تفسير سورة المائدة الآية ١٠٧ عند زاد المسير

الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > سورة 5 المائدة > الآية ١٠٧

فَإِنْ عُثِرَ عَلَىٰٓ أَنَّهُمَا ٱسْتَحَقَّآ إِثْمًۭا فَـَٔاخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْأَوْلَيَـٰنِ فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ لَشَهَـٰدَتُنَآ أَحَقُّ مِن شَهَـٰدَتِهِمَا وَمَا ٱعْتَدَيْنَآ إِنَّآ إِذًۭا لَّمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ ١٠٧

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 8 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ عُثِرَ عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ الأُولى، «دَعا رَسُولُ اللَّهِ  عَدِيًّا وتَمِيمًا، فاسْتَحْلَفَهُما عِنْدَ المِنبَرِ: أنَّهُما لَمْ يَخُونا شَيْئًا مِمّا دُفِعَ إلَيْهِما، فَحَلَفا، وخَلّى سَبِيلَهُما، ثُمَّ ظَهَرَ الإناءُ الَّذِي كَتَماهُ، فَرَفَعَهُما أوْلِياءُ المَيِّتِ إلى رَسُولِ اللَّهِ  ، فَنَزَلَتْ ﴿ فَإنْ عُثِرَ عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا ﴾ » ومَعْنى "عُثِرَ": اطُّلِعَ، أيْ: إنْ عَثَرَ أهْلُ المَيِّتِ، أوْ مَن يَلِي أمْرَهُ، عَلى أنَّ الشّاهِدَيْنِ اللَّذَيْنِ هُما آخَرانِ مِن غَيْرِنا ﴿ اسْتَحَقّا إثْمًا ﴾ لِمَيْلِهِما عَنِ الِاسْتِقامَةِ في شَهادَتِهِما ﴿ فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما ﴾ أيْ: مَقامَ هَذَيْنِ الخائِنَيْنِ ﴿ مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ: "اسْتُحِقَّ" بِضَمِّ التّاءِ، "الأوْلَيانِ" عَلى التَّثْنِيَةِ.

وفي قَوْلِهِ: ﴿ مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُما الذِّمِّيّانِ.

والثّانِي: الوَلِيّانِ، فَعَلى الأوَّلِ في مَعْنى ﴿ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الإيصاءُ، قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: المَعْنى: مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ فِيهِمُ الإيصاءُ، اسْتَحَقَّهُ الأوْلَيانِ بِالمَيِّتِ، وكَذَلِكَ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّتِ الوَصِيَّةُ أوِ الإيصاءُ عَلَيْهِمْ.

والثّانِي: أنَّهُ الظُّلْمُ، والمَعْنى: مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمْ ظُلْمُ الأوْلَيانِ، فَحَذَفَ الظُّلْمَ، وأقامَ الأوْلَيَيْنِ مَقامَهُ، ذَكَرَهُ ابْنُ القاسِمِ أيْضًا.

والثّالِثُ: أنَّهُ الخُرُوجُ مِمّا قاما بِهِ مِنَ الشَّهادَةِ، لِظُهُورِ خِيانَتِهِما.

والرّابِعُ: أنَّهُ الإثْمُ، والمَعْنى: اسْتَحَقَّ مِنهُمُ الإثْمُ، ونابَتْ "عَلى" عَنْ "مَن" كَقَوْلِهِ: ﴿ عَلى النّاسِ يَسْتَوْفُونَ ﴾ \[المُطَفِّفِينَ ٢\] أيْ: مِنهم.

وقالَ الفَرّاءُ: "عَلى" بِمَعْنى "فِي" كَقَوْلِهِ: ﴿ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ  ﴾ أيْ: في مُلْكِهِ، ذَكَرَ القَوْلَيْنِ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ.

وعَلى هَذِهِ الأقْوالِ مَفْعُولُ "اسْتَحَقَّ" مَحْذُوفٌ مُقَدَّرٌ.

وعَلى القَوْلِ الثّانِي في مَعْنى ﴿ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: اسْتَحَقَّ مِنهُمُ الأوْلَيانِ، وهو اخْتِيارُ ابْنِ قُتَيْبَةَ.

والثّانِي: جَنى عَلَيْهِمُ الإثْمُ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.

فَأمّا "الأوْلَيانِ"، فَقالَ الأخْفَشُ: الأوْلَيانِ: اثْنانِ، واحِدُهُما: الأوْلى، والجَمْعُ: الأوْلَوْنَ.

ثُمَّ لِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِما قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُما أوْلِياءُ المَيِّتِ، قالَهُ الجُمْهُورُ.

قالَ الزَّجّاجُ: " الأوْلَيانِ " في قَوْلِ أكْثَرِ البَصْرِيِّينَ يَرْتَفِعانِ عَلى البَدَلِ مِمّا في "يَقُومانِ" والمَعْنى: فَلْيَقُمِ الأوْلَيانِ بِالمَيِّتِ مَقامَ هَذَيْنِ الخائِنَيْنِ.

وقالَ أبُو عَلِيٍّ: لا يَخْلُو الأوْلَيانِ أنْ يَكُونَ ارْتِفاعُهُما عَلى الِابْتِداءِ، أوْ يَكُونُ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، كَأنَّهُ قالَ: فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما، هُما الأوْلَيانِ، أوْ يَكُونُ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي في "يَقُومانِ" .

والتَّقْدِيرُ: فَيَقُومُ الأوْلَيانِ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ "الأوْلَيانِ": هُما الذِّمِّيّانِ، والمَعْنى: أنَّهُما الأوْلَيانِ بِالخِيانَةِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: يَقُومانِ، إلّا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمْ.

قالَ الشّاعِرُ: فَلَيْتَ لَنا مِن ماءِ زَمْزَمَ شَرْبَةً مُبَرَّدَةً باتَتْ عَلى طَهَيانِ أيْ: بَدَلًا مِن ماءِ زَمْزَمَ.

ورَوى قُرَّةُ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ، وعاصِمٌ: "اسْتَحَقَّ" بِفَتْحِ التّاءِ والحاءِ "الأوْلَيانِ" عَلى التَّثْنِيَةِ، والمَعْنى: اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ بِالمَيِّتِ وصِيَّتَهُ الَّتِي أوْصى بِها، فَحَذَفَ المَفْعُولَ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: "اسْتُحِقَّ" بِرَفْعِ التّاءِ، وكَسْرِ الحاءِ، "الأوَّلِينَ" بِكَسْرِ اللّامِ، وفَتْحِ النُّونِ عَلى الجُمَعِ، والتَّقْدِيرِ: مِنَ الأوَّلِينَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ فِيهِمُ الإثْمَ، أيْ: جُنِيَ عَلَيْهِمْ، لِأنَّهم كانُوا أوَّلِينَ في الذِّكْرِ.

ألا تَرى أنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ ﴿ ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ ﴾ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ ﴾ ورَوى الحَلَبِيُّ عَنْ عَبْدِ الوارِثِ "الأوَّلَيْنِ" بِفَتْحِ الواوِ وتَشْدِيدِها، وفَتْحِ اللّامِ، وسُكُونِ الياءِ، وكَسْرِ النُّونِ، وهي تَثْنِيَةُ: أوَّلَ.

وقَرَأ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: "اسْتَحَقَّ" بِفَتْحِ التّاءِ والحاءِ، "الأوَّلُونَ" تَثْنِيَةُ "أوَّلَ" عَلى البَدَلِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ فَآخَرانِ ﴾ .

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أشْبَهُ الأقْوالِ بِالآيَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى أرادَ أنْ يُعَرِّفَنا كَيْفَ يُشْهَدُ بِالوَصِيَّةِ عِنْدَ حُضُورِ المَوْتِ، فَقالَ: ﴿ ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ ﴾ أيْ: عَدْلانِ مِنَ المُسْلِمِينَ [تُشْهِدُونَهُما عَلى الوَصِيَّةِ]، وعَلِمَ أنَّ مِنَ النّاسِ مَن يُسافِرُ فَيَصْحَبُهُ في سَفَرِهِ أهْلُ الكِتابِ دُونَ المُسْلِمِينَ، ويَنْزِلُ القَرْيَةَ الَّتِي لا يَسْكُنُها غَيْرُهم، ويَحْضُرُهُ المَوْتُ، فَلا يَجِدُ مِن يُشْهِدُهُ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَقالَ: ﴿ أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ ﴾ ، أيْ: مِن غَيْرِ أهْلِ دِينِكم، [ ( إذا ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ ) أيْ: سافَرْتُمْ ﴿ فَأصابَتْكم مُصِيبَةُ المَوْتِ ﴾ وتَمَّ الكَلامُ.

فالعَدْلانِ مِنَ المُسْلِمِينَ لِلْحَضَرِ والسَّفَرِ خاصَّةً إنْ أمْكَنَ إشْهادُهُما في السَّفَرِ] والذِّمِّيّانِ في السَّفَرِ خاصَّةً إذا لَمْ يُوجَدُ غَيْرُهُما [ثُمَّ قالَ] ﴿ تَحْبِسُونَهُما مِن بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ إنِ ارْتَبْتُمْ ﴾ أرادَ: تَحْبِسُونَهُما مِن بَعْدِ صَلاةِ العَصْرِ إنِ ارْتَبْتُمْ في شَهادَتِهِما، وخَشِيتُمْ أنْ يَكُونا قَدْ خانا، أوْ بَدَّلا، فَإذا حَلَفا، مَضَتْ شَهادَتُهُما.

فَإنْ عُثِرَ [بَعْدَ هَذِهِ اليَمِينِ] أيْ: ظَهَرَ عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا، أيْ: حَنِثا في اليَمِينِ بِكَذِبٍ [فِي قَوْلٍ] أوْ خِيانَةٍ [فِي ودِيعَةٍ]، فَآخَرانِ، أيْ: قامَ في اليَمِينِ مَقامَهُما رَجُلانِ مِن قَرابَةِ المَيِّتِ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ مِنهُمُ الأوْلَيانِ، وهُما الوَلِيّانِ، يُقالُ: هَذا الأوْلى بِفُلانٍ، ثُمَّ يُحْذَفُ مِنَ الكَلامِ "بِفُلانٍ"، فَيُقالُ: هَذا الأوْلى، وهَذانِ الأوْلَيانِ، و "عَلَيْهِمْ" بِمَعْنى: "مِنهُمْ" .

فَيَحْلِفانِ بِاللَّهِ: لَقَدْ ظَهَرْنا عَلى خِيانَةِ الذِّمِّيَّيْنِ، وكَذِبِهِما، وما اعْتَدَيْنا عَلَيْهِما، ولَشَهادَتُنا أصَحُّ، لِكُفْرِهِما وإيمانِنا، فَيَرْجِعُ عَلى الذِّمِّيَّيْنِ بِما اخْتانا، ويُنْقَضُ ما مَضى مِنَ الحُكْمِ بِشَهادَتِهِما تِلْكَ.

وقالَ غَيْرُهُ: لَشَهادَتُنا، أيْ: لَيَمِينُنا أحَقُّ، وسُمِّيَتِ اليَمِينُ شَهادَةً، لِأنَّها كالشَّهادَةِ عَلى ما يُحْلَفُ عَلَيْهِ أنَّهُ كَذَلِكَ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قامَ عَمْرُو بْنُ العاصِ، والمَطَّلِبُ بْنُ أبِي وداعَةَ السَّهْمِيّانِ، فَحَلَفا بِاللَّهِ، ودَفَعَ الإناءَ إلَيْهِما وإلى أوْلِياءِ المَيِّتِ.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.6 / 29.5
الإضاءة 31%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله