ العِلْمُ بِهِ.

<div class="verse-tafsir"

وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِۦ سُلْطَـٰنًۭا وَمَا لَيْسَ لَهُم بِهِۦ عِلْمٌۭ ۗ وَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِن نَّصِيرٍۢ ٧١ وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُنَا بَيِّنَـٰتٍۢ تَعْرِفُ فِى وُجُوهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱلْمُنكَرَ ۖ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِٱلَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتِنَا ۗ قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّۢ مِّن ذَٰلِكُمُ ۗ ٱلنَّارُ وَعَدَهَا ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۖ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ ٧٢

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَعْبُدُونَ ﴾ يَعْنِي: كُفّارَ مَكَّةَ، ﴿ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا ﴾ ؛ أيْ: حُجَّةً.

﴿ وَما لَيْسَ لَهم بِهِ عِلْمٌ ﴾ أنَّهُ إلَهٌ، ﴿ وَما لِلظّالِمِينَ ﴾ يَعْنِي: المُشْرِكِينَ، ﴿ مِن نَصِيرٍ ﴾ ؛ أيْ: مانِعٍ مِنَ العَذابِ.

﴿ وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا ﴾ يَعْنِي: القُرْآنَ، والمُنْكَرُ هاهُنا بِمَعْنى الإنْكارِ، فالمَعْنى: أثَرُ الإنْكارِ مِنَ الكَراهَةِ وتَعْبِيسِ الوُجُوهِ مَعْرُوفٌ عِنْدَهم.

﴿ يَكادُونَ يَسْطُونَ ﴾ ؛ أيْ: يَبْطِشُونَ ويُوقِعُونَ بِمَن يَتْلُو عَلَيْهِمُ القُرْآنَ مِن شِدَّةِ الغَيْظِ، يُقالُ: سَطا عَلَيْهِ، وسَطا بِهِ: إذا تَناوَلَهُ بِالعُنْفِ والشِّدَّةِ.

﴿ قُلْ ﴾ لَهم يا مُحَمَّدُ: ﴿ أفَأُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكُمُ ﴾ ؛ أيْ: بِأشَدَّ عَلَيْكم وأكْرَهَ إلَيْكم مِن سَماعِ القُرْآنِ، ثُمَّ ذَكَرَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿ النّارُ ﴾ ؛ أيْ: هو النّارُ.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌۭ فَٱسْتَمِعُوا۟ لَهُۥٓ ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَن يَخْلُقُوا۟ ذُبَابًۭا وَلَوِ ٱجْتَمَعُوا۟ لَهُۥ ۖ وَإِن يَسْلُبْهُمُ ٱلذُّبَابُ شَيْـًۭٔا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ۚ ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ وَٱلْمَطْلُوبُ ٧٣ مَا قَدَرُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِۦٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ ٧٤

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ ﴾ قالَ الأخْفَشُ: إنْ قِيلَ: أيْنَ المَثَلُ ؟

فالجَوابُ: أنَّهُ لَيْسَ هاهُنا مَثَلٌ، وإنَّما المَعْنى: يا أيُّها النّاسُ ضُرِبَ لِي مَثَلٌ؛ أيْ: شُبِّهَتْ بِيَ الأوْثانُ، ﴿ فاسْتَمِعُوا ﴾ لِهَذا المَثَلِ.

وتَأْوِيلُ الآيَةِ: جَعَلَ المُشْرِكُونَ الأصْنامَ شُرَكائِي فَعَبَدُوها مَعِي، فاسْتَمِعُوا حالَها، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ ﴾ ؛ أيْ: تَعْبُدُونَ، ﴿ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو رَزِينٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( يَدْعُونَ ) بِالياءِ المَفْتُوحَةِ.

وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ، وأبُو رَجاءٍ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: ( يُدْعَوْنَ ) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ العَيْنِ، يَعْنِي: الأصْنامَ.

﴿ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا ﴾ والذُّبابُ واحِدٌ، والجَمْعُ القَلِيلُ: أذِبَّةٌ، والكَثِيرُ: الذِّبّانُ، مِثْلُ: غُرابٍ وأغْرِبَةٍ وغِرْبانٍ.

وقِيلَ: إنَّما خَصَّ الذُّبابَ لِمَهانَتِهِ واسْتِقْذارِهِ وكَثْرَتِهِ.

﴿ وَلَوِ اجْتَمَعُوا ﴾ يَعْنِي: الأصْنامَ، ﴿ لَهُ ﴾ ؛ أيْ: لِخَلْقِهِ، ﴿ وَإنْ يَسْلُبْهُمُ ﴾ يَعْنِي: الأصْنامَ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانُوا يَطْلُونَ أصْنامَهم بِالزَّعْفَرانِ فَيَجِفُّ، فَيَأْتِي الذُّبابُ فَيَخْتَلِسُهُ.

وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كانُوا إذا طَيَّبُوا أصْنامَهم عَجَنُوا طِيبَهم بِشَيْءٍ مِنَ الحَلْواءِ، كالعَسَلِ ونَحْوِهِ، فَيَقَعُ عَلَيْهِ الذُّبابُ فَيَسْلِبُها إيّاهُ، فَلا تَسْتَطِيعُ الآلِهَةُ ولا مَن عَبَدَها أنْ يَمْنَعَهُ ذَلِكَ.

وقالَ السُّدِّيُّ: كانُوا يَجْعَلُونَ لِلْآلِهَةِ طَعامًا، فَيَقَعُ الذُّبابُ عَلَيْهِ فَيَأْكُلُ مِنهُ.

قالَ ثَعْلَبٌ: وإنَّما قالَ: ﴿ لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنهُ ﴾ فَجَعَلَ أفْعالَ الآلِهَةِ كَأفْعالِ الآدَمِيِّينَ؛ إذْ كانُوا يُعَظِّمُونَها ويَذْبَحُونَ لَها وتُخاطَبُ، كَقَوْلِهِ: ﴿ يا أيُّها النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ  ﴾ ، لَمّا خاطَبَهم جَعَلَهم كالآدَمِيِّينَ، ومِثْلُهُ: ﴿ رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ  ﴾ ، وقَدْ بَيَّنّا هَذا المَعْنى في ( الأعْرافِ: ١٩١ ) عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَهم يُخْلَقُونَ ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ضَعُفَ الطّالِبُ والمَطْلُوبُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ الطّالِبَ: الصَّنَمُ، والمَطْلُوبُ: الذُّبابُ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: الطّالِبُ: الذُّبابُ يَطْلُبُ ما يَسْلُبُهُ مِنَ الطِّيبِ الَّذِي عَلى الصَّنَمِ، والمَطْلُوبُ: الصَّنَمُ يَطْلُبُ الذُّبابَ مِنهُ سَلْبَ ما عَلَيْهِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

والثّالِثُ: الطّالِبُ: عابِدُ الصَّنَمِ يَطْلُبُ التَّقَرُّبَ بِعِبادَتِهِ، والمَطْلُوبُ: الصَّنَمُ، هَذا مَعْنى قَوْلِ الضَّحّاكِ والسُّدِّيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ ؛ أيْ: ما عَظَّمُوهُ حَقَّ عَظَمَتِهِ؛ إذْ جَعَلُوا هَذِهِ الأصْنامَ شُرَكاءَ لَهُ، ﴿ إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ ﴾ لا يَقْهَرُ، ﴿ عَزِيزٌ ﴾ لا يُرامُ.

<div class="verse-tafsir"

ٱللَّهُ يَصْطَفِى مِنَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ رُسُلًۭا وَمِنَ ٱلنَّاسِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌۢ بَصِيرٌۭ ٧٥ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۗ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلْأُمُورُ ٧٦

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلا ﴾ كَجِبْرِيلَ، ومِيكائِيلَ، وإسْرافِيلَ، ومَلَكِ المَوْتِ.

﴿ وَمِنَ النّاسِ ﴾ الأنْبِياءِ المُرْسَلِينَ، ﴿ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ ﴾ لِمَقالَةِ العِبادِ، ﴿ بَصِيرٌ ﴾ بِمَن يَتَّخِذُهُ رَسُولًا.

وزَعَمَ مُقاتِلٌ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ حِينَ قالُوا: ﴿ أأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنا  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ ﴾ الإشارَةُ إلى الَّذِينَ اصْطَفاهم، وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى ذَلِكَ في آيَةِ الكُرْسِيِّ [ البَقَرَة: ٢٥٥ ] .

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱرْكَعُوا۟ وَٱسْجُدُوا۟ وَٱعْبُدُوا۟ رَبَّكُمْ وَٱفْعَلُوا۟ ٱلْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ۩ ٧٧ وَجَـٰهِدُوا۟ فِى ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِۦ ۚ هُوَ ٱجْتَبَىٰكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍۢ ۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَٰهِيمَ ۚ هُوَ سَمَّىٰكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِى هَـٰذَا لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا۟ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ ۚ فَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱعْتَصِمُوا۟ بِٱللَّهِ هُوَ مَوْلَىٰكُمْ ۖ فَنِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ ٧٨

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ارْكَعُوا واسْجُدُوا ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: المُرادُ: صَلُّوا؛ لِأنَّ الصَّلاةَ لا تَكُونُ إلّا بِالرُّكُوعِ والسُّجُودِ.

﴿ واعْبُدُوا رَبَّكُمْ ﴾ ؛ أيْ: وحِّدُوهُ، " وافْعَلُوا الخَيْرَ " يُرِيدُ: أبْوابُ المَعْرُوفِ، ﴿ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ ﴾ ؛ أيْ: لِكَيْ تَسْعَدُوا وتَبْقَوْا في الجَنَّةِ.

* فَصْلٌ لَمْ يَخْتَلِفْ أهْلُ العِلْمِ في السَّجْدَةِ الأُولى مِنَ ( الحَجِّ )، واخْتَلَفُوا في هَذِهِ السَّجْدَةِ الأخِيرَةِ، فَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ، وابْنِ عُمَرَ، وعَمّارٍ، وأبِي الدَّرْداءِ، وأبِي مُوسى، وابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهم قالُوا: في ( الحَجِّ ) سَجْدَتانِ، وقالُوا: فُضِّلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ عَلى غَيْرِها بِسَجْدَتَيْنِ، وبِهَذا قالَ أصْحابُنا، وهو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: في ( الحَجِّ ) سَجْدَةٌ، وبِهَذا قالَ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وإبْراهِيمُ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وأبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ، ومالِكٌ؛ ويَدُلُّ عَلى الأوَّلِ ما «رَوى عَقَبَةُ بْنُ عامِرٍ، قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أفِي ( الحَجِّ ) سَجْدَتانِ ؟

قالَ: " نَعَمْ، ومَن لَمْ يَسْجُدْهُما فَلا يَقْرَأْهُما "» .

* فَصْلٌ واخْتَلَفَ العُلَماءُ في عَدَدِ سُجُودِ القُرْآنِ، فَرُوِيَ عَنْ أحْمَدَ رِوايَتانِ: إحْداهُما: أنَّها أرْبَعَ عَشْرَةَ سَجْدَةً، وبِهِ قالَ الشّافِعِيُّ.

والثّانِيَةُ: أنَّها خَمْسَ عَشْرَةَ، فَزادَ سَجْدَةً ( ص: ٢٤ ) .

وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: هي أرْبَعَ عَشْرَةَ، فَأخْرَجَ الَّتِي في آخِرِ ( الحَجِّ )، وأبْدَلَ مِنها سَجْدَةَ ( ص: ٢٤ ) .

* فَصْلٌ وَسُجُودُ التِّلاوَةِ سُنَّةٌ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: واجِبٌ.

ولا يَصِحُّ سُجُودُ التِّلاوَةِ إلّا بِتَكْبِيرَةِ الإحْرامِ والسَّلامِ، خِلافًا لِأصْحابِ أبِي حَنِيفَةَ وبَعْضِ أصْحابِ الشّافِعِيِّ.

ولا يُجْزِئُ الرُّكُوعُ عَنْ سُجُودِ التِّلاوَةِ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: يُجْزِئُ.

ولا يَسْجُدُ المُسْتَمِعُ إذا لَمْ يَسْجُدِ التّالِي، نَصَّ عَلَيْهِ أحْمَدُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

وتُكْرَهُ قِراءَةُ السَّجْدَةِ في صَلاةِ الإخْفاتِ، خِلافًا لِلشّافِعِيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجاهِدُوا في اللَّهِ ﴾ في هَذا الجِهادِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ فِعْلُ جَمِيعِ الطّاعاتِ، هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ.

والثّانِي: أنَّهُ جِهادُ الكُفّارِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ جِهادُ النَّفْسِ والهَوى، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبارَكِ.

فَأمّا حَقُّ الجِهادِ، فَفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ الجِدُّ في المُجاهَدَةِ واسْتِيفاءِ الإمْكانِ فِيها.

والثّانِي: أنَّهُ إخْلاصُ النِّيَّةِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

والثّالِثُ: أنَّهُ فِعْلُ ما فِيهِ وفاءٌ لِحَقِّ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

* فَصْلٌ وَقَدْ زَعَمَ قَوْمٌ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ، واخْتَلَفُوا في ناسِخِها عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: قَوْلُهُ: ﴿ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَها  ﴾ .

والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿ فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ  ﴾ .

وقالَ آخَرُونَ: بَلْ هي مُحْكَمَةٌ، ويُؤَكِّدُهُ القَوْلانِ الأوَّلانِ في تَفْسِيرِ حَقِّ الجِهادِ، وهو الأصَحُّ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُوَ اجْتَباكُمْ ﴾ ؛ أيِ: اخْتارَكم واصْطَفاكم لِدِينِهِ.

والحَرَجُ: الضِّيقُ، فَما مِن شَيْءٍ وقَعَ الإنْسانُ فِيهِ إلّا وجَدَ لَهُ في الشَّرْعِ مَخْرَجًا بِتَوْبَةٍ، أوْ كَفّارَةٍ، أوِ انْتِقالٍ إلى رُخْصَةٍ، ونَحْوِ ذَلِكَ.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: الحَرَجُ: ما كانَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ الإصْرِ والشَّدائِدِ، وضَعَهُ اللَّهُ عَنْ هَذِهِ الأُمَّةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِلَّةَ أبِيكُمْ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى: وسَّعَ عَلَيْكم كَمِلَّةِ أبِيكم، فَإذا أُلْقِيَتِ الكافُ نُصِبَتْ، ويَجُوزُ النَّصْبُ عَلى مَعْنى الأمْر بِها؛ لِأنَّ أوَّلَ الكَلامِ أمْرٌ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ ارْكَعُوا واسْجُدُوا ﴾ ، والزَمُوا مِلَّةَ أبِيكم.

فَإنْ قِيلَ: هَذا الخِطابُ لِلْمُسْلِمِينَ ولَيْسَ إبْراهِيمُ أبًا لِكُلِّهِمْ ؟

فالجَوابُ: أنَّهُ إنْ كانَ خِطابًا عامًّا لِلْمُسْلِمِينَ، فَهو كالأبِ لَهم؛ لِأنَّ حُرْمَتَهُ وحَقَّهُ عَلَيْهِمْ كَحَقِّ الوَلَدِ، وإنَّ كانَ خِطابًا لِلْعَرَبِ خاصَّةً، فَإبْراهِيمُ أبُو العَرَبِ قاطِبَةً، هَذا قَوْلُ المُفَسِّرِينَ.

والَّذِي يَقَعُ لِي أنَّ الخِطابَ لِرَسُولِ اللَّهِ  ؛ لِأنَّ إبْراهِيمَ أبُوهُ، وأُمَّةُ رَسُولِ اللَّهِ  داخِلَةٌ فِيما خُوطِبَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُوَ سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ ﴾ في المُشارِ إلَيْهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والجُمْهُورُ؛ فَعَلى هَذا في قَوْلِهِ: ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مِن قَبْلِ إنْزالِ القُرْآنِ سَمّاكم بِهَذا في الكُتُبِ الَّتِي أنْزَلَها.

والثّانِي: " مِن قَبْلُ "؛ أيْ: في أُمِّ الكِتابِ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَفِي هَذا ﴾ ؛ أيْ: في القُرْآنِ.

والثّانِي: أنَّهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ قالَ: ﴿ وَمِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ  ﴾ ، فالمَعْنى: مِن قَبْلِ هَذا الوَقْتِ، وذَلِكَ في زَمانِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وفي هَذا الوَقْتِ حِينَ قالَ: ﴿ وَمِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً ﴾ ، هَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَكُونَ الرَّسُولُ ﴾ المَعْنى: اجْتَباكم وسَمّاكم لِيَكُونَ الرَّسُولُ، يَعْنِي: مُحَمَّدًا  ، ﴿ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ أنَّهُ قَدْ بَلَّغَكم، وقَدْ شَرَحْنا هَذا المَعْنى في ( البَقَرَةِ: ١٤٣ ) إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَآتُوا الزَّكاةَ ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واعْتَصِمُوا بِاللَّهِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سَلُوهُ أنْ يَعْصِمَكم مِن كُلِّ ما يَسْخَطُ ويَكْرَهُ.

وقالَ الحَسَنُ: تَمَسَّكُوا بِدِينِ اللَّهِ.

وما بَعْدَ هَذا مَشْرُوحٌ في ( الأنْفالِ: ٤٠ ) .

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر