الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > سورة 4 النساء > الآية ٧٩
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 5 دقيقة قراءةقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ﴾ في المُخاطَبِ بِهَذا الكَلامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ عامٌّ، فَتَقْدِيرُهُ: ما أصابَكَ أيُّها الإنْسانُ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّهُ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ، والمُرادُ بِهِ غَيْرُهُ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ما أصابَكَ اللَّهُ مِن حَسَنَةٍ، وما أصابَكَ اللَّهُ بِهِ مِن سَيِّئَةٍ، فالفِعْلانِ يَرْجِعانِ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
وفي "الحَسَنَةِ" و"السَّيِّئَةِ" ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ الحَسَنَةَ: ما فَتَحَ عَلَيْهِ يَوْمَ بَدْرٍ، والسَّيِّئَةَ: ما أصابَهُ يَوْمَ أُحُدٍ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: الحَسَنَةُ: الطّاعَةُ، والسَّيِّئَةُ، المَعْصِيَةُ، قالَهُ أبُو العالِيَةَ.
والثّالِثُ: الحَسَنَةُ: النِّعْمَةُ، والسَّيِّئَةُ: البَلِيَّةُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وعَنْ أبِي العالِيَةِ نَحْوُهُ، وهو أصَحُّ، لِأنَّ الآَيَةَ عامَّةٌ.
ورَوى كَرُدابِ، عَنْ يَعْقُوبَ: ﴿ ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ﴾ بِتَشْدِيدِ النُّونِ، ورَفْعِها، ونَصْبِ المِيمِ، وخَفْضِ اسْمِ "اللَّهِ" ﴿ وَما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ ﴾ بِنَصْبِ المِيمِ، ورَفْعِ السِّينِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿ وَما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ ﴾ بِنَصْبِ المِيمِ، و رَفْعِ السِّينِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمِن نَفْسِكَ ﴾ أيْ: فَبِذَنْبِكَ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، والجَماعَةُ.
وذَكَرَ فِيهِ ابْنُ الأنْبارِيِّ وجْهًا آَخَرَ، فَقالَ: المَعْنى: أفَمِن نَفْسِكَ فَأُضْمِرَتْ ألِفُ الِاسْتِفْهامِ، كَما أُضْمِرَتْ في قَوْلِهِ ﴿ وَتِلْكَ نِعْمَةٌ ﴾ أيْ: أوْ تِلْكَ نِعْمَةٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ذِكْرُ الرَّسُولِ مُؤَكِّدٌ لِقَوْلِهِ: (وَأرْسَلْناكَ) والباءُ في "بِاللَّهِ" مُؤَكَّدَةٌ.
والمَعْنى: وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا.
وَ "شَهِيدًا": مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ، لِأنَّكَ إذا قُلْتَ: كَفى بِاللَّهِ، ولَمْ تُبَيِّنْ في أيِّ شَيْءٍ الكِفايَةَ كُنْتَ مُبْهَمًا.
وَفِي المُرادِ بِشَهادَةِ اللَّهِ هاهُنا: ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: شَهِيدًا لَكَ بِأنَّكَ رَسُولُهُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّانِي: عَلى مَقالَتِهِمْ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والثّالِثُ: لَكَ بِالبَلاغِ، وعَلَيْهِمْ بِالتَّكْذِيبِ والنِّفاقِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ عابَ اللَّهُ هَؤُلاءِ حِينَ قالُوا: إنَّ الحَسَنَةَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، والسَّيِّئَةَ مِن عِنْدِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ، ورَدَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴾ ثُمَّ عادَ، فَقالَ: ﴿ ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِنَ نَفْسِكَ ﴾ فَهَلْ قالَ القَوْمُ إلّا هَكَذا؟
فَعَنْهُ جَوابانِ.
أحَدُهُما: أنَّهم أضافُوا السَّيِّئَةَ إلى النَّبِيِّ تَشاؤُمًا بِهِ، فَرَدَّ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: كَلٌّ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ.
ثُمَّ قالَ: ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ، فَمِنِ اللَّهِ، أيْ: مِن فَضْلِهِ، وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ، فَبِذَنْبِكَ، وإنْ كانَ الكُلُّ مِنَ اللَّهِ تَقْدِيرًا.
والثّانِي: أنَّ جَماعَةً مِن أرْبابِ المَعانِي قالُوا: في الكَلامِ مَحْذُوفٌ مُقَدَّرٌ، تَقْدِيرُهُ: فَما لِهَؤُلاءِ القَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا، يَقُولُونَ: ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ، فَمِنِ اللَّهِ، وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ، فَمِن نَفْسِكَ، فَيَكُونُ هَذا مِن قَوْلِهِمْ.
والمَحْذُوفُ المُقَدَّرُ في القُرْآَنِ كَثِيرٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا ﴾ أيْ: يَقُولانِ: رَبُّنا.
ومِثْلُهُ ﴿ أوْ بِهِ أذًى مِن رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ ﴾ أيْ: فَحَلَقَ، فَفِدْيَةٌ.
ومِثْلُهُ ﴿ فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهم أكَفَرْتُمْ ﴾ أيْ: فَيُقالُ لَهم.
ومِثْلُهُ ﴿ والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ ﴾ ﴿ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ﴾ أيْ: يَقُولُونَ سَلامٌ.
ومِثْلُهُ ﴿ أوْ كُلِّمَ بِهِ المَوْتى بَلْ لِلَّهِ الأمْرُ ﴾ أرادَ: لَكانَ هَذا القُرْآَنُ.
ومِثْلُهُ ﴿ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ وَأنَّ اللَّهِ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ أرادَ: لَعَذَّبَكم.
ومِثْلُهُ ﴿ رَبَّنا أبْصَرْنا وسَمِعْنا ﴾ أيْ: يَقُولُونَ.
وقالَ النَّمِرُ بْنُ تَوْلَبٍ فَإنَّ المَنِيَّةَ مَن يَخْشَها فَسَوْفَ تُصادِفُهُ أيْنَما أرادَ: أيْنَما ذَهَبَ.
وقالَ غَيْرُهُ: فَأُقْسِمُ لَوْ شَيْءٌ أتانا رَسُولُهُ ∗∗∗ سِواكَ ولَكِنْ لَمْ نَجِدْ لَكَ مَدْفَعًا أرادَ: لَرَدَدْناهُ.
<div class="verse-tafsir"