زاد المسير سورة الصافات

الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > تفسير سورة الصافات

تفسيرُ سورةِ الصافات كاملةً من زاد المسير (ابن الجوزي) (جمال الدين ابن الجوزي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 80 دقيقة قراءة

تفسير سورة الصافات كاملةً (جمال الدين ابن الجوزي)

وَٱلصَّـٰٓفَّـٰتِ صَفًّۭا ١ فَٱلزَّٰجِرَٰتِ زَجْرًۭا ٢ فَٱلتَّـٰلِيَـٰتِ ذِكْرًا ٣ إِنَّ إِلَـٰهَكُمْ لَوَٰحِدٌۭ ٤ رَّبُّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ ٱلْمَشَـٰرِقِ ٥

سُورَةُ الصّافّاتِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والصّافّاتِ صَفًّا ﴾ فِيها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها المَلائِكَةُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والجُمْهُورُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ المَلائِكَةُ صُفُوفٌ في السَّماءِ، لا يَعْرِفُ مَلَكٌ مِنهم مَن إلى جانِبِهِ، لَمْ يَلْتَفِتْ مُنْذُ خَلَقَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ.

وقِيلَ: هي المَلائِكَةُ تَصُفُّ أجْنِحَتَها في الهَواءِ واقِفَةً إلى أنْ يَأْمُرَها اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِما يَشاءُ.

والثّانِي: أنَّها الطَّيْرُ، كَقَوْلِهِ: ﴿ والطَّيْرُ صافّاتٍ  ﴾ ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.

وَفِي الزّاجِراتِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها المَلائِكَةُ الَّتِي تَزْجُرُ السَّحابَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والجُمْهُورُ.

والثّانِي: أنَّها زَواجِرُ القُرْآَنِ وكُلُّ ما يَنْهى ويَزْجُرُ عَنِ القَبِيحِ، قالَهُ قَتادَةُ.

وَفِي ( التاليات ذِكْرًا ) ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: أنَّها المَلائِكَةُ تَقْرَأُ كُتُبَ اللَّهِ تَعالى: قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ: [والحَسَنُ]، والجُمْهُورُ.

والثّانِي: أنَّهُمُ الرُّسُلُ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: ما يُتْلى في القُرْآَنِ مِن أخْبارِ الأُمَمِ، قالَهُ قَتادَةُ.

وَهَذا قَسَمٌ بِهَذِهِ الأشْياءِ، وجَوابُهُ: ﴿ إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ ﴾ .

وقِيلَ: مَعْناهُ: ورَبِّ هَذِهِ الأشْياءِ إنَّهُ واحِدٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَرَبُّ المَشارِقِ ﴾ قالَ السُّدِّيُّ: المَشارِقُ ثَلاثَمِائَةٌ وسُتُّونَ مَشْرِقًا، والمَغارِبُ مِثْلُها، عَلى عَدَدِ أيّامِ السَّنَةِ.

فَإنْ قِيلَ: لِمَ تَرَكَ ذِكْرَ المَغارِبِ؟

فالجَوابُ: أنَّ المَشارِقَ تَدُلُّ عَلى المَغارِبِ، لِأنَّ الشُّرُوقَ قَبْلَ الغُرُوبِ.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّا زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِزِينَةٍ ٱلْكَوَاكِبِ ٦ وَحِفْظًۭا مِّن كُلِّ شَيْطَـٰنٍۢ مَّارِدٍۢ ٧ لَّا يَسَّمَّعُونَ إِلَى ٱلْمَلَإِ ٱلْأَعْلَىٰ وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍۢ ٨ دُحُورًۭا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌۭ وَاصِبٌ ٩ إِلَّا مَنْ خَطِفَ ٱلْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُۥ شِهَابٌۭ ثَاقِبٌۭ ١٠

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا ﴾ يَعْنِي الَّتِي تَلِي الأرْضَ، وهي أدْنى السَّمَواتِ إلى الأرْضِ ﴿ بِزِينَةٍ الكَواكِبِ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ: "بِزِينَةِ الكَواكِبِ" مُضافًا، أيْ: بِحُسْنِها وضَوْئِها.

وقَرَأ حَمْزَةُ، وحَفَصٌ عَنْ عاصِمٍ: "بِزِينَةٍ" مُنَوَّنَةً وخَفَضَ "الكَواكِبَ" [وَجَعَلَ "الكَواكِبَ"] بَدَلًا مِنَ الزِّينَةِ لِأنَّها هِيَ، كَما تَقُولُ: مَرَرْتُ بِأبِي عَبْدِ اللَّهِ زَيْدٍ؛ [فالمَعْنى: إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِالكَواكِبِ.

وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: "بِزِينَةٍ" بِالتَّنْوِينِ وبِنَصْبِ "الكَواكِبَ"]؛ والمَعْنى: زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِأنْ زَيَّنّا الكَواكِبَ فِيها حِينَ ألْقَيْناها في مَنازِلِها وجَعَلْناها ذاتَ نُورٍ.

قالَ الزَّجّاجُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "الكَواكِبِ" في النَّصْبِ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: "بِزِينَةٍ" لِأنَّ قَوْلَهُ: "بِزِينَةٍ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، ومُعاذٌ القارِئُ، وأبُو نَهِيكٍ، وأبُو حَصِينٍ الأسَدِيُّ في آَخَرِينَ: "بِزِينَةٍ" بِالتَّنْوِينِ "الكَواكِبُ" بِرَفْعِ الباءِ؛ قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: إنّا زِيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِأنْ زَيَّنَتْها الكَواكِبُ وبِأنْ زَيَّنَتِ الكَواكِبَ.

﴿ وَحِفْظًا ﴾ أيْ: وحَفِظْناها حِفْظًا.

فَأمّا المارِدُ، فَهو العاتِي، وقَدْ شَرَحْنا هَذا في قَوْلِهِ: ﴿ شَيْطانًا مَرِيدًا  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَسَّمَّعُونَ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: "لا" هاهُنا كَقَوْلِهِ: ﴿ كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ ﴾ .

﴿ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ  ﴾ ؛ ويَصْلُحُ في "لا" عَلى هَذا المَعْنى الجَزْمُ، فَإنَّ العَرَبَ تَقُولُ: رَبَطَتِ الفَرَسَ لا يَنْفَلِتُ.

وقالَ غَيْرُهُ: لِكَيْ لا يَسْمَعُوا إلى المَلَإ الأعْلى، وهُمُ المَلائِكَةُ الَّذِينَ في السَّماءِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وحَفَصٌ عَنْ عاصِمٍ، وخَلْفٌ: "لا يَسْمَعُونَ" بِتَشْدِيدِ السِّينِ، وأصْلُهُ: يَتَسَمَّعُونَ، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في السِّينِ.

وإنَّما قالَ: ﴿ إلى المَلإ الأعْلى ﴾ لِأنَّ العَرَبَ تَقُولُ: سَمِعْتُ فَلانًا، وسَمِعَتُ مِن فُلانِ، وإلى فُلانٍ.

﴿ وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جانِبٍ ﴾ بِالشُّهُبِ ﴿ دُحُورًا ﴾ قالَ قَتادَةُ: أيْ: قَذَفًا بِالشُّهُبِ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: طَرْدًا، يُقالُ: دَحَرْتُهُ دَحْرًا ودُحُورًا، أيْ: دَفَعْتُهُ.

وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، والضَّحّاكُ، وأيُّوبُ السِّخْتِيانِيُّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "دُحُورًا بِفَتْحِ الدّالِّ" .

وَفِي "الواصِبِ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الدّائِمُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، والفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّانِي: أنَّهُ المُوجِعُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ، والسُّدِّيُّ.

وَفِي زَمانِ هَذا العَذابِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ في الآَخِرَةِ.

والثّانِي: [أنَّهُ] في الدُّنْيا، فَهم يُخْرَجُونَ بِالشُّهُبِ ويُخْبَلُونَ إلى النَّفْخَةِ الأُولى في الصُّورِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ ﴾ قَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ: "خَطِفَ" بِفَتْحِ الخاءِ وكَسْرِ الطّاءِ وتَشْدِيدِها.

وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، والجَحْدَرِيُّ: بِكَسْرِ الخاءِ والطّاءِ جَمِيعًا والتَّخْفِيفِ.

قالَ الزَّجّاجُ: خَطِفَ وخَطَفَ، بِفَتْحِ الطّاءِ وكَسْرِها، يُقالُ: خَطَفْتُ أخَطَفُ، وخَطِفْتُ أخْطِفُ: إذا أخَذْتَ الشَّيْءَ بِسُرْعَةٍ، وَيَجُوزُ "إلّا مَن خَطِفَ" بِفَتْحِ الخاءِ وتَشْدِيدِ الطّاءِ، ويَجُوزُ "خِطَفَ" بِكَسْرِ الخاءِ وفَتْحِ الطّاءِ؛ والمَعْنى: اخْتَطَفَ، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الطّاءِ، وسَقَطَتِ الألِفُ لِحَرَكَةِ الخاءِ؛ فَمَن فَتَحَ الخاءَ، ألْقى عَلَيْها فَتْحَةَ التّاءِ الَّتِي كانَتْ في "اخْتَطَفَ"، ومَن كَسْرَ الخاءَ، فَلِسُكُونِها وسُكُونِ الطّاءِ.

فَأمّا مَن رَوى[ "خَطَفَ" ] بِكَسْرِ الخاءِ والطّاءِ، فَلا وجْهَ لَها إلّا وجْهًا ضَعِيفًا جِدًّا، وهو أنْ يَكُونَ عَلى إتْباعِ الطّاءِ كَسْرَةَ الخاءِ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: والمَعْنى: إلّا مَنِ اخْتَطَفَ الكَلِمَةَ مِن كَلامِ المَلائِكَةِ مُسارَقَةً ﴿ فَأتْبَعَهُ ﴾ أيْ: لَحِقَهُ ﴿ شِهابٌ ثاقِبٌ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: كَوْكَبٌ مُضِيءٌ، يُقالُ: أثْقِبْ نارَكَ، أيْ: أضِئْها، والثُّقُوبُ: ما تُذْكى بِهِ النّارُ.

<div class="verse-tafsir"

فَٱسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَم مَّنْ خَلَقْنَآ ۚ إِنَّا خَلَقْنَـٰهُم مِّن طِينٍۢ لَّازِبٍۭ ١١ بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ ١٢ وَإِذَا ذُكِّرُوا۟ لَا يَذْكُرُونَ ١٣ وَإِذَا رَأَوْا۟ ءَايَةًۭ يَسْتَسْخِرُونَ ١٤ وَقَالُوٓا۟ إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا سِحْرٌۭ مُّبِينٌ ١٥ أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًۭا وَعِظَـٰمًا أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ١٦ أَوَءَابَآؤُنَا ٱلْأَوَّلُونَ ١٧ قُلْ نَعَمْ وَأَنتُمْ دَٰخِرُونَ ١٨ فَإِنَّمَا هِىَ زَجْرَةٌۭ وَٰحِدَةٌۭ فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ ١٩ وَقَالُوا۟ يَـٰوَيْلَنَا هَـٰذَا يَوْمُ ٱلدِّينِ ٢٠ هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ ٱلَّذِى كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ ٢١ ۞ ٱحْشُرُوا۟ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ وَأَزْوَٰجَهُمْ وَمَا كَانُوا۟ يَعْبُدُونَ ٢٢ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَٱهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْجَحِيمِ ٢٣ وَقِفُوهُمْ ۖ إِنَّهُم مَّسْـُٔولُونَ ٢٤ مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ ٢٥ بَلْ هُمُ ٱلْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ ٢٦

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاسْتَفْتِهِمْ ﴾ أيْ: فَسَلْهم سُؤالُ تَقْرِيرٍ ﴿ أهم أشَدُّ خَلْقًا ﴾ أيْ: أحْكَمُ صَنْعَةً ﴿ أمْ مَن خَلَقْنا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى: أمْ مَن عَدَدْنا خَلْقَهُ مِنَ المَلائِكَةِ والشَّياطِينِ والسَّمَواتِ والأرْضِ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

والثّانِي: أمْ مَن خَلَقْنا قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ، والمَعْنى إنَّهم لَيْسُوا بِأقْوى مِن أُولَئِكَ وقَدْ أهْلَكْناهم بِالتَّكْذِيبِ، فَما الَّذِي يُؤْمِّنُ هَؤُلاءِ؟!

ثُمَّ ذَكَرَ خَلْقَ النّاسِ فَقالَ: ﴿ إنّا خَلَقْناهم مِن طِينٍ لازِبٍ ﴾ قالَ الفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: لاصَقٌ لازِمٌ، والباءُ تُبْدَلُ مِنَ المِيمِ لِقُرْبِ مَخْرَجَيْهِما.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الطِّينُ الحُرُّ الجَيِّدُ اللَّزِقُ.

وقالَ غَيْرُهُ: هو الطِّينُ الَّذِي يَنْشُفُ عَنْهُ الماءُ وتَبْقى رُطُوبَتُهُ في باطِنِهِ فَيُلْصَقُ بِاليَدِ كالشَّمْعِ.

وهَذا إخْبارٌ عَنْ تَساوِي الأصْلِ في خَلْقِهِمْ وخَلْقِ مَن قَبْلَهُمْ؛ فَمَن قَدَرَ عَلى إهْلاكَ الأقْوِياءِ، قَدَرَ عَلى إهْلاكِ الضُّعَفاءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ عَجِبْتَ ﴾ "بَلْ" مَعْناهُ: تَرَكُ الكَلامِ الأوَّلِ والأخْذِ في الكَلامِ الآَخَرِ، كَأنَّهُ قالَ: دَعْ يا مُحَمَّدُ ما مَضى.

وَفِي "عَجِبْتَ" قِراءَتانِ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "بَلْ عَجِبْتَ" بِفَتْحِ التّاءِ.

وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، وأبُو مِجْلَزٍ، والنَّخْعِيُّ، وطِلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، والأعْمَشُ، وابْنُ أبِي لَيْلى، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ في آَخَرِينَ: "بَلْ عَجِبْتُ" بِضَمِّ التّاءِ، [واخْتارَها الفَرّاءُ] .

فَمَن فَتْحَ، أرادَ: بَلْ عَجِبْتَ يا مُحَمَّدُ، ﴿ وَيَسْخَرُونَ ﴾ هم.

قالَ ابْنُ السّائِبِ: أنْتَ تَعْجَبُ مِنهُمْ، وهم يَسْخَرُونَ مِنكَ.

وفي ما عَجِبَ مِنهُ قَوْلانِ، أحَدُهُما: مِنَ الكَفّارِ إذْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِالقُرْآَنِ، والثّانِي: إذْ كَفَرُوا بِالبَعْثِ.

ومَن ضَمَّ، أرادَ الإخْبارَ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أنَّهُ عَجِبَ، قالَ الفَرّاءُ؛ وهي قِراءَةُ عَلَيٍّ، وعَبْدِ اللَّهِ، وابْنِ عَبّاسٍ، وهي أحَبُّ إلَيَّ؛ وقَدْ أنْكَرَ هَذِهِ القِراءَةَ قَوْمٌ، مِنهم شُرَيْحٌ القاضِي، فَإنَّهُ قالَ: إنَّ اللَّهَ لا يَعْجَبُ، إنَّما يَعْجَبُ مَن لا يَعْلَمُ قالَ الزَّجّاجُ: وإنْكارُ هَذِهِ القِراءَةِ غَلَطٌ لِأنَّ العَجَبَ مِنَ اللَّهِ خِلافُ العَجَبِ مِنَ الآَدَمَيِّينِ، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿ وَيَمْكُرُ اللَّهُ  ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ سَخِرَ اللَّهُ مِنهُمْ  ﴾ ، وأصِلُ العَجَبَ في اللُّغَةِ: أنَّ الإنْسانَ إذا رَأى ما يُنْكِرُهُ ويَقِلُّ مَثَلُهُ، قالَ: قَدْ عَجِبَتُ مِن كَذا، وكَذَلِكَ إذا فَعَلَ الآَدَمِيُّونَ ما يُنْكِرُهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، جازَ أنْ يَقُولَ: عَجِبْتُ، واللَّهُ قَدْ عَلِمَ الشَّيْءَ قَبْلَ كَوْنِهِ.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: المَعْنى: جازَيْتُهم عَلى عَجَبِهِمْ مِنَ الحَقِّ، فَسَمّى الجَزاءَ عَلى الشَّيْءِ بِاسْمِ الشَّيْءِ الَّذِي لَهُ الجَزاءُ، فَسَمّى فِعْلَهُ عَجَبًا ولَيْسَ بِعَجَبٍ في الحَقِيقَةِ، لِأنَّ المُتَعَجِّبَ يُدْهَشُ ويَتَحَيَّرُ، واللَّهُ عَزَّ وجَلَّ قَدْ جَلَّ عَنْ ذَلِكَ؛ وكَذَلِكَ سُمِّيَ تَعْظِيمُ الثَّوابِ عَجَبًا، لِأنَّهُ إنَّما يَتَعَجَّبُ مِنَ الشَّيْءِ إذا كانَ في النِّهايَةِ، والعَرَبُ تُسَمِّي الفِعْلَ بِاسْمِ الفِعْلِ إذا داناهُ مِن بَعْضِ وُجُوهِهِ وإنْ كانَ مُخالِفًا لَهُ في أكْثَرِ مَعانِيهِ قالَ عَدِيٌّ: ثُمَّ أضْحَوْا لَعِبَ الدَّهْرُ بِهِمْ [وَكَذَلِكَ الدَّهْرُ يُودِي بِالرِّجالِ] فَجَعَلَ إهْلاكَ الدَّهْرِ وإفْسادِهِ لَعِبًا.

وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: مِن ضَمِّ التّاءِ، فالمَعْنى: بَلْ عَظُمَ عِنْدِي وكَبُرَ اتِّخاذُهم لِي شَرِيكًا وتَكْذِيبُهم تَنْزِيلِي.

وقالَ غَيْرُهُ: إضافَةَ العَجَبِ إلى اللَّهِ عَلى ضَرْبَيْنِ، أحَدُهُما: بِمَعْنى الإنْكارِ والذَّمِّ، كَهَذِهِ الآَيَةِ، والثّانِي: بِمَعْنى الِاسْتِحْسانِ والإخْبارِ عَنْ تَمامِ الرِّضى، كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: « "عَجِبَ رَبُّكَ مِن شابٍّ لَيْسَتْ لَهُ صَبْوَةٌ"» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ ﴾ أيْ: إذا وعَظُوا بِالقُرْآَنِ لا يَذَّكَّرُونَ ولا يَتَّعِظُونَ.

وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وأبُو عِمْرانَ: "ذَكَّرُوا" بِتَخْفِيفِ الكافِ.

﴿ وَإذا رَأوْا آيَةً ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي انْشِقاقَ القَمَرِ ﴿ يَسْتَسْخِرُونَ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يَسْتَسْخِرُونَ ويَسْخَرُونَ سَواءٌ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: سَخِرَ واسْتَسْخَرَ، كَما يُقالُ: قَرَّ واسْتَقَرَّ، وعَجِبَ واسْتَعْجَبَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ يَسْألُونَ غَيْرَهم مِنَ المُشْرِكِينَ أنْ يَسْخَرُوا مِن رَسُولِ اللَّهِ، كَما يُقالُ: اسْتَعْتَبْتُهُ، أيْ: سَألْتُهُ العُتْبى، واسْتَوْهَبْتُهُ، أيْ: سَألْتُهُ الهِبَةَ، واسْتَعْفَيْتُهُ: سَألْتُهُ العَفْوَ.

﴿ وَقالُوا إنْ هَذا ﴾ يَعْنُونَ انْشِقاقَ القَمَرِ ﴿ إلا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴾ أيْ: بَيَّنَ لِمَن تَأمَّلَهُ أنَّهُ سِحْرٌ.

﴿ أإذا مِتْنا ﴾ قَدْ سَبَقَ بَيانُ [هَذِهِ] الآَيَةِ [مَرْيَمَ: ٦٦] .

﴿ أوَآباؤُنا ﴾ هَذِهِ ألِفُ الِاسْتِفْهامِ دَخَلَتْ عَلى حَرْفِ العَطْفِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ أوَأمِنَ أهْلُ القُرى  ﴾ .

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "أوْ آَباؤُنا الأوَّلُونَ" بِسُكُونِ الواوِ هاهُنا وفي [الواقِعَةِ: ٤٨] .

﴿ قُلْ نَعَمْ ﴾ أيْ: نَعَمَ تُبْعَثُونَ ﴿ وَأنْتُمْ داخِرُونَ ﴾ أيْ: صاغِرُونَ.

﴿ فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ ﴾ أيْ: فَإنَّما قِصَّةُ البَعْثِ صَيْحَةٌ واحِدَةٌ مِن إسْرافِيلَ، وهي نَفْخَةُ البَعْثِ، وسُمِّيَتْ زَجْرَةً، لِأنَّ مَقْصُودَها الزَّجْرُ ﴿ فَإذا هم يَنْظُرُونَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: يَحْيَوْنَ ويُبْعَثُونَ بُصَراءَ يَنْظُرُونَ، فَإذا عايَنُوا بَعْثَهُمْ، ذَكَرُوا إخْبارَ الرُّسُلِ عَنِ البَعْثِ، ﴿ وَقالُوا يا ويْلَنا هَذا يَوْمُ الدِّينِ ﴾ أيْ: يَوْمَ الحِسابِ والجَزاءِ، فَتَقُولُ المَلائِكَةُ: ﴿ هَذا يَوْمُ الفَصْلِ ﴾ أيْ: يَوْمَ القَضاءِ الَّذِي يَفْصِلُ فِيهِ بَيْنَ المُحْسِنِ والمُسِيءِ؛ ويَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ يَوْمَئِذٍ لِلْمَلائِكَةِ ﴿ احْشُرُوا ﴾ أيِ: اجْمَعُوا ﴿ الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ مِن حَيْثُ هُمْ، وفِيهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ.

والثّانِي: أنَّهُ عامٌّ في كُلِّ ظالِمٍ.

وفي أزْواجِهِمْ أرْبَعَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: أمْثالُهم وأشْباهُهُمْ، وهو قَوْلُ عُمْرَ، وابْنُ عَبّاسٍ، والنُّعْمانُ بْنُ بَشِيرٍ، ومُجاهِدٌ في آَخَرِينَ.

ورُوِيَ عَنْ عُمْرَ قالَ: يَحْشُرُ صاحِبُ الرِّبا مَعَ صاحِبِ الرِّبا، وصاحِبُ الزِّنا مَعَ صاحِبِ الزِّنا، وصاحِبُ الخَمْرِ مَعَ صاحِبِ الخَمْرِ.

والثّانِي: أنَّ أزْواجَهُمُ: المُشْرِكاتُ.

قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: أشْياعُهُمْ، قالَهُ قَتادَةُ.

والرّابِعُ: قُرَناؤُهم مِنَ الشَّياطِينِ الَّذِينَ أضَلُّوهُمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَما كانُوا يَعْبُدُونَ ﴾ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: الأصْنامُ.

قالَهُ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ.

والثّانِي: إبْلِيسٌ وحْدَهُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: الشَّياطِينُ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ وغَيْرُهُ.

[ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ ﴾ أيْ: دَلُّوهم عَلى طَرِيقِها؛ والمَعْنى: اذْهَبُوا بِهِمْ إلَيْها.

قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: هَدَيْتُ الرَّجُلَ: إذا دَلَلْتُهُ، وهَدَيْتُ العَرُوسَ إلى زَوْجِها، وأهْدَيْتُ الهَدِيَّةَ، فَإذا جَعَلْتَ العَرُوسَ كالهَدِيَّةِ، قُلْتَ: أهْدَيْتُها] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقِفُوهُمْ ﴾ أيِ: احْبِسُوهم ﴿ إنَّهم مَسْؤُولُونَ ﴾ وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ: "أنَّهُمْ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا سِيقُوا إلى النّارِ حُبِسُوا عِنْدَ الصِّراطِ، لِأنَّ السُّؤالَ هُناكَ.

وفي هَذا السُّؤالِ سِتَّةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: أنَّهم سُئِلُوا عَنْ أعْمالِهِمْ وأقْوالِهِمْ في الدُّنْيا.

الثّانِي: عَنْ "لا إلَهَ إلّا اللَّهُ"، رُوِيا جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: عَنْ خَطاياهُمْ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والرّابِعُ: سَألَهم خَزَنَةُ جَهَنَّمَ: ﴿ ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ  ﴾ ونَحْوُ هَذا، قالَهُ مُقاتِلٌ والخامِسُ: أنَّهم يَسْألُونَ عَمّا كانُوا يَعْبُدُونَ، ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

والسّادِسُ: أنَّ سُؤالَهم قَوْلُهُ: ﴿ ما لَكم لا تَناصَرُونَ ﴾ ؟!، [ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ] .

قالَ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى: ما لَكم لا يَنْصُرُ بَعْضُكم بَعْضًا كَما كُنْتُمْ في الدُّنْيا؟!

وهَذا جَوابُ أبِي جَهْلٍ حِينَ قالَ يَوْمَ بَدْرٍ: ﴿ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ  ﴾ ، فَقِيلَ لَهم ذَلِكَ يَوْمَئِذٍ تَوْبِيخًا.

والمُسْتَسْلِمُ: المُنْقادُ الذَّلِيلُ؛ والمَعْنى أنَّهم مُنْقادُونَ لا حِيلَةَ لَهم.

<div class="verse-tafsir"

وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍۢ يَتَسَآءَلُونَ ٢٧ قَالُوٓا۟ إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ ٢٨ قَالُوا۟ بَل لَّمْ تَكُونُوا۟ مُؤْمِنِينَ ٢٩ وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُم مِّن سُلْطَـٰنٍۭ ۖ بَلْ كُنتُمْ قَوْمًۭا طَـٰغِينَ ٣٠ فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَآ ۖ إِنَّا لَذَآئِقُونَ ٣١ فَأَغْوَيْنَـٰكُمْ إِنَّا كُنَّا غَـٰوِينَ ٣٢ فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍۢ فِى ٱلْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ ٣٣ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ ٣٤ إِنَّهُمْ كَانُوٓا۟ إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا ٱللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ ٣٥ وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوٓا۟ ءَالِهَتِنَا لِشَاعِرٍۢ مَّجْنُونٍۭ ٣٦ بَلْ جَآءَ بِٱلْحَقِّ وَصَدَّقَ ٱلْمُرْسَلِينَ ٣٧ إِنَّكُمْ لَذَآئِقُوا۟ ٱلْعَذَابِ ٱلْأَلِيمِ ٣٨ وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ٣٩ إِلَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ ٤٠ أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمْ رِزْقٌۭ مَّعْلُومٌۭ ٤١ فَوَٰكِهُ ۖ وَهُم مُّكْرَمُونَ ٤٢ فِى جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ ٤٣ عَلَىٰ سُرُرٍۢ مُّتَقَـٰبِلِينَ ٤٤ يُطَافُ عَلَيْهِم بِكَأْسٍۢ مِّن مَّعِينٍۭ ٤٥ بَيْضَآءَ لَذَّةٍۢ لِّلشَّـٰرِبِينَ ٤٦ لَا فِيهَا غَوْلٌۭ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ ٤٧ وَعِندَهُمْ قَـٰصِرَٰتُ ٱلطَّرْفِ عِينٌۭ ٤٨ كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌۭ مَّكْنُونٌۭ ٤٩

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: الإنْسُ عَلى الشَّياطِينِ.

والثّانِي: الأتْباعُ عَلى الرُّؤَساءِ ﴿ يَتَساءَلُونَ ﴾ تَساؤُلُ تَوْبِيخٍ وتَأْنِيبٍ ولَوْمٍ، فَيَقُولُ الأتْباعُ لِلرُّؤَساءِ: [لِمَ] غَرَّرْتُمُونا؟

ويَقُولُ الرُّؤَساءُ: لِمَ قَبِلْتُمْ مِنّا؟

فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ قالُوا ﴾ يُعْنى الأتْباعُ لِلْمَتْبُوعِينَ ﴿ إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: كُنْتُمْ تَقْهَرُونَنا بِقُدْرَتِكم عَلَيْنا، لِأنَّكم كُنْتُمْ أعَزَّ مِنّا، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: مِن قِبَلِ الدِّينِ فَتُضِلُّونا عَنْهُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

وقالَ الزَّجّاجُ: تَأْتُونَنا مِن قِبَلِ الدِّينِ فَتَخْدَعُونا بِأقْوى الأسْبابِ.

والثّالِثُ: كُنْتُمْ تُوَثِّقُونَ ما كُنْتُمْ تَقُولُونَ بِأيْمانِكُمْ، فَتَأْتُونَنا مِن قِبَلِ الأيْمانِ الَّتِي تَحْلِفُونَها، حَكاهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ.

فَيَقُولُ المَتْبُوعُونَ لَهُمْ: ﴿ بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ﴾ أيْ: لَمْ تَكُونُوا عَلى حَقٍّ فَنُضِلُّكم عَنْهُ إنَّما الكُفْرُ مِن قِبَلِكم.

﴿ وَما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ القَهْرُ.

والثّانِي: الحُجَّةُ.

فَيَكُونُ المَعْنى عَلى الأوَّلِ: وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن قُوَّةٍ نَقْهَرُكم بِها.

وَنُكْرِهْكم عَلى مُتابَعَتِنا، وعَلى الثّانِي: لَمْ نَأْتِكم بِحُجَّةٍ عَلى ما دَعَوْناكم إلَيْهِ كَما أتَتِ الرُّسُلُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا ﴾ أيْ: فَوَجَبَتْ عَلَيْنا كَلِمَةُ العَذابِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿ لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ  ﴾ ﴿ إنّا لَذائِقُونَ ﴾ العَذابَ جَمِيعًا نَحْنُ وأنْتُمْ، ﴿ فَأغْوَيْناكُمْ ﴾ أيْ، أضْلَلْناكم عَنِ الهُدى بِدُعائِكم إلى ما نَحْنُ عَلَيْهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ إنّا كُنّا غاوِينَ ﴾ .

ثُمَّ أخْبَرَ عَنِ الأتْباعِ والمَتْبُوعِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿ فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ ﴾ ، والمُجْرِمُونَ هاهُنا: المُشْرِكُونَ، ﴿ إنَّهم كانُوا ﴾ في الدُّنْيا ﴿ إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلا اللَّهُ ﴾ أيْ: قُولُوا هَذِهِ الكَلِمَةَ ﴿ يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ أيْ: يَتَعَظَّمُونَ عَنْ قَوْلِها، ﴿ وَيَقُولُونَ أإنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا ﴾ المَعْنى: أنَتْرُكُ عِبادَةَ آَلِهَتِنا ﴿ لِشاعِرٍ ﴾ أيْ: لِاتِّباعِ شاعِرٍ؟!

يَعْنُونَ رَسُولَ اللَّهِ  ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿ بَلْ ﴾ أيْ: لَيْسَ الأمْرُ عَلى ما قالُوا، بَلْ ﴿ جاءَ بِالحَقِّ ﴾ وهو التَّوْحِيدُ والقُرْآَنُ، ﴿ وَصَدَّقَ المُرْسَلِينَ ﴾ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَهُ؛ والمَعْنى أنَّهُ أتى بِما أتَوْا بِهِ.

ثُمَّ خاطَبَ المُشْرِكِينَ بِما يَعِدُ هَذا إلى قَوْلِهِ: ﴿ إلا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ ﴾ يَعْنِي المُوَحِّدِينَ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: والعَرَبُ تَقُولُ: إنَّكم لَذاهِبُونَ إلّا زَيْدًا.

وفي ما اسْتَثْناهم مِنهُ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: مِنَ الجَزاءِ عَلى الأعْمالِ، فالمَعْنى: إنّا لا نُؤاخِذُهم بِسُوءِ أعْمالِهِمْ، بَلْ نَغْفِرُ لَهُمْ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والثّانِي: مِن دُونِ العَذابِ؛ فالمَعْنى: فَإنَّهم لا يَذُوقُونَ العَذابَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الجَنَّةُ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّهُ الرِّزْقُ في الجَنَّةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

فَعَلى هَذا، في مَعْنى "مَعْلُومٍ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ بِمِقْدارِ الغَداةِ والعَشِيِّ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والثّانِي: أنَّهم حِينَ يَشْتَهُونَهُ يُؤْتَوْنَ بِهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

ثُمَّ بَيَّنَ الرِّزْقِ فَقالَ: ﴿ فَواكِهُ ﴾ \[وَهِيَ جُمَعُ فاكِهَةٍ\] وهي الثِّمارُ كُلُّها، رُطَبُها ويابِسُها ﴿ وَهم مُكْرَمُونَ ﴾ بِما أعْطاهُمُ اللَّهُ.

وما بَعْدَ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ [الحِجْرِ: ٤٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿ يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِن مَعِينٍ ﴾ قالَ الضَّحّاكُ: كُلُّ كَأْسٍ ذُكِرَتْ في القُرْآَنِ، فَإنَّما عُنِيَ بِها الخَمْرُ، [قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الكَأْسُ: الإناءُ بِما فِيهِ، والمُعَيَّنُ: الماءُ الطّاهِرُ الجارِي.

قالَ الزَّجّاجُ: الكَأْسُ: الإناءُ الَّذِي فِيهِ الخَمْرُ]، ويَقَعُ الكَأْسُ عَلى كُلِّ إناءٍ مَعَ شَرابِهِ، فَإنْ كانَ فارِغًا فَلَيْسَ بِكَأْسٍ.

والمُعَيَّنُ: الخَمْرُ تَجْرِي كَما يَجْرِي الماءُ عَلى وجْهِ الأرْضِ مِنَ العُيُونِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَيْضاءَ ﴾ قالَ الحَسَنُ: خَمْرُ الجَنَّةِ أشَدُّ بَياضًا مِنَ اللَّبَنِ.

قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ أرادَ بِالكَأْسِ الخَمْرَ، أنَّهُ قالَ: "بَيْضاءَ"، فَأنَّثَ، ولَوْ أرادَ الإناءَ عَلى انْفِرادِهِ، أوِ الإناءَ والخَمْرَ، لَقالَ: أبْيَضُ.

وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: إنَّما أرادَ بِقَوْلِهِ: "بَيْضاءَ" الكَأْسَ، ولِتَأْنِيثِ الكَأْسِ أُنِّثَتِ البَيْضاءُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَذَّةٍ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: لَذِيذَةً، يُقالُ: شَرابُ لِذاذٌ: إذا كانَ طَيِّبًا.

وقالَ الزَّجّاجُ: أيْ: ذاتُ لَذَّةٍ.

﴿ لا فِيها غَوْلٌ ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: لَيْسَ فِيها صُداعٌ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: لَيْسَ فِيها وجَعُ بَطْنٍ، [رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ] .

والثّالِثُ: لَيْسَ فِيها صُداعُ رَأْسٍ، قالَهُ قَتادَةُ.

والرّابِعُ: لَيْسَ فِيها أذًى ولا مَكْرُوهٌ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والخامِسُ: لا تَغْتالُ عُقُولَهُمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

وقالَ الزَّجّاجُ: لا تَغْتالُ عُقُولَهم فَتَذْهَبُ بِها ولا يُصِيبُهم مِنها وجَعٌ.

والسّادِسُ: لَيْسَ فِيها إثْمٌ، حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

والسّابِعُ: لَيْسَ فِيها شَيْءٌ مِن هَذِهِ الآَفاتِ، لِأنَّ كُلَّ مَن نالَهُ شَيْءٌ مِن هَذِهِ الآَفاتِ، قِيلَ: قَدْ غالَتْهُ غَوْلٌ، فالصَّوابُ أنَّ يَكُونَ نَفْيُ الغَوْلِ عَنْها يَعُمُّ جَمِيعَ هَذِهِ الأشْياءِ، هَذا اخْتِيارُ ابْنُ جَرِيرٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا هم عَنْها يُنْزَفُونَ ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِكَسْرِ الزّايِ هاهُنا وفي [الواقِعَةِ: ١٩] .

وفَتَحَ عاصِمٌ الزّايَ هاهُنا، وكَسَرَها في [الواقِعَةِ: ١٩] .

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، .

وابْنُ عامِرٍ: بِفَتْحِ الزّايِ في السُّورَتَيْنِ.

قالَ الفَرّاءُ: فَمَنَ فَتَحَ، فالمَعْنى: لا تَذْهَبُ عُقُولُهم بِشُرْبِها.

يُقالُ لِلسَّكْرانِ: نَزِيفٌ ومَنزُوفٌ؛ "وَمَن" كَسَرَ، فَفِيهِ وجْهانِ.

أحَدُهُما: لا يُنْفِدُونَ شَرابَهُمْ، أيْ: هو دائِمٌ أبَدًا.

والثّانِي: لا يَسْكَرُونَ، قالَ الشّاعِرُ: لَعَمْرِي لَئِنْ أنْزَفْتُمُ أوْ صَحَوْتُمْ لَبِئْسَ النَّدامى كُنْتُمُ آَلَ أبْجَرا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُنَّ النِّساءُ قَدْ قَصَرْنَ طَرْفُهُنَّ عَلى أزْواجِهِنَّ فَلا يَنْظُرْنَ إلى غَيْرِهِمْ.

وأصْلُ القَصْرِ: الحَبْسُ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّ المَرْأةَ مِنهُنَّ لَتَقُولُ لِزَوْجِها: وعِزَّةُ رَبِّي ما أرى في الجَنَّةِ شَيْئًا أحْسَنَ مِنكَ، فالحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَنِي زَوْجَكَ وجَعَلَكَ زَوْجِيَ.

والثّانِي: أنَّهُنَّ قَدْ قَصَرْنَ طَرْفَ الأزْواجِ عَنْ غَيْرِهِنَّ، لِكَمالِ حُسْنِهِنَّ، سَمِعْتُهُ مِنَ الشَّيْخِ أبِي مُحَمَّدِ بْنِ الخَشّابِ النَّحْوِيِّ.

وَفِي العَيْنِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: حِسانُ العُيُونِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: عِظامُ الأعْيُنِ، قالَهُ السُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ.

والثّالِثُ: كِبارُ العُيُونِ حِسانُها، وواحِدَتُهُنَّ عَيْناءُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ ﴾ في المُرادِ بِالبَيْضِ هاهُنا ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ اللُّؤْلُؤُ، رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ.

والثّانِي: بَيْضُ النَّعامِ، قالَهُ الحَسَنُ، وابْنُ زَيْدٍ، والزَّجّاجُ.

قالَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ اللُّغَةِ: والعَرَبُ تُشْبِهُ المَرْأةَ الحَسْناءَ في بَياضِها وحُسْنُ لَوْنِها بَيْضَةُ النَّعامَةِ، وهو أحْسَنُ ألْوانِ النِّساءِ، وهو أنْ تَكُونَ المَرْأةُ بَيْضاءَ مُشَرَّبَةً صُفْرَةً.

والثّالِثُ: أنَّهُ البَيْضُ حِينَ يُقَشَّرُ قَبْلَ أنْ تَمَسَّهُ الأيْدِي، قالَهُ السُّدِّيُّ، وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ جَرِيرٍ.

فَأمّا المَكْنُونُ، فَهو المَصُونُ.

فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ: هو مَكْنُونٌ في صَدَفِهِ، وعَلى الثّانِي: هو مَكْنُونٌ بِرِيشِ النَّعامِ، وعَلى الثّالِثُ: هو مَكْنُونٌ بِقِشْرِهِ.

<div class="verse-tafsir"

فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍۢ يَتَسَآءَلُونَ ٥٠ قَالَ قَآئِلٌۭ مِّنْهُمْ إِنِّى كَانَ لِى قَرِينٌۭ ٥١ يَقُولُ أَءِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُصَدِّقِينَ ٥٢ أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًۭا وَعِظَـٰمًا أَءِنَّا لَمَدِينُونَ ٥٣ قَالَ هَلْ أَنتُم مُّطَّلِعُونَ ٥٤ فَٱطَّلَعَ فَرَءَاهُ فِى سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ ٥٥ قَالَ تَٱللَّهِ إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ ٥٦ وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّى لَكُنتُ مِنَ ٱلْمُحْضَرِينَ ٥٧ أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ ٥٨ إِلَّا مَوْتَتَنَا ٱلْأُولَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ٥٩ إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ ٦٠ لِمِثْلِ هَـٰذَا فَلْيَعْمَلِ ٱلْعَـٰمِلُونَ ٦١

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ ﴾ يَعْنِي أهْلَ الجَنَّةِ ﴿ يَتَساءَلُونَ ﴾ عَنْ أحْوالٍ كانَتْ في الدُّنْيا.

﴿ قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الصّاحِبُ في الدُّنْيا.

والثّانِي: أنَّهُ الشَّرِيكُ، رُوِيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الشَّيْطانُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والرّابِعُ: أنَّهُ الأخُ؛ قالَ مُقاتِلٌ: وهُما الأخَوانِ المَذْكُورانِ في سُورَةِ [الكَهْفِ: ٣٢] في قَوْلِهِ: ﴿ واضْرِبْ لَهم مَثَلا رَجُلَيْنِ ﴾ ؛ والمَعْنى: كانَ لِي صاحِبٌ أوْ أخٌ يُنْكِرُ البَعْثَ، ﴿ يَقُولُ أإنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هي مُخَفَّفَةُ الصّادِ، مِن صِدْقٍ يُصَدِّقُ فَهو مُصَدِّقٌ، ولا يَجُوزُ هاهُنا تَشْدِيدُ الصّادِ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: والمَعْنى: أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ بِالبَعْثِ؟

وقَرَأ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ القاضِي عَنْ حَمْزَةَ: "المُصَدِّقِينَ" بِتَشْدِيدِ الصّادِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أإنّا لَمَدِينُونَ ﴾ أيْ: مَجْزِيُّونَ بِأعْمالِنا؛ يُقالُ: دِنْتُهُ بِما صَنَعَ، أيْ: جازَيْتُهُ.

فَأحَبَّ المُؤْمِنُ أنْ يَرى قَرِينَةَ الكافِرِ، فَقالَ لِأهْلِ الجَنَّةِ: ﴿ هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ ﴾ أيْ: هَلْ تُحِبُّونَ الِاطِّلاعَ إلى النّارِ لِتَعْلَمُوا أيْنَ مَنزِلَتُكم مِن مَنزِلَةِ أهْلِها؟

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، وأبُو عِمْرانَ، وابْنُ يَعْمُرَ: "هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ" بِإسْكانِ الطّاءِ وتَخْفِيفِها ﴿ فاطَّلَعَ ﴾ بِهَمْزَةٍ مَرْفُوعَةٍ وسُكُونِ الطّاءِ.

وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "مُطَّلِعُونَ" بِكَسْرِ النُّونِ.

قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: اطَّلَعَ ثُمَّ التَفَتَ إلى أصْحابِهِ فَقالَ: لَقَدْ رَأيْتُ جَماجِمَ القَوْمِ تَغْلِي؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وذَلِكَ أنَّ في الجَنَّةِ كُوًى يَنْظُرُ مِنها أهْلُها إلى النّارِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَرَآهُ ﴾ يَعْنِي قَرِينَةَ الكافِرِ ﴿ فِي سَواءِ الجَحِيمِ ﴾ أيْ: في وسَطِها.

وقِيلَ: إنَّما سُمِّيَ الوَسَطُ سَواءً، لِاسْتِواءِ المَسافَةِ مِنهُ إلى الجَوانِبِ.

قالَ خُلَيْدُ العَصْرِيُّ: واللَّهِ لَوْلا أنَّ اللَّهَ عَرَّفَهُ إيّاهُ، ما عَرَفَهُ، لَقَدْ تَغَيَّرَ حَبْرُهُ وسَبَرُهُ.

فَعِنْدَ ذَلِكَ ﴿ قالَ تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْناهُ: واللَّهِ ما كِدْتُ إلّا تُهْلِكَنِي؛ يُقالُ أرْدَيْتُ فَلانًا، أيْ: أهْلَكْتُهُ.

﴿ وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي ﴾ أيْ: إنْعامُهُ عَلَيَّ بِالإسْلامِ ﴿ لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ ﴾ مَعَكَ في النّارِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ إذا ذَبَحَ المَوْتَ، قالَ أهْلُ الجَنَّةِ: "أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ، إلّا مَوْتَتَنا الأوْلى" الَّتِي كانَتْ في الدُّنْيا ﴿ وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ﴾ ؟

فَيُقالُ لَهُمْ: لا؛ فَعِنْدَ ذَلِكَ قالُوا: ﴿ إنَّ هَذا لَهو الفَوْزُ العَظِيمُ ﴾ ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعالى: ﴿ لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ ﴾ ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

وقِيلَ: يَقُولُ ذَلِكَ لِلْمَلائِكَةِ.

والثّانِي: أنَّهُ قَوْلُهُ المُؤْمِنُ لِأصْحابِهِ، فَقالُوا لَهُ: إنَّكَ لا تَمُوتُ، فَقالَ: "إنَّ هَذا لَهْوَ الفَوْزُ العَظِيمُ" قالَهُ مُقاتِلٌ.

وقالَ أبُو سُفْيانَ الدِّمَشْقِيُّ: إنَّما خاطَبَ المُؤْمِنُ أهْلَ الجَنَّةِ بِهَذا عَلى طَرِيقِ الفَرَحِ بِدَوامِ النَّعِيمِ، لا عَلى طَرِيقِ الِاسْتِفْهامِ، لِأنَّهُ قَدْ عَلِمَ أنَّهم لَيْسُوا بِمَيِّتِينَ، ولَكِنْ أعادَ الكَلامَ لِيَزْدادَ بِتَكْرارِهِ عَلى سَمْعِهِ سُرُورًا.

والثّالِثُ: أنَّهُ قَوْلُ المُؤْمِنِ لِقَرِينِهِ الكافِرِ عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ بِما كانَ يُنْكِرُهُ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِمِثْلِ هَذا ﴾ يَعْنِي النَّعِيمُ الَّذِي ذَكَرَهُ في قَوْلِهِ: ﴿ أُولَئِكَ لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ  ﴾ ﴿ فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ ﴾ ، وهَذا تَرْغِيبٌ في طَلَبِ ثَوابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِطاعَتِهِ.

<div class="verse-tafsir"

أَذَٰلِكَ خَيْرٌۭ نُّزُلًا أَمْ شَجَرَةُ ٱلزَّقُّومِ ٦٢ إِنَّا جَعَلْنَـٰهَا فِتْنَةًۭ لِّلظَّـٰلِمِينَ ٦٣ إِنَّهَا شَجَرَةٌۭ تَخْرُجُ فِىٓ أَصْلِ ٱلْجَحِيمِ ٦٤ طَلْعُهَا كَأَنَّهُۥ رُءُوسُ ٱلشَّيَـٰطِينِ ٦٥ فَإِنَّهُمْ لَـَٔاكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِـُٔونَ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ ٦٦ ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًۭا مِّنْ حَمِيمٍۢ ٦٧ ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى ٱلْجَحِيمِ ٦٨ إِنَّهُمْ أَلْفَوْا۟ ءَابَآءَهُمْ ضَآلِّينَ ٦٩ فَهُمْ عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِمْ يُهْرَعُونَ ٧٠ وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ ٱلْأَوَّلِينَ ٧١ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِم مُّنذِرِينَ ٧٢ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُنذَرِينَ ٧٣ إِلَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ ٧٤

﴿ أذَلِكَ خَيْرٌ ﴾ يُشِيرُ إلى ما وُصِفَ لِأهْلِ الجَنَّةِ ﴿ نُزُلا ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: رِزْقًا، ومِنهُ: إقامَةُ الإنْزالِ، وإنْزالُ الجُنُودِ: أرْزاقُها.

وقالَ الزَّجّاجُ: النُّزُلُ هاهُنا: الرِّيْعُ والفَضْلُ، يُقالُ: هَذا طَعامٌ لَهُ نُزْلٌ ونُزُلٌ، بِتَسْكِينِ الزّايِ وضَمِّها؛ والمَعْنى: أذَلِكَ خَيْرٌ في بابِ الأنْزالِ الَّتِي تُتَقَوَّتُ ويُمْكِنُ مَعَها الإقامَةُ، أمْ نُزُلَ أهْلِ النّارِ؟!

وهو قَوْلُهُ: ﴿ أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ ﴾ ؟

.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ هَلْ هَذِهِ الشَّجَرَةُ في الدُّنْيا، أمْ لا؟

فَقالَ قُطْرُبٌ: هي شَجَرَةٌ مُرَّةٌ تَكُونُ بِأرْضِ تِهامَةِ مِن أخْبَثِ الشَّجَرِ.

وقالَ غَيْرُهُ: الزَّقُّومُ: ثَمَرَةُ شَجَرَةٍ كَرِيهَةِ الطَّعْمِ.

وقِيلَ: إنَّها لا تُعْرَفُ في شَجَرِ الدُّنْيا، وإنَّما هي في النّارِ، يُكْرَهُ أهْلُ النّارِ عَلى تَناوُلِها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ ﴾ يَعْنِي لِلْكافِرِينَ.

وفي المُرادِ بِالفِتْنَةِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّها في النّارِ، افْتَتَنُوا وكَذَّبُوا، فَقالُوا: كَيْفَ يَكُونُ فِي النّارِ شَجَرَةٌ، والنّارُ تَأْكُلُ الشَّجَرَ؟!

فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ قَتادَةُ.

وقالَ السُّدِّيُّ: فِتْنَةٌ لِأبِي جَهْلٍ وأصْحابِهِ.

والثّانِي: أنَّ الفِتْنَةَ بِمَعْنى العَذابِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّالِثُ: أنَّ الفِتْنَةَ بِمَعْنى الِاخْتِبارِ، اخْتُبِرُوا بِها فَكُذِّبُوا، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَخْرُجُ في أصْلِ الجَحِيمِ ﴾ أيْ: في قَعْرِ النّارِ.

قالَ الحَسَنُ: أصْلُها في قَعْرِ النّارِ، وأغْصانِها تَرْتَفِعُ إلى دَرْكاتِها.

﴿ طَلْعُها ﴾ أيْ: ثَمَرُها، وسُمِّي طَلْعًا، لِطُلُوعَةِ ﴿ كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَّياطِينِ ﴾ .

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ شَبَّهَها بِشَيْءٍ لَمْ يُشاهَدْ؟

فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ.

أحَدُها: أنَّهُ قَدِ اسْتَقَرَّ في النُّفُوسِ قُبْحُ الشَّياطِينِ -وَإنْ لَمْ تُشاهَدْ- فَجازَ تَشْبِيهُها بِما قَدْ عَلِمَ قُبْحَهُ، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: أيَقْتُلُنِي والمَشْرَفِيُّ مُضاجِعِي ومَسْنُونَةٌ زُرْقٌ كَأنْيابِ أغْوالِ قالَ الزَّجّاجُ: هو لَمْ يَرَ الغُولَ ولا أنْيابَها، ولَكِنَّ التَّمْثِيلَ بِما يُسْتَقْبَحُ أبْلَغُ في بابِ المُذَكّرِ أنْ يُمَثَّلَ بِالشَّياطِينِ، وفي بابِ المُؤَنَّثِ أنْ يُشَبَّهَ بِالغُولِ.

والثّانِي: أنَّ بَيْنَ مَكَّةَ واليَمَنَ شَجَرٌ يُسَمّى: رُؤُوسُ الشَّياطِينِ، فَشَبَّهَها بِها، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ أرادَ بِالشَّياطِينِ: حَيّاتٌ لَها رُؤُوسُ ولَها أعْرافٌ، شَبَّهَ طَلْعَها بِرُؤُوسِ الحَيّاتِ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.

قالَ الفَرّاءُ: والعَرَبُ تُسَمِّي بَعْضَ الحَيّاتِ شَيْطانًا، وهو حَيَّةٌ ذُو عُرْفٍ قَبِيحِ الوَجْهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّهم لآكِلُونَ مِنها ﴾ أيْ: مِن ثَمَرِها ﴿ فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ ﴾ وذَلِكَ أنَّهم يُكْرَهُونَ عَلى أكْلِها حَتّى تَمْتَلِئَ بُطُونُهم.

﴿ ثُمَّ إنَّ لَهم عَلَيْها لَشَوْبًا مِن حَمِيمٍ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: خَلْطا مِنَ الماءِ الحارِّ يَشْرَبُونَهُ عَلَيْها.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: تَقُولُ العَرَبُ: كُلُّ شَيْءٍ خَلَطْتَهُ بِغَيْرِهِ فَهو مَشُوبٌ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: إذا أكَلُوا الزَّقُّومَ ثُمَّ شَرِبُوا عَلَيْهِ الحَمِيمَ، شابَ الحَمِيمُ الزَّقُّومَ في بُطُونِهِمْ فَصارَ شَوْبًا لَهُ.

﴿ ثُمَّ إنَّ مَرْجِعَهُمْ ﴾ أيْ: بَعْدَ أكْلِ الزَّقُّومِ وشُرْبِ الحَمِيمِ ﴿ لإلى الجَحِيمِ ﴾ وذَلِكَ أنَّ الحَمِيمَ خارِجُ الجَحِيمِ، فَهم يُورِدُونَهُ كَما تُورَدُ الإبِلُ الماءَ، ثُمَّ يُرَدُّونَ إلى الجَحِيمِ؛ ويَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُهُ: ﴿ يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ  ﴾ .

و ﴿ ألْفَوْا ﴾ بِمَعْنى وجَدُوا.

و ﴿ يُهْرَعُونَ ﴾ مَشْرُوحٌ في [هُودَ: ٧٨]، والمَعْنى أنَّهم يَتَّبِعُونَ آَباءَهم في سُرْعَةٍ.

﴿ وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ ﴾ أيْ: قَبْلَ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ ﴿ أكْثَرُ الأوَّلِينَ ﴾ مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ ﴾ يُعْنى المُوَحِّدِينَ، فَإنَّهم نَجَوْا مِنَ العَذابِ.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وإنَّما حَسُنَ الِاسْتِثْناءُ، لِأنَّ المَعْنى: فانْظُرْ كَيْفَ أهْلَكْنا المُنْذِرِينَ إلّا عِبادَ اللَّهِ.

<div class="verse-tafsir"

وَلَقَدْ نَادَىٰنَا نُوحٌۭ فَلَنِعْمَ ٱلْمُجِيبُونَ ٧٥ وَنَجَّيْنَـٰهُ وَأَهْلَهُۥ مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ ٧٦ وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُۥ هُمُ ٱلْبَاقِينَ ٧٧ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى ٱلْـَٔاخِرِينَ ٧٨ سَلَـٰمٌ عَلَىٰ نُوحٍۢ فِى ٱلْعَـٰلَمِينَ ٧٩ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ ٨٠ إِنَّهُۥ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ ٨١ ثُمَّ أَغْرَقْنَا ٱلْـَٔاخَرِينَ ٨٢

﴿ وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ ﴾ أيْ دَعانا.

وفي دُعائِهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ دَعا مُسْتَنْصِرًا عَلى قَوْمِهِ.

والثّانِي: أنْ يُنْجِيَهُ مِنَ الغَرَقِ ﴿ فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ ﴾ نَحْنُ؛ والمَعْنى: إنّا أنْجَيْناهُ وأهْلَكْنا قَوْمَهُ.

وَفِي ﴿ الكَرْبِ العَظِيمِ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: [أنَّهُ] الغَرَقُ.

والثّانِي: أذى قَوْمِهِ.

﴿ وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الباقِينَ ﴾ \[وَذَلِكَ\] أنَّ نَسْلَ [أهْلِ] السَّفِينَةِ انْقَرَضُوا غَيْرُ نَسْلِ ولَدِهِ، فالنّاسُ كُلُّهم مِن ولَدِ نُوحٍ، ﴿ وَتَرَكْنا عَلَيْهِ ﴾ أيْ: تَرَكْنا عَلَيْهِ ذِكْرًا جَمِيلًا ﴿ فِي الآخِرِينَ ﴾ وهُمُ الَّذِينَ جاؤُوا بَعْدَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.

قالَ الزَّجّاجُ: وذَلِكَ الذِّكْرُ الجَمِيلُ قَوْلُهُ: ﴿ سَلامٌ عَلى نُوحٍ في العالَمِينَ ﴾ وهُمُ الَّذِينَ جاؤُوا مِن بَعْدِهِ؛ والمَعْنى: تَرْكَنا عَلَيْهِ أنْ يُصَلّى عَلَيْهِ في الآَخَرِينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.

﴿ إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: جَزاهُ اللَّهُ بِإحْسانِهِ الثَّناءَ الحَسَنَ في العالَمِينَ.

<div class="verse-tafsir"

۞ وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِۦ لَإِبْرَٰهِيمَ ٨٣ إِذْ جَآءَ رَبَّهُۥ بِقَلْبٍۢ سَلِيمٍ ٨٤ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِۦ مَاذَا تَعْبُدُونَ ٨٥ أَئِفْكًا ءَالِهَةًۭ دُونَ ٱللَّهِ تُرِيدُونَ ٨٦ فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ٨٧ فَنَظَرَ نَظْرَةًۭ فِى ٱلنُّجُومِ ٨٨ فَقَالَ إِنِّى سَقِيمٌۭ ٨٩ فَتَوَلَّوْا۟ عَنْهُ مُدْبِرِينَ ٩٠ فَرَاغَ إِلَىٰٓ ءَالِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ ٩١ مَا لَكُمْ لَا تَنطِقُونَ ٩٢ فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًۢا بِٱلْيَمِينِ ٩٣ فَأَقْبَلُوٓا۟ إِلَيْهِ يَزِفُّونَ ٩٤ قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ ٩٥ وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ٩٦ قَالُوا۟ ٱبْنُوا۟ لَهُۥ بُنْيَـٰنًۭا فَأَلْقُوهُ فِى ٱلْجَحِيمِ ٩٧ فَأَرَادُوا۟ بِهِۦ كَيْدًۭا فَجَعَلْنَـٰهُمُ ٱلْأَسْفَلِينَ ٩٨ وَقَالَ إِنِّى ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّى سَيَهْدِينِ ٩٩ رَبِّ هَبْ لِى مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ ١٠٠ فَبَشَّرْنَـٰهُ بِغُلَـٰمٍ حَلِيمٍۢ ١٠١

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّ مِن شِيعَتِهِ لإبْراهِيمَ ﴾ أيْ: مِن أهْلِ دِينِهِ ومِلَّتِهِ.

والهاءُ في "شِيعَتِهِ" عائِدَةٌ عَلى نُوحٍ في قَوْلِ الأكْثَرِينَ؛ وقالَ ابْنُ السّائِبِ: تَعُودُ إلى مُحَمَّدٍ  ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ مِن شِيعَتِهِ، وهو قَبْلَهُ؟

فالجَوابُ: أنَّهُ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿ حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ  ﴾ ، فَجَعَلَها ذُرِّيَّتَهم وقَدْ سَبَقَتْهُمْ، وقَدْ شَرَحْنا هَذا فِيما مَضى [يس: ٤١] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ جاءَ رَبَّهُ ﴾ أيْ: صَدَقَ اللَّهُ وآَمَنَ بِهِ ﴿ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ مِنَ الشِّرْكِ وكُلُّ دَنَسٍ، وفِيهِ أقْوالٌ ذَكَرْناها في [الشُّعَراءِ: ٨٩] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ماذا تَعْبُدُونَ ﴾ ؟

هَذا اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ، كَأنَّهُ وبَّخَهم عَلى عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ.

﴿ أإفْكًا ﴾ أيْ: أتَأْفِكُونَ إفْكًا وتَعْبُدُونَ آَلِهَةً سِوى اللَّهِ؟!

﴿ فَما ظَنُّكم بِرَبِّ العالَمِينَ ﴾ إذا لَقِيتُمُوهُ وقَدْ عَبَدْتُمْ غَيْرَهُ؟!

كَأنَّهُ قالَ: فَما ظَنُّكم أنْ يَصْنَعَ بِكُمْ؟

﴿ فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: [أنَّهُ] نَظَرَ في عِلْمِ النُّجُومِ، وكانَ القَوْمُ يَتَعاطَوْنَ عِلْمَ النُّجُومِ، فَعامَلَهم مِن حَيْثُ هُمْ، وأراهم أنِّي أعْلَمُ مِن ذَلِكَ ما تَعْلَمُونَ، لِئَلّا يُنْكِرُوا عَلَيْهِ ذَلِكَ.

قالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: رَأى نَجْمًا طالِعًا، فَقالَ: إنِّي مَرِيضٌ غَدًا.

والثّانِي: أنَّهُ نَظَرَ إلى النُّجُومِ، لا في عِلْمِها.

فَإنْ قِيلَ: فَما كانَ مَقْصُودُهُ؟

فالجَوابُ: أنَّهُ كانَ لَهم عِيدٌ، فَأرادَ التَّخَلُّفَ عَنْهم لِيَكِيدَ أصْناهُمْ، فاعْتَلَّ بِهَذا القَوْلِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنِّي سَقِيمٌ ﴾ مِن مَعارِيضِ الكَلامِ.

ثُمَّ فِيهِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: أنَّ مَعْناهُ: سَأسْقُمُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: أعْلَمَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّهُ يَمْتَحِنُهُ بِالسَّقَمِ إذا طَلَعَ نَجْمٌ يَعْرِفُهُ، فَلَمّا رَأى النَّجْمَ، عَلِمَ أنَّهُ سَيَسْقُمُ.

والثّانِي: أنِّي سَقِيمُ القَلْبِ عَلَيْكم إذْ تَكَهَّنْتُمْ بِنُجُومٍ لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

والثّالِثُ: أنَّهُ سَقَمٌ لِعِلَّةٍ عَرَضَتْ لَهُ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

وذَكَرَ السُّدِّيُّ أنَّهُ خَرَجَ مَعَهم إلى يَوْمِ عِيدِهِمْ، فَلَمّا كانَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ، ألْقى نَفْسَهُ وقالَ: إنِّي سَقِيمٌ أشْتَكِي رِجْلِي، ﴿ فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ ﴾ ﴿ فَراغَ إلى آلِهَتِهِمْ ﴾ أيْ: مالَ إلَيْها -وَكانُوا قَدْ جَعَلُوا بَيْنَ يَدَيْها طَعامًا لِتُبارِكَ فِيهِ عَلى زَعْمِهِمْ- ﴿ فَقالَ ﴾ إبْراهِيمُ اسْتِهْزاءً بِها ﴿ ألا تَأْكُلُونَ ﴾ ؟

.

وَقَوْلُهُ: ﴿ ضَرْبًا بِاليَمِينِ ﴾ في اليَمِينِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: أنَّها اليَدُ اليُمْنى، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والثّانِي: بِالقُوَّةِ والقُدْرَةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ، والفَرّاءُ.

والثّالِثُ: بِاليَمِينِ الَّتِي سَبَقَتْ مِنهُ، وهي قَوْلُهُ: "وَتاللَّهِ لِأكِيدَنَّ أصْنامَكم " [الأنْبِياءِ: ٥٧]، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

قالَ الزَّجّاجُ: "ضَرْبًا" مَصْدَرٌ؛ والمَعْنى: فَمالَ عَلى الأصْنامِ يَضْرِبُها ضَرْبًا بِاليَمِينِ؛ وإنَّما قالَ: "عَلَيْهِمْ"، وهي أصْنامٌ، لِأنَّهم جَعَلُوها بِمَنزِلَةِ ما يُمَيِّزُ.

﴿ فَأقْبَلُوا إلَيْهِ يَزِفُّونَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ: "يَزُفُّونَ" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ وتَشْدِيدِ الفاءِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ: "يَزُفُّونَ" بِرَفْعِ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ وتَشْدِيدِ الفاءِ.

وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، والضَّحّاكُ: "يَزُفُّونَ" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ وتَخْفِيفِ الفاءِ.

وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وأبُو نَهْيِكٍ: "يَزُفُّونَ" بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الزّايِ وتَخْفِيفِ الفاءِ.

قالَ الزَّجّاجُ: أعْرَبُ القِراءاتِ فَتْحُ الياءِ وتَشْدِيدُ الفاءِ، وأصْلُهُ مِن زَفِيفِ النَّعامِ، وهو ابْتِداءُ عَدُوُّ النَّعامِ، يُقالُ: زَفَّ النَّعامَ يَزِفُّ؛ وأمّا ضَمُّ الياءِ، فَمَعْناهُ: يَصِيرُونَ إلى الزَّفِيفِ، وأنْشَدُوا: [تَمَنّى حَصِينٌ أنْ يَسُودَ جِذاعَهُ] فَأضْحى حَصِينٌ قَدْ أذَلَّ وأقْهَرا أيْ: صارَ إلى القَهْرِ.

وأمّا كَسْرُ الزّايِ مَعَ تَخْفِيفِ الفاءِ، فَهو مِن: وزُفَّ يَزُفُّ، بِمَعْنى أسْرَعَ يُسْرِعُ، ولَمْ يَعْرِفْهُ الكِسائِيُّ ولا الفَرّاءُ، وعَرَفَهُ غَيْرُهُما.

قالَ المُفَسِّرُونَ: بَلَّغَهم ما صَنَعَ إبْراهِيمُ، فَأسْرَعُوا، فَلَمّا انْتَهَوْا إلَيْهِ، قالَ لَهم مُحْتَجًّا عَلَيْهِمْ: ﴿ أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ ﴾ بِأيْدِيكم ﴿ واللَّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ ﴾ ؟!، قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: في "ما" وجْهانِ.

أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ بِمَعْنى المَصْدَرِ، فَيَكُونُ المَعْنى: واللَّهُ خَلَقَكم و[عَمَلَكم.

والثّانِي: أنْ تَكُونَ بِمَعْنى "الَّذِي"، فَيَكُونُ المَعْنى: واللَّهُ خَلَقَكُمْ] وخَلْقَ الَّذِي تَعْمَلُونَهُ بِأيْدِيكم مِنَ الأصْنامِ؛ وفي هَذِهِ الآَيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ أفْعالَ العِبادِ مَخْلُوقَةٌ [لِلَّهِ] .

فَلَمّا لَزِمَتْهُمُ الحُجَّةُ ﴿ قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيانًا ﴾ وقَدْ شَرَحْنا قِصَّتَهُ في سُورَةِ [الأنْبِياءِ: ٥٢ -٧٤]، وبَيَّنّا مَعْنى الجَحِيمِ في [البَقَرَةِ: ١١٩]، والكَيْدِ الَّذِي أرادُوا بِهِ: إحْراقَهُ.

وَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ فَجَعَلْناهُمُ الأسْفَلِينَ ﴾ أنَّ إبْراهِيمَ عَلاهم بِالحُجَّةِ حَيْثُ سَلَّمَهُ اللَّهُ مِن كَيْدِهِمْ وحَلَّ الهَلاكُ بِهِمْ.

﴿ وَقالَ ﴾ يَعْنِي إبْراهِيمَ ﴿ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي ﴾ في هَذا الذِّهابِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ ذاهِبُ حَقِيقَةً، وفي وقْتِ قَوْلِهِ هَذا قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ حِينَ أرادَ هِجْرَةَ قَوْمِهِ؛ فالمَعْنى: إنِّي ذاهِبٌ إلى حَيْثُ أمَرَنِي رَبِّي عَزَّ وجَلَّ ﴿ سَيَهْدِينِ ﴾ إلى حَيْثُ أمَرَنِي، وهو الشّامُ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.

والثّانِي: حِينَ أُلْقِيَ في النّارِ، قالَهُ سُلَيْمانُ بْنُ صُرَدٍ؛ فَعَلى هَذا، في المَعْنى قَوْلانِ.

أحَدُهُما: ذاهِبٌ إلى اللَّهِ بِالمَوْتِ، سَيَهْدِينِ إلى الجَنَّةِ.

والثّانِي: [ذاهِبٌ] إلى ما قَضى [بِهِ] رَبِّي، سَيَهْدِينِ إلى الخَلاصِ مِنَ النّارِ.

والقَوْلُ الثّانِي: إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي بِقَلْبِي وعَمَلِي ونِيَّتِي، قالَهُ قَتادَةُ.

فَلَمّا قَدِمَ الأرْضَ المُقَدَّسَةَ، سَألَ رَبَّهُ الوَلَدَ فَقالَ: ﴿ رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ ﴾ أيْ: ولَدًا صالِحًا مِنَ الصّالِحِينَ، فاجْتَزَأ بِما ذَكَرَ عَمّا تَرَكَ، ومِثْلُهُ: ﴿ وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ  ﴾ ، فاسْتَجابَ لَهُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ إسْحاقُ.

والثّانِي: أنَّهُ إسْماعِيلُ.

قالَ الزَّجّاجُ.

هَذِهِ البِشارَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ مُبَشَّرٌ بِابْنٍ ذِكْرٍ، وأنَّهُ يَبْقى حَتّى يَنْتَهِيَ في السِّنِّ ويُوَصَفُ بِالحِلْمِ.

<div class="verse-tafsir"

فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْىَ قَالَ يَـٰبُنَىَّ إِنِّىٓ أَرَىٰ فِى ٱلْمَنَامِ أَنِّىٓ أَذْبَحُكَ فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَـٰٓأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِىٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّـٰبِرِينَ ١٠٢ فَلَمَّآ أَسْلَمَا وَتَلَّهُۥ لِلْجَبِينِ ١٠٣ وَنَـٰدَيْنَـٰهُ أَن يَـٰٓإِبْرَٰهِيمُ ١٠٤ قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّءْيَآ ۚ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ ١٠٥ إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْبَلَـٰٓؤُا۟ ٱلْمُبِينُ ١٠٦ وَفَدَيْنَـٰهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍۢ ١٠٧ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى ٱلْـَٔاخِرِينَ ١٠٨ سَلَـٰمٌ عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ ١٠٩ كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ ١١٠ إِنَّهُۥ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ ١١١ وَبَشَّرْنَـٰهُ بِإِسْحَـٰقَ نَبِيًّۭا مِّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ ١١٢ وَبَـٰرَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰٓ إِسْحَـٰقَ ۚ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌۭ وَظَالِمٌۭ لِّنَفْسِهِۦ مُبِينٌۭ ١١٣

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: أنَّ المُرادَ بِالسَّعْيِ هاهُنا: العَمَلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ المَشْيُ، والمَعْنى: مَشى مَعَ أبِيهِ، قالَهُ قَتادَةُ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: بَلَغَ أنْ يَنْصَرِفَ مَعَهُ ويُعَيِّنَهُ.

قالَ ابْنُ السّائِبِ: كانَ ابْنُ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةٍ.

والثّالِثُ: أنَّ المُرادَ بِالسَّعْيِ: العِبادَةُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ؛ فَعَلى هَذا، يَكُونُ قَدْ بَلَغَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ ﴾ أكْثَرُ العُلَماءِ عَلى أنَّهُ لَمْ يَرَ أنَّهُ ذَبَحَهُ في المَنامِ، وإنَّما المَعْنى أنَّهُ أُمِرَ في المَنامِ بِذَبْحِهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ ﴾ .

وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّهُ رَأى أنَّهُ يُعالِجُ ذَبْحَهُ، ولَمْ يَرَ إراقَةَ الدَّمِ قالَ قَتادَةُ: ورُؤْيا الأنْبِياءِ حَقٌّ، إذا رَأوْا شَيْئًا، فَعَلُوهُ.

وذَكَرَ السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ أنَّهُ لَمّا بَشَّرَ جِبْرِيلُ سارَّةَ بِالوَلَدِ، قالَ إبْراهِيمَ: هو إذًا لِلَّهِ ذَبِيحٌ، فَلَمّا فَرَغَ مِن بُنْيانِ البَيْتِ، أُتِيَ في المَنامِ، فَقِيلَ لَهُ: أوْفِ بِنَذْرِكَ.

واخْتَلَفُوا في الذَّبِيحِ عَلى قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: [أنَّهُ] إسْحاقُ، قالَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، والعَبّاسُ ابْنُ عَبْدِ المَطَّلِبِ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وأنَسٌ، وكَعْبُ الأحْبارِ، ووَهَبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، [وَمَسْرُوقٌ]، وعَبِيدُ بْنُ عُمَيْرٍ، والقاسِمُ ابْنُ أبِي بَزَّةَ، ومُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ، واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

وهَؤُلاءِ يَقُولُونَ: كانَتْ هَذِهِ القِصَّةُ بِالشّامِ.

وقِيلَ: طُوِيَتْ لَهُ الأرْضُ حَتّى حَمَلَهُ إلى المَنحَرِ بِمِنًى في ساعَةٍ.

والثّانِي: أنَّهُ إسْماعِيلُ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ، والحَسَنُ البَصْرِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، والشَّعْبِيُّ، ومُجاهِدٌ، ويُوسُفُ بْنُ مَهْرانَ، وأبُو صالِحٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سِابِطٍ.

واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، فَرَوى عَنْهُ عِكْرِمَةُ أنَّهُ إسْحاقُ، ورَوى عَنْهُ عَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، والشَّعْبِيُّ، وأبُو الجَوْزاءِ، ويُوسُفُ بْنُ مَهْرانِ أنَّهُ إسْماعِيلُ، ورَوى عَنْهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ كالقَوْلَيْنِ.

وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةَ، والزُّهْرِيِّ، وقَتادَةِ، والسُّدِّيِّ رِوايَتانِ.

وكَذَلِكَ عَنْ أحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رِوايَتانِ.

ولِكُلِّ قَوْمٍ حُجَّةٌ لَيْسَ هَذا مَوْضِعُها، وأصْحابُنا يَنْصُرُونَ القَوْلَ الأوَّلَ.

الإشارَةُ إلى قِصَّةِ الذَّبْحِ ذَكَرَ أهْلُ العِلْمِ بِالسَّيْرِ والتَّفْسِيرِ أنَّ إبْراهِيمَ لَمّا أرادَ ذَبْحَ ولَدِهِ، قالَ لَهُ: انْطَلِقْ فَنُقَرِّبَ قُرْبانًا إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، فَأخَذَ سِكِّينًا وحَبْلًا، ثُمَّ انْطَلَقَ، حَتّى إذا ذَهَبا بَيْنَ الجِبالِ، قالَ لَهُ الغُلامُ: يا أبَتِ أيْنَ قُرْبانُكَ؟

قالَ: يا بُنَيَّ إنِّي رَأيْتُ في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ، فَقالَ لَهُ: اشْدُدْ رِباطِي حَتّى لا أضْطَرِبَ، واكْفُفْ عَنِّي ثِيابَكَ حَتّى لا يَنْتَضِحَ عَلَيْكَ مِن دَمِي فَتَراهُ أُمِّي فَتَحْزَنَ، وأسْرِعْ مَرَّ السِّكِّينِ عَلى حَلْقِي لِيَكُونَ أهْوَنَ لِلْمَوْتِ عَلَيَّ، فَإذا أتَيْتَ أُمِّي فاقْرَأْ عَلَيْها السَّلامَ مِنِّي؛ فَأقْبَلَ عَلَيْهِ إبْراهِيمُ يُقَبِّلُهُ ويَبْكِي ويَقُولُ: نِعْمَ العَوْنُ أنْتَ يا بُنَيَّ عَلى أمْرِ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، ثُمَّ إنَّهُ أمْرَّ السِّكِّينَ عَلى حَلْقِهِ فَلَمْ يَحْكِ شَيْئًا.

وقالَ مُجاهِدٌ: لَمّا أمَرَّها عَلى حَلْقِهِ انْقَلَبَتْ، فَقالَ: مالِكٌ؟

انْقَلَبَتْ، قالَ: اطْعَنْ بِها طَعْنًا.

وقالَ السُّدِّيُّ: ضَرَبَ اللَّهُ عَلى حَلْقِهِ صَفِيحَةً مِن نُحاسٍ؛ وهَذا لا يُحْتاجُ إلَيْهِ، بَلْ مَنعُها بِالقُدْرَةِ أبْلَغُ.

قالُوا: فَلَمّا طَعَنَ بِها، نَبَتَ، وعِلْمَ اللَّهُ مِنهُما الصِّدْقَ في التَّسْلِيمِ، فَنُودِيَ: يا إبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا، هَذا فِداءُ ابْنِكَ؛ فَنَظَرَ إبْراهِيمُ، فَإذا جِبْرِيلُ مَعَهُ كَبْشٌ أمْلَحُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فانْظُرْ ماذا تَرى ﴾ لَمْ يُقُلْ لَهُ ذَلِكَ عَلى وجْهِ المُؤامَرَةِ في أمْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ولَكِنْ أرادَ أنْ يَنْظُرَ ما عِنْدَهُ مِنَ الرَّأْيِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلْفٌ: "ماذا تُرِي" بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الرّاءِ؛ وفِيها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: ماذا تُرِينِي مَن صَبْرِكَ أوْ جَزَعِكَ، قالَهُ الفَرّاءُ.

والثّانِي: ماذا تَبَيَّنَ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

وقالَ غَيْرُهُ: ماذا تُشِيرُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: افْعَلْ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن ذَبْحِي ﴿ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ ﴾ عَلى البَلاءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا أسْلَما ﴾ أيِ: اسْتَسْلَما لِأمْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَأطاعا ورَضِيا.

وقَرَأ عَلِيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والأعْمَشُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "فَلَمّا سَلَّما" بِتَشْدِيدِ اللّامِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ قَبْلَ السِّينِ؛ والمَعْنى: سَلَّما لِأمْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

وَفِي جَوابِ قَوْلِهِ: "فَلَمّا أسْلَما" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ جَوابَهُ: "وَنادَيْناهُ"، والواوُ زائِدَةٌ، قالَهُ الفَرّاءُ.

والثّانِي: أنَّ الجَوابَ مَحْذُوفٌ لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلَيْهِ؛ والمَعْنى: فَلَمّا فَعَلَ ذَلِكَ، سَعِدَ وأجْزَلَ ثَوابَهُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: صَرَعَهُ عَلى جَبِينِهِ فَصارَ أحَدُ جَبِينَيْهِ عَلى الأرْضِ، وهُما جَبِينانِ والجَبْهَةُ بَيْنَهُما، وهي ما أصابَ الأرْضَ في السُّجُودِ، والنّاسُ لا يَكادُونَ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الجَبِينِ والجَبْهَةِ، فالجَبْهَةُ مَسْجِدُ الرَّجُلِ الَّذِي يُصِيبُهُ نَدَبُ السُّجُودِ، والجَبِينانِ يَكْتَنِفانِها، مِن كُلِّ جانِبٍ جَبِينٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنادَيْناهُ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: نُودِيَ مِنَ الجَبَلِ: ﴿ يا إبْراهِيمُ ﴾ ﴿ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: قَدْ عَمِلَتَ ما أُمِرْتَ، وذَلِكَ أنَّهُ قَصَدَ الذَّبْحَ بِما أمْكَنَهُ، وطاوَعَهُ الِابْنُ بِالتَّمْكِينِ مِنَ الذَّبْحِ، إلّا أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ صَرَفَ ذَلِكَ كَما شاءَ، فَصارَ كَأنَّهُ قَدْ ذَبَحَ وإنْ لَمْ يَتَحَقَّقِ الذَّبْحُ.

والثّانِي: أنَّهُ رَأى في المَنامِ مُعالَجَةَ الذَّبْحِ، ولَمْ يَرَ إراقَةَ الدَّمِ، فَلَمّا فَعَلَ في اليَقَظَةِ ما رَأى في المَنامِ، قِيلَ لَهُ: "قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا" .

وَقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ، وأبُو عِمْرانَ، والجَحْدَرِيُّ: "قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا" بِتَخْفِيفِ الدّالِ، وهاهُنا تَمَّ الكَلامُ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ إنّا كَذَلِكَ ﴾ أيْ: كَما ذَكَرْنا مِنَ العَفْوِ مِن ذَبْحِ ولَدِهِ ﴿ نَجْزِي المُحْسِنِينَ ﴾ .

﴿ إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ ﴾ في ذَلِكَ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: النِّعَمُ البَيِّنَةُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: الِاخْتِبارُ العَظِيمُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

فَعَلى الأوَّلِ، يَكُونُ قَوْلُهُ هَذا إشارَةً إلى العَفْوِ عَنِ الذَّبْحِ.

وعَلى الثّانِي، يَكُونُ إشارَةً إلى امْتِحانِهِ بِذَبْحِ ولَدِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَفَدَيْناهُ ﴾ يَعْنِي: الذَّبِيحَ ﴿ بِذِبْحٍ ﴾ وهو بِكَسْرِ الذّالِ: اسْمُ ما ذُبِحَ، وبِفَتْحِ الذّالِ: مَصْدَرُ ذَبَحْتُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

ومَعْنى الآَيَةِ: خَلَّصْناهُ مِنَ الذَّبْحِ بِأنْ جَعْلَنا الذَّبْحَ فِداءً لَهُ.

وفي هَذا الذَّبْحِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ كانَ كَبْشًا أقْرَنَ قَدْ رَعى في الجَنَّةِ قَبْلَ ذَلِكَ أرْبَعِينَ عامًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ مُجاهِدٍ، وقالَ في رِوايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: هو الكَبْشُ الَّذِي قَرَّبَهُ ابْنُ آَدَمَ فَتُقُبِّلَ مِنهُ، كانَ في الجَنَّةِ حَتّى فُدِيَ بِهِ.

والثّانِي: أنَّ إبْراهِيمَ فَدى ابْنَهُ بِكَبْشَيْنِ أبْيَضَيْنِ أعْيَنَيْنِ أقْرَنَيْنِ، رَواهُ أبُو الطُّفَيْلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: [أنَّهُ] ما فُدِيَ إلّا بِتَيْسٍ مِنَ الأوْرى، أُهْبِطَ عَلَيْهِ مِن ثَبِيرٍ، قالَهُ الحَسَنُ.

وَفِي مَعْنى ﴿ عَظِيمٍ ﴾ أرْبَعَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: لِأنَّهُ كانَ قَدْ رَعى في الجَنَّةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ.

والثّانِي: لِأنَّهُ ذُبِحَ عَلى دِينِ إبْراهِيمَ وسُنَّتِهِ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: لِأنَّهُ مُتَقَبَّلٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: لَمّا قَرَّبَهُ ابْنُ آَدَمَ، رُفِعَ حَيًّا، فَرَعى في الجَنَّةِ، ثُمَّ جُعِلَ فِداءَ الذَّبِيحِ، فَتُقُبِّلَ مَرَّتَيْنِ.

والرّابِعُ: لِأنَّهُ عَظِيمُ الشَّخْصِ والبَرَكَةِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَرَكْنا عَلَيْهِ ﴾ قَدْ فَسَّرْناهُ في هَذِهِ السُّورَةِ [الصّافّاتِ: ٧٨] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ ﴾ مِن قالَ: إنَّ إسْحاقَ الذَّبِيحُ، قالَ: بَشَّرَ إبْراهِيمَ بِنُبُوَّةِ إسْحاقَ، وأُثِيبَ إسْحاقُ بِصَبْرِهِ النُّبُوَّةَ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عِكْرِمَةَ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، والسُّدِّيُّ.

ومَن قالَ: الذَّبِيحُ إسْماعِيلُ، قالَ: بَشَّرَ اللَّهُ إبْراهِيمَ بِوَلَدٍ يَكُونُ نَبِيًّا بَعْدَ هَذِهِ القِصَّةِ، جَزاءً لِطاعَتِهِ وصَبْرِهِ، وهَذا قَوْلُ سَعِيدِ ابْنِ المُسَيِّبِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَبارَكْنا عَلَيْهِ وعَلى إسْحاقَ ﴾ يَعْنِي بِكَثْرَةِ ذُرِّيَّتِهِما، وهُمُ الأسْباطُ كُلُّهم ﴿ وَمِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ ﴾ أيْ: مُطِيعٌ لِلَّهِ ﴿ وَظالِمٌ ﴾ وهو العاصِي لَهُ وقِيلَ: المُحْسِنُ: المُؤْمِنُ، والظّالِمُ: الكافِرُ.

<div class="verse-tafsir"

وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ ١١٤ وَنَجَّيْنَـٰهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ ١١٥ وَنَصَرْنَـٰهُمْ فَكَانُوا۟ هُمُ ٱلْغَـٰلِبِينَ ١١٦ وَءَاتَيْنَـٰهُمَا ٱلْكِتَـٰبَ ٱلْمُسْتَبِينَ ١١٧ وَهَدَيْنَـٰهُمَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ ١١٨ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِى ٱلْـَٔاخِرِينَ ١١٩ سَلَـٰمٌ عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ ١٢٠ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ ١٢١ إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ ١٢٢ وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ ١٢٣ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِۦٓ أَلَا تَتَّقُونَ ١٢٤ أَتَدْعُونَ بَعْلًۭا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَـٰلِقِينَ ١٢٥ ٱللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ ءَابَآئِكُمُ ٱلْأَوَّلِينَ ١٢٦ فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ ١٢٧ إِلَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ ١٢٨ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى ٱلْـَٔاخِرِينَ ١٢٩ سَلَـٰمٌ عَلَىٰٓ إِلْ يَاسِينَ ١٣٠ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ ١٣١ إِنَّهُۥ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ ١٣٢

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ ﴾ أيْ: أنْعَمْنا عَلَيْهِما بِالنُّبُوَّةِ.

وَفِي ﴿ الكَرْبِ العَظِيمِ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: اسْتِعْبادُ فِرْعَوْنَ وبَلاؤُهُ، وهو مَعْنى قَوْلِ قَتادَةَ.

والثّانِي: الغَرَقُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنَصَرْناهُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: [أنَّهُ] يَرْجِعُ إلى مُوسى وهارُونَ وقَوْمِهِما.

والثّانِي: [أنَّهُ] يَرْجِعُ إلَيْهِما فَقَطْ، فَجُمِعا، لِأنَّ العَرَبَ تَذْهَبُ بِالرَّئِيسِ إلى الجَمْعِ، لِجُنُودِهِ وأتْباعِهِ، ذَكَرَهُما ابْنُ جَرِيرٍ.

وما بَعْدَ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ [الأنْبِياءِ: ٤٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ نَبِيٌّ مِن أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.

والثّانِي: أنَّهُ إدْرِيسُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وقَتادَةُ، وكَذَلِكَ كانَ يَقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو العالِيَةَ، وأبُو عُثْمانَ النَّهْدِيُّ: "وَإنَّ إدْرِيسَ" مَكانُ "إلْياسَ" .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ ﴾ أيْ: ألا تَخافُونَ اللَّهَ فَتُوَحِّدُونَهُ وتَعْبُدُونَهُ؟!

﴿ أتَدْعُونَ بَعْلا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ بِمَعْنى الرَّبِّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وأبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

وقالَ الضَّحّاكُ: كانَ ابْنُ عَبّاسٍ قَدْ أعْياهُ هَذا الحَرْفُ، فَبَيْنا هو جالِسٌ، إذْ مَرَّ أعْرابِيٌّ قَدْ ضَلَّتْ ناقَتُهُ وهو يَقُولُ: مَن وجَدَ ناقَةً أنا بَعْلُها؟

فَتَبِعَهُ الصِّبْيانُ يَصِيحُونَ بِهِ: يا زَوْجَ النّاقَةِ، يا زَوْجَ النّاقَةِ، فَدَعاهُ ابْنُ عَبّاسٍ فَقالَ: ويْحَكَ، ما عَنَيْتَ بِبَعْلِها؟

قالَ: أنا رَبُّها، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: صَدَقَ اللَّهُ "أتَدْعُونَ بَعْلًا": رَبًّا.

وقالَ قَتادَةُ: هَذِهِ لُغَةٌ يَمانِيَةٌ.

والثّانِي: أنَّهُ اسْمُ صَنَمٍ كانَ لَهُمْ، قالَهُ الضَّحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ.

وحَكى ابْنُ جَرِيرٍ أنَّهُ بِهِ سُمِّيَتْ "بَعْلَبَكَّ" .

والثّالِثُ: أنَّها امْرَأْهُ كانُوا يَعْبُدُونَها، حَكاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اللَّهَ رَبَّكُمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: "اللَّهُ رَبُّكُمْ" بِالرَّفْعِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفَصٌ عَنْ عاصِمٍ، وخَلْفٌ، ويَعْقُوبُ: "اللَّهُ" بِالنَّصْبِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ ﴾ النّارَ، ﴿ إلا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ ﴾ الَّذِينَ لَمْ يُكَذِّبُوهُ، فَإنَّهم لا يُحْضَرُونَ النّارَ.

الإشارَةُ إلى القِصَّةِ ذَكَرَ أهْلُ العِلْمِ بِالتَّفْسِيرِ والسِّيَرِ أنَّهُ لَمّا كَثُرَتِ الأحْداثُ بَعْدَ قَبْضِ حَزْقِيلَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ، وعُبِدَتِ الأوْثانُ، بَعَثَ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِمْ إلْياسَ، قالَ ابْنُ إسْحاقَ: وهو إلْياسُ بْنُ تَشِبِّي بْنِ فِنْحاصِ بْنِ العَيْزارِ بْنِ هارُونَ بْنِ عِمْرانَ، فَجَعَلَ يَدْعُوهم فَلا يَسْمَعُونَ مِنهُ، فَدَعا عَلَيْهِمْ بِحَبْسِ المَطَرِ، فَجَهِدُوا جُهْدًا شَدِيدًا، واسْتَخْفى إلْياسُ خَوْفًا مِنهم عَلى نَفْسِهِ.

ثُمَّ إنَّهُ قالَ لَهم يَوْمًا: إنَّكم قَدْ هَلَكْتُمْ جُهْدًا، وهَلَكَتِ البَهائِمُ والشَّجَرُ بِخَطاياكُمْ، فاخْرُجُوا بِأصْنامِكم وادْعُوها، فَإنِ اسْتَجابَتْ لَكُمْ، فالأمْرُ كَما تَقُولُونَ، وإنْ لَمْ تَفْعَلْ، عَلِمْتُمْ أنَّكم عَلى باطِلٍ فَنَزَعْتُمْ عَنْهُ، ودَعَوْتُ اللَّهَ فَفَرَّجَ عَنْكُمْ، فَقالُوا: أنْصَفْتَ، فَخَرَجُوا بِأصْنامِهِمْ وأوْثانِهِمْ، فَدَعَوا فَلَمْ يَسْتَجِبْ لَهُمْ، فَعَرَفُوا ضَلالَهُمْ، فَقالُوا: ادْعُ اللَّهَ لَنا، فَدَعا لَهُمْ، فَأرْسَلَ المَطَرَ وعاشَتْ بِلادُهُمْ، فَلَمْ يَنْزِعُوا عَمّا كانُوا عَلَيْهِ، فَدَعا إلْياسُ رَبَّهُ أنْ يَقْبِضَهُ إلَيْهِ ويُرِيحَهُ مِنهُمْ، فَقِيلَ لَهُ: اخْرُجْ يَوْمَ كَذا إلى مَكانِ كَذا، فَما جاءَكَ مِن شَيْءٍ فارْكَبْهُ ولا تَهَبْهُ، فَخَرَجَ، فَأقْبَلَ فَرَسٌ مِن نارٍ، فَوَثَبَ عَلَيْهِ، فانْطَلَقَ بِهِ، وكَساهُ اللَّهُ الرِّيشَ وألْبَسَهُ النُّورَ وقَطَعَ عَنْهُ لَذَّةَ المَطْعَمِ والمَشْرَبِ، فَطارَ في المَلائِكَةِ، فَكانَ إنْسِيًّا مَلَكِيًّا، أرْضِيًّا سَماوِيًّا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "إلْياسِينَ" مَوْصُولَةً مَكْسُورَةَ الألْفِ ساكِنَةَ اللّامِ، فَجَعَلُوها كَلِمَةً واحِدَةً؛ وقَرَأ الحَسَنُ مِثْلَهُمْ، إلّا أنَّهُ فَتَحَ الهَمْزَةَ.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعَبْدُ الوارِثِ، ويَعْقُوبُ إلّا زَيْدًا: "إلْ ياسِينَ" مَقْطُوعَةً، فَجَعَلُوها كَلِمَتَيْنِ.

وَفِي قِراءَةِ الوَصْلِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ جَمَعَ لِهَذا النَّبِيِّ وأُمَّتَهُ المُؤْمِنِينَ بِهِ، وكَذَلِكَ يَجْمَعُ ما يُنْسَبُ إلى الشَّيْءِ بِلَفْظِ الشَّيْءِ، فَتَقُولُ: رَأيْتُ المَهالِبَةَ، تُرِيدُ: بَنِي المُهَلَّبِ، وُالمَسامِعَةَ، تُرِيدُ: بَنِي مَسْمَعٍ.

والثّانِي: أنَّهُ اسْمُ النَّبِيِّ وحْدَهُ، وهو اسْمٌ عِبْرانِيٌّ، والعَجَمِيُّ مِنَ الأسْماءِ قَدْ يُفْعَلُ بِهِ هَكَذا، [كَما] تَقُولُ: مِيكالَ ومِيكائِيلَ، ذَكَرَ القَوْلَيْنِ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ.

فَأمّا قِراءَةُ مَن قَرَأ: "إلْ ياسِينَ" مَفْصُولَةً، فَفِيها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهم آَلُ هَذا النَّبِيِّ المَذْكُورِ، وهو يَدْخُلُ فِيهِمْ، كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: « "اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى آَلِ أبِي أوْفى"،» فَهو داخِلٌ فِيهِمْ، لِأنَّهُ هو المُرادُ بِالدُّعاءِ.

والثّانِي: أنَّهم آَلُ مُحَمَّدٍ  ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

وكانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ يَقْرَأُ: "سَلامٌ عَلى إدْراسِينَ" وقَدْ بَيَّنّا مَذْهَبَهُ في أنَّ إلْياسَ هو إدْرِيسُ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالَ: "إدْراسِينَ" وإنَّما الواحِدُ إدْرِيسُ، والمَجْمُوعُ إدْرِيسِيُّ، لا إدْراسٌ ولا إدْراسَيُّ؟

فالجَوابُ: أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لُغَةً، كَإبْراهِيمَ إبْراهامَ، ومِثْلُهُ: قَدْنِي مَن نَصَرَ الخُبَيْبَيْنِ قَدِي وَقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو نَهْيِكٍ: "سَلامٌ عَلى ياسِينَ" بِحَذْفِ الهَمْزَةِ واللّامِ.

<div class="verse-tafsir"

وَإِنَّ لُوطًۭا لَّمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ ١٣٣ إِذْ نَجَّيْنَـٰهُ وَأَهْلَهُۥٓ أَجْمَعِينَ ١٣٤ إِلَّا عَجُوزًۭا فِى ٱلْغَـٰبِرِينَ ١٣٥ ثُمَّ دَمَّرْنَا ٱلْـَٔاخَرِينَ ١٣٦ وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ ١٣٧ وَبِٱلَّيْلِ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ١٣٨

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ نَجَّيْناهُ ﴾ "إذْ" هاهُنا لا يَتَعَلَّقُ بِما قَبْلَهُ، لِأنَّهُ لَمْ يُرْسَلْ إذْ نُجِّيَ، ولَكِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ يا مُحَمَّدُ إذْ نَجَّيْناهُ.

وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ما بَعْدَ هَذا [الشُّعَراءِ: ١٧١] إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ ﴾ هَذا خِطابٌ لِأهْلِ مَكَّةَ، كانُوا إذا ذَهَبُوا إلى الشّامِ وجاؤُوا، مَرُّوا عَلى قُرى قَوْمِ لُوطٍ صَباحًا ومَساءً، ﴿ أفَلا تَعْقِلُونَ ﴾ فَتَعْتَبِرُونَ؟!

<div class="verse-tafsir"

وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ ١٣٩ إِذْ أَبَقَ إِلَى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ ١٤٠ فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ ١٤١ فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌۭ ١٤٢ فَلَوْلَآ أَنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ ١٤٣ لَلَبِثَ فِى بَطْنِهِۦٓ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ ١٤٤ ۞ فَنَبَذْنَـٰهُ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ سَقِيمٌۭ ١٤٥ وَأَنۢبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةًۭ مِّن يَقْطِينٍۢ ١٤٦ وَأَرْسَلْنَـٰهُ إِلَىٰ مِا۟ئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ ١٤٧ فَـَٔامَنُوا۟ فَمَتَّعْنَـٰهُمْ إِلَىٰ حِينٍۢ ١٤٨

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ أبَقَ ﴾ قالَ المُبَرِّدُ: تَأْوِيلُ "أبْقَ": تَباعَدَ؛ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: فَزِعَ؛ وقالَ الزَّجّاجُ: هَرَبَ؛ وقالَ بَعْضُ أهْلِ المَعانِي: خَرَجَ ولَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، فَكانَ بِذَلِكَ كالهارِبِ مِن مَوْلاهُ.

قالَ الزَّجّاجُ: والفُلْكُ: السَّفِينَةُ، والمَشْحُونُ: المَمْلُوءُ، وساهَمَ بِمَعْنى [قارَعَ]، ﴿ مِنَ المُدْحَضِينَ ﴾ أيِ: المَغْلُوبِينَ؛ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: أدْحَضَ اللَّهُ حُجَّتَهُ، فَدَحَضَتْ، أيْ: أزالَها [فَزالَتْ]، وأصْلُ الدَّحْضِ: الزَّلَقُ.

الإشارَةُ إلى قِصَّتِهِ قَدْ شَرَحْنا بَعْضَ قِصَّتِهِ في آَخِرِ يُونُسَ وفي [الأنْبِياءِ: ٨٦] عَلى قَدْرِ ما تَحْتَمِلُهُ الآَياتُ، ونَحْنُ نَذْكُرُ هاهُنا ما تَحْتَمِلُهُ.

قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: لَمّا وعْدَ يُونُسَ قَوْمَهُ بِالعَذابِ بَعْدَ ثَلاثٍ، جَأرُوا إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ واسْتَغْفَرُوا، فَكَفَّ عَنْهُمُ العَذابَ، فانْطَلَقَ مُغاضِبًا حَتّى انْتَهى إلى قَوْمٍ في سَفِينَةٍ، فَعَرَّفُوهُ فَحَمَلُوهُ، فَلَمّا رَكِبَ السَّفِينَةَ وقَفَتْ، فَقالَ: ما لِسَفِينَتِكُمْ؟

قالُوا: لا نَدْرِي، قالَ: لَكِنِّي أدْرِي، فِيها عَبَدٌ آَبِقٌ مِن رَبِّهِ، إنَّها واللَّهِ لا تَسِيرُ حَتّى تُلْقُوهُ، فَقالُوا: أمّا أنْتَ يا نَبِيَّ اللَّهِ فَواللَّهِ لا نُلْقِيكَ، قالَ: فاقْتَرِعُوا، فَمَن قُرِعَ فَلْيَقَعْ، فاقْتَرَعُوا، فَقُرِعَ يُونُسُ، فَأبَوْا أنْ يُمَكِّنُوهُ مِنَ الوُقُوعِ، فَعادُوا إلى القُرْعَةِ حَتّى قُرِعَ يُونُسُ ثَلاثَ مَرّاتٍ.

وقالَ طاوُوسُ: إنَّ صاحِبَ السَّفِينَةِ هو الَّذِي قالَ: إنَّما يَمْنَعُها أنْ تَسِيرَ أنَّ فِيكم رَجُلًا مَشْؤُومًا، فاقْتَرِعُوا لِنُلْقِيَ أحَدَنا، فاقْتَرَعُوا، فَقَرَعَ يُونُسُ ثَلاثَ مَرّاتٍ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: وكَّلَّ اللَّهِ بِهِ حُوتًا، فَلَمّا ألْقى نَفْسَهُ في الماءِ التَقَمَهُ، وأمَرَ أنْ لا يَضُرَّهُ ولا يُكَلِّمَهُ، وسارَتِ السَّفِينَةُ حِينَئِذٍ.

ومَعْنى التَقَمَهُ: ابْتَلَعَهُ.

﴿ وَهُوَ مُلِيمٌ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: مُذْنِبٌ، يُقالُ: ألامَ الرَّجُلُ: إذا أتى ذَنْبًا يُلامُ عَلَيْهِ، قالَ الشّاعِرُ: [تَعُدُّ مَعاذِرًا لا عُذْرَ فِيها] ومَن يَخْذُلْ أخاهُ فَقَدْ ألاما قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: مِنَ المَصَلِّينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والثّانِي: مِنَ العابِدِينَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، ووَهَبُ بْنُ مُنَبِّهٍ.

والثّالِثُ: قَوْلُ ﴿ لا إلَهَ إلا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ  ﴾ ، قالَهُ الحَسَنُ.

ورَوى عِمْرانُ القَطّانُ عَنِ الحَسَنِ قالَ: واللَّهِ ما كانَتِ الّا صَلاةً أحْدَثَها في بَطْنِ الحُوتِ؛ فَعَلى هَذا القَوْلِ، يَكُونُ تَسْبِيحُهُ في بَطْنِ الحُوتِ.

وجُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى أنَّهُ أرادَ: لَوْلا ما تَقَدَّمَ لَهُ قَبْلَ التِقامِ الحُوتِ إيّاهُ مِنَ التَّسْبِيحِ، ﴿ لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ قالَ قَتادَةُ: لَصارَ بَطْنُ الحُوتِ لَهُ قَبْرًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ولَكِنَّهُ كانَ كَثِيرَ الصَّلاةِ في الرَّخاءِ، فَنَجّاهُ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ.

وَفِي قَدْرِ مُكْثِهِ في بَطْنِ الحُوتِ خَمْسَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: أرْبَعُونَ يَوْمًا، قالَهُ أنَسُ بْنُ مالِكٍ، وكَعْبٌ، وأبُو مالِكٍ، وابْنُ جُرَيْجٍ، والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: سَبْعَةُ أيّامٍ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعَطاءٌ.

والثّالِثُ: ثَلاثَةُ أيّامٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.

والرّابِعُ: عُشْرُونَ يَوْمًا، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والخامِسُ: بَعْضُ يَوْمٍ، التَقَمَهُ ضُحًى، ونَبْذَهُ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَنَبَذْناهُ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: ألْقَيْناهُ ﴿ بِالعَراءِ ﴾ وهي الأرْضُ الَّتِي لا يَتَوارى فِيها بِشَجَرٍ ولا غَيْرِهِ، وكَأنَّهُ مِن عُرْيِ الشَّيْءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ سَقِيمٌ ﴾ أيْ: مَرِيضٌ؛ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ كَهَيْأةِ الفَرْخِ المَمْعُوطِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ رِيشٌ وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أوْحى اللَّهُ تَعالى إلى الحُوتِ أنَ ألْقِهِ في البَرِّ، فَألْقاهُ لا شِعْرَ عَلَيْهِ، ولا جِلْدَ ولا ظَفْرَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو القَرْعُ، وقَدْ قالَ أُمِّيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ قَبْلَ الإسْلامِ: فَأنْبَتَ يَقْطِينًا عَلَيْهِ بِرَحْمَةٍ ∗∗∗ مِنَ اللَّهِ لَوْلا اللَّهُ أُلْفِيَ ضاحِيًا قالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ شَجَرَةٍ لا تَنْبُتُ عَلى ساقٍ وإنَّما تَمْتَدُّ عَلى وجْهِ الأرْضِ نَحْوُ القَرْعِ والبِطِّيخِ والحَنْظَلِ، فَهي يَقْطِينٌ، واشْتِقاقُهُ مِن: قَطَنَ بِالمَكانِ: إذا أقامَ، فَهَذا الشَّجَرُ ورَقُهُ كُلُّهُ عَلى وجْهِ الأرْضِ، فَلِذَلِكَ قِيلَ لَهُ: يَقْطِينٌ.

قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: كانَ يَسْتَظِلُّ بِها ويُصِيبُ مِنها فَيَبِسَتْ فَبَكى عَلَيْها، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: أتَبْكِي عَلى شَجَرَةٍ أنْ يَبِسَتْ، ولا تَبْكِي عَلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ أرَدْتَ أنْ تُهْلِكَهُمْ؟!

قالَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ: قَيَّضَ [اللَّهُ] لَهُ أرْوِيَةً مِنَ الوَحْشِ تَرُوحُ عَلَيْهِ بُكْرَةً وعَشِيًّا فَيَشْرَبُ مِن لَبَنِها حَتّى نَبَتَ لَحْمُهُ.

فَإنْ قِيلَ: ما الفائِدَةُ في إنْباتِ شَجَرَةِ اليَقْطِينِ عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِها؟

فالجَوابُ: أنَّهُ خَرَجَ كالفَرْخِ عَلى ما وصَفْنا، وجِلْدُهُ قَدْ ذابَ، فَأدْنى شَيْءٍ يَمُرُّ بِهِ يُؤْذِيهِ، وفي ورَقِ اليَقْطِينِ خاصِّيَّةً، وهو أنَّهُ إذا تُرِكَ عَلى شَيْءٍ، لَمْ يُقْرَبْهُ ذُبابٌ، فَأنْبَتَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ لِيُغَطِّيَهُ ورَقُها ويَمْنَعَ الذُّبابَ رِيحُهُ أنْ يَسْقُطَ عَلَيْهِ فَيُؤْذِيَهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ ﴾ اخْتَلَفُوا، هَلْ كانَتْ رِسالَتُهُ قَبْلَ التِقامِ الحُوتِ إيّاهُ أمْ بَعْدَ ذَلِكَ؟

عَلى قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّها كانَتْ بَعْدَ نَبْذِ الحُوتِ إيّاهُ، عَلى ما ذَكَرْنا في [يُونُسَ: ٩٨]، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّها كانَتْ قَبْلَ التِقامِ الحُوتِ لَهُ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ، مِنهُمُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وهو الأصَحُّ، والمَعْنى: وكُنّا أرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ، فَلَمّا خَرَجَ مِن بَطْنِ الحُوتِ، أُمِرَ أنْ يَرْجِعَ إلى قَوْمِهِ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ.

وَفِي قَوْلِهِ: [أوْ] ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: أنَّها بِمَعْنى "بَلْ" قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والفَرّاءُ.

والثّانِي: أنَّها بِمَعْنى الواوُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

وقَدْ قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، ومُعاذٌ القارِئُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنَيُّ: "وَيَزِيدُونَ" مِن غَيْرِ ألْفٍ.

والثّالِثُ: أنَّها عَلى أصْلِها، والمَعْنى: أوْ يَزِيدُونَ في تَقْدِيرِكُمْ، إذا رَآَهُمُ الرّائِي قالَ: هَؤُلاءِ مِائَةُ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ.

وَفِي زِيادَتِهِمْ أرْبَعَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: أنَّهم كانُوا مِائَةَ ألْفٍ يَزِيدُونَ عِشْرِينَ ألْفًا، رَواهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  .

والثّانِي: أنَّهم كانُوا مِائَةَ ألْفٍ وثَلاثِينَ ألْفًا.

والثّالِثُ: مِائَةُ ألْفٍ وبِضْعَةٌ وثَلاثِينَ ألْفًا، رُوِيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: أنَّهم كانُوا يَزِيدُونَ سَبْعِينَ ألْفًا، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ونَوْفُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَآمَنُوا ﴾ في وقْتِ إيمانِهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: عِنْدَ مُعايَنَةِ العَذابِ.

والثّانِي: حِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ يُونُسُ ﴿ فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ ﴾ إلى مُنْتَهى آَجالِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

فَٱسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ ٱلْبَنَاتُ وَلَهُمُ ٱلْبَنُونَ ١٤٩ أَمْ خَلَقْنَا ٱلْمَلَـٰٓئِكَةَ إِنَـٰثًۭا وَهُمْ شَـٰهِدُونَ ١٥٠ أَلَآ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ ١٥١ وَلَدَ ٱللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ ١٥٢ أَصْطَفَى ٱلْبَنَاتِ عَلَى ٱلْبَنِينَ ١٥٣ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ١٥٤ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ١٥٥ أَمْ لَكُمْ سُلْطَـٰنٌۭ مُّبِينٌۭ ١٥٦ فَأْتُوا۟ بِكِتَـٰبِكُمْ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ ١٥٧ وَجَعَلُوا۟ بَيْنَهُۥ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَبًۭا ۚ وَلَقَدْ عَلِمَتِ ٱلْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ ١٥٨ سُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ١٥٩ إِلَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ ١٦٠ فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ ١٦١ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَـٰتِنِينَ ١٦٢ إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ ١٦٣

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاسْتَفْتِهِمْ ﴾ أيْ سَلْ أهْلَ مَكَّةَ سُؤالَ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيرٍ، لِأنَّهم زَعَمُوا أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ ﴿ وَهم شاهِدُونَ ﴾ أيْ: حاضِرُونَ.

﴿ ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ ﴾ أيْ: كَذِبُهم ﴿ لَيَقُولُونَ ﴾ ﴿ وَلَدَ اللَّهُ ﴾ حِينَ زَعَمُوا أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أصْطَفى البَناتِ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: هَذا اسْتِفْهامٌ فِيهِ تَوْبِيخٌ لَهُمْ، وقَدْ تُطْرَحُ ألِفُ الِاسْتِفْهامِ مِنَ التَّوْبِيخِ، ومِثْلُهُ: ﴿ أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ  ﴾ ، و "أذْهَبْتُمْ" يُسْتَفْهَمُ بِها ولا يُسْتَفْهَمُ، ومَعْناهُما واحِدٌ.

وقَرَأ أبُو هُرَيْرَةَ، وابْنُ المُسَيِّبِ، والزُّهْرِيُّ، وابْنُ جَمّازٍ عَنْ نافِعٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ: "وَإنَّهم لَكاذِبُونَ اصْطَفى" بِالوَصْلِ غَيْرِ مَهْمُوزٍ ولا مَمْدُودٍ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهو عَلى [وَجْهِ] الخَبَرِ، كَأنَّهُ قالَ: اصْطَفى البَناتَ عَلى البَنِينَ كَما يَقُولُونَ، كَقَوْلِهِ: ﴿ ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾ لِلَّهِ بِالبَناتِ ولِأنْفُسِكم بِالبَنِينَ؟!

﴿ أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ ﴾ أيْ: حُجَّةٌ [بَيِّنَةٌ] عَلى ما تَقُولُونَ، ﴿ فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ ﴾ الَّذِي فِيهِ حُجَّتِكم.

﴿ وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: أنَّهم قالُوا: هو وإبْلِيسُ أخَوانِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ قالَ الماوَرْدِيُّ: وهو قَوْلُ الزَّنادِقَةِ والَّذِينَ يَقُولُونَ: الخَيْرُ مِنَ اللَّهِ، والشَّرُّ مِن إبْلِيسَ.

والثّانِي: أنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ قالُوا: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، والجَنَّةُ صِنْفٌ مِنَ المَلائِكَةِ يُقالُ لَهُمُ: الجَنَّةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: أنَّ اليَهُودَ قالَتْ: إنَّ اللَّهَ تَعالى تَزَوُّجَ إلى الجِنِّ فَخَرَجَتْ مِن بَيْنِهِمُ المَلائِكَةُ، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ السّائِبِ.

فَخَرَجَ في مَعْنى الجَنَّةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ.

والثّانِي: الجِنُّ.

فَعَلى الأوَّلِ، يَكُونُ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ ﴾ أيْ: عَلِمَتِ المَلائِكَةُ ﴿ إنَّهُمْ ﴾ أيْ: إنَّ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ ﴿ لَمُحْضَرُونَ ﴾ النّارَ.

وَعَلى الثّانِي، ["وَلَقَدْ عَلِمَتِ الجَنَّةُ] إنَّهُمْ" أيْ: إنَّ الجِنَّ أنْفُسَها "لَمُحْضَرُونَ" الحِسابَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ ﴾ يَعْنِي المُوَحِّدِينَ.

وفِيما اسْتَثْنَوْا مِنهُ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ اسْتَثْنَوْا مِن حُضُورِ النّارِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: مِمّا يَصِفُ أُولَئِكَ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ السّائِبِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّكُمْ ﴾ يَعْنِي المُشْرِكِينَ ﴿ وَما تَعْبُدُونَ ﴾ مِن دُونِ اللَّهِ، ﴿ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ ﴾ أيْ: عَلى ما تَعْبُدُونَ ﴿ بِفاتِنِينَ ﴾ أيْ: بِمُضِلِّينَ أحَدًا، ﴿ إلا مَن هو صالِ الجَحِيمِ ﴾ أيْ: مَن سَبَقَ لَهُ في عِلْمِ اللَّهِ أنَّهُ يَدْخُلُ النّارَ.

<div class="verse-tafsir"

وَمَا مِنَّآ إِلَّا لَهُۥ مَقَامٌۭ مَّعْلُومٌۭ ١٦٤ وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ ١٦٥ وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ ١٦٦ وَإِن كَانُوا۟ لَيَقُولُونَ ١٦٧ لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْرًۭا مِّنَ ٱلْأَوَّلِينَ ١٦٨ لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ ١٦٩ فَكَفَرُوا۟ بِهِۦ ۖ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ١٧٠ وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ ١٧١ إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ ١٧٢ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَـٰلِبُونَ ١٧٣ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍۢ ١٧٤ وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ١٧٥ أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ ١٧٦ فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَآءَ صَبَاحُ ٱلْمُنذَرِينَ ١٧٧ وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍۢ ١٧٨ وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ١٧٩ سُبْحَـٰنَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ١٨٠ وَسَلَـٰمٌ عَلَى ٱلْمُرْسَلِينَ ١٨١ وَٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ١٨٢

ثُمَّ أخْبَرَ عَنِ المَلائِكَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَما مِنّا ﴾ والمَعْنى: ما مَنّا مَلَكٌ ﴿ إلا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ ﴾ أيْ: مَكانٌ في السَّمَواتِ مَخْصُوصٌ يَعْبُدُ اللَّهَ فِيهِ، ﴿ وَإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ ﴾ قالَ قَتادَةُ: صُفُوفٌ في السَّماءِ.

وقالَ السُّدِّيُّ: هو الصَّلاةُ.

وقالَ ابْنُ السّائِبِ: صُفُوفُهم في السَّماءِ كَصُفُوفِ أهْلِ الدُّنْيا في الأرْضِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: المُصَلُّونَ.

والثّانِي: المُنَزَّهُونَ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَنِ السُّوءِ.

وكانَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ إذا أُقِيمَتِ الصَّلاةُ أقْبَلَ عَلى النّاسِ بِوَجْهِهِ وقالَ: يا أيُّها النّاسُ اسْتَوُوا، فَإنَّما يُرِيدُ اللَّهُ بِكم هَدْيَ المَلائِكَةِ، وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ، وإنّا لَنَحُنُ المُسَبِّحُونَ.

ثُمَّ عادَ إلى الإخْبارِ عَنِ المُشْرِكِينَ، فَقالَ: ﴿ وَإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ ﴾ اللّامُ في "لَيَقُولُونَ" لامُ تَوْكِيدٍ؛ والمَعْنى: وقَدْ كانَ كَفّارُ قُرَيْشٍ يَقُولُونَ قَبْلَ بَعْثَةِ النَّبِيِّ  : ﴿ لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا ﴾ أيْ: كِتابًا ﴿ مِنَ الأوَّلِينَ ﴾ أيْ: مِثْلَ كُتُبِ الأوَّلِينَ، وهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، ﴿ لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ ﴾ أيْ: لَأخْلَصْنا العِبادَةَ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

﴿ فَكَفَرُوا بِهِ ﴾ فِيهِ اخْتِصارٌ، تَقْدِيرُهُ: فَلَمّا آَتاهم ما طَلَبُوا، كَفَرُوا بِهِ، ﴿ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ عاقِبَةَ كُفْرِهِمْ، وهَذا تَهْدِيدٌ لَهم.

﴿ وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا ﴾ أيْ: تَقَدَّمَ وعْدُنا لِلْمُرْسَلِينَ بِنَصْرِهِمْ والكَلِمَةُ قَوْلُهُ: ﴿ كَتَبَ اللَّهُ لأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي  ﴾ ، ﴿ إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ ﴾ بِالحُجَّةِ، ﴿ وَإنَّ جُنْدَنا ﴾ يَعْنِي حِزْبَنا المُؤْمِنِينَ ﴿ لَهُمُ الغالِبُونَ ﴾ بِالحُجَّةِ أيْضًا والظَّفْرِ.

﴿ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ ﴾ أيْ: أعْرَضْ عَنْ كُفّارِ مَكَّةَ ﴿ حَتّى حِينٍ ﴾ أيْ: حَتّى تَنْقَضِيَ مُدَّةُ إمْهالِهِمْ.

وقالَ مُجاهِدٌ: حَتّى نَأْمُرَكَ بِالقِتالِ؛ فَعَلى هَذا، الآَيَةُ مُحْكَمَةٌ.

وقالَ في رِوايَةٍ: حَتّى المَوْتِ؛ وكَذَلِكَ قالَ قَتادَةُ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: حَتّى القِيامَةِ؛ فَعَلى هَذا، يَتَطَرَّقُ نَسْخُها.

وقالَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ: نَسَخَتْها آَيَةُ القِتالِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأبْصِرْهُمْ ﴾ أيِ: انْظُرْ إلَيْهِمْ إذا نَزَلَ العَذابُ.

قالَ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ: هو العَذابُ بِبَدْرٍ؛ وقِيلَ: أُبْصِرُ حالَهم بِقَلْبِكَ ﴿ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ﴾ ما أنْكَرُوا، وكانُوا يَسْتَعْجِلُونَ بِالعَذابِ تَكْذِيبًا بِهِ، فَقِيلَ: ﴿ أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ ﴾ ؟!

.

﴿ فَإذا نَزَلَ ﴾ يَعْنِي العَذابَ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو عِمْرانَ، والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ يَعْمُرَ: "فَإذا نَزَلَ" بِرَفْعِ النُّونِ وكَسْرِ الزّايِ وتَشْدِيدِها ﴿ بِساحَتِهِمْ ﴾ أيْ: بِفِنائِهِمْ وناحِيَتِهِمْ.

والسّاحَةُ: فَناءُ الدّارِ.

قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تَكْتَفِي بِالسّاحَةِ والعَقْوَةِ مِنَ القَوْمِ، فَيَقُولُونَ: نَزَلَ بِكَ العَذابُ وبِساحَتِكَ.

قالَ الزَّجّاجُ: فَكانَ عَذابُ هَؤُلاءِ القَتْلُ ﴿ فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ ﴾ أيْ: بِئْسَ صَباحُ الَّذِينَ أُنْذِرُوا العَذابَ.

ثُمَّ كَرَّرَ ما تَقَدَّمَ تَوْكِيدًا لِوَعْدِهِ بِالعَذابِ، فَقالَ: ﴿ وَتَوَلَّ عَنْهم.

.

.

.

﴾ الآَيَتَيْنِ.

ثُمَّ نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْ قَوْلِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي عِزَّةَ مَن يَتَعَزَّزُ مِن مُلُوكِ الدُّنْيا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَمّا يَصِفُونَ ﴾ أيْ: مِنَ اتِّخاذِ النِّساءِ والأوْلادِ.

﴿ وَسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ.

أحَدُهُما: تَسْلِيمُهُ عَلَيْهِمْ إكْرامًا لَهم.

والثّانِي: إخْبارُهُ بِسَلامَتِهِمْ.

﴿ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ عَلى هَلاكِ المُشْرِكِينَ ونُصْرَةِ الأنْبِياءِ والمُرْسَلِينَ.

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.6 / 29.5
الإضاءة 32%
البدر بعد 9 يوم
لا إله إلا الله