تفسير سورة المائدة الآية ٥ عند زاد المسير

الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > سورة 5 المائدة > الآية ٥

ٱلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَـٰتُ ۖ وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ حِلٌّۭ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّۭ لَّهُمْ ۖ وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَـٰفِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِىٓ أَخْدَانٍۢ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِٱلْإِيمَـٰنِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُۥ وَهُوَ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ ٥

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 7 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اليَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ ﴾ قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: يَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِاليَوْمِ اليَوْمَ الَّذِي أُنْزِلَتْ فِيهِ الآيَةُ، ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ اليَوْمَ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿ اليَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ ﴾ ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ ﴾ ، وقِيلَ: لَيْسَ بِيَوْمٍ مُعَيَّنٍ.

وقَدْ سَبَقَ الكَلامُ في "الطَّيِّباتِ" وإنَّما كَرَّرَ إحْلالَها تَأْكِيدًا.

فَأمّا أهْلُ الكِتابِ، فَهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى.

وطَعامُهُمْ: ذَبائِحُهم، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والجَماعَةِ.

وإنَّما أُرِيدَ بِها الذَّبائِحُ خاصَّةً، لِأنَّ سائِرَ طَعامِهِمْ لا يَخْتَلِفُ بِمَن تَوَلّاهُ مِن مَجُوسِيٍّ وكِتابِيٍّ، وإنَّما الذَّكاةُ تَخْتَلِفُ، فَلَمّا خَصَّ أهْلَ الكِتابِ بِذَلِكَ، دَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ الذَّبائِحُ، فَأمّا ذَبائِحُ المَجُوسِ، فَأجْمَعُوا عَلى تَحْرِيمِها.

واخْتَلَفُوا في ذَبائِحِ مَن دانَ بِاليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ مِن عَبَدَةِ الأوْثانِ، فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ ذَبائِحِ نَصارى العَرَبِ، فَقالَ: لا بَأْسَ بِها، وتَلا قَوْلَهُ: ﴿ وَمَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَإنَّهُ مِنهُمْ  ﴾ وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وعَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ، والشَّعْبِيِّ، وعِكْرِمَةَ، وقَتادَةَ، والزُّهْرِيِّ، والحَكَمِ، وحَمّادٍ.

وقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلَيٍّ، وابْنِ مَسْعُودٍ في آخَرِينَ أنَّ ذَبائِحَهم لا تَحِلُّ.

ونَقَلَ الخَرْقِيُّ عَنْ أحْمَدَ في نَصارى بَنِي تَغْلِبَ رِوايَتَيْنِ.

إحْداهُما: تُباحُ ذَبائِحُهم، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ، ومالِكٍ.

والثّانِيَةُ: لا تُباحُ.

وقالَ الشّافِعِيُّ: مَن دَخَلَ في دِينِ أهْلِ الكِتابِ بَعْدَ نُزُولِ القُرْآنِ، لَمْ يُبَحْ أكْلُ ذَبِيحَتِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَطَعامُكم حِلٌّ لَهُمْ ﴾ أيْ: وذَبائِحُكم لَهم حَلالٌ، فَإذا اشْتَرَوْا مِنّا شَيْئًا كانَ الثَّمَنُ لَنا حَلالًا، واللَّحْمُ لَهم حَلالًا.

قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: أحَلَّ لَكم أنْ تُطْعِمُوهم.

* فَصْلٌ وَقَدْ زَعَمَ قَوْمٌ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ اقْتَضَتْ إباحَةَ ذَبائِحِ أهْلِ الكِتابِ مُطْلَقًا وإنْ ذَكَرُوا غَيْرَ اسْمِ اللَّهِ عَلَيْها، فَكانَ هَذا ناسِخًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ  ﴾ والصَّحِيحُ أنَّها أطْلَقَتْ إباحَةَ ذَبائِحِهِمْ، لِأنَّ الأصْلَ أنَّهم يَذْكُرُونَ اللَّهَ، فَيُحْمَلُ أمْرُهم عَلى هَذا.

فَإنْ تَيَقَّنّا أنَّهم ذَكَرُوا غَيْرَهُ، فَلا نَأْكُلْ، ولا وجْهَ لِلنَّسَخِ، وإلى هَذا الَّذِي قُلْتُهُ ذَهَبَ عَلِيٌّ، وابْنُ عُمَرَ، وعُبادَةُ، وأبُو الدَّرْداءِ، والحَسَنُ في جَماعَةٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والمُحْصَناتُ مِنَ المُؤْمِناتِ ﴾ فِيهِنَّ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: العَفائِفُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: الحَرائِرُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: الحَرائِرُ أيْضًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: العَفائِفُ، قالَهُ الحَسَنُ، والشَّعْبِيُّ، والنَّخْعِيُّ، والضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ.

فَعَلى هَذا القَوْلِ؛ يَجُوزُ تَزْوِيجُ الحُرَّةِ مِنهُنَّ والأمَةِ.

* فَصْلٌ وَهَذِهِ الآيَةُ أباحَتْ نِكاحَ الكِتابِيَّةِ.

وقَدْ رُوِيَ عَنْ عُثْمانَ أنَّهُ تَزَوَّجَ نائِلَةَ بِنْتَ الفَرافِصَةِ عَلى نِسائِهِ وهي نَصْرانِيَّةٌ.

وعَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ: أنَّهُ تَزَوَّجَ يَهُودِيَّةً.

وقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمْرَ، وابْنِ عُمَرَ كَراهَةَ ذَلِكَ.

واخْتَلَفُوا في نِكاحِ الكِتابِيَّةِ الحَرْبِيَّةِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا تَحِلُّ، والجُمْهُورُ عَلى خِلافِهِ، وإنَّما كَرِهُوا ذَلِكَ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ يُوادُّونَ مَن حادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ  ﴾ والنِّكاحُ يُوجِبُ الوُدَّ.

واخْتَلَفُوا في نِكاحِ نِساءِ تَغْلِبَ، فَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الحَظْرُ، وبِهِ قالَ جابِرُ بْنُ زَيْدٍ، والنَّخْعِيُّ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ الإباحَةُ.

وعَنْ أحْمَدَ رِوايَتانِ.

واخْتَلَفُوا في إماءِ أهْلِ الكِتابِ، فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، ومُجاهِدٍ: أنَّهُ لا يَجُوزُ نِكاحُهُنَّ، وبِهِ قالَ الأوْزاعِيُّ، ومالِكٌ، واللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، والشّافِعِيُّ، وأصْحابُنا.

ورُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ، وأبِي مَيْسَرَةَ: جَوازُ ذَلِكَ، وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ.

فَأمّا المَجُوسُ، فالجُمْهُورُ عَلى أنَّهم لَيْسُوا بِأهْلِ كِتابٍ، وقَدْ شَذَّ مَن قالَ: إنَّهم أهْلُ كِتابٍ، ويُبْطِلُ قَوْلَهم قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: « "سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أهْلِ الكِتابِ" .» فَأمّا "الأُجُورُ" و "الإحْصانُ" و "السِّفاحُ" و "الأخْدانُ" فَقَدْ سَبَقَ في سُورَةِ (النِّساءِ) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يَكْفُرْ بِالإيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ ﴾ سَبَبُ نُزُولِ هَذا الكَلامِ: أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا رَخَّصَ في نِكاحِ الكِتابِيّاتِ قُلْنَ بَيْنَهُنَّ: لَوْلا أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ رَضِيَ عَلَيْنا، لَمْ يُبِحْ لِلْمُؤْمِنِينَ تَزْوِيجَنا، وقالَ المُسْلِمُونَ: كَيْفَ يَتَزَوَّجُ الرَّجُلُ مِنّا الكِتابِيَّةَ، ولَيْسَتْ عَلى دِينِنا، فَنَزَلَتْ: ﴿ وَمَن يَكْفُرْ بِالإيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ ﴾ رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقالَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ: نَزَلَتْ فِيما أحْصَنَ المُسْلِمُونَ مِن نِساءِ أهْلِ الكِتابِ، يَقُولُ: لَيْسَ إحْصانُ المُسْلِمِينَ إيّاهُنَّ بِالَّذِي يُخْرِجُهُنَّ مِنَ الكُفْرِ.

ورَوى لَيْثٌ عَنْ مُجاهِدٍ: ومَن يَكْفُرُ بِالإيمانِ، قالَ: الإيمانُ بِاللَّهِ تَعالى.

قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى الآيَةِ: مَن أحَلَّ ما حَرَّمَ اللَّهُ، أوْ حَرَّمَ ما أحَلَّهُ اللَّهُ، فَهو كافِرٌ.

وقالَ أبُو سُلَيْمانَ: مَن جَحَدَ ما أنْزَلَهُ اللَّهُ مِن شَرائِعِ الإيمانِ، وعَرَّفَهُ مِنَ الحَلالِ والحَرامِ، فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ المُتَقَدِّمُ.

وسَمِعْتُ الحَسَنَ بْنَ أبِي بَكْرٍ النَّيْسابُورِيَّ الفَقِيهَ يَقُولُ: إنَّما أباحَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ الكِتابِيّاتِ، لِأنَّ بَعْضَ المُسْلِمِينَ قَدْ يُعْجِبُهُ حُسْنُهُنَّ، فَحَذَّرَ ناكِحَهُنَّ مِنَ المَيْلِ إلى دِينِهِنَّ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَمَن يَكْفُرْ بِالإيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله