الآية ٢٥ من سورة الفتح

الإسلام > القرآن > سور > سورة 48 الفتح > الآية ٢٥ من سورة الفتح

هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَصَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْهَدْىَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُۥ ۚ وَلَوْلَا رِجَالٌۭ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌۭ مُّؤْمِنَـٰتٌۭ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَـُٔوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌۢ بِغَيْرِ عِلْمٍۢ ۖ لِّيُدْخِلَ ٱللَّهُ فِى رَحْمَتِهِۦ مَن يَشَآءُ ۚ لَوْ تَزَيَّلُوا۟ لَعَذَّبْنَا ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ٢٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 203 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٥ من سورة الفتح: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٥ من سورة الفتح عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى مخبرا عن الكفار من مشركي العرب من قريش ومن مالأهم على نصرتهم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( هم الذين كفروا ) أي : هم الكفار دون غيرهم ، ( وصدوكم عن المسجد الحرام ) أي : وأنتم أحق به ، وأنتم أهله في نفس الأمر ، ( والهدي معكوفا أن يبلغ محله ) أي : وصدوا الهدي أن يصل إلى محله ، وهذا من بغيهم وعنادهم ، وكان الهدي سبعين بدنة ، كما سيأتي بيانه .

وقوله : ( ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات ) أي : بين أظهرهم ممن يكتم إيمانه ويخفيه منهم خيفة على أنفسهم من قومهم ، لكنا سلطناكم عليهم فقتلتموهم وأبدتم خضراءهم ، ولكن بين أفنائهم من المؤمنين والمؤمنات أقوام لا تعرفونهم حالة القتل ; ولهذا قال : ( لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة ) أي : إثم وغرامة ( بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشاء ) أي : يؤخر عقوبتهم ليخلص من بين أظهرهم المؤمنين ، وليرجع كثير منهم إلى الإسلام .

ثم قال : ( لو تزيلوا ) أي : لو تميز الكفار من المؤمنين الذين بين أظهرهم ( لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما ) أي : لسلطناكم عليهم فلقتلتموهم قتلا ذريعا .

قال الحافظ أبو القاسم الطبراني : حدثنا أبو الزنباع روح بن الفرج - حدثنا عبد الرحمن بن أبي عباد المكي ، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله أبو سعيد - مولى بني هاشم - حدثنا حجر بن خلف : سمعت عبد الله بن عوف يقول : سمعت جنيد بن سبع يقول : قاتلت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أول النهار كافرا ، وقاتلت معه آخر النهار مسلما ، وفينا نزلت : ( ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات ) قال : كنا تسعة نفر : سبعة رجال وامرأتين .

ثم رواه من طريق أخرى عن محمد بن عباد المكي به ، وقال فيه : عن أبي جمعة جنيد بن سبع ، فذكره والصواب أبو جعفر : حبيب بن سباع .

ورواه ابن أبي حاتم من حديث حجر بن خلف ، به .

وقال : كنا ثلاثة رجال وتسع نسوة ، وفينا نزلت : ( ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات ) .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين ، حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري ، حدثنا عبد الله بن عثمان بن جبلة ، عن أبي حمزة ، عن عطاء عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : ( لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما ) يقول : لو تزيل الكفار من المؤمنين ، لعذبهم الله عذابا أليما بقتلهم إياهم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (25) يقول تعالى ذكره: هؤلاء المشركون من قريش هم الذين جحدوا توحيد الله, وصدوكم أيها المؤمنون بالله عن دخول المسجد الحرام, وصدوا الهدي معكوفا: يقول: محبوسًا عن أن يبلغ محله.

فموضع " أن " نصب لتعلقه إن شئت بمعكوف, وإن شئت بصدّوا.

وكان بعض نحويي البصرة يقول في ذلك: وصدّوا الهدي معكوفا كراهية أن يبلغ محله.

وعنى بقوله تعالى ذكره: ( أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ ) أن يبلغ محلّ نحره, وذلك دخول الحرم, والموضع الذي إذا صار إليه حلّ نحره, وكان رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ساق معه حين خرج إلى مكة في سَفرته تلك سبعين بدنة.

حدثنا ابن حميد, قال: ثنا سلمة, قال: ثني محمد بن إسحاق, عن محمد بن مسلم الزهري, عن عروة بن الزبير, عن المِسْوَر بن مخرمة ومروان بن الحكم أنهما حدّثاه, قالا خرج رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم عام الحُديبية يريد زيارة البيت, لا يريد قتالا وساق الهَدي معه سبعين بدنة وكان الناس سبعَمائة رجل, فكانت كلّ بدنة عن عشرة .

وبنحو الذي قلنا في معنى قوله ( هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ ) قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله ( هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا ) : أي محبوسا( أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ ) وأقبل نبيّ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وأصحابه معتمرين في ذي القعدة, ومعهم الهدي, حتى إذا كانوا بالحُديبية, صدّهم المشركون, فصالحهم نبيّ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم على أن يرجع من عامه ذلك, ثم يرجع من العام المقبل, فيكون بمكة ثلاث ليال, ولا يدخلها إلا بسلاح الراكب, ولا يخرج بأحد من أهلها, فنحروا الهدي, وحلقوا, وقصَّروا, حتى إذا كان من العام المقبل, أقبل نبيّ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وأصحابه حتى دخلوا مكة معتمرين في ذي القعدة, فأقام بها ثلاث ليال, وكان المشركون قد فجروا عليه حين ردّوه, فأقصه الله منهم فأدخله مكة في ذلك الشهر الذي كانوا ردّوه فيه, فأنـزل الله الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ .

حدثني محمد بن عمارة الأسديّ وأحمد بن منصور الرمادي, واللفظ لابن عمارة, قالا حدثنا عبيد الله بن موسى, قال: أخبرنا موسى بن عبيدة, عن إياس من سَلمة بن الأكوع, عن أبيه, قال: بعثت قريش سُهَيل بن عمرو, وحويطب بن عبد العُزَّى, وحفص بن فلان إلى النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ليصالحوه فلما رآهم رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم فيهم سُهَيل بن عمرو, قال: قد سهَّل الله لكم من أمركم, القوم ماتُّون إليكم بأرحامهم وسائلوكم الصلح, فابعثوا الهَدي, وأظهروا التلبية, لعلّ ذلك يلين قلوبهم, فلبوا من نواحي العسكر حتى ارتجَّت أصواتهم بالتَّلبية, فجاءوا فسألوه الصلح; قال: فبينما الناس قد توادعوا وفي المسلمين ناس من المشركين, قال: فقيل به أبو سفيان; قال: وإذا الوادي يسيل بالرجال; قال: قال إياس, قال سلمة: فجئت بستة من المشركين متسلحين أسوقهم, لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرّا, فأتيت بهم النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم, فلم يسلب ولم يقتل وعفا; قال: فشددنا على من في أيدي المشركين منا, فما تركنا في أيديهم منا رجلا إلا استنقذناه; قال: وغلبنا على من في أيدينا منهم; ثم إن قريشا بعثوا سُهَيل بن عمرو, وحويطبا, فولوا صلحهم, وبعث النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم عليا في صلحه; فكتب عليّ بينهم: بسم الله الرحمن الرحيم, هذا ما صالح عليه محمد رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم قريشا, صالحهم على أنه لا إهلال ولا امتلال, وعلى أنه من قَدِم مكة من أصحاب محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم حاجا أو معتمرا, أو يبتغي من فضل الله, فهو آمن على دمه وماله; ومن قدم المدينة من قريش مجتازا إلى مصر أو إلى الشام يبتغي من فضل الله, فهو آمن على دمه وماله; وعلى أنه من جاء محمدا صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم من قريش فهو إليهم رُدّ, ومن جاءهم من أصحاب محمد فهو لهم.

فاشتدّ ذلك على المسلمين, فقال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: مَنْ جَاءَهُمْ مِنَّا فأَبْعَدَهُ اللّهُ, وَمَنْ جاءنَا مِنْهُمْ فَرَدَدْناه إلَيْهِم فَعَلِم اللّهُ الإسْلامَ من نفسه, جَعَلَ لَهُ مَخْرَجا.

فصالحوه على أنه يعتمر في عام قابل في هذا الشهر, لا يدخل علينا بخيل ولا سلاح, إلا ما يحمل المسافر في قِرابه, يثوي فينا ثلاث ليال, وعلى أن هذا الهَدْي حيثما حبسناه محلَّه لا يقدمه علينا.

فقال لهم رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: نَحْن نَسُوقُهُ وأنْتُمْ تَرُدونَ وُجُوهَهُ, فسار رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم مع الهدي وسار الناس ".

حدثني محمد بن عمارة, قال: ثنا عبيد الله بن موسى, قال: أخبرنا موسى, قال: أخبرني أبو مُرّة مولى أمّ هانئ, عن ابن عمر, قال: " كان الهدي دون الجبال التي تطلع على وادي الثنية عرض له المشركون, فردُوا وجوهه; قال: فنحر النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم الهدي حين حبسوه, وهي الحُديبية, وحلق, وتأسّى به أُناس حين رأوه حلق, وتربَّص آخرون, فقالوا: لعلنا نطوف بالبيت, فقال رسول الله: رَحِمَ اللّهُ المُحَلِّقِينَ, قيل: والمقصرين, قال: رَحِمَ اللّهُ المحَلِّقِينَ, قيل: والمقصرين, قال: والمُقَصِّرينَ" .

حدثنا ابن حميد, قال: ثنا الحكم بن بشير, قال: ثنا عمر بن ذَرّ الهمداني, عن مجاهد " أن النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم اعتمر ثلاث عمر, كلها في ذي القعدة, يرجع في كلها إلى المدينة, منها العمرة التي صدّ فيها الهدي, فنحره في محله, عند الشجرة, وشارطوه أن يأتي في العام المقبل معتمرا, فيدخل مكة, فيطوف بالبيت ثلاثة أيام, ثم يخرج, ولا يحبسون عنه أحدا قدم معه, ولا يخرج من مكة بأحد كان فيها قبل قدومه من المسلمين; فلما كان من العام المقبل دخل مكة, فأقام بها ثلاثا يطوف بالبيت ; فلما كان اليوم الثالث قريبا من الظهر, أرسلوا إليه: إن قومك قد آذاهم مقامك, فنُودي في الناس: لا تغرب الشمس وفيها أحد من المسلمين قَدم مع رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ".

حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن الزهريّ, عن عروة بن الزبير, عن المسور بن مخرمة, قال: خرج النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم زمن الحُديبية في بضع عشرة مئة من أصحابه, حتى إذا كانوا بذي الحليفة قلَّد الهدي وأشعره, وأحرم بالعمرة, وبعث بين يديه عينا له من خُزاعة يخبره عن قريش, وسار النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم, حتى إذا كان بغدير الأشطاط قريبا من قُعَيقعان, أتاه عينه الخزاعيّ, فقال.

إني تركت كعب بن لؤيّ وعامر بن لؤيّ قد جمعوا لك الأحابيش, وجمعوا لك جموعا, وهم مقاتلوك وصادّوك عن البيت, فقال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: أشيرُوا عَليَّ, أتَرَوْنَ أنْ نَمِيلَ على ذَرَارِي هَؤُلاءِ الَّذِينَ أعانُوهُمْ فَنُصِيبَهُمْ, فإنْ قَعَدُوا قَعَدُوا مَوْتُورِينَ مَحْزُونِينَ وإنْ لَحُّوا تَكُنْ عُنُقا قَطَعَها الله؟

أمْ تَرَوْنَ أنَّا نَؤُمُّ الْبَيْتَ, فَمنْ صَدّنا عَنْهُ قاتَلْناهُ؟

" فقام أبو بكر رضي الله عنه فقال: يا رسول الله: إنا لم نأتِ لقتال أحد, ولكن من حالَ بيننا وبين البيت قاتلناه ; فقال النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: فَروّحُوا إذًا; وكان أبو هريرة يقول: ما رأيت أحدا قطّ كان أكثر مُشاورة لأصحابه من النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم, فراحوا حتى إذا كانوا ببعض الطريق, قال النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: إنَّ خالدَ بنَ الوَلِيدِ بالغَمِيم في خَيْل لِقُرَيْشٍ طَلِيعَةً, فخُذُوا ذَاتَ الْيمِينِ, فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هو بقُتْرة الجيش, فانطلق يركض نذيرا لقريش, وسار النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم, حتى إذا كان بالثنية التي يُهْبط عليهم منها, بركت به راحلته; فقال الناس: حَلْ حَلْ, (2) فقال: ما حَلْ ؟

فقالوا: خَلأتِ القَصْواء, (3) فقال النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: ما خَلأتْ ومَا ذَاكَ لَهَا بخُلُقٍ, ولَكِنَّها حَبَسَها حابِسُ الفِيل, ثم قال: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يَسألُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ بِها حُرُماتِ اللّهِ إلا أعْطَيْتُهُمْ إيَّاها, ثم زُجِرت فوثبت فعدل عنهم حتى نـزل بأقصى الحُديبية على ثمد قليل الماء, إنما يتبرّضه الناس تبرّضا, فلم يلبث الناس أن نـزحوه, فشُكِي إلى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم العطش, فنـزع سهما من كنانته, ثم أمرهم أن يجعلوه فيه, فوالله ما زال يجيش لهم بالرِّيّ حتى صدروا عنه, فبينما هم كذلك جاء بُدَيل بن ورقاء الخزاعي في نفر من خُزاعة, وكانوا عَيبة نصح رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم من أهل تهامة, فقال: إني تركت كعب بن لُؤَيّ, وعامر بن لُؤَيّ, قد نـزلوا أعداد مياه الحُديبية معهم العوْذ المطافيل, وهم مقاتلوك وصادّوك عن البيت, فقال النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: " إنَّا لَمْ نأْتِ لِقِتالِ أَحَدٍ, وَلَكِنَّا جِئْنا مُعْتَمِرِينَ, وَإنَّ قُرَيْشا قَدْ نَهَكَتْهُمُ الحَرْبُ, وأَضَرَّتْ بِهمْ, فإنْ شاءُوا مادَدْناهُمْ مُدَّةً, ويُخْلُوا بَيْنِي وَبَينَ النَّاسِ, فإنْ أظْهَرَ فإنْ شاءوا أنْ يَدْخُلُوا فيما دَخَلَ فِيهِ النَّاسُ فَعَلُوا, وَإلا فَقَدْ جَمُّوا وَإنْ هُمْ أَبَوْا فَوَالَّذي نَفْسِي بِيَدِهِ لأقاتِلنَّهُمْ عَلى أمْرِي هَذَا حتى تَنْفَرِدَ سالِفَتي, أوْ لَيُنْفِذَن اللّه أمْرَهُ فقال بديل: سنبلغهم ما تقول, فانطلق حتى أتى قريشا, فقال: إنا جئناكم من عند هذا الرجل, وسمعناه يقول قولا فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا; قال سفهاؤهم: لا حاجة لنا في أن تحدّثنا عنه بشيء, وقال ذوو الرأي منهم: هات ما سمعته; يقول: قال سمعته يقول كذا وكذا, فحدثهم بما قال النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم, فقام عُروة بن مسعود الثقفي, فقال: أيْ قوم, ألستم بالولد؟

قالوا: بلى; قال: أولست بالوالد؟

قالوا: بلى, قال: فهل أنتم تتهموني؟

قالوا: لا قال: ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ, فلما بلحوا عليّ جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني ؟

قالوا: بلى; قال: فإن هذا الرجل قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها, ودعوني آته; فقالوا: ائته, فأتاه, فجعل يكلم النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم, فقال النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم نحوا من مقالته لبُديل; فقال عروة عند ذلك: أي محمد, أرأيت إن استأصلت قومك, فهل سمعت بأحد من العرب اجتاح أصله قبلك؟

وإن تكن الأخرى فوالله إني لأرى وجوها وأوباشا من الناس خليقا أن يفرّوا ويدعوك, فقال أبو بكر: امصُصْ بظر اللات, واللاتُ: طاغية ثقيف الذي كانوا يعبدون, أنحن نفرّ وندعه؟

فقال: من هذا؟

فقالوا: أبو بكر, فقال: أما والذي نفسي بيده لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك ; وجعل يكلم النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم, فكلما كلمه أخذ بلحيته, والمغيرة بن شعبة قائم على رأس النبيّ ومعه السيف, وعليه المغفر; فكلما أهوى عروة إلى لحية رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم, ضرب يده بنصل السيف, وقال: أخِّر يدك عن لحيته, فرفع رأسه فقال: من هذا؟

قالوا: المغيرة بن شعبة, قال: أي غُدَرُ أولست أسعى في غدرتك.

وكان المُغيرة بن شعبة صحب قوما في الجاهلية, فقتلهم وأخذ أموالهم, ثم جاء فأسلم, فقال النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: أمَّا الإسْلامُ فَقَدْ قَبِلْناهُ, وأمَّا المَالُ فإنَّه مَالُ غَدْرٍ لا حاجَةَ لنَا فِيهِ.

وإن عُروة جعل يرمق أصحاب النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بعينه, فوالله إن تنخم النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم نخامة إلا وقعت في كفّ رجل منهم, فدلك بها وجهه وجلده, وإذا أمرهم ابتدروا أمره, وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وَضوئه, وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده, وما يحدّون النظر إليه تعظيما له, فرجع عروة إلى أصحابه, فقال أي قوم, والله لقد وفدت على الملوك, ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشيّ, والله ما رأيت مَلِكا قطّ يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدا ; والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كفّ رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده, وإذا أمرهم ابتدروا أمره, وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وَضوئه, وإذا تكلموا عنده خفوا أصواتهم, وما يحدّون النظر إليه تعظيما له, وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها.

فقال رجل من كنانة: دعوني آته, فقالوا: ائته; فلما أشرف على النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وأصحابه, قال النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: " هذا فلان, وهو من قوم يعظمون البدن, فابعثوها له, فبعثت له, واستقبله قوم يلبون; فلما رأى ذلك قال سبحان الله, ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت, فقام رجل منهم يقال له مِكْرز بن حفص, فقال: دعوني آته, فقالوا ائته, فلما أشرف على النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وأصحابه, قال النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: هَذَا مِكْرِز بْنُ حَفْصٍ, وَهُوَ رَجُلٌ فَاجِرٌ؛ فجاء فجعل يكلم النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم, فبينما هو يكلمه, إذ جاء سُهَيل بن عمرو, قال أيوب, قال عكرِمة: إنه لما جاء سُهَيل, قال النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: قد سهل لكم من أمركم.

قال الزهري.

فجاء سهيل بن عمرو, فقال: هات نكتب بيننا وبينك كتابا; فدعا الكاتب فقال النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: اكْتُبْ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ, فقال: ما الرحمن ؟

فوالله ما أدري ما هو, ولكن اكتب: باسمك اللهم كما كنت تكتب, فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم, فقال النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: اكْتُبْ: باسْمِكَ اللَّهُمَّ ثم قال: اكْتُبْ: هَذَا ما قاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ, فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت, ولا قاتلناك, ولكن اكتب: محمد بن عبد الله, فقال النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: وَاللّهِ إنّي لَرَسُولُ اللّهِ وَإِنْ كَذَبْتُمُوني, وَلَكِن اكْتُبْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ; قال الزهري: وذلك لقوله: وَاللّهِ لا يَسألُوني خُطَّةً يُعَظِّمُونَ بِها حُرُماتِ اللهِ إلا أعْطَيْتُهُمْ إيَّاها; فقال النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: عَلى أنْ تُخَلُّوا بَيْنَنا وَبيْنَ البَيْتِ, فَنَطُوفُ بِهِ; قال سُهيل: والله لا تتحدّث العرب أنا أُخِذنا ضغطة, ولكن لك من العام المقبل, فكتب فقال سهيل, وعلى أنه لا يأتيك منا رجل إن كان على دينك إلا رددته إلينا, فقال المسلمون: سبحان الله, وكيف يُرد إلى المشركين وقد جاء مسلما؟

فبينما هم كذلك, إذا جاء أبو جَنْدل بن سُهيل بن عمرو يرسُف في قيوده, قد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين, فقال سهيل: هذا يا محمد أوّل من أقاضيك عليه أن تردّه إلينا, فقال النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: فَأَجِرْهُ لي, فقال: ما أنا بمجيره لك, قال: بلى فافعل, قال: ما أنا بفاعل; قال صاحبه مِكْرز وسهيل إلى جنبه: قد أجرناه لك; فقال أبو جندل أي معاشر المسلمين, أأُردّ إلى المشركين وقد جئتُ مسلما؟

ألا ترون ما قد لقيت؟

كان قد عُذّب عذابا شديدا في الله.

قال عمر بن الخطاب: والله ما شككت منذ أسلمت إلا يومئذ, فأتيت النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم, فقلت: ألسنا على الحقّ وعدوّنا على الباطل ؟

قال: بلى, قلت: فِلم نعطَى الدنية في ديننا إذا ؟

قال: إنّي رَسُولُ اللّهِ, وَلَسْتُ أَعْصِيه وَهُوَ ناصري, قلت: ألست تحدِّثنا أنا سنأتي البيت, فنطوف به؟

قال: بَلى, قال: فأخبرتك أنك تأتيه العام؟

قلت: لا قال: فإنِّكَ آتِيهِ وَمتطَوّفٌ به; قال: ثم أتيت أبا بكر, فقلت: أليس هذا نبيّ الله حقا؟

قال: بلى, قلت: ألسنا على الحقّ وعدوّنا على الباطل ؟

قال: بلى, قلت: فلِم نعطَى الدنية في ديننا إذا؟

قال أيها الرجل إنه رسول الله, وليس يعصِي ربه, فاستمسك بغرزه حتى تموت, فوالله إنه لعلى الحقّ; قلت: أوليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟

قال: بلى, أفأخبرك أنك تأتيه العام؟

قال: لا قال: فإنك آتيه ومتطوّف به.

قال الزُّهري: قال عمر: فعملت لذلك أعمالا فلما فرغ من قصته, قال النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم لأصحابه: قُومُوا فانحَروا ثم احْلِقُوا, قال: فوالله ما قام منا رجل حتى قال ذلك ثلاث مرّات ; فلما لم يقم منهم أحد, قام فدخل على أم سلمة, فذكر لها ما لقي من الناس, فقالت أُمُّ سلمة: يا رسول الله أتحبّ ذلك؟

اخرج, ثم لا تكلم أحدا منهم كلمة حتى تنحر بدنك, وتدعو حالقك فيحلقك, فقام فخرج فلم يكلم أحدا منهم كلمة, حتى نحر بدنه, ودعا حالقه فحلقه; فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا, وجعل بعضهم يحلق بعضا, حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غما; ثم جاءه نسوة مؤمنات, فأنـزل الله عزّ وجلّ عليه يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ حتى بلغ بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ قال: فطلق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك; قال: فنهاهم أن يردوهن, وأمرهم أن يردّوا الصداق حينئذ; قال رجل للزهريّ: أمن أجل الفروج؟

قال: نعم, فتزوّج إحداهما معاوية بن أبي سفيان, والأخرى صفوان بن أمية, ثم رجع النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم إلى المدينة, فجاءه أبو بصير, رجل من قريش, وهو مسلم, فأرسل في طلبه رجلان, فقالا العهد الذي جعلت لنا, فدفعه إلى الرجلين, فخرجا به, حتى إذا بلغا ذا الحليفة, فنـزلوا يأكلون من تمر لهم, فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله إني لأرى سيفك هذا يا فلان جيدا, فاستله الآخر فقال: والله إنه لجيد, لقد جربت به وجربت; فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه فأمكنه منه, فضربه به حتى برد وفرّ الآخر حتى أتى المدينة, فدخل المسجد يعدو, فقال النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: رأى هَذَا ذُعْرًا, فقال: والله قتل صاحبي, وإني والله لمقتول, فجاء أبو بصير فقال: قد والله أوفى الله ذمتك ورددتني إليهم, ثم أغاثني الله منهم, فقال النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: وَيْلُ أمِّهِ مِسْعَرُ حَرْب لَوْ كانَ لَهُ أحَدٌ؛ فلما سمع عرف أنه سيردّه إليهم; قال: فخَرج حتى أتى سيف البحر, وتفلَّت أبو جندل بن سهيل بن عمرو, فلحق بأبي بصير, فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير, حتى اجتمعت منهم عصابة, فوالله ما يسمعون بعير خرجت لقريش إلى الشأم إلا اعترضوا لهم فقتلوهم, وأخذوا أموالهم, فأرسلت قريش إلى النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم يناشدونه الله والرحم لما أرسل إليهم, فمن أتاه فهو آمن فأنـزل الله ( وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ ) حتى بلغ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وكانت حميتهم أنهم لم يقرّوا أنه نبيّ, ولم يقرّوا ببسم الله الرحمن الرحيم, وحالوا بينهم وبين البيت ".

حدثني يعقوب بن إبراهيم, قال: ثنا يحيى بن سعيد, قال: ثنا عبد الله بن المبارك, قال: أخبرنا معمر, عن الزهريّ, عن عروة, عن المسور بن مخرمة, ومروان بن الحكم, قالا خرج رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم زمن الحُديبية في بضع عشرة مئة, ثم ذكر نحوه, إلا أنه قال في حديثه, قال الزهريّ, فحدثني القاسم بن محمد, أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: فأتيت النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم, فقلت: ألست برسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ؟

قال: بَلى, قال أيضا: وخرج أبو بصير والذين أسلموا من الذين رَدّ رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم حتى لحقوا بالساحل على طريق عير قريش, فقتلوا من فيها من الكفار وتغنَّموها; فلما رأى ذلك كفار قريش, ركب نفر منهم إلى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم, فقالوا له: إنها لا تغني مدتك شيئا, ونحن نقتل وتُنهب أمولنا, وإنا نسألك أن تدخل هؤلاء في الذين أسلموا منا في صلحك وتمنعهم, وتحجز عنا قتالهم, ففعل ذلك رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم, فأنـزل الله: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ , ثم ساق الحديث إلى آخره ", نحو حديث ابن عبد الأعلى.

حدثنا ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق, عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهريّ, عن عروة بن الزبير, عن المسور بن مخرمة, ومروان بن الحكم أنهما حدّثاه, قالا " خرج رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم عام الحُديبية, يريد زيارة البيت, لا يريد قتالا وساق معه هديه سبعين بدنة, حتى إذا كان بعسفان لقيه بشر بن سفيان الكعبي, فقال له: يا رسول الله هذه قريش قد سمعت بمسيرك, فخرجوا معهم العوذُ المطافيلُ قد لبسوا جلود النمور, ونـزلوا بذي طوى يعاهدون الله, لا تدخلها عليهم أبدا, وهذا خالد بن الوليد في خيلهم, قد قدموها إلى كراع الغميم; قال: فقال صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: يا وَيْحَ قُرَيْشٍ لَقَدْ أهْلَكَتْهُمُ الحَرْبُ, ماذَا عَلَيْهمْ لَوْ خَلُّوا بَيْنِي وَبَينَ سائِرِ العَرب فإنْ هُمْ أصابُونِي كانَ ذلكَ الَّذِي أرَادُوا, وَإنْ أظْهَرَنِي اللّهُ عَلَيْهِم دَخَلُوا فِي الإسْلامِ دَاخِرِينَ" ثم ذكر نحو حديث معمر بزيادات فيه كثيرة, على حديث معمر تركت ذكرها.

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله ( وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ ) قال: كان الهدي بذي طوى, والحُديبية خارجة من الحرم, نـزلها رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم حين غِوَّرت قريش عليه الماء.

وقوله ( وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ ) يقول تعالى ذكره: ولولا رجال من أهل الإيمان ونساء منهم أيها المؤمنون بالله أن تطئوهم بخيلكم ورجلكم لم تعلموهم بمكة, وقد حبسهم المشركون بها عنكم, فلا يستطيعون من أجل ذلك الخروج إليكم فتقتلوهم.

كما حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله ( وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ )...

حتى بلغ ( بِغَيْرِ عِلْمٍ ) هذا حين رد محمد وأصحابه أن يدخلوا مكة, فكان بها رجال مؤمنون ونساء مؤمنات, فكره الله أن يؤذوا أو يوطئوا بغير علم, فتصيبكم منهم معرّة بغير علم.

واختلف أهل التأويل في المعرّة التي عناها الله في هذا الموضع, فقال بعضهم: عني بها الإثم.

* ذكر من قال ذلك: حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله ( وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ ) قال: إثم بغير علم.

وقال آخرون: عني بها غرم الدية.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق ( فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ ) فتخرجوا ديته, فأما إثم فلم يحسبه عليهم.

والمعرّة: هي المفعلة من العرّ, وهو الجرب وإنما المعنى: فتصيبكم من قبلهم معرّة تعرّون بها, يلزمكم من أجلها كفَّارة قتل الخطأ, وذلك عتق رقبة مؤمنة, من أطاق ذلك, ومن لم يطق فصيام شهرين .

وإنما اخترت هذا القول دون القول الذي قاله ابن إسحاق, لأن الله إنما أوجب على قاتل المؤمن في دار الحرب إذا لم يكن هاجر منها, ولم يكن قاتله علم إيمانه الكفارة دون الدية, فقال فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ لم يوجب على قاتله خطأ ديته, فلذلك قلنا: عني بالمعرّة في هذا الموضع الكفارة, و ( أن ) من قوله ( أَنْ تَطَئُوهُمْ ) في موضع رفع ردًا على الرجال, لأن معنى الكلام: ولولا أن تطئوا رجالا مؤمنين ونساء مؤمنات لم تعلموهم, فتصيبكم منهم معرّة بغير علم لأذن الله لكم أيها المؤمنون في دخول مكة, ولكنه حال بينكم وبين ذلك ( لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ ) يقول: ليدخل الله في الإسلام من أهل مكة من يشاء قبل أن تدخلوها, وحذف جواب لولا استغناء بدلالة الكلام عليه.

وقوله ( لَوْ تَزَيَّلُوا ) يقول: لو تميز الذين في مشركي مكة من الرجال المؤمنين والنساء المؤمنات الذين لم تعلموهم منهم, ففارقوهم وخرجوا من بين أظهرهم ( لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ) يقول: لقتلنا من بقي فيها بالسيف, أو لأهلكناهم ببعض ما يؤلمهم من عذابنا العاجل.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله ( لَوْ تَزَيَّلُوا )...

الآية, إن الله يدفع بالمؤمنين عن الكفار.

حُدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمع الضحاك يقول في قوله ( لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ ) يعني أهل مكة كان فيهم مؤمنون مستضعفون: يقول الله لولا أولئك المستضعفون لو قد تزيَّلوا, لعذّبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما.

حدثنا يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله ( لَوْ تَزَيَّلُوا ) لو تفرّقوا, فتفرّق المؤمن من الكافر, لعذّبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما .قوله تعالى : هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله فيه ثلاث مسائل : الأولى : قوله تعالى : هم الذين كفروا يعني قريشا ، منعوكم دخول المسجد الحرام عام الحديبية حين أحرم النبي - صلى الله عليه وسلم - مع أصحابه بعمرة ، ومنعوا الهدي وحبسوه عن أن يبلغ [ ص: 258 ] محله .

وهذا كانوا لا يعتقدونه ، ولكنه حملتهم الأنفة ودعتهم حمية الجاهلية إلى أن يفعلوا ما لا يعتقدونه دينا ، فوبخهم الله على ذلك وتوعدهم عليه ، وأدخل الأنس على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ببيانه ووعده .الثانية : قوله تعالى : والهدي معكوفا أي محبوسا .

وقيل : موقوفا .

وقال أبو عمرو بن العلاء : مجموعا .

الجوهري : عكفه أي : حبسه ووقفه ، يعكفه ويعكفه عكفا ، ومنه قوله تعالى : والهدي معكوفا ، يقال ما عكفك عن كذا .

ومنه الاعتكاف في المسجد وهو الاحتباس .

أن يبلغ محله أي منحره ، قاله الفراء .

وقال الشافعي - رضي الله عنه - : الحرم .

وكذا قال أبو حنيفة - رضي الله عنه - ، المحصر محل هديه الحرم .

والمحل ( بكسر الحاء ) : غاية الشيء .

( وبالفتح ) : هو الموضع الذي يحله الناس .

وكان الهدي سبعين بدنة ، ولكن الله بفضله جعل ذلك الموضع له محلا .وقد اختلف العلماء في هذا على ما تقدم بيانه في ( البقرة ) عند قوله تعالى : فإن أحصرتم والصحيح ما ذكرناه .وفي صحيح مسلم عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال : نحرنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام الحديبية البدنة عن سبعة ، والبقرة عن سبعة .

وعنه قال : اشتركنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الحج والعمرة كل سبعة في بدنة .

فقال رجل لجابر : أيشترك في البدنة ما يشترك في الجزور ؟

قال : ما هي إلا من البدن .

وحضر جابر الحديبية قال : ونحرنا يومئذ سبعين بدنة ، اشتركنا كل سبعة في بدنة .

وفي البخاري عن ابن عمر قال : خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معتمرين ، فحال كفار قريش دون البيت ، فنحر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بدنة وحلق رأسه .

قيل : إن الذي حلق رأسه يومئذ خراش بن أمية بن أبي العيص الخزاعي ، وأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المسلمين أن ينحروا ويحلوا ، ففعلوا بعد توقف كان منهم أغضب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

فقالت له أم سلمة : لو نحرت لنحروا ، فنحر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هديه ونحروا بنحره ، وحلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأسه ودعا للمحلقين ثلاثا وللمقصرين مرة .

ورأى كعب بن عجرة والقمل يسقط على وجهه ، فقال : [ أيؤذيك هوامك ] ؟

قال نعم ، فأمره أن يحلق وهو بالحديبية .

خرجه البخاري والدارقطني .

وقد مضى في ( البقرة )[ ص: 259 ] الثالثة : قوله تعالى : والهدي الهدي والهدي لغتان .

وقرئ حتى يبلغ الهدي محله بالتخفيف والتشديد ، الواحدة هدية .

وقد مضى في ( البقرة ) أيضا .

وهو معطوف على الكاف والميم من صدوكم ومعكوفا حال ، وموضع أن من قوله : أن يبلغ محله نصب على تقدير الحمل على صدوكم أي : صدوكم وصدوا الهدي عن أن يبلغ .

ويجوز أن يكون مفعولا له ، كأنه قال : وصدوا الهدي كراهية أن يبلغ محله .

أبو علي : لا يصح حمله على العكف ، لأنا لا نعلم ( عكف ) جاء متعديا ، ومجيء معكوفا في الآية يجوز أن يكون محمولا على المعنى ، كأنه لما كان حبسا حمل المعنى على ذلك ، كما حمل الرفث على معنى الإفضاء فعدي بإلى ، فإن حمل على ذلك كان موضعه نصبا على قياس قول سيبويه ، وجرا على قياس قول الخليل .

أو يكون مفعولا له ، كأنه قال : محبوسا كراهية أن يبلغ محله .

ويجوز تقدير الجر في أن لأن عن تقدمت ، فكأنه قال : وصدوكم عن المسجد الحرام ، وصدوا الهدي ( عن ) أن يبلغ محله .

ومثله ما حكاه سيبويه عن يونس : مررت برجل إن زيد وإن عمرو ، فأضمر الجار لتقدم ذكره .قوله تعالى : ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم فيه ثلاث مسائل : الأولى : قوله تعالى : ولولا رجال مؤمنون يعني المستضعفين من المؤمنين بمكة وسط الكفار ، كسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة وأبي جندل بن سهيل ، وأشباههم .

لم تعلموهم أي : تعرفوهم .

وقيل : لم تعلموهم أنهم مؤمنون .

أن تطئوهم بالقتل والإيقاع بهم ، يقال : وطئت القوم ، أي : أوقعت بهم .

وأن يجوز أن يكون رفعا على البدل من رجال ، ونساء كأنه قال ولولا وطؤكم رجالا مؤمنين ونساء مؤمنات .

ويجوز أن يكون نصبا على البدل من الهاء والميم في تعلموهم ، فيكون التقدير : لم تعلموا وطأهم ، وهو في الوجهين بدل الاشتمال .

لم تعلموهم نعت ل ( رجال ) و ( نساء ) ، وجواب لولا محذوف ، والتقدير : ولو أن تطئوا رجالا مؤمنين ونساء مؤمنات لم تعلموهم لأذن الله لكم في دخول مكة ، ولسلطكم عليهم ، ولكنا صنا من كان فيها يكتم إيمانه .

وقال الضحاك : لولا من في أصلاب الكفار وأرحام نسائهم من رجال مؤمنين ونساء مؤمنات لم تعلموا أن تطئوا آباءهم فتهلك أبناؤهم .الثانية : قوله تعالى : فتصيبكم منهم معرة بغير علم المعرة العيب ، وهي مفعلة من العر وهو الجرب ، أي : يقول المشركون : قد قتلوا أهل دينهم .

وقيل : المعنى يصيبكم من قتلهم [ ص: 260 ] ما يلزمكم من أجله كفارة قتل الخطأ ; لأن الله تعالى إنما أوجب على قاتل المؤمن في دار الحرب إذا لم يكن هاجر منها ولم يعلم بإيمانه الكفارة دون الدية في قوله : فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة قاله الكلبي ومقاتل وغيرهما .

وقد مضى في ( النساء ) القول فيه .

وقال ابن زيد : معرة : إثم .

وقال الجوهري وابن إسحاق : غرم الدية .

قطرب : شدة .

وقيل : غم .الثالثة : قوله تعالى : بغير علم تفضيل للصحابة وإخبار عن صفتهم الكريمة من العفة عن المعصية والعصمة عن التعدي ، حتى لو أنهم أصابوا من ذلك أحدا لكان عن غير قصد .

وهذا كما وصفت النملة عن جند سليمان - عليه السلام - في قولها : لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون .قوله تعالى : ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا فيه أربع مسائل : الأولى : قوله تعالى : ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا اللام في ليدخل متعلقة بمحذوف ، أي : لو قتلتموهم لأدخلهم الله في رحمته .

ويجوز أن تتعلق بالإيمان .

ولا تحمل على مؤمنين دون مؤمنات ولا على مؤمنات دون مؤمنين لأن الجميع يدخلون في الرحمة .

وقيل : المعنى لم يأذن الله لكم في قتال المشركين ليسلم بعد الصلح من قضى أن يسلم من أهل مكة ، وكذلك كان ؛ أسلم الكثير منهم وحسن إسلامه ، ودخلوا في رحمته ، أي : جنته .الثانية : قوله تعالى : لو تزيلوا أي تميزوا ، قاله القتبي .

وقيل : لو تفرقوا ، قاله الكلبي .

وقيل : لو زال المؤمنون من بين أظهر الكفار لعذب الكفار بالسيف ، قاله الضحاك ولكن الله يدفع بالمؤمنين عن الكفار .

وقال علي - رضي الله عنه - : سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - عن هذه الآية لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا فقال : [ هم المشركون من أجداد نبي الله ومن كان بعدهم وفي عصرهم كان في أصلابهم قوم مؤمنون فلو تزيل المؤمنون عن أصلاب الكافرين لعذب الله تعالى الكافرين عذابا أليما ] .الثالثة : هذه الآية دليل على مراعاة الكافر في حرمة المؤمن ، إذ لا يمكن أذية الكافر إلا بأذية المؤمن .

قال أبو زيد قلت لابن القاسم : أرأيت لو أن قوما من المشركين في حصن من [ ص: 261 ] حصونهم ، حصرهم أهل الإسلام وفيهم قوم من المسلمين أسارى في أيديهم ، أيحرق هذا الحصن أم لا ؟

قال : سمعت مالكا وسئل عن قوم من المشركين في مراكبهم : أنرمي في مراكبهم بالنار ومعهم الأسارى في مراكبهم ؟

قال : فقال مالك لا أرى ذلك ، لقوله تعالى لأهل مكة : لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما وكذلك لو تترس كافر بمسلم لم يجز رميه .

وإن فعل ذلك فاعل فأتلف أحدا من المسلمين فعليه الدية والكفارة .

فإن لم يعلموا فلا دية ولا كفارة ، وذلك أنهم إذا علموا فليس لهم أن يرموا ، فإذا فعلوه صاروا قتلة خطأ والدية على عواقلهم .

فإن لم يعلموا فلهم أن يرموا .

وإذا أبيحوا الفعل لم يجز أن يبقى عليهم فيها تباعة .

قال ابن العربي : وقد قال جماعة إن معناه لو تزيلوا عن بطون النساء وأصلاب الرجال .

وهذا ضعيف ; لأن من في الصلب أو في البطن لا يوطأ ولا تصيب منه معرة .

وهو سبحانه قد صرح فقال : ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم ، وذلك لا ينطلق على من في بطن المرأة وصلب الرجال ، وإنما ينطلق على مثل الوليد بن الوليد ، وسلمة بن هشام ، وعياش بن أبي ربيعة ، وأبي جندل بن سهيل .

وكذلك قال مالك : وقد حاصرنا مدينة الروم فحبس عنهم الماء ، فكانوا ينزلون الأسارى يستقون لهم الماء ، فلا يقدر أحد على رميهم بالنبل ، فيحصل لهم الماء بغير اختيارنا .

وقد جوز أبو حنيفة وأصحابه والثوري الرمي في حصون المشركين وإن كان فيهم أسارى من المسلمين وأطفالهم .

ولو تترس كافر بولد مسلم رمي المشرك ، وإن أصيب أحد من المسلمين فلا دية فيه ولا كفارة .

وقال الثوري : فيه الكفارة ولا دية .

وقال الشافعي بقولنا .

وهذا ظاهر ، فإن التوصل إلى المباح بالمحظور لا يجوز ، سيما بروح المسلم ، فلا قول إلا ما قالهمالك - رضي الله عنه - .

والله أعلم .قلت : قد يجوز قتل الترس ، ولا يكون فيه اختلاف إن شاء الله ، وذلك إذا كانت المصلحة ضرورية كلية قطعية .

فمعنى كونها ضرورية : أنها لا يحصل الوصول إلى الكفار إلا بقتل الترس .

ومعنى أنها كلية : أنها قاطعة لكل الأمة ، حتى يحصل من قتل الترس مصلحة كل المسلمين ، فإن لم يفعل قتل الكفار الترس واستولوا على كل الأمة .

ومعنى كونها قطعية : أن تلك المصلحة حاصلة من قتل الترس قطعا .

قال علماؤنا : وهذه المصلحة بهذه القيود لا ينبغي أن يختلف في اعتبارها ; لأن الفرض أن الترس مقتول قطعا ، فإما بأيدي العدو فتحصل المفسدة العظيمة التي هي استيلاء العدو على كل المسلمين .

وإما بأيدي المسلمين فيهلك العدو وينجو المسلمون أجمعون .

ولا يتأتى لعاقل أن يقول : لا يقتل الترس في هذه الصورة بوجه ; لأنه يلزم منه ذهاب الترس والإسلام والمسلمين ، لكن لما كانت هذه المصلحة غير [ ص: 262 ] خالية من المفسدة ، نفرت منها نفس من لم يمعن النظر فيها ، فإن تلك المفسدة بالنسبة إلى ما يحصل منها عدم أو كالعدم .

والله أعلم .الرابعة : قراءة العامة لو تزيلوا إلا أبا حيوة فإنه قرأ ( تزايلوا ) وهو مثل تزيلوا في المعنى .

والتزايل : التباين .

وتزيلوا تفعلوا ، من زلت .

وقيل : هي تفيعلوا .

لعذبنا الذين كفروا قيل : اللام جواب لكلامين ، أحدهما : لولا رجال والثاني : لو تزيلوا وقيل : جواب لولا محذوف ، وقد تقدم .

ولو تزيلوا ابتداء كلام .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم ذكر تعالى الأمور المهيجة على قتال المشركين، وهي كفرهم بالله ورسوله، وصدهم رسول الله ومن معه من المؤمنين، أن يأتوا للبيت الحرام زائرين معظمين له بالحج والعمرة، وهم الذين أيضا صدوا { الهدي مَعْكُوفًا } أي: محبوسا { أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ } وهو محل ذبحه وهو مكة، فمنعوه من الوصول إليه ظلما وعدوانا، وكل هذه أمور موجبة وداعية إلى قتالهم، ولكن ثم مانع وهو: وجود رجال ونساء من أهل الإيمان بين أظهر المشركين، وليسوا متميزين بمحلة أو مكان يمكن أن لا ينالهم أذى، فلولا هؤلاء الرجال المؤمنون، والنساء المؤمنات، الذين لا يعلمهم المسلمون أن تطأوهم، أي: خشية أن تطأوهم { فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ } والمعرة: ما يدخل تحت قتالهم، من نيلهم بالأذى والمكروه، وفائدة أخروية، وهو: أنه ليدخل في رحمته من يشاء فيمن عليهم بالإيمان بعد الكفر، وبالهدى بعد الضلال، فيمنعكم من قتالهم لهذا السبب.{ لَوْ تَزَيَّلُوا } أي: لو زالوا من بين أظهرهم { لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا } بأن نبيح لكم قتالهم، ونأذن فيه، وننصركم عليهم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله - عز وجل - : ( هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام ) الآية .

روى الزهري ، عن عروة بن الزبير ، عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم قالا خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من المدينة عام الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه ، يريدون زيارة البيت ، لا يريد قتالا وساق معه سبعين بدنة ، والناس سبعمائة رجل ، وكانت كل بدنة عن عشرة نفر ، فلما أتى ذا الحليفة قلد الهدي وأشعره وأحرم منها بعمرة ، وبعث عينا له من خزاعة يخبره عن قريش ، وسار النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى كان بغدير الأشطاط قريبا من عسفان ، أتاه عينة الخزاعي وقال : إن قريشا قد جمعوا لك جموعا ، وقد جمعوا لك الأحابيش ، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " أشيروا علي أيها الناس ، أترون أن أميل على ذراري هؤلاء الذين عاونوهم فنصيبهم ؟

فإن قعدوا قعدوا موتورين ، وإن نجوا تكن عنقا قطعها الله ؟

أو ترون أن نؤم البيت فمن صدنا عنه قاتلناه ؟

" .

فقال أبو بكر : يا رسول الله إنما خرجت عامدا لهذا البيت لا تريد قتال أحد ولا حربا ، فتوجه له فمن صدنا عنه قاتلناه .

فقال : " امضوا على اسم الله " ، فنفروا ، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " إن خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة ، فخذوا ذات اليمين " ، فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بقترة الجيش فانطلق يركض نذيرا لقريش ، وسار النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت به راحلته ، فقال الناس : حل حل ، فألحت ، فقالوا : " خلأت القصواء ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق ، ولكن حبسها حابس الفيل " ، ثم قال : " والذي نفسي بيده لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يعظمون فيها حرمات الله وفيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياه ، ثم زجرها فوثبت .

قال : فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء يتبرضه الناس تبرضا ، فلم يلبث الناس أن نزحوه ، وشكا الناس إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - العطش ، فنزع سهما من كنانته وأعطاه رجلا من أصحابه يقال له ناجية بن عمير ، وهو سائق بدن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فنزل في البئر فغرزه في جوفه ، فوالله ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه ، فبينما هم كذلك إذ جاءه بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه وكانت خزاعة عيبة نصح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أهل تهامة ، فقال : إني تركت كعب بن لؤي نزلوا أعداد مياه الحديبية معهم العوذ المطافيل ، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت .

فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " إنا لم نجئ لقتال أحد ، ولكنا جئنا معتمرين ، وإن قريشا قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم ، فإن شاءوا ماددتهم مدة ويخلوا بيني وبين الناس ، فإن أظهر فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا ، وإلا فقد جموا وإن هم أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي ، أو لينفذن الله أمره " .

فقال بديل : سأبلغهم ما تقول ، فانطلق حتى أتى قريشا ، قال : إنا قد جئناكم من عند هذا الرجل ، وسمعناه يقول قولا فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا ، قال : فقال سفهاؤهم : لا حاجة لنا أن تخبرنا عنه بشيء ، وقال ذو الرأي منهم : هات ما سمعته يقول .

قال : سمعته يقول كذا وكذا ، فحدثهم بما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - .

فقام عروة بن مسعود الثقفي فقال : أي قوم ألستم بالوالد ؟

قالوا : بلى ، قال : أولست بالولد ؟

قالوا : بلى ، قال : فهل تتهموني ؟

قالوا : لا قال : ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ ، فلما بلحوا علي جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني ؟

قالوا : بلى ، قال : فإن هذا قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها ودعوني آته ، قالوا : ائته .

فأتاه فجعل يكلم النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - نحوا من قوله لبديل .

فقال عروة عند ذلك : يا محمد أرأيت إن استأصلت قومك فهل سمعت بأحد من العرب اجتاح أصله قبلك ؟

وإن تكن الأخرى ، فإني والله لأرى وجوها وأشوابا من الناس خليقا أن يفروا ويدعوك .

فقال له أبو بكر الصديق : امصص بظر اللات ، أنحن نفر عنه وندعه ؟

.

فقال : من ذا ؟

قالوا : أبو بكر ، فقال : أما والذي نفسي بيده لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك .

قال : وجعل يكلم النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وكلما كلمه أخذ بلحيته ، والمغيرة بن شعبة قائم على رأس النبي - صلى الله عليه وسلم - ومعه السيف وعليه المغفر ، فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية النبي - صلى الله عليه وسلم - ضرب يده بنعل السيف ، وقال : أخر يدك عن لحية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فرفع عروة رأسه فقال : من هذا ؟

قالوا : المغيرة بن شعبة ، فقال : أي غدر ألست أسعى في غدرتك .

وكان المغيرة صحب قوما في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم ثم جاء فأسلم ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " أما الإسلام فأقبل ، وأما المال فلست منه في شيء " .

ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : فوالله - ما تنخم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم ، فدلك بها وجهه وجلده ، وإذا أمرهم ابتدروا أمره ، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه ، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده ، وما يحدون إليه النظر تعظيما له ، فرجع عروة إلى أصحابه ، فقال : أي قوم والله لقد وفدت على الملوك ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي ، والله إن رأيت ملكا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدا ، والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم ، فدلك بها وجهه وجلده ، وإذا أمرهم ابتدروا أمره ، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه ، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده ، وما يحدون إليه النظرة تعظيما له ، وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها .

فقال رجل من بني كنانة : دعوني آته ، فقالوا : ائته ، فلما أشرف على النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " هذا فلان وهو من قوم يعظمون البدن ، فابعثوها له " ، فبعثت له واستقبله الناس يلبون ، فلما رأى ذلك قال : سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت ؟

فلما رجع إلى أصحابه قال : رأيت البدن قد قلدت وأشعرت ، فما أرى أن يصدوا عن البيت .

ثم بعثوا إليه الحليس بن علقمة وكان يومئذ سيد الأحابيش ، فلما رآه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : إن هذا من قوم يتألهون فابعثوا بالهدي في وجهه حتى يراه ، فلما رأى الهدي يسيل عليه من عرض الوادي في قلائده قد أكل أوباره من طول الحبس ، رجع إلى قريش ولم يصل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إعظاما لما رأى فقال : يا معشر قريش إني قد رأيت ما لا يحل ، صد الهدي في قلائده ، وقد أكل أوباره من طول الحبس عن محله ، فقالوا له : اجلس إنما أنت رجل أعرابي لا علم لك ، فغضب الحليس عند ذلك ، فقال : يا معشر قريش والله ما على هذا حالفناكم ، ولا على هذا عاقدناكم ، أن تصدوا عن بيت الله من جاءه معظما له ، والذي نفس الحليس بيده لتخلن بين محمد وبين ما جاء له ، أو لأنفرن بالأحابيش نفرة رجل واحد ، فقالوا له : مه ، كف عنا يا حليس حتى نأخذ لأنفسنا بما نرضى به .

فقام رجل منهم يقال له مكرز بن حفص ، فقال : دعوني آته ، فقالوا : ائته ، فلما أشرف عليهم قال النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا مكرز وهو رجل فاجر ، فجعل يكلم النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فبينما هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو ، وقال عكرمة : فلما رآه النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : قد سهل لكم من أمركم .

قال الزهري في حديثه : فجاء سهيل بن عمرو ، فقال : هات نكتب بيننا وبينكم كتابا ، فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - فقال له : اكتب بسم الله الرحمن الرحيم .

فقال سهيل : أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو ، ولكن اكتب باسمك اللهم ، كما كنت تكتب .

فقال المسلمون : والله لا نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم .

فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعلي : " اكتب باسمك اللهم ، ثم قال : اكتب : هذا ما قضى عليه محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " .

فقال سهيل : والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك ، ولكن اكتب : محمد بن عبد الله .

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : والله إني لرسول الله وإن كذبتموني ، اكتب يا علي : محمد بن عبد الله .

قال الزهري : وذلك لقوله : لا يسألون خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها ، فكتب : هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو ، واصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين ، يأمن فيه الناس ويكف بعضهم عن بعض ، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : وعلى أن تخلوا بيننا وبين البيت ، فنطوف به ، فقال سهيل : والله لا تتحدث العرب إنا أخذنا ضغطة ولكن ذلك من العام المقبل ، فكتب ، فقال سهيل : وعلى أنه لا يأتيك منا رجل - وإن كان على دينك - إلا رددته إلينا ، فقال المسلمون : سبحان الله كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلما ؟

وروى أبو إسحاق عن البراء قصة الصلح وفيه قالوا : لو نعلم أنك رسول الله ما منعناك شيئا ولكن أنت محمد بن عبد الله ، قال : أنا رسول الله وأنا محمد بن عبد الله ، ثم قال لعلي - رضي الله عنه - : امح رسول الله ، قال : لا والله لا أمحوك أبدا ، قال : " فأرنيه " ، فأراه إياه ، فمحاه النبي - صلى الله عليه وسلم - بيده ، وفي روايته : فأخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الكتاب وليس يحسن أن يكتب ، فكتب : هذا ما قضى محمد بن عبد الله .

قال البراء : صالح على ثلاثة أشياء : على أن من أتاه من المشركين رده إليهم ، ومن أتاهم من المسلمين لم يردوه ، وعلى أن يدخلها من قابل ، ويقيم بها ثلاثة أيام ، ولا يدخلها إلا بجلبان السلاح السيف والقوس ونحوه .

وروى ثابت عن أنس : أن قريشا صالحوا النبي - صلى الله عليه وسلم - فاشترطوا : أن من جاءنا منكم لم نرده عليكم ، ومن جاءكم منا رددتموه علينا ، فقالوا : يا رسول الله أنكتب هذا ؟

قال : " نعم إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله ، ومن جاءنا منهم سيجعل الله له فرجا ومخرجا " .

رجعنا إلى حديث الزهري قال : فبينا هم كذلك إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو ، يرسف في قيوده قد انفلت وخرج من أسفل مكة ، حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين ، فقال سهيل : هذا يا محمد أول من أقاضيك عليه أن ترده إلي ، فقال النبي : إنا لم نقض الكتاب بعد ، قال : فوالله إذن لا أصالحك على شيء أبدا ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : فأجره لي ، فقال : فما أنا بمجيره لك ، قال : بلى فافعل ، قال : ما أنا بفاعل ، ثم جعل سهيل يجره ليرده إلى قريش ، قال أبو جندل : أي معشر المسلمين أرد إلى المشركين وقد جئت مسلما ألا ترون ما لقيت ؟

وكان قد عذب عذابا شديدا في الله .

وفي الحديث : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : يا أبا جندل احتسب فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا ، إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم عقدا وصلحا ، وإنا لا نغدر ، فوثب عمر يمشي إلى جنب أبي جندل ، ويقول : اصبر فإنما هم المشركون ودم أحدهم كدم كلب ، ويدني قائم السيف منه ، قال عمر : رجوت أن يأخذ السيف فيضرب به أباه فضن الرجل بأبيه .

وقد كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرجوا وهم لا يشكون في الفتح ، لرؤيا رآها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فلما رأوا ذلك دخل الناس أمر عظيم حتى كادوا يهلكون ، وزادهم أمر أبي جندل شرا إلى ما بهم .

قال عمر : [ والله ] ما شككت منذ أسلمت إلا يومئذ .

قال الزهري في حديثه عن عروة عن [ مروان ] والمسور ، ورواه أبو وائل عن سهل بن حنيف قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - : فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقلت : ألست نبي الله حقا ؟

قال : بلى ، قلت : ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ؟

قال : بلى ، قلت : أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار ؟

قال : بلى ، قلت : فلم نعطي الدنية في ديننا إذن ؟

قال : إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري ، قلت : أوليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به ؟

قال : بلى ، أفأخبرتك أنا نأتيه العام ؟

قلت : لا قال : فإنك آتيه ومطوف به ، قال : فأتيت أبا بكر ، فقلت : يا أبا بكر أليس هذا نبي الله حقا ؟

قال : بلى .

قلت : ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ؟

قال : بلى .

قلت : أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار ؟

قال : بلى ، قلت : فلم نعطي الدنية في ديننا إذن ؟

قال : أيها الرجل إنه رسول الله ليس يعصي ربه وهو ناصره ، فاستمسك بغرزه فوالله إنه على الحق ، قلت : أليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به ؟

قال : بلى ، أفأخبرك أنك تأتيه العام ؟

قلت : لا قال : فإنك آتيه ومطوف به .

قال الزهري : قال عمر : فعملت لذلك أعمالا .

قال : فلما فرغ من قضية الكتاب ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه : قوموا فانحروا ، ثم احلقوا ، قال : فوالله ما قام رجل منهم ، حتى قال ذلك ثلاث مرات ، فلما لم يقم منهم أحد ، قام فدخل على أم سلمة ، فذكر لها ما لقي من الناس ، فقالت أم سلمة : يا نبي الله أتحب ذلك ؟

اخرج ثم لا تكلم أحدا منهم كلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك ، فخرج فلم يكلم أحدا منهم حتى فعل ذلك ، نحر بدنه ودعا حالقه فحلقه فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا ، وجعل بعضهم يحلق بعضا حتى كاد بعضهم أن يقتل بعضا غما .

قال ابن عمر وابن عباس : حلق رجال يوم الحديبية وقصر آخرون ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : يرحم الله المحلقين ، قالوا : والمقصرين ؟

قال : يرحم الله المحلقين ، قالوا : يا رسول الله والمقصرين ؟

قال : والمقصرين ، قالوا : يا رسول الله فلم ظاهرت الترحم للمحلقين دون المقصرين ؟

قال : لأنهم لم يشكوا .

قال ابن عمر : وذلك لأنه تربص قوم وقالوا لعلنا نطوف بالبيت .

قال ابن عباس : وأهدى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام الحديبية في هداياه جملا لأبي جهل في رأسه برة من فضة ليغيظ المشركين بذلك .

وقال الزهري في حديثه : ثم جاءه نسوة مؤمنات فأنزل الله تعالى " ياأيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات " ، حتى بلغ " بعصم الكوافر " ( الممتحنة - 10 ) ، فطلق عمر - رضي الله عنه - يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك ، فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان ، والأخرى صفوان بن أمية ، قال : فنهاهم أن يردوا النساء وأمر برد الصداق .

قال : ثم رجع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة ، فجاءه أبو بصير عتبة بن أسيد ، رجل من قريش وهو مسلم ، وكان ممن حبس بمكة فكتب فيه أزهر بن عبد عوف والأخنس بن شريق الثقفي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبعثا في طلبه رجلا من بني عامر بن لؤي ، ومعه مولى لهم ، فقدما على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وقالا العهد الذي جعلت لنا ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : يا أبا بصير إنا قد أعطينا هؤلاء القوم ما قد علمت ، ولا يصح في ديننا الغدر ، وإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا ، ثم دفعه إلى الرجلين فخرجا به حتى بلغا ذا الحليفة ، فنزلوا يأكلون من تمر لهم ، فقال أبو بصير لأحد الرجلين : والله إني لأرى سيفك هذا جيدا ، فاستله الآخر ، فقال : أجل والله إنه لجيد لقد جربت به ثم جربت به ، فقال أبو بصير : أرني أنظر إليه ، فأخذه وعلاه به فضربه حتى برد ، وفر الآخر حتى أتى المدينة فدخل المسجد يعدو ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين رآه : لقد رأى هذا ذعرا ، فلما انتهى إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ويلك ما لك ؟

قال : قتل والله صاحبي وإني لمقتول ، فوالله ما برح حتى طلع أبو بصير متوشحا السيف حتى وقف على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : يا نبي الله أوفى الله ذمتك قد رددتني إليهم ثم أنجاني الله منهم ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ويل أمه مسعر حرب ، لو كان معه أحد ، فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم ، فخرج حتى أتى سيف البحر ، وبلغ المسلمين الذين كانوا حبسوا بمكة قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأبي بصير : ويل أمه مسعر حرب لو كان معه أحد ، فخرج عصابة منهم إليه ، وانفلت أبو جندل بن سهيل فلحق بأبي بصير ، حتى اجتمع إليه قريب من سبعين رجلا فوالله ما يسمعون بعير خرجت لقريش إلى الشام إلا اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم ، فأرسلت قريش إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - تناشده الله والرحم لما أرسل إليهم ، فمن أتاه فهو آمن ، فأرسل إليهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقدموا عليه بالمدينة ، فأنزل الله تعالى : " وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم وكان الله بما تعملون بصيرا " حتى بلغ " حمية الجاهلية " ، وكانت حميتهم أنهم لم يقروا أنه نبي الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولم يقروا ببسم الله الرحمن الرحيم ، وحالوا بينه وبين البيت .

قال الله - عز وجل - : ( هم الذين كفروا ) يعني كفار مكة ( وصدوكم عن المسجد الحرام ) أن تطوفوا به ( والهدي ) أي : وصدوا الهدي ، وهي البدن التي ساقها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكانت سبعين بدنة ( معكوفا ) محبوسا ، يقال : عكفته عكفا إذا حبسته وعكوفا لازم ، كما يقال : رجع رجعا ورجوعا ( أن يبلغ محله ) منحره وحيث يحل نحره يعني الحرم ( ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات ) يعني المستضعفين بمكة ( لم تعلموهم ) لم تعرفوهم ( أن تطئوهم ) بالقتل وتوقعوا بهم ( فتصيبكم منهم معرة بغير علم ) قال ابن زيد : معرة إثم .

وقال ابن إسحاق : غرم الدية .

وقيل : الكفارة لأن الله - عز وجل - أوجب على قاتل المؤمن في دار الحرب إذا لم يعلم إيمانه الكفارة دون الدية ، فقال : " فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة " ( النساء - 92 ) .

وقيل : هو أن المشركين يعيبونكم ويقولون قتلوا أهل دينهم ، والمعرة : المشقة ، يقول : لولا أن تطئوا رجالا مؤمنين ونساء مؤمنات لم تعلموهم فيلزمكم بهم كفارة أو يلحقكم سبة .

وجواب لولا محذوف ، تقديره : لأذن لكم في دخولها ولكنه حال بينكم وبين ذلك .

( ليدخل الله في رحمته من يشاء ) فاللام في " ليدخل " متعلق بمحذوف دل عليه معنى الكلام ، يعني : حال بينكم وبين ذلك ليدخل الله في رحمته في دين الإسلام من يشاء من أهل مكة بعد الصلح قبل أن تدخلوها ( لو تزيلوا ) لو تميزوا يعني المؤمنين من الكفار ( لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما ) بالسبي والقتل بأيديكم .

وقال بعض أهل العلم : " لعذبنا " جواب لكلامين أحدهما : " لولا رجال " ، والثاني : " لو تزيلوا " ، ثم قال : ( ليدخل الله في رحمته من يشاء ) يعني المؤمنين والمؤمنات .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام» أي عن الوصول إليه «والهدي» معطوف على كم «معكوفا» محبوسا حال «أن يبلغ محله» أي مكانه الذي ينحر فيه عادة وهو الحرم بدل اشتمال «ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات» موجودون بمكة مع الكفار «لم تعلموهم» بصفة الإيمان «أن تطئوهم» أي تقتلوهم مع الكفار لو أذن لكم في الفتح بدل اشتمال من هم «فتصيبكم منهم معرة» أي إثم «بغير علم» منكم به وضمائر الغيبة للصنفين بتغليب الذكور، وجواب لولا محذوف، أي لأذن لكم في الفتح لكن لم يؤذن فيه حينئذ «ليدخل الله في رحمته من يشاء» كالمؤمنين المذكورين «لو تزيَّلوا» تميزوا عن الكفار «لعذَّبنا الذين كفروا منهم» من أهل مكة حينئذ بأن نأذن لكم في فتحها «عذابا أليما» مؤلما.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

كفار قريش هم الذين جحدوا توحيد الله، وصدُّوكم يوم "الحديبية" عن دخول المسجد الحرام، ومنعوا الهدي، وحبسوه أن يبلغ محل نحره، وهو الحرم.

ولولا رجال مؤمنون مستضعفون ونساء مؤمنات بين أظهر هؤلاء الكافرين بـ "مكة"، يكتمون إيمانهم خيفة على أنفسهم لم تعرفوهم؛ خشية أن تطؤوهم بجيشكم فتقتلوهم، فيصيبكم بذلك القتل إثم وعيب وغرامة بغير علم، لكنَّا سلَّطناكم عليهم؛ ليدخل الله في رحمته من يشاء فيَمُنَّ عليهم بالإيمان بعد الكفر، لو تميَّز هؤلاء المؤمنون والمؤمنات عن مشركي "مكة" وخرجوا من بينهم، لعذَّبنا الذين كفروا وكذَّبوا منهم عذابًا مؤلمًا موجعًا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ذكرهم - سبحانه - بنعمة أخرى من نعمه عليهم ، وكشف لهم عن جانب من حكمته فى منع القتال بينهم وبين مشركى مكة ، وفى هدايتهم إلى هذا الصلح فقال : ( هُمُ الذين كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ .

.

.

بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً ) .والمراد بالذين كفروا فى قوله - تعالى - : ( هُمُ الذين كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ ) مشركو قريش ، الذين منعوا النبى - صلى الله عليه وسلم - من دخول مكة ، ومن الطواف بالبيت الحرام .والهدى : مصدر بمعنى المفعول ، أى : المهدى ، والمقصود به ما يهدى إلى بيت الله الحرام من الإِبل والبقر والغنم ، ليذبح تقربا إلى الله - تعالى - وكان مع المسلمين فى رحلتهم هذه التى تم فيها صلح الحديبية سبعين بدنة - على المشهور - ولفظ الهدى قرأ الجمهور بالنصب عطفا على الضمير المنصوب فى قوله : ( صدوكم ) وقرأ أبو عمرو بالجر عطفا على المسجد .

.وقوله : ( مَعْكُوفاً ) أى : محبوسا .

يقال : عكفه يعكفه عكفا ، إذا حبسه ومنه الاعتكاف فى المسجد ، بمعنى الاحتباس فيه ، وهو حال من الهدى .وقوله : ( أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ ) منصوب بنزع الخافض ، أى : عن أن يبلغ محله ، أى : مكانه الذى يذبح فيه وهو منى .والتعبير بقوله : ( هُمُ الذين كَفَرُواْ ) تصريح بذمهم وتوبيخهم على موقفهم المشين من المؤمنين ، الذين لم يأتوا إلى مكة لحرب ، وإنما اتوا لأداء شعيرة من شعائر الله .أى : هم فى ميزان الله واعتباره الكافرون حقا .

لأنهم صدوكم ومنعوكم - أيها المؤمنون - عن دخول المسجد الحرام ، وعن الطواف به ، ولم يكتفوا بذلك ، بل منعوا الهدى المحبوس من أجل ذبحه على سبيل التقرب به إلى الله - من الوصول إلى محله الذى يذحب فيه فى العادة وهو منى .قال القرطبى ما ملخصه : " قوله : ( والهدي مَعْكُوفاً ) أى : محبوسا .

.

( أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ ) أى : منحره .

.

والمحل - بالكسر - غاية الشئ ، وبالفتح : هو الموضع الذى يحله الناس ، وكان الهدى سبعين بدنه ، ولكن الله - تعالى - بفضله جعل ذلك الموضع - وهو الحديبية - له محلا .وفى صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله قال : نحرنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام الحديبية البدنة عن سبعة ، والبقرة عن سبعة .

.وفى البخارى عن ابن عمر قال : خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معتمرين ، فحال كفار قريش دون البيت فنحر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بدنة وحلق رأسه .وقوله - تعالى - : ( وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ .

.

) بيان لحكمة الله - تعالى - فى منع الحرب بين الفريقين .وجواب " لولا " محذوف لدلالة الكلام عليه .

والمراد بالرجال المؤمنين وبالنساء المؤمنات : سبع رجال وأمرأتان كانوا بمكة .قال الآلوسى : " وكانوا على ما اخرج أبو نعيم بسند جيد وغيره عن أبى جمعة جنبذ بن سبع - تسعة نفر : سبعة رجال - وهم منهم - وامرأتين .وجملة ( لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ ) صفة رجال ونساء على تغليب المذكر على المؤنث .وقوله ( أَن تَطَئُوهُمْ ) بدل اشتمال من رجال ونساء ، والوطء الدَّرْس ، والمراد به هنا الإِهلاك .

وقوله : ( مَّعَرَّةٌ ) أى : مكروه وأذى يقال عَرَّه يُعره عَرًّا ، إذا أصابه بمكروه ، وأصله من العُرِّ وهو الجرب .والمراد به هنا : تعبير الكفار للمؤمنين بقولهم : لقد قتلتم من هم على دينكم .والمعنى : ولولا كراهة أن تهلكوا - أيها المؤمنين - أناسا مؤمنين موجودين فى مكة بين كفارها ، وأنتم لا تعرفونهم ، فيصيبكم بسبب إهلاكهم مكروه ، لولا كل ذلك لما كف أيديكم عن كفار مكة ، بل لسلطكم عليهم لكى تقتلوهم .واللام فى قوله - سبحانه - : ( لِّيُدْخِلَ الله فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ ) متعلقة بما يدل عليه جواب لولا المقدر .أى : لولا ذلك لما كف أيديكم عن كفار مكة ، ولكنه - سبحانه - كف أيديكم عنهم ، ليدخل فى رحمته بسبب هذا الكف من يشاء من عباده ، وعلى رأس هؤلاء العباد ، المؤمنون والمؤمنات الذين كانوا فى مكة ، والذين اقتضت رحمته أن يتمم لهم أجورهم بإخرادهم من بين ظهرانى الكفار ، ويفك أسرهم ، ويرفع ما كان ينزل بهم من العذاب .

.كذلك قد شملت رحمته - تعالى - بعض كفار مكة ، الذين تركوا بعد ذلك الكفر ودخلوا فى الإِسلام ، كأبى سفيان وغيره من الذين أسلموا بعد فتح مكة أو بعد صلح الحديبية .وقوله - سبحانه - : ( لَوْ تَزَيَّلُواْ لَعَذَّبْنَا الذين كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً ) تأكيد لما دل عليه الكلام السابق ، من أن حكمته - تعالى - قد اقتضت كف أيدى المؤمنين عن الكفار ، رحمة بالمؤمنين الذين يعيشون فى مكة مع هؤلاء الكافرين .وقوله ( تَزَيَّلُواْ ) أى : تميزَّوا .

يقال : زِلْتُه زَيْلاً ، أى : مِزْتُه ، وزيله فتزيل أى : فرقة فتفرق أى : لو تميز هؤلاء المؤمنون والمؤمنات الذين يعيشون فى مكة عن كفارها وفارقوهم وخرجوا منها ، وانعزلوا عنهم ، لعدبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما ، تارة عن طريق إهلاكهم ، وتارة عن طريق إذلالهم وأخذهم أسرى ، و " من " فى قوله ( مِنْهُمْ ) للبيان لا للبتعيض .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وقوله تعالى: ﴿ هُمُ الذين كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ المسجد الحرام والهدى مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ ﴾ .

إشارة إلى أن الكف لم يكن لأمر فيهم لأنهم كفروا وصدوا وأحصروا، وكل ذلك يقتضي قتالهم، فلا يقع لأحد أن الفريقين اتفقوا، ولم يبق بينهما خلاف واصطلحوا، ولم يبق بينهما نزاع، بل الاختلاف باق والنزاع مستمر، لأنهم هم الذين كفروا وصدوكم ومنعوا فازدادوا كفراً وعداوة، وإنما ذلك للرجال المؤمنين والنساء المؤمنات، وقوله: ﴿ والهدى ﴾ منصوب على العطف على كم في ﴿ صَدُّوكُمْ ﴾ ويجوز الجر عطفاً على المسجد، أي وعن الهدي.

و ﴿ مَعْكُوفاً ﴾ حال و ﴿ أَن يَبْلُغَ ﴾ تقديره على أن يبلغ، ويحتمل أن يقال: ﴿ أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ ﴾ رفع، تقديره معكوفاً بلوغه محله، كما يقال: رأيت زيداً شديداً بأسه، ومعكوفاً، أي ممنوعاً، ولا يحتاج إلى تقدير عن على هذا الوجه.

وقوله تعالى: ﴿ وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاء مؤمنات لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكمْ مّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ .

وصف الرجال والنساء، يعني لولا رجال ونساء يؤمنون غير معلومين، وقوله تعالى: ﴿ أَن تَطَئُوهُمْ ﴾ بدل اشتمال، كأنه قال: رجال غير معلومي الوطء فتصيبكم منهم معرة عيب أو إثم، وذلك لأنكم ربما تقتلونهم فتلزمكم الكفارة وهي دليل الإثم، أو يعيبكم الكفار بأنهم فعلوا بإخوانهم ما فعلوا بأعدائهم، وقوله تعالى: ﴿ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ قال الزمخشري: هو متعلق بقوله: ﴿ أَن تَطَئُوهُمْ ﴾ يعني تطئوهم بغير علم، وجاز أن يكون بدلاً عن الضمير المنصوب في قوله: ﴿ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ ﴾ ولقائل أن يقول: يكون هذا تكراراً، لأن على قولنا هو بدل من الضمير يكون التقدير: لم تعلموا أن تطئوهم بغير علم، فيلزم تكرار بغير علم الحصول بقوله: ﴿ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ ﴾ فالأولى أن يقال: ﴿ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ هو في موضعه تقديره: لم تعلموا أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم، من يعركم ويعيب عليكم، يعني إن وطأتموهم غير عالمين يصبكم مسبة الكفار ﴿ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ أي بجهل لا يعلمون أنكم معذورون فيه، أو نقول تقديره: لم تعلموا أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم، أي فتقتلوهم بغير علم، أو تؤذوهم بغير علم، فيكون الوطء سبب القتل، والوطء غير معلوم لكم، والقتل الذي هو بسبب المعرة وهو الوطء الذي يحصل بغير علم.

أو نقول: المعرة قسمان أحدهما: ما يحصل من القتل العمد ممن هو غير العالم بحال المحل والثاني: ما يحصل من القتل خطأ، وهو غير عدم العلم، فقال: تصيبكم منهم معرة غير معلومة، لا التي تكون عن العلم وجواب: لولا محذوف تقديره: لولا ذلك لما كف أيديكم عنهم، هذا ما قاله الزمخشري وهو حسن، ويحتمل أن يقال جوابه: ما يدل عليه قوله تعالى: ﴿ هُمُ الذين كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ المسجد الحرام ﴾ يعني قد استحقوا لأن لا يهملوا، ولولا رجال مؤمنون لوقع ما استحقوه، كما يقول القائل: هو سارق ولولا فلان لقطعت يده، وذلك لأن لولا لا تستعمل إلا لامتناع الشيء لوجود غيره، وامتناع الشيء لا يكون إلا إذا وجد المقتضي له فمنعه الغير فذكر الله تعالى أولاً المقتضي التام البالغ وهو الكفر والصد والمنع، وذكر ما امتنع لأجله مقتضاه وهو وجود الرجال المؤمنين.

وقوله تعالى: ﴿ لّيُدْخِلَ الله فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُواْ لَعَذَّبْنَا الذين كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً ﴾ فيه أبحاث: الأول: في الفعل الذي يستدعي اللام الذي بسببه يكون الإدخال وفيه وجوه: أحدها: أن يقال هو قوله: ﴿ كَفَّ أَيْدِيكُم عَنْهُمْ ﴾ ليدخل، لا يقال بأنك ذكرت أن المانع وجود رجال مؤمنين فيكون كأنه قال: كف أيديكم لئلا تطئوا فكيف يكون لشيء آخر؟

نقول الجواب عنه من وجهين: أحدهما: أن نقول كف أيديكم لئلا تطئوا لتدخلوا كما يقال أطعمته ليشبع ليغفر الله لي أي الإطعام للشابع كان ليغفر الثاني: هو أنا بينا أن لولا جوابه ما دل عليه قوله: ﴿ هُمُ الذين كَفَرُواْ ﴾ فيكون كأنه قال هم الذين كفروا واستحقوا التعجل في إهلاكهم، ولولا رجال لعجل بهم ولكن كف أيديكم ليدخل ثانيها: أن يقال فعل ما فعل ليدخل لأن هناك أفعالاً من الألطاف والهداية وغيرهما، وقوله: ﴿ لّيُدْخِلَ الله فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ ﴾ ليؤمن منهم من علم الله تعالى أنه يؤمن في تلك السنة أو ليخرج من مكة ويهاجر فيدخلهم في رحمته وقوله تعالى: ﴿ لَوْ تَزَيَّلُواْ ﴾ أي لو تميزوا، والضمير يحتمل أن يقال هو ضمير الرجال المؤمنين والنساء المؤمنات، فإن قيل كيف يصح هذا وقد قلتم بأن جواب لولا محذوف وهو قوله لما كف أو لعجل ولو كان ﴿ لَوْ تَزَيَّلُواْ ﴾ راجعاً إلى الرجال لكان لعذبنا جواب لولا؟

نقول وقد قال به الزمخشري فقال: ﴿ لَوْ تَزَيَّلُواْ ﴾ يتضمن ذكر لولا فيحتمل أن يكون لعذبنا جواب لولا، ويحتمل أن يقال هو ضمير من يشاء، كأنه قال ليدخل من يشاء في رحمته لو تزيلوا هم وتميزوا وآمنوا لعذبنا الذين كتب الله عليهم أنهم لا يؤمنون، وفيه أبحاث: البحث الأول: وهو على تقدير نفرضه فالكلام يفيد أن العذاب الأليم اندفع عنهم، إما بسبب عدم التزييل، أو بسبب وجود الرجال وعلم تقدير وجود الرجال والعذاب الأليم لا يندفع عن الكافر، نقول المراد عذاباً عاجلاً بأيديكم يبتدئ بالجنس إذ كانوا غير مقرنين ولا منقلبين إليهم فيظهرون ويقتدرون يكون أليماً.

البحث الثاني: ما الحكمة في ذكر المؤمنين والمؤمنات مع أن المؤنث يدخل في ذكر المذكر عند الاجتماع؟

قلنا الجواب عنه من وجهين: أحدهما: ما تقدم يعني أن الموضع موضع وهم اختصاص الرجال بالحكم لأن قوله: ﴿ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكمْ ﴾ معناه تهلكوهم والمراد لا تقاتل ولا تقتل فكان المانع وهو وجود الرجال المؤمنين فقال: والنساء المؤمنات أيضاً لأن تخريب بيوتهن ويتم أولادهن بسبب رجالهن وطأة شديدة وثانيهما: أن في محل الشفقة تعد المواضع لترقيق القلب، يقال لمن يعذب شخصاً لا تعذبه وارحم ذله وفقره وضعفه، ويقال أولاده وصغاره وأهله الضعفاء العاجزين، فكذلك هاهنا قال: ﴿ لَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مؤمنات ﴾ لترقيق قلوب المؤمنات ورضاهم بما جرى من الكف بعد الظفر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

وقرئ: ﴿ والهدي ﴾ والهدي: بتخفيف الياء وتشديدها، وهو ما يهدى إلى الكعبة: بالنصب عطفاً على الضمير المنصوب في صدّوكم.

أي: صدّوكم وصدّوا الهدي وبالجر عطفاً على المسجد الحرام، بمعنى: وصدّوكم عن نحر الهدى ﴿ مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ ﴾ محبوساً عن أن يباع، وبالرفع على: وصدّ الهدي.

ومحله: مكانه الذي يحل فيه نحره، أي يجب.

وهذا دليل لأبي حنيفة على أن المحصر محل هديه الحرم.

فإن قلت: فكيف حل رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه وإنما نحر هديهم بالحديبية؟

قلت: بعض الحديبية من الحرم.

وروى أن مضارب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت في الحل، ومصلاه في الحرم.

فإن قلت: فإذن قد نحر في الحرم، فلم قيل: ﴿ مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ ﴾ ؟

قلت: المراد المحل المعهود وهو منى ﴿ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ ﴾ صفة للرجال والنساء جميعاً.

و ﴿ أَن تَطَئُوهُمْ ﴾ بدل اشتمال منهم أو من الضمير المنصوب في تعلموهم.

والمعرة: مفعلة، من عره بمعنى عراه إذا دهاه ما يكره ويشق عليه.

و ﴿ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ متعلق بأن تطؤهم، يعني: أن تطئوهم غير عالمين بهم.

والوطء والدوس: عبارة عن الإيقاع والإبادة.

قال: وَوَطِئْتَنَا وَطْأَ عَلَى حَنَقٍ ** وَطْأَ الْمُقَيَّدِ نَابِتَ الْهَرْمِ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وإن آخر وطأة وطئها الله بِوَجٍّ» والمعنى: أنه كان بمكة قوم من المسلمين مختلطون بالمشركين غير متميزين منهم ولا معروفي الأماكن: فقيل: ولولا كراهة أن تهلكوا ناساً مؤمنين بين ظهراني المشركين وأنتم غير عارفين بهم، فتصيبكم بإهلاكهم مكروه ومشقة: لما كف أيديكم عنهم، وحذف جواب ﴿ لولا ﴾ لدلالة الكلام عليه.

ويجوز أن يكون ﴿ لَوْ تَزَيَّلُواْ ﴾ كالتكرير للولا رجال مؤمنون، لمرجعهما إلى معنى واحد، ويكون ﴿ لَعَذَّبْنَا ﴾ هو الجواب.

فإن قلت: أي معرة تصيبهم إذا قتلوهم وهم لا يعلمون.

قلت: يصيبهم وجوب الدية والكفارة، وسوء قالة المشركين أنهم فعلوا بأهل دينهم مثل ما فعلوا بنا من غير تمييز، والمأثم إذا جرى منهم بعض التقصير.

فإن قلت: قوله تعالى: ﴿ لّيُدْخِلَ الله فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشآءُ ﴾ تعليل لماذا؟

قلت: لما دلت عليه الآية وسيقت له: من كف الأيدي عن أهل مكة، والمنع من قتلهم؛ صوناً لمن بين أظهرهم من المؤمنين، كأنه قال: كان الكف ومنع التعذيب ليدخل الله في رحمته؛ أي: في توفيقه لزيادة الخير والطاعة مؤمنيهم.

أو ليدخل في الإسلام من رغب فيه من مشركيهم ﴿ لَوْ تَزَيَّلُواْ ﴾ لو تفرقوا وتميز بعضهم من بعض: من زاله يزيله.

وقرئ: ﴿ لو تزايلوا ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ والهَدْيَ مَعْكُوفًا أنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ كانَ عامَ الحُدَيْبِيَةِ، والهَدْيُ ما يُهْدى إلى مَكَّةَ.

وقُرِئَ «الهُدْيَ» وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، ومَحَلُّهُ مَكانُهُ الَّذِي يَحِلُّ فِيهِ نَحْرُهُ والمُرادُ مَكانُهُ المَعْهُودُ وهو مِنًى لا مَكانُهُ الَّذِي لا يَجُوزُ أنْ يُنْحَرَ في غَيْرِهِ، وإلّا لَما نَحَرَهُ الرَّسُولُ  حَيْثُ أُحْصِرَ فَلا يَنْتَهِضُ حُجَّةً لِلْحَنَفِيَّةِ عَلى أنَّ مَذْبَحَ هَدْيِ المُحْصَرِ هو الحَرَمُ.

﴿ وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ ونِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ ﴾ لَمْ تَعْرِفُوهم بِأعْيانِهِمْ لِاخْتِلاطِهِمْ بِالمُشْرِكِينَ.

﴿ أنْ تَطَئُوهُمْ ﴾ أنْ تُوقِعُوا بِهِمْ وتُبِيدَهم قالَ: ووَطِئَتْنا وطْأً عَلى حَنَقٍ ∗∗∗ وطْءَ المُقَيَّدِ ثابِتِ الهَرَمِ وَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «إنَّ آخِرَ وطْأةٍ وطِئَها اللَّهُ بِوَجٍّ» وَطَهْوٌ وادٍ بِالطّائِفِ كانَ آخِرُ وقْعَةٍ لِلنَّبِيِّ  بِها، وأصْلُهُ الدَّوْسُ وهو بَدَلُ الِاشْتِمالِ مِن رِجالٌ ونِساءٌ أوْ مِن ضَمِيرِهِمْ في تَعْلَمُوهم.

﴿ فَتُصِيبَكم مِنهُمْ ﴾ مَن جِهَتِهِمْ.

﴿ مَعَرَّةٌ ﴾ مَكْرُوهٌ كَوُجُوبِ الدِّيَةِ والكَفّارَةِ بِقَتْلِهِمْ والتَّأسُّفِ عَلَيْهِمْ، وتَعْيِيرِ الكُفّارِ بِذَلِكَ والإثْمِ بِالتَّقْصِيرِ في البَحْثِ عَنْهم مَفْعَلَةٌ مِن عَرَّهُ إذا عَراهُ ما يَكْرَهُهُ.

﴿ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِ أنْ تَطَؤُهم أيْ تَطَؤُهم غَيْرَ عالِمِينَ بِهِمْ، وجَوابُ لَوْلا مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ، والمَعْنى لَوْلا كَراهَةَ أنْ تُهْلِكُوا أُناسًا مُؤْمِنِينَ بَيْنَ أظْهُرِ الكافِرِينَ جاهِلِينَ بِهِمْ فَيُصِيبَكم بِإهْلاكِهِمْ مَكْرُوهٌ لَمّا كَفَّ أيْدِيَكم عَنْهم.

﴿ لِيُدْخِلَ اللَّهُ في رَحْمَتِهِ ﴾ عِلَّةٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ كَفُّ الأيْدِي عَنْ أهْلِ مَكَّةَ صَوْنًا لِمَن فِيها مِنَ المُؤْمِنِينَ، أيْ كانَ ذَلِكَ لِيُدْخِلَ اللَّهُ في رَحْمَتِهِ أيْ في تَوْفِيقِهِ لِزِيادَةِ الخَيْرِ أوْ لِلْإسْلامِ.

﴿ مَن يَشاءُ ﴾ مِن مُؤْمِنِيهِمْ أوْ مُشْرِكِيهِمْ.

﴿ لَوْ تَزَيَّلُوا ﴾ لَوْ تَفَرَّقُوا وتَمَيَّزَ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ، وقُرِئَ «تَزايَلُوا» .

﴿ لَعَذَّبْنا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم عَذابًا ألِيمًا ﴾ بِالقَتْلِ والسَّبْيِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{هُمُ الذين كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ المسجد الحرام والهدى} هو ما يهدي إلى الكعبة ونصبه عطفاً على كم في صَدُّوكُمْ أي وصدوا الهدي {مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ} محبوساً أن يبلغ ومعكوفا حال وكان عليه السلام ساق سبعين بدنة {مَحِلَّهُ} مكانه الذي يحل فيه نحره أي يجب وهذا دليل على أن المحصر محل هديه الحرم والمراد المحل المعهود وهو منى {وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مؤمنات} بمكة {لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ} صفة للرجال والنساء جميعا {أن تطؤوهم} بدل اشتمال منهم أو من الضمير المنصوب في تَعْلَمُوهُمْ {فَتُصِيبَكمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ} إثم وشدة وهي مفعلة من عره بمعنى عراه إذا دهاه ما يكرهه ويشق عليه وهو الكفارة إذا قتله خطأ وسوء قالة المشركين أنهم فعلوا بأهل دينهم مثل ما فعلوا بنا من غير تمييز والإثم إذا قصر {بِغَيْرِ علم} متعلق بأن تطؤهم يعنى أن تطؤهم غير عالمين بهم والوطء عبارة عن الإيقاع والإبادة والمعنى أنه كان بمكة قوم من المسلمين مختلطون بالمشركين غير متميزين منهم فقيل

ولولا كراهة أن تهلكوا ناساً مؤمنين بين ظهرانى المشركين وأنتم غير عارفين بهم فيصبكم بإهلاكهم مكروه ومشقة لما كف أيديكم عنهم وقوله {لِّيُدْخِلَ الله فِى رَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ} تعليل لما دلت عليه الآية وسيقت له من كف الأيدي عن أهل مكة والمنع عن قتلهم صونا

لما بين أظهرهم من المؤمنين كأنه قال كان الكف ومنع التعذيب ليدخل الله في رحمته أي في توفيقه لزيادة الخير والطاعة مؤمنيهم أو ليدخل في الإسلام من رغب فيه من مشركيهم {لَوْ تَزَيَّلُواْ} لو تفرقوا وتميز المسلمون من الكافرين وجواب لولا محذوف أغنى عنا جواب لو ويجوز أن يكون لو تزيلوا كالتكرير اولا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ لمرجعهما إلى معنى واحد ويكون {لَعَذَّبْنَا الذين كَفَرُواْ} هو الجواب تقديره ولولا ان تطؤا رجالاً مؤمنين ونساء مؤمنات ولو كانوا متميزين لعذبناهم بالسيف {مِنْهُمْ} من أهل مكة {عَذَاباً أليما}

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ ﴾ أنْ تَصِلُوا إلَيْهِ وتَطُوفُوا بِهِ ﴿ والهَدْيَ ﴾ بِالنَّصْبِ عَطْفٌ عَلى الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في ﴿ صَدُّوكُمْ ﴾ أيْ وصَدُّوا الهَدْيَ وهو ما يُهْدى إلى البَيْتِ، قالَ الأخْفَشُ: الواحِدَةُ هَدْيَةٌ ويُقالُ لِلْأُنْثى هَدْيٌ كَأنَّهُ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ.

وفي البَحْرِ إسْكانُ دالِهِ لُغَةُ قُرَيْشٍ وبِها قَرَأ الجُمْهُورُ، وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ والحَسَنُ وعِصْمَةُ عَنْ عاصِمٍ واللُّؤْلُؤِيُّ وخارِجَةُ عَنْ أبِي عَمْرٍو بِكَسْرِ الدّالِ وتَشْدِيدِ الياءِ وذَلِكَ لُغَةٌ، وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ عَلى ما صَرَّحَ بِهِ غَيْرُ واحِدٍ، وكانَ هَذا الهَدْيُ سَبْعِينَ بَدَنَةً عَلى ما هو المَشْهُورُ، وقالَ مُقاتِلٌ: كانَ مِائَةَ بَدَنَةٍ.

وقَرَأ الجُعْفِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو (الهَدْيِ) بِالجَرِّ عَلى أنَّهُ عَطْفٌ عَلى المَسْجِدِ الحَرامِ بِحَذْفِ المُضافِ أيْ ونَحْرَ الهَدْيِ.

وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى إضْمارِ وصَدِّ الهَدْيِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ مَعْكُوفًا ﴾ حالٌ مِنَ ( الهَدْيَ ) عَلى جَمِيعِ القِراءاتِ، وقِيلَ: عَلى قِراءَةِ الرَّفْعِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( الهَدْيُ ) مُبْتَدَأٌ والكَلامُ نَحْوَ حُكْمُكَ مَسْمَطًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ( ونَحْنُ عُصْبَةٌ ) عَلى قِراءَةِ النَّصْبِ وهو كَما تَرى، والمَعْكُوفُ المَحْبُوسُ يُقالُ: عَكَفْتُ الرَّجُلَ عَنْ حاجَتِهِ حَبَسْتُهُ عَنْها، وأنْكَرَ أبُو عَلِيٍّ تَعْدِيَةَ عَكَفَ وحَكاها ابْنُ سِيدَهْ والأزْهَرِيُّ وغَيْرُهُما، وظاهِرُ ما في الآيَةِ مَعَهم، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ ( الهَدْيَ ) كَأنَّهُ قِيلَ: وصَدُّوا بُلُوغَ الهَدْيِ مَحَلَّهُ أوْ صَدُّوا عَنْ بُلُوغِ الهَدْيِ أوْ وصَدَّ بُلُوغَ الهَدْيِ حَسَبَ اخْتِلافِ القِراءاتِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ لِلصَّدِّ أيْ كَراهَةَ أنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ، وأنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ مَجْرُورًا بِلامٍ مُقَدَّرَةٍ.

لِمَعْكُوفًا.

أيْ مَحْبُوسًا لِأجْلِ أنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ ويَكُونُ الحَبْسُ مِنَ المُسْلِمِينَ، وأنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِنَزْعِ الخافِضِ وهو مِن أوْ عَنْ أيْ مَحْبُوسًا مِن أوْ عَنْ أنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ فَيَكُونُ الحَبْسُ مِنَ المُشْرِكِينَ عَلى ما هو الظّاهِرُ، ومَحِلُّ الهَدْيِ مَكانٌ يَحِلُّ فِيهِ نَحْرُهُ أيْ يَسُوغُ أوْ مَكانُ حُلُولِهِ أيْ وُجُوبِهِ ووُقُوعِهِ كَما نُقِلَ عَنِ الزَّمَخْشَرِيِّ، والمُرادُ مَكانُهُ المَعْهُودُ وهو مِنًى، أمّا عَلى رَأْيِ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَلِأنَّ مَكانَهُ لِمَن مَنَعَ حَيْثُ مَنَعَ فَيَكُونُ قَدْ بَلَغَ مَحِلَّهُ بِالنِّسْبَةِ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ومَن مَعَهُ ولِذا نَحَرُوا هُناكَ أعْنِي في الحُدَيْبِيَةِ، وأمّا عَلى رَأْيِ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَلِأنَّ مَكانَهُ الحَرَمُ مُطْلَقًا وبَعْضُ الحُدَيْبِيَةِ حَرَمٌ عِنْدِهِ وقَدْ رَوَوْا أنَّ مَضارِبَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَتْ في الحِلِّ مِنها ومُصَلّاهُ في الحَرَمِ والنَّحْرُ قَدْ وقَعَ فِيما هو حَرَمٌ فَيَكُونُ الهَدْيُ بالِغًا مَحِلَّهُ غَيْرَ مَعْكُوفٍ عَنْ بُلُوغِهِ فَلا بُدَّ مِن إرادَةِ المَعْهُودِ لِيَتَسَنّى ذَلِكَ، وزَعَمَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ الآيَةَ دَلِيلٌ لِأبِي حَنِيفَةَ عَلى أنَّ المَمْنُوعَ مَحِلُّ هَدْيِهِ الحَرَمُ ثُمَّ تَكَلَّمَ بِما لا يَخْفى حالُهُ عَلى مَن راجَعَهُ.

ومِنَ النّاسِ مَن قَرَّرَ الِاسْتِدْلالَ بِأنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ يَكُونُ بِمَعْنى الحَرَمِ وهَمَّ لَمّا صَدُّوهم عَنْهُ ومَنَعُوا هَدْيَهم أنْ يَدْخُلَهُ فَيَصِلَ إلى مَحِلِّهِ دَلَّ بِحَسَبِ الظّاهِرِ عَلى أنَّهُ مَحِلُّهُ، ثُمَّ قالَ: ولا يُنافِيهِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ نَحَرَ في طَرَفٍ مِنهُ كَما لا يُنافى الصَّدُّ عَنْهُ كَوْنَ مُصَلّاهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فِيهِ لِأنَّهم مَنَعُوهم فَلَمْ يَمْتَنِعُوا بِالكُلِّيَّةِ وهو كَما تَرى.

والإنْصافُ أنَّهُ لا يَتِمُّ الِاسْتِدْلالُ بِالآيَةِ عَلى هَذا المَطْلَبِ أصْلًا.

وطَعَنَ بَعْضُ أجِلَّةِ الشّافِعِيَّةِ في كَوْنِ شَيْءٍ مِنَ الحُدَيْبِيَةَ مِنَ الحَرَمِ فَقالَ: إنَّهُ خِلافُ ما عَلَيْهِ الجُمْهُورُ وحُدُودُ الحَرَمِ مَشْهُورَةٌ مِن زَمَنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولا يُعْتَدُّ بِرِوايَةٍ شَذَّبَها الواقِدِيُّ كَيْفَ وقَدْ صَرَّحَ بِخِلافِها البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنِ الثِّقاتِ، والرِّوايَةُ عَنِ الزُّهْرِيِّ لَيْسَتْ بِثَبْتٍ انْتَهى، ولَعَلَّ مَن قالَ: بِأنَّ بَعْضَها مِنَ الحَرَمِ اسْتَنَدَ في ذَلِكَ إلى خَبَرٍ صَحِيحٍ.

ومِن قَواعِدِهِمْ أنَّ المُثْبِتَ مُقَدَّمٌ عَلى النّافِي واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ ﴿ ولَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ ونِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ ﴾ صِفَةُ ( رِجالٌ ونِساءٌ ) عَلى تَغْلِيبِ المُذَكَّرِ عَلى المُؤَنَّثِ.

وكانُوا عَلى ما أخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ.

وغَيْرُهُ عَنْ أبِي جُمُعَةَ جُنْبُذِ بْنِ سَبُعٍ تِسْعَةَ نَفَرٍ سَبْعَةَ رِجالٍ وهو مِنهم وامْرَأتَيْنِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ تَطَئُوهُمْ ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنهم وجُوِّزَ كَوْنُهُ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في ﴿ تَعْلَمُوهُمْ ﴾ واسْتَبْعَدَهُ أبُو حَيّانَ، والوَطْءُ الدَّوْسُ واسْتُعِيرَ هُنا لِلْإهْلاكِ وهي اسْتِعارَةٌ حَسَنَةٌ وارِدَةٌ في كَلامِهِمْ قَدِيمًا وحَدِيثًا، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الحارِثِ بْنِ وعْلَةَ الذُّهْلِيُّ: ووَطِئَتْنا وطْأً عَلى حَنَقٍ وطْءَ المُقَيَّدِ نابِتِ الهَرَمِ وقَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن حَدِيثِ: «(وإنَّ آخِرَ وطْأةٍ وطِئَها اللَّهُ تَعالى بِوَجٍّ)».

وقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «(اللَّهُمَّ اشْدُدْ وطَأتَكَ عَلى مُضَرَ)» ﴿ فَتُصِيبَكم مِنهُمْ ﴾ أيْ مِن جِهَتِهِمْ ﴿ مَعَرَّةٌ ﴾ أيْ مَكْرُوهٌ ومَشَقَّةٌ مَأْخُوذٌ مِنَ العَرِّ والعَرَّةِ وهو الجَرَبُ الصَّعْبُ اللّازِمُ، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: هي مَفْعَلَةٌ مِن عَرَّهُ إذا عَراهُ ودَهاهُ ما يَكْرَهُ، والمُرادُ بِها هُنا عَلى ما رُوِيَ عَنْ مُنْذِرِ بْنِ سَعِيدٍ تَعْيِيرُ الكُفّارِ وقَوْلُهم في المُؤْمِنِينَ: إنَّهم قَتَلُوا أهْلَ دِينِهِمْ، وقِيلَ: التَّأسُّفُ عَلَيْهِمْ وتَألُّمُ النَّفْسِ مِمّا أصابَهم.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المَأْثَمُ بِقَتْلِهِمْ.

وقالَ ابْنُ إسْحَقَ: الدِّيَةُ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وكِلا القَوْلَيْنِ ضَعِيفٌ لِأنَّهُ لا إثْمَ ولا دِيَةَ فِي قَتْلِ مُؤْمِنٍ مَسْتُورِ الإيمانِ بَيْنَ أهْلِ الحَرْبِ: وقالَ الطَّبَرِيُّ: هي الكَفّارَةُ.

وتَعَقَّبَ بَعْضُهم هَذا أيْضًا بِأنَّ في وُجُوبِ الكَفّارَةِ خِلافًا بَيْنَ الأئِمَّةِ.

وفي الفُصُولِ العِمادِيَّةِ ذِكْرٌ في تَأْسِيسِ النَّظائِرِ في الفِقْهِ قالَ أصْحابُنا: دارُ الحَرْبِ تَمْنَعُ وُجُوبَ ما يَنْدَرِئُ بِالشُّبَهاتِ لِأنَّ أحْكامَنا لا تَجْرِي في دارِهِمْ وحُكْمَ دارِهِمْ لا يَجْرِي في دارِنا.

وعِنْدَ الشّافِعِيِّ دارُ الحَرْبِ لا تَمْنَعُ وُجُوبَ ما يَنْدَرِئُ بِالشُّبَهاتِ، بَيانُ ذَلِكَ حَرْبِيٌّ أسْلَمَ في دارِ الحَرْبِ وقَتَلَ مُسْلِمًا دَخَلَ دارَهم بِأمانٍ لا قِصاصَ عَلَيْهِ عِنْدَنا ولا دِيَةَ وعِنْدَ الشّافِعِيِّ عَلَيْهِ القِصاصُ وعَلى هَذا لَوْ أنَّ مُسْلِمَيْنِ مُتَسامِنَيْنِ دَخَلا دارَ الحَرْبِ وقَتَلَ أحَدُهُما صاحِبَهُ لا قِصاصَ عَلَيْهِ عِنْدَنا وعِنْدَ الشّافِعِيِّ عَلَيْهِ ذَلِكَ، ثُمَّ ذَكَرَ مَسْألَةً مُخْتَلَفًا فِيها بَيْنَ أبِي حَنِيفَةَ وأبِي يُوسُفَ ومُحَمَّدٍ فَقالَ: إذا قَتَلَ أحَدُ الأسِيرَيْنِ صاحِبَهُ في دارِ الحَرْبِ لا شَيْءَ عَلَيْهِ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ وأبِي يُوسُفَ إلّا الكَفّارَةَ لِأنَّهُ تَبَعٌ لَهم فَصارَ كَواحِدٍ مِن أهْلِ الحَرْبِ، وعِنْدَ مُحَمَّدٍ تَجِبُ الدِّيَةُ لِأنَّ لَهُ حُكْمَ نَفْسِهِ فاعْتُبِرَ حُكْمُ نَفْسِهِ عَلى حِدَةٍ انْتَهى.

ونُقِلَ عَنِ الكافِي أنَّ مَن أسْلَمَ في دارِ الحَرْبِ ولَمْ يُهاجِرْ إلَيْنا وقَتَلَهُ مُسْلِمٌ عَمْدًا أوْ خَطَأً ولَهُ ورَثَةٌ مُسْلِمُونَ ثُمَّ لا يَضْمَنُ شَيْئًا إنْ كانَ عَمْدًا وإنْ كانَ خَطَأً ضَمِنَ الكَفّارَةَ دُونَ الدِّيَةِ انْتَهى وتَمامُ الكَلامِ في هَذا المَقامِ يُطْلَبُ في مَحَلِّهِ، والزَّمَخْشَرِيُّ فَسَّرَ المَعَرَّةَ بِوُجُوبِ الدِّيَةِ والكَفّارَةِ وسُوءِ قالَةِ المُشْرِكِينَ والمَأْثَمِ إذا جَرى مِنهم بَعْضُ التَّقْصِيرِ وهو كَما نَرى.

﴿ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ في ﴿ تَطَئُوهُمْ ﴾ قِيلَ ولا تَكْرارَ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ ﴾ سَواءٌ كانَ ﴿ أنْ تَطَئُوهُمْ ﴾ بَدَلَ اشْتِمالٍ مِن ( رِجالٌ ونِساءٌ ) أوْ بَدَلًا مِنَ المَنصُوبِ في ﴿ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ ﴾ أمّا عَلى الثّانِي فَلِأنَّ حاصِلَ المَعْنى ولَوْلا مُؤْمِنُونَ لَمْ تَعْلَمُوا وطْأتَهم وإهْلاكَهم وأنْتُمْ غَيْرُ عالِمِينَ بِإيمانِهِمْ لِأنَّ احْتِمالَ أنَّهم يَهْلَكُونَ مِن غَيْرِ شُعُورٍ مَعَ إيمانِهِمْ سَبَبُ الكَفِّ فَيُعْتَبَرُ فِيهِ العِلْمانِ فَمُتَعَلِّقُ العِلْمِ في الأوَّلِ الوَطْأةُ وفي الثّانِي أنْفُسُهم بِاعْتِبارِ الإيمانِ، وأمّا عَلى الأوَّلِ فَلِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ( بِغَيْرِ عِلْمٍ ) لِما كانَ حالًا مِن فاعِلِ ﴿ تَطَئُوهُمْ ﴾ كانَ العِلْمُ بِهِمْ راجِعًا إلى العِلْمِ بِاعْتِبارِ الإهْلاكِ كَما تَقُولُ أهْلَكْتُهُ مِن غَيْرِ عِلْمٍ فَلا الإهْلاكُ مِن غَيْرِ شُعُورٍ ولا العِلْمُ بِإيمانِهِمْ حاصِلٌ والأمْرانِ لِكَوْنِهِما مَقْصُودَيْنِ بِالذّاتِ صَرَّحَ بِهِما وإنْ تَقارَبا أوْ تَلازَما في الجُمْلَةِ.

وجُوِّزَ أنْ يَجْعَلَ ﴿ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ ﴾ كِنايَةً عَنِ الِاخْتِلاطِ كَما يُلَوِّحُ إلَيْهِ كَلامُ الكَشّافِ، وفِيهِ ما يَدْفَعُ التَّكْرارَ أيْضًا، وفي ذَلِكَ بَحْثٌ يُدْفَعُ بِالتَّأمُّلِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِ ( مِنهم ) وأنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِـ ( تُصِيبَكم )، أوْ صِفَةً لِمَعَرَّةٍ قِيلَ: وهو عَلى مَعْنى فَتُصِيبَكم مِنهم مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ مِنَ الَّذِي يُعَيِّرُكم ويَعِيبُ عَلَيْكم، يَعْنِي إنْ وطِئْتُمُوهم غَيْرَ عالِمِينَ لَزِمَكم سُبَّةٌ مِنَ الكُفّارِ بِغَيْرِ عِلْمٍ أيْ لا يَعْلَمُونَ أنَّكم مَعْزُورُونَ فِيهِ أوْ عَلى مَعْنى لَمْ تَعْلَمُوا أنْ تطئوهم فَتُصِيبَكم مِنهم مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ مِنكم أيْ فَتَقْتُلُوهم بِغَيْرِ عِلْمٍ مِنكم أوْ تُؤْذُوهم بِغَيْرِ عِلْمٍ فافْهَمْ ولا تَغْفُلْ.

وجَوابُ ( لَوْلا ) مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ، والمَعْنى عَلى ما سَمِعْتَ أوَّلًا لَوْلا كَراهَةُ أنْ تُهْلِكُوا أُناسًا مُؤْمِنِينَ بَيْنَ ظَهَرانَيِ الكُفّارِ جاهِلِينَ بِهِمْ فَيُصِيبَكم بِإهْلاكِهِمْ مَكْرُوهٌ لَمّا كَفَّ أيْدِيَكم عَنْهم، وحاصِلُهُ أنَّهُ تَعالى ولَوْ لَمْ يَكُفَّ أيْدِيَكم عَنْهم لانْجَرَّ الأمْرُ إلى إهْلاكِ مُؤْمِنِينَ بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ فَيُصِيبَكم مِن ذَلِكَ مَكْرُوهٌ وهو عَزَّ وجَلَّ يَكْرَهُ ذَلِكَ.

وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: دَفَعَ اللَّهُ تَعالى عَنِ المُشْرِكِينَ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ بِأُناسٍ مِنَ المُسْلِمِينَ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ، وظاهِرُ الأوَّلِ عَلى ما قِيلَ أنَّ عِلَّةَ الكَفِّ صَوْنُ المُخاطَبِينَ عَنْ إصابَةِ المَعَرَّةِ، وظاهِرُ هَذا أنَّ عِلَّتَهُ صَوْنُ أُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ عَنِ الوَطْءِ والأمْرُ فِيهِ سَهْلٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيُدْخِلَ اللَّهُ في رَحْمَتِهِ ﴾ عِلَّةٌ لِما يَدُلُّ عَلَيْهِ الجَوابُ المَحْذُوفُ عَلى ما اخْتارَهُ في الإرْشادِ كَأنَّهُ قِيلَ: لَكِنَّهُ سُبْحانَهُ كَفَّها عَنْهم لِيُدْخِلَ بِذَلِكَ الكَفِّ المُؤَدِّي إلى الفَتْحِ بِلا مَحْذُورٍ في رَحْمَتِهِ الواسِعَةِ ﴿ مَن يَشاءُ ﴾ وهم أُولَئِكَ المُؤْمِنُونَ وذَلِكَ بِأمْنِهِمْ وإزالَةِ اسْتِضْعافِهِمْ تَحْتَ أيْدِي المُشْرِكِينَ وبِتَوْفِيقِهِمْ لِإقامَةِ مَراسِمِ العِبادَةِ عَلى الوَجْهِ الأتَمِّ، والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِمَن يَشاءُ دُونَ الضَّمِيرِ بِأنْ يُقالَ: لِيُدْخِلَهُمُ اللَّهُ رَحْمَتَهُ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ عِلَّةَ الإدْخالِ المَشِيئَةُ المَبْنِيَّةُ عَلى الحِكَمِ الجَمَّةِ والمَصالِحِ، وجَعَلَهُ بَعْضُهم عِلَّةً لِما يُفْهَمُ مِن صَوْنِ مَن بِمَكَّةَ مِنَ المُؤْمِنِينَ والرَّحْمَةُ تَوْفِيقُهم لِزِيادَةِ الخَيْرِ والطّاعَةِ بِإبْقائِهِمْ عَلى عَمَلِهِمْ وطاعَتِهِمْ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِمَن يَشاءُ، بَعْضُ المُشْرِكِينَ ويُرادُ بِالرَّحْمَةِ الإسْلامُ فَإنَّ أُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ إذا صانَهُمُ الكَفُّ المَذْكُورُ أظْهَرُوا إيمانَهم لِمُعايَنَةِ قُوَّةِ الدِّينِ فَيَقْتَدِي بِهِمُ الصّائِرُونَ لِلْإسْلامِ، واسْتَحْسَنَ بَعْضُهم كَوْنَهُ عِلَّةً لِلْكَفِّ المُعَلَّلِ بِالصَّوْنِ.

وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِمَن يَشاءُ، المُؤْمِنُونَ فَيُرادُ بِالرَّحْمَةِ التَّوْفِيقُ لِزِيادَةِ الخَيْرِ، والمُشْرِكُونَ فَيُرادُ بِها الإسْلامُ، وبَيَّنَ وجْهَ التَّعْلِيلِ بِأنَّهم إذا شاهَدُوا مَنعَ تَعْذِيبِهِمْ بَعْدَ الظَّفَرِ عَلَيْهِمْ لِاخْتِلاطِ المُؤْمِنِينَ بِهِمِ اعْتِناءً بِشَأْنِهِمْ رَغِبُوا في الإسْلامِ والِانْخِراطِ في سِلْكِ المَرْحُومَيْنِ وأنَّ المُؤْمِنَيْنِ إذا عَلِمُوا مَنعَ تَعْذِيبِ المُشْرِكِينَ بَعْدَ الظَّفَرِ عَلَيْهِمْ لِاخْتِلاطِهِمْ بِهِمْ أظْهَرُوا إيمانَهم فَيُقْتَدى بِهِمْ، وقالَ: لا وجْهَ لِجَعْلِ اللّامِ مُسْتَعارَةً مِن مَعْنى التَّعْلِيلِ لِما يَتَرَتَّبُ عَلى الشَّيْءِ لِأنَّهُ عُدُولٌ عَنِ الحَقِيقَةِ المُتَبادَرَةِ مِن غَيْرِ داعٍ، وما يُظَنُّ مِن أنَّ تَعْلِيلَ الكَفِّ بِما ذُكِرَ مَعَ أنَّهُ مُعَلَّلٌ بِالصَّوْنِ فاسِدٌ لِما فِيهِ مِنِ اجْتِماعِ عِلَّتَيْنِ عَلى مَعْلُولٍ واحِدٍ شَخْصِيٍّ فاسِدٍ لِأنَّ العِلَلَ إذا لَمْ تَكُنْ تامَّةً حَقِيقَةً لا يَضُرُّ تَعَدُّدُها وما هُنا كَذَلِكَ.

هَذا وجَعْلُ ذَلِكَ عِلَّةً لِما دَلَّ عَلَيْهِ الجَوابُ عَلى ما سَمِعْتَ أوَّلًا أوْلى عِنْدِي لِما فِيهِ مِن شِدَّةِ التِحامِ النَّظْمِ الجَلِيلِ، وحَمْلُ ( مَن يَشاءُ ) عَلى المُؤْمِنِينَ المُسْتَضْعَفِينَ دُونَ بَعْضِ المُشْرِكِينَ أوْفَقُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم عَذابًا ألِيمًا ﴾ والتَّزَيُّلُ التَّفَرُّقُ والتَّمَيُّزُ، وجُوِّزَ في ضَمِيرِ ﴿ تَزَيَّلُوا ﴾ كَوْنُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ المَذْكُورِينَ فِيما سَبَقَ أيْ لَوْ تَفَرَّقَ أُولَئِكَ المُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ وتَمَيَّزُوا عَنِ الكُفّارِ وخَرَجُوا مِن مَكَّةَ ولَمْ يَبْقَوْا بَيْنَهم لَعَذَّبْنا إلَخْ، وكَوْنُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ والكُفّارِ أيْ لَوِ افْتَرَقَ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ ولَمْ يَبْقَوْا مُخْتَلِطِينَ لَعَذَّبْنا إلَخْ.

واخْتارَ غَيْرُ واحِدٍ الأوَّلَ فَمِنهم لِلْبَيانِ، والمُرادُ تَعْذِيبُهم في الدُّنْيا بِالقَتْلِ والسَّبْيِ كَما قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ وإلّا لَمْ يَكُنْ- لِـ لَوْ- مَوْقِعٌ.

والجُمْلَةُ مُسْتَأْنِفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَوْ تَزَيَّلُوا ﴾ كالتَّكْرارِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ( لَوْلا رِجالٌ ) لِأنَّ مَرْجِعَهُما في المَعْنى شَيْءٌ واحِدٌ ويَكُونُ لَعَذَّبْنا هو الجَوا - لِـ لَوْلا - السّابِقَةِ.

واعْتَرَضَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ التَّغايُرَ ظاهِرٌ فَلا يَكُونُ تَكْرارًا ولا مُشابِهًا.

وأُجِيبُ بِأنَّ كَراهَةَ وطْئِهِمْ لِعَدَمِ تَمَيُّزِهِمْ عَنِ الكَفّارِ الَّذِي هو مَدْلُولُ الثّانِي فَيَكُونُ كَبَدَلِ الِاشْتِمالِ ويَكْفِي ذَلِكَ في كَوْنِهِ كالتَّكْرارِ، وقالَ ابْنُ المُنِيرِ: إنَّما كانَ مَرْجِعُهُما واحِدًا وإنْ كانَتْ ( لَوْلا ) تَدُلُّ عَلى امْتِناعٍ لِوُجُودٍ ( ولَوْ ) تَدُلُّ عَلى امْتِناعٍ لِامْتِناعٍ وبَيْنَ هَذَيْنِ تَنافٍ ظاهِرٌ لِأنَّ (لَوْلا) هاهُنا دَخَلَتْ عَلى وُجُودٍ ولَوْ دَخَلَتْ عَلى ﴿ تَزَيَّلُوا ﴾ وهو راجِعٌ إلى عَدَمِ وُجُودِهِمْ وامْتِناعُ عَدَمِ الوُجُودِ ثُبُوتٌ فَآلا إلى أمْرٍ واحِدٍ مِن هَذا الوَجْهِ قالَ: وكانَ جَدِّي يَخْتارُ هَذا الوَجْهَ ويُسَمِّيهِ تَطْرِيَةً وأكْثَرُ ما يَكُونُ إذا تَطاوَلَ الكَلامُ وبَعُدَ عَهْدُ أوَّلِهِ واحْتِيجَ إلى بِناءِ الآخِرِ عَلى الأوَّلِ فَمَرَّةً يَطْرى بِلَفْظِهِ ومَرَّةً بِلَفْظٍ آخَرَ يُؤَدِّي مُؤَدّاهُ انْتَهى.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ في حَذْفِ الجَوابِ دَلِيلًا عَلى شِدَّةِ غَضَبِ اللَّهِ تَعالى وأنَّهُ لَوْلا حَقُّ المُؤْمِنِينَ لَفَعَلَ بِهِمْ ما لا يَدْخُلُ تَحْتَ الوَصْفِ ولا يُقاسُ، ومِنهُ يُعْلَمُ أنَّ ذَلِكَ الوَجْهَ أرْجَحُ مِن جَعْلِ ﴿ لَوْ تَزَيَّلُوا ﴾ بِمَنزِلَةِ التَّكْرارِ لِلتَّطْرِيَةِ فَتَطْرِيَةُ الجَوابِ وتَقْوِيَتُهُ أوْلى وأوْفَقُ لِمُقْتَضى المَقامِ، واخْتارَ الطِّيبِيُّ الأوَّلَ أيْضًا مُعَلِّلًا لَهُ بِأنَّهُ حِينَئِذٍ يُقَرِّبُ مِن بابِ الطَّرْدِ والعَكْسُ لِأنَّ التَّقْدِيرَ لَوْلا وُجُودُ مُؤْمِنِينَ مُخْتَلِطِينَ بِالمُشْرِكِينَ غَيْرَ مُتَمَيِّزِينَ مِنهم لَوَقَعَ ما كانَ جَزاءً لِكُفْرِهِمْ وصَدِّهِمْ ولَوْ حَصَلَ التَّمْيِيزُ وارْتَفَعَ الِاخْتِلاطُ لَحَصَلَ التَّعْذِيبُ، ثُمَّ إنَّ تَقْدِيرَ الجَوابِ ما تَقَدَّمَ عِنْدَ القائِلِينَ بِالحَذْفِ هو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ كَثِيرٌ، وجَوَّزَ بَعْضُهم تَقْدِيرَهُ لَعَجَّلَ لَهم ما يَسْتَحِقُّونَ وجَعَلَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ إلَخْ فَكَأنَّهُ قِيلَ: هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا واسْتَحَقُّوا التَّعْجِيلَ في إهْلاكِهِمْ ولَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ إلَخْ لَعَجَّلَ لَهم ذَلِكَ وهو أيْضًا أوْلى مِن حَدِيثِ التَّكْرارِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ وابْنُ مِقْسَمٍ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ عَوْنٍ (لَوْ تَزايَلُوا) عَلى وزْنِ تَفاعَلُوا.

وفِي الآيَةِ عَلى ما قالَ الكِيا دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ خَرْقُ سَفِينَةِ الكُفّارِ إذا كانَ فِيها أسْرى مِنَ المُسْلِمِينَ وكَذَلِكَ رَمْيُ الحُصُونِ إذا كانُوا بِها والكُفّارُ إذا تَتَرَّسُوا بِهِمْ، وفِيهِ كَلامٌ في كُتُبِ الفُرُوعِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال: وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها يعني: وعدكم الله غنيمة أخرى لم تقدروا عليها.

يعني: لم تملكوها بعد، وهو فتح مكة.

ويقال: هو فتح قرى فارس، والروم.

قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها يعني: علم الله أنكم ستفتحونها، وستغنمونها، فجمعها، وأحرزها لكم.

وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً من الفتح وغيره وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني: كفار مكة يوم الحديبية.

ويقال: أسد وغطفان يوم خيبر.

لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ منهزمين ثُمَّ لاَ يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً يعني: قريبا ينفعهم، ولا مانعاً يمنعهم من الهزيمة.

قوله عز وجل: سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ يعني: هكذا سنة الله بالغلبة، والنصرة لأوليائه، والقهر لأعدائه.

وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا يعني: تغييراً، وتحويلاً.

وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ يعني: أيدي أهل مكة، وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ يعني: أيديكم عن أهل مكة من بعد أن أَظْفَركم عليهم.

وذلك أن جماعة من أهل مكة، خرجوا يوم الحديبية يرمون المسلمين، فرماهم المسلمون بالحجارة حتى أدخلوهم بيوت مكة.

وروى حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس قال: طلع قوم وهم ثمانون رجلاً على رسول الله  من قبل التنعيم عند صلاة الصبح ليأخذوه، فأخذهم رسول الله  ، وخلى سبيلهم.

فأنزل الله تعالى: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ يعني: بوسط مكة مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ يعني: سلطكم عليهم وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً بحرب بعضكم بعضاً.

قوله تعالى: هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني: جحدوا بوحدانية الله تعالى وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَن تطوفوا به وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً يعني: محبوساً.

يقال: عكفته عن كذا إذا حبسته.

ومنه العاكف في المسجد لأنه حبس نفسه.

يعني: صيروا الهدي محبوساً عن دخول مكة، وهي سبعون بدنة.

ويقال: مائة بدنة.

أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ يعني: منحره، ومنحرة منى للحاج، وعند الصفا للمعتمر.

ثم قال: وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ بمكة لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أنهم مؤمنون.

يعني: لم تعرفوا المؤمنين من المشركين أَنْ تَطَؤُهُمْ يعني: تحت أقدامكم.

ويقال: فتضربوهم بالسيف فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ يعني: تلزمكم الدية بِغَيْرِ عِلْمٍ يعني: بغير علم منكم لهم، ولا ذنب لكم.

وذلك أن بعض المؤمنين كانوا مختلطين بالمشركين، غير متميزين، ولا معروفي الأماكن.

ثم قال: وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ لو دخلتموها أن تقتلوهم لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ لو فعلتم فيصيبكم من قتلهم معرة.

يعني: يعيركم المشركون بذلك، ويقولون: قتلوا أهل دينهم كما قتلونا، فتلزمكم الديات.

ثم قال: لَوْ تَزَيَّلُوا أي: تميزوا من المشركين لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا يعني: لو تميزوا بالسيف.

وقال القتبي: صار قوله: لَعَذَّبْنَا جواباً لكلامين أحدهما، لولا رجال مؤمنون، والآخر لَوْ تَزَيَّلُوا يعني: لو تفرقوا، واعتزلوا.

يعني: المؤمنين من الكافرين لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً يعني: شديداً وهو القتل.

قوله تعالى: إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني: أهل مكة فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ وذلك أنهم قالوا: قتل آباءنا، وإخواننا.

ثم أتانا يدخل علينا في منازلنا.

والله لا يدخل علينا، فهذه الحمية التي في قلوبهم.

فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ يعني: طمأنينته عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ فأذهب عنهم الحمية، حتى اطمأنوا، وسكتوا.

وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى يعني: ألهمهم كلمة لا إله إلا الله حتى قالوا: وَكانُوا أَحَقَّ بِها يعني: كانوا في علم الله تعالى أحق بهذه الكلمة من كفار مكة وَأَهْلَها يعني: وكانوا أهل هذه الكلمة عند الله تعالى وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً يعني: عليماً بمن كان أهلاً لذلك وغيره.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ قال قتادة: يريد كَفَّ أَيديهم عن أهل المدينة في مغيب النبي صلّى الله عليه وسلّم والمؤمنين «١» ، وَلِتَكُونَ آيَةً أي: علامة على نصر المؤمنين، وحكى الثعلبيُّ عن قتادة أَنَّ المعنى: كَفَّ اللَّه غطفان ومن معها حين جاؤوا لنصر خيبر «٢» ، وقيل: أراد كفّ قريشا.

وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً (٢١) وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ ثُمَّ لاَ يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (٢٢) سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً (٢٣) وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً (٢٤) هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً (٢٥)

وقوله سبحانه: وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قال ابن عباس: الإشارة إلى بلاد فارس والروم «٣» ، وقال قتادة والحسن: الإشارة إلى مَكَّةَ «٤» ، وهذا قول يَتَّسِقُ معه المعنى ويتأيَّد/.

وقوله: قَدْ أَحَاطَ الله بِهَا معناه: بالقُدْرَةِ وَالْقَهْرِ لأهلها، أي: قد سبق في علمه ذلك، وظهر فيها أَنَّهم لم يقدروا عليها.

ت: قوله: وظهر فيها إِلى آخرهِ كلامٌ غير محصل، ولفظ الثعلبيِّ: وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها أي: وعدكم فتح بلدة أخرى لم تقدروا عليها، قد أحاط اللَّه بها لكم حَتَّى يفتحها عليكم، وقال ابن عباس «٥» : علم اللَّه أَنَّه يفتحها لكم، قال مجاهد «٦» : هو ما فتحوه حتى اليوم، ثم ذكر بَقِيَّةَ الأقوال، انتهى.

وقوله سبحانه: وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني «١» : كفار قريش في تلك السنة لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ ثُمَّ لاَ يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً.

وقوله: سنة اللَّه أي: كَسُنَّةِ اللَّه، إشارةً إلى وقعة بدر، وقيل: إشارة إلى عادة اللَّه من نصر الأنبياء، ونصب «سنة» على المصدر.

وقوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ ...

الآية، رُوِيَ في سببها أَنَّ قريشاً جمعت جماعة من فتيانها، وجعلوهم مع عِكْرِمَةَ بن أبي جهل، وخرجوا يطلبون غرَّةً في عسكر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم واختلف الناسُ في عدد هؤلاء اختلافاً متفاوتاً فلذلك اختصرته، فلمَّا أَحَسَّ بهم المسلمون بعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في أَثَرِهِمْ خالدَ بنَ الوليد، وسَمَّاهُ يومئذٍ سَيْفَ اللَّه في جملة من الناس، فَفَرُّوا أمامهم، حَتَّى أدخلوهم بُيُوتَ مَكَّةَ، وأَسَرُوا منهم جملة، فسيقوا إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فَمَنَّ عليهم وأطلقهم «٢» قال الوَاحِدِيُّ: وكان ذلك سَبَبَ الصلح بينهم، انتهى.

وقوله سبحانه: هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني: أهل مكة وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أي: منعوكم من العمرة، وذلك أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم خرج من المدينة إلى الحديبية في/ ذي القعدة سنة ست يريد العمرة وتعظيم البيت وخرج معه بمائة بدنة وقيل بسبعين فأجمعت قريش لحربه وغوروا المياه التي تقرب من مكة فجاء صلّى الله عليه وسلّم حتى نزل على بئر الحديبية وحينئذ وضع سهمه في الماء فجرى غمراً حتى كفى الجيش ثم بعث صلّى الله عليه وسلّم إليهم عثمان كما تقدم وبعثوا هم رجالاً آخرهم سهيل بن عمرو وبه انعقد الصلح على أن ينصرف صلّى الله عليه وسلّم ويعتمر من قابل فهذا صدهم إياه وهو مستوعب في السير، والْهَدْيَ معطوف على الضمير في «صدوكم» [أي] وصدوا الهدي، ومَعْكُوفاً حال، ومعناه: محبوساً، تقول عكفت الرجل عن حاجته إذا حبسته، وحبس الهدي من قبل المشركين هو بصدهم، ومن قبل المسلمين لرؤيتهم ونَظَرِهِمْ في أَمرهم لأجل أَنْ يبلغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ، وهو مَكَّةُ والبَيْتُ، وهذا هو حَبْسُ المسلمين، وذكر تعالى العِلَّةَ في أَنْ صَرَفَ المسلمين، ولم يمكنهم من دخول مَكَّةَ في تلك الوجهة، وهي أَنَّهُ كان بمكة مؤمنون من رجال ونساء خَفِيَ إيمانهم، فَلَوِ استباح المسلمون بيضتها أهلكوا أولئك المؤمنين قال قتادة «٣» : فدفع الله عن المشركين بأولئك

المؤمنين، والوَطْءُ هنا: الإهلاك بالسيف وغيره ومنه قوله صلّى الله عليه وسلّم: «اللهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرٍ «١» » قال أبو حيَّان «٢» : وَلَوْلا رِجالٌ جوابها محذوف لدلالة الكلام عليه، أي: ما كَفَّ أيديَكم عنهم، انتهى، والمَعَرَّةُ: السوء والمكروه اللاحق مأخوذ من العُرِّ والعُرَّة وهو الجَرَبُ الصَّعْبُ اللاَّزِمُ، واختلف/ في تعيين هذه المَعَرَّةِ، فقال الطبريُّ «٣» : وَحَكَاهُ الثعلبيُّ:

هي الكَفَّارة، وقال مُنْذِرٌ: المَعَرَّة: أنْ يعيبهم الكُفَّار، ويقولوا: قتلوا أهل دينهم، وقال بعضُ المفسِّرين: هي المَلاَمُ، والقولُ في ذلك، وتألمَ النفْسِ في باقي الزمان، وهذه أقوالٌ حِسَانٌ، وجواب «لولا» محذوفٌ، تقديره: لولا هؤلاءِ لدخلتم مكَّةَ، لكن شرَّفْنَا هؤلاءِ المؤمنِينَ بأنْ رَحِمْنَاهُمْ، ودفعنا بسببهم عن مَكَّةَ ليدخل اللَّه، أي: لِيُبَيِّنَ للناظر أنَّ اللَّه يدخُلَ من يشاء في رحمته أو، أي: لِيقعَ دخولهم في رحمة اللَّه ودفعه عنهم.

ت: وقال الثَّعْلَبِيُّ: قوله: «بِغَيْرِ عِلْمٍ» يحتمل أنْ يريد بغير علم مِمَّنْ تكلَّم بهذا، والمَعَرَّةُ: المشقة «لِيُدْخِلَ اللَّهُ في رَحْمَتِهِ» أي: في دين الإِسلام «مَنْ يَشَاءُ» : من أهل مكة قبل أن تدخلوها، انتهى.

وقوله تعالى: لَوْ تَزَيَّلُوا أي: لو ذهبوا عن مَكَّةَ تقول: زِلْتُ زيداً عن موضعه إزالة، أي: أذهبته، وليس هذا الفعل من «زَالَ يَزُولُ» ، وقد قيل: هو منه، وقرأ أبو حيوة

وقتادة: «تَزَايَلُوا» بألف «١» ، أي: ذهب هؤلاء عن هؤلاء، وقال النَّحَّاس: وقد قيل: إنَّ قوله: وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ ...

الآية: يريدُ: مَنْ في أصلاب الكافرين مِمَّنْ سيُؤْمِنُ في غابر الدهر، وحكاه الثعلبيُّ والنَّقَّاش عن عليِّ بْنِ أبي طالبٍ- رضي اللَّه عنه- عن النبي صلّى الله عليه وسلّم مرفوعاً، والحَمِيَّةُ التي جعلوها هي حَمِيَّةُ أَهل مكة في الصَّدِّ قال الزُّهْرِيُّ: وهي حمية سُهَيْلٍ ومَنْ شَاهَدَ مِنْهُمْ عقدَ الصُّلْحِ، وجعلها سبحانه حَمِيَّةً جاهلية، لأَنَّها كانت منهم بغير حجّة، إذ لم يأت صلّى الله عليه وسلّم مُحِارِباً لهم، وإنما جاء معتمراً معظِّماً لبيت اللَّه، والسكينة: هي الطَّمْأَنِينَةُ إلى أَمْرِ رسُولِ الله صلّى الله عليه وسلّم، والثقةُ بوعد اللَّه، والطاعةُ، وزوالُ/ الأَنَفَةِ التي لحقت عُمَرَ وغيره، «وكَلِمَةُ التَّقْوَى» : قال الجمهور: هي لا إله إلا اللَّه، ورُوِيَ ذلك عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وفي مصحف ابن مسعود «٢» : «وَكَانُوا أَهْلَهَا [وَأَحَقَّ بِهَا» والمعنى: كانوا أهلها] على الإطلاق في علم اللَّه وسابق قضائه لهم، وروى أبو أمامة عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أَنَّهُ قَالَ: «إذَا نَادَى المُنَادِي فُتِحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، واسْتُجِيبَ الدُّعَاءُ، فَمَنْ نَزَلَ بِهِ كَرْبٌ أَوْ شِدَّةٌ فَلْيَتَحَيَّنِ المُنَادِيَ، فَإذَا كَبَّرَ كَبَّرَ، وَإذَا تَشَهَّدَ تَشَهَّدَ، وَإذَا قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلاَةِ، قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلاَةِ، وَإذَا قَالَ: حَيَّ عَلَى الْفَلاَحِ، قَالَ: حَيَّ عَلَى الفَلاَحِ، ثُمَّ يَقُولُ: رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ الصادِقَةِ المُسْتَجَابِ لَهَا، دَعُوَةِ الحَقِّ وَكَلِمَةِ التقوى، أَحْيِنَا عَلَيْهَا، وَأَمِتْنَا عَلَيْهَا، وَابْعَثْنَا عَلَيْهَا، وَاجْعَلْنَا مِنْ خِيَارِ أَهْلِهَا أَحْيَاءً وَأَمْوَاتَاً، ثُمَّ يَسْأَلُ اللَّهَ حَاجَتَهُ» رواه الحاكم في «المستدرك» ، وقال: صحيح الإِسناد «٣» ، انتهى من «السّلاح» .

فقد بيّن صلّى الله عليه وسلّم في هذا الحديث معنى «كلمة التقوى» على نحو ما فسرَ به الجمهور، والصحيحِ أنه يعوض عن الحَيْعَلَةِ الحَوْقَلَةُ ففي «صحيح مسلم» ، ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَلاَةِ، قَالَ: لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلا باللَّهِ، ثم قال: حَيَّ عَلَى الْفَلاَحِ، قَالَ: لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلا باللَّهِ «٤» » الحديث، انتهى.

وقوله تعالى: وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً إشارة إلى علمه بالمؤمنين الذين دفع عن كفار قريش بسببهم، وإلى علمه بوجه المصلحة في صلح الحديبية فيروى أنّه لما انعقد

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ ﴿ وَصَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ ﴾ أنْ تَطُوفُوا بِهِ وتُحِلُّوا مِن عُمْرَتِكم ﴿ والهَدْيَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: وصَدُّوا الهَدْيَ ﴿ مَعْكُوفًا ﴾ أيْ: مَحْبُوسًا ﴿ أنْ يَبْلُغَ ﴾ أيْ: عَنْ أنْ يَبْلُغَ مَحَلّه قالَ المُفَسِّرُونَ: "مَحِلُّهُ" مَنحَرُهُ، وهو حَيْثُ يَحِلُّ نَحْرُهُ ﴿ وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ ونِساءٌ مُؤْمِناتٌ ﴾ وهْمُ المُسْتَضْعَفُونَ بِمَكَّةَ ﴿ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ ﴾ أيْ: لَمْ تَعَرِفُوهم ﴿ أنْ تَطَئُوهُمْ ﴾ بِالقَتْلِ.

ومَعْنى الآيَةِ: لَوْلا أنْ تَطَؤُوا رِجالًا مُؤْمِنِينَ ونِساءً مُؤْمِناتٍ بِالقَتْلِ، وتُوقِعُوا بِهِمْ ولا تَعْرِفُونَهُمْ، ﴿ فَتُصِيبَكم مِنهم مَعَرَّةٌ ﴾ وفِيها أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُهُما: إثْمٌ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والثّانِي: غُرْمُ الدِّيَةِ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.

والثّالِثُ: كَفّارَةُ قَتْلِ الخَطَإ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والرّابِعُ: عَيْبٌ بِقَتْلِ مَن هو عَلى دِينِكُمْ، حَكاهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.

وفي الآيَةِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: لَأدْخَلْتُكم مِن عامِكم هَذا؛ وإنَّما حُلْتُ بَيْنَكم وبَيْنَهم ﴿ لِيُدْخِلَ اللَّهُ في رَحْمَتِهِ ﴾ أيْ: في دِينِهِ ﴿ مَن يَشاءُ ﴾ مِن أهْلِ مَكَّةَ، وهُمُ الَّذِينَ أسْلَمُوا بَعْدَ الصُّلْحِ ﴿ لَوْ تَزَيَّلُوا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَوْ تَفَرَّقُوا.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ: لَوْ تَمَيَّزُوا.

قالَ المُفَسِّرُونَ: لَوِ انْمازَ المُؤْمِنُونَ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴿ لَعَذَّبْنا الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ بِالقَتْلِ والسَّبْيِ بِأيْدِيكم.

وقالَ قَوْمٌ: لَوْ تَزَيَّلَ المُؤْمِنُونَ مِن أصْلابِ الكُفّارِ لَعَذَّبْنا الكُفّارَ.

وقالَ بَعْضُهُمْ: قَوْلُهُ: "لَعَذَّبْنا" جَوابٌ لِكَلامَيْنِ، أحَدُهُما: "لَوْلا رِجالٌ"، والثّانِي: "لَوْ تَزَيَّلُوا" وقَوْلُهُ: ﴿ إذْ جَعَلَ ﴾ مِن صِلَةِ قَوْلِهِ: ﴿ لَعَذَّبْنا ﴾ .

والحَمِيَّةُ: الأنَفَةُ والجَبْرِيَّةُ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: وإنَّما أخَذَتْهُمُ الحَمِيَّةُ حِينَ أرادَ رَسُولُ اللَّهِ  دُخُولَ مَكَّةَ، فَقالُوا: يَدْخُلُونَ عَلَيْنا [وَقَدْ قَتَلُوا] أبْناءَنا وإخْوانَنا فَتَتَحَدَّثُ العَرَبُ بِذَلِكَ!

واللَّهِ لا يَكُونُ ذَلِكَ، ﴿ فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ ﴾ فَلَمْ يَدْخُلْهم ما دَخَلَ أُولَئِكَ فَيُخالِفُوا اللَّهَ في قِتالِهِمْ.

وقِيلَ: الحَمِيَّةُ ما تَداخَلَ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو مِنَ الأنَفَةِ أنْ يَكْتُبَ في كِتابِ الصُّلْحِ ذِكْرَ "الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" وذِكْرَ "رَسُولِ اللَّهِ"  .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَألْزَمَهم كَلِمَةَ التَّقْوى ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُهُما: "لا إلْهُ إلّا اللَّهُ"، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ في آخَرِينَ، وقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا إلى النَّبِيِّ  ؛ فَعَلى هَذا يَكُونُ مَعْنى: "ألْزَمَهُمْ": حَكَمَ لَهم بِها، وهي الَّتِي تَنْفِي الشِّرْكَ.

والثّانِي: "لا إلَهَ إلّا اللَّهُ واللَّهُ أكْبَرُ"، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ.

وعَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ كالقَوْلَيْنِ.

والثّالِثُ: "لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ"، قالَهُ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ.

والرّابِعُ: "لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ"، قالَهُ عَطاءٌ الخُرَسانِيُّ.

والخامِسُ: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"، قالَهُ الزُّهْرِيُّ.

فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى أنَّهُ لَمّا أبى المُشْرِكُونَ أنَّ يَكْتُبُوا هَذا في كِتابِ الصُّلْحِ، ألْزَمَهُ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ ﴿ وَكانُوا أحَقَّ بِها ﴾ مِنَ المُشْرِكِينَ "وَ" كانُوا أهْلها في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ والهَدْيَ مَعْكُوفًا أنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ ولَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ ونِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهم أنْ تَطَئُوهم فَتُصِيبَكم مِنهم مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللهُ في رَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم عَذابًا ألِيمًا ﴾ ﴿ إذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا في قُلُوبِهِمُ الحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الجاهِلِيَّةِ فَأنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ وألْزَمَهم كَلِمَةَ التَقْوى وكانُوا أحَقَّ بِها وأهْلَها وكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴾ يُرِيدُ اللهَ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ أهْلُ مَكَّةَ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَصَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ ﴾ هو مَنعُهُمُ النَبِيَّ  وأصْحابَهُ مِنَ العُمْرَةِ عامَ الحُدَيْبِيَةِ، وذَلِكَ «أنَّ النَبِيَّ  خَرَجَ مِنَ المَدِينَةِ في ذِي القِعْدَةِ سَنَةَ سِتٍّ مِنَ الهِجْرَةِ يُرِيدُ العُمْرَةَ وتَعْظِيمَ البَيْتِ، وخَرَجَ مَعَهُ بِمِائَةِ بَدَنَةٍ،» قالَهُ النَقّاشُ، وقِيلَ: بِسَبْعِينَ، قالَهُ المُسَوِّرُ بْنُ مَخْرَمَةَ، ومَرْوانُ بْنُ الحَكَمِ، «فَلَمّا دَنا مِن مَكَّةَ قالَ أهْلُ مَكَّةَ: هَذا مُحَمَّدُ الَّذِي قَدْ حارَبَنا وقَتَلَ فِينا يُرِيدُ أنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ مُراغَمَةً لَنا، واللهِ لا تَرْكَناهُ حَتّى نَمَوْتَ دُونَ ذَلِكَ، فاجْتَمَعُوا لِحَرْبِهِ واسْتَنْجَدُوا بِقَبائِلَ مِنَ العَرَبِ وهُمُ الأحابِيشُ، وبَعَثُوا فَغَوَّرُوا لِرَسُولِ اللهِ  المِياهَ الَّتِي تُقَرِّبُ مِن مَكَّةَ، فَجاءَ رَسُولُ اللهِ  حَتّى نَزَلَ عَلى بِئْرِ الحُدَيْبِيَةِ، وحِينَئِذٍ وضَعَ سَهْمَهُ في الماءِ فَجَرى غَمْرًا حَتّى كَفى الجَيْشُ، ثُمَّ إنَّ رَسُولَ اللهِ  بَعَثَ إلى مَكَّةَ عُثْمانَ بْنَ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وبَعَثَ أهْلُ مَكَّةَ إلَيْهِ رِجالًا مِنهم عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ، وبَدِيلُ بْنُ ورْقاءَ، وتَوَقَّفَ رَسُولُ اللهِ  هُناكَ أيّامًا حَتّى سَفَرَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، وبِهِ انْعَقَدَ الصُلْحُ عَلى أنْ يَنْصَرِفَ رَسُولُ اللهِ  عنهم ويَعْتَمِرَ مِنَ العامِ القادِمِ، فَهَذا كانَ صَدُّهم إيّاهُ،» وهو مُسْتَوْعِبٌ في كُتُبِ السِيَرِ، فَلِذَلِكَ اخْتَصَرْناهُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "والهَدْيَ" بِسُكُونِ الدالِ، وقَرَأ الأعْرَجُ، والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "والهَدِيُّ" بِكَسْرِ الدالِّ وشَدِّ الياءِ، وهُما لُغَتانِ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى الضَمِيرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَصَدُّوكُمْ ﴾ ، أيْ: وصَدُّوا الهَدْيَ، و"مَعْكُوفًا" حالٌ، ومَعْناهُ: مَحْبُوسًا، تَقُولُ: عَكَفْتُ الرَجُلَ عن حاجَتِهِ إذا حَبَسْتُهُ، وقَدْ قالَ أبُو عَلِيٍّ: إنَّ "عَكَفَ" لا يَعْرِفُهُ مُتَعَدِّيًا، وحَكى ابْنُ سِيدَهْ وغَيْرُهُ تَعَدِّيهِ، وهَذا العَكْفُ الَّذِي وقَعَ لِلْهَدْيِ كانَ مِن قِبَلِ المُشْرِكِينَ بِصَدِّهِمْ، ومِن قِبَلِ المُسْلِمِينَ لِرُؤْيَتِهِمْ وتَصَرُّفِهِمْ في أمْرِهِمْ فَحَبَسُوا هَدْيَهُمْ، و"أنْ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَعْمَلَ فِيها الصَدُّ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: وصَدُّوا الهَدْيَ كَراهَةَ أنْ، أو عن أنْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعْمَلَ فِيها العَكْفُ، فَتَكُونُ "أنْ" مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ، أيِ الهَدْيُ المَحْبُوسُ لِأجْلِ أنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ، وهَذا هو حَبْسُ المُسْلِمِينَ، وإلّا فَحَبْسُ المُشْرِكِينَ لَيْسَ لِأجْلِ أنْ يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ.

و ﴿ "مَحِلَّهُ": ﴾ مَكَّةُ والبَيْتُ.

وَذَكَرَ اللهُ تَعالى العِلَّةَ في أنَّ صَرْفَ المُسْلِمِينَ ولَمْ يُمَكِّنْهم مِن دُخُولِ مَكَّةَ في تِلْكَ الوُجْهَةِ، وهو أنَّهُ كانَ بِمَكَّةَ مُؤْمِنُونَ، رِجالٌ ونِساءٌ، خَفِيَ إيمانُهُمْ، فَلَوِ اسْتَباحَ المُسْلِمُونَ بَيْضَتَها أهْلَكُوا أُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ، قالَ قَتادَةُ: فَدَفَعَ اللهُ تَعالى عَنِ المُشْرِكِينَ بِبَرَكَةِ أُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ، وقَدْ يَدْفَعُ بِالمُؤْمِنِينَ عَنِ الكُفّارِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ ﴾ صِفَةٌ لِلْمَذْكُورِينَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ تَطَئُوهُمْ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بَدَلًا مِن "رِجالٌ"، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: ولَوْلا قَوْمٌ مُؤْمِنُونَ أنْ تَطَؤُوهُمْ، أيْ: لَوْلا وطْئُكم قَوْمًا مُؤْمِنِينَ، فَهو عَلى هَذا في مَوْضِعِ رَفْعٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بَدَلًا مِنَ الضَمِيرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ ﴾ ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: لَمْ تَعْلَمُوا وطْأهم أنَّهُ وطْءُ المُؤْمِنِينَ، والوَطْءُ هُنا: الإهْلاكُ بِالسَيْفِ وغَيْرِهِ، عَلى وجْهِ التَشْبِيهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ووَطِئْتَنا وطْئًا عَلى حَنَقِ ∗∗∗ وطْءَ المُقَيَّدِ نابَتَ الهَرْمِ ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  : « "اللهُمَّ، اشْدُدْ وطْأتَكَ عَلى مُضَرٍ"،»، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  : « "إنَّ آخِرَ وطْأةِ الرَبِّ يَوْمَ وجٍّ بِالطائِفِ"؛» لِأنَّها كانَتْ آخِرَ وقْعَةٍ لِلنَّبِيِّ  ، ذَكَرَ هَذا المَعْنى النَقّاشُ.

وَ "المَعَرَّةُ": السُوءُ والمَكْرُوهُ اللاصِقُ، مَأْخُوذٌ مِنَ العَرِّ والعُرَّةِ وهي الجَرَبُ الصَعْبُ اللازِمُ.

واخْتَلَفَ الناسُ في تَعْيِينِ هَذِهِ المَعَرَّةِ، فَقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هي المَأْثَمُ، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: هي الدِيَةُ، وهَذانَ ضَعِيفانِ لِأنَّهُ لا إثْمَ ولا دِيَةَ في قَتْلِ مُؤْمِنٍ مَسْتُورِ الإيمانِ مِن أهْلِ الحَرْبِ، وقالَ الطَبَرِيُّ - حَكاهُ الثَعْلَبِيُّ -: هي الكَفّارَةُ، وقالَ مُنْذِرٌ: المَعَرَّةُ: أنْ يَعِيبَهُمُ الكُفّارُ ويَقُولُوا: قَتَلُوا أهْلَ دِينِهِمْ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: هي المَلامُ والقَوْلُ في ذَلِكَ وتَألُّمِ النَفْسِ مِنهُ في باقِي الزَمانِ، وهَذِهِ أقْوالُ حَسّانَ، وجَوابُ "لَوْلا" مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لَمَكَّنّاكم مِن دُخُولِ مَكَّةَ وأيَّدْناكم عَلَيْهِمْ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "فَتَنالُكم مِنهُ مَعَرَّةٌ".

واللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "لِيُدْخِلَ" ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ مِنَ القَوْلِ تَقْدِيرُهُ: لَوْلا هَؤُلاءِ لَدَخَلْتُمْ مَكَّةَ، لَكِنْ شَرَّفَنا هَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ بِأنْ رَحِمْناهم ودَفَعْنا بِسَبَبِهِمْ عن مَكَّةَ لِيُدْخِلَ اللهُ تَعالى، أيْ: لِيُبَيِّنَ لِلنّاظِرِ أنَّ اللهَ تَعالى يُدْخِلَ في رَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ، أو أيْ: لِيَقَعَ دُخُولُهم في رَحْمَةِ اللهِ تَعالى ودَفُعُهُ عنهُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِالإيمانِ المُتَقَدِّمِ الذِكْرِ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: ولَوْلا قَوْمٌ مُؤْمِنُونَ آمَنُوا لِيُدْخِلَ اللهُ في رَحْمَتِهِ، وهَذا مَذْكُورٌ لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ "مَن يَشاءُ" ﴾ يَضْعُفُ هَذا التَأْوِيلُ.

ثُمَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَوْ تَزَيَّلُوا ﴾ أيْ: لَوْ ذَهَبُوا عن مَكَّةَ، تَقُولُ: زَيَّلْتُ زَيْدًا عن مَوْضِعِهِ إزالَةً، أيْ أذْهَبْتُهُ، ولَيْسَ هَذا الفِعْلُ مِن "زالَ يَزُولُ"، وقَدْ قِيلَ: هو مِنهُ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وقَتادَةُ: [تُزايِلُوا] بِألِفٍ بَعْدَ الزايِ، أيْ: ذَهَبَ هَؤُلاءِ عن هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ عن هَؤُلاءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "مِنهُمْ" ﴾ لِبَيانِ الجِنْسِ إذا كانَ الضَمِيرُ في [تَزَيَّلُوا] لِلْجَمِيعِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ، وقالَ النَحّاسُ: وقَدْ قِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ ﴾ الآيَةُ، يُرِيدُ تَعالى مَن في أصْلابِ الكافِرِينَ مَن سَيُؤْمِنُ في غابِرِ الدَهْرِ، وحَكاهُ الثَعْلَبِيُّ والنَقّاشُ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ عَنِ النَبِيِّ  مَرْفُوعًا.

والعامِلُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذْ جَعَلَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَعَذَّبْنا ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أذْكُرْ إذْ جَعَلَ، و"الحَمِيَّةَ" الَّتِي جَعَلُوها هي حَمِيَّةُ أهْلِ مَكَّةَ في الصَدِّ، قالَ الزُهْرِيُّ: وحَمِيَّةُ سُهَيْلٍ ومَن شاهَدَ عَقْدَ الصُلْحِ في أنْ مَنَعُوا أنْ يَكْتُبَ "بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ" ولَجُوا حَتّى كَتَبَ "بِاسْمِكَ اللهُمَّ"، وكَذَلِكَ مَنَعُوا أنْ يَكْتُبَ "هَذا ما قاضى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ" ولَجُوا حَتّى قالَ  لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: « "امْحُ واكْتُبْ: هَذا ما قاضى عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ..." الحَدِيثُ،» وجَعَلَها تَعالى حَمِيَّةً جاهِلِيَّةً لِأنَّها كانَتْ بِغَيْرِ حُجَّةٍ وفي غَيْرِ مَوْضِعِها؛ لِأنَّ رَسُولَ اللهِ  لَوْ جاءَهم مُحارِبًا لَعَذَرُوا في حَمِيَّتِهِمْ، وإنَّما جاءَ مُعَظِّمًا لِلْبَيْتِ لا يُرِيدُ حَرْبًا، فَكانَتْ حَمِيَّتُهم جاهِلِيَّةً صِرْفًا.

و"السَكِينَةُ" هي الطُمَأْنِينَةُ إلى أمْرِ رَسُولِ اللهِ  والثِقَةُ بِوَعْدِ اللهِ تَعالى، والطاعَةُ وزَوالُ الأنَفَةِ الَّتِي لَحِقَتْ عُمَرَ وغَيْرَهُ.

و ﴿ "كَلِمَةَ التَقْوى" ﴾ قالَ الجُمْهُورُ: "هِيَ لا إلَهَ إلّا اللهُ"، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ النَبِيِّ  ، وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: هي "لا إلَهَ إلّا اللهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ، وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ وعَطاءٌ الخُراسانِيُّ: هي لا إلَهَ إلّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ.

وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: هِيَ "لا إلَهَ إلّا اللهُ، واللهُ أكْبَرُ"، وحَكاهُ الثَعْلَبِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وهَذِهِ كُلُّها أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ حِسانٌ ؛ لِأنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ تَقِي النارَ، فَهي كَلِمَةُ التَقْوى، وقالَ الزُهْرِيُّ عَنِ المُسَوِّرِ، ومَرْوانَ: كَلِمَةُ التَقْوى المُشارُ إلَيْها هِيَ: "بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ"، وهي الَّتِي أباها كُفّارُ قُرَيْشٍ فَألْزَمَها اللهُ المُؤْمِنِينَ وجَعَلَهم أحَقَّ بِها، وُ"لا إلَهَ إلّا اللهُ" أحَقُّ بِاسْمِ "كَلِمَةَ التَقْوى" مِن "بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ."، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَكانُوا أهْلَها وأحَقَّ بِها"، والمَعْنى: كانُوا أهْلَها عَلى الإطْلاقِ في عِلْمِ اللهِ تَعالى وسابِقِ قَضائِهِ لَهُمْ، وقِيلَ: أحَقَّ بِها مِنَ اليَهُودِ والنَصارى في الدُنْيا، وقِيلَ: أهْلُها في الآخِرَةِ بِالثَوابِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴾ إشارَةً إلى عِلْمِهِ بِالمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ دَفَعَ عن كَفّارِ قُرَيْشٍ بِسَبَبِهِمْ، وَإلى عِلْمِهِ بِوَجْهِ المَصْلَحَةِ في صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ، فَيُرْوى أنَّهُ لَمّا انْعَقَدَ، أمِنَ الناسُ في تِلْكَ المُدَّةِ الحَرْبَ والفِتْنَةَ، وامْتَزَجُوا، وعَلَتْ دَعْوَةُ الإسْلامِ، وانْقادَ إلَيْهِ كُلُّ مَن كانَ لَهُ فَهْمٌ مِنَ العَرَبِ، وزادَ عَدَدُ الإسْلامِ أضْعافَ ما كانَ قَبْلَ ذَلِكَ، ويَقْتَضِي ذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللهِ  كانَ في عامِ الحُدَيْبِيَةِ في أرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةٍ، ثُمَّ سارَ إلى مَكَّةَ بَعْدَ ذَلِكَ بِعامَيْنِ في عَشَرَةِ آلافِ فارِسٍ،  .

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ بَصِيراً * هُمُ الذين كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ المسجد الحرام والهدى مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مؤمنات لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ ﴾ .

استئناف انتقل به من مقام الثناء على المؤمنين الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما اكتسبوا بتلك البيعة من رضى الله تعالى وجزائه ثواب الآخرة وخير الدنيا عاجله وآجله، وضمان النصر لهم في قتال المشركين، ومَا هَيَّأ لهم من أسباب النصر إلى تعيير المشركين بالمذمة التي أتوا بها وهي صد المسلمين عن المسجد الحرام وصد الهدْي عن أن يبلغ به إلى أهله، فإنها سبة لهم بين العرب وهم أولى الناس بالحفاوة بمن يعتمرون، وهم يزعمون أنهم أهل حرم الله زواره ومعظّميه، وقد كان من عادتهم قبول كل زائر للكعبة من جميع أهل الأديان، فلا عذر لهم في منع المسلمين ولكنهم حملتهم عليه الحمية.

وضمير الغيبة المفتتح به عائد إلى الذين كفروا من قوله: ﴿ ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ﴾ [الفتح: 22] الآية.

والمقصود بالافتتاح بضميرهم هنا لاسترعاء السمع لما يرد بعده من الخبر كما إذا جره حديث عن بطل في يوم من أيام العرب ثم قال قائل عثرة هو البطن المحامي.

والمقصود من الصلة هو جملة ﴿ صدوكم عن المسجد الحرام ﴾ وذكر ﴿ الذين كفروا ﴾ إدماج للنداء عليهم بوصف الكفر ولهذا الإدماج نكتة أيضاً، وهي أن وصف الذين كفروا بمنزلة الجنس صار الموصول في قوة المعرف بلام الجنس فتفيد جملة ﴿ هم الذين كفروا ﴾ قصر جنس الكفر على هذا الضمير لقصد المبالغة لكمالهم في الكفر بصدهم المعتمرين عن المسجد الحرام وصد الهدي عن أن يبلغ محله.

والهديُ: ما يهدى إلى الكعبة من الأنعام، وهو من التسمية باسم المصدر ولذلك يستوي فيه الواحد والجمع كحكم المصدر قال تعالى: ﴿ والهَدْي والقلائد ﴾ [المائدة: 97] أي الأنعام المهدية وقلائدها وهو هنا الجمع.

والمعكوفُ: اسم مفعول عَكَفه، إذ ألزمَه المكث في مكان، يقال: عكفه فعكَف فيستعمل قاصراً ومتعدياً عن ابن سِيده وغيره كما يقال: رجَعه فرجَع وجَبره فجَبر.

وقال أبو علي الفارسي: لا أعرف عكف متعدياً، وتأول صيغة المفعول في قوله تعالى: ﴿ معكوفاً ﴾ على أنها لتضمين عكَف معنى حبس.

وفائدة ذكر هذا الحال التشنيع على الذين كفروا في صدهم المسلمين عن البيت بأنهم صدوا الهدايا أن تبلغ محلها حيث اضطّر المسلمون أن ينحروا هداياهم في الحديبية فقد عطلوا بفعلهم ذلك شعيرة من شعائر الله، ففي ذكر الحال تصوير لهيئة الهدايا وهي محبوسة.

ومعنى صدهم الهدي: أنهم صدوا أهل الهدي عن الوصول إلى المنحر من منى.

وليس المراد: أنهم صدوا الهدايا مباشرة لأنه لم ينقل أن المسلمين عرضوا على المشركين تخلية من يذهب بهداياهم إلى مكة لِتُنحر بها.

وقوله: ﴿ أن يبلغ محله ﴾ أن يكون بدل اشتمال من ﴿ الهدي ﴾ ويجوز أن يكون معمولاً لِحرف جر محذوف وهو (عن)، أي عن أن يبلغ محله.

والمحِلّ بكسر الحاء: محلّ الحِل مشتق من فعل حَلّ ضد حرُم، أي المكان الذي يحِلّ فيه نحر الهدي، وهو الذي لا يُجزئ غيره، وذلك بمكة بالمروة بالنسبة للمعتمر، ولذلك لما أُحصروا أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينحروا هديهم في مكانهم إذ تعذر إبلاغه إلى مكة لأن المشركين منعوهم من ذلك.

ولم يثبت في السنة أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بتوخّي جهة معينة للنحر من أرض الحديبية، وذلك من سماحة الدين فلا طائل من وراء الخوض في اشتراط النحر في أرض الحرم للمحصرَ.

﴿ مَحِلَّهُ وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مؤمنات لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِّيُدْخِلَ الله فِى رَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ لَوْ تَزَيَّلُواْ لَعَذَّبْنَا الذين كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَاباً ﴾ .

أتبع النعي على المشركين سُوءَ فعلهم من الكفر والصد عن المسجد الحرام وتعطيل شعائر الله وَعْدَهُ المسلمين بفتح قريب ومغانم كثيرة، بما يدفع غرور المشركين بقوتهم، ويسكن تطلع المسلمين لتعجيل الفتح، فبيّن أن الله كف أيدي المسلمين عن المشركين مع ما قرره آنفاً من قوله: ﴿ ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ثم لا يجدون ولياً ولا نصيراً ﴾ [الفتح: 22] أنه إنما لم يأمر المسلمين بقتال عدوهم لمّا صدوهم عن البيت لأنه أراد رحمة جمع من المؤمنين والمؤمنات كانوا في خلال أهل الشرك لا يَعلمونهم، وعصم المسلمين من الوقوع في مصائب من جراء إتلاف إخوانهم، فالجملة معطوفة على جملة ﴿ ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ﴾ أو على جملة ﴿ وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ﴾ [الفتح: 24] الخ.

وأيًّا مَّا كان فهي كلام معترض بين جملة ﴿ هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام ﴾ الخ وبين جملة ﴿ إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية ﴾ [الفتح: 26].

ونظم هذه الآية بديع في أسلوبي الإطناب والإيجاز والتفنن في الانتقال ورشاقة كلماته.

و ﴿ لولا ﴾ دالة على امتناععٍ لوجودٍ، أي امتنع تعذيبُنا الكافرين لأجل وجود رجال مؤمنين ونساء مؤمنات بينهم.

وما بعد ﴿ لولا ﴾ مبتدأ وخبره محذوف على الطريقة المستعملة في حذفه مع ﴿ لولا ﴾ إذا كان تعليق امتناع جوابها على وجود شرطها وجوداً مطلقاً غير مقيد بحال، فالتقدير: ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات موجودون، كما يدل عليه قوله بعده ﴿ لو تزيَّلوا ﴾ ، أي لو لم يكونوا موجودين بينهم، أي أن وجود هؤلاء هو الذي لأجله امتنع حصول مضمون جواب ﴿ لولا ﴾ .

وإجراء الوصف على رجال ونساء بالإيمان مشير إلى أن وجودهم المانع من حصول مضمون الجواب هو الوجود الموصوف بإيمان أصحابه، ولكن الامتناع ليس معلقاً على وجود الإيمان بل على وجود ذوات المؤمنين والمؤمنات بينهم.

وكذلك قوله: ﴿ لم تعلموهم ﴾ ليس هو خبراً بل وصفاً ثانياً إذ ليس محط الفائدة.

ووجه عطف ﴿ نساء مؤمنات ﴾ مع أن وجود ﴿ رجال مؤمنون ﴾ كاف في ربط امتناع الجواب بالشرط ومع التمكن من أن يقول: ولولا المؤمنُون، فإن جمع المذكر في اصطلاح القرآن يتناول النساء غالباً، أن تخصيص النساء بالذكر أنسب بمعنى انتفاء المعرة بقتلهن وبمعنى تعلق رحمة الله بهن.

ومعنى ﴿ لم تعلموهم ﴾ لم تعملوا إيمانهم إذ كانوا قد آمنوا بعد خروج النبي صلى الله عليه وسلم مهاجراً.

فعن جُنْبُذٍ بجيم مضمومة ونون ساكنة وموحدة مضمومة وذال معجمة بن سَبُع بسين مهملة مفتوحة وموحدة مضمومة، ويقال: سِباع بكسر السين يقال: إنه أنصاري، ويقال: قاري صاحبي قال: هم سبعة رجال سمي منهم الوليد بن الوليد بن المغيرة، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة وأبو جندل بن سُهيل وأبو بَصِير القرشي ولم أقف على اسم السابع وعُدَّتْ أمّ الفضل زوجُ العباس بن عبد المطلب، وأحسب أن ثانيتهما أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط التي لحقت بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد أن رجع إلى المدينة.

وعن حَجَر بن خلف: ثلاثة رجال وتسع نسوة، ولفظ الآية يقتضي أن النساء أكثر من اثنتين.

والظاهر أن المراد بقوله: ﴿ لم تعلموهم ﴾ ما يشمل معنى نفي معرفة أشخاصهم ومعنى نفي العلم بما في قلوبهم، فيفيد الأول أنهم لا يعلمهم كثير منكم ممن كان في الحديبيّة من أهل المدينة ومن معهم من الأعراب فهم لا يعرفون أشخاصهم فلا يعرفون من كان منهم مؤمناً إن كان يعرفهم المهاجرون، ويفيد الثاني أنهم لا يعلمون ما في قلوبهم من الإيمان أو ما أحدثوه بعد مفارقتهم من الإيمان، أي لا يعلم ذلك كله الجيش من المهاجرين والأنصار.

و ﴿ أن تطأوهم ﴾ بدل اشتمال من ﴿ رجال ﴾ ومعطوفه، أو من الضمير المنصوب في ﴿ لم تعلموهم ﴾ أي لولا أن تطئوهم.

والوطء: الدوس بالرِجل، ويستعار للإبادة والإهلاك، وقد جمعهما الحارث بن وعْلَة الذُهلي في قوله: ووطِئْتَنا وَطْأَ على حَنَق *** وَطْءَ المقيَّدِ نَابتَ الهِرْم والإصابة: لحاق ما يصيب.

و (مِن) في قوله: ﴿ منهم ﴾ للابتداء المجازي الراجع إلى معنى التسبب، أي فتلحقكم من جرائهم ومن أجلهم مَعرة كنتم تتقون لحاقها لو كنتم تعلمونهم.

والمعرة: مصدر ميمي من عَرّه، إذا دهاه، أي أصابه بما يكرهه ويشق عليه من ضر أو غرم أو سوء قالة، فهي هنا تجمع ما يلحقهم إذا ألحقوا أضراراً بالمسلمين من دِيَاتتِ قتْلَى، وغُرم أضرار، ومن إثم يلحق القاتلين إذا لم يتثبَّتوا فيمن يقتلونه، ومن سوء قالة يقولها المشركون ويشيعونها في القبائل أن محمداً صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم ينج أهل دينهم من ضرهم لِيُكَرِّهُوا العرب في الإسلام وأهله.

والباء في ﴿ بغير علم ﴾ للملابسة، أي ملابسين لانتفاء العلم.

والمجرور بها متعلق ب ﴿ تصيبكم ﴾ ، أي فتلحقكم من جرّائهم مَكاره لا تعلمونها حتى تَقعوا فيها.

وهذا نفي علم آخر غير العلم المنفي في قوله: ﴿ لم تعلموهم ﴾ لأن العلم المنفي في قوله: ﴿ لم تعلموهم ﴾ هو العلم بأنهم مؤمنون بالذي انتفاؤه سبب إهلاك غير المعلومين الذي تسبب عليه لحاق المعرة.

والعلم المنفي ثانياً في قوله: ﴿ بغير علم ﴾ هو العلم بلحاق المعرة من وطأتهم التابع لعدم العلم بإيمان القوم المهلَكين وهو العلم الذي انتفاؤه يكون سبباً في الإقدام على إهلاكهم.

واللام في قوله: ﴿ ليدخل اللَّه في رحمته من يشاء ﴾ للتعليل والمعلل واقع لا مفروض، فهو وجود شرط ﴿ لولا ﴾ الذي تسبب عليه امتناع جوابها فالمعلل هو ربط الجواب بالشرط، أي لولا وجود رجال مؤمنين ونساء مؤمنات لعذبنا الذين كفروا وأن هذا الربط لأجل رحمة الله من يشاء من عباده إذ رحم بهذا الامتناع جيش المسلمين بأن سلمهم من معرة تلحقهم وأن أبقى لهم قوتهم في النفوس والعدة إلى أمد معلوم، ورحم المؤمنين والمؤمنات بنجاتهم من الإهلاك، ورحم المشركين بأن استبقاهم لعلهم يسلمون أو يسلم أكثرهم كما حصل بعد فتح مكة، ورحم من أسلموا منهم بعد ذلك بثواب الآخرة، فالرحمة هنا شاملة لرحمة الدنيا ورحمة الآخرة.

و ﴿ من يشاء ﴾ يعمّ كل من أراد الله من هذه الحالة رحمته في الدنيا والآخرة أو فيهما معاً.

وعبر ب ﴿ من يشاء ﴾ لما فيه من شمول أصناف كثيرة ولما فيه من الإيجاز ولما فيه من الإشارة إلى الحكمة التي اقتضت مشيئة الله رحمة أولئك.

وجواب ﴿ لولا ﴾ يجوز اعتباره محذوفاً دل عليه جواب ﴿ لو ﴾ المعطوفة على ﴿ لولا ﴾ في قوله: ﴿ لو تزيلوا ﴾ ، ويجوز اعتبار جواب ﴿ لو ﴾ مرتبطاً على وجه تشبيه التنازع بين شرطي ﴿ لولا ﴾ و ﴿ لو ﴾ لمرجع الشرطين إلى معنى واحد وهو الامتناع فإن ﴿ لولا ﴾ حرف امتناع لوجود أي تدلّ على امتناع جوابها لوجود شرطها.

و ﴿ لو ﴾ حرف امتناع لامتناع، أي تدل على امتناع جوابها لامتناع شرطها فحكم جوابيهما واحد، وهو الامتناع، وإنما يَختلف شرطاهما فشرط ﴿ لو ﴾ منتف وشرط ﴿ لولا ﴾ مثبت.

وضمير ﴿ تزيلوا ﴾ عائد إلى ما دل عليه قوله: ﴿ ولولا رجال مؤمنون ﴾ الخ من جمع مختلط فيه المؤمنون والمؤمنات مع المشركين كما دل عليه قوله: ﴿ لم تعلموهم ﴾ .

والتزيَّل: مطاوع زيَّله إذا أبعده عن مكان، وزيلهم، أي أبعد بعضهم عن بعض، أي فرقهم قال تعالى: ﴿ فزيلنا بينهم ﴾ [يونس: 28] وهو هنا بمعنى التفرق والتميز من غير مراعاة مطاوعة لفعل فاعل لأن أفعال المطاوعة كثيراً ما تطلق لإرادة المبالغة لدلالة زيادة المبنى على زيادة المعنى وذلك أصل من أصول اللغة.

والمعنى: لو تفرق المؤمنون والمؤمنات عن أهل الشرك لسلَّطنْا المسلمين على المشركين فعذّبوا الذين كفروا عذاب السيف.

فإسناد التعذيب إلى الله تعالى لأنه يأمر به ويقدر النصر للمسلمين كما قال تعالى: ﴿ قاتلوهم يعذبْهم بأيديكم ﴾ في سورة براءة (14).

و (مِن) في قوله: منهم} للتبعيض، أي لعذبنا الذين كفروا من ذلك الجمع المتفرق المتميز مؤمنهم عن كافرهم، أي حين يصير الجمع مشركين خلّصا وحدهم.

وجملة ﴿ لو تزيلوا ﴾ إلى آخرها بيان لجملة ﴿ ولولا رجال مؤمنون ﴾ إلى آخرها، أي لولا وجود رجال مؤمنين الخ مندمجين في جماعة المشركين غير مفترقين لو افترقوا لعذبنا الكافرين منهم.

وعدل عن ضمير الغيبة إلى ضمير المتكلم في قوله: ﴿ لعذبنا الذين كفروا ﴾ على طريقة الالتفات.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ يَعْنِي قُرَيْشًا.

﴿ وَصَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ ﴾ يَعْنِي مَنَعُوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ عامَ الحُدَيْبِيَةِ حِينَ أحْرَمَ النَّبِيُّ  مَعَ أصْحابِهِ بِعُمْرَةٍ.

﴿ والهَدْيَ مَعْكُوفًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَحْبُوسًا.

الثّانِي: واقِفًا.

الثّالِثُ: مَجْمُوعًا، قالَهُ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ.

﴿ أنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَنحَرَهُ، قالَهُ الفَرّاءُ.

الثّانِي: الحَرَمُ، قالَ الشّافِعِيُّ، والمَحِلُّ بِكَسْرِ الحاءِ هو غايَةُ الشَّيْءِ، وبِالفَتْحِ هو المَوْضِعُ الَّذِي يَحُلُّهُ النّاسُ، وكانَ الهَدْيُ سَبْعِينَ بَدَنَةً.

﴿ وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ ونِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ ﴾ أيْ لَمْ تَعْلَمُوا إيمانَهم.

﴿ أنْ تَطَئُوهُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنْ تَطَئُوهم بِخَيْلِكم وأرْجُلِكم فَتَقْتُلُوهم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: لَوْلا مَن في أصْلابِ الكُفّارِ وأرْحامِ نِسائِهِمْ مِن رِجالٍ مُؤْمِنِينَ ونِساءٍ مُؤْمِناتٍ لَمْ يَعْلَمُوهم أنْ يَطَئُوا آباءَهم فَيَهْلَكُ أبْناؤُهم، قالَهُ الضَّحّاكُ.

﴿ فَتُصِيبَكم مِنهم مَعَرَّةٌ ﴾ فِيها سِتَّةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: الإثْمُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: غُرْمُ الدِّيَّةِ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.

الثّالِثُ: كَفّارَةُ قَتْلِ الخَطَأِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الرّابِعُ: الشِّدَّةُ، قالَهُ قُطْرُبٌ.

الخامِسُ: العَيْبُ.

السّادِسُ: الغَمُّ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لَوْ تَزَيَّلُوا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لَوْ تَمَيَّزُوا، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

الثّانِي: لَوْ تَفَرَّقُوا، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّالِثُ: لَوْ أُزِيلُوا، قالَهُ الضَّحّاكُ حَتّى لا يَخْتَلِطَ بِمُشْرِكِي مَكَّةَ مُسْلِمٌ.

﴿ لَعَذَّبْنا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم عَذابًا ألِيمًا ﴾ وهو القَتْلُ بِالسَّيْفِ لَكِنَّ اللَّهَ يَدْفَعُ بِالمُؤْمِنِينَ عَنِ الكُفّارِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا في قُلُوبِهِمُ الحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الجاهِلِيَّةِ ﴾ يَعْنِي قُرَيْشًا.

وَفي حَمِيَّةِ الجاهِلِيَّةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: العَصَبِيَّةُ لِآلِهَتِهِمُ الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَها مِن دُونِ اللَّهِ، والأنَفَةُ مِن أنْ يَعْبُدُوا غَيْرَها، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

الثّانِي: أنَفَتُهم مِنَ الإقْرارِ لَهُ بِالرِّسالَةِ والِاسْتِفْتاحِ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ عَلى عادَتِهِ في الفاتِحَةِ، ومَنعُهم لَهُ مِن دُخُولِ مَكَّةَ، قالَ الزُّهْرِيُّ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: هو الِاقْتِداءُ بِآبائِهِمْ، وألّا يُخالِفُوا لَهم عادَةً، ولا يَلْتَزِمُوا لِغَيْرِهِمْ طاعَةً كَما أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهم ﴿ إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ  ﴾ ﴿ فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ ﴾ يَعْنِي الصَّبْرَ الَّذِي صَبَرُوا والإجابَةَ إلى ما سَألُوا، والصُّلْحَ الَّذِي عَقَدُوهُ حَتّى عادَ إلَيْهِمْ في مِثْلِ ذَلِكَ الشَّهْرِ مِنَ السَّنَةِ الثّانِيَةُ قاضِيًا لِعُمْرَتِهِ ظافِرًا بِطَلِبَتِهِ.

﴿ وَألْزَمَهم كَلِمَةَ التَّقْوى ﴾ فِيها أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: قَوْلُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وهو يُرْوى عَنِ النَّبِيِّ  .

الثّانِي: الإخْلاصُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: قَوْلُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، قالَهُ الزُّهْرِيُّ.

الرّابِعُ: قَوْلُهم سَمِعْنا وأطَعْنا بَعْدَ خَوْضِهِمْ.

وَسُمِّيَتْ كَلِمَةَ التَّقْوى لِأنَّهم يَتَّقُونَ بِها غَضَبَ اللَّهِ.

﴿ وَكانُوا أحَقَّ بِها وأهْلَها ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: وكانُوا أحَقَّ بِكَلِمَةِ التَّقْوى أنْ يَقُولُوها.

الثّانِي: وكانُوا أحَقَّ بِمَكَّةَ أنْ يَدْخُلُوها.

وَفِي مَن كانَ أحَقَّ بِكَلِمَةِ التَّقْوى قَوْلانِ: أحَدُهُما: أهْلُ مَكَّةَ كانُوا أحَقَّ بِكَلِمَةِ التَّقْوى أنْ يَقُولُوها لِتَقَدُّمِ إنْذارِهِمْ لَوْلا ما سُلِبُوهُ مِنَ التَّوْفِيقِ.

الثّانِي: أهْلُ المَدِينَةِ أحَقُّ بِكَلِمَةِ التَّقْوى حِينَ قالُوها، لِتَقَدُّمِ إيمانِهِمْ حِينَ صَحِبَهُمُ التَّوْفِيقُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن أنس قال: لما كان يوم الحديبية هبط على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ثمانون رجلا من أهل مكة في السلاح من قبل جبل التنعيم يريدون غرة رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا عليهم فأخذوا فعفا عنهم فنزلت هذه الآية ﴿ وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة قال: بطن مكة الحديبية ذكر لنا أن رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقال له زنيم أطلع الثنية زمان الحديبية فرماه المشركون فقتلوه فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خيلا فأتوا بأثني عشر فارسا فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل لكم عهد أو ذمة؟

قالوا لا.

فأرسلهم فأنزل الله في ذلك: ﴿ وهو الذي كف أيديهم عنكم ﴾ الآية.

وأخرج عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد والبخاري وأبو داود والنسائي وابن جرير وابن المنذر عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم قالا: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه حتى إذا كانوا بذي الحليفة قلد رسول الله صلى الله عليه وسلم الهدي وأشعره وأحرم بالعمرة وبعث بين يديه عينا له من خزاعة يخبره عن قريش وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بغدير الأشطاط قريبا من عسفان أتاه عينه الخزاعي فقال: إني قد تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي قد جمعوا لك الأحابيش وجمعوا لك جموعا وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أشيروا علي أترون أن نميل إلى ذراري هؤلاء الذين أعانوهم فنصيبهم فإن قعدوا قعدوا موثورين محزونين وإن لحوا تكن عنقا قطعها الله أم ترون أن نؤم البيت فمن صدنا عنه قاتلناه؟» فقال أبو بكر: الله ورسوله أعلم يا رسول الله، إنما جئنا معتمرين ولم نجيء لقتال أحد ولكن من حال بيننا وبين البيت قاتلناه.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فروحوا إذن» .

فراحوا حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة فخذوا ذات اليمين.

فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هو بقترة الجيش فانطلق يركض نذيرا لقريش.

وسار النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت به راحلته فقال النبي صلى الله عليه وسلم: حل حل فألحت فقالوا: خلأت القصواء.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق ولكن حبسها حابس الفيل» .

ثم قال: «والذي نفس محمد بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها» .

ثم زجرها فوثبت فعدل بهم حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء إنما يتربضه الناس تربضا فلم يلبث الناس أن نزحوه فشكي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العطش فانتزع سهما من كنانته ثم أمرهم أن يجعلوه فيه.

قال: فو الله ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه.

فبينما هم كذلك إذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه من خزاعة وكانوا عيبة نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل تهامة فقال: إني قد تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا أعداد مياه الحديبية معهم العوذ المطافيل وهم مقاتلوك وصادوك عن البيتز فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا لم نجيء لقتال أحد ولكن جئنا معتمرين وإن قريشا قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم فإن شاؤوا ماددتهم مدة ويخلوا بيني وبين الناس فإن أظهر فإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا وإلا فقد جموا وإن هم أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي أو لينفذن الله أمره.

فقال بديل سأبلغهم ما تقول.

فانطلق حتى أتى قريشا فقال: إنا قد جئناكم من عند الرجل وسمعناه يقول قولا فإن شئتم نعرضه عليكم فعلنا.

فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا في أن تحدثنا عنه بشيء.

وقال ذو الرأي منهم هات ما سمعته يقول.

قال: سمعته يقول: كذا وكذا فحدثهم بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقام عروة بن مسعود الثقفي فقال: أي قوم ألستم بالولد؟

قالوا: بلى.

قال: ألست بالوالد؟

قالوا: بلى.

قال: فهل تتهموني؟

قالوا: لا.

قال: ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ فلما بلحوا علي جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني؟

قالوا: بلى.

قال: فإن هذا قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها ودعوني آته.

قالوا: ائته؟

فأتاه فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم نحوا من قوله لبديلز فقال عروة عند ذلك: أي محمد أرأيت إن استأصلت قومك هل سمعت أحدا من العرب اجتاح أهله قبلك وإن تكن الأخرى فوالله إني لأرى وجوها وأرى أوباشا من الناس خليقا أن يفروا ويدعوك.

فقال له أبو بكر: أمصص بظر اللات أنحن نفر عنه وندعه؟

فقال: من ذا؟

قال: أبو بكر.

قال: أما والذي نفسي بيده لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك.

قال: وجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم فكلما كلمه أخذ بلحيته والمغيرة بن شعبة قائم على رأس النبي صلى الله عليه وسلم ومعه السيف وعليه المغفر فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية النبي صلى الله عليه وسلم ضرب المغيرة يده بنعل السيف وقال: أخر يدك عن لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فرفع عروة رأسه فقال: من هذا؟

قالوا: المغيرة بن شعبة.

قال: أي غدر ألست أسعى في غدرتك؟

وكان المغيرة صحب قوما في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم ثم جاء فأسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أما الإسلام فأقبل وأما المال فلست منه في شيء.

ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بعينيه.

قال: فوالله ما تنخم رسول الله صلى الله عليه وسلم نخامة إلا وقعت في كف واحد منهم فدلك بها وجهه وجلده وإذا أمرهم ابتدروا أمره وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده وما يحدون إليه النظر تعظيما له.

فرجع عروة إلى أصحابه فقال: أي قوم !

والله لقد وفدت على الملوك وفدت على قيصر وكسرى والنجاشي والله إن رأيت ملكا يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدا والله إن يتنخم نخامة إلا وقعت في كف واحد منهم فدلك بها وجهه وجلده وإذا أمرهم إبتدروا أمره وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده وما يحدون إليه النظر تعظيما له وإنه عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها.

فقال رجل من بني كنانة: دعوني آته.

فقالوا: ائته؟

فلما أشرف على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا فلان وهو من قوم يعظمون البدن فابعثوها له فبعثت له واستقبله القوم يلبون فلما رأى ذلك قال: سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت.

فلما رجع إلى أصحابه قال: رأيت البدن قد قلدت وأشعرت فما أرى أن يصدوا عن البيت.

فقام رجل يقال له مكرز بن حفص فقال: دعوني آته فقالوا: ائته؟

فلما أشرف عليهم قال النبي صلى الله عليه وسلم: هذا مكرز وهو رجل فاجر.

فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم فبينما هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قد سهل لكم من أمركم.

فجاء سهيل فقال هات أكتب بيننا وبينك كتابا.

فدعا الكاتب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم.

قال سهيل: أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو ولكن اكتب «باسمك اللهم» كما كنت تكتب.

فقال المسلمون: والله ما نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اكتب «باسمك اللهم» .

ثم قال: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله.

فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك ولكن اكتب: محمد بن عبد الله.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: والله إني لرسول الله وإن كذبتموني اكتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله.

قال الزهري وذلك لقوله: لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به.

قال سهيل: والله لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضفطة؟

ولكن لك من العام المقبل فكتب.

فقال سهيل: وعلى أنه لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا.

فقال المسلمون: سبحان الله كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلما؟

فبينما هم كذلك إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمر ويرسف في قيوده وقد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين فقال سهيل: هذا يا محمد أول من أقاضيك عليه أن ترد إلي.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنا لم نقض الكتاب بعد.

قال: فوالله لا أصالحك على شيء أبدا.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: فأجزه لي.

قال: ما أنا بمجيزه.

قال: بلى فافعل.

قال: ما أنا بفاعل.

فقال أبو جندل: أي معشر المسلمين أرد إلى المشركين وقد جئت مسلما ألا ترون ما لقيت في الله؟

وكان قد عذب عذابا شديدا في الله.

فقال عمر بن الخطاب: والله ما شككت منذ أسلمت إلا يومئذ فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: ألست نبي الله؟

قال: بلى.

فقلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟

قال: بلى.

قلت: فلم نعطى الدنية في ديننا إذن؟

قال: إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري.

قلت: أو ليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟

قال: بلى أفأخبرتك أنك تأتيه العام؟

قلت: لا.

قال: فإنك آتيه ومطوف به.

فأتيت أبا بكر فقلت يا أبا بكر: أليس هذا نبي الله حقا؟

قال: بلى.

قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟

قال: بلى.

قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذن؟

قال: أيها الرجل إنه رسول الله وليس يعصي ربه وهو ناصره فاستمسك بغرزه تفز حتى تموت فو الله إنه لعلى الحق.

قلت: أوليس كان يحدثنا إنا سنأتي البيت ونطوف به؟

قال: بلى أفأخبرك أنك تأتيه العام؟

قلت: لا.

قال: فإنك آتيه ومطوف به.

قال عمر: فعملت لذلك أعمالا.

فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: قوموا فانحروا ثم احلقوا.

فوالله ما قام رجل منهم حتى قال ذلك ثلاث مرات فلما لم يقم منهم أحد قام فدخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس فقالت أم سلمة: يا نبي الله أتحب ذلك؟

قال: نعم.

قالت: فاخرج ثم لا تكلم أحدا منهم حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك.

فقام النبي صلى الله عليه وسلم فخرج فلم يكلم أحدا منهم كلمة حتى فعل ذلك: نحر بدنه ودعا بحالقه فحلقه.

فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غما.

ثم جاءه نسوة مؤمنات فأنزل الله ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات ﴾ [الممتحنة: 10] حتى بلغ بعصم الكوافر فطلق عمر رضي الله عنه يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان والأخرى صفوان بن أمية.

ثم رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فجاءه أبو بصير رجل من قريش وهو مسلم فأرسلوا في طلبه رجلين فقالوا: العهد الذي جعلته لنا !

فدفعه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرجلين فخرجا به حتى بلغا به ذا الحليفة فنزلوا يأكلون من تمر لهم فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله إني لأرى سيفك هذا يا فلان جيدا.

فاستله الآخر وقال: أجل والله إنه لجيد لقد جربت به وجربت.

فقال له أبو بصير: أرني أنظر إليه.

فأمكنه منه فضربه حتى برد وفر الآخر حتى أتى المدينة فدخل المسجد يعدو فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآه: لقد رأى هذا ذعرا.

فلما انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: قد قتل والله صاحبي وإني لمقتول فجاء أبو بصير فقال يا نبي الله: قد أوفى الله بذمتك قد رددتني إليهم ثم أنجاني الله منهم.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ويل أمه !

مسعر حرب لو كان له أحد !

فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم فخرج حتى أتى سيف البحر.

قال: وينفلت منهم أبو جندل فلحق بأبي بصير فجعل لا يخرج رجل من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير حتى اجتمعت منهم عصابة.

قال: فوالله ما يسمعون بعير لقريش خرجت إلى الشام إلا اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم.

فأرسلت قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم تناشده الله والرحمن لما أرسل إليهم فمن أتاه منهم فهو آمنز فأرسل إليهم النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم حتى بلغ حمية الجاهلية وكانت حميتهم أنهم لم يقروا أنه نبي ولم يقروا ببسم الله الرحمن الرحيم وحالوا بينه وبين البيت.

وأخرج عبد الرزاق عن ابن عباس قال: كاتب الكتاب يوم الحديبية علي بن أبي طالب.

وأخرج أحمد وعبد بن حميد ومسلم والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الدلائل «عن سلمة بن الأكوع قال: قدمنا الحديبية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن أربع عشرة مائة، ثم إن المشركين من أهل مكة راسلونا في الصلح فلما اصطلحنا واختلط بعضنا ببعض، أتيت شجرة فاضطجعت في ظلها فأتاني أربعة من مشركي أهل مكة فجعلوا يقعون في رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمعضتهم، وتحوّلت إلى شجرة أخرى، فعلقوا سلاحهم واضطجعوا، فبينما هم كذلك إذ نادى منادٍ من أسفل الوادي: يا للمهاجرين قتل ابن زنيم، فاخترطت سيفي فاشتددت على أولئك الأربعة وهم رقود فأخذت سلاحهم وجعلته في يدي، ثم قلتُ: والذي أكرم وجه محمد لا يرفع أحد منكم رأسه إلا ضربت الذي فيه عيناه، ثم جئت بهم أسوقهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاء عمي عامر برجل من العبلات يقال له مكرز من المشركين يقوده حتى وقفنا بهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبعين من المشركين، فنظر إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: دعوهم يكون لهم بدء الفجور ومنتهاه، فعفا عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنزل الله: ﴿ وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم ﴾ » .

وأخرج أحمد والنسائي والحاكم وصححه وابن جرير وأبو نعيم في الدلائل وابن مردويه عن عبد الله بن مغفل قال: «كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصل الشجرة التي قال الله في القرآن، وكان يقع من أغصان تلك الشجرة على ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي بن أبي طالب وسهيل بن عمرو بين يديه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم فأخذ سهيل بيده، قال: ما نعرف الرحمن ولا الرحيم، أكتب في قضيتنا ما نعرف.

قال: أكتب: باسمك اللهم وكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله أهل مكة، فأمسك سهيل بيده وقال: لقد ظلمناك إن كنت رسوله، أكتب في قضيتنا ما نعرف، فقال: أكتب هذا ما صالح محمد بن عبد الله، فبينا نحن كذلك إذ خرج علينا ثلاثون شاباً عليهم السلاح، فثاروا في وجوهنا، فدعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ الله بأسماعهم.

ولفظ الحاكم: بأبصارهم.

فقمنا إليهم فأخذناهم فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل جئتم في عهد أحد، أو هل جعل لكم أحد أماناً فقالوا: لا.

فخلى سبيلهم فأنزل الله: ﴿ وهو الذي كف أيديهم عنكم ﴾ » .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن أبزى قال: «لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم بالهدي، وانتهى إلى ذي الحليفة قال له عمر: يا نبي الله تدخل على قوم لك حرب بغير سلاح ولا كراع، فبعث إلى المدينة فلم يدع فيها سلاحاً ولا كراعاً إلا حمله، فلما دنا من مكة منعوه أن يدخل، فسار حتى أتى منى، فنزل بمنى، فأتاه عيينة بن عكرمة بن أبي جهل قد خرج عليه في خمسمائة، فقال لخالد بن الوليد: يا خالد هذا ابن عمك قد أتاك في الخيل، فقال خالد: أنا سيف الله وسيف رسوله، فيومئذ سمي سيف الله، يا رسول الله إرمِ بي أين شئت، فبعثه على خيل فلقيه عكرمة في الشعب، فهزمه حتى أدخله حيطان مكة، ثم عاد في الثانية حتى أدخله حيطان مكة، ثم عاد في الثالثة فهزمه حتى أدخله حيطان مكة، فأنزل الله: ﴿ وهو الذي كف أيديهم عنكم ﴾ الآية» قال: فكف الله النبي عنهم من بعد أن أظفره عليهم لبقايا من المسلمين كانوا بقوا فيها كراهية أن تطأهم الخيل.

أخرج ابن المنذر عن الضحاك وسعيد بن جبير ﴿ والهدي معكوفاً ﴾ قال: محبوساً.

وأخرج أحمد والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نحروا يوم الحديبية سبعين بدنة، فلما صدت عن البيت حنت كما تحن إلى أولادها.

وأخرج الطبراني «عن مالك بن ربيعة السلولي رضي الله عنه أنه شهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الشجرة ويوم رد الهدي معكوفاً قبل أن يبلغ محله، وأن رجلاً من المشركين قال يا محمد: ما يحملك على أن تدخل هؤلاء علينا ونحن كارهون؟

فقال: هؤلاء خير منك ومن أجدادك يؤمنون بالله واليوم الآخر والذي نفسي بيده لقد رضي الله عنهم» .

قوله تعالى: ﴿ ولولا رجال مؤمنون ﴾ الآية.

أخرج الحسن بن سفيان وأبو يعلى وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن قانع والباوردي والطبراني وابن مردويه وأبو نعيم بسند جيد عن أبي جمعة حنيبذ بن سبيع قال: قاتلت النبي صلى الله عليه وسلم أول النهار كافراً، وقاتلت معه آخر النهار مسلماً، وفينا نزلت ﴿ ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات ﴾ وكنا تسعة نفر سبعة رجال وامرأتين.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم ﴾ قال: حين ردوا النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ أن تطؤهم ﴾ بقتلهم إياهم ﴿ لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذاباً أليماً ﴾ يقول لو تزيل الكفار من المؤمنين لعذبهم الله عذاباً أليماً بقتلهم إياهم.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ ولولا رجال مؤمنون ﴾ قال: دفع الله عن المشركين يوم الحديبية بأناس من المؤمنين كانوا بين أظهرهم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في الآية قال: هم أناس كانوا بمكة تكلموا بالإِسلام كره الله أن يؤذوا وأن يوطأوا حين رد محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه يوم الحديبية، فتصيب المسلمين منهم معرة يقول ذنب بغير علم.

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد ﴿ فتصيبكم منهم معرة بغير علم ﴾ قال: إثم ﴿ لو تزيلوا ﴾ قال: لو تفرقوا.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذاباً أليماً ﴾ قال: هو القتل والسبي.

وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ﴿ لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذاباً أليماً ﴾ قال: إن الله عز وجل يدفع بالمؤمنين عن الكفار.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ يعني: كفار مكة ﴿ وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: أن تحلوا من عمرتكم وتطوفوا به (١) ﴿ وَالْهَدْيَ ﴾ منصوب ...

...

...

(٢) وقال ابن عباس: يعني البدن التي ساقها رسول الله -  - وكان قد ساق معه سبعين بدنة (٣)  - أهدى عام الحديبية مائة بدنة (٤) قوله تعالى: (معكوفاً) قال المفسرون: محبوساً، والعكف: الحبس، يقال: عكفه يعكفه عكفاً، إذا حبسه، وعكفت القوم عن كذا، أي: حبستهم، ويقال: إنك لتعكفني عن حاجتي، أي: تصرفني (٥) (٦) قوله: ﴿ أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ ﴾ قال الزجاج: موضع (أن) منصوب على معنى وصدوا الهدي محبوساً عن أن يبلغ محله (٧) قال مقاتل: يعني منحره (٨) ﴿ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ ﴾ يعني: المستضعفين من المؤمنين الذين كانوا بمكة بين ظهراني الكفار وهم كالوليد بن المغيرة، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، وأبي جندل (٩) ﴿ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ  ﴾ ، قال مقاتل: لم تعلموهم أنهم مؤمنون (١٠) قوله: ﴿ أَنْ تَطَئُوهُم ﴾ أي: بالقتل وتوقعوا بهم، يقال: منه وطِئت القوم أي: أوقعت بهم، ومنه قول الشاعر: ووطِئَتْنَا وَطْأً على حَنَقٍ ...

وطْأَ المُقَيَّدِ يابِسَ الهَرْمِ (١١) قال أبو إسحاق: موضع (أن) رفع بدل من رجال، المعنى: لولا أن تطأوا رجالاً مؤمنين ونساء مؤمنات (١٢) قوله: ﴿ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ ﴾ قال مقاتل وابن زيد: إثم (١٣) (١٤) وقال النضر: يقال عَرَّه بشر، أي: ظلمه وشتمه وأخذ ماله.

وقال شمر: المعرفة التي كانت تصيب المؤمنين أنهم لو كبسوا (١٥) (١٦) (١٧) ﴿ فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ  ﴾ ، فالصحيح أن يقال: غرم الكفارة (١٨) (١٩) قوله: ﴿ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ مقدم في المعنى، كأن التقدير: لولا أن تطؤوهم بغير علم (٢٠) قال صاحب النظم: التأويل: ولولا تطؤوا رجالاً مؤمنين ونساء مؤمنات لا تعرفون إيمانهم فتوقعون، فلما قدم ذكر الرجال والنساء، والمراد في التقديم، الوطأة بَنَى عليه الوطاة (٢١) ﴿ تَطَئُوهُمْ ﴾ بدل من قوله: (رجال) (٢٢) واختلفوا في جواب قوله: (ولولا رجال) فذهب قوم إلى أنه محذوف علي تقدير: لسلطناكم عليهم ولأذنا لكم في دخولها، وحذف الجواب كثير في التنزيل، وقال آخرون: جوابه قوله: (لعذبنا الذين كفروا) وهو جواب لكلامين أحدهما: لولا رجال، والثاني: لو تزيلوا (٢٣) قوله تعالى: ﴿ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ ﴾ اللام متعلق بمحذوف دل عليه معنى الكلام على تقدير: حال بينكم وبينهم ليدخل الله في رحمته من يشاء، يعني من أسلم من الكفار بعد الصلح، ودل على الحيلولة قوله: (ولولا رجال مؤمنون) (٢٤) وقال أبو جعفر النحاس: أجاز أبو حاتم الوقف على قوله: (بغير علم)، وجعل اللام في قوله: (ليدخل الله) لام قسم كما جعل في قوله: ﴿ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ﴾ ما تقدم الآية [لما لم (٢٥) (٢٦) ﴿ لَوْ تَزَيَّلُوا ﴾ قال أبو عبيدة: لو انمازوا (٢٧) (٢٨) ﴿ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ  ﴾ .

قال الكلبي: لو تفرق بعضهم من بعض حتى يخلص الكفار وحدهم (٢٩) قوله تعالى: ﴿ لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴾ وقال مقاتل: لو اعتزل المؤمنون الذين بمكة من كفارهم لعذبنا الذين كفروا (٣٠) قال الفراء: أي: لو خلص الكفار من المؤمنين لأنزل الله بهم القتل والعذاب (٣١) وقال ابن قتيبة: لو تميزوا من المشركين لعذبنا المشركين بالسيف عذاباً أليماً (٣٢) (٣٣) (١) انظر: "تفسير البغوي" 7/ 320، "زاد المسير" 7/ 440، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 283، "تفسير مقاتل" 4/ 75.

(٢) غير واضحة في الأصل عليها آثار مسح، لكن في "معاني القرآن" للزجاج عبارة مطابقة للصورة الموجودة وهي: الهدي منصوب سبق على الكاف والميم المعنى وصدوا الهدي، انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 27، وقال في "الدر المصون" 6/ 163، ﴿ وَالْهَدْيَ ﴾ العامة على نصبه والمشهور أنه نسق على الضمير المنصوب في ﴿ صَدُّوكُمْ ﴾ وقيل: نصب على المعية، وفيه ضعف لإمكان العطف.

(٣) أخرج الطبري 13/ 95 - 96 عن مروان بن الحكم، والمسور بن مخرمة أن هديه كان سبعين بدنة، وأخرجه عنهما أيضًا البغوي 7/ 313.

(٤) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 75 وقد أشار إلى القول: بأنها سبعين بدنة، كما أشار السمرقندي 3/ 257 إلى القولين جميعًا.

(٥) انظر: "تفسير الطبري" 13/ 95، وتفسير السمرقندي 3/ 257، "تفسير البغوي" 7/ 320، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 283.

(٦) انظر: "تهذيب اللغة" عكف 1/ 321.

(٧) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 27.

(٨) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 75.

(٩) أبو جندل بن سهيل بن عمرو بن عامر بيب لؤي، وأبوه سهيل بن عمرو الذي بعثته قريش إلى رسول الله -  - في صلح الحديبية، ولما اتفق مع رسول الله -  - على الصلح جاء ابنه أبو جندل يوسف في الحديد قد انفلت إلى رسول الله -  - فلما رأى سهيل ابنه أبا جندل أخذه وقال: يا محمد قد تمت القضية بيني وبينك قبل أن يأتيك هذا، قال: "صدقت"، وأخذه ليرده إلى قريش، فصاح أبو جندل: يا معشر المسلمين أرد إلى المشركين ليفتنوني في دينى؟

فقال رسول الله -  -: "احتسب فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجًا ومخرجًا" توفي رحمه ألله سنة 23 هـ، انظر: "الكامل" لابن الأثير 2/ 138، 3/ 41.

(١٠) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 75.

(١١) البيت: لزهير، انظر: "تهذيب اللغة" (هرم) 6/ 296، "اللسان" (هرم) 12/ 607، "الدر المصون" 6/ 164.

(١٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 27.

(١٣) انظر: "تفسير الماوردي" 5/ 320، "تفسير البغوي" 7/ 320، "زاد المسير" 7/ 440، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 286، وقد نسب كل منهم هذا القول لابن زيد، ولم أجده في "تفسير مقاتل".

(١٤) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 217، "تهذيب اللغة" (عر) 1/ 99 ، "فتح القدير" للشوكاني 5/ 54.

(١٥) قال في "تهذيب اللغة" (كبس) التكْبِيسُ: الاقتحام على الشيء تقول كبَّسُوا عليهم 10/ 80.

(١٦) انظر قولي النضر وشمر في "تهذيب اللغة" (عر) 1/ 99 - 100.

(١٧) أخرجه الطبري 13/ 102 عن ابن إسحاق، وذكره الثعلبي 10/ 151 أ، والماوردي 5/ 320، والبغوي 7/ 320، وابن الجوزي 7/ 440، والقرطبي 16/ 286.

(١٨) وهذا اختيار الطبري 13/ 102، وأورده الثعلبي 10/ 151أ، والبغوي 7/ 320.

(١٩) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 27.

(٢٠) انظر: "تفسير الوسيط" 4/ 143.

(٢١) كذا رسمها في الأصل ولم أقف عليه.

(٢٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 27.

(٢٣) انظر: "التبيان في إعراب القرآن" للعكبري 2/ 1167، "الدر المصون" 6/ 164.

(٢٤) انظر: "تفسير البغوي" 7/ 320، "البحر المحيط" 8/ 99.

(٢٥) نص العبارة عند النحاس (فجلها لام قسم لما لم ير الفعل قبلها يتعلق به).

انظر: "القطع والائتناف" للنحاس ص 671.

(٢٦) انظر: "القطع والائتناف" ص 671.

(٢٧) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 217 (٢٨) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 68، "معاني القرآن" للزجاج 5/ 27.

(٢٩) ذكر ذلك الماوردي في "تفسيره" 5/ 325، والقرطبي في "الجامع" 16/ 286، وانظر: "تنوير المقباس" ص 514.

(٣٠) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 75.

(٣١) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 68.

(٣٢) انظر: "تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة 2/ 134.

(٣٣) لم أقف على هذا القول، وقال الطبري 13/ 103: لقتلنا من بقي فيها بالسيف أو لأهلكناهم ببعض ما يؤلمهم من عذابنا العاجل، وذكره في "الوسيط" 4/ 143 بلفظ المؤلف ولم ينسبه.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ هُمُ الذين كَفَرُواْ ﴾ يعني أهل مكة ﴿ وَصَدُّوكُمْ عَنِ المسجد الحرام ﴾ يعني أنهم منعونهم عن العمرة بالمسجد الحرام عام الحديبية ﴿ والهدي مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ ﴾ الهدي ما يهدى إلى البيت من الأنعام، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ساق حينئذ مائة بدنة وقيل: سبعين ليهديها والمعكوف المحبوس، ومحله موضع نحره يعني: مكة والبيت، وإعراب الهدي عطف على الضمير المفعول في صدّوكم ومعكوفاً حال من الهدي، وأن يبلغ مفعول بالعكف فالمعنى: صدوكم عن المسجد الحرام، وصدوا الهدي عن أن يبلغ محله، والعكف المذكور يعني به منع المشركين للهدي عن بلوغ مكة، أو حبس المسلمين بالهدي بينما ينظرون في أمورهم.

﴿ وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ ﴾ الآية تعليل لصرف الله المؤمنين عن استئصال أهل مكة بالقتل، وذلك أنه كان بمكة رجال مؤمنون ونساء مؤمنات يخفون إيمانهم، فلو سلط الله المسلمين على أهل مكة، ولقتلوا أولئك المؤمنين وهم لا يعرفونهم، ولكن كفَّهم رحمة للمؤمنين الذين كانوا بين أظهرهم، وجواب لولا محذوف تقديره: لولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لسلطناكم عليهم ﴿ أَن تَطَئُوهُمْ ﴾ في موضع بدل من رجال ونساء، أو بدل من الضمير المفعول في لم تعلموهم والوطء هنا الإهلاك بالسيف وغيره ﴿ فَتُصِيبَكُمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ ﴾ أي تصيبكم من قتلهم مشقة وكراهة، واختلف هل يعني الإثم في قتلهم أو الدية أو الكفارة أو الملامة، أو عيب الكفار لهم بأن يقولوا: قتلوا أهل دينهم، أو تألم نفوسهم من قتل المؤمنين، وهذا أظهر لأن قتل المؤمن الذي لا يعلم إيمانه وهو بين أهل الحرب لا إثم فيه ولا دية، ولا ملامة، ولا عيب، ﴿ لِّيُدْخِلَ الله فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ ﴾ يعني رحمة للمؤمنين الذين كانوا بين أظهر الكفار، بأن كف سيوف المسلمين عن الكفار من أجلهم أو رحمة لمن شاء من الكفار بأن يسلموا بعد ذلك، واللام تتعلق بمحذوف يدل على سياق الكلام تقديره: كان كف القتل عن أهل مكة ليدخل الله في رحمته من يشاء ﴿ لَوْ تَزَيَّلُواْ لَعَذَّبْنَا الذين كَفَرُواْ ﴾ معنى تزيلوا تميزوا عن الكفار، والضمير للمؤمنين المستوري الإيمان، أي لو انفصلوا عن الكفار لعذبنا الكفار فقوله: ﴿ لَعَذَّبْنَا ﴾ جواب لو الثانية، وجواب الأولى محذوف كما ذكرنا، ويحتمل أن يكون لعذبنا جواب لو الأولى: وكررت لو الثانية تأكيداً ﴿ إِذْ جَعَلَ الذين كَفَرُواْ فِي قُلُوبِهِمُ الحمية ﴾ يعني أنفه الكفر وهي منعهم للنبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين عن العمرة، ومنعهم من أن يكتب في كتاب الصلح بسم الله الرحمن الرحيم، ومنعهم من أن يكتب محمد رسول الله، وقولهم: لو نعلم أنك رسول الله لاتبعناك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك، والعامل في إذ جعل محذوف تقديره: اذكر أو قوله: ﴿ لَعَذَّبْنَا ﴾ والسكينة هي سكون المسلمين ووقارهم حين جرى ذلك ﴿ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التقوى ﴾ قال الجمهور وهي: لا إله إلا الله وقد رُوي ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل: لا إله إلا الله محمد رسول الله وقيل: لا إله إلا الله والله أكبر، وهذه كلها متقاربة وقيل: هي بسم الله الرحمن الرحيم التي أبى الكفار أن تكتب ﴿ وكانوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا ﴾ أي كانوا كذلك في علم الله وسابق قضائه لهم، وقيل: أحق بها من اليهود والنصارى.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ليؤمنوا ﴾ ﴿ ويعزروه ويوقروه ويسبحوه ﴾ بياءات الغيبة: ابن كثير وأبو عمرو.

و ﴿ عليه الله ﴾ بضم الهاء: حفص ﴿ فسنؤتيه ﴾ بالنون: أبو جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر.

الآخرون: بالياء التحتانية والضمير لله  ﴿ شغلتنا ﴾ بالتشديد: قتيبة ﴿ ضراً ﴾ بالضم ﴿ كلم الله ﴾ على الجمع: حمزة وعلي وخلف ﴿ بل ظننتم ﴾ بالإدغام: علي وهشام ﴿ بل تحسدوننا ﴾ مدغماً: حمزة وعلي وهشام.

﴿ ندخله ﴾ ﴿ ونعذبه ﴾ بالنون فيهما: أبو جعفر ونافع وإبن عامر ﴿ بما يعملون بصيراً ﴾ بياء الغيبة: أبو عمرو ﴿ الرؤيا ﴾ بالإمالة: ابن عامر وعلي وهشام ﴿ شطأه ﴾ بفتح الطاء من غير مد: ابن ذكوان والبزي والقواس.

الباقون: ساكنة الطاء.

الوقوف: ﴿ مبيناً ﴾ ه لا ﴿ مستقيماً ﴾ ه لا على احتمال الجواز ههنا لتكرار إسم الله بالتصريح ﴿ عزيزاً ﴾ ه ﴿ إيمانهم ﴾ ط ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه لا لتعلق اللام ﴿ سيئاتهم ﴾ ط ﴿ عظيماً ﴾ ه لا للعطف ﴿ ظن السوء ﴾ ط ﴿ دائرة السوء ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفين ﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ مصيراً ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه ﴿ ونذيراً ﴾ ه لا ﴿ وتوقروه ﴾ ط للفصل بين ضمير اسم الله وضمير الرسول في المعطوفين فيمن لم يجعل الضمائر كلها لله ﴿ وأصيلاً ﴾ ه ﴿ يبايعون الله ﴾ ط ﴿ أيديهم ﴾ ج ط للشرط مع الفاء ﴿ على نفسه ﴾ ج للعطف مع الشرط ﴿ عظيماً ﴾ ه ﴿ فاستغفر لنا ﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال ﴿ قلوبهم ﴾ ط ﴿ نفعاً ﴾ ط ﴿ خبيراً ﴾ ه ﴿ بوراً ﴾ ه ﴿ سعيراً ﴾ ه ﴿ الأرض ﴾ ط ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه ﴿ نتبعكم ﴾ ج لأن ما بعده حال عامله ﴿ سيقول ﴾ أو مستأنف ﴿ كلام الله ﴾ ط ﴿ من قبل ﴾ ج للسين مع الفاء ﴿ تحسدوننا ﴾ ط ﴿ قليلاً ﴾ ه ﴿ يسلمون ﴾ ه ﴿ حسناً ﴾ ج ﴿ أليماً ﴾ ه ﴿ المريض حرج ﴾ ط لأن الواو للاستئناف ﴿ الأنهار ﴾ ج ﴿ اليماً ﴾ ه ﴿ قريباً ﴾ ه لا ﴿ يأخذونها ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه ﴿ عنكم ﴾ ج لأن الواو مقحمة أو المعلل محذوف والواو داخلة في الكلام المعترض، أو عاطفة على تقدير ليستيقنوا ولتكون ﴿ مستقيماً ﴾ ه لا للعطف ﴿ بها ﴾ ج ﴿ قديراً ﴾ ه ﴿ نصيراً ﴾ ه ﴿ تبديلاً ﴾ ه ﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ بصيراً ﴾ ه ﴿ محله ﴾ ط ﴿ بغير علم ﴾ ج لحق المحذوف أي قدر ذلك ليدخل ﴿ من يشاء ﴾ ج لاحتمال أن جواب " لولا" محذوف وأن يكون هذه مع جوابها جواباً للأولى ﴿ أليماً ﴾ ه ﴿ وأهلها ﴾ ط ﴿ عليماً ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ج لحق حذف القسم ﴿ آمنين ﴾ لا ﴿ مقصرين ﴾ لا لأنها أحوال متابعة ﴿ لا تخافون ﴾ ط لأن قوله ﴿ فعلم ﴾ بيان حكم الصدق كالأعذار فلا ينعطف على قوله ﴿ صدق الله ﴾ ﴿ قريباً ﴾ ه ﴿ كله ﴾ ط ﴿ شهيداً ﴾ ه ﴿ رسول الله ﴾ ج لأن ما بعده مستأنف ﴿ ورضواناً ﴾ ز لأن ﴿ سيماهم ﴾ مبتدأ غير أن الجملة من حد الأولى في كون الكل خبر والذين ﴿ السجود ﴾ ط ﴿ الإنجيل ﴾ ج لاحتمال أن التقدير هم كزرع ﴿ الكفار ﴾ ط ﴿ عظيماً ﴾ ه.

التفسير: الفتح في باب الجهاد هو الظفر بالبلد بصلح أو حرب لأنه منغلق ما لم يظفر به.

والجمهور على أن المراد به ما جرى يوم الحديبية.

عن أنس قال: لما رجعنا عن الحديبية وقد حيل بيننا وبين نسكنا فنحن بين الحزن والكآبة، أنزل الله ﴿ إنا فتحنا ﴾ فقال  : "لقد أنزل عليّ آية هي أحب إليّ من الدنيا كلها" .

والحديبية بئر سمي المكان بها وكان قد غاض ماؤها فتمضمض فيها النبي  فجاء بالماء حتى عمهم.

وعن ابن شهاب: لم يكن في الإسلام فتح أعظم من فتح الحديبية وضعت الحرب وأمن الناس.

وقال الشعبي: أصاب النبي  في تلك الغزوة ما لم يصب في غيرها، بويع فيها بيعة الرضوان تحت الشجرة، وغفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر، وظهرت الروم على فارس، وكان رسول الله  وعد به فصح صدقه وأطعم نخل خيبر.

وذلك أن رسول الله  بعد هجرته إلى المدينة أحب أن يزور بيت الله الحرام بمكة فخرج قاصداً نحوه في سنة ست من الهجرة، وخرج معه أولو البصيرة وتخلف من كان في قلبه مرض ظناً منه أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبداً.

واستصحب سبعين بدنة لينحرها بمكة، ولما كان بذي الحليفة قلد الهدي وأحرم بالعمرة لتعلم قريش أنه لم يأت لقتال وكانوا ألفاً وثلثمائة أو أربعمائة أو خمسمائة فبايعوه إلا جد بن قيس فإنه اختبأ تحت إبطي ناقته، فجاءه عروة بن مسعود لإيقاع صلح.

فلما رأى أصحاب النبي  فقال: أي محمد أرأيت إن استأصلت قومك هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أصله على أني أرى وجوهاً وأسراباً خليقاً أن يفروا ويدعوك؟

فشتمه أبو بكر فلما عاد إلى قريش قال: لقد وفدت على كسرى وقيصر والنجاشي وغيرهم من الملوك وما رأيت ملكاً يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمداً.

والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلموا عنده خفضوا أصواتهم، وما يحدّون النظر إليه تفخيماً، وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها منه.

فلما اتفقوا على الصلح جاء سهيل بن عمرو المخزومي وتصالحوا على أن لا يدخل النبي  مكة سنته بل يعود في القابل ويقيم ثلاثة أيام ثم ينصرف، فلما كتب علي بن أبي طالب  "بسم الله الرحمن الرحيم".

قال سهيل: ما نعرف "الرحمن الرحيم" اكتب في قضيتنا ما نعرف "باسمك اللهم".

ولما كتب "هذا ما صالح محمد رسول الله  ".

قال: لو علمنا أنك رسول الله ما قاتلناك، اكتب محمد بن عبد الله.

فتنازع المسلمون وقريش في ذلك وكادوا يتواثبون، فمنعهم رسول الله  وأمرهم بالإجابة فكتب "هذا ما صالح محمد بن عبد الله قريشاً على أنه من قدم مكة من أصحاب محمد حاجاً أو معتمراً أو يبتغي من فضل الله فهو آمن على دمه وماله، ومن قدم المدينة مجتازاً إلى مصر والشام أو يبتغي من فضل الله فهو على دمه وأهله آمن، وعلى أنه من جاء محمداً من قريش فهو إليهم ردّ، ومن جاءهم من أصحاب محمد فهو لهم" فاشتدّ ذلك على المسلمين فقال النبي صلى الله عيله وسلم: من جاءهم منا فأبعده الله، ومن جاءنا منهم رددناه إليهم، فإن علم الله منه الإسلام جعل له مخرجاً.

فلما فرغوا من الهدنة نحر النبي  وحلق وفعل أصحابه ذلك فنزل عليه في طريقه في هذا الشأن ﴿ إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ﴾ يريد ما كان من أمر الحديبية والفتح قد يكون بالصلح.

وقيل: كان ذلك بلفظ الماضي على عادة إخبار الله.

وقال ابن عيسى: الفتح الفرج المزيل للهم ومنه فتح المسألة إذا انفرجت عن بيان يؤدّي إلى الثقة.

وقيل وهو قول قتادة: الفتح القضاء والحكم، والفتاح القاضي، والفتاحة الحكومة أي حكما لك بهذه المهادنة وأرشدناك إلى الإسلام ليغفر لك الله.

قال أهل النظم: لأوّل هذه السورة مناسبة تامة مع آخر السورة المتقدّمة وذلك أنه قال ﴿ ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا  ﴾ إلى آخره فبين بعد ذلك أنه فتح لهم مكة وغنموا ديارهم وحصل لهم أضعاف ما أنفقوا ولو بخلوا لضاعت عنهم هذه الفوائد.

وأيضاً لما قال ﴿ وأنتم الأعلون  ﴾ بين برهانه بصلح الحديبية أو بفتح مكة وكان في قوله ﴿ وتدعوا إلى السلم  ﴾ إشارة إلى ما جرى يوم الحديبية من أن المسلمين صبروا إلى أن طلب المشركون الصلح.

سؤال: ما المناسبة بين الفتح والمغفرة حتى جعلت غاية له؟

الجواب الغاية هي مجموع المغفرة وما ينعطف عليها كأنه قيل: يسرنا لك فتح مكة وغيره من الفتوح ليجمع لك بين عز الدارين وأغراض العاجل والآجل.

ويجوز أن تكون الفتوح من حيث إنها جهاد للعدّو سبباً للغفران والثواب.

قال جار الله: وقيل: تقدير الكلام إنا فتحنا لك فاستغفره ليغفر لك كقوله ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح  ﴾ إلى قوله ﴿ واستغفره  ﴾ وقيل: إن فتح مكة كان سبباً لتطهير البيت من رجس الأوثان، وتطهير بيته سبب لتطهير عبده.

وأيضاً بالفتح يحصل الحج وبالحج تحصل المغفرة كما ورد في الأخبار " "خرج كيوم ولدته أمه" وأيضاً إن الناس قد علموا عام الفيل أن مكة لا يتسلط عليها عدواً لله، فلما فتحت للرسول  عرف أنه حبيب الله المغفور له.

أما الذنب فقيل: أراد به ذنب المؤمنين من أمته، أو أريد به ترك الأفضل والصغائر سهواً أو عمداً.

ومعنى ﴿ ما تأخر ﴾ أي عن الفتح أو ما تقدم عن النبوّة وتأخر عنها.

وقيل ﴿ ما تقدم ﴾ ذنب أبويه آدم وحواء ﴿ وما تأخر ﴾ ذنب أمته.

وقيل: أراد جميع الذنوب فحدّ أوّلها وآخرها، أو هو على وجه المبالغة كما تقول: أعطى من رأى ومن لم يره.

وقيل: ما تقدم من أمر مارية وما تأخر من أمر زينب وهو قول سخيف لعدم التئام الكلام ظاهراً.

والأولى أن يقال: ما تقدم النبوّة بالعفو وما تأخر عنها بالعصمة ﴿ ويتم نعمته عليك ﴾ بإعلاء دينك وفتح البلاد على يدك لقوله ﴿ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي  ﴾ ومن إتمام النعمة تكليف الحج وقد تم يومئذ ولم يبق للنبي  عدوّ من قريش، فإن كثيراً منهم وقد أهلكوا يوم بدر، والباقين آمنوا واستأمنوا يوم الفتح.

وقيل: إمام النعمة في الدنيا باستجابة الدعاء في طلب الفتح وفي الآخرة بقبول الشفاعة ﴿ ويهديك صراطاً مستقيماً ﴾ أي يثبتك ويهديك عليه فإن الفتح لا يكون إلا لمن هو على صراط الله، ولعل المراد بهذا الخطاب هو أمته.

والنصر العزيز ذو العزة وهو الذي لا ذل بعده، أو هو بمعنى المعز أو الممتنع على الغير وهو النفيس الذي لا يناله كل أحد.

وفي الآية تفخيم شأن الفتح والنصر من وجوه: أحدها لفظ (إنا) الدال على التعظيم.

وثانيها لفظ (لك) الدال على الاختصاص.

ثالثها إعادة اسم الله في الموضعين أوّلاً وآخراً.

ثم بين سبب النصر بقوله ﴿ هو الذي أنزل السكينة ﴾ وهي السكون والوقار والطمأنينة والثقة بوعد الله كما مر في "البقرة" وفي "التوبة" ﴿ ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم ﴾ أي يقيناً مع يقينهم أو إيماناً بالشرائع مع إيمانهم بالله.

وعن ابن عباس أو أول ما أتاهم به النبي  التوحيد، فلما آمنوا بالله وحده أنزل الصلاة ثم الزكاة ثم الجاد ثم الحج، أو ازدادوا إيماناًَ استدلالياً مع إيمانهم الفطري.

وعلى هذا ففائدة قوله ﴿ مع إيمانهم ﴾ أن الفطرة تشهد بالإيمان، فلما عرفوا صحة الإيمان بالنظر والاستدلال انضم هذا الثاني إلى الأول.

وجنود السموات والأرض ملائكتهما، ويمكن أن يراد بمن في الأرض الثقلان والحيوان غير الإنسان.

ويحتمل أن يراد بالجنود معنى أعم وهو الأسباب الأرضية والسماوية فيدخل فيهما الصيحة والرجفة.

وظن السوء هو ظنهم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم، أو أن الله  لا ينصرهم على أعدائهم، أو أن لله شريكاً، أو أنه لا يقدر على إحياء الموتى.

ومعنى دائرة السوء أن ضرر ظنهم يعود إليهم ويدور عليهم وقد مر في سورة التوبة.

قال بعض العلماء: ضم المؤمنات ههنا إلى المؤمنين بخلاف قوله ﴿ قد أفلح المؤمنون ﴾ \[المؤمنون: 1\] ﴿ وبشر المؤمنين  ﴾ ونحو ذلك.

والسر فيه أن كل موضع يوهم اختصاص الرجال به مع كون النساء مشاركات لهم ذكرهن صريحاً نفياً لهذا التوهم، وكل موضع لا يوهم ذلك اكتفى فيه بذكر الرجال لأنهم الأصل في أكثر الأحكام والتكاليف.

مثلاً من المعلوم أن البشارة والنذارة عامة للناس قاطبة فلم يحتج فيهما إلى ذكر النساء بخلاف هذه الآية فإن إدخال الجنة يوهم أنه لأجل الجهاد مع العدوّ والفتح على أيديهم والمرأة لا جهاد عليها، فكان يظن أنهن لا يدخلن الجنات فنفى الله  هذا الوهم، وكذا الكلام في تعذيب المنافقات والمشركات.

نكتة الجنود المذكورة أوّلاً هي جنود الرحمة فكانوا سبباً لإدخال المؤمنين الجنة بالإكرام والتعظيم ثم إلباسهم خلع الكرامة لقوله ﴿ ويكفر عنهم سيئاتهم ﴾ ثم تشريفهم بالفوز العظيم من الله كما قال ﴿ وكان ذلك عند الله فوزاً عظيماً ﴾ وأما الكافر فعكس منه الترتيب: أخبر بتعذيبهم أوّلاً على الإطلاق، ثم فصل بأنه يغضب عليهم أوّلاً ثم يوبقهم في خبر اللعن والبعد عن الرحمة، ثم يسلط عليهم ملائكة العذاب الذين هم جنوده كما قال ﴿ عليها ملائكة غلاظ شداد  ﴾ ولا ريب أن كل ذلك على قانون الحكمة إلا أنه قرن العلم في الأول إلى الحكمة تنبيهاً على أن إنزال السكينة وازدياد إيمان المؤمنين وترتيب الفتح على ذلك كانت كلها ثابتة في علم الله، جارية على وفق الحكمة.

وقرن العز بالحكمة ثانياً لأن العذاب والغضب وسلب الأموال والغنائم يناسب ذكر العزة والغلبة والقهر زادنا الله إطلاعاً على أسرار قرآنه الكريم وفرقانه العظيم.

ثم مدح رسول صلى الله عيله وسلم وذكر فائدة بعثته ليرتب عليه ذكر البيعة فقال ﴿ إنا أرسلناك شاهداً ﴾ على أمتك ﴿ ومبشراً ونذيراً ﴾ وقد مر في سورة الأحزاب مثله إلا أن قوله ﴿ لتؤمنوا بالله ورسوله ﴾ قائم مقام قوله هناك ﴿ وداعياً إلى الله بإذنه  ﴾ من قرأ على الغيبة فظاهر، وأما من قرأ على الخطاب فلتنزيل خطاب النبي منزلة خطاب المؤمنين.

وقوله ﴿ وتعزروه وتوقروه ﴾ كلاهما بمعنى التعظيم من العز والوقار ينوب منابه.

قوله هناك ﴿ وسراجاً منيراً ﴾ وذلك أن النور متبع والتبجيل والتعظيم دليل المتبوعية.

وقال جار الله: الضمائر كلها لله عز وجل وتعظيم الله تعظيم دينه ورسوله.

وقوله ﴿ وتسبحوه ﴾ من التسبيح أو من السبحة وهي صلاة التطوع.

و ﴿ بكرة وأصيلاً ﴾ للدوام أو المراد صلاة الفجر والعصر وحدها أو مع الظهر قاله ابن عباس.

﴿ إن الذين يبايعونك ﴾ هي بيعة الرضوان تحت الشجرة كما يجيء في السورة.

وقيل: ليلة العقبة وفيه بعد.

وسماها مبايعة تشبيهاً بعقد البيع نظيره ﴿ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم  ﴾ ﴿ إنما يبايعون الله ﴾ لأن طاعة الرسول هي طاعة الله في الحقيقة.

ثم أكد هذا المعنى بقوله ﴿ يد الله فوق أيديهم ﴾ قال أهل المعاني: هذا تمثيل وتخييل ولا جارحة هناك.

وقيل: اليد النعمة أي نعمة الله عليهم بالهداية فوق إحسانهم إلى الله بإجابة البيعة كما قال ﴿ يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا عليّ إسلامكم بل الله يمنّ عليكم أن هداكم  ﴾ قال القفال: هو من قوله  : "اليد العليا خير من اليد السفلى" يريد بالعليا المعطية أي الله يعطيهم ما يكون له به الفضل عليهم.

وقيل: اليد القوة أي نصرته إياهم فوق نصرتهم لرسوله.

وقيل: يد الله بمعنى الحفظ فإن المتوسط بين المتبايعين يضع يده فوق يدهما فلا يترك أن تتفارق أيديهما حتى يتم البيع، والمراد أن الله  يحفظهم على بيعتهم.

ثم زجرهم من نقض العهد وحثهم على الوفاء بقوله ﴿ فمن نكث ﴾ إلى آخره.

والنكث والنقض أخوان.

وقوله ﴿ فإنما ينكث على نفسه ﴾ أي لا يعود ضرر نكثه إلا عليه.

قال جابر بن عبد الله: بايعنا رسول الله  تحت الشجرة على الموت وعلى أن لا نفر، فما نكث أحد منا البيعة إلا جد بن قيس، وكان منافقاً اختبأ تحت إبط ناقته ولم يثر مع القوم.

ثم بين ما يعلم منه إعجاز القرآن لأنه أخبر عن الغيب وقد وقع مطابقاً وله في السورة نظائر فقال ﴿ سيقول لك المخلفون ﴾ هم أسلم ومزينة وجهينة وغفار.

وقيل: سموا مخلفين لأن التوفيق خلفهم ولم يعتدّ بهم.

والظاهر أنهم سموا بذلك لأنه  حين أراد المسير إلى مكة عام الحديبية معتمراً استنفر الأعراب وأهل البوادي حذراً من قريش أن يصدّوه عن البيت، فتثاقل كثير من الأعراب وقالوا: يذهب إلى قوم قصدوه في داره بالمدينة وظنوا أنه يهلك فلا ينقلب إلى المدينة فاعتلوا.

فلما رجع رسول الله  اعتذروا وقالوا ﴿ شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا ﴾ سل الله أن يغفر لنا تخلفنا عنك وإن كان من عذر فكذبهم الله بقوله ﴿ يقولون بألسنتهم ﴾ وقوله شيئاً من الضر كقتل وهزيمة ولا يوصل إليهم نفعاً إلا ما شاء الله.

وإنما قال ههنا بزيادة لفظة ﴿ لكم ﴾ لأنه في قوم بأعيانهم بخلاف "المائدة" فإنه عام لقوله ﴿ أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعاً  ﴾ ثم ردّ قولهم اللساني فقال ﴿ بل كان الله بما تعملون خبيراً ﴾ ثم ردّ اعتذارهم الواهي بقوله ﴿ بل ظننتم ﴾ الآية.

والبور جمع بائر أي هالك والباقي واضح إلى قوله ﴿ رحيماً ﴾ وفيه بيان كمال قدرته على تعذيب الكافرين مع أن مغفرته ذاتيه ورحمته سابقة.

وقوله ﴿ سيقول المخلفون ﴾ إنما لم يقل هنا لك لأن المخاطبين هم المؤمنون كلهم لا النبي وحده.

وجمهور المفسرين على أن هؤلاء هم المخلفون المذكورون فيما تقدم.

وقوله ﴿ إلى مغانم ﴾ هي مغانم خيبر، وذلك أن رسول الله  وعد أهل الحديبية أن غنائم أهل خيبر لهم خصوصاً من غاب منهم ومن حضر بدل تعب السفر في العمرة التي صدّهم المشركون عنها.

وزاد الزهري فقال: وإن حضرها من غيرهم من الناس.

قالوا: ولم يغب منهم عنها أحد إلا جابر ابن عبد الله، فقسم له رسول الله  كسهم من حضر.

وكان انصراف النبي  في ذي الحجة فأقام بالمدينة بقية ذي الحجة وبعض المحرم، ثم خرج إلى خيبر وخرج معه من شهد الحديبية ففتحها وغنم أموالاً كثيرة وجعلها لهم خاصة، وكان قبل ذلك وعد النبي  أصحابه غنائم خيبر فسمع المنافقون ذلك فقالوا للمؤمنين ﴿ ذرونا نتبعكم ﴾ فمنعهم النبي  لأن أمره أن لا يخرج إلى خيبر إلا أهل الحديبية وذلك قوله ﴿ يريدون أن يبدّلوا كلام الله ﴾ فقال الله لنبيه ﴿ قل لنا تتبعونا ﴾ أي في خيبر.

وقيل: عامّ في غزواته ﴿ كذلكم قال الله من قبل ﴾ أي قبل انصرافهم إلى المدينة ﴿ فسيقولون ﴾ ردّاً على النبي والمؤمنين إن الله لم يأمركم به ﴿ بل تحسدوننا ﴾ أن نشارككم في الغنيمة فرد الله عليهم ردّهم بقوله ﴿ بل كانوا لا يفقهون إلا ﴾ فهماً ﴿ قليلاً ﴾ وهو فطنتهم لأمور الدنيا دون أمور الدين، أو هو فهمهم من قوله ﴿ قل لن تتبعونا ﴾ مجرد النهي فحملوه على الحسد ولم يعلموا أن المراد هو أن هذا الاتباع لا يقع أصلاً لأن الصادق قد أخبر بنفيه.

وذهب جماعة من المفسرين منهم الزجاج إلى أن كلام الله ههنا هو قوله في سورة براءة ﴿ لن تخرجوا معي أبداً  ﴾ واعترض بأن هذا في قصة تبوك التي كانت بعد الحديبية بسنتين بإجماع من أهل المغازي.

وأجاب بعضهم بأن هذ الآية أعني ﴿ سيقول المخلفون ﴾ نزلت في غزوة تبوك أيضاً.

وعندي أن الاعتراض غير وارد ولا حاجة إلى الجواب المذكور.

ثم إن الله  أخبر عن مخلفي الحديبية بأنهم سيدعون إلى قوم أولي قوة ونجدة في الحروب.

وقيل: هم هوازن وغطفان.

وقيل: هم الروم، غزاهم رسول الله  في تبوك.

والأكثرون على أن القوم أولي البأس الشديد هم بنو حنيفة قوم مسيلمة وأهل الردة الذين حاربهم أبو بكر الصدّيق لأنه  قال ﴿ تقاتلونهم أو يسلمون ﴾ ومشركو العرب والمرتدون هم الذين لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف، ومن عداهم من مشركي العجم وأهل الكتاب والمجوس تقبل منهم الجزية.

هذا عند أبي حنيفة، وأما الشافعي فعنده لا تقبل الجزية إلا من أهل الكتاب، والمجوس دون مشركي العجم والعرب.

وقد يستدل بهذا على إمامة أبي بكر فإنهم لم يدعوا إلى حرب في أيام رسول الله  ، ولكن بعد وفاته ولا سيما فيمن يزعم أنه نزل فيهم ﴿ لن تخرجوا معي أبداً  ﴾ اللهم إلا أن يقال: المراد لن تخرجوا معي ما دمتم على حالكم من مرض القلوب والاضطراب في الدين، أو أنهم لا يتبعون الرسول إلا متطوّعين لا نصيب لهم في المغنم قاله مجاهد.

وقوله ﴿ أو يسلمون ﴾ رفع على الاستئناف يعني أو هم يسلمون.

ويجوز أن يراد إلى أن يسلموا، فحين حذف "أن" رفع الفعل.

وقيل: الإسلام ههنا الانقياد فيشمل إعطاء الجزية أيضاً.

والأجر الحسن في الدنيا الغنيمة، وفي الآخرة الجنة.

وقيل: الغنيمة فقط بناء على أن الآية في المنافقين، وعلى هذا لا يتم الاستدلال على إمامة الخلفاء.

وقوله ﴿ من قبل ﴾ أي في الحديبية.

قال ابن عباس: إن أهل الزمانة قالوا: يا رسول الله كيف بنا؟

فأنزل الله  ﴿ ليس على الأعمى حرج ﴾ أي إثم في التخلف لأنه كالطائر الذي قص جناحه لا يمتنع على من قصده.

وقدم الأعمى لأن عذره مستمر ولو حضر القتال، والأعرج قد يمكنه الركوب والرمي وغير ذلك.

نعم يتعسر عليه الحرب ماشياً وكذا جودة الكر والفر راكباً.

وقد يقاس الأقطع على الأعرج، ويمكن أن لا يكون الأقطع معذوراً لأنه نادر الوجود.

والأعذار المانعة من الجهاد أكثر من هذا وقد ضبطها الفقهاء بأن المانع إما عجز حسي أو عجز حكمي.

فمن الأول الصغر والجنون والأنوثة والمرض المانع من الركوب للقتال لا كالصداع ووجع السن، ومنه العرج البين وإن قدر على الركوب لأن الدابة قد تهلك.

وعند أبي حنيفة لا أثر للعرج في رجل واحدة، ومنه فقد البصر ولا يلحق به العور والعشي، ومنه عدم وجدان السلاح وآلات القتال.

ومن الثاني الرق والدين الحالّ بلا إذن رب الدين ومن أحد أبويه في الحياة ليس له الجهاد لا بإذنه إلا إذا كان كافراً.

والباقي واضح إلى قوله ﴿ لقد رضى الله ﴾ .

وبه سميت بيعة الرضوان ويبايعونك حكاية الحال الماضية والشجرة كانت سمرة.

وقيل: سدرة روي أنها عميت عليهم من قابل فلم يدروا أين ذهبت.

وعن جابر بن عبد الله: لو كنت أبصر لأريتكم مكانها ﴿ فعلم ما في قلوبهم ﴾ من خلوص النية ﴿ فأنزل السكينة ﴾ الطمأنينة والأمن عليهم ﴿ وأثابهم ﴾ جازاهم عن الإخلاص في البيعة ﴿ فتحاً قريباً ﴾ هو فتح خيبر غب انصرافه من الحديبية كما ذكرناه.

وقيل: هو فتح مكة ﴿ ومغانم كثيرة يأخذونها ﴾ هي مغانم خيبر وكانت أرضاً ذات عقار وأموال فقسمها عليهم ﴿ وعدكم الله مغانم كثيرة ﴾ هي التي أصابوها مع النبي  أو بعده إلى يوم ﴿ فعجل لكم هذه ﴾ يعني غنيمة خيبر ﴿ وكف أيدي الناس عنكم ﴾ يعني أيدي أهل خيبر وحلفائهم من أسد وغطفان جاؤا لنصرتهم فقذف الله الرعب في قلوبهم وقيل: أيدي أهل مكة بالصلح، وقيل: أيدي اليهود حين خرجتم وخلفتم عيالكم بالمدينة وهمت اليهود بهم فمنعهم الله قوله ﴿ ولتكون آية ﴾ أي لتكون هذه الغنيمة المعجلة دلالة على ما وعدهم الله من الغنائم، أو دلالة على صحة النبوة من حيث إنه أخبر بالفتح القريب وقد وقع مطابقاً.

وقيل: الضمير للكف والتأنيث لأجل التأنيث الخبر، أو بتقدير الكفة ويهديكم ويثبتكم ويزيدكم بصيرة.

قوله ﴿ وأخرى ﴾ أي وعدكم الله مغانم أخرى.

عن ابن عباس: هي فتوح فارس والروم.

أو يقال: مغانم هوازن في غزوة حنين لم يظنوا أن يقدروا عليها لما فيها من الهزيمة، ثم الرجوع مرة بعد أخرى قد أحاط الله بها علماً أنها ستصير لكم.

قال جار الله: يجوز في ﴿ أخرى ﴾ النصب بفعل مضمر يفسره ﴿ قد أحاط ﴾ أي وقضى الله أخرى قد أحاط بها.

ويجوز فيها الرفع على الابتداء لكونها موصوفة بالجملة و ﴿ قد أحاط ﴾ خبره.

وجوز الجر بإضمار "رب".

ثم بين أن نصر الله إياهم في صلح الحديبية أو في فتح خيبر لم يكن اتفاقياً بل كان إلهياً سماوياً فقال ﴿ ولو قاتلكم ﴾ إلى آخره.

والسر فيه أن الله كتب وأوجب غلبة حزبه ونصر رسله كما قال ﴿ سنة الله ﴾ إلى آخره.

عن أنس أن ثمانين رجلاً من أهل مكة هبطوا على النبي  من جبل التنعيم متسلحين يريدون غرة النبي  وأصحابه، فأخذهم واستحياهم فأنزل الله  ﴿ وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة ﴾ وهو الحديبية لأنها من أرض الحرم.

وقيل: هو التنعيم.

وقيل: إظفاره دخوله بلادهم بغير إذنهم.

وعن عبد الله بن مغفل المزني قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بالحديبية في أصل الشجرة التي ذكرها الله في القرآن، فبينا نحن كذلك إذ خرج علينا ثلاثون شاباً عليهم السلاح فثاروا في وجوهنا فدعا عليهم رسول الله  فأخذ الله  بأبصارهم فقمنا إليهم فأخذناهم فقال لهم  : هل كنتم في عهد أحد وهل جعل لكم أحد أماناً فقالوا: اللهم لا، فخلى سبيلهم فأنزل الله الآية.

وإنما قدم كف أيدي الكفار عن المؤمنين لأنهم أهم.

وقيل: كف أيديكم بأن أمركم أن لا تحاربوا، وكف أيديهم بإلقاء الرعب أو بالصلح وقيل: إن عكرمة بن أبي جهل خرج في خمسمائة رجل فقال النبي  لخالد بن الوليد: هذا ابن عمك قد أتاك في الخيل.

فقال خالد: أنا سيف الله وسيف رسوله ارم بي حيث شئت.

فبعثه على خيل فلقي عكرمة في الشعب فهزمه حتى أدخله حيطان مكة، ثم عاد فهزمه حتى أدخله جوف مكة.

فأنزلت الآية.

وسمي خالد يومئذ سيف الله.

وروي أن كفار مكة خرجوا يوم الحديبية يرمون المسلمين فرماهم المسلمون بالحجارة حتى أدخولهم بيوت مكة.

ثم ذم قريشاً بقوله ﴿ هم الذين كفروا وصدّوكم ﴾ يعني يوم الحديبية ﴿ عن المسجد الحرام ﴾ أن تطوفوا به للعمرة ﴿ و ﴾ صدّوا ﴿ الهدى ﴾ أو صدّوكم مع الهدي حال كونه ﴿ معكوفاً ﴾ أي محبوساً ممنوعاً موقوفاً عن ﴿ أن يبلغ محله ﴾ المعهود وهو مِنى وقد مر تفسير الهدي ومحله والبحث عنه في "البقرة".

ثم بين حكمة المصالحة بقوله ﴿ ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات ﴾ وقوله ﴿ لم تعلموهم ﴾ سفة الرجال والنساء جميعاً على جهة التغليب.

و ﴿ أن تطؤهم ﴾ بدل الاشتمال منهم أو من الضمير المنصوب في ﴿ تعلموهم ﴾ والوطء كالدّوس عبارة عن الإيقاع والإهلاك.

وقوله ﴿ فتصيبكم ﴾ جواب النفي أو عطف على ﴿ أن تطؤهم ﴾ والمعرة "مفعلة" ممن العرالعيب كالجرب ونحوه.

وقوله ﴿ بغير علم ﴾ متقدم في النية متعلق بـ ﴿ أن تطؤهم ﴾ والفحوى أنه كان بمكة ناس من المسلمين فقال  : ولولا كراهة أن تهلكوا ناساً من المؤمنين فيما بين المشركين وأنتم غير عالمين بحالهم فتصيبكم بإهلاكهم تبعة في الدين لوجوب الدية والكفارة أو عيب بسوء قالة أهل الشرك، إنهم فعلوا بأهل دينهم مثل ما فعلوا بنا، أو أثم إذا جرى دينهم منكم بعض التقصير لما كف أيديكم عنهم، والكلام يدل على هذا الجواب وفي حذفه فخامة وذهاب للوهم كل مذهب، ويعلم منه أنه يفعل بهم إذ ذاك ما لا يدخل تحت الوصف.

وجوّزوا أن يكون ﴿ لو تزيلوا ﴾ كالتكرير لقوله ﴿ ولولا رجال ﴾ لرجعهما إلى معنى واحد.

والتنزيل التميز والتفرق ويكون ﴿ لعذبنا ﴾ هو الجواب.

وقوله ﴿ ليدخل ﴾ تعليل لما دلت عليه الآية من كف الأيدي عن قريش صوناً لأهل الإيمان المختلطين بهم كأنه قيل: كان الكف ومنع التعذيب ليدخل الله مؤمنيهم في حيز توفيق الخير والطاعة، أو ليدخل في الإسلام من رغب فيه من المشركين.

وحكى القفال أن اللام متصل بالمؤمنين والمؤمنات أي آمنوا لكذا.

وقوله ﴿ إذ جعل ﴾ يجوز أن ينتصب بإضمار "اذكر" أو يكون ظرفاً ﴿ لعذبنا ﴾ أو لـ ﴿ ـصدّوكم ﴾ وفاعل ﴿ جعل ﴾ يجوز أن يكون ﴿ الله ﴾ وقوله ﴿ في قلوبهم ﴾ بيان لمكان الجعل كما مر في قوله { ﴿ وأشربوا في قلوبهم العجل  ﴾ ويجوز أن يكون ﴿ الذين كفروا ﴾ ومفعولاه الحمية والظرف فيكون جعلهم في قلبهم بإزاء أنزل الله.

والحمية في مقابلة السكينة، والحمية الأنفة والاستكبار الذي كان عليها أهل الجاهلية، ومن ذلك عدم إقرارهم بمحمد  ومنه ما جرى في قصة الحديبية من إبائهم أن يكتب في كتاب العهد "بسم الله الرحمن الرحيم" وأن يكتب "محمد رسول الله" يقال: حميت أنفي حمية كأنها "فعلية" بمعنى "مفعول" من الحماية اسم أقيم مقام المصدر كالسكينة بمعنى السكون فأنزل الله على رسوله السكينة والوقار حتى أعطاهم ما أرادوا.

وكلمة التقوى التسمية والتوحيد والاعتراف برسالة محمد  ، اختارها الله للمؤمنين.

ومعنى الإضافة إنها سبب التقوى وأساسها، أو المراد كلمة أهل التقوى الذين يتقون بها غضب الله.

﴿ وكانوا أحق بها وأهلها ﴾ لأنهم خيار الأمم.

وقيل: أراد وكانوا يعني أهل مكة أحق بهذه الكلمة لتقدّم إنذارهم إلا أن بعضهم سلبوا التوفيق.

وحكى المبرد أن الذين كانوا قبلنا لم يكن لأحد أن يقول "لا إله إلا الله" في اليوم والليلة إلا مرة واحدة لا يستطيع أن يقول أكثر من ذلك.

وكان قائلها يمدّ بها صوته إلى أن ينقطع نفسه تبركاً بذكر الله، وقد جعل الله لهذه الأمة أن يقولوها متى شاؤا وهو قوله ﴿ وألزمهم كلمة التقوى ﴾ أي ندبهم إلى ذكرها ما استطاعوا.

ثم قص رؤيا نبيه  بياناً لإعجازه فإن الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة.

وقصته أنه رأى في المنام أن ملكاً قال له ﴿ لتدخلن ﴾ إلى قوله ﴿ لا تخافون ﴾ فأخبر أصحابه بها ففرحوا وجزموا بأنهم داخلوها في عامهم، فلما صدّوا عن البيت واستقر الأمر على الصلح قال بعض الضعفة: أليس كان يعدنا النبي  أن نأتي البيت فنطوف به؟

فقال لهم أهل البصيرة: هل أخبركم أنكم تأتونه العام؟

فقالوا: لا.

قال: فإنكم تأتونه وتطوفون بالبيت فأنزل الله تصديقه.

ومعنى ﴿ صدق الله رسوله الرؤيا ﴾ صدقه في رؤياه ولم يكذبه.

وقوله ﴿ بالحق ﴾ إما أن يكون متعلقاً بـ ﴿ صدق ﴾ أي صدقه فيما رأى صدقاً متلبساً بالحق وهو أن يكون ما أراه كما أراه، وإما أن يكون حالاً من الرؤيا أي متلبسة بالحق يعني بالغرض الصحيح وهو الإبتلاء، وتميز المؤمن المخلص من المنافق المرائي.

وجوّز أن يكون ﴿ بالحق ﴾ قسماً لأنه إسم من أسماء الله  ، أو لأن المراد الحق الذي هو نقيض الباطل فتكون اللام في ﴿ لتدخلنّ ﴾ جواب القسم لا للابتداء فيحسن الوقف على ﴿ الرؤيا ﴾ .

والبحث عن الحلق والتقصير وسائر أركان الحج والعمرة وشرائطهما استوفيناها في سورة البقرة فليتذكر.

وفي ورود ﴿ إن شاء الله ﴾ في خبر الله عز وجل أقوال أحدها: أنه حكاية قول الملك كما روينا.

والثاني أن ذلك خارج على عادة القرآن من ذكر المشيئة كقوله ﴿ يغفر لمن يشاء ﴾ ﴿ ويعذب المنافقين إن شاء ﴾ والمعنى إن الله يفعل بالعباد ما هو الصلاح فيكون استثناء تحقيق لا تعليق.

والثالث أنه أراد لتدخلن جميعاً إن شاء ولم يمت أحد أو لم يغب.

والرابع أنه تأديب وإرشاد إلى استعمال الاستثناء في كل موضع لقوله  وقد دخل البقيع " "وأنا إن شاء الله بكم لاحقون" وليس في فروع الموت استثناء.

الخامس أنه راجع إلى حالة الأمن وعدم الخوف.

ثم رتب على الصدق وعلى سوء ظن القوم قوله ﴿ فعلم ما لم تعلموا ﴾ من الحكمة في تأخير الفتح إلى العام القابل ﴿ فجعل من دون ذلك ﴾ الفتح ﴿ فتحاً قريباً ﴾ وهو فتح خيبر.

ثم أكد صدق الرؤيا بل صدق الرسول في كل شيء بقوله ﴿ هو الذي أرسل ﴾ الآية.

وذلك أنه كذب رسوله كان مضلاً ولم يكن إرساله سبباً لظهور دينه وقوة ملته.

وقد مر نظير الآية في سورة التوبة.

ومن استعلاء هذا الدين أنه لا ترى أهل ملة إلا والمسلم غالب عليه إلا أن يشاء الله.

وقد يقال: إن كمال العز والغلبة عند نزول عيسى  فلا يبقى على الأرض كافر ﴿ وكفى بالله شهيداً ﴾ على أن هذا الدين يعلو ولا يعلى.

ثم أكد الشهادة وأرغم أنف قريش الذين لم يرضوا بهذا التعريف في كتاب العهد فقال ﴿ محمد رسول الله ﴾ فهو مبتدأ وخبر.

وجوز أهل الإعراب أن يكون المبتدأ محذوفاً لتقدم ذكره في قوله ﴿ أرسل رسوله ﴾ أي هو محمد فيكون ﴿ رسول الله ﴾ صفة أو عطف بيان، وجوزوا أن يكون ﴿ محمد ﴾ مبتدأ و ﴿ رسول الله ﴾ صفته أو بياناً.

وقوله ﴿ والذين معه ﴾ وهم الصحابة عطفاً على ﴿ محمد ﴾ وخبر الجميع ﴿ أشداء على الكفار ﴾ جمع شديد كما قال ﴿ واغلظ عليهم  ﴾ ﴿ أعزة على الكافرين  ﴾ عن الحسن: بلغ من تشدّدهم على الكفار أنهم كانوا يتحرزون من ثيابهم أن تلزق بثيابهم فكيف بأبدانهم، وبلغ من ترحمهم فيما بينهم أنه كان لا يرى مؤمن مؤمناً إلا صافحه وعانقه.

والمصافحة جائزة بالاتفاق، وأما المعانقة والتقبيل فقد كرههما أبو حنيفة  وإن كان التقبيل على اليد.

ومن حق المؤمنين أن يراعوا هذه السنة أبداً فيتشدّدوا على مخالفيهم ويرحموا أهل دينهم ﴿ تراهم ﴾ يا محمد أو يا من له أهلية الخطاب ﴿ ركعاً سجداً ﴾ راكعين ساجدين ﴿ يبتغون فضلاً من الله ﴾ بالعفو عن تقصيرهم ﴿ ورضواناً ﴾ منه عن أعمالهم الصالحة بأن يتقبلها الله منهم ﴿ سيماهم ﴾ علامتهم ﴿ في وجوههم من أثر السجود ﴾ فيجوز أن تكون العلامة أمراً محسوساً وأن السجود بمعنى حقيقة وضع الجبهة على ألأرض، وكان كل من عليّ بن الحسين زين العابدين  وعليّ بن عبد الله بن عباس أبي الأملاك يقال له ذو الثفنات، لأن كثرة سجودهما أحدثت في مواضع السجود منهما أشباه ثفنات البعير.

والذي جاء في الحديث "لا تعلبوا صوركم" أي لا تخدشوها.

وعن ابن عمر أنه رأى رجلاً أثر في وجهه السجود فقال: إن صورة وجهك أنفك فلا تعلب وجهك ولا تشن صورتك محمول على التعمد رياء وسمعة.

وعن سعيد بن المسيب هي ندى الطهور وتراب الأرض.

ويجوز أن يكون أمراً معنوياً من البهاء والنور.

وعن عطاء: استنارت وجوههم من التهجد كما قيل "من كثر صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار" وإن الذي يبيت شارباً يتميزعند أراب البصيرة من الذي يبيت مصلياً وفيه قال بعضهم: عيناك قد حكتا مبيـ *** ـتك كيف كنت وكيف كانا ولرب عين قد أرتـ *** ـك مبيت صاحبها عياناً قال المحققون: إن من توجه إلى شمس الدنيا لا بد من أن يقع شعاعها على وجهه، فالذي أقبل على شمس عالم الوجود وهو الله  كيف لا يستنير ظاهره وباطنه ولا سيما يوم تبلى السرائر ويكشف الغطاء ﴿ ذلك مثلهم ﴾ أي ذلك الوصف وصفهم العجيب الشأن في الكتابين: ويجوز أن يكون ذلك إشارة مبهمة أوضحت بقوله ﴿ كزرع ﴾ إلى آخره.

كقوله ﴿ وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع  ﴾ وقد يقال: تم الكلام عند قوله ﴿ ذلك مثلهم في التوراة ﴾ ثم ابتدأ ﴿ مثلهم في الإنجيل كزرع ﴾ لما روى أنه مكتوب في الإنجيل: سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر عرفوا إلى بني إسرائيل بهذا الوصف ليعرفوهم إذا أبصروهم.

والشطء بالتسكين والتحريك فراخ الزرع التي تنبت إلى جانب الأصل، ومنه شاطىء النهر.

﴿ فآزره ﴾ من المؤازره المعاونة.

ويجوز أن يكون أفعل من الأزر القوة أي أعان الزرع الشطء أو بالعكس.

﴿ فاستغلظ ﴾ الزرع أو الشطء أي صار من الرقة إلى الغلظ ﴿ فاستوى على سوقه ﴾ فاستقام على قصبته أي تناهى وصار كالأصل بحيث يعجب الزارعين.

والسوق جمع ساق وقد يخص الساق بالشجر فيكون ساق الزرع مجازاً مستعاراً.

ووجه التشبيه أن النبي  خرج وحده ثم أتبعه من ههنا قليل ومن ههنا حتى كثروا وقوي أمرهم.

وقوله ﴿ ليغيظ بهم الكفار ﴾ تعليل لوجه التشبيه أو للتشبيه أي ضرب الله ذلك المثل وقضى وحكم بذلك ليغيظ بمحمد  وأصحابه كفار مكة والعجم.

وقيل: هذا الزرع يغيظ بكثرته الكفار أي سائر الزرّاع الذين ليس لهم مثل زرعهم وفيه بعد، ولكن الكلام لا يخلو عن فصاحة لفظية من قبل المناسبة بين الزراع والكفار لاشتراكهما بالجملة في معنى من المعاني وإن لم يكن مقصوداً ههنا.

وذهب بعض المفسرين إلى أن قوله ﴿ والذين معه ﴾ أبو بكر ﴿ أشداء على الكفار ﴾ عمر ﴿ رحماء بينهم ﴾ عثمان ﴿ نراهم ركعاً سجداً ﴾ علي  ﴿ يبتغون فضلاً من الله ورضواناً ﴾ طلحة والزبير ﴿ سيماهم في وجوههم ﴾ سعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة ابن الجراح.

وعن عكرمة: أخرج شطأة بأبي بكر فآزره بعمر فاستغلظ بعثمان فاستوى على سوقه بعليّ.

وقوله ﴿ منهم ﴾ لبيان الجنس.

ويجوز أن يكون قوله ﴿ ليغيظ ﴾ تعليلاً للوعد لان الكفار إذا سمعوا بما أعدّ لهم في الآخرة مع ما حصل لهم في الدنيا من الغلبة والاستعلاء غاظهم ذلك والله أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ ﴾ مع كثرة أولئك، وقوتهم، وتأهبهم للقتال، وضعف هؤلاء وقلة عددهم؛ لأن أولئك كانوا خرجوا للقتال والحرب، مستعدين لذلك، متأهبين، وهؤلاء كانوا خرجوا لقضاء المناسك وزيارة البيت، فكفّ أيدي أولئك مع عدتهم وقوتهم وكثرتهم عن هؤلاء مع ضعفهم وقلة عددهم، حتى أظفرهم بأولئك بما ذكر في القصة أن المسلمين كانوا اشتغلوا بالترامي بالنبل والحجارة حتى هزموهم وأدخلوهم بطن مكة؛ على ما ذكر، ثم أظفرهم بهم، كف أيدي هؤلاء عنهم ويتم لهم الظفر بهم؛ ليعلم هؤلاء أن التدبير في الأمر إلى الله -  - دونهم، وله السلطان على الخلق جميعاً، لا سلطان لأحد في سلطانه، ولا قوة إلا بالله.

وأما ما ذكر من الامتنان هو ما ذكر من كف أيدي أولئك عن هؤلاء عند شدة خوفهم منهم وفزعهم بما ذكرنا من قوة أولئك [و]كثرتهم، وضعف هؤلاء وقلة عددهم، حتى أظفرهم؛ يذكر منته عليهم؛ ليستأدي شكره، ويكف أيدي هؤلاء عنهم.

فإن قيل: ما كف أيدي أولئك عن هؤلاء، المنة ظاهرة، ولكن أية منة تكون في كف أيدي المؤمنين عن أولئك الكفرة؟

فيقال: جائز أن تكون المنة في كف أيدي المؤمنين عن أولئك الكفرة؛ ليستأدي منهم شكره بذلك، وهو الإسلام لله -  - على جميع خلقه منة؛ ليستأدي منهم شكراً على الكافرين والمسلمين جميعاً.

ويحتمل أن تكون المنة في كف أيدي المؤمنين عن أولئك على المؤمنين - أيضاً - هو ما ذكر على إثره: ﴿ وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ أنه لو لم يكن يكف أيدي المؤمنين عنهم حتى يتم لهم الظفر بهم فدخلوا مكة وهنالك مؤمنون لأصابهم ما ذكر من المعرة وغيره، فكان في كف أيدي المؤمنين عن أولئك منة عظيمة عليهم؛ لما بينا من قبل من فيها من المؤمنين من غير علم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بِبَطْنِ مَكَّةَ ﴾ وهم لم يكونوا في بطن مكة، إنما كانوا بالحديبية، وبينها وبين مكة أميال، لكن يخرج على وجهين: أحدهما: أظفرهم بهم وقهرهم وهزمهم حتى أدخلهم بطن مكة، على ما ذكر أنهم هزموهم حتى أدخلوهم في بيوت مكة.

والثاني: ببطن مكة؛ أي: بقرب مكة.

وجائز أن يكنى ببطن مكة؛ أي: قربها.

وقال بعضهم: ﴿ بِبَطْنِ مَكَّةَ ﴾ أي: الحرم، والحرم كله مكة، والوجه فيه ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً ﴾ لم يزل الله -  - عالماً بأعمالهم، بصيراً.

وفيه دلالة خلق أفعالهم؛ لأنه ذكر أنه كف أيدي هؤلاء عن أولئك وأيدي أولئك عن هؤلاء، ثم قال: هو عالم بما تعملون بصيراً؛ ليعلم أن له في فعلهم صنعاً، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ﴾ أي: صدوهم عما قصدوا، وهو الطواف بالبيت والزيارة له، وذلك في المسجد الحرام؛ ذكر صدهم عن المسجد الحرام وصدوهم عما فيه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ ﴾ وقوله: ﴿ مَعْكُوفاً ﴾ أي: محبوساً، والمعكوف هو الحبس، ومنه سمي العاكف والمعتكف.

ثم قوله: ﴿ وَٱلْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ ﴾ محل دم هدي المتعة هو مكة أو منى، فأما الحرم نفسه فليس هو محله؛ فكأنه قال: وصدوا الهدي عن أن يبلغ محله الذي جعل لهدي المتعة وهو منى أو مكة؛ لأنه ذكر في الخبر أنه كان -  - معتمراً، وذكر أنه كان متمتعاً، وفيه أن دم المتعة إن منع عن محله سقط، وخرج عن حكم المتعة، ويعود إلى مكة، وله أن يصرفه إلى ما شاء؛ ألا ترى أن النبي  نحر تلك البدن التي ساقها عن الإحصار في الحرم؛ دل أن هدي المتعة إذا منع عن المحل سقط، ويخرج عن حكم المتعة.

وفيه أن دم الإحصار لا يجوز أن إراقته إلا في الحرم؛ إذ الحديبية تجمع الحرم والحل جميعاً عندنا، فإنما كان نحرها في الحرم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ ﴾ أي: تقتلوهم وتهلكوهم ﴿ فَتُصِيبَكُمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ أي: لولا ما فيها - أعني: في مكة - من رجال مؤمنين ونساء مؤمنات، لأتم لكم الظفر بهم، ودخلتم عليهم، لكن منعكم عن دخولكم مكة؛ لما ذكر.

ثم اختلف في قوله -  -: ﴿ فَتُصِيبَكُمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ .

قال بعضهم: لزمكم الدية بقتلهم، وكذا روي عن محمد بن إسحاق.

وقال بعضهم: الكفارة.

وقال بعضهم: الإثم والذنب؛ أي: يصيبكم منهم الإثم بقتلكم إياهم؛ وهذا لا يحتمل؛ لأنهم إذا قتلوهم وهم لا يعلمون، لا يلحقهم الإثم والذنب؛ لأن الله -  - وضع الإثم عنا فيما لا نعلمه، ولم يضع طريق العلم به، قال الله -  -: ﴿ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَـٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ  ﴾ .

وعندنا يخرج على وجهين: أحدهما: أي: فيصيبكم من الكفرة وأهل النفاق ما يسوءكم بقتلكم إياهم من اللائمة، والتعيير، وغير ذلك من القيل والقال؛ يقولون: إنهم قتلوا أصحابهم ومن كان على دينهم من أهل الإسلام؛ فيجدون بذلك سبيلا إلى ما ذكرنا، فيسوءكم ذلك، والله أعلم.

والثاني: يصيبكم الأسف والحزن والندامة الدائمة بقتلكم أهل الإيمان وأهل الإسلام إذا علمتم أنكم قتلتم أصحابكم وأهل دينكم، والله أعلم.

ثم المخالف لنا تعلق بهذه الآية في مسألتين: إحداهما: فيمن أسلم ولم يهاجر إلينا: أنه تجب الدية في قتله؛ لقوله -  -: ﴿ فَتُصِيبَكُمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ وهي غرم الدية.

والثانية: هل يباح الرمي على حصون المشركين إذا كان فيها أسارى المسلمين وأطفال المسلمين، وإحراق الحصون أو الرمي على الكفار الذين تترسوا بأطفال المسلمين؟

قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والثوري: لا بأس برمي حصون المشركين وإن كان فيهم أسارى المسلمين وأطفالهم، ولا بأس بأن يحرقوا الحصن ويقصدوا به المشركين دون المسلمين، وكذلك إحراق سفينة الكفار إذا كان فيها أسارى المسلمين.

وقال مالك: لا يحرق سفينة الكفار إذا كان فيها أسارى المسلمين.

وقال الأوزاعي: إذا تترس الكفار بأطفال المسلمين، لم يرموا، ولا يحرق الحصن، ولكن لا بأس بأن يرمى الحصن بالمنجنيق، ونحو ذلك.

وقال الشافعي: لا بأس بأن يرمى الحصن وفيه أسارى وأطفال المسلمين، ولو تترسوا بهم فله قولان.

واحتج هؤلاء [بأن] من عادتهم أنهم كانوا يعبدون ما يهوون ومالت إليهم أنفسهم من الأصنام والأوثان وغيرها، وينصرون من عبدوها، ويدفعون عنهم فيذبون عنها، فجائز أن يكون الذي حملهم على ذلك هو نصرهم أولئك الأصنام وعبادها، والذب عنهم حمية الجاهلية، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ جائز أن يكون ما ذكر من السكينة التي أخبر أنه أنزلها على رسوله ومن ذكر: هو شيء أنزله من السماء؛ لطفاً منه عليهم حتى سكنت لذلك قلوبهم.

وجائز أن يكون لا على حقيقة إنزال شيء من مكان إلى مكان، ولكن أنشأ في قلوبهم ما يسكن به قلوبهم؛ كقوله -  -: ﴿ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ  ﴾ أي: أنشأ لكم من الأنعام ما ذكر، وخلقها لهم، ليس أن أنزلها عليهم من مكان إلى مكان، ولكن على الإنشاء والخلق، فعلى ذلك الأول، والله أعلم.

ثم السكينة تحتمل أسباباً له بها تسكن قلوبهم وأنفسهم، والأسباب تختلف.

ويحتمل شيئاً آخر سوى ذلك، وهو اللطف الذي جعل لهم، فسكن قلوبهم بذلك اللطف، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ ٱلتَّقْوَىٰ وَكَانُوۤاْ أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا ﴾ .

يحتمل هذا وجهين: أحدهما: ألزمهم كلمة بها يتقون النار.

ثم يحتمل ﴿ كَلِمَةَ ٱلتَّقْوَىٰ ﴾ : كلمة الإخلاص وغيرها وما يقيهم النار، والله أعلم.

ويحتمل قوله: ﴿ وَأَلْزَمَهُمْ ﴾ : إظهار كلمة التقوى حتى تصير ظاهرة في الخلق أبداً إلى يوم القيامة، والله أعلم.

وقال بعضهم: ﴿ كَلِمَةَ ٱلتَّقْوَىٰ ﴾ هي ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ ، وذلك أنه لما كتب كتاب الصلح فيما بين أهل مكة وبين رسول الله  كتب: ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ ، فقال ذلك: اكتب كذا، لا ندري ما الرحمن الرحيم.

وذلك كلمة التقوى، والله أعلم.

والوجه فيه ما ذكرنا.

وقوله: ﴿ وَكَانُوۤاْ أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا ﴾ أي: بتلك الكلمة، وكانوا أهلا لها ﴿ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً ﴾ .

وقال بعض أهل التأويل: ﴿ كَلِمَةَ ٱلتَّقْوَىٰ ﴾ هي كلمة الإخلاص ﴿ وَكَانُوۤاْ أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا ﴾ من الأمم السالفة وأهلها، والله أعلم.

أو كانوا أحق بها في الإظهار في الخلق والقيام بذلك، وكانوا أحق بها في إلزامها في أنفسهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَّقَدْ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ٱلرُّءْيَا بِٱلْحَقِّ ﴾ .

قال أهل التأويل: قوله: ﴿ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ﴾ أي: حقق الله لرسوله الرؤيا التي أراها إياه الحق؛ أي: بالوفاء لذلك.

ويحتمل: أي: صير النبي  صادقاً عندهم فيما أخبرهم أنه رأى، وجعله صادقاً في ذلك؛ والأول أشبه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ آمِنِينَ ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: على الأمر: أن ادخلوا المسجد الحرام، وإن كان في الظاهر خبراً؛ كرؤيا إبراهيم -  - حيث قال: ﴿ إِنِّيۤ أَرَىٰ فِي ٱلْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ  ﴾ ، ثم قال الله -  -: ﴿ ٱفْعَلْ مَا تُؤمَرُ  ﴾ دل على أن ما رأى إبراهيم - صلوات الله عليه - من الذبح هو أمر بذلك، فإن كان التأويل هذا فيخرج الثنيا المذكور فيه على أثره، كأنه يقول: ادخلوا المسجد الحرام محلقين ومقصرين إن شاء الله أن تؤمنوا في دخولكم، وإذا لم تأمنوا لم يشأ أن تدخلوه، والله أعلم.

ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ ﴾ على الوعد، فيخرج الثنيا المذكور على وجهين: أحدهما: على التبرك والتيمن، كما يتبرك بذكر اسمه في فعل يفعله، والله أعلم.

والثاني: على الأمر لكل في نفسه إذا أخبر غيره أنه يدخل أن يقول: إن شاء الله، كما يؤمر بالثنيا من أخبر شيئاً أنه يفعله، كقوله -  -: ﴿ وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَاْىءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً  إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ  ﴾ .

ويحتمل أن يذكر الثنيا؛ لأن الوعد في الظاهر وإن كان للجملة كقوله: ﴿ لَتَدْخُلُنَّ ﴾ ، فجائز أن يكون المراد منه بعض منهم، ليس الجملة؛ لاحتمال أن يموت بعض منهم [و] ألا يكون هو مراداً و[المراد] الجملة، فذكر الثنيا؛ لئلا يكون خلف في الوعد من النبي  ، ثم ما ذكر من رؤيا النبي -  ، وأخبر أنه حققها يحتمل ما ذكر من دخول المسجد الحرام على أثره، فإن كان ذلك؛ فيكون قوله  : ﴿ لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ ﴾ هو تفسير لتلك الرؤيا.

وجائز أن تكون الرؤيا في غير ذلك.

وقوله: ﴿ لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ ﴾ ابتداء وعد وأمر من الله  ، وكذلك ما ذكر من قوله حيث قال: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا ٱلرُّءْيَا ٱلَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ  ﴾ .

يحتمل ما ذكر في هذه الآية: ﴿ لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ...

﴾ إلى آخر ما ذكر.

ويحتمل غير هذا أيضاً، وقد أخبر أنه حققها وصدقها، والله أعلم.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ ﴾ .

يخبر أنهم يدخلون المسجد الحرام محلقين مقصرين.

ثم يخرج على وجهين: أحدهما: في إبتداء الإحرام، يخرج على التزين على ما يزين المحرم في ابتداء إحرامه من نحو التطيب واللباس والحلق والتقصير، ونحو ذلك، يخبر أنهم يدخلون على التزين في المسجد الحرام آمنين من الكفار، فإن كان على ذلك فهو على الثياب والطيب وغير ذلك.

وذكر أن النبي  كان معتمرا، فسميت تلك عمرة القضاء؛ حيث منع في عام الحديبية وكان معتمرا [فسميت] تلك عمرة وإن حاجا فيكون قوله: ﴿ لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ ﴾ بعد رجوعهم من منى إلى طواف الزيارة في ذلك الوقت يكونون محلقين مقصرين، والله أعلم.

فإن قيل: ما الحكمة في أمره رسوله  بالخروج للحج عام الحديبية على علم منه أنه لا يصل إلى مكة وأنه يحال بينه وبين دخول مكة وقضاء النسك، ولا يحتمل إلى ذلك إلا بأمر من الله  ، ليس هو كغيره من الناس أنهم يفعلون أفعالا بلا أمر، ثم يمنعون أو ينهون عن ذلك، فأما رسول الله  فلا يفعل شيئاً إلا عن أمر منه له بذلك.

قيل: يحتمل إنما أمر بذلك مع علمه بأنهم يمنعون عن ذلك؛ تعليما منه رسوله وأمته حكم الإحصار: أن من حصر عن الحج، ومنع عن دخول مكة؛ لقضاء النسك، ماذا يلزمه؟

وبم يخرج منه؟

ولله  أن يعلم خلقه أحكام شريعته مرة بأمر يأمرهم بذلك، أو بخبر يخبرهم، ومرة بفعل النبي  يمتحنهم بما شاء، له الحكم والأمر في الخلق، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ تَخَافُونَ ﴾ .

أي: تدخلون مكة آمنين، لا تخافون عدوكم، ولا منعهم إياكم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ ﴾ .

هذا يخرج على وجوه: أحدها: أي: علم ما وعد لكم من فتح خيبر وغنائمه ما لم تعلموا.

ويحتمل: أي: علم ما أرى وصوله  من الرؤيا وتحقيقها ما لم تعلموا.

ويحتمل: أي: علم في رجوعكم عن الحديبية أشياء لم تعلموها أنتم من إظهار ما أظهر من نفاق أهل النفاق فيهم، وأهل الاضطراب من المحققين والمصدقين وغير ذلك، والله أعلم.

وعن ابن عباس -  - في قوله  : ﴿ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ ﴾ يقول: إن ذلك الدخول أي سنة؟

ولم تعلموا أنتم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً ﴾ .

قال بعضهم: جعل من قبل أن يدخلوا مكة ﴿ فَتْحاً قَرِيباً ﴾ ، أي: عاجلا فتح خيبر، والله أعلم.

وقول أهل التأويل: إنه اشتد على الناس رجوعهم من الحديبية وصدهم المشركون عما قصدوا، بعدما أخبرهم الرسول  أنه رأى في المنام أنهم يدخلون على ما وقع عندهم أن رؤيا الأنبياء - عليهم السلام - حق كالوحي.

لكن هذا لا يحتمل من المسلمين ما يحتمل من المنافقين على ما ذكر أنهم قالوا حين أخبر رسول الله  بالحديبية أن الرؤيا [كذب] أو كلام نحوه؛ فكل هذا يحتمل من المنافقين، فأما من المسلمين فلا يحتمل أن يقع في قلوبهم شيء من ذلك؛ لما لم يكن في الآية بيان ولا توقيت أنهم متى يدخلون؟

بل فيها الوعد بالدخول ليس فيها أنه متى؟

ألا ترى أن يوسف -  - رأى رؤيا وخرجت بعد أربعين سنة أو أقل أو أكثر؛ فعلى ذلك لا يحتمل أن يخفى عليهم إذا لم يكن في الوعد توقيت أنه يجوز أن يتأخر أو يتقدم، والله أعلم.

ثم فيما ذكرنا من أمر الحديبية وصد المشركين إياهم عن دخول مكة والحيلولة بينهم وبين ما قصدوا - أنه لا يحتمل أن يخرج رسول الله  ؛ لقصد الحج وزيارة البيت مع أصحابه بلا أمر منه بذلك؛ لما ذكرنا، ثم إن ثبت له الأمر بذلك على علم من الله  أنه لا يصل إلى تحصيل المأمور به وما قصدوا من دخول مكة زائرين، وما يكون من المشركين من المنع لهم والصد عن ذلك، وما أرادوا تحصيل ما أمرهم بذلك، فهذا دليل على أن الله  قد يأمرهم ويريد غير الذي أمر به، وأنه يريد ما علم أنه يكون منهم الذي أمر به، وهو كما أمر إبراهيم  بذبح ولده، ثم كان حقيقة المراد بالأمر بذبح الولد ذبح الشاه والكبش؛ دل أن الأمر بالشيء لا يدل على أنه أراد الذي أمره به، بل يريد ما علم أنه يكون منهم من خلافه وضده، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ ﴾ .

أي: أرسله بالهدى من كل ضلال أو حيرة.

أو أرسله بالبيان من كل عمى وشبهة، وهو هذا القرآن الذي سماه مرة: هدى، ورحمة، ونورا، ونحو ذلك، وهو ما وصفه - عز وجل - أن من تمسك به يكون ما ذكر هدى من كل ضلالة وحيرة، ونورا من كل ظلمة، وبيانا من كل عمى وشبهة، ولا قوة إلا بالله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَدِينِ ٱلْحَقِّ ﴾ .

جائز أن يكون الحق هو نعت الدين وهو الإسلام، وهو الدين الحق، وسائر الأديان باطلة.

ويحتمل أن يكون قوله  : ﴿ وَدِينِ ٱلْحَقِّ ﴾ ؛ أي: دين الإله الذي هو الإله الحق، وهو الإله المستحق الألوهية وغيره من الأديان دين الشيطان، ولا قوة إلا بالله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ ﴾ .

الإظهار: هو الغلبة، ثم تخرج غلبته على الدين كله على وجهين: أحدهما: أي: غلب هذا الدين على الأديان كلها بالحجج والبراهين أنه حق، وأنه من عند الله جاء، وقد كان بحمد الله كما ذكر، حتى عرف أهل الأديان كلها بالحجج والبراهين أنه حق إلا من كابر عقله وعاند الحق أو غفل عن دلائله، ولا قوة إلا بالله.

والثاني: يغلب على الأديان كلها، أي: يغلب على أهل الأديان كلهم حتى يصير أهل الإسلام ظاهرين غالبين من بين غيرهم، ويتوارى جميع أهل الأديان ويختفوا، ولكن ذلك في وقت دون وقت، وهو الوقت الذي ذكره بعض أهل التأويل، وهو في قوت خروج عيسى -  - يصير أهل الأديان كلهم أهل دين واحد وهو الإسلام.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ ﴾ ، أي: يظهر ما يحتاج أهل هذا الدين كله وما حدث لهم من الحاجة - على الأديان كلها، بما ضمن في القرآن معاني تقع الكفاية بها في الحوادث كلها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً ﴾ .

هذا يحتمل وجهين: أحدهما: ﴿ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً ﴾ بأن ما جاء به سيدنا محمد  ، إنما جاء به من عند الله، فإن كان التأويل هذا، فإنما تكون هذه الشهادة في الآخرة.

والثاني: يحتمل قوله  : ﴿ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً ﴾ بما أنشأه له من الآيات والحجج شهادة منه على رسالته وبنوبته، وذلك في الدنيا، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

هم الذين كفروا بالله ورسوله، ومنعوكم عن المسجد الحرام، ومنعوا الهدي فبقي محبوسًا عن الوصول إلى الحرم محلّ ذبحه، ولولا وجود رجال مؤمنين بالله ونساء مؤمنات به لا تعرفونهم أن تقتلوهم مع الكفار، فيصيبكم من قتلهم إثم وديات بغير علم منكم؛ لأذن لكم في فتح مكة ليدخل الله في رحمته من يشاء مثل المؤمنين في مكة، لو تميّز الذين كفروا عن المؤمنين في مكة لعذبنا الذين كفروا بالله وبرسوله عذابًا موجعًا.

<div class="verse-tafsir" id="91.vNXkq"

مزيد من التفاسير لسورة الفتح

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد