زاد المسير سورة العنكبوت

الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > تفسير سورة العنكبوت

تفسيرُ سورةِ العنكبوت كاملةً من زاد المسير (ابن الجوزي) (جمال الدين ابن الجوزي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 55 دقيقة قراءة

تفسير سورة العنكبوت كاملةً (جمال الدين ابن الجوزي)

الٓمٓ ١ أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوٓا۟ أَن يَقُولُوٓا۟ ءَامَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ٢ وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا۟ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْكَـٰذِبِينَ ٣ أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن يَسْبِقُونَا ۚ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ ٤

سُورَةُ العَنْكَبُوتِ * فَصْلٌ في نُزُولِها رَوى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها مَكِّيَّةٌ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وعَطاءٌ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، ومُقاتِلٌ.

وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها مَدَنِيَّةٌ.

وقالَ هِبَةُ اللَّهِ [ابْنُ سَلامَةَ] المُفَسِّرُ: نَزَلَ مِنَ أوَّلِها إلى رَأْسِ العَشْرِ بِمَكَّةَ، وباقِيها بِالمَدِينَةِ.

وقالَ غَيْرُهُ عَكْسَ هَذا: نَزَلَ العَشْرُ بِالمَدِينَةِ، وباقِيها بِمَكَّةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الم ﴾ ﴿ أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ لَمّا أُمِرَ بِالهِجْرَةِ، كَتَبَ المُسْلِمُونَ إلى إخْوانِهِمْ بِمَكَّةَ أنَّهُ لا يُقْبَلُ مِنكم إسْلامُكم حَتّى تُهاجِرُوا، فَخَرَجُوا نَحْوَ المَدِينَةِ فَأدْرَكَهُمُ المُشْرِكُونَ فَرَدُّوهُمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ مِن أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ عَشْرَ آياتٍ، فَكَتَبُوا إلَيْهِمْ يُخْبِرُونَهم بِما نَزَلَ فِيهِمْ، فَقالُوا: نَخْرُجُ، فَإنِ اتَّبَعَنا أحَدٌ قاتَلْناهُ، فَخَرَجُوا فاتَّبَعَهُمُ المُشْرِكُونَ فَقاتَلُوهُمْ، فَمِنهم مَن قُتِلَ، ومِنهم مَن نَجا، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ فِيهِمْ: ﴿ ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا  ﴾ ، هَذا قَوْلُ الحَسَنِ، والشَّعْبِيِّ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ إذْ كانَ يُعَذَّبُ في اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ.

والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في مِهْجَعٍ مَوْلى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ حِينَ قُتِلَ بِبَدْرٍ، فَجَزِعَ عَلَيْهِ أبَواهُ وامْرَأتُهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى في أبَوَيْهِ وامْرَأتِهِ هَذِهِ الآيَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أحَسِبَ النّاسُ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ بِالنّاسِ: الَّذِينَ آمَنُوا بِمَكَّةَ، كَعَيّاشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ، وعَمّارِ بْنِ ياسِرٍ، وسَلَمَةَ بْنِ هِشامٍ، وغَيْرِهِمْ.

قالَ الزَّجّاجُ: لَفْظُ الآيَةِ اسْتِخْبارٌ، ومَعْناهُ مَعْنى التَّقْرِيرِ والتَّوْبِيخِ؛ والمَعْنى: أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا بِأنْ يَقُولُوا: آمَنّا، ولِأنْ يَقُولُوا: آمَنّا، أيْ: أحَسِبُوا أنْ يُقْنَعَ مِنهم بِأنْ يَقُولُوا: إنّا مُؤْمِنُونَ، فَقَطْ، ولا يُمْتَحَنُونَ بِما يُبَيِّنُ حَقِيقَةَ إيمانِهِمْ، ﴿ وَهم لا يُفْتَنُونَ ﴾ أيْ: لا يُخْتَبَرُونَ بِما يُعْلَمُ بِهِ صِدْقُ إيمانِهِمْ مِن كَذِبِهِ.

وَلِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: لا يُفْتَنُونَ في أنْفُسِهِمْ بِالقَتْلِ والتَّعْذِيبِ، قالَهُ مُجاهِدٌ ٌ.

والثّانِي: لا يُبْتَلَوْنَ بِالأوامِرِ والنَّواهِي.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ أيِ: ابْتَلَيْناهم واخْتَبَرْناهُمْ، ﴿ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: فَلَيَرَيَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا في إيمانِهِمْ عِنْدَ البَلاءِ إذا صَبَرُوا لِقَضائِهِ ولَيَرَيَنَّ الكاذِبِينَ في إيمانِهِمْ إذا شَكُّوا عِنْدَ البَلاءِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: فَلْيُمَيِّزَنَّ، لِأنَّهُ [قَدْ] عِلَمَ ذَلِكَ مِن قَبْلُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

والثّالِثُ: فَلَيُظْهِرَنَّ ذَلِكَ حَتّى يُوجَدَ مَعْلُومًا، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.

وَقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: " فَلَيُعْلِمَنَّ اللَّهُ " " ولَيُعْلِمَنَّ الكاذِبِينَ " " ولَيُعْلِمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ولَيُعْلِمَنَّ المُنافِقِينَ " [العَنْكَبُوتِ: ١١] بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ اللّامِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ حَسِبَ ﴾ أيْ: أيَحْسَبُ ﴿ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ ﴾ يَعْنِي الشِّرْكَ ﴿ أنْ يَسْبِقُونا ﴾ أيْ: يَفُوتُونا ويُعْجِزُونا ﴿ ساءَ ما يَحْكُمُونَ ﴾ أيْ: بِئْسَ ما حَكَمُوا لِأنْفُسِهِمُ حِينَ ظَنُّوا ذَلِكَ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عَنى بِهِمُ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ، وأبا جَهْلٍ، والعاصَ بْنَ هِشامٍ، وغَيْرَهم.

<div class="verse-tafsir"

مَن كَانَ يَرْجُوا۟ لِقَآءَ ٱللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ لَـَٔاتٍۢ ۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ٥ وَمَن جَـٰهَدَ فَإِنَّمَا يُجَـٰهِدُ لِنَفْسِهِۦٓ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِىٌّ عَنِ ٱلْعَـٰلَمِينَ ٦ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّـَٔاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ ٱلَّذِى كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ٧

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللَّهِ ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في آخِرِ (الكَهْفِ) ﴿ فَإنَّ أجَلَ اللَّهِ لآتٍ ﴾ يَعْنِي الأجَلَ المَضْرُوبَ لِلْبَعْثِ؛ والمَعْنى: فَلْيَعْمَلْ لِذَلِكَ اليَوْمِ ﴿ وَهُوَ السَّمِيعُ ﴾ لِما يَقُولُ ﴿ العَلِيمُ ﴾ بِما يَعْمَلُ.

﴿ وَمَن جاهَدَ فَإنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ ﴾ أيْ: إنَّ ثَوابَهُ إلَيْهِ يَرْجِعُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ ﴾ أيْ: لَنُبْطِلَنَّها حَتّى تَصِيرَ بِمَنزِلَةِ ما لَمْ يُعْمَلُ ﴿ وَلَنَجْزِيَنَّهم أحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ أيْ: بِأحْسَنِ أعْمالِهِمْ، وهو الطّاعَةُ، ولا نَجْزِيهِمْ بِمَساوِئِ أعْمالِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

وَوَصَّيْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ بِوَٰلِدَيْهِ حُسْنًۭا ۖ وَإِن جَـٰهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌۭ فَلَا تُطِعْهُمَآ ۚ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ٨ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِى ٱلصَّـٰلِحِينَ ٩

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَوَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا ﴾ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو مِجْلَزٍ: وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: " إحْسانًا " بِألِفٍ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو رَجاءٍ: " حَسَنًا " بِفَتْحِ الحاءِ والسِّينِ.

رَوى أبُو عُثْمانَ النَّهْدِيُّ عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، قالَ: فِيَّ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،كُنْتُ رَجُلًا بَرًّا بِأُمِّي، فَلَمّا أسْلَمْتُ قالَتْ: يا سَعْدُ!

ما هَذا الدِّينُ الَّذِي قَدْ أحْدَثْتَ، لَتَدَعَنَّ دِينَكَ هَذا أوْلا آكُلُ ولا أشْرَبُ حَتّى أمُوتَ فَتُعَيَّرَ بِي فَيُقالَ: يا قاتِلَ أُمِّهِ، قُلْتُ: لا تَفْعَلِي يا أُمّاهُ، إنِّي لا أدَعُ دِينِي هَذا لِشَيْءٍ، قالَ: فَمَكَثَتْ يَوْمًا ولَيْلَةً لا تَأْكُلُ، فَأصْبَحَتْ قَدْ جُهِدَتْ، ثُمَّ مَكَثَتْ يَوْمًا آخَرَ ولَيْلَةً لا تَأْكُلُ، فَلَمّا رَأيْتُ ذَلِكَ قُلْتُ: تَعْلَمِينَ واللَّهِ يا أُمّاهُ لَوْ كانَتْ لَكِ مِائَةُ نَفْسٍ فَخَرَجَتْ نَفْسًا نَفْسًا ما تَرَكْتُ دِينِي هَذا لِشَيْءٍ، فَكُلِي، وإنْ شِئْتِ لا تَأْكُلِي، فَلَمّا رَأتْ ذَلِكَ أكَلَتْ، فَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

وقِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في عَيّاشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ، وقَدْ جَرى لَهُ مَعَ أُمِّهِ نَحْوُ هَذا.

وذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ، والَّتِي في (لُقْمانَ): ١٥ وفي (الأحْقافِ): ١٥ نَزَلْنَ في قِصَّةِ سَعْدٍ.

قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ: " حُسْنًا " فَمَعْناهُ: ووَصَّيْنا الإنْسانَ أنْ يَفْعَلَ بِوالِدَيْهِ ما يَحْسُنُ، ومَن قَرَأ: " إحْسانًا " فَمَعْناهُ: ووَصَّيْنا الإنْسانَ أنْ يُحْسِنَ إلى والِدَيْهِ، وكانَ " حُسْنًا " أعَمَّ في البَرِّ.

﴿ وَإنْ جاهَداكَ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَجازُ هَذا الكَلامِ مَجازُ المُخْتَصَرِ الَّذِي فِيهِ ضَمِيرٌ، والمَعْنى: وقُلْنا لَهُ: وإنْ جاهَداكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِتُشْرِكَ بِي ﴾ مَعْناهُ: لِتُشْرِكَ بِي شَرِيكًا لا تَعْلَمُهُ لِي ولَيْسَ لِأحَدٍ بِذَلِكَ عِلْمٌ، ﴿ فَلا تُطِعْهُما ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَنُدْخِلَنَّهم في الصّالِحِينَ ﴾ أيْ: في زُمْرَةِ الصّالِحِينَ في الجَنَّةِ.

وقالَ مُقاتِلٌ: " في " بِمَعْنى " مَعَ " .

<div class="verse-tafsir"

وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ فَإِذَآ أُوذِىَ فِى ٱللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ ٱلنَّاسِ كَعَذَابِ ٱللَّهِ وَلَئِن جَآءَ نَصْرٌۭ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ ۚ أَوَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِى صُدُورِ ٱلْعَـٰلَمِينَ ١٠ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ ١١

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ أخْرَجَهُمُ المُشْرِكُونَ إلى بَدْرٍ فارْتَدُّوا، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: نَزَلَتْ في قَوْمٍ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِألْسِنَتِهِمْ، فَإذا أصابَهم بَلاءٌ مِنَ اللَّهِ أوْ مُصِيبَةٌ في أنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمُ افْتُتِنُوا، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: نَزَلَتْ في ناسٍ مِنَ المُنافِقِينَ بِمَكَّةَ.

كانُوا يُؤْمِنُونَ، فَإذا أُوذُوا وأصابَهم بَلاءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ رَجَعُوا إلى الشِّرْكِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والرّابِعُ: أنَّها نَزَلَتْ في عَيّاشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ، كانَ أسْلَمَ، فَخافَ عَلى نَفْسِهِ مِن أهْلِهِ وقَوْمِهِ، فَخَرَجَ مِن مَكَّةَ هارِبًا إلى المَدِينَةِ، وذَلِكَ قَبْلَ قُدُومِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ وعَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى المَدِينَةِ، فَجَزِعَتْ أُمُّهُ فَقالَتْ لِأخَوَيْهِ أبِي جَهْلٍ والحارِثِ ابْنَيْ هِشامٍ- وهُما أخَواهُ لِأُمِّهِ-: واللَّهِ لا آوِي بَيْتًا ولا آكُلُ طَعامًا ولا أشْرَبُ شَرابًا حَتّى تَأْتِيانِي بِهِ، فَخَرَجا في طَلَبِهِ فَظَفِرا بِهِ فَلَمْ يَزالا بِهِ، حَتّى تابَعَهُما وجاءا بِهِ إلَيْها، فَقَيَّدَتْهُ، وقالَتْ: واللَّهِ لا أحُلُّكَ مِن وثاقِكَ حَتّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ، ثُمَّ أقْبَلَتْ تَجْلِدُهُ بِالسِّياطِ وتُعَذِّبُهُ حَتّى كَفَرَ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ جَزَعًا مِنَ الضَّرْبِ، فَنَزَلَتْ [فِيهِ] هَذِهِ الآيَةُ، ثُمَّ هاجَرَ بَعْدُ وحَسُنَ إسْلامُهُ، هَذا قَوْلُ ابْنِ السّائِبِ، ومُقاتِلٍ، وفي رِوايَةٍ عَنْ مُقاتِلٍ أنَّهُما جَلَداهُ في الطَّرِيقِ مِائَتَيْ جَلْدَةً، فَتَبَرَّأ مِن دِينِ مُحَمَّدٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا أُوذِيَ في اللَّهِ ﴾ أيْ: نالَهُ أذًى أوْ عَذابٌ بِسَبَبِ إيمانِهِ ﴿ جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ ﴾ أيْ: ما يُصِيبُهُ مِن عَذابِهِمْ في الدُّنْيا ﴿ كَعَذابِ اللَّهِ ﴾ في الآخِرَةِ؛ وإنَّما يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أنْ يَصْبِرَ عَلى الأذى في اللَّهِ تَعالى لِما يَرْجُو مِن ثَوابِهِ ﴿ وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِن رَبِّكَ ﴾ يَعْنِي دَوْلَةً لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿ لَيَقُولُنَّ ﴾ يَعْنِي المُنافِقِينَ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿ إنّا كُنّا مَعَكُمْ ﴾ عَلى دِينِكُمْ، فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ وقالَ: ﴿ أوَلَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِما في صُدُورِ العالَمِينَ ﴾ مِنَ الإيمانِ والنِّفاقِ.

وقَدْ فَسَّرْنا الآيَةَ الَّتِي تَلِي هَذِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ.

<div class="verse-tafsir"

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّبِعُوا۟ سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَـٰيَـٰكُمْ وَمَا هُم بِحَـٰمِلِينَ مِنْ خَطَـٰيَـٰهُم مِّن شَىْءٍ ۖ إِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ ١٢ وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًۭا مَّعَ أَثْقَالِهِمْ ۖ وَلَيُسْـَٔلُنَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عَمَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ ١٣

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اتَّبِعُوا سَبِيلَنا ﴾ يَعْنُونَ: دِينَنا.

قالَ مُجاهِدٌ: هَذا قَوْلُ كُفّارِ قُرَيْشٍ لِمَن آمَنَ مِن أهْلِ مَكَّةَ، قالُوا لَهُمْ: لا نَبْعَثُ نَحْنُ ولا أنْتُمْ فاتَّبِعُونا، فَإنْ كانَ عَلَيْكم شَيْءٌ فَهو عَلَيْنا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو أمْرٌ في تَأْوِيلِ الشَّرْطِ والجَزاءِ، يَعْنِي: إنِ اتَّبَعْتُمْ سَبِيلَنا حَمَلْنا خَطاياكم.

وقالَ الأخْفَشُ: كَأنَّهم أمَرُوا أنْفُسَهم بِذَلِكَ.

وقَرَأ الحَسَنُ: " ولِنَحْمِلْ " بِكَسْرِ اللّامِ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ الواوُ زائِدَةٌ، والمَعْنى: لِنَحْمِلْ خَطاياكم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهم لَكاذِبُونَ ﴾ أيْ: فِيما ضَمِنُوا مِن حَمْلِ خَطاياهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهُمْ ﴾ أيْ: أوْزارَ أنْفُسِهِمْ ﴿ وَأثْقالا مَعَ أثْقالِهِمْ ﴾ أيْ: أوْزارًا مَعَ أوْزارِهِمْ، وهي أوْزارُ الَّذِينَ أضَلُّوهُمْ، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿ لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ  ﴾ ﴿ وَلَيُسْألُنَّ يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ سُؤالَ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ ﴿ عَمّا كانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ مِنَ الكَذِبِ عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ؛ وقالَ مُقاتِلٌ: عَنْ قَوْلِهِمْ: نَحْنُ الكُفَلاءُ بِكُلِّ تَبِعَةٍ تُصِيبُكم مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

<div class="verse-tafsir"

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِۦ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًۭا فَأَخَذَهُمُ ٱلطُّوفَانُ وَهُمْ ظَـٰلِمُونَ ١٤ فَأَنجَيْنَـٰهُ وَأَصْحَـٰبَ ٱلسَّفِينَةِ وَجَعَلْنَـٰهَآ ءَايَةًۭ لِّلْعَـٰلَمِينَ ١٥

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ ﴾ في هَذِهِ القِصَّةِ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ  حَيْثُ أُعْلِمَ أنَّ الأنْبِياءَ قَدِ ابْتُلُوا قَبْلَهُ، وفِيها وعِيدٌ شَدِيدٌ لِمَن أقامَ عَلى الشِّرْكِ، فَإنَّهم وإنْ أُمْهِلُوا، فَقَدْ أُمْهِلَ قَوْمُ نُوحٍ أكْثَرَ ثُمَّ أُخِذُوا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَبِثَ فِيهِمْ ألْفَ سَنَةٍ إلا خَمْسِينَ عامًا ﴾ اخْتَلَفُوا في عُمْرِ نُوحٍ عَلى خَمْسَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: بُعِثَ بَعْدَ أرْبَعِينَ سَنَةً، وعاشَ في قَوْمِهِ ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا يَدْعُوهُمْ، وعاشَ بَعْدَ الطُّوفانِ سِتِّينَ سَنَةً، رَواهُ يُوسُفُ بْنُ مِهْرانَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ لَبِثَ فِيهِمْ ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا، وعاشَ بَعْدَ ذَلِكَ سَبْعِينَ عامًا، فَكانَ مَبْلَغُ عُمْرِهِ ألْفَ سَنَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، قالَهُ كَعْبُ الأحْبارِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ بُعِثَ وهو ابْنُ خَمْسِينَ وثَلاثِمِائَةٍ، فَلَبِثَ فِيهِمْ ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا، ثُمَّ عاشَ بَعْدَ ذَلِكَ خَمْسِينَ وثَلاثَمِائَةٍ، قالَهُ عَوْنُ بْنُ أبِي شَدّادٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ لَبِثَ فِيهِمْ قَبْلَ أنْ يَدْعُوَهم ثَلاثَمِائَةِ سَنَةٍ، [وَدَعاهم ثَلاثَمِائَةِ سَنَةٍ] ولَبِثَ بَعْدَ الطُّوفانِ ثَلاثَمِائَةٍ وخَمْسِينَ سَنَةً، قالَهُ قَتادَةُ.

وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: بُعِثَ لِخَمْسِينَ سَنَةً.

والخامِسُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ بَيَّنَتْ مِقْدارَ عُمْرِهِ كُلِّهِ حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

فَإنْ قِيلَ: ما فائِدَةُ قَوْلِهِ: ﴿ إلا خَمْسِينَ عامًا ﴾ ، فَهَلّا قالَ: تِسْعَمِائَةٍ وخَمْسِينَ؟

فالجَوابُ: أنَّ المُرادَ بِهِ تَكْثِيرَ العَدَدِ، وذِكْرُ الألْفِ أفْخَمُ في اللَّفْظِ، وأعْظَمُ لِلْعَدَدِ.

قالَ الزَّجّاجُ: تَأْوِيلُ الِاسْتِثْناءِ في كَلامِ العَرَبِ: التَّوْكِيدُ، تَقُولُ: جاءَنِي إخْوَتُكَ إلّا زَيْدًا، فَتُؤَكِّدُ أنَّ الجَماعَةَ جاؤُوا، وتَنْقُصُ زَيْدًا.

واسْتِثْناءُ نِصْفِ الشَّيْءِ قَبِيحٌ جِدًّا لا تَتَكَلَّمُ بِهِ العَرَبُ، وإنَّما تَتَكَلَّمُ بِالِاسْتِثْناءِ كَما تَتَكَلَّمُ بِالنُّقْصانِ، تَقُولُ: عِنْدِي دِرْهَمٌ يَنْقُصُ قِيراطًا، فَلَوْ قُلْتَ: يَنْقُصُ نِصْفُهُ، كانَ الأوْلى أنْ تَقُولَ: عِنْدِي نِصْفُ دِرْهَمٍ، ولَمْ يَأْتِ الِاسْتِثْناءُ في كَلامِ العَرَبِ إلّا قَلِيلٌ مِن كَثِيرٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأخَذَهُمُ الطُّوفانُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: المَوْتُ، رَوَتْ عائِشَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  في قَوْلِهِ: ﴿ فَأخَذَهُمُ الطُّوفانُ ﴾ قالَ: المَوْت.

والثّانِي: المَطَرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو المَطَرُ الشَّدِيدُ.

والثّالِثُ: الغَرَقُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

قالَ الزَّجّاجُ: الطُّوفانُ مِن كُلِّ شَيْءٍ: ما كانَ كَثِيرًا مُطِيفًا بِالجَماعَةِ كُلِّها، فالغَرَقُ الَّذِي يَشْتَمِلُ عَلى المُدُنِ الكَثِيرَةِ: طُوفانٌ، وكَذَلِكَ القَتْلُ الذَّرِيعُ، والمَوْتُ الجارِفُ: طُوفانٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهم ظالِمُونَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كافِرُونَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْناها ﴾ يَعْنِي السَّفِينَةَ، قالَ قَتادَةُ: أبْقاها اللَّهُ آيَةً لِلنّاسِ بِأعْلى الجُودِيِّ.

قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: وجائِزٌ أنْ يَكُونَ أرادَ: الفِعْلَةَ الَّتِي فَعَلَها بِهِمْ مِنَ الغَرَقِ (آيَةً)، أيْ: عِبْرَةً ﴿ لِلْعالَمِينَ ﴾ \[بَعْدَهُمْ\] .

<div class="verse-tafsir"

وَإِبْرَٰهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُ ۖ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌۭ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ١٦ إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْثَـٰنًۭا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًۭا فَٱبْتَغُوا۟ عِندَ ٱللَّهِ ٱلرِّزْقَ وَٱعْبُدُوهُ وَٱشْكُرُوا۟ لَهُۥٓ ۖ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ١٧ وَإِن تُكَذِّبُوا۟ فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌۭ مِّن قَبْلِكُمْ ۖ وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ ١٨

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإبْراهِيمَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو مَعْطُوفٌ عَلى نُوحٍ، والمَعْنى: أرْسَلْنا إبْراهِيمَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكُمْ ﴾ يَعْنِي عِبادَةَ اللَّهِ ﴿ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ مِن عِبادَةِ الأوْثانِ، ﴿ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ ما هو خَيْرٌ لَكم مِمّا هو شَرٌّ لَكُمْ؛ والمَعْنى: ولَكِنَّكم لا تَعْلَمُونَ.

﴿ إنَّما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا ﴾ قالَ الفَرّاءُ: " إنَّما " في هَذا المَوْضِعِ حَرْفٌ واحِدٌ، ولَيْسَتْ عَلى مَعْنى " الَّذِي "، وقَوْلُهُ: ﴿ وَتَخْلُقُونَ إفْكًا ﴾ مَرْدُودٌ عَلى " إنَّما "، كَقَوْلِكَ: إنَّما تَفْعَلُونَ كَذا، وإنَّما تَفْعَلُونَ كَذا.

وقالَ مُقاتِلٌ: الأوْثانُ: الأصْنامُ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: واحِدُها وثَنٌ، وهو ما كانَ مِن حِجارَةٍ أوْ جَصٍّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَخْلُقُونَ إفْكًا ﴾ وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ، وأبُو المُتَوَكِّلِ: " وتَخْتَلِقُونَ " بِزِيادَةِ تاءٍ.

ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: تَخْتَلِقُونَ كَذِبًا في زَعْمِكم أنَّها آلِهَةٌ.

والثّانِي: تَصْنَعُونَ الأصْنامَ؛ والمَعْنى: تَعْبُدُونَ أصْنامًا أنْتُمْ تَصْنَعُونَها.

ثُمَّ بَيَّنَ عَجْزَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ لا يَمْلِكُونَ لَكم رِزْقًا ﴾ أيْ: لا يَقْدِرُونَ عَلى أنْ يَرْزُقُوكم ﴿ فابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ ﴾ أيْ: فاطْلُبُوا مِنَ اللَّهِ، فَإنَّهُ القادِرُ عَلى ذَلِكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ تُكَذِّبُوا ﴾ هَذا تَهْدِيدٌ لِقُرَيْشٍ ﴿ فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِن قَبْلِكُمْ ﴾ والمَعْنى: فَأُهْلِكُوا.

<div class="verse-tafsir"

أَوَلَمْ يَرَوْا۟ كَيْفَ يُبْدِئُ ٱللَّهُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥٓ ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌۭ ١٩ قُلْ سِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَٱنظُرُوا۟ كَيْفَ بَدَأَ ٱلْخَلْقَ ۚ ثُمَّ ٱللَّهُ يُنشِئُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلْـَٔاخِرَةَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ ٢٠ يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَرْحَمُ مَن يَشَآءُ ۖ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ ٢١ وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فِى ٱلسَّمَآءِ ۖ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِىٍّۢ وَلَا نَصِيرٍۢ ٢٢ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ وَلِقَآئِهِۦٓ أُو۟لَـٰٓئِكَ يَئِسُوا۟ مِن رَّحْمَتِى وَأُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ ٢٣

﴿ أوَلَمْ يَرَوْا ﴾ \[قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: " يَرَوْا " \] بِالياءِ وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِالتّاءِ.

[وَعَنْ عاصِمٍ كالقِراءَتَيْنِ] .

وعَنى بِالكَلامِ كُفّارَ مَكَّةَ ﴿ كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الخَلْقَ ﴾ أيْ:كَيْفَ يَخْلُقُهُمُ ابْتِداءً مِن نُطْفَةٍ، ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ، ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ إلى أنْ يَتِمَّ الخَلْقُ ﴿ ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾ أيْ: ثُمَّ هو يُعِيدُهُ في الآخِرَةِ عِنْدَ البَعْثِ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَجازُهُ: أوْلَمَ يَرَوْا كَيْفَ اسْتَأْنَفَ اللَّهُ الخَلْقَ الأوَّلَ ثُمَّ يُعِيدُهُ.

وفِيهِ لُغَتانِ: أبْدَأ وأعادَ، وكانَ مُبْدِئًا ومُعِيدًا، وبَدَأ وعادَ، وكانَ بادِئًا وعائِدًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ يَعْنِي الخَلْقَ الأوَّلَ والخَلْقَ الثّانِيَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ ﴾ أيِ: انْظُرُوا إلى المَخْلُوقاتِ الَّتِي في الأرْضِ، وابْحَثُوا عَنْها هَلْ تَجِدُونَ لَها خالِقًا غَيْرَ اللَّهِ، فَإذا عَلِمُوا أنَّهُ لا خالِقَ لَهم سِواهُ، لَزِمَتْهُمُ الحُجَّةُ في الإعادَةِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأةَ الآخِرَةَ ﴾ أيْ: ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُهم عِنْدَ البَعْثِ نَشْأةً أُخْرى.

وأكْثَرُ القُرّاءِ قَرَؤُوا: " النَّشْأةَ " بِتَسْكِينِ الشِّينِ وتَرْكِ المَدِّ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: " النَّشاءَةَ " بِالمَدِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ في الآخِرَةِ بَعْدَ إنْشائِهِمْ.

والثّانِي: أنَّهُ في الدُّنْيا.

ثُمَّ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ حَكاها الماوَرْدِيُّ.

أحَدُها: يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ بِالحِرْصِ، ويَرْحَمُ مَن يَشاءُ بِالقَناعَةِ.

والثّانِي: يُعَذِّبُ بِسُوءِ الخُلُقِ ويَرْحَمُ بِحُسْنِ الخُلُقِ والثّالِثُ: يُعَذِّبُ بِمُتابَعَةِ البِدْعَةِ، ويَرْحَمُ بِمُلازَمَةِ السُّنَّةِ.

والرّابِعُ: يُعَذِّبُ بِالِانْقِطاعِ إلى الدُّنْيا، ويَرْحَمُ بِالإعْراضِ عَنْها.

والخامِسُ: يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ بِبُغْضِ النّاسِ لَهُ، ويَرْحَمُ مَن يَشاءُ بِحُبِّ النّاسِ لَهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإلَيْهِ تُقْلَبُونَ ﴾ أيْ: تَرُدُّونَ.

﴿ وَما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ حَكاهُما الزَّجّاجُ.

أحَدُهُما: وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ، ولا أهْلُ السَّماءِ بِمُعْجِزِينَ في السَّماءِ.

والثّانِي: وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ، ولا لَوْ كُنْتُمْ في السَّماءِ وقالَ قُطْرُبٌ: هَذا كَقَوْلِكَ: ما يَفُوتُنِي فُلانٌ لا هاهُنا ولا بِالبَصْرَةِ، أيْ: ولا بِالبَصْرَةِ لَوْ صارَ إلَيْها.

قالَ مُقاتِلٌ: والخِطابُ لِكُفّارِ مَكَّةَ؛ والمَعْنى: لا تَسْبِقُونَ اللَّهَ حَتّى يَجْزِيَكم بِأعْمالِكُمُ السَّيِّئَةِ، ﴿ وَما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ﴾ أيْ: قَرِيبٌ يَنْفَعُكم ﴿ وَلا نَصِيرٍ ﴾ يَمْنَعُكم مِنَ اللَّهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ ولِقائِهِ ﴾ أيْ: بِالقُرْآنِ والبَعْثِ ﴿ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِن رَحْمَتِي ﴾ في الرَّحْمَةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: الجَنَّةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: العَفْوُ والمَغْفِرَةُ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وذَلِكَ في الآخِرَةِ عِنْدَ رُؤْيَةِ العَذابِ.

<div class="verse-tafsir"

فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُوا۟ ٱقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنجَىٰهُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلنَّارِ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يُؤْمِنُونَ ٢٤ وَقَالَ إِنَّمَا ٱتَّخَذْتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَوْثَـٰنًۭا مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍۢ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًۭا وَمَأْوَىٰكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّـٰصِرِينَ ٢٥

ثُمَّ عادَ الكَلامُ إلى قِصَّةِ إبْراهِيمَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ ﴾ أيْ: حِينَ دَعاهم إلى اللَّهِ ونَهاهم عَنِ الأصْنامِ ﴿ إلا أنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ ﴾ وهَذا بَيانٌ لِسَفَهِ أحْلامِهِمْ حِينَ قابَلُوا احْتِجاجَهُ عَلَيْهِمْ بِهَذا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأنْجاهُ اللَّهُ ﴾ المَعْنى: فَحَرَقُوهُ فَأنْجاهُ اللَّهُ.

﴿ مِنَ النّارِ ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ في ذَلِكَ ﴾ يُشِيرُ إلى إنْجائِهِ إبْراهِيمَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَ ﴾ يَعْنِي إبْراهِيمَ ﴿ إنَّما اتَّخَذْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: " مَوَدَّةُ بَيْنِكم " بِالرَّفْعِ والإضافَةِ.

قالَ الزَّجّاجُ: " مَوَدَّةُ " مَرْفُوعَةٌ بِإضْمارِ " هي "، كَأنَّهُ قالَ: تِلْكَ مَوَدَّةُ بَيْنِكُمْ، أيْ: أُلْفَتُكم واجْتِماعُكم عَلى الأصْنامِ مَوَدَّةُ بَيْنِكُمْ؛ والمَعْنى: إنَّما اتَّخَذْتُمْ هَذِهِ الأوْثانَ لِتَتَوادُّوا بِها في الحَياةِ الدُّنْيا.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ " ما " بِمَعْنى الَّذِي.

وَقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " مَوَدَّةُ " بِالرَّفْعِ " بَيْنَكم " بِالنَّصْبِ.

وَقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " مَوَدَّةٌ بَيْنَكم " قالَ أبُو عَلِيٍّ: المَعْنى: اتَّخَذْتُمُ الأصْنامَ لِلْمَوَدَّةِ، و " بَيْنَكم " نَصْبٌ عَلى الظَّرْفِ، والعامِلُ فِيهِ المَوَدَّةُ.

وَقَرَأ حَمْزَةُ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: " مَوَدَّةَ بَيْنِكم " بِنَصْبِ " مَوَدَّةَ " مَعَ الإضافَةِ، وهَذا عَلى الِاتِّساعِ في جَعْلِ الظَّرْفِ اسْمًا لِما أُضِيفَ إلَيْهِ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْنى الكَلامِ: إنَّما اتَّخَذْتُمُوها لِتَتَّصِلَ المَوَدَّةُ بَيْنَكم واللِّقاءُ والِاجْتِماعُ عِنْدَها، وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّها لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، ﴿ ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ﴾ أيْ: يَتَبَرَّأُ القادَةُ مِنَ الأتْباعِ ﴿ وَيَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا ﴾ يَلْعَنُ الأتْباعُ القادَةَ لِأنَّهم زَيَّنُوا لَهُمُ الكُفْرَ.

<div class="verse-tafsir"

۞ فَـَٔامَنَ لَهُۥ لُوطٌۭ ۘ وَقَالَ إِنِّى مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّىٓ ۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ٢٦ وَوَهَبْنَا لَهُۥٓ إِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِى ذُرِّيَّتِهِ ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلْكِتَـٰبَ وَءَاتَيْنَـٰهُ أَجْرَهُۥ فِى ٱلدُّنْيَا ۖ وَإِنَّهُۥ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ ٢٧ وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِۦٓ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلْفَـٰحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍۢ مِّنَ ٱلْعَـٰلَمِينَ ٢٨ أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ ٱلسَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِى نَادِيكُمُ ٱلْمُنكَرَ ۖ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُوا۟ ٱئْتِنَا بِعَذَابِ ٱللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ ٢٩ قَالَ رَبِّ ٱنصُرْنِى عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْمُفْسِدِينَ ٣٠

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ ﴾ أيْ: صَدَّقَ بِإبْراهِيمَ ﴿ وَقالَ ﴾ يَعْنِي إبْراهِيمُ ﴿ إنِّي مُهاجِرٌ إلى رَبِّي ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: إلى رِضى رَبِّي.

والثّانِي: إلى حَيْثُ أمَرَنِي رَبِّي، فَهاجَرَ مِن سَوادِ العِراقِ إلى الشّامِ وهَجَرَ قَوْمَهُ المُشْرِكِينَ.

﴿ وَوَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ﴾ بَعْدَ إسْماعِيلَ ﴿ وَيَعْقُوبَ ﴾ مِن إسْحاقَ ﴿ وَجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ والكِتابَ ﴾ وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا بَعْدَ إبْراهِيمَ إلّا مِن صُلْبِهِ ﴿ وَآتَيْناهُ أجْرَهُ في الدُّنْيا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: الذِّكْرُ الحَسَنُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: الثَّناءُ الحَسَنُ والوَلَدُ الصّالِحُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: العافِيَةُ والعَمَلُ الحَسَنُ والثَّناءُ، فَلَسْتَ تَلْقى أحَدًا مِن أهْلِ المِلَلِ إلّا يَتَوَلّاهُ، قالَهُ قَتادَةُ، والرّابِعُ: أنَّهُ أُرِيَ مَكانَهُ مِنَ الجَنَّةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ ﴾ قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [البَقَرَةِ: ١٣٠] .

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: لَهُ هُناكَ جَزاءُ الصّالِحِينَ غَيْرَ مَنقُوصٍ مِنَ الآخِرَةِ بِما أُعْطِيَ في الدُّنْيا مِنَ الأجْرِ.

وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [الأعْرافِ: ٨٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهم كانُوا يَعْتَرِضُونَ مَن مَرَّ بِهِمْ لِعَمَلِهِمُ الخَبِيثِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهم كانُوا إذا جَلَسُوا في مَجالِسِهِمْ يَرْمُونَ ابْنَ السَّبِيلِ بِالحِجارَةِ، فَيَقْطَعُونَ سَبِيلَ المُسافِرِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: أنَّهُ قَطْعُ النَّسْلِ لِلْعُدُولِ عَنِ النِّساءِ إلى الرِّجالِ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَأْتُونَ في نادِيكُمُ المُنْكَرَ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: النّادِي: المَجْلِسُ، والمُنْكَرُ يَجْمَعُ الفَواحِشَ مِنَ القَوْلِ والفِعْلِ.

وَلِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِهَذا المُنْكَرِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهم كانُوا يَحْذِفُونَ أهْلَ الطَّرِيقِ ويَسْخَرُونَ مِنهُمْ، فَذَلِكَ المُنْكَرُ، رَوَتْهُ أمُّ هانِئٍ بِنْتُ أبِي طالِبٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  .

وقالَ عِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ: كانُوا يَحْذِفُونَ كُلَّ مَن مَرَّ بِهِمْ.

والثّانِي: لَفُّ القَمِيصِ عَلى اليَدِ، وجَرُّ الإزارِ، وحَلُّ الأزْرارِ، والحَذْفُ والرَّمْيُ بِالبُنْدُقِ، ولِعْبُ الحَمامِ، والصَّفِيرُ، في خِصالٍ أُخَرَ رَواها مَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الضُّراطُ، رَواهُ عُرْوَةُ عَنْ عائِشَةَ، وكَذَلِكَ فَسَّرَهُ القاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ إتْيانُ الرِّجالِ في مَجالِسِهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ.

وَهَذِهِ الآيَةُ [تَدُلُّ] عَلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي لِلْمُجْتَمِعِينَ أنْ يَتَعاشَرُوا إلّا عَلى ما يُقَرِّبُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ولا يَنْبَغِي أنْ يَجْتَمِعُوا عَلى الهُزْءِ واللَّعِبِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَبِّ انْصُرْنِي ﴾ أيْ: بِتَصْدِيقِ قَوْلِي في العَذابِ.

<div class="verse-tafsir"

وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَٰهِيمَ بِٱلْبُشْرَىٰ قَالُوٓا۟ إِنَّا مُهْلِكُوٓا۟ أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ ۖ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا۟ ظَـٰلِمِينَ ٣١ قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًۭا ۚ قَالُوا۟ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا ۖ لَنُنَجِّيَنَّهُۥ وَأَهْلَهُۥٓ إِلَّا ٱمْرَأَتَهُۥ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَـٰبِرِينَ ٣٢ وَلَمَّآ أَن جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطًۭا سِىٓءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًۭا وَقَالُوا۟ لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ ۖ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا ٱمْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَـٰبِرِينَ ٣٣ إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَىٰٓ أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ رِجْزًۭا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُوا۟ يَفْسُقُونَ ٣٤ وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَآ ءَايَةًۢ بَيِّنَةًۭ لِّقَوْمٍۢ يَعْقِلُونَ ٣٥

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ ﴾ يَعْنُونَ قَرْيَةَ لُوط.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَنُنَجِّيَنَّهُ ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ: " لَنُنَجِّيَنَّهُ " و " إنّا مُنَجُّوكَ " بِتَشْدِيدِ الحَرْفَيْنِ، وخَفَّفَهُما حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ.

ورَوى أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " لَنُنَجِّيَنَّهُ " مُشَدَّدَةً، و " إنّا مُنْجُوكَ " مُخَفَّفَةً ساكِنَةَ النُّونِ.

وقَدْ سَبَقَ شَرْحُ ما أخْلَلْنا بِذِكْرِهِ [هُودٍ: ٧٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿ إنّا مُنْزِلُونَ عَلى أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ رِجْزًا ﴾ وهو الحَصَبُ والخَسْفُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنها ﴾ في المَكْنِيِّ عَنْها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها الفِعْلَةُ الَّتِي فَعَلَ بِهِمْ؛ فَعَلى هَذا في الآيَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحُدُها: أنَّها الحِجارَةُ الَّتِي أدْرَكَتْ أوائِلَ هَذِهِ الأُمَّةِ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: الماءُ الأسْوَدُ عَلى وجْهِ الأرْضِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: الخَبَرُ عَمّا صَنَعَ بِهِمْ.

والثّانِي: أنَّها القَرْيَةُ؛ فَعَلى هَذا في المُرادِ بِالآيَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها آثارُ مَنازِلِهِمُ الخَرِبَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ الآيَةَ في قَرْيَتِهِمْ إلى الآنِ أنَّ أساسَها أعْلاها وسُقُوفَها أسْفَلُها، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: تَرَكْناها آيَةً، تَقُولُ: إنَّ في السَّماءِ لَآيَةً، تُرِيدُ أنَّها هي الآيَةُ قالَهُ الفَرّاءُ.

<div class="verse-tafsir"

وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًۭا فَقَالَ يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ وَٱرْجُوا۟ ٱلْيَوْمَ ٱلْـَٔاخِرَ وَلَا تَعْثَوْا۟ فِى ٱلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ٣٦ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا۟ فِى دَارِهِمْ جَـٰثِمِينَ ٣٧

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وارْجُوا اليَوْمَ الآخِرَ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: اخْشَوُا البَعْثَ الَّذِي فِيهِ جَزاءُ الأعْمالِ.

<div class="verse-tafsir"

وَعَادًۭا وَثَمُودَا۟ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَـٰكِنِهِمْ ۖ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَعْمَـٰلَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَكَانُوا۟ مُسْتَبْصِرِينَ ٣٨ وَقَـٰرُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَـٰمَـٰنَ ۖ وَلَقَدْ جَآءَهُم مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ فَٱسْتَكْبَرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا كَانُوا۟ سَـٰبِقِينَ ٣٩ فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنۢبِهِۦ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًۭا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا ۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ٤٠

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعادًا وثَمُودَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: وأهْلَكْنا عادًا وثَمُودَ، لِأنَّ قَبْلَ هَذا ﴿ فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكم مِن مَساكِنِهِمْ ﴾ أيْ: ظَهَرَ لَكم يا أهْلَ مَكَّةَ مِن مَنازِلِهِمْ بِالحِجازِ واليَمَنِ آيَةٌ في هَلاكِهِمْ، ﴿ وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: أيْ: ذَوِي بَصائِرَ.

وقالَ الزَّجّاجُ: أتَوْا ما أتَوْهُ وقَدْ تَبَيَّنَ لَهم أنَّ عاقِبَتَهُ عَذابُهم.

وقالَ غَيْرُهُ: كانُوا عِنْدَ أنْفُسِهِمْ مُسْتَبْصِرِينَ، يَظُنُّونَ أنَّهم عَلى حَقٍّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما كانُوا سابِقِينَ ﴾ أيْ: ما كانُوا يَفُوتُونَ اللَّهَ أنْ يَفْعَلَ بِهِمْ ما يُرِيدُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَكُلا أخَذْنا بِذَنْبِهِ ﴾ أيْ: عاقَبْنا بِتَكْذِيبِهِ ﴿ فَمِنهم مَن أرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِبًا ﴾ يَعْنِي قَوْمَ لُوطٍ ﴿ وَمِنهم مَن أخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ ﴾ يَعْنِي ثَمُودَ وقَوْمَ شُعَيْبٍ ﴿ وَمِنهم مَن خَسَفْنا بِهِ الأرْضَ ﴾ يَعْنِي قارُونَ وأصْحابَهُ ﴿ وَمِنهم مَن أغْرَقْنا ﴾ يَعْنِي قَوْمَ نُوحٍ وفِرْعَوْنَ ﴿ وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ ﴾ فَيُعَذِّبَهم عَلى غَيْرِ ذَنْبٍ ﴿ وَلَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ ﴾ بِالإقامَةِ عَلى المَعاصِي.

<div class="verse-tafsir"

مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ ٱلْعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتْ بَيْتًۭا ۖ وَإِنَّ أَوْهَنَ ٱلْبُيُوتِ لَبَيْتُ ٱلْعَنكَبُوتِ ۖ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ ٤١ إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِۦ مِن شَىْءٍۢ ۚ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ٤٢ وَتِلْكَ ٱلْأَمْثَـٰلُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ ۖ وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلَّا ٱلْعَـٰلِمُونَ ٤٣

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ ﴾ يَعْنِي الأصْنامَ يَتَّخِذُها المُشْرِكُونَ أوْلِياءَ يَرْجُونَ نَفْعَها ونَصْرَها، فَمَثَلُهم في ضَعْفِ احْتِيالِهِمْ ﴿ كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا ﴾ قالَ ثَعْلَبٌ: والعَنْكَبُوتُ أُنْثى، وقَدْ يُذَكِّرُها بَعْضُ العَرَبِ، قالَ الشّاعِرُ: [عَلى هَطّالِهِمْ مِنهم بُيُوتٌ] كَأنَّ العَنْكَبُوتَ هو ابْتَناها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ ﴾ أيْ: هو عالِمٌ بِما عَبَدُوهُ مِن دُونِهِ، لا يَخْفى عَلَيْهِ ذَلِكَ؛ والمَعْنى أنَّهُ يُجازِيهِمْ عَلى كُفْرِهِمْ.

﴿ وَتِلْكَ الأمْثالُ ﴾ يَعْنِي أمْثالَ القُرْآنِ الَّتِي شَبَّهَ بِها أحْوالَ الكُفّارِ؛ وقِيلَ: إنَّ " تِلْكَ " بِمَعْنى " هَذِهِ "، و ﴿ العالِمُونَ ﴾ : الَّذِينَ يَعْقِلُونَ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

<div class="verse-tafsir"

خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِٱلْحَقِّ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةًۭ لِّلْمُؤْمِنِينَ ٤٤ ٱتْلُ مَآ أُوحِىَ إِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ ۖ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ ۗ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ ۗ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ٤٥

﴿ خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ ﴾ أيْ: لِلْحَقِّ، ولِإظْهارِ الحَقِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ ﴾ في المُرادِ بِالصَّلاةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها الصَّلاةُ المَعْرُوفَةُ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.

ورَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  أنَّهُ قالَ: " «مَن لَمْ تَنْهَهُ صَلاتُهُ عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، لَمْ يَزْدَدْ مِنَ اللَّهِ إلّا بُعْدًا» " .

والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالصَّلاةِ: القُرْآنُ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ؛ ويَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُهُ: ﴿ وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ  ﴾ وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ فِيما سَبَقَ [البَقَرَةِ: ١٦٨، النَّحْلِ: ٩٠] .

وَفِي مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ لِلْعُلَماءِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ الإنْسانَ إذا أدّى الصَّلاةَ كَما يَنْبَغِي وتَدَبَّرَ ما يَتْلُو فِيها، نَهَتْهُ عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، هَذا مُقْتَضاها ومُوجِبُها.

والثّانِي: أنَّها تَنْهاهُ ما دامَ فِيها.

والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: يَنْبَغِي أنْ تَنْهى الصَّلاةُ عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: ولَذِكْرُ اللَّهِ إيّاكم أكْبُرُ مِن ذِكْرِكم إيّاهُ، رَواهُ ابْنُ عُمَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  ، وبِهِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ في آخَرِينَ.

والثّانِي: ولَذِكْرُ اللَّهِ أفْضُلُ مِن كُلٍّ شَيْءٍ سِواهُ، وهَذا مَذْهَبُ أبِي الدَّرْداءِ، وسَلْمانَ، وقَتادَةَ.

والثّالِثُ: ولَذِكْرُ اللَّهِ في الصَّلاةِ أكْبَرُ مِمّا نَهاكَ عَنْهُ مِنَ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْنٍ.

والرّابِعُ: ولَذِكْرُ اللَّهِ العَبْدَ- ماكانَ في صِلاتِهِ- أكْبَرُ مِن ذِكْرِ العَبْدِ لِلَّهِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

<div class="verse-tafsir"

۞ وَلَا تُجَـٰدِلُوٓا۟ أَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ إِلَّا بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنْهُمْ ۖ وَقُولُوٓا۟ ءَامَنَّا بِٱلَّذِىٓ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَـٰهُنَا وَإِلَـٰهُكُمْ وَٰحِدٌۭ وَنَحْنُ لَهُۥ مُسْلِمُونَ ٤٦

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ ﴾ في الَّتِي هي أحْسَنُ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّها الكَفُّ عَنْهم إذا بَذَلُوا الجِزْيَةَ، فَإنْ أبَوْا قُوتِلُوا، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: أنَّها القُرْآنُ والدُّعاءُ إلى اللَّهِ بِالآياتِ والحُجَجِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ ﴾ وهُمُ الَّذِينَ نَصَبُوا الحَرْبَ وأبَوْا أنْ يُؤَدُّوا الجِزْيَةَ، فَجادِلُوا هَؤُلاءِ بِالسَّيْفِ حَتّى يُسْلِمُوا أوْ يُعْطُوا الجِزْيَةَ ﴿ وَقُولُوا ﴾ لِمَن أدّى الجِزْيَةَ مِنهم إذا أخْبَرَكم بِشَيْءٍ مِمّا في كُتُبِهِمْ ﴿ آمَنّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إلَيْنا وأُنْزِلَ إلَيْكُمْ ﴾ \[الآيَةُ\] وقَدْ رَوى أبُو هُرَيْرَةَ قالَ: «كانَ أهْلُ الكِتابِ يَقْرَؤُونَ التَّوْراةَ بِالعِبْرانِيَّةِ، ويُفَسِّرُونَها بِالعَرَبِيَّةِ لِأهْلِ الإسْلامِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : " لا تُصَدِّقُوا أهْلَ الكِتابِ ولا تُكَذِّبُوهم ﴿ وَقُولُوا آمَنّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إلَيْنا وأُنْزِلَ إلَيْكُمْ ﴾ " [الآيَةُ] .» * فَصْلٌ واخْتُلِفَ في نَسْخِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّها نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَهم صاغِرُونَ  ﴾ ، قالَهُ قَتادَةُ، والكَلْبِيُّ.

والثّانِي: أنَّها ثابِتَةُ الحُكْمِ، وهو مَذْهَبُ ابْنِ زَيْدٍ.

<div class="verse-tafsir"

وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ ۚ فَٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يُؤْمِنُونَ بِهِۦ ۖ وَمِنْ هَـٰٓؤُلَآءِ مَن يُؤْمِنُ بِهِۦ ۚ وَمَا يَجْحَدُ بِـَٔايَـٰتِنَآ إِلَّا ٱلْكَـٰفِرُونَ ٤٧ وَمَا كُنتَ تَتْلُوا۟ مِن قَبْلِهِۦ مِن كِتَـٰبٍۢ وَلَا تَخُطُّهُۥ بِيَمِينِكَ ۖ إِذًۭا لَّٱرْتَابَ ٱلْمُبْطِلُونَ ٤٨ بَلْ هُوَ ءَايَـٰتٌۢ بَيِّنَـٰتٌۭ فِى صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ ۚ وَمَا يَجْحَدُ بِـَٔايَـٰتِنَآ إِلَّا ٱلظَّـٰلِمُونَ ٤٩

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ ﴾ أيْ: وكَما أنْزَلَنا الكِتابَ عَلَيْهِمْ ﴿ أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ فالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ يَعْنِي: مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ ﴿ وَمِن هَؤُلاءِ ﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ ﴿ مَن يُؤْمِنُ بِهِ ﴾ وهْمُ الَّذِينَ أسْلَمُوا ﴿ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلا الكافِرُونَ ﴾ قالَ قَتادَةُ: إنَّما يَكُونُ الجَحْدُ بَعْدَ المَعْرِفَةِ.

قالَ مُقاتِلٌ: وهُمُ اليَهُودُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ.

مَجازُهُ: ما كُنْتَ تَقْرَأُ قَبْلَهُ كِتابًا، و " مِن " زائِدَةٌ.

فَأمّا الهاءُ في " قَبْلِهِ " فَهي عائِدَةٌ إلى القُرْآنِ.

والمَعْنى: ما كُنْتَ قارِئًا قَبْلَ الوَحْيِ ولا كاتِبًا، وهَكَذا كانَتْ صِفَتُهُ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ أنَّهُ أُمِّيٌّ لا يَقْرَأُ ولا يَكْتُبُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِي جاءَ بِهِ، مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذًا لارْتابَ المُبْطِلُونَ ﴾ أيْ: لَوْ كُنْتَ قارِئًا كاتِبًا لَشَكَّ اليَهُودُ فِيكَ، ولَقالُوا: لَيْسَتْ هَذِهِ صَفَتُهُ في كِتابِنا.

والمُبْطِلُونَ: الَّذِينَ يَأْتُونَ بِالباطِلِ، وفِيهِمْ ها هُنا قَوْلانِ.

أحَدُهُما: كُفّارُ قُرَيْشٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: كُفّارُ اليَهُودِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ هو آياتٌ بَيِّناتٌ ﴾ في المَكْنِيِّ عَنْهُ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ النَّبِيُّ مُحَمَّدٌ  ، ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى: بَلْ وُجْدانُ أهْلِ الكِتابِ في كُتُبِهِمْ أنَّ مُحَمَّدًا  لا يَكْتُبُ ولا يَقْرَأُ، وأنَّهُ أُمِّيٌّ، آياتٌ بَيِّناتٌ في صُدُورِهِمْ، وهَذا مَذْهَبُ ابْنِ عَبّاسٍ، والضَّحّاكِ، وابْنِ جُرَيْجٍ.

والثّانِي: أنَّ المَعْنى: بَلْ مُحَمَّدٌ ذُو آياتٍ بَيِّناتٍ في صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن أهْلِ الكِتابِ، لِأنَّهم يَجِدُونَهُ بِنَعْتِهِ وصِفَتِهُ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّهُ القُرْآنُ والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ: المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ حَمَلُوا القُرْآنَ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ  وحَمَلُوهُ بَعْدَهُ.

وإنَّما أُعْطِي الحِفْظَ هَذِهِ الأُمَّةُ، وكانَ مَن قَبْلَهم لا يَقْرَؤُونَ كِتابَهم إلّا نَظَرًا، فَإذا أطْبَقُوهُ لَمْ يَحْفَظُوا ما فِيهِ سِوى الأنْبِياءِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.

وَفِي المُرادِ بِالظّالِمِينَ هاهُنا قَوْلانِ.

أحَدُهُما: المُشْرِكُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: كُفّارُ اليَهُودِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

<div class="verse-tafsir"

وَقَالُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَـٰتٌۭ مِّن رَّبِّهِۦ ۖ قُلْ إِنَّمَا ٱلْـَٔايَـٰتُ عِندَ ٱللَّهِ وَإِنَّمَآ أَنَا۠ نَذِيرٌۭ مُّبِينٌ ٥٠ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَرَحْمَةًۭ وَذِكْرَىٰ لِقَوْمٍۢ يُؤْمِنُونَ ٥١ قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًۭا ۖ يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۗ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِٱلْبَـٰطِلِ وَكَفَرُوا۟ بِٱللَّهِ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ ٥٢

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالُوا ﴾ يَعْنِي كَفارَّ مَكَّةَ ﴿ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِن رَبِّهِ ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: " آياتٌ " عَلى الجَمْعِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " آيَةٌ " عَلى التَّوْحِيدِ.

وإنَّما أرادُوا: كَآياتِ الأنْبِياءِ ﴿ قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ أيْ: هو القادِرُ عَلى إرْسالِها، ولَيْسَتْ بِيَدِي.

وزَعَمَ بَعْضُ عُلَماءِ التَّفْسِيرِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ وَإنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴾ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.

ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّ القُرْآنَ يَكْفِي مِنَ الآياتِ الَّتِي سَألُوها بِقَوْلِهِ: ﴿ أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ ﴾ ؟!

وذَكَرَ يَحْيى بْنُ جَعْدَةَ «أنَّ ناسًا مِنَ المُسْلِمِينَ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ  بِكُتُبٍ قَدْ كَتَبُوها، فِيها بَعْضُ ما يَقُولُ اليَهُودُ، فَلَمّا نَظَرَ إلَيْها ألْقاها وقالَ: " كَفى بِها حَماقَةَ قَوْمٍ، أوْ ضَلالَةَ قَوْمٍ، أنْ يَرْغَبُوا عَمّا جاءَ بِهِ نَبِيُّهم إلى قَوْمٍ غَيْرِهِمْ "، فَنَزَلَتْ: ﴿ أوَلَمْ يَكْفِهِمْ ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ.» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ كَفى بِاللَّهِ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا كَذَّبُوا بِالقُرْآنِ نَزَلَتْ: ﴿ قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وبَيْنَكم شَهِيدًا ﴾ يَشْهَدُ لِي أنِّي رَسُولُهُ، ويَشْهَدُ عَلَيْكم بِالتَّكْذِيبِ، وشَهادَةُ اللَّهِ لَهُ: إثْباتُ المُعْجِزَةِ لَهُ بِإنْزالِ الكِتابِ عَلَيْهِ، ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا بِالباطِلِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِغَيْرِ اللَّهِ.

وقالَ مُقاتِلٌ: بِعِبادَةِ الشَّيْطانِ.

<div class="verse-tafsir"

وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ ۚ وَلَوْلَآ أَجَلٌۭ مُّسَمًّۭى لَّجَآءَهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُم بَغْتَةًۭ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ٥٣ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ ٥٤ يَوْمَ يَغْشَىٰهُمُ ٱلْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا۟ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ٥٥

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ حِينَ قالَ: ﴿ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ  ﴾ .

وَفِي [الأجَلِ] المُسَمّى أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ يَوْمُ القِيامَةِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والثّانِي: أجَلُ الحَياةِ إلى حِينِ المَوْتِ، وأجَلُ المَوْتِ إلى حِينِ البَعْثِ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: مُدَّةُ أعْمارِهِمْ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والرّابِعُ: يَوْمُ بَدْرٍ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ ﴾ يَعْنِي العَذابَ.

وقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، وأبُو نُهَيْكٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " ولَتَأْتِيَنَّهم " بِالتّاءِ ﴿ بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ ﴾ بِإتْيانِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ ﴾ أيْ: جامِعَةٌ لَهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَقُولُ ذُوقُوا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: بِالنُّونِ.

وقَرَأ نافِعٌ: بِالياءِ.

فَمَن قَرَأ بِالياءِ، أرادَ المَلَكَ المُوَكَّلَ بِعَذابِهِمْ؛ ومَن قَرَأ بِالنُّونِ فَلِأنَّ ذَلِكَ لَمّا كانَ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى جازَ أنْ يُنْسَبَ إلَيْهِ.

ومَعْنى ﴿ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ أيْ: جَزاءُ ما عَمِلْتُمْ مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ أَرْضِى وَٰسِعَةٌۭ فَإِيَّـٰىَ فَٱعْبُدُونِ ٥٦ كُلُّ نَفْسٍۢ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ ۖ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ٥٧ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَنُبَوِّئَنَّهُم مِّنَ ٱلْجَنَّةِ غُرَفًۭا تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۚ نِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَـٰمِلِينَ ٥٨ ٱلَّذِينَ صَبَرُوا۟ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ٥٩ وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٍۢ لَّا تَحْمِلُ رِزْقَهَا ٱللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ ۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ٦٠

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: " يا عِبادِيَ " بِتَحْرِيكِ الياءِ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِإسْكانِها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ أرْضِي واسِعَةٌ ﴾ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ: " أرْضِيَ " بِفَتْحِ الياءِ.

وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ خِطابٌ لِمَن [آمَنَ] مِن أهْلِ مَكَّةَ، قِيلَ لَهُمْ: " إنَّ أرْضِي " يَعْنِي المَدِينَةَ " واسِعَةٌ "، فَلا تُجاوِرُوا الظَّلَمَةَ في أرْضِ مَكَّةَ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ وكَذَلِكَ قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في ضُعَفاءِ مُسْلِمِي مَكَّةَ، [أيْ]: إنْ كُنْتُمْ في ضِيقٍ بِمَكَّةَ مِن إظْهارِ الإيمانِ، فَأرْضُ المَدِينَةِ واسِعَةٌ.

والثّانِي: أنَّ المَعْنى: إذا عُمِلَ بِالمَعاصِي في أرْضٍ فاخْرُجُوا مِنها، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عَطاءٌ.

والثّالِثُ: إنَّ رِزْقِي لَكم واسِعٌ، قالَهُ مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإيّايَ فاعْبُدُونِ ﴾ أثْبَتَ فِيها الياءَ يَعْقُوبُ في الحالَيْنِ، وحَذَفَها الباقُونَ.

قالَ الزَّجّاجُ: أمَرَهم بِالهِجْرَةِ مِنَ المَوْضِعِ الَّذِي لا يُمْكِنُهم فِيهِ عِبادَةُ اللَّهِ إلى حَيْثُ تَتَهَيَّأُ لَهُمُ العِبادَةُ؛ ثُمَّ خَوَّفَهم بِالمَوْتِ لِتَهُونَ عَلَيْهِمُ الهِجْرَةُ، فَقالَ: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ ﴾ المَعْنى: فَلا تُقِيمُوا في دارِ الشِّرْكِ خَوْفًا مِنَ المَوْتِ ﴿ ثُمَّ إلَيْنا تُرْجَعُونَ ﴾ بَعْدَ المَوْتِ فَنَجْزِيكم بِأعْمالِكُمْ، والأكْثَرُونَ قَرَؤُوا: " تُرْجَعُونَ " بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ؛ وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِالياءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ ﴾ \[قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: " لَنُبَوِّئَنَّهم " بِالباءِ\] أيْ: لَنُنْزِلَنَّهم.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، [وَخَلَفٌ]: " لَنُثْوِيَنَّهم " بِالثّاءِ، [وَهُوَ] مِن: ثَوَيْتُ بِالمَكانِ: إذا أقَمْتَ بِهِ قالَ الزَّجّاجُ: [يُقالُ]: ثَوى الرَّجُلُ: إذا أقامَ، وأثْوَيْتُهُ: إذا أنْزَلْتُهُ مَنزِلًا يُقِيمُ فِيهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَأيِّنْ مِن دابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَها ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «لَمّا أمَرَهم رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالخُرُوجِ إلى المَدِينَةِ، قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، نَخْرُجُ إلى المَدِينَةِ ولَيْسَ لَنا بِها عَقارٌ ولا مالٌ؟!

فَمَن يُؤْوِينا ويُطْعِمُنا؟

فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.» قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ومَعْنى الآيَةِ: كَمْ مِن دابَّةٍ لا تَرْفَعُ شَيْئًا لِغَدٍ، قالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: لَيْسَ يَخْبَأُ إلّا الإنْسانُ والفَأْرَةُ والنَّمْلَةُ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: وقَوْلُهُ: ﴿ اللَّهُ يَرْزُقُها ﴾ أيْ: حَيْثُما تَوَجَّهَتْ ﴿ وَإيّاكُمْ ﴾ أيْ: ويُرْزَقُكم إنْ هاجَرْتُمْ إلى المَدِينَةِ ﴿ وَهُوَ السَّمِيعُ ﴾ لِقَوْلِكُمْ: لا نَجِدُ ما نُنْفِقُ بِالمَدِينَةِ ﴿ العَلِيمُ ﴾ بِما في قُلُوبِكم.

<div class="verse-tafsir"

وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ۖ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ ٦١ ٱللَّهُ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ وَيَقْدِرُ لَهُۥٓ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۭ ٦٢ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ فَأَحْيَا بِهِ ٱلْأَرْضَ مِنۢ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ۚ قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ٦٣

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَئِنْ سَألْتَهُمْ ﴾ يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ، وكانُوا يُقِرُّونَ بِأنَّهُ الخالِقُ والرّازِقُ؛ وإنَّما أمَرَهُ أنْ يَقُولَ: ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ عَلى إقْرارِهِمْ، لِأنَّ ذَلِكَ يُلْزِمُهُمُ الحُجَّةَ فَيُوجِبُ عَلَيْهِمُ التَّوْحِيدَ ﴿ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ ﴾ تَوْحِيدَ اللَّهِ مَعَ إقْرارِهِمْ بِأنَّهُ الخالِقُ.

والمُرادُ بِالأكْثَرِ: الجَمِيعُ.

<div class="verse-tafsir"

وَمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَآ إِلَّا لَهْوٌۭ وَلَعِبٌۭ ۚ وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلْـَٔاخِرَةَ لَهِىَ ٱلْحَيَوَانُ ۚ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ ٦٤ فَإِذَا رَكِبُوا۟ فِى ٱلْفُلْكِ دَعَوُا۟ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ فَلَمَّا نَجَّىٰهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ ٦٥ لِيَكْفُرُوا۟ بِمَآ ءَاتَيْنَـٰهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا۟ ۖ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ٦٦

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا إلا لَهْوٌ ولَعِبٌ ﴾ والمَعْنى: وما الحَياةُ في هَذِهِ الدُّنْيا إلّا غُرُورٌ يَنْقَضِي عَنْ قَلِيلٍ ﴿ وَإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ ﴾ يَعْنِي الجَنَّةَ ﴿ لَهِيَ الحَيَوانُ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: اللّامُ في " لَهي " زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، والحَيَوانُ والحَياةُ واحِدٌ؛ والمَعْنى: لَهي دارُ الحَياةِ الَّتِي لا مَوْتَ فِيها، ولا تَنْغِيصَ يَشُوبُها كَما يَشُوبُ الحَياةَ الدُّنْيا ﴿ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ أيْ: لَوْ عَلِمُوا لَرَغِبُوا عَنِ الفانِي في الباقِي، ولَكِنَّهم لا يَعْلَمُونَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ ﴾ يَعْنِي المُشْرِكِينَ ﴿ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾ أيْ: أفْرَدُوهُ بِالدُّعاءِ.

قالَ مُقاتِلٌ والدِّينُ بِمَعْنى التَّوْحِيدِ؛ والمَعْنى أنَّهم لا يَدْعُونَ مَن يَدْعُونَهُ شَرِيكًا لَهُ ﴿ فَلَمّا نَجّاهُمْ ﴾ أيْ: خَلَّصَهم مِن أهْوالِ البَحْرِ، وأفْضَوْا ﴿ إلى البَرِّ إذا هم يُشْرِكُونَ ﴾ في البَرِّ، وهَذا إخْبارٌ عَنْ عِنادِهِمْ ﴿ لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ ﴾ هَذِهِ لامُ الأمْرِ، ومَعْناهُ التَّهْدِيدُ والوَعِيدُ، كَقَوْلِهِ: ﴿ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ  ﴾ والمَعْنى: لِيَجْحَدُوا نِعْمَةَ اللَّهِ في إنْجائِهِ إيّاهم ﴿ وَلِيَتَمَتَّعُوا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِإسْكانِ اللّامِ عَلى مَعْنى الأمْرِ؛ والمَعْنى: لِيَتَمَتَّعُوا بِباقِي أعْمارِهِمْ ﴿ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ عاقِبَةَ كُفْرِهِمْ.

وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِ اللّامِ في " لِيَتَمَتَّعُوا "، فَجَعَلُوا اللّامَيْنِ بِمَعْنى " كَيْ "، فَتَقْدِيرُهُ: لِكَيْ يَكْفُرُوا، ولِكَيْ يَتَمَتَّعُوا، فَيَكُونُ مَعْنى الكَلامِ: إذا هم يُشْرِكُونَ لِيَكْفُرُوا ولِيَتَمَتَّعُوا، أيْ: لا فائِدَةَ لَهم في الإشْراكِ إلّا الكُفْرُ والتَّمَتُّعُ بِما يَتَمَتَّعُونَ بِهِ في العاجِلَةِ مِن غَيْرِ نَصِيبٍ لَهم في الآخِرَةِ.

<div class="verse-tafsir"

أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا ءَامِنًۭا وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ ۚ أَفَبِٱلْبَـٰطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَكْفُرُونَ ٦٧ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُۥٓ ۚ أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوًۭى لِّلْكَـٰفِرِينَ ٦٨ وَٱلَّذِينَ جَـٰهَدُوا۟ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ ٦٩

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا ﴾ يَعْنِي كَفّارَ مَكَّةَ ﴿ أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا ﴾ يَعْنِي مَكَّةَ؛ وقَدْ شَرَحْنا هَذا المَعْنى في (القَصَصِ: ٧٥) ﴿ وَيُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ ﴾ أيْ: أنَّ العَرَبَ يَسْبِي بَعْضُهم بَعْضًا وأهْلُ مَكَّةَ آمِنُونَ ﴿ أفَبِالباطِلِ ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: الشِّرْكُ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: الأصْنامُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والثّالِثُ: الشَّيْطانُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُؤْمِنُونَ ﴾ وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: " تُؤْمِنُونَ وبِنِعْمَةِ اللَّهِ تَكْفُرُونَ " بِالتّاءِ فِيهِما.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ ﴾ يَعْنِي: مُحَمَّدًا والإسْلامَ؛ وقِيلَ: بِإنْعامِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ حِينَ أطْعَمَهم وآمَنُهم ﴿ يَكْفُرُونَ ﴾ ، ﴿ وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا ﴾ أيْ: زَعَمَ أنَّ لَهُ شَرِيكًا وأنَّهُ أمَرَ بِالفَواحِشِ ﴿ أوْ كَذَّبَ بِالحَقِّ لَمّا جاءَهُ ﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا والقُرْآنَ ﴿ ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ ﴾ ؟!

وهَذا اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى التَّقْرِيرِ، كَقَوْلِ جَرِيرٍ: ألَسْتُمْ خَيْرَ مَن رَكِبَ المَطايا [وَأنْدى العالَمِينَ بُطُونَ راحِ] ﴿ والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا ﴾ أيْ: قاتَلُوا أعْداءَنا لِأجْلِنا ﴿ لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا ﴾ أيْ: لَنُوَفِّقَنَّهم لِإصابَةِ الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمَةِ؛ وقِيلَ: لَنَزِيدَنَّهم هِدايَةً ﴿ وَإنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ ﴾ بِالنُّصْرَةِ والعَوْنِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ بِالمُحْسِنِينَ: المُوَحِّدِينَ؛ وقالَ غَيْرُهُ: يُرِيدُ المُجاهِدِينَ.

وقالَ ابْنُ المُبارَكِ: مَنِ اعْتاصَتْ عَلَيْهِ مَسْألَةٌ، فَلْيَسْألْ أهْلَ الثُّغُورِ عَنْها، لِقَوْلِهِ: ﴿ لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا ﴾ .

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله