الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > سورة 4 النساء > الآية ١
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 5 دقيقة قراءة٤ - سُورَةُ النِّساءِ ﴿ يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وخَلَقَ مِنها زَوْجَها وبَثَّ مِنهُما رِجالا كَثِيرًا ونِساءً واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَساءَلُونَ بِهِ والأرْحامَ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكم رَقِيبًا ﴾ اخْتَلَفُوا في نُزُولِها عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها مَكِّيَّةٌ، رَواهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وقَتادَةَ.
والثّانِي: أنَّها مَدَنِيَّةٌ، رَواهُ عَطاءُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو قَوْلُ مُقاتِلٍ.
وقِيلَ: إنَّها مَدَنِيَّةٌ إلّا آيَةً نَزَلَتْ بِمَكَّةَ في عُثْمانَ بْنِ طَلْحَةَ حِينَ أرادَ النَّبِيُّ أنْ يَأْخُذَ مِنهُ مَفاتِيحَ الكَعْبَةِ، فَيُسَلِّمَها إلى العَبّاسِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها ﴾ ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اتَّقُوا رَبَّكُمُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ بِمَعْنى: الطّاعَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: بِمَعْنى: الخَشْيَةُ.
قالَهُ مُقاتِلٌ.
.
والنَّفْسُ الواحِدَةُ: آدَمُ، وزَوْجُها حَوّاءُ، و"مِن" في قَوْلِهِ: ﴿ وَخَلَقَ مِنها ﴾ لِلتَّبْعِيضِ في قَوْلِ الجُمْهُورِ.
وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: مِنها، أيْ: مِن جِنْسِها.
واخْتَلَفُوا أيُّ وقْتٍ خُلِقَتْ لَهُ، عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها خُلِقَتْ بَعْدَ دُخُولِهِ الجَنَّةَ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: قَبْلَ دُخُولِهِ الجَنَّةَ، قالَهُ كَعْبُ الأحْبارِ، ووَهْبٌ، وابْنُ إسْحاقَ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ، ألْقى عَلَيْهِ النَّوْمَ، فَخَلَقَ حَوّاءَ مِن ضِلْعٍ مِن أضْلاعِهِ اليُسْرى، فَلَمْ تُؤْذِهِ بِشَيْءٍ، ولَوْ وجَدَ الأذى ما عَطَفَ عَلَيْها أبَدًا، فَلَمّا اسْتَيْقَظَ؛ قِيلَ: يا آدَمَ ما هَذِهِ؟
قالَ: حَوّاءُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَبَثَّ مِنهُما ﴾ قالَ الفَرّاءُ: بَثَّ: نَشَرَ، ومِنَ العَرَبِ مَن يَقُولُ: أبَثَّ اللَّهُ الخَلْقَ، ويَقُولُونَ: بَثَثْتُكَ ما في نَفْسِي، وأبْثَثْتُكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِي تَساءَلُونَ بِهِ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والبُرْجُمِيُّ، عَنْ أبِي بَكْرٍ، عَنْ عاصِمٍ.
واليَزِيدِيُّ، وشُجاعٌ، والجَعْفِيُّ، وعَبْدُ الوارِثِ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: ( تَسّاءَلُونَ) بِالتَّشْدِيدِ.
وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وكَثِيرٌ مِن أصْحابِ أبِي عَمْرٍو عَنْهُ بِالتَّخْفِيفِ.
قالَ الزَّجّاجُ: الأصْلُ: تَتَساءَلُونَ، فَمَن قَرَأ بِالتَّشْدِيدِ.
أدْغَمَ التّاءَ في السِّينِ، لِقُرْبِ مَكانِ هَذِهِ مِن هَذِهِ، ومَن قَرَأ بِالتَّخْفِيفِ، حَذَفَ التّاءَ الثّانِيَةَ لِاجْتِماعِ التّاءَيْنِ.
وَفِي مَعْنى "تُساءَلُونَ بِهِ" ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: تَتَعاطَفُونَ بِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: تَتَعاقَدُونَ، وتَتَعاهَدُونَ بِهِ.
قالَهُ الضَّحّاكُ، والرَّبِيعُ.
والثّالِثُ: تَطْلُبُونَ حُقُوقَكم بِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
فَأمّا قَوْلُهُ: "والأرْحامَ" فالجُمْهُورُ عَلى نَصْبِ المِيمِ عَلى مَعْنى: واتَّقُوا الأرْحامَ أنْ تَقْطَعُوها، وفَسَّرَها عَلى هَذا ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ.
وقَرَأ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، والأعْمَشُ، وحَمْزَةُ بِخَفْضِ المِيمِ عَلى مَعْنى: تُساءَلُونَ بِهِ وبِالأرْحامِ، وفَسَّرَها عَلى هَذا الحَسَنُ، وعَطاءُ، والنَّخَعِيُّ.
وَقالَ الزَّجّاجُ: الخَفْضُ في "الأرْحامِ" خَطَأٌ في العَرَبِيَّةِ لا يَجُوزُ إلّا في اضْطِرارِ الشِّعْرِ، وخَطَأٌ في الدِّينِ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ قالَ: « "لا تَحْلِفُوا بِآبائِكُمْ"» وذَهَبَ إلى نَحْوِ هَذا الفَرّاءُ، وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّما أرادَ حَمْزَةُ الخَبَرَ عَنِ الأمْرِ القَدِيمِ الَّذِي جَرَتْ عادَتُهم بِهِ، فالمَعْنى: الَّذِي كُنْتُمْ تُساءَلُونَ بِهِ وبِالأرْحامِ في الجاهِلِيَّةِ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن جَرَّ عَطَفَ عَلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ بِالباءِ، وهو ضَعِيفٌ في القِياسِ، قَلِيلٌ في الِاسْتِعْمالِ، فَتَرْكُ الأخْذِ بِهِ أحْسَنُ.
فَأمّا الرَّقِيبُ، فَقالَ: ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ: الرَّقِيبُ الحافِظُ.
وقالَ الخَطّابِيُّ: هو الحافِظُ الَّذِي لا يَغِيبُ عَنْهُ شَيْءٌ، وهو في نُعُوتِ الآدَمِيِّينَ المُوَكَّلُ بِحِفْظِ الشَّيْءِ، المُتَرَصِّدِ لَهُ، المُتَحَرِّزُ عَنِ الغَفْلَةِ فِيهِ، يُقالُ مِنهُ: رَقَبْتُ الشَّيْءَ أرْقُبُهُ رِقْبَةً.
<div class="verse-tafsir"