الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > سورة 48 الفتح > الآيات ٢٥-٢٦
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 4 دقيقة قراءةقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ ﴿ وَصَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ ﴾ أنْ تَطُوفُوا بِهِ وتُحِلُّوا مِن عُمْرَتِكم ﴿ والهَدْيَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: وصَدُّوا الهَدْيَ ﴿ مَعْكُوفًا ﴾ أيْ: مَحْبُوسًا ﴿ أنْ يَبْلُغَ ﴾ أيْ: عَنْ أنْ يَبْلُغَ مَحَلّه قالَ المُفَسِّرُونَ: "مَحِلُّهُ" مَنحَرُهُ، وهو حَيْثُ يَحِلُّ نَحْرُهُ ﴿ وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ ونِساءٌ مُؤْمِناتٌ ﴾ وهْمُ المُسْتَضْعَفُونَ بِمَكَّةَ ﴿ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ ﴾ أيْ: لَمْ تَعَرِفُوهم ﴿ أنْ تَطَئُوهُمْ ﴾ بِالقَتْلِ.
ومَعْنى الآيَةِ: لَوْلا أنْ تَطَؤُوا رِجالًا مُؤْمِنِينَ ونِساءً مُؤْمِناتٍ بِالقَتْلِ، وتُوقِعُوا بِهِمْ ولا تَعْرِفُونَهُمْ، ﴿ فَتُصِيبَكم مِنهم مَعَرَّةٌ ﴾ وفِيها أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُهُما: إثْمٌ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والثّانِي: غُرْمُ الدِّيَةِ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.
والثّالِثُ: كَفّارَةُ قَتْلِ الخَطَإ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والرّابِعُ: عَيْبٌ بِقَتْلِ مَن هو عَلى دِينِكُمْ، حَكاهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
وفي الآيَةِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: لَأدْخَلْتُكم مِن عامِكم هَذا؛ وإنَّما حُلْتُ بَيْنَكم وبَيْنَهم ﴿ لِيُدْخِلَ اللَّهُ في رَحْمَتِهِ ﴾ أيْ: في دِينِهِ ﴿ مَن يَشاءُ ﴾ مِن أهْلِ مَكَّةَ، وهُمُ الَّذِينَ أسْلَمُوا بَعْدَ الصُّلْحِ ﴿ لَوْ تَزَيَّلُوا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَوْ تَفَرَّقُوا.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ: لَوْ تَمَيَّزُوا.
قالَ المُفَسِّرُونَ: لَوِ انْمازَ المُؤْمِنُونَ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴿ لَعَذَّبْنا الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ بِالقَتْلِ والسَّبْيِ بِأيْدِيكم.
وقالَ قَوْمٌ: لَوْ تَزَيَّلَ المُؤْمِنُونَ مِن أصْلابِ الكُفّارِ لَعَذَّبْنا الكُفّارَ.
وقالَ بَعْضُهُمْ: قَوْلُهُ: "لَعَذَّبْنا" جَوابٌ لِكَلامَيْنِ، أحَدُهُما: "لَوْلا رِجالٌ"، والثّانِي: "لَوْ تَزَيَّلُوا" وقَوْلُهُ: ﴿ إذْ جَعَلَ ﴾ مِن صِلَةِ قَوْلِهِ: ﴿ لَعَذَّبْنا ﴾ .
والحَمِيَّةُ: الأنَفَةُ والجَبْرِيَّةُ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: وإنَّما أخَذَتْهُمُ الحَمِيَّةُ حِينَ أرادَ رَسُولُ اللَّهِ دُخُولَ مَكَّةَ، فَقالُوا: يَدْخُلُونَ عَلَيْنا [وَقَدْ قَتَلُوا] أبْناءَنا وإخْوانَنا فَتَتَحَدَّثُ العَرَبُ بِذَلِكَ!
واللَّهِ لا يَكُونُ ذَلِكَ، ﴿ فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ ﴾ فَلَمْ يَدْخُلْهم ما دَخَلَ أُولَئِكَ فَيُخالِفُوا اللَّهَ في قِتالِهِمْ.
وقِيلَ: الحَمِيَّةُ ما تَداخَلَ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو مِنَ الأنَفَةِ أنْ يَكْتُبَ في كِتابِ الصُّلْحِ ذِكْرَ "الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" وذِكْرَ "رَسُولِ اللَّهِ" .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَألْزَمَهم كَلِمَةَ التَّقْوى ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُهُما: "لا إلْهُ إلّا اللَّهُ"، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ في آخَرِينَ، وقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا إلى النَّبِيِّ ؛ فَعَلى هَذا يَكُونُ مَعْنى: "ألْزَمَهُمْ": حَكَمَ لَهم بِها، وهي الَّتِي تَنْفِي الشِّرْكَ.
والثّانِي: "لا إلَهَ إلّا اللَّهُ واللَّهُ أكْبَرُ"، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ.
وعَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ كالقَوْلَيْنِ.
والثّالِثُ: "لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ"، قالَهُ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ.
والرّابِعُ: "لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ"، قالَهُ عَطاءٌ الخُرَسانِيُّ.
والخامِسُ: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"، قالَهُ الزُّهْرِيُّ.
فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى أنَّهُ لَمّا أبى المُشْرِكُونَ أنَّ يَكْتُبُوا هَذا في كِتابِ الصُّلْحِ، ألْزَمَهُ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ ﴿ وَكانُوا أحَقَّ بِها ﴾ مِنَ المُشْرِكِينَ "وَ" كانُوا أهْلها في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى.
<div class="verse-tafsir"