الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > تفسير سورة الروم
تفسيرُ سورةِ الروم كاملةً من زاد المسير (ابن الجوزي) (جمال الدين ابن الجوزي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 48 دقيقة قراءةسُورَةُ الرُّومِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ غُلِبَتِ الرُّومُ ﴾ ذَكَرَ أهْلُ التَّفْسِيرِ في سَبَبِ نُزُولِها «أنَّهُ كانَ بَيْنَ فارِسَ والرُّومِ حَرْبٌ فَغَلَبَتْ فارِسُ الرُّومَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ وأصْحابَهُ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وفَرِحَ المُشْرِكُونَ بِذَلِكَ، لِأنَّ فارِسَ لَمْ يَكُنْ لَهم كِتابٌ وكانُوا يَجْحَدُونَ البَعْثَ ويَعْبُدُونَ الأصْنامَ، والرُّومُ أصْحابُ كِتابٍ، فَقالَ المُشْرِكُونَ لِأصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ : إنَّكم أهْلُ كِتابٍ، والنَّصارى أهْلُ كِتابٍ، ونَحْنُ أُمِّيُّونَ، وقَدْ ظَهَرَ إخْوانُنا مَن أهْلِ فارِسَ عَلى إخْوانِكم مِنَ الرُّومِ، فَإنْ قاتَلْتُمُونا لَنَظْهَرَنَّ عَلَيْكُمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَخَرَجَ بِها أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ إلى المُشْرِكِينَ، فَقالُوا: هَذا كَلامُ صاحِبِكَ، فَقالَ: اللَّهُ أنْزَلَ هَذا، فَقالُوا لِأبِي بَكْرٍ: نُراهِنُكَ عَلى أنَّ الرُّومَ لا تَغْلِبُ فارِسَ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: ما بَيْنَ الثَّلاثِ إلى التِّسْعِ، فَقالُوا: الوَسَطُ مِن ذَلِكَ سِتٌّ، فَوَضَعُوا الرِّهانَ، وذَلِكَ قَبْلَ أنْ يُحَرَّمَ الرِّهانُ، فَرَجَعَ أبُو بَكْرٍ إلى أصْحابِهِ فَأخْبَرَهُمْ، فَلامُوهُ وقالُوا: هَلّا أقْرَرْتَها كَما أقَرَّها اللَّهُ؟!
لَوْ شاءَ أنْ يَقُولَ: سِتًّا، لَقالَ!
فَلَمّا كانَتْ سَنَةُ سِتٍّ، لَمْ تَظْهَرِ الرُّومُ عَلى فارِسَ، فَأخَذُوا الرِّهانَ، فَلَمّا كانَتْ سَنَةُ سَبْعٍ ظَهَرَتِ الرُّومُ عَلى فارِسَ.» ورَوى ابْنُ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿ الم ﴾ ﴿ غُلِبَتِ الرُّومُ ﴾ ناحَبَ أبُو بَكْرٍ قُرَيْشًا، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ : " ألا احْتَطْتَ، فَإنَّ البِضْعَ ما بَيْنَ السَّبْعِ والتِّسْعِ "» .
وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّهم ضَرَبُوا الأجَلَ خَمْسَ سِنِينَ، وقالَ بَعْضُهُمْ: ثَلاثُ سِنِينَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ : " «إنَّما البِضْعُ ما بَيْنَ الثَّلاثِ إلى التِّسْعِ» "، فَخَرَجَ أبُو بَكْرٍ فَقالَ لَهُمْ: أُزايِدُكم فِي الخَطْرِ وأمُدُّ في الأجَلِ إلى تِسْعِ سِنِينَ، فَفَعَلُوا، فَقَهَرَهم أبُو بَكْرٍ، وأخَذَ رِهانَهم.
وَفِي الَّذِي تَوَلّى وضْعَ الرِّهانِ مِنَ المُشْرِكِينَ قَوْلانِ.
أحَدُهُما أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّانِي: أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي أدْنى الأرْضِ ﴾ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والضَّحّاكُ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: " في أدانِي الأرْضِ " بِألِفٍ مَفْتُوحَةِ الدّالِ؛ أيْ: أقْرَبُ الأرْضِ أرْضُ الرُّومِ إلى فارِسَ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وهي طَرَفُ الشّامِ.
وَفِي اسْمِ هَذا المَكانِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الجَزِيرَةُ، وهي أقْرَبُ أرْضِ الرُّومِ إلى فارِسَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي؛ أذَرِعاتٌ وكَسْكَرُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
والثّالِثُ: الأُرْدُنُّ وفِلَسْطِينُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُمْ ﴾ يَعْنِي الرُّومَ ﴿ مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ ﴾ وقَرَأ أبُو الدَّرْداءِ، وأبُو رَجاءٍ، وعِكْرِمَةُ، والأعْمَشُ: " غَلْبِهِمْ " بِتَسْكِينِ اللّامِ؛ أيْ: مِن بَعْدِ غَلَبَةِ فارِسَ إيّاهم.
والغَلَبُ والغَلَبَةُ لُغَتانِ، ﴿ سَيَغْلِبُونَ ﴾ فارِسَ في بِضْعِ سِنِينَ في البِضْعِ تِسْعَةُ أقْوالٍ قَدْ ذَكَرْناها في (يُوسُفَ: ٤٢) قالَ المُفَسِّرُونَ: وهي هاهُنا سَبْعُ سِنِينَ، وهَذا مِن عِلْمِ الغَيْبِ الَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ القُرْآنَ حَقٌّ، ﴿ لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ أنْ تَغْلِبَ الرُّومُ ومِن بَعْدِ ما غُلِبَتْ؛ والمَعْنى أنَّ غَلَبَةَ الغالِبِ وخِذْلانَ المَغْلُوبِ، بِأمْرِ اللَّهِ وقَضائِهِ ﴿ وَيَوْمَئِذٍ ﴾ يَعْنِي يَوْمَ غَلَبَتِ الرُّومُ فارِسَ ﴿ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ ﴾ ﴿ بِنَصْرِ اللَّهِ ﴾ لِلرُّومِ.
وكانَ التِقاءُ الفَرِيقَيْنِ في السَّنَةِ السّابِعَةِ مِن غَلَبَةِ فارِسَ إيّاهُمْ، فَغَلَبَتْهُمُ الرُّومُ، وجاءَ جِبْرِيلُ يُخْبِرُ بِنَصْرِ الرُّومِ عَلى فارِسَ، فَوافَقَ ذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ، وقِيلَ: يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعْدَ اللَّهِ ﴾ أيْ: وعَدَ اللَّهُ وعْدًا ﴿ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وعْدَهُ ﴾ أنَّ الرُّومَ يَظْهَرُونَ عَلى فارِسَ ﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ ﴾ يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ ﴿ لا يَعْلَمُونَ ﴾ أنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ وعْدَهُ في ذَلِكَ.
ثُمَّ وصَفَ كُفّارَ مَكَّةَ، فَقالَ: ﴿ يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ قالَ عِكْرِمَةُ: هي المَعايِشُ.
وقالَ الضَّحّاكُ: يَعْلَمُونَ بُنْيانَ قُصُورِها وتَشْقِيقَ أنْهارِها.
وقالَ الحَسَنُ: يَعْلَمُونَ مَتى زَرْعُهم و[ مَتى] حَصادُهُمْ، ولَقَدْ بَلَغَ واللَّهِ مِن عِلْمِ أحَدِهِمْ بِالدُّنْيا أنَّهُ يَنْقُرُ الدِّرْهَمَ بِظُفْرِهِ فَيُخْبِرُكَ بِوَزْنِهِ ولا يُحْسِنُ يُصَلِّي.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهم عَنِ الآخِرَةِ هم غافِلُونَ ﴾ لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِها.
قالَ الزَّجّاجُ: وذِكْرُهم ثانِيَةً يُجْرِي مَجْرى التَّوْكِيدِ، كَما تَقُولُ: زَيْدٌ هو عالِمٌ، وهو أوْكَدُ مِن قَوْلِكَ: زَيْدٌ عالِمٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في أنْفُسِهِمْ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: أوْلَمَ يَتَفَكَّرُوا فَيَعْلَمُوا، فَحَذَفَ " فَيَعْلَمُوا " لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا [عَلَيْهِ] ومَعْنى ﴿ إلا بِالحَقِّ ﴾ : إلّا لِلْحَقِّ، أيْ: لِإقامَةِ الحَقِّ ﴿ وَأجَلٍ مُسَمًّى ﴾ وهو وقْتُ الجَزاءِ.
﴿ وَإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ ﴾ المَعْنى: لَكافِرُونَ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ، فَقُدِّمَتِ الباءُ، لِأنَّها مُتَّصِلَةٌ بِـ " كافِرُونَ "؛ وما اتَّصَلَ بِخَبَرِ " إنَّ " جازَ أنْ يُقَدَّمَ قَبْلَ اللّامِ، ويَجُوزُ أنْ تَدْخُلَ اللّامُ بَعْدَ مُضِيِّ الخَبَرِ مِن غَيْرِ خِلافٍ بَيْنَ النَّحْوِيِّينَ، لا يَجُوزُ أنْ تَقُولَ: إنَّ زَيْدًا كافِرٌ لَبِاللَّهِ، لِأنَّ اللّامَ حَقُّها أنْ تَدْخُلَ عَلى الِابْتِداءِ أوِ الخَبَرِ، أوْ بَيْنَ الِابْتِداءِ والخَبَرِ، لِأنَّها تُؤَكِّدُ الجُمْلَةَ.
وقالَ مُقاتِلٌ في قَوْلِهِ: ﴿ وَأجَلٍ مُسَمًّى ﴾ : لِلسَّماواتِ والأرْضِ أجَلٌ يَنْتَهِيانِ إلَيْهِ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، ﴿ وَإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ ﴾ يَعْنِي كَفّارَ مَكَّةَ ﴿ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ ﴾ أيْ: بِالبَعْثِ ﴿ لَكافِرُونَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ ﴾ أيْ: أوْلَمَ يُسافِرُوا فَيَنْظُرُوا مَصارِعَ الأُمَمِ قَبْلَهم كَيْفَ أُهْلِكُوا بِتَكْذِيبِهِمْ فَيَعْتَبِرُوا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأثارُوا الأرْضَ ﴾ أيْ: قَلَبُوها لِلزِّراعَةِ، ومِنهُ قِيلَ لِلْبَقَرَةِ: مُثِيرَةٌ.
وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، ومُعاذٌ القارِئُ، وأبُو حَيْوَةَ: " وآثَرُوا الأرْضَ " بِمَدِّ الهَمْزَةِ وفَتْحِ الثّاءِ مَرْفُوعَةَ الرّاءِ، ﴿ وَعَمَرُوها أكْثَرَ مِمّا عَمَرُوها ﴾ أيْ: أكْثَرَ مِن عِمارَةِ أهْلِ مَكَّةَ، لِطُولِ أعْمارِ أُولَئِكَ وشَدَّةِ قُوَّتِهِمْ ﴿ وَجاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ ﴾ أيْ: بِالدَّلالاتِ ﴿ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ ﴾ بِتَعْذِيبِهِمْ عَلى غَيْرِ ذَنْبٍ ﴿ وَلَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ ﴾ بِالكُفْرِ والتَّكْذِيبِ؛ ودَلَّ هَذا عَلى أنَّهم لَمْ يُؤْمِنُوا فَأُهْلِكُوا.
ثُمَّ أخْبَرَ عَنْ عاقِبَتِهِمْ فَقالَ: ﴿ ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أساءُوا السُّوأى ﴾ يَعْنِي الخَلَّةَ السَّيِّئَةَ؛ وفِيها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها العَذابُ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: جَهَنَّمُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ كَذَّبُوا ﴾ قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ: لِأنَّ كَذَّبُوا، فَلَمّا أُلْقِيَتِ اللّامُ كانَ نَصْبًا.
وقالَ الزَّجّاجُ: لِتَكْذِيبِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ واسْتِهْزائِهِمْ.
وقِيلَ: السُّوأى مَصْدَرٌ بِمَنزِلَةِ الإساءَةِ؛ فالمَعْنى: ثُمَّ كانَ التَّكْذِيبُ آخِرَ أمْرِهِمْ، أيْ: ماتُوا عَلى ذَلِكَ، كَأنَّ اللَّهَ تَعالى جازاهم عَلى إساءَتِهِمْ أنْ طَبَعَ عَلى قُلُوبِهِمْ حَتّى ماتُوا عَلى التَّكْذِيبِ عُقُوبَةً لَهم.
وقالَ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ النَّحْوِيُّ: ﴿ عاقِبَةَ ﴾ اسْمُ كانَ، و ﴿ السُّوأى ﴾ خَبَرُها، و ﴿ أنْ كَذَّبُوا ﴾ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ " السُّوأى " مَفْعُولَةً بِـ " أساؤُوا "، و " أنْ كَذَّبُوا " خَبَرَ كانَ؛ ومَن نَصَبَ " عاقِبَةَ " جَعَلَها خَبَرَ " كانَ " و " السُّوأى " اسْمَها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ " أنْ كَذَّبُوا " اسْمَها.
وقَرَأ الأعْمَشُ: " أساؤُوا السُّوءُ " بِرَفْعِ " السُّوءُ " .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾ أيْ: يَخْلُقُهم أوَّلًا، ثُمَّ يُعِيدُهم بَعْدَ المَوْتِ أحْياءً كَما كانُوا، ﴿ ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: " تُرْجَعُونَ " بِالتّاءِ؛ فَعَلى هَذا يَكُونُ الكَلامُ عائِدًا مِنَ الخَبَرِ إلى الخِطابِ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: بِالياءِ، لِأنَّ المُتَقَدِّمَ ذِكْرُهُ غَيْبَةٌ، والمُرادُ بِذِكْرِ الرُّجُوعِ: الجَزاءُ عَلى الأعْمالِ، والخَلْقُ بِمَعْنى المَخْلُوقِينَ، وإنَّما قالَ: ﴿ يُعِيدُهُ ﴾ عَلى لَفْظِ الخَلْقِ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُبْلِسُ المُجْرِمُونَ ﴾ قَدْ شَرَحْنا الإبْلاسَ في (الأنْعامِ: ٤٤) .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَهم مِن شُرَكائِهِمْ ﴾ أيْ: [مِن] أوْثانِهِمُ الَّتِي عَبَدُوها ﴿ شُفَعاءُ ﴾ في القِيامَةِ ﴿ وَكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ ﴾ يَتَبَرَّؤُونَ مِنها وتَتَبَرَّأُ مِنهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ ﴾ وذَلِكَ بَعْدَ الحِسابِ يَنْصَرِفُ قَوْمٌ إلى الجَنَّةِ، وقَوْمٌ إلى النّارِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَهم في رَوْضَةٍ ﴾ الرَّوْضَةُ: المَكانُ المُخْضَرُّ مِنَ الأرْضِ؛ وإنَّما خَصَّ الرَّوْضَةَ، لِأنَّها كانَتْ أعْجَبَ الأشْياءِ إلى العَرَبِ؛ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لَيْسَ شَيْءٌ عِنْدَ العَرَبِ أحْسَنَ مِنَ الرِّياضِ المُعْشِبَةِ ولا أطْيَبَ رِيحًا، قالَ الأعْشى: ما رَوْضَةٌ مِن رِياضِ الحَزْنِ مُعْشِبَةٌ خَضْراءُ جادَ عَلَيْها مُسْبِلٌ ∗∗∗ هَطِلُ يَوْمًا بِأطْيَبَ مِنها نَشْرَ رائِحَةٍ ∗∗∗ ولا بِأحْسَنَ مِنها إذْ دَنا الأُصُلُ قالَ المُفَسِّرُونَ: والمُرادُ بِالرَّوْضَةِ: رِياضُ الجَنَّةِ.
وَفِي مَعْنى ﴿ يُحْبَرُونَ ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: يُكْرَمُونَ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: يَنْعَمُونَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.
قالَ الزَّجّاجُ: والحَبْرَةُ في اللُّغَةِ: كُلُّ نَغْمَةٍ حَسَنَةٍ.
والثّالِثُ: يَفْرَحُونَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " يُحْبَرُونَ ": يُسَرُّونَ، والحَبْرَةُ: السُّرُورُ.
والرّابِعُ: أنَّ الحَبْرَ: السَّماعُ في الجَنَّةِ، فَإذا أهْلُ الجَنَّةِ في السَّماعِ، لَمْ تَبْقَ شَجَرَةٌ إلّا ورَدَّتْ، قالَهُ يَحْيى بْنُ أبِي كَثِيرٍ.
وسُئِلَ يَحْيى بْنُ مُعاذٍ: أيُّ الأصْواتِ أحْسَنُ؟
فَقالَ: مَزامِيرُ أُنْسٍ، في مَقاصِيرِ قُدْسٍ، بِألْحانِ تَحْمِيدٍ، في رِياضِ تَمْجِيدٍ ﴿ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأُولَئِكَ في العَذابِ مُحْضَرُونَ ﴾ أيْ: هم حاضِرُونَ العَذابَ أبَدًا لا يُخَفَّفُ عَنْهم.
<div class="verse-tafsir"
ثُمَّ ذَكَرَ ما تُدْرَكُ بِهِ الجَنَّةُ ويُتَباعَدُ بِهِ مِنَ النّارِ فَقالَ: ﴿ فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى: فَصَّلُوا لِلَّهِ حِينَ تُمْسُونَ، أيْ: حِينَ تَدْخُلُونَ في المَساءِ ﴿ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ﴾ أيْ: تَدْخُلُونَ في الصَّباحِ، و ﴿ تُظْهِرُونَ ﴾ تَدْخُلُونَ في الظَّهِيرَةِ، وهي وقْتُ الزَّوالِ، ﴿ وَعَشِيًّا ﴾ أيْ: وسَبِّحُوهُ عَشِيًّا.
وهَذِهِ الآيَةُ قَدْ جَمَعَتِ الصَّلَواتُ، فَقَوْلُهُ: ﴿ حِينَ تُمْسُونَ ﴾ يَعْنِي [بِهِ] صَلاةَ المَغْرِبِ والعِشاءِ، ﴿ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ﴾ يَعْنِي بِهِ صَلاةَ الفَجْرَ، ﴿ وَعَشِيًّا ﴾ العَصْرَ، ﴿ وَحِينَ تُظْهِرُونَ ﴾ الظَّهْرَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَهُ الحَمْدُ في السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَحْمَدُهُ أهْلُ السَّمَواتِ وأهْلُ الأرْضِ ويُصَلُّونَ لَهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ﴾ فِيهِ أقْوالٌ قَدْ ذَكَرْناها في (آلِ عِمْرانَ: ٢٧) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها ﴾ أيْ: يَجْعَلُها مُنْبِتَةً بَعْدَ أنْ كانَتْ لا تُنْبِتُ، وتِلْكَ حَياتُها ﴿ وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: " تُخْرَجُونَ " بِضَمِّ التّاءِ، وفَتَحَها حَمْزَةُ والكِسائِيُّ؛ والمُرادُ: تُخْرَجُونَ يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ الأرْضِ، أيْ: كَما أحْيا الأرْضَ بِالنَّباتِ يُحْيِيكم بِالبَعْثِ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِن آياتِهِ ﴾ أيْ: مِن دَلائِلِ قُدْرَتِهِ ﴿ أنْ خَلَقَكم مِن تُرابٍ ﴾ يَعْنِي آدَمَ، لِأنَّهُ أصْلُ البَشَرِ ﴿ ثُمَّ إذا أنْتُمْ بَشَرٌ ﴾ مِن لَحْمٍ ودَمٍ، يَعْنِي ذُرِّيَّتَهُ ﴿ تَنْتَشِرُونَ ﴾ أيْ: تَنْبَسِطُونَ في الأرْضِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ خَلَقَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ يَعْنِي بِذَلِكَ آدَمَ، خَلَقَ حَوّاءَ مِن ضِلْعِهِ، وهو مَعْنى قَوْلِ قَتادَةَ.
والثّانِي: أنَّ المَعْنى: جَعَلَ لَكم آدَمِيّاتٍ مِثْلَكُمْ، ولَمْ يَجْعَلْهُنَّ مِن غَيْرِ جِنْسِكُمْ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِتَسْكُنُوا إلَيْها ﴾ أيْ: لِتَأْوُوا إلى الأزْواجِ ﴿ وَجَعَلَ بَيْنَكم مَوَدَّةً ورَحْمَةً ﴾ وذَلِكَ أنَّ الزَّوْجَيْنِ يَتَوادّانِ ويَتَراحَمانِ مِن غَيْرِ رَحِمٍ بَيْنَهُما ﴿ إنَّ في ذَلِكَ ﴾ الَّذِي ذَكَرَهُ مِن صُنْعِهِ ﴿ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ في قُدْرَةِ اللَّهِ وعَظَمَتِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واخْتِلافُ ألْسِنَتِكُمْ ﴾ يَعْنِي اللُّغاتِ مِنَ العَرَبِيَّةِ والعَجَمِيَّةِ وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿ وَألْوانِكُمْ ﴾ لِأنَّ الخَلْقَ بَيْنَ أسْوَدَ وأبْيَضَ وأحْمَرَ، وهم ولَدُ رَجُلٍ واحِدٍ وامْرَأةٍ واحِدَةٍ.
وقِيلَ: المُرادُ بِاخْتِلافِ الألْسِنَةِ: اخْتِلافُ النَّغْماتِ والأصْواتِ، حَتّى إنَّهُ لا يَشْتَبِهُ صَوْتُ أخَوَيْنِ مِن أبٍ وأُمٍّ والمُرادُ بِاخْتِلافِ الألْوانِ: اخْتِلافُ الصُّورِ، فَلا تَشْتَبِهُ صُورَتانِ مَعَ التَّشاكُلِ ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِلْعالِمِينَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، [والكِسائِيُّ]، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " لِلْعالَمِينَ " بِفَتْحِ اللّامِ.
وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: " لِلْعالِمِينَ " بِكَسْرِ اللّامِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِن آياتِهِ مَنامُكم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ ﴾ أيْ: نَوْمُكم.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المَنامُ مِن مَصادِرِ النَّوْمِ، بِمَنزِلَةِ قامَ يَقُومُ قِيامًا ومَقامًا، وقالَ يَقُولُ مَقالًا.
قالَ المُفَسِّرُونَ: وتَقْدِيرُ الآيَةِ: مَنامُكم بِاللَّيْلِ ﴿ وابْتِغاؤُكم مِن فَضْلِهِ ﴾ وهو طَلَبُ الرِّزْقِ بِالنَّهارِ ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ﴾ سَماعَ اعْتِبارٍ [وَتَذَكُّرٍ] وتَدَبُّرٍ.
﴿ وَمِن آياتِهِ يُرِيكُمُ البَرْقَ ﴾ قالَ اللُّغَوِيُّونَ: إنَّما حَذَفَ " أنْ " لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ، وأنْشَدُوا: [وَما الدَّهْرُ إلّا تارَتانِ فَتارَةً أمُوتُ وأُخْرى أبْتَغِي العَيْشَ أكْدَحُ وَمَعْناهُ: فَتارَةً أمُوتُ فِيها]، وقالَ طَرَفَةُ: ألا أيُّهَذا الزّاجِرِي أحْضُرَ الوَغْى ∗∗∗ [وَأنْ أشْهَدَ اللَّذّاتِ هَلْ أنْتَ مُخْلِدِي] أرادَ: أنْ أحْضُرَ.
وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى الخَوْفِ والطَّمَعِ في رُؤْيَةِ البَرْقِ في سُورَةِ (الرَّعْدِ: ١٢) .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ تَقُومَ السَّماءُ والأرْضُ ﴾ أيْ: تَدُوما قائِمَتَيْنِ ﴿ بِأمْرِهِ ﴾ ﴿ ثُمَّ إذا دَعاكم دَعْوَةً ﴾ وهي نَفْخَةُ إسْرافِيلَ الأخِيرَةُ في الصُّورِ بِأمْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿ مِنَ الأرْضِ ﴾ أيْ: مِن قُبُورِكم ﴿ إذا أنْتُمْ تَخْرُجُونَ ﴾ مِنها.
وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [البَقَرَةِ: ١١٦، العَنْكَبُوتِ: ١٩] إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ ﴾ وفِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ الإعادَةَ أهْوَنُ عَلَيْهِ مِنَ البِدايَةِ، وكُلٌّ هَيِّنٌ عَلَيْهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وأبُو العالِيَةِ.
والثّانِي: أنَّ ﴿ أهْوَنُ ﴾ بِمَعْنى " هَيِّنٍ "، فالمَعْنى: وهو هَيِّنٌ عَلَيْهِ، وقَدْ يُوضَعُ " أفْعَلُ " في مَوْضِعِ " فاعِلٍ "، ومِثْلُهُ قَوْلُهم في الأذانِ اللَّهُ أكْبَرُ، أيِ: اللَّهُ كَبِيرٌ قالَ الفَرَزْدَقُ: إنَّ الَّذِي سَمَكَ السَّماءَ بَنى ∗∗∗ لَنا بَيْتًا دَعائِمُهُ أعَزُّ وأطْوَلُ وَقالَ مَعْنُ بْنُ أوْسٍ المُزَنِيُّ: لَعَمْرُكَ ما أدْرِي وإنِّي لَأوْجَلُ ∗∗∗ عَلى أيِّنا تَغْدُو المَنِيَّةُ أوَّلُ أيْ: وإنِّي لَوَجِلٌ، وقالَ غَيْرُهُ: أصْبَحْتُ أمْنَحُكَ الصُّدُودَ وإنَّنِي ∗∗∗ قَسَمًا إلَيْكَ مَعَ الصُّدُودِ لَأمْيَلُ وَأنْشَدُوا أيْضًا: تَمَنّى رِجالٌ أنْ أمُوتَ وإنْ أمُتْ ∗∗∗ فَتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فِيها بِأوْحَدِ أيْ: بِواحِدٍ، هَذا قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ الحَسَنِ، وقَتادَةَ.
و[قَدْ] قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: " وهو هَيِّنٌ عَلَيْهِ " .
والثّالِثُ: أنَّهُ خاطَبَ العِبادَ بِما يَعْقِلُونَ، فَأعْلَمَهم أنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ عِنْدَهُمُ البَعْثُ أسْهَلَ مِنَ الِابْتِداءِ في تَقْدِيرُهم وحُكْمِهِمْ، فَمَن قَدَرَ عَلى الإنْشاءِ كانَ البَعْثُ أهْوَنَ عَلَيْهِ، هَذا اخْتِيارُ الفَرّاءِ، والمُبَرِّدِ، والزَّجّاجِ، وهو قَوْلُ مُقاتِلٍ.
وعَلى هَذِهِ الأقْوالِ الثَّلاثَةِ تَكُونُ الهاءُ في " عَلَيْهِ " عائِدَةً إلى اللَّهِ تَعالى.
والرّابِعُ أنَّ الهاءَ تَعُودُ عَلى المَخْلُوقِ، لِأنَّهُ خَلَقَهُ نُطْفَةً ثُمَّ عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً، ويَوْمَ القِيامَةِ يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو اخْتِيارُ قُطْرُبٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَهُ المَثَلُ الأعْلى ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: أيْ: لَهُ الصِّفَةُ العُلْيا ﴿ فِي السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ وهي أنَّهُ لا إلَهَ غَيْرُهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ضَرَبَ لَكم مَثَلا ﴾ سَبَبُ نُزُولِها أنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ كانُوا يُلَبُّونَ فَيَقُولُونَ: لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ إلّا شَرِيكًا هو لَكَ تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُقاتِلٌ.
ومَعْنى الآيَةِ: بَيَّنَ لَكم أيُّها المُشْرِكُونَ شَبَهًا، وذَلِكَ الشَّبَهُ ﴿ مِن أنْفُسِكُمْ ﴾ ، ثُمَّ بَيَّنَهُ فَقالَ: ﴿ هَلْ لَكم مِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ ﴾ أيْ: مِن عَبِيدِكم ﴿ مِن شُرَكاءَ في ما رَزَقْناكُمْ ﴾ مِنَ المالِ والأهْلِ والعَبِيدِ، أيْ: هَلْ يُشارِكُكم عَبِيدُكم في أمْوالِكم ﴿ فَأنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ ﴾ أيْ: أنْتُمْ وَشُرَكاؤُكم مِن عَبِيدِكم سَواءٌ ﴿ تَخافُونَهم كَخِيفَتِكم أنْفُسَكُمْ ﴾ أيْ: كَما تَخافُونَ أمْثالَكم مِنَ الأحْرارِ، وأقْرِباءَكم كالآباءِ والأبْناءِ؟
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَخافُونَهم أنْ يَرِثُوكم كَما يَرِثُ بَعْضُكم بَعْضًا؟
وقالَ غَيْرُهُ: تَخافُونَهم أنْ يُقاسِمُوكم أمْوالَكم كَما يَفْعَلُ الشُّرَكاءُ؟
والمَعْنى: هَلْ يَرْضى أحَدُكم أنْ يَكُونَ عَبْدُهُ شَرِيكَهُ في مالِهِ وأهْلِهِ حَتّى يُساوِيَهُ في التَّصَرُّفِ في ذَلِكَ، فَهو يَخافُ أنْ يَنْفَرِدَ في مالِهِ بِأمْرٍ يَتَصَرَّفُ فِيهِ كَما يَخافُ غَيْرَهُ مِنَ الشُّرَكاءِ الأحْرارِ؟!
فَإذا لَمْ تَرْضَوْا ذَلِكَ لِأنْفُسِكُمْ، فَلِمَ عَدَلْتُمْ بِي مِن خَلْقِي مَن هو مَمْلُوكٌ لِي؟!
﴿ كَذَلِكَ ﴾ أيْ: كَما بَيَّنّا هَذا المَثَلَ ﴿ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ عَنِ اللَّهِ.
ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهم إنَّما اتَّبَعُوا الهَوى في إشْراكِهِمْ، فَقالَ: ﴿ بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ أيْ: أشْرَكُوا بِاللَّهِ ﴿ أهْواءَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَن يَهْدِي مَن أضَلَّ اللَّهُ ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم إنَّما أشْرَكُوا بِإضْلالِ اللَّهِ إيّاهم ﴿ وَما لَهم مِن ناصِرِينَ ﴾ أيْ: مانِعِينَ مِن عَذابِ اللَّهِ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأقِمْ وجْهَكَ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: أخْلِصْ دِينَكَ الإسْلامَ ﴿ لِلدِّينِ ﴾ أيْ: لِلتَّوْحِيدِ.
وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: اسْتَقِمْ بِدِينِكَ نَحْوَ الجِهَةِ الَّتِي وجَّهَكَ اللَّهُ إلَيْها.
وقالَ غَيْرُهُ: سَدِّدَ عَمَلَكَ.
والوَجْهُ: ما يُتَوَجَّهُ إلَيْهِ، وعَمَلُ الإنْسانِ ودِينُهُ: ما يُتَوَجَّهُ إلَيْهِ لِتَسْدِيدِهِ وإقامَتِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَنِيفًا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الحَنِيفُ: الَّذِي يَمِيلُ إلى الشَّيْءِ ولا يَرْجِعُ عَنْهُ، كالحَنَفِ في الرِّجْلِ، وهو مَيْلُها إلى خارِجِها خِلْقَةً، لا يَقْدِرُ الأحْنَفُ أنْ يَرُدَّ حَنَفَهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ فِطْرَتَ اللَّهِ ﴾ مَنصُوبٌ، بِمَعْنى: اتَّبِعَ فِطْرَةَ اللَّهِ، لِأنَّ مَعْنى ﴿ فَأقِمْ وجْهَكَ ﴾ : اتَّبِعِ الدِّينَ القَيِّمَ، واتَّبِعْ فِطْرَةَ اللَّهِ، أيْ: دِينَ اللَّهِ.
والفِطْرَةُ: الخِلْقَةُ الَّتِي خَلَقَ اللَّهُ عَلَيْها البَشَرَ.
وكَذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: " «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ» "، أيْ: عَلى الإيمانِ بِاللَّهِ.
وقالَ مُجاهِدٌ في قَوْلِهِ: ﴿ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها ﴾ قالَ: الإسْلامُ، وكَذَلِكَ قالَ قَتادَةُ.
والَّذِي أشارَ إلَيْهِ الزَّجّاجُ أصَحُّ، وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ قُتَيْبَةَ، فَقالَ: فَرْقُ ما بَيْنَنا وبَيْنَ أهْلِ القَدَرِ في هَذا الحَدِيثِ، أنَّ الفِطْرَةَ عِنْدَهُمُ: الإسْلامُ، والفِطْرَةَ عِنْدَنا: الإقْرارُ بِاللَّهِ والمَعْرِفَةُ بِهِ، لا الإسْلامُ، ومَعْنى الفِطْرَةِ: ابْتِداءُ الخِلْقَةِ، والكُلُّ أقَرُّوا حِينَ قَوْلِهِ: ﴿ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟
قالُوا بَلى ﴾ ولَسْتَ واجِدًا أحَدًا إلّا وهو مُقِرٌّ بِأنَّ لَهُ صانِعًا ومُدَبِّرًا وإنْ عَبَدَ شَيْئًا دُونَهُ وسَمّاهُ بِغَيْرِ اسْمِهِ؛ فَمَعْنى الحَدِيثِ: إنَّ كُلَّ مَوْلُودٍ في العالَمِ عَلى ذَلِكَ العَهْدِ وذَلِكَ الإقْرارِ الأوَّلِ، وهو لِلْفِطْرَةِ، ثُمَّ يُهَوِّدُ اليَهُودُ أبْناءَهُمْ، أيْ: يُعَلِّمُونَهم ذَلِكَ، ولَيْسَ الإقْرارُ الأوَّلُ مِمّا يَقَعُ بِهِ حُكْمٌ ولا ثَوابٌ؛ وقَدْ ذَكَرَ نَحْوَ هَذا أبُو بَكْرٍ الأثْرَمُ، واسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِأنَّ النّاسَ أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ لا يَرِثُ المُسْلِمُ الكافِرَ، ولا الكافِرُ المُسْلِمَ، ثُمَّ أجْمَعُوا عَلى أنَّ اليَهُودِيَّ إذا ماتَ لَهُ ولَدٌ صَغِيرٌ وِرَثَهُ، وكَذَلِكَ النَّصْرانِيُّ والمَجُوسِيُّ، ولَوْ كانَ مَعْنى الفِطْرَةِ الإسْلامُ، ما ورِثَهُ إلّا المُسْلِمُونَ، ولا دُفِنَ إلّا مَعَهُمْ؛ وإنَّما أرادَ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: " «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ» " أيْ: عَلى تِلْكَ البِدايَةِ الَّتِي أقَرُّوا لَهُ فِيها بِالوَحْدانِيَّةِ حِينَ أخَذَهم مِن صُلْبِ آدَمَ، فَمِنهم مَن جَحَدَ ذَلِكَ بَعْدَ إقْرارِهِ.
ومِثْلُ هَذا الحَدِيثِ حَدِيثُ عِياضِ بْنِ حِمارٍ «عَنِ النَّبِيِّ قالَ: " قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: إنِّي خَلَقْتُ عِبادِي حُنَفاءَ "»، وذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يَدْعُهم يَوْمَ المِيثاقِ إلّا إلى حَرْفٍ واحِدٍ، فَأجابُوهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ﴾ لَفْظُهُ لَفْظُ النَّفْيِ، ومَعْناهُ النَّهْيُ؛ والتَّقْدِيرُ: لا تُبَدِّلُوا خَلْقَ اللَّهِ.
وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ خِصاءُ البَهائِمِ، قالَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
والثّانِي: دِينُ اللَّهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، والنَّخَعِيُّ في آخَرِينَ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةَ كالقَوْلَيْنِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ ﴾ يَعْنِي التَّوْحِيدَ المُسْتَقِيمَ ﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ ﴾ يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ ﴿ لا يَعْلَمُونَ ﴾ تَوْحِيدَ اللَّهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مُنِيبِينَ إلَيْهِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: زَعَمَ جَمِيعُ النَّحْوِيِّينَ أنَّ مَعْنى هَذا: فَأقِيمُوا وُجُوهَكم مُنِيبِينَ، لِأنَّ مُخاطَبَةَ النَّبِيِّ تَدْخُلُ مَعَهُ فِيها الأُمَّةُ ومَعْنى " مُنِيبِينَ ": راجِعِينَ إلَيْهِ في كُلِّ ما أمَرَ، فَلا يَخْرُجُونَ عَنْ شَيْءٍ مِن أمْرِهِ.
وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ [البَقَرَةِ: ٣، الأنْعامِ: ١٥٩] إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَإذا مَسَّ النّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهم مُنِيبِينَ إلَيْهِ ثُمَّ إذا أذاقَهم مِنهُ رَحْمَةً ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ القَحْطُ، والرَّحْمَةُ: المَطَرُ.
والثّانِي: أنَّهُ البَلاءُ، والرَّحْمَةُ: العافِيَةُ، ﴿ إذا فَرِيقٌ مِنهُمْ ﴾ وهُمُ المُشْرِكُونَ.
والمَعْنى: أنَّ الكُلَّ يَلْتَجِؤُونَ إلَيْهِ في شَدائِدِهِمْ، ولا يَلْتَفِتُ المُشْرِكُونَ حِينَئِذٍ إلى أوْثانِهِمْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في آخِرِ (العَنْكَبُوتِ: ٦٧)، وقَوْلُهُ: ﴿ فَتَمَتَّعُوا ﴾ خِطابٌ لَهم بَعْدَ الإخْبارِ عَنْهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ ﴾ أيْ: عَلى هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ ﴿ سُلْطانًا ﴾ أيْ: حُجَّةً وكِتابًا مِنَ السَّماءِ ﴿ فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ ﴾ أيْ: يَأْمُرُهم بِالشِّرْكِ؟!
وهَذا اسْتِفْهامُ إنْكارٍ، مَعْناهُ: لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا أذَقْنا النّاسَ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ ﴿ رَحْمَةً ﴾ وهي المَطَرُ.
والسَّيِّئَةُ: الجُوعُ والقَحْطُ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الرَّحْمَةُ: النِّعْمَةُ، والسَّيِّئَةُ: المُصِيبَةُ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: وهَذا الفَرَحُ المَذْكُورُ هاهُنا، هو فَرَحُ البَطَرِ الَّذِي لا شُكْرَ فِيهِ، والقُنُوطُ: اليَأْسُ مِن فَضْلِ اللَّهِ، وهو خِلافُ وصْفِ المُؤْمِنُ، فَإنَّهُ يَشْكُرُ عِنْدَ النِّعْمَةِ، ويَرْجُو عِنْدَ الشِّدَّةِ؛ وقَدْ شَرَحْناهُ في (بَنِي إسْرائِيلَ: ٢٦) إلى قَوْلِهِ: ﴿ ذَلِكَ ﴾ يَعْنِي إعْطاءَ الحَقِّ ﴿ خَيْرٌ ﴾ أيْ: أفْضُلُ مِنَ الإمْساكِ ﴿ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ ﴾ أيْ: يَطْلُبُونَ بِأعْمالِهِمْ ثَوابَ اللَّهِ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما آتَيْتُمْ مِن رِبًا ﴾ في هَذِهِ الآيَةِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ الرِّبا هاهُنا: أنْ يَهْدِيَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ الشَّيْءَ يَقْصِدُ أنْ يُثِيبَهُ عَلَيْهِ أكْثَرَ مِن ذَلِكَ، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وطاوُوسٌ، [والضَّحّاكُ]، وقَتادَةُ، والقُرَظِيُّ.
قالَ الضَّحّاكُ: فَهَذا لَيْسَ فِيهِ أجْرٌ ولا وِزْرٌ.
وقالَ قَتادَةُ: ذَلِكَ الَّذِي لا يَقْبَلُهُ اللَّهُ ولا يَجْزِي بِهِ.
ولَيْسَ فِيهِ وِزْرٌ.
والثّانِي: أنَّهُ الرِّبا المُحَرَّمُ، قالَهُ الحَسَنُ البَصْرِيُّ.
والثّالِثُ: أنَّ الرَّجُلَ يُعْطِي قَرابَتَهُ المالَ لِيَصِيرَ بِهِ غَنِيًّا، لا يَقْصِدُ بِذَلِكَ ثَوابَ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ.
والرّابِعُ: أنَّهُ الرَّجُلُ يُعْطِي مَن يَخْدِمُهُ لِأجْلِ خِدْمَتِهِ، لا لِأجْلِ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ الشَّعْبِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَرْبُوَ في أمْوالِ النّاسِ ﴾ وقَرَأ نافِعٌ، ويَعْقُوبُ: [ " لِتَرْبُو " ] بِالتّاءِ وسُكُونِ الواوِ، أيْ: [فِي] اجْتِلابِ أمْوالِ النّاسِ، واجْتِذابِها ﴿ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ ﴾ أيْ: لا يَزْكُو ولا يُضاعَفُ، لِأنَّكم قَصَدْتُمْ زِيادَةَ العِوَضِ، ولَمْ تَقْصِدُوا القُرْبَةَ.
﴿ وَما آتَيْتُمْ مِن زَكاةٍ ﴾ أيْ: ما أعْطَيْتُمْ مِن صَدَقَةٍ لا تَطْلُبُونَ بِها المُكافَأةَ، إنَّما تُرِيدُونَ بِها ما عِنْدَ اللَّهِ، ﴿ فَأُولَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الَّذِينَ يَجِدُونَ التَّضْعِيفَ والزِّيادَةَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: أيْ: ذَوُو الأضْعافِ مِنَ الحَسَناتِ، كَما يُقالُ: رَجُلٌ مُقْوٍ، أيْ: صاحِبُ قُوَّةٍ، ومُوسِرٌ: صاحِبُ يَسارٍ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ظَهَرَ الفَسادُ في البَرِّ والبَحْرِ ﴾ في هَذا الفَسادِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: نُقْصانُ البَرَكَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: ارْتِكابُ المَعاصِي، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.
والثّالِثُ: الشِّرْكُ، قالَهُ قَتادَةُ، والسُّدِّيُّ.
والرّابِعُ: قَحْطُ المَطَرِ، قالَهُ عَطِيَّةُ.
فَأمّا البَرُّ.
فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: البَرُّ: البَرِّيَّةُ الَّتِي لَيْسَ عِنْدَها نَهْرٌ.
وَفِي البَحْرِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ ما كانَ مِنَ المَدائِنِ والقُرى عَلى شَطِّ نَهْرٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
وقالَ عِكْرِمَةُ: لا أقُولُ: بَحْرُكم هَذا، ولَكِنْ كُلُّ قَرْيَةٍ عامِرَةٍ.
وقالَ قَتادَةُ: المُرادُ بِالبَرِّ: أهْلُ البَوادِي، وبِالبَحْرِ: أهْلُ القُرى.
وقالَ الزَّجّاجُ: المُرادُ بِالبَحْرِ: مُدُنُ البَحْرِ عَلى الأنْهارِ، وكُلُّ ذِي ماءٍ فَهو بَحْرٌ.
والثّانِي: أنَّ البَحْرَ: الماءُ المَعْرُوفُ.
قالَ مُجاهِدٌ: ظُهُورُ الفَسادِ في البَرِّ: قَتْلُ ابْنِ آدَمَ أخاهُ، وفي البَحْرِ: مَلِكٌ جائِرٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا.
وقِيلَ لِعَطِيَّةَ: أيُّ فَسادٍ في البَحْرِ؟
فَقالَ: إذا قَلَّ المَطَرُ قَلَّ الغَوْصُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِما كَسَبَتْ أيْدِي النّاسِ ﴾ أيْ: بِما عَمِلُوا مِنَ المَعاصِي ﴿ لِيُذِيقَهُمْ ﴾ وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، ورُوحٌ [عَنْ يَعْقُوبَ]، وقُنْبُلٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: " لِنُذِيقَهم " بِالنُّونِ ﴿ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا ﴾ أيْ: جَزاءَ بَعْضِ أعْمالِهِمْ؛ فالقَحْطُ جَزاءٌ، ونُقْصانُ البَرَكَةِ جَزاءٌ، ووُقُوعُ المَعْصِيَةِ مِنهم جَزاءٌ مُعَجَّلٌ لِمَعاصِيهِمْ أيْضًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ ﴾ في المُشارِ إلَيْهِمْ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُمُ الَّذِينَ أُذِيقُوا الجَزاءَ.
ثُمَّ في مَعْنى رُجُوعِهِمْ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: يَرْجِعُونَ عَنِ المَعاصِي، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.
والثّانِي: يَرْجِعُونَ إلى الحَقِّ، قالَهُ إبْراهِيمُ.
والثّانِي: أنَّهُمُ الَّذِينَ يَأْتُونَ بَعْدَهُمْ؛ فالمَعْنى: لَعَلَّهُ يَرْجِعُ مَن بَعْدَهُمْ، قالَهُ الحَسَنُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ ﴾ أيْ: سافِرُوا ﴿ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ ﴾ أيِ: الَّذِينَ كانُوا قَبْلَكُمْ؛ والمَعْنى: انْظُرُوا إلى مَساكِنِهِمْ وآثارِهِمْ ﴿ كانَ أكْثَرُهم مُشْرِكِينَ ﴾ المَعْنى: فَأُهْلِكُوا بِشِرْكِهِمْ.
﴿ فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ ﴾ أيْ: أقِمْ قَصْدَكَ لِاتِّباعِ الدِّينِ ﴿ القَيِّمِ ﴾ وهو الإسْلامُ المُسْتَقِيمُ ﴿ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِن اللَّهِ ﴾ يَعْنِي [يَوْمَ] القِيامَةِ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى رَدِّ ذَلِكَ اليَوْمِ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ قَضى كَوْنَهُ ﴿ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ ﴾ أيْ: يَتَفَرَّقُونَ إلى الجَنَّةِ والنّارِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ﴾ أيْ: جَزاءُ كُفْرِهِ ﴿ وَمَن عَمِلَ صالِحًا فَلأنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ ﴾ أيْ: يُوَطِّئُونَ.
وقالَ مُجاهِدٌ: يُسَوُّونَ المَضاجِعَ في القُبُورِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: " مَن " يَقَعُ عَلى الواحِدِ والاثْنَيْنِ والجَمْعِ مِنَ المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ، ومَجازُها هاهُنا مَجازُ الجَمِيعِ، و " يَمْهَدُ " بِمَعْنى يَكْتَسِبُ ويَعْمَلُ ويَسْتَعِدُّ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِن آياتِهِ أنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ ﴾ تُبَشِّرُ بِالمَطَرِ ﴿ وَلِيُذِيقَكم مِن رَحْمَتِهِ ﴾ وهو الغَيْثُ والخِصْبُ ﴿ وَلِتَجْرِيَ الفُلْكُ ﴾ في البَحْرِ بِتِلْكَ الرِّياحِ ﴿ بِأمْرِهِ ﴾ ﴿ وَلِتَبْتَغُوا ﴾ بِالتِّجارَةِ في البَحْرِ ﴿ مِن فَضْلِهِ ﴾ وهو الرِّزْقُ؛ وكُلُّ هَذا بِالرِّياحِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَجاءُوهم بِالبَيِّناتِ ﴾ أيْ: بِالدَّلالاتِ عَلى صِدْقِهِمْ ﴿ فانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أجْرَمُوا ﴾ أيْ: عَذَّبْنا الَّذِينَ كَذَّبُوهم ﴿ وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا ﴾ أيْ: واجِبًا هو أوْجَبَهُ عَلى نَفْسِهِ ﴿ نَصْرُ المُؤْمِنِينَ ﴾ إنْجاؤُهم مَعَ الرُّسُلِ مِن عَذابِ المُكَذِّبِينَ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُرْسِلُ الرِّياحَ ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو رَجاءٍ، والنَّخَعِيُّ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، والأعْمَشُ: " يُرْسِلُ الرِّيحَ " بِغَيْرِ ألِفٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَتُثِيرُ سَحابًا ﴾ أيْ: تُزْعِجُهُ ﴿ فَيَبْسُطُهُ ﴾ اللَّهُ ﴿ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ ﴾ إنْ شاءَ بَسَطَهُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ أوْ يَوْمَيْنِ أوْ أقَلَّ أوْ أكْثَرَ ﴿ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا ﴾ أيْ: قِطَعًا مُتَفَرِّقَةً.
والأكْثَرُونَ فَتَحُوا سِينَ " كِسَفًا "؛ وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِتَسْكِينِها؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: يُمْكِنُ أنْ يَكُونُ مِثْلَ سِدْرَةٍ وسِدَرٍ، فَيَكُونُ مَعْنى القِراءَتَيْنِ واحِدًا ﴿ فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وأبُو العالِيَةِ: " مِن خَلَلِهِ "؛ وقَدْ شَرَحْناهُ في (النُّورِ: ٤٣) ﴿ فَإذا أصابَ بِهِ ﴾ أيْ: بِالوَدْقِ؛ ومَعْنى ﴿ يَسْتَبْشِرُونَ ﴾ يَفْرَحُونَ بِالمَطَرِ، ﴿ وَإنْ كانُوا مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ ﴾ المَطَرُ ﴿ مِن قَبْلِهِ ﴾ وفي هَذا التَّكْرِيرِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ لِلتَّأْكِيدِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ ﴾ ، قالَهُ الأخْفَشُ في آخَرِينَ.
والثّانِي: أنَّ " قَبْلَ " الأُولى لِلتَّنْزِيلِ، والثّانِيَةَ لِلْمَطَرِ، قالَهُ قُطْرُبٌ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: والمَعْنى: مِن قَبْلِ نُزُولِ المَطَرِ، مِن قَبْلِ المَطَرِ، وهَذا مِثْلَما يَقُولُ القائِلُ: آتِيكَ مِن قَبْلِ أنْ تَتَكَلَّمَ، مِن قَبْلِ أنْ تَطْمَئِنَّ في مَجْلِسِكَ، فَلا تُنْكَرُ الإعادَةُ، لِاخْتِلافِ الشَّيْئَيْنِ.
والثّالِثُ: أنَّ الهاءَ في قَوْلِهِ: ﴿ مِن قَبْلِهِ ﴾ تَرْجِعُ إلى الهُدى وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ، فَيَكُونُ المَعْنى: كانُوا يَقْنَطُونَ مِن قَبْلِ نُزُولِ المَطَرِ، مِن قَبْلِ الهُدى، فَلَمّا جاءَ الهُدى والإسْلامُ زالَ القُنُوطُ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْ أبِي عُمَرَ الدُّورِيِّ وأبِي جَعْفَرِ بْنِ قادِمٍ.
والمُبْلِسُونَ: الآيِسُونَ وقَدْ سَبَقَ الكَلامُ في هَذا [الأنْعامِ: ٤٤] .
﴿ فانْظُرْ إلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " إلى أثَرِ " .
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: " إلى آثارِ " عَلى الجَمْعِ والمُرادُ بِالرَّحْمَةِ هاهُنا: المَطَرُ، وأثَرُها: النَّبْتُ؛ والمَعْنى: انْظُرْ إلى حُسْنِ تَأْثِيرِهِ في الأرْضِ ﴿ كَيْفَ يُحْيِي الأرْضَ ﴾ أيْ: كَيْفَ يَجْعَلُها تُنْبِتُ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ فِيها نَبْتٌ.
وقَرَأ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وسُلَيْمانُ التَّيْمِيُّ.
" كَيْفَ تُحْيِي " بِتاءٍ مَرْفُوعَةٍ مَكْسُورَةَ الياءِ " الأرْضَ " بِفَتْحِ الضّادِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا ﴾ \[أيْ: رِيحًا\] بارِدَةً مُضِرَّةً، والرِّيحَ إذا أتَتْ عَلى لَفْظِ الواحِدِ أُرِيدَ بِها العَذابُ، ولِهَذا كانَ رَسُولُ اللَّهِ يَقُولُ عِنْدَ هُبُوبِ الرِّيحِ: " «اللَّهُمَّ اجْعَلْها رِياحًا ولا تَجْعَلْها رِيحًا» " ﴿ فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا ﴾ يَعْنِي النَّبْتَ، والهاءُ عائِدَةٌ إلى الأثَرِ.
قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: فَرَأوُا النَّبْتَ قَدِ اصْفَرَّ وجَفَّ ﴿ لَظَلُّوا مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ ﴾ ومَعْناهُ: لَيَظَلُّنَّ، لِأنَّ مَعْنى الكَلامِ الشَّرْطُ والجَزاءُ، فَهم يَسْتَبْشِرُونَ بِالغَيْثِ، ويَكْفُرُونَ إذا انْقَطَعَ عَنْهُمُ الغَيْثُ وجَفَّ النَّبْتُ.
وقالَ غَيْرُهُ: المُرادُ بِرَحْمَةِ اللَّهِ: المَطَرُ.
و " ظَلُّوا " بِمَعْنى صارُوا " مِن بَعْدِهِ " أيْ: مِن بَعْدِ اصْفِرارِ النَّبْتِ يَجْحَدُونَ ما سَلَفَ مِنَ النِّعْمَةِ.
وما بَعْدَ هَذا مُفَسَّرٌ في سُورَةِ (النَّمْلِ: ٨٠، ٨١) إلى قَوْلِهِ: ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم مِن ضَعْفٍ ﴾ وقَدْ ذَكَرْنا الكَلامَ فِيهِ في (الأنْفالِ: ٦٦) قالَ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى: خَلَقَكم مِن ماءٍ ذِي ضَعْفٍ، وهو المَنِيُّ ﴿ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ ﴾ يَعْنِي ضَعْفَ الطُّفُولَةِ قُوَّةَ الشَّبابِ، ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةِ الشَّبابِ ضَعْفَ الكِبَرِ، وشَيْبَةً، ﴿ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ﴾ أيْ: مِن ضَعْفٍ وقُوَّةٍ وشَبابٍ وشَيْبَةٍ ﴿ وَهُوَ العَلِيمُ ﴾ بِتَدْبِيرِ خَلْقِهِ ﴿ القَدِيرُ ﴾ عَلى ما يَشاءُ.
﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: السّاعَةُ في القُرْآنِ عَلى مَعْنى السّاعَةِ الَّتِي تَقُومُ فِيها القِيامَةُ، فَلِذَلِكَ لَمْ تُعْرَفْ أيُّ ساعَةٍ هي.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ ﴾ أيْ: يَحْلِفُ المُشْرِكُونَ ﴿ ما لَبِثُوا ﴾ في القُبُورِ ﴿ غَيْرَ ساعَةٍ كَذَلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: أُفِكَ الرَّجُلُ: إذا عُدِلَ بِهِ عَنِ الصِّدْقِ، فالمَعْنى أنَّهم قَدْ كَذَّبُوا في هَذا الوَقْتِ كَما كَذَّبُوا في الدُّنْيا.
وقالَ غَيْرُهُ: أرادَ اللَّهُ تَعالى أنْ يَفْضَحَهم يَوْمَ القِيامَةِ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ، فَحَلَفُوا عَلى شَيْءٍ يَبِينُ لِلْمُؤْمِنِينَ كَذِبُهم فِيهِ، ويَسْتَدِلُّونَ عَلى كَذِبِهِمْ في الدُّنْيا.
ثُمَّ ذَكَرَ إنْكارَ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والإيمانَ ﴾ وفِيهِمْ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ.
والثّانِي: المُؤْمِنُونَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كِتابِ اللَّهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ فِيهِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا، تَقْدِيرُهُ: وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ بِكِتابِ اللَّهِ والإيمانَ بِاللَّهِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ في جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
والثّانِي: أنَّهُ عَلى نَظْمِهِ.
ثُمَّ في مَعْناهُ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: لَقَدْ لَبِثْتُمْ في عِلْمِ اللَّهِ، قالَهُ الفَرّاءُ.
والثّانِي: لَقَدْ لَبِثْتُمْ في خَبَرِ الكِتابِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَهَذا يَوْمُ البَعْثِ ﴾ أيِ: اليَوْمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُنْكِرُونَهُ ﴿ وَلَكِنَّكم كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ﴾ في الدُّنْيا أنَّهُ يَكُونُ.
﴿ فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: " لا تَنْفَعُ " بِالتّاءِ.
وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِالياءِ، لِأنَّ التَّأْنِيثَ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا يُقْبَلُ مِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا عُذْرٌ ولا تَوْبَةٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا هم يُسْتَعْتَبُونَ ﴾ أيْ: لا يُطْلَبُ مِنهُمُ العُتْبى والرُّجُوعُ في الآخِرَةِ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَئِنْ جِئْتَهم بِآيَةٍ ﴾ أيْ: كَعَصا مُوسى ويَدِهِ ﴿ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ أنْتُمْ ﴾ أيْ: ما أنْتُمْ يا مُحَمَّدُ وأصْحابُكَ ﴿ إلا مُبْطِلُونَ ﴾ أيْ: أصْحابُ أباطِيلَ، وهَذا بَيانٌ لِعِنادِهِمْ.
﴿ كَذَلِكَ ﴾ أيْ: كَما طَبَعَ عَلى قُلُوبِهِمْ حَتّى لا يُصَدِّقُونَ الآياتِ ﴿ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ﴾ تَوْحِيدَ اللَّهِ؛ فالسَّبَبُ في امْتِناعِ الكُفّارِ مِنَ التَّوْحِيدِ، الطَّبْعُ عَلى قُلُوبِهِمْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاصْبِرْ إنَّ وعْدَ اللَّهِ ﴾ بِنَصْرِكَ وإظْهارِكَ عَلى عَدُوِّكَ ﴿ حَقٌّ ﴾ .
﴿ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ ﴾ وقَرَأ يَعْقُوبُ إلّا رُوحًا وزَيْدًا: " يَسْتَخِفَّنْكَ " بِسُكُونِ النُّونِ.
قالَ الزَّجّاجُ: لا يَسْتَفِزَّنَّكَ عَنْ دِينِكَ ﴿ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ ﴾ أيْ: هم ضُلّاٌل شاكُّونَ.
وقالَ غَيْرُهُ: لا يُوقِنُونَ بِالبَعْثِ والجَزاءِ.
وزَعَمَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ.