الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > سورة 37 الصافات > الآيات ٦٢-٧٤
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 5 دقيقة قراءة﴿ أذَلِكَ خَيْرٌ ﴾ يُشِيرُ إلى ما وُصِفَ لِأهْلِ الجَنَّةِ ﴿ نُزُلا ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: رِزْقًا، ومِنهُ: إقامَةُ الإنْزالِ، وإنْزالُ الجُنُودِ: أرْزاقُها.
وقالَ الزَّجّاجُ: النُّزُلُ هاهُنا: الرِّيْعُ والفَضْلُ، يُقالُ: هَذا طَعامٌ لَهُ نُزْلٌ ونُزُلٌ، بِتَسْكِينِ الزّايِ وضَمِّها؛ والمَعْنى: أذَلِكَ خَيْرٌ في بابِ الأنْزالِ الَّتِي تُتَقَوَّتُ ويُمْكِنُ مَعَها الإقامَةُ، أمْ نُزُلَ أهْلِ النّارِ؟!
وهو قَوْلُهُ: ﴿ أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ ﴾ ؟
.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ هَلْ هَذِهِ الشَّجَرَةُ في الدُّنْيا، أمْ لا؟
فَقالَ قُطْرُبٌ: هي شَجَرَةٌ مُرَّةٌ تَكُونُ بِأرْضِ تِهامَةِ مِن أخْبَثِ الشَّجَرِ.
وقالَ غَيْرُهُ: الزَّقُّومُ: ثَمَرَةُ شَجَرَةٍ كَرِيهَةِ الطَّعْمِ.
وقِيلَ: إنَّها لا تُعْرَفُ في شَجَرِ الدُّنْيا، وإنَّما هي في النّارِ، يُكْرَهُ أهْلُ النّارِ عَلى تَناوُلِها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ ﴾ يَعْنِي لِلْكافِرِينَ.
وفي المُرادِ بِالفِتْنَةِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّها في النّارِ، افْتَتَنُوا وكَذَّبُوا، فَقالُوا: كَيْفَ يَكُونُ فِي النّارِ شَجَرَةٌ، والنّارُ تَأْكُلُ الشَّجَرَ؟!
فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ قَتادَةُ.
وقالَ السُّدِّيُّ: فِتْنَةٌ لِأبِي جَهْلٍ وأصْحابِهِ.
والثّانِي: أنَّ الفِتْنَةَ بِمَعْنى العَذابِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
والثّالِثُ: أنَّ الفِتْنَةَ بِمَعْنى الِاخْتِبارِ، اخْتُبِرُوا بِها فَكُذِّبُوا، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَخْرُجُ في أصْلِ الجَحِيمِ ﴾ أيْ: في قَعْرِ النّارِ.
قالَ الحَسَنُ: أصْلُها في قَعْرِ النّارِ، وأغْصانِها تَرْتَفِعُ إلى دَرْكاتِها.
﴿ طَلْعُها ﴾ أيْ: ثَمَرُها، وسُمِّي طَلْعًا، لِطُلُوعَةِ ﴿ كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَّياطِينِ ﴾ .
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ شَبَّهَها بِشَيْءٍ لَمْ يُشاهَدْ؟
فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ.
أحَدُها: أنَّهُ قَدِ اسْتَقَرَّ في النُّفُوسِ قُبْحُ الشَّياطِينِ -وَإنْ لَمْ تُشاهَدْ- فَجازَ تَشْبِيهُها بِما قَدْ عَلِمَ قُبْحَهُ، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: أيَقْتُلُنِي والمَشْرَفِيُّ مُضاجِعِي ومَسْنُونَةٌ زُرْقٌ كَأنْيابِ أغْوالِ قالَ الزَّجّاجُ: هو لَمْ يَرَ الغُولَ ولا أنْيابَها، ولَكِنَّ التَّمْثِيلَ بِما يُسْتَقْبَحُ أبْلَغُ في بابِ المُذَكّرِ أنْ يُمَثَّلَ بِالشَّياطِينِ، وفي بابِ المُؤَنَّثِ أنْ يُشَبَّهَ بِالغُولِ.
والثّانِي: أنَّ بَيْنَ مَكَّةَ واليَمَنَ شَجَرٌ يُسَمّى: رُؤُوسُ الشَّياطِينِ، فَشَبَّهَها بِها، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ أرادَ بِالشَّياطِينِ: حَيّاتٌ لَها رُؤُوسُ ولَها أعْرافٌ، شَبَّهَ طَلْعَها بِرُؤُوسِ الحَيّاتِ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.
قالَ الفَرّاءُ: والعَرَبُ تُسَمِّي بَعْضَ الحَيّاتِ شَيْطانًا، وهو حَيَّةٌ ذُو عُرْفٍ قَبِيحِ الوَجْهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّهم لآكِلُونَ مِنها ﴾ أيْ: مِن ثَمَرِها ﴿ فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ ﴾ وذَلِكَ أنَّهم يُكْرَهُونَ عَلى أكْلِها حَتّى تَمْتَلِئَ بُطُونُهم.
﴿ ثُمَّ إنَّ لَهم عَلَيْها لَشَوْبًا مِن حَمِيمٍ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: خَلْطا مِنَ الماءِ الحارِّ يَشْرَبُونَهُ عَلَيْها.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: تَقُولُ العَرَبُ: كُلُّ شَيْءٍ خَلَطْتَهُ بِغَيْرِهِ فَهو مَشُوبٌ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: إذا أكَلُوا الزَّقُّومَ ثُمَّ شَرِبُوا عَلَيْهِ الحَمِيمَ، شابَ الحَمِيمُ الزَّقُّومَ في بُطُونِهِمْ فَصارَ شَوْبًا لَهُ.
﴿ ثُمَّ إنَّ مَرْجِعَهُمْ ﴾ أيْ: بَعْدَ أكْلِ الزَّقُّومِ وشُرْبِ الحَمِيمِ ﴿ لإلى الجَحِيمِ ﴾ وذَلِكَ أنَّ الحَمِيمَ خارِجُ الجَحِيمِ، فَهم يُورِدُونَهُ كَما تُورَدُ الإبِلُ الماءَ، ثُمَّ يُرَدُّونَ إلى الجَحِيمِ؛ ويَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُهُ: ﴿ يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ ﴾ .
و ﴿ ألْفَوْا ﴾ بِمَعْنى وجَدُوا.
و ﴿ يُهْرَعُونَ ﴾ مَشْرُوحٌ في [هُودَ: ٧٨]، والمَعْنى أنَّهم يَتَّبِعُونَ آَباءَهم في سُرْعَةٍ.
﴿ وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ ﴾ أيْ: قَبْلَ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ ﴿ أكْثَرُ الأوَّلِينَ ﴾ مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ ﴾ يُعْنى المُوَحِّدِينَ، فَإنَّهم نَجَوْا مِنَ العَذابِ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وإنَّما حَسُنَ الِاسْتِثْناءُ، لِأنَّ المَعْنى: فانْظُرْ كَيْفَ أهْلَكْنا المُنْذِرِينَ إلّا عِبادَ اللَّهِ.
<div class="verse-tafsir"