الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > سورة 47 محمد > الآيات ٣٥-٣٨
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 5 دقيقة قراءةقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تَهِنُوا ﴾ أيْ: فَلا تَضْعُفُوا ﴿ وَتَدْعُوا إلى السَّلْمِ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: "إلى السَّلْمِ" بِفَتْحِ السِّينِ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: بِكَسْرِ السِّينِ، والمَعْنى: لا تَدْعُوا الكُفّارَ إلى الصُّلْحِ ابْتَداءً.
وفي هَذا دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ طَلَبُ الصُّلْحِ مِنَ المُشْرِكِينَ، ودَلالَةٌ عَلى أنَّ النَّبِيَّ لَمْ يَدْخُلْ مَكَّةَ صُلْحًا، لِأنَّهُ نَهاهُ عَنِ الصُّلْحِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْتُمُ الأعْلَوْنَ ﴾ أيْ: أنْتُمْ أعَزُّ مِنهُمْ، والحُجَّةُ لَكُمْ، وآخِرُ الأمْرِ لَكم وإنْ غَلَبُوكم في بَعْضِ الأوْقاتِ ﴿ واللَّهُ مَعَكُمْ ﴾ بِالعَوْنِ والنُّصْرَةِ ﴿ وَلَنْ يَتِرَكُمْ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: لَنْ يَنْقُصَكم ولَنْ يَظْلِمَكُمْ، يُقالُ: وتَرْتَنِي حَقِّي، أيْ: بَخَسْتَنِيهِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى: لَنْ يَنْقُصَكم مِن ثَوابِ أعْمالِكم شَيْئًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَسْألْكم أمْوالَكُمْ ﴾ أيْ: لَنْ يَسْألَكُمُوها كُلَّها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَيُحْفِكُمْ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: يُجْهِدْكم.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُلِحَّ عَلَيْكم بِما يُوجِبُهُ في أمْوالِكم ﴿ تَبْخَلُوا ﴾ \[يُقالُ: أحْفانِي بِالمَسْألَةِ وألْحَفَ: إذا ألَحَّ.
وقالَ السُّدِّيُّ: إنْ يَسْألْكم جَمِيعَ ما في أيْدِيكم تَبْخَلُوا\] .
﴿ وَيُخْرِجْ أضْغانَكُمْ ﴾ وقَرَأ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ يَعْمَرَ: "وَيُخْرَجُ" بِياءٍ مَرْفُوعَةٍ وفَتْحِ الرّاءِ "أضْغانُكُمْ" بِالرَّفْعِ.
وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو رَزِينٍ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، والجَحْدَرِيُّ: "وَتَخْرُجُ" بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ ورَفْعِ الرّاءِ "أضْغانُكُمْ" بِالرَّفْعِ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والوَلِيدُ عَنْ يَعْقُوبَ: "وَنَخْرِجُ" بِنُونٍ مَرْفُوعَةٍ وكَسْرِ الرّاءِ "أضْغانَكُمْ" بِنَصْبِ النُّونِ، أيْ: يُظْهِرُ بُغْضَكم وعَداوَتَكم لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ ؛ ولَكِنَّهُ فَرَضَ عَلَيْكم يَسِيرًا.
وَفِيمَن يُضافُ إلَيْهِ هَذا الإخْراجُ وجْهانِ.
أحَدُهُما: إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
والثّانِي: البُخْلُ، حَكاهُما الفَرّاءُ.
وقَدْ زَعَمَ قَوْمٌ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ الزَّكاةِ، ولَيْسَ بِصَحِيحٍ، لِأنّا قَدْ بَيَّنّا أنَّ مَعْنى الآيَةِ: إنْ يَسْألْكم جَمِيعَ أمْوالِكُمْ؛ والزَّكاةُ لا تُنافِي ذَلِكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ يَعْنِي ما فُرِضَ عَلَيْكم في أمْوَلِكم ﴿ فَمِنكم مَن يَبْخَلُ ﴾ بِما فُرِضَ عَلَيْهِ مِنَ الزَّكاةِ ﴿ وَمَن يَبْخَلْ فَإنَّما يَبْخَلْ عَنْ نَفْسِهِ ﴾ أيْ: عَلى نَفْسِهِ بِما يَنْفَعُها في الآخِرَةِ ﴿ واللَّهُ الغَنِيُّ ﴾ عَنْكم وعَنْ أمْوالِكم ﴿ وَأنْتُمُ الفُقَراءُ ﴾ إلَيْهِ وإلى ما عِنْدَهُ مِنَ الخَيْرِ والرَّحْمَةِ ﴿ وَإنْ تَتَوَلَّوْا ﴾ عَنْ طاعَتِهِ ﴿ يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ﴾ أطْوَعُ لَهُ مِنكم ﴿ ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ ﴾ بَلْ خَيْرًا مِنكم.
وفي هَؤُلاءِ القَوْمِ ثَمانِيَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُمُ العَجَمُ، قالَهُ الحَسَنُ.
وفِيهِ حَدِيثٌ يَرْوِيهِ أبُو هُرَيْرَةَ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿ وَإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ﴾ كانَ سَلْمانُ إلى جَنْبِ رَسُولِ اللَّهِ ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، مَن هَؤُلاءِ الَّذِينَ إذا تَوَلَّيْنا اسْتُبْدِلُوا بِنا؟
فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ [يَدَهُ] عَلى مَنكِبِ سَلْمانَ، فَقالَ: "هَذا وقَوْمُهُ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ أنَّ الدِّينَ مُعَلَّقٌ بِالثُّرَيّا لَتَناوَلَهُ رِجالٌ مِن فارِسَ" .» والثّانِي: فارِسُ والرُّومُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
والثّالِثُ: مَن يَشاءُ مِن جَمِيعِ النّاسِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والرّابِعُ: يَأْتِي بِخَلْقٍ جَدِيدٍ غَيْرِكُمْ، وهو مَعْنى قَوْلِ قَتادَةَ.
والخامِسُ: كِنْدَةُ والنَّخَعُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والسّادِسُ: أهْلُ اليَمَنِ، قالَهُ راشِدُ بْنُ سَعْدٍ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جُبَيْرٍ، وشُرَيْحُ بْنُ عُبَيْدٍ.
والسّابِعُ: الأنْصارُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّامِنُ: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ، حَكاهُ الزَّجّاجُ وقالَ: فِيهِ بُعْدٌ [لِأنَّهُ] لا يُقالُ لِلْمَلائِكَةِ "قَوْمٌ"، إنَّما يُقالُ ذَلِكَ لِلْآدَمِيِّينَ؛ قالَ: وقَدْ قِيلَ: إنْ تَوَلّى أهْلُ مَكَّةَ اسْتَبْدَلَ اللَّهُ بِهِمْ أهْلَ المَدِينَةِ، وهَذا [مَعْنى] ما ذَكَرْنا عَنْ مُقاتِلٍ.