الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > سورة 29 العنكبوت > الآيات ١٤-١٥
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 4 دقيقة قراءةقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ ﴾ في هَذِهِ القِصَّةِ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ حَيْثُ أُعْلِمَ أنَّ الأنْبِياءَ قَدِ ابْتُلُوا قَبْلَهُ، وفِيها وعِيدٌ شَدِيدٌ لِمَن أقامَ عَلى الشِّرْكِ، فَإنَّهم وإنْ أُمْهِلُوا، فَقَدْ أُمْهِلَ قَوْمُ نُوحٍ أكْثَرَ ثُمَّ أُخِذُوا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَبِثَ فِيهِمْ ألْفَ سَنَةٍ إلا خَمْسِينَ عامًا ﴾ اخْتَلَفُوا في عُمْرِ نُوحٍ عَلى خَمْسَةِ أقْوالٍ.
أحَدُها: بُعِثَ بَعْدَ أرْبَعِينَ سَنَةً، وعاشَ في قَوْمِهِ ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا يَدْعُوهُمْ، وعاشَ بَعْدَ الطُّوفانِ سِتِّينَ سَنَةً، رَواهُ يُوسُفُ بْنُ مِهْرانَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ لَبِثَ فِيهِمْ ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا، وعاشَ بَعْدَ ذَلِكَ سَبْعِينَ عامًا، فَكانَ مَبْلَغُ عُمْرِهِ ألْفَ سَنَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، قالَهُ كَعْبُ الأحْبارِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ بُعِثَ وهو ابْنُ خَمْسِينَ وثَلاثِمِائَةٍ، فَلَبِثَ فِيهِمْ ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا، ثُمَّ عاشَ بَعْدَ ذَلِكَ خَمْسِينَ وثَلاثَمِائَةٍ، قالَهُ عَوْنُ بْنُ أبِي شَدّادٍ.
والرّابِعُ: أنَّهُ لَبِثَ فِيهِمْ قَبْلَ أنْ يَدْعُوَهم ثَلاثَمِائَةِ سَنَةٍ، [وَدَعاهم ثَلاثَمِائَةِ سَنَةٍ] ولَبِثَ بَعْدَ الطُّوفانِ ثَلاثَمِائَةٍ وخَمْسِينَ سَنَةً، قالَهُ قَتادَةُ.
وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: بُعِثَ لِخَمْسِينَ سَنَةً.
والخامِسُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ بَيَّنَتْ مِقْدارَ عُمْرِهِ كُلِّهِ حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
فَإنْ قِيلَ: ما فائِدَةُ قَوْلِهِ: ﴿ إلا خَمْسِينَ عامًا ﴾ ، فَهَلّا قالَ: تِسْعَمِائَةٍ وخَمْسِينَ؟
فالجَوابُ: أنَّ المُرادَ بِهِ تَكْثِيرَ العَدَدِ، وذِكْرُ الألْفِ أفْخَمُ في اللَّفْظِ، وأعْظَمُ لِلْعَدَدِ.
قالَ الزَّجّاجُ: تَأْوِيلُ الِاسْتِثْناءِ في كَلامِ العَرَبِ: التَّوْكِيدُ، تَقُولُ: جاءَنِي إخْوَتُكَ إلّا زَيْدًا، فَتُؤَكِّدُ أنَّ الجَماعَةَ جاؤُوا، وتَنْقُصُ زَيْدًا.
واسْتِثْناءُ نِصْفِ الشَّيْءِ قَبِيحٌ جِدًّا لا تَتَكَلَّمُ بِهِ العَرَبُ، وإنَّما تَتَكَلَّمُ بِالِاسْتِثْناءِ كَما تَتَكَلَّمُ بِالنُّقْصانِ، تَقُولُ: عِنْدِي دِرْهَمٌ يَنْقُصُ قِيراطًا، فَلَوْ قُلْتَ: يَنْقُصُ نِصْفُهُ، كانَ الأوْلى أنْ تَقُولَ: عِنْدِي نِصْفُ دِرْهَمٍ، ولَمْ يَأْتِ الِاسْتِثْناءُ في كَلامِ العَرَبِ إلّا قَلِيلٌ مِن كَثِيرٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأخَذَهُمُ الطُّوفانُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: المَوْتُ، رَوَتْ عائِشَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ في قَوْلِهِ: ﴿ فَأخَذَهُمُ الطُّوفانُ ﴾ قالَ: المَوْت.
والثّانِي: المَطَرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو المَطَرُ الشَّدِيدُ.
والثّالِثُ: الغَرَقُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
قالَ الزَّجّاجُ: الطُّوفانُ مِن كُلِّ شَيْءٍ: ما كانَ كَثِيرًا مُطِيفًا بِالجَماعَةِ كُلِّها، فالغَرَقُ الَّذِي يَشْتَمِلُ عَلى المُدُنِ الكَثِيرَةِ: طُوفانٌ، وكَذَلِكَ القَتْلُ الذَّرِيعُ، والمَوْتُ الجارِفُ: طُوفانٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهم ظالِمُونَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كافِرُونَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْناها ﴾ يَعْنِي السَّفِينَةَ، قالَ قَتادَةُ: أبْقاها اللَّهُ آيَةً لِلنّاسِ بِأعْلى الجُودِيِّ.
قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: وجائِزٌ أنْ يَكُونَ أرادَ: الفِعْلَةَ الَّتِي فَعَلَها بِهِمْ مِنَ الغَرَقِ (آيَةً)، أيْ: عِبْرَةً ﴿ لِلْعالَمِينَ ﴾ \[بَعْدَهُمْ\] .
<div class="verse-tafsir"