الإسلام > القرآن > سور > سورة 5 المائدة > الآية ٥ من سورة المائدة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 232 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٥ من سورة المائدة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
لما ذكر تعالى ما حرمه على عباده المؤمنين من الخبائث ، وما أحله لهم من الطيبات ، قال بعده : ( اليوم أحل لكم الطيبات ) ثم ذكر حكم ذبائح أهل الكتابين من اليهود والنصارى فقال : ( وطعام الذين أوتوا الكتب حل لكم ) قال ابن عباس وأبو أمامة ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة وعطاء والحسن ومكحول وإبراهيم النخعي والسدي ومقاتل بن حيان : يعني ذبائحهم .
وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء ؛ أن ذبائحهم حلال للمسلمين ; لأنهم يعتقدون تحريم الذبح لغير الله ، ولا يذكرون على ذبائحهم إلا اسم الله ، وإن اعتقدوا فيه تعالى ما هو منزه عن قولهم ، تعالى وتقدس .
وقد ثبت في الصحيح عن عبد الله بن مغفل قال : دلي بجراب من شحم يوم خيبر .
[ قال ] فاحتضنته وقلت : لا أعطي اليوم من هذا أحدا ، والتفت فإذا النبي صلى الله عليه وسلم يتبسم .
فاستدل به الفقهاء على أنه يجوز تناول ما يحتاج إليه من الأطعمة ونحوها من الغنيمة قبل القسمة ، وهذا ظاهر .
واستدل به الفقهاء الحنفية والشافعية والحنابلة على أصحاب مالك في منعهم أكل ما يعتقد اليهود تحريمه من ذبائحهم ، كالشحوم ونحوها مما حرم عليهم .
فالمالكية لا يجوزون للمسلمين أكله ; لقوله تعالى : ( وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم ) قالوا : وهذا ليس من طعامهم .
واستدل عليهم الجمهور بهذا الحديث ، وفي ذلك نظر ; لأنه قضية عين ، ويحتمل أنه كان شحما يعتقدون حله ، كشحم الظهر والحوايا ونحوهما ، والله أعلم .
وأجود منه في الدلالة ما ثبت في الصحيح : أن أهل خيبر أهدوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم شاة مصلية ، وقد سموا ذراعها ، وكان يعجبه الذراع ، فتناوله فنهش منه نهشة ، فأخبره الذراع أنه مسموم ، فلفظه وأثر ذلك السم في ثنايا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي أبهره ، وأكل معه منها بشر بن البراء بن معرور ; فمات ، فقتل اليهودية التي سمتها ، وكان اسمها زينب فقتلت ببشر بن البراء .
ووجه الدلالة منه أنه عزم على أكلها ومن معه ، ولم يسألهم هل نزعوا منها ما يعتقدون تحريمه من شحمها أم لا .
وفي الحديث الآخر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أضافه يهودي على خبز شعير وإهالة سنخة ، يعني : ودكا زنخا وقال ابن أبي حاتم : قرئ على العباس بن الوليد بن مزيد ، أخبرنا محمد بن شعيب ، أخبرني النعمان بن المنذر ، عن مكحول قال : أنزل الله : ( ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ) [ الأنعام : 121 ] ثم نسخها الرب ، عز وجل ، ورحم المسلمين ، فقال : ( اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم ) فنسخها بذلك ، وأحل طعام أهل الكتاب .
وفي هذا الذي قاله مكحول - رحمه الله - نظر ، فإنه لا يلزم من إباحته طعام أهل الكتاب إباحة أكل ما لم يذكر اسم الله عليه ; لأنهم يذكرون اسم الله على ذبائحهم وقرابينهم ، وهم متعبدون بذلك ; ولهذا لم يبح ذبائح من عداهم من أهل الشرك ومن شابههم ، لأنهم لم يذكروا اسم الله على ذبائحهم ، بل ولا يتوقفون فيما يأكلونه من اللحم على ذكاة ، بل يأكلون الميتة ، بخلاف أهل الكتابين ومن شاكلهم من السامرة والصابئة ومن تمسك بدين إبراهيم وشيث وغيرهما من الأنبياء ، على أحد قولي العلماء ، ونصارى العرب كبني تغلب وتنوخ وبهراء وجذام ولخم وعاملة ومن أشبههم ، لا تؤكل ذبائحهم عند الجمهور .
[ و ] قال أبو جعفر بن جرير : حدثنا يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا ابن علية ، عن أيوب عن محمد بن عبيدة قال : قال علي : لا تأكلوا ذبائح بني تغلب ; لأنهم إنما يتمسكون من النصرانية بشرب الخمر .
وكذا قال غير واحد من الخلف والسلف .
وقال سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة عن سعيد بن المسيب والحسن أنهما كانا لا يريان بأسا بذبيحة نصارى بني تغلب .
وأما المجوس فإنهم وإن أخذت منهم الجزية تبعا وإلحاقا لأهل الكتاب فإنهم لا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم ، خلافا لأبي ثور إبراهيم بن خالد الكلبي ، أحد الفقهاء من أصحاب الشافعي وأحمد بن حنبل ، ولما قال ذلك واشتهر عنه أنكر عليه الفقهاء ذلك ، حتى قال عنه الإمام أحمد : أبو ثور كاسمه !
يعني في هذه المسألة ، وكأنه تمسك بعموم حديث روي مرسلا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " سنوا بهم سنة أهل الكتاب " ، ولكن لم يثبت بهذا اللفظ ، وإنما الذي في صحيح البخاري : عن عبد الرحمن بن عوف ; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس هجر ولو سلم صحة هذا الحديث ، فعمومه مخصوص بمفهوم هذه الآية : ( وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم ) فدل بمفهومه - مفهوم المخالفة - على أن طعام من عداهم من أهل الأديان لا يحل وقوله : ( وطعامكم حل لهم ) أي : ويحل لكم أن تطعموهم من ذبائحكم ، وليس هذا إخبارا عن الحكم عندهم ، اللهم إلا أن يكون خبرا عما أمروا به من الأكل من كل طعام ذكر اسم الله عليه ، سواء كان من أهل ملتهم أو غيرها .
والأول أظهر في المعنى ، أي : ولكم أن تطعموهم من ذبائحكم كما أكلتم من ذبائحهم .
وهذا من باب المكافأة والمقابلة والمجازاة ، كما ألبس النبي صلى الله عليه وسلم ثوبه لعبد الله بن أبي ابن سلول حين مات ودفنه فيه ، قالوا : لأنه كان قد كسا العباس حين قدم المدينة ثوبه ، فجازاه النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بذلك ، فأما الحديث الذي فيه : " لا تصحب إلا مؤمنا ، ولا يأكل طعامك إلا تقي " فمحمول على الندب والاستحباب ، والله أعلم .
وقوله : ( والمحصنات من المؤمنات ) أي : وأحل لكم نكاح الحرائر العفائف من النساء المؤمنات ، وذكر هذا توطئة لما بعده ، وهو قوله : ( والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ) فقيل : أراد بالمحصنات : الحرائر دون الإماء ، حكاه ابن جرير عن مجاهد .
وإنما قال مجاهد : المحصنات : الحرائر ، فيحتمل أن يكون أراد ما حكاه عنه ، ويحتمل أن يكون أراد بالحرة العفيفة ، كما قاله مجاهد في الرواية الأخرى عنه .
وهو قول الجمهور هاهنا ، وهو الأشبه ; لئلا يجتمع فيها أن تكون ذمية وهي مع ذلك غير عفيفة ، فيفسد حالها بالكلية ، ويتحصل زوجها على ما قيل في المثل : " حشفا وسوء كيلة " .
والظاهر من الآية أن المراد بالمحصنات : العفيفات عن الزنا ، كما قال في الآية الأخرى : ( محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان ) [ النساء : 25 ] .
ثم اختلف المفسرون والعلماء في قوله : ( والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ) هل يعم كل كتابية عفيفة ، سواء كانت حرة أو أمة؟
حكاه ابن جرير عن طائفة من السلف ، ممن فسر المحصنة بالعفيفة .
وقيل : المراد بأهل الكتاب هاهنا الإسرائيليات ، وهو مذهب الشافعي .
وقيل : المراد بذلك : الذميات دون الحربيات ; لقوله : ( قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر [ ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ] ) [ التوبة : 29 ] وقد كان عبد الله بن عمر لا يرى التزويج بالنصرانية ، ويقول : لا أعلم شركا أعظم من أن تقول : إن ربها عيسى وقد قال الله تعالى : ( ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ) الآية [ البقرة : 221 ] .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا محمد بن حاتم بن سليمان المؤدب ، حدثنا القاسم بن مالك - يعني المزني - حدثنا إسماعيل بن سميع ، عن أبي مالك الغفاري ، عن ابن عباس قال : لما نزلت هذه الآية : ( ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ) قال : فحجز الناس عنهن حتى نزلت التي بعدها : ( والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ) فنكح الناس [ من ] نساء أهل الكتاب .
وقد تزوج جماعة من الصحابة من نساء النصارى ولم يروا بذلك بأسا ، أخذا بهذه الآية الكريمة : ( والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ) فجعلوا هذه مخصصة للآية التي في البقرة : ( ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ) [ الآية : 221 ] إن قيل بدخول الكتابيات في عمومها ، وإلا فلا معارضة بينها وبينها ; لأن أهل الكتاب قد يفصل في ذكرهم عن المشركين في غير موضع ، كما قال تعالى : ( لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة ) [ البينة : 1 ] وكقوله ( وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا ) الآية [ آل عمران : 20 ] ، وقوله : ( إذا آتيتموهن أجورهن ) أي : مهورهن ، أي : كما هن محصنات عفائف ، فابذلوا لهن المهور عن طيب نفس .
وقد أفتى جابر بن عبد الله وإبراهيم النخعي وعامر الشعبي والحسن البصري بأن الرجل إذا نكح امرأة فزنت قبل دخوله بها أنه يفرق بينه وبينها ، وترد عليه ما بذل لها من المهر .
رواه ابن جرير عنهم .
وقوله : ( محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان ) فكما شرط الإحصان في النساء ، وهي العفة عن الزنا ، كذلك شرطها في الرجال وهو أن يكون الرجل أيضا محصنا عفيفا ; ولهذا قال : ( غير مسافحين ) وهم : الزناة الذين لا يرتدعون عن معصية ، ولا يردون أنفسهم عمن جاءهم ، ( ولا متخذي أخدان ) أي : ذوي العشيقات الذين لا يفعلون إلا معهن ، كما تقدم في سورة النساء سواء ; ولهذا ذهب الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله - إلى أنه لا يصح نكاح المرأة البغي حتى تتوب ، وما دامت كذلك لا يصح تزويجها من رجل عفيف ، وكذلك لا يصح عنده عقد الرجل الفاجر على عفيفة حتى يتوب ويقلع عما هو فيه من الزنا ; لهذه الآية وللحديث الآخر : " لا ينكح الزاني المجلود إلا مثله .
" وقال ابن جرير : حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا سليمان بن حرب ، حدثنا أبو هلال ، عن قتادة ، عن الحسن قال : قال عمر بن الخطاب [ رضي الله عنه ] لقد هممت ألا أدع أحدا أصاب فاحشة في الإسلام أن يتزوج محصنة .
فقال له أبي بن كعب : يا أمير المؤمنين ، الشرك أعظم من ذلك ، وقد يقبل منه إذا تاب .
وسيأتي الكلام على هذه المسألة مستقصى [ إن شاء الله تعالى ] عند قوله : ( الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين ) [ النور : 3 ] ; ولهذا قال تعالى هاهنا : ( ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين )
القول في تأويل قوله : الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " اليوم أحل لكم الطيبات "، اليوم أحل لكم، أيها المؤمنون، الحلالُ من الذبائح والمطاعم دون الخبائث منها.
وقوله: " وطعام الذين أوتوا الكتاب حلٌّ لكم "، وذبائحُ أهل الكتاب من &; 9-573 &; اليهود والنصارى = وهم الذين أوتوا التوراة والإنجيل وأنـزل عليهم, فدانُوا بهما أو بأحدهما =" حل لكم " (176) يقول: حلالٌ لكم، أكله دون ذبائح سائر أهل الشرك الذين لا كتاب لهم من مشركي العرب وعبدة الأوثان والأصنام.
فإن من لم يكن منهم مِمَّن أقرَّ بتوحيد الله عزَّ ذكره ودان دين أهل الكتاب, فحرام عليكم ذبائحهم.
* * * ثم اختلف فيمن عنى الله عز ذكره بقوله: " وطعام الذين أوتوا الكتاب "، من أهل الكتاب.
فقال بعضهم: عنى الله بذلك ذبيحة كل كتابي ممن أنـزل عليه التوراة والإنجيل, أو ممن دخل في مِلَّتهم فدان دينهم، وحرَّم ما حرَّموا، وحلَّل ما حللوا، منهم ومن غيرهم من سائر أجناس الأمم.
*ذكر من قال ذلك: 11220- حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب قال، حدثنا عبد الواحد قال، حدثنا خصيف قال، حدثنا عكرمة قال، سئل ابن عباس عن ذبائح نصارى بني تغلب, فقرأ هذه الآية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ إلى قوله: وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ، الآية [سورة المائدة: 51] .
(177) 11221- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان: عن عاصم الأحول, عن عكرمة, عن ابن عباس, مثله.
11222- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا ابن عثمة قال، حدثنا سعيد بن بشر, عن قتادة, عن الحسن وعكرمة: أنهما كانا لا يريان بأسًا بذبائح نصارى بني تغلب، وبتزوُّج نسائهم, ويتلوان: وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ .
11223- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا ابن أبي عدي, عن سعيد, عن قتادة, عن الحسن وسعيد بن المسيب: أنهما كانا لا يريان بأسًا بذبيحة نصارى بني تغلب.
11224- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, عن أبي حصين, عن الشعبي: أنه كان لا يرى بأسًا بذبائح نصارى بني تغلب, وقرأ: وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ، [سورة مريم: 64].
11225- حدثني ابن بشار وابن المثنى قالا حدثنا أبو عاصم قال، أخبرنا ابن جريج قال، حدثني ابن شهاب عن ذبيحة نصارى العرب, قال.
تؤكل من أجل أنهم في الدين أهلُ كتاب, ويذكرون اسمَ الله.
11226- حدثنا ابن بشار وابن المثنى قالا حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا ابن جريج قال، قال عطاء: إنما يقرُّون بدين ذلك الكتاب.
(178) 11227- حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية قال، حدثنا شعبة قال: سألت الحكم وحمادًا وقتادة عن ذبائح نصارى بني تغلب, فقالوا: لا بأس بها.
قال: وقرأ الحكم: وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلا أَمَانِيَّ ، [سورة البقرة: 78].
11228- حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج قال، حدثنا حماد, عن عطاء بن السائب, عن عكرمة, عن ابن عباس قال: كلوا من ذبائح بني تغلب, وتزوَّجوا من نسائهم, فإن الله قال في كتابه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ [سورة المائدة: 51]، فلو لم يكونوا منهم إلا بالولاية، لكانوا منهم.
&; 9-575 &; 11229- حدثني يعقوب بن إبراهيم, قال، حدثنا ابن علية, عن ابن أبي عروبة, عن قتادة: أن الحسن كان لا يرى بأسًا بذبائح نصارى بني تغلب, وكان يقول: انتحلوا دينًا، فذاك دينهم.
* * * وقال آخرون: إنما عنى بالذين أوتوا الكتاب في هذه الآية, الذين أنـزل عليهم التوراة والإنجيل من بني إسرائيل وأبنائهم, فأما من كان دخيلا فيهم من سائر الأمم ممن دان بدينهم وهم من غير بني إسرائيل, فلم يعن بهذه الآية، وليس هو ممن يحل أكل ذبائحه، لأنه ليس ممن أوتي الكتاب من قَبْل المسلمين.
وهذا قول كان محمد بن إدريس الشافعي يقوله = حدثنا بذلك عنه الربيع = ويتأول في ذلك قول من كره ذبائح نصارى العرب من الصحابة والتابعين.
(179) * * * ذكر من حرَّم ذبائح نصارى العرب.
11230- حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية, عن أيوب, عن محمد, عن عبيدة قال، قال علي رضوان الله عليه: لا تأكلوا ذبائح نصارى بني تغلب, فإنهم إنما يتمسكون من النصرانية بشرب الخمر.
(180) 11231- حدثنا يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا هشام, عن ابن سيرين, عن عبيدة, عن علي قال: لا تأكلوا ذبائح نصارى بني تغلب, فإنهم لم يتمسكوا بشيء من النصرانية إلا بشرب الخمر.
11232- حدثنا الحسن بن عرفة قال، حدثنا عبد الله بن بكر قال، حدثنا هشام, عن محمد بن سيرين, عن عبيدة قال: سألت عليًّا عن ذبائح نصارى العرب, فقال: لا تؤكل ذبائحهم, فإنهم لم يتعلَّقوا من دينهم إلا بشرب الخمر.
11233- حدثني علي بن سعيد الكندي قال، حدثنا علي بن عابس, عن عطاء بن السائب, عن أبي البختري قال: نهانا عليٌّ عن ذبائح نصارى العرب.
(181) 11234- حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة, عن أبي حمزة القصاب قال: سمعت محمد بن علي يحدث، عن علي: أنه كان يكره ذبائح نصارى بني تغلب.
11235- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن ليث, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس قال، لا تأكلوا ذبائح نصارى العرب، وذبائح نصارى أرْمينية.
* * * قال أبو جعفر: وهذه الأخبار عن عليّ رضوان الله عليه, إنما تدل على أنه كان ينهى عن ذبائح نصارى بني تغلب، من أجل أنهم ليسوا على النصرانية, لتركهم تحليل ما تحلِّل النصارى، وتحريم ما تُحَرّم، غير الخمر.
ومن كان منتحلا (182) ملّة هو غير متمسك منها بشيء فهو إلى البراءة منها أقرب منه إلى اللحاق بها وبأهلها.
(183) فلذلك نهى عليٌّ عن أكل ذبائح نصارى بني تغلب, لا من أجل أنهم ليسوا من بني إسرائيل.
فإذ كان ذلك كذلك, وكان إجماعًا من الحجة أن لا بأس بذبيحة كل نصرانيّ ويهوديّ دان دين النصرانيّ أو اليهودي (184) فأحل ما أحلُّوا, وحرَّم ما حرموا، &; 9-577 &; من بني إسرائيل كان أو من غيرهم = (185) فبيِّنٌ خطأ ما قال الشافعي في ذلك، وتأويله الذي تأوّله في قوله: " وطعام الذين أوتوا الكتاب حِلٌّ لكم "، أنه ذبائح الذين أوتوا الكتابَ التوراةَ والإنجيلَ من بني إسرائيل = (186) وصوابُ ما خالف تأويله ذلك, وقولِ من قال: إن كل يهودي ونصراني فحلال ذبيحتُه، من أيِّ أجناس بني آدم كان.
* * * وأمَّا " الطعام " الذي قال الله: " وطعام الذين أوتوا الكتاب "، فإنه الذبائح.
* * * وبمثل ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك: 11236- حدثنا أبو كريب وابن وكيع قالا حدثنا ابن إدريس, عن ليث, عن مجاهد: " وطعام الذين أوتوا الكتاب حلّ لكم "، قال: الذبائح.
11237- حدثنا ابن حميد قال: حدثنا حكام, عن عنبسة, عن محمد بن عبد الرحمن, عن القاسم بن أبي بزة, عن مجاهد في قوله: " وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم "، قال: ذبائحهم.
11238- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, عن ليث, عن مجاهد, مثله.
11239- حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو نعيم وقبيصة قالا حدثنا سفيان, عن ليث, عن مجاهد, مثله.
11240- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا إسحاق بن سليمان الرازي, عن أبي سنان, عن ليث, عن مجاهد, مثله.
(187) 11241- حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم, عن عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله.
11242- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة, قال: حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم "، قال: ذبيحة أهل الكتاب.
11243- حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم, عن مغيرة, عن إبراهيم في قوله: " وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم "، قال: ذبائحهم.
11244- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن المغيرة, عن إبراهيم, بمثله.
11245- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن مغيرة, عن إبراهيم, مثله.
11246- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري, عن مغيرة, عن إبراهيم, مثله.
11247- حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو نعيم وقبيصة قالا حدثنا سفيان, عن مغيرة, عن إبراهيم، مثله.
11248- حدثنا المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: " وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم "، قال: ذبائحهم.
11249- حدثني المثنى قال، حدثنا المعلى بن أسد قال، حدثنا خالد, عن يونس, عن الحسن, مثله.
(188) 11250- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: " وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم "، أي: ذبائحهم.
11251- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم "، أما طعامهم، فهو الذبائح.
11252- حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ يقول، حدثنا عبيد قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: " وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم "، قال: أحل الله لنا طعامهم ونساءَهم.
11253- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: أما قوله: " وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم "، فإنه أحلَّ لنا طعامهم ونساءهم.
11254- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، سألته = يعني ابن زيد = (189) عما ذبح للكنائس وسُمِّي عليها، فقال: أحل الله لنا طعام أهل الكتاب, ولم يستثن منه شيئًا.
11255- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، حدثني معاوية, عن أبي الزاهرية حدير بن كريب, = عن أبي الأسود, عن عُمَير بن الأسود: أنه سأل أبا الدرداء عن كبش ذُبح لكنيسة يقال لها " جرجس "، أهدوه لها, أنأكل منه؟
فقال أبو الدرداء: اللهم عفوًا!
إنما هم أهل كتاب, طعامهم حلٌّ لنا، وطعامنا حل لهم!
وأمره بأكله.
(190) وأما قوله: " وطعامكم حل لهم "، فإنه يعني: ذبائحكم، أيها المؤمنون، حِلٌّ لأهل الكتاب.
* * * القول في تأويل قوله : وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " والمحصنات من المؤمنات "، أحل لكم، أيها المؤمنون، المحصنات من المؤمنات = وهن الحرائر منهن (191) = أن تنكحوهن =" والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم "، يعني: والحرائر من الذين أعطوا الكتاب (192) وهم اليهود والنصارى الذين دانوا بما في التوراة والإنجيل من قبلكم، أيها المؤمنون بمحمد صلى الله عليه وسلم من العرب وسائر الناس, أن تنكحوهن أيضًا =" إذا آتيتموهن أجورهن "، يعني: إذا أعطيتم من نكحتم من محصناتِكم ومحصناتهم (193) =" أجورهن "، وهي مهورُهن.
(194) * * * واختلف أهل التأويل في المحصنات اللاتي عناهن الله عز ذكره بقوله: " والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ".
فقال بعضهم: عنى بذلك الحرائر خَاصة, فاجرةً كانت أو عفيفةً.
وأجاز قائلو هذه المقالة نكاح الحرة، مؤمنة كانت أو كتابية من اليهود والنصارى، من أيِّ أجناس الناس كانت (195) بعد أن تكون كتابية، فاجرة كانت أو عفيفةً.
وحرّموا إماء أهل الكتاب أن يُتَزَوَّجن بكل حال (196) لأن الله جل ثناؤه شرطَ من نكاح الإماء الإيمانَ بقوله: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ، [سورة النساء: 25].
*ذكر من قال ذلك: 11256- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو داود, عن سفيان, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب "، قال: من الحرائر.
11257- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم "، قال: من الحرائر.
11258- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, عن قيس بن مسلم, عن طارق بن شهاب: أن رجلا طلَّق امرأته وخُطِبَت إليه أخته, وكانت قد أحدثت, فأتى عمر فذكر ذلك له منها, فقال عمر: ما رأيت منها؟
قال: ما رأيت منها إلا خيرًا!
فقال: زوِّجها ولا تُخْبِر.
11259- حدثنا ابن أبي الشوارب قال، حدثنا عبد الواحد قال، حدثنا سليمان الشيباني قال، حدثنا عامر قال: زنت امرأة منَّا من همدان, قال: فجلدها مُصَدِّق رسول الله صلى الله عليه وسلم الحدَّ (197) ثم تابت.
فأتوا عمر فقالوا: &; 9-583 &; نـزوّجها، وبئسَ ما كان من أمرها!
قال عمر: لئن بلغني أنكم ذكرتم شيئًا من ذلك، لأعاقبنكم عقوبةً شديدة.
11260- حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة, عن قيس بن مسلم, عن طارق بن شهاب: أن رجلا أراد أن يزوِّج أخته, فقالت: إني أخشى أن أفضَح أبي, فقد بَغَيْتُ!
فأتى عمر، فقال: أليس قد تابت؟
قال: بلى!
قال: فزوّجها.
11261- حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا أبو داود قال، حدثنا شعبة, عن إسماعيل بن أبي خالد, عن الشعبي: أن نُبَيْشة، امرأةً من همدان، بغتْ, فأرادت أن تذبح نفسها, قال: فأدركوها، فداووها فبرئت, فذكروا ذلك لعمر, فقال: انكحوها نكاحَ العفيفة المسلمة.
11262- حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا داود, عن عامر: أن رجلا من أهل اليمن أصابت أختُه فاحشة, فأمرَّت الشَّفرة على أوداجها, فَأُدْرِكت, فدُووِي جُرْحها حتى برئت.
ثم إن عمها انتقل بأهله حتى قدم المدينة, فقرأت القرآن ونَسَكت, حتى كانت من أنسك نسائهم.
فخطبت إلى عمها, وكان يكره أن يدلِّسها, ويكره أن يفشي على ابنة أخيه, فأتى عمر فذكر ذلك له, فقال عمر: لو أفشيت عليها لعاقبتك!
إذا أتاك رجل صالح ترضاه فزوّجها إيّاه.
11263- حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا داود, عن عامر: أن جارية باليمن يقال لها: " نبيشة ", أصابت فاحشة, فذكر نحوه.
11264- حدثنا تميم بن المنتصر قال، أخبرنا يزيد قال، أخبرنا إسماعيل، عن عامر قال: أتى رجل عمر فقال: إن ابنةً لي كانت وُئِدت في الجاهلية, فاستخرجتها قبل أن تموت, فأدركت الإسلام, فلما أسلمت أصابت حدًّا من حدود الله, فعمدتْ إلى الشفرة لتذبح بها نفسها, فأدركتها وقد قطعت بعض أوداجها, فداويتها حتى برئت, ثم إنها أقبلت بتوبة حسنة, فهي تخطب إلَيّ يا أمير المؤمنين, فأخبر من شأنها بالذي كان؟
فقال عمر: أتخبر بشأنها؟
تعمد إلى ما ستره الله فتبديه!
والله لئن أخبرت بشأنها أحدًا من الناس لأجعلنك نَكالا لأهل الأمصار، بل أنكحها بنكاحِ العفيفة المسلمة.
(198) 11265- حدثنا أحمد بن منيع قال، حدثنا مروان, عن إسماعيل, عن الشعبي قال: جاء رجل إلى عمر، فذكر نحوه.
11266- حدثنا مجاهد قال، حدثنا يزيد قال، أخبرنا يحيى بن سعيد, عن أبي الزبير: أن رجلا خطب من رجل أخته, فأخبره أنها قد أحدثتْ.
فبلغ ذلك عمر بن الخطاب, فضرب الرجل وقال: ما لك والخبر!
أنكح واسكُت.
(199) 11267- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا سليمان بن حرب قال، حدثنا أبو هلال, عن قتادة, عن الحسن قال: قال عمر بن الخطاب: لقد هممت أن لا أدع أحدًا أصابَ فاحشة في الإسلام أن يتزوج مُحْصنة!
فقال له أبيّ بن كعب: يا أمير المؤمنين, الشرك أعظم من ذلك, وقد يقبل منه إذا تاب!
* * * وقال آخرون: إنما عنى الله بقوله: " والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم "، العفائفَ من الفريقين, إماءً كنَّ أو حرائر.
فأجاز قائلو هذه المقالة نكاحَ إماء أهل الكتاب الدائنات دينَهم بهذه الآية, وحرَّموا البغايا من المؤمنات وأهل الكتاب.
*ذكر من قال ذلك: 11268- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس, عن ليث, عن مجاهد في قوله: " والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم "، قال: العفائف.
11269- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير, عن ليث, عن مجاهد, مثله.
11270- حدثنا ابن حميد وابن وكيع قالا حدثنا جرير، عن مطرف, عن عامر: " والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم "، قال: إحصان اليهودية والنصرانية: أن لا تزني، وأن تغتَسِل من الجنابة.
11271- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن فضيل, عن مطرف, عن عامر: " والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم "، قال: إحصان اليهودية والنصرانية: أن تغتسل من الجنابة, وأن تحصن فرجَها.
11272- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام, عن عنبسة, عن مطرف, عن رجل, عن الشعبي في قوله: " والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم "، قال: إحصان اليهودية والنصرانية: أن لا تزني, وأن تغتسل من الجنابة.
11273- حدثنا المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم, عن مطرف, عن الشعبي في قوله: " والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم "، قال: إحصانها: أن تغتسل من الجنابة, وأن تحصن فرجها من الزنا.
11274- حدثني المثنى قال، حدثنا معلى بن أسد قال، حدثنا خالد, قال، أخبرنا مطرف، عن عامر, بنحوه.
11275- حدثنا المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك قال: سمعت سفيان يقول في قوله: المحصنات من الذين أوتوا الكتاب)، قال: العفائف.
11276- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم "، قال: أما " المحصنات "، فهنّ العفائف.
11277- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: أن امرأة اتخذت مملوكها (200) وقالت: تأوّلت كتابَ الله: وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ، قال: فأتى بها عمر بن الخطاب, فقال له ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: تأوّلت آية من كتاب الله على غير وجهها.
قال فغَرَّب العبد وجزَّ رأسه.
(201) وقال: أنتِ بعده حرام على كل مسلم.
11278- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة, عن إبراهيم أنه قال: في التي تزني قبل أن يُدْخل بها (202) قال: ليس لها صداق، ويفرَّق بينهما.
11279- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، حدثنا أشعث, عن الشعبي، في البكر تفجُر (203) قال: تضرب مئة سوط, وتنفى سنة, وترُدّ على زوجها ما أخذت منه.
11280- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، حدثنا أشعث, عن أبي الزبير, عن جابر, مثل ذلك.
11281- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، أخبرنا أشعث عن الحسن, مثل ذلك.
11282- حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية, عن يونس: أن الحسن كان يقول: إذا رأى الرجل من امرأته فاحشةً فاستيقن، فإنه لا يمسكها.
11283- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن مغيرة, عن أبي ميسرة قال: مملوكات أهل الكتاب بمنـزلة حرائرهم.
* * * ثم اختلف أهل التأويل في حكم قوله عز ذكره: " والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم "، أعام أم خاصٌّ؟
فقال بعضهم: هو عامٌّ في العفائف منهن, لأن " المحصنات "، العفائف.
وللمسلم أن يتزوج كل حرة وأمة كتابيةٍ، حربيةً كانت أو ذميَّةً.
واعتلُّوا في ذلك بظاهر قوله تعالى: " والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم "، وأن المعنيَّ بهن العفائف، كائنة من كانت منهن.
وهذا قول من قال: عني بـ " المحصنات " في هذا الموضع: العفائف.
* * * وقال آخرون: بل اللواتي عنى بقوله جل ثناؤه: " والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم "، الحرائرَ منهن, والآية عامة في جميعهن.
فنكاح جميع الحرائر اليهود والنصارى جائز, حربيّات كنّ أو ذميات, من أيِّ أجناس اليهود والنصارى كنَّ.
وهذا قول جماعة من المتقدمين والمتأخرين.
*ذكر من قال ذلك: 11284- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا ابن أبي عدي, عن سعيد, عن قتادة, عن سعيد بن المسيب والحسن: أنهما كانا لا يريان بأسًا بنكاح نساء اليهود والنصارى, وقالا أحلَّه الله على علم.
* * * وقال آخرون منهم: بل عنى بذلك نكاحَ بني إسرائيل الكتابياتِ منهن خاصة، دون سائر أجناس الأمم الذين دانوا باليهودية والنصرانية.
وذلك قول الشافعي ومن قال بقوله.
(204) * * * وقال آخرون: بل ذلك معنىٌّ به نساءُ أهل الكتاب الذين لهم من المسلمين ذمَّة وعهدٌ.
فأما أهل الحرب، فإن نساءهم حرام على المسلمين.
*ذكر من قال ذلك: 11285- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا محمد بن عقبة, قال، حدثنا الفزاري, عن سفيان بن حسين, عن الحكم, عن مقسم, عن ابن عباس قال: من نساء أهل الكتاب من يحلُّ لنا, ومنهم من لا يحلُّ لنا, ثم قرأ: قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ ، [سورة التوبة: 29].
فمن أعطى الجزية حلَّ لنا نساؤه, ومن لم يعط الجزية لم يحل لنا نساؤه = قال الحكم: فذكرت ذلك لإبراهيم، فأعجبه.
(205) * * * قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب، قولُ من قال: عنى بقوله: " والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم "، حرائرَ المؤمنين وأهل الكتاب.
لأن الله جل ثناؤه لم يأذن بنكاح الإماء الأحرارِ في الحال التي أباحهن لهم، إلا أن يكنَّ مؤمنات, فقال عز ذكره: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ [سورة النساء: 25]، فلم يبح منهن إلا المؤمنات.
فلو كان مرادًا بقوله: " والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب "، العفائفَ, لدخل العفائف من إمائهم في الإباحة, وخرج منها غير العفائف من حرائرهم وحرائر أهل الإيمان.
وقد أحل الله لنا حرائر المؤمنات, وإن كن قد أتين بفاحشة بقوله: وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ [سورة النور: 32].
وقد دللنا على فساد قول من قال: " لا يحلُّ نكاح من أتى الفاحشة من نساء المؤمنين وأهل الكتاب للمؤمنين "، في موضع غير هذا، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
(206) = فنكاح حرائر المسلمين وأهل الكتاب حلال للمؤمنين, كن قد أتين بفاحشة أو لم يأتين بفاحشة, ذميةً كانت أو حربيّةً, بعد أن تكون بموضع لا يخافُ الناكح فيه على ولده أن يُجْبر على الكفر, بظاهر قول الله جل وعز: " والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ".
* * * فأما قول الذي قال: " عنى بذلك نساء بني إسرائيل، الكتابيّات منهن خاصة " (207) فقول لا يوجب التشاغل بالبيان عنه، لشذوذه والخروج عما عليه علماء الأمة، من تحليل نساء جميع اليهود والنصارى.
وقد دللنا على فساد قول قائل هذه المقالة من جهة القياس في غير هذا الموضع بما فيه الكفاية، فكرهنا إعادته.
(208) * * * وأما قوله: " إذا آتيتموهن أجورهن "، فإن " الأجر ": العوض الذي يبذله الزوج للمرأة للاستمتاع بها, وهو المهر.
(209) كما:- 11286- حدثني المثنى قال: حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس في قوله: "آتيتموهن أجورهن "، يعني: مهورهن.
* * * القول في تأويل قوله : مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: أحل لكم المحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم, وأنتم محصنون غير مسافحين ولا متخذي أخدان.
ويعني بقوله جل ثناؤه: " محصنين "، أعفَّاء =" غير مسافحين "، يعني: لا معالنين بالسفاح بكل فاجرة، وهو الفجور =" ولا متخذي أخدان "، يقول: ولا منفردين ببغيّة واحدة، قد خادنها وخادنته، واتخذها لنفسه صديقة يفجر بها.
* * * وقد بينا معنى " الإحصان " ووجوهه = ومعنى " السفاح " و " الخدن " في غير هذا الموضع، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع (210) وهو كما:- 11287- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: " محصنين غير مسافحين "، يعني: ينكحوهن بالمهر والبينة (211) غير مسافحين متعالنين بالزنا =" ولا متخذي أخدان "، يعني: يسرُّون بالزنا.
11288- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة, قال: أحل الله لنا محصنتين: محصنة مؤمنة, ومحصنة من أهل الكتاب =" ولا متخذي أخدان ": ذات الخدان، ذات الخليل الواحد.
11289- حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك, عن سليمان بن المغيرة, عن الحسن قال: سأله رجل: أيتزوّج الرجل المرأة من أهل الكتاب؟
قال: ما له ولأهل الكتاب، وقد أكثر الله المسلمات!
فإن كان لا بد فاعلا فليعمد إليها حَصانًا غير مسافحة.
قال الرجل: وما المسافحة؟
قال: هي التي إذا لَمَح الرجل، إليها بعينه اتّبعته.
(212) * * * القول في تأويل قوله : وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (5) قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: " ومن يكفر بالإيمان "، ومن يجحد ما أمر الله بالتصديق به، من توحيد الله ونبوّة محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به من عند الله = وهو " الإيمان "، الذي قال الله جل ثناؤه: " ومن يكفر بالإيمان فقد حَبِطَ عمله " = يقول: فقد بَطل ثواب عمله الذي كان يعمله في الدنيا, يرجو أن يدرك به منـزلة عند الله.
(213) =" وهو في الآخرة من الخاسرين "، يقول: وهو في الآخرة من الهالكين، الذين غَبَنوا أنفسَهم حظوظها من ثواب الله بكفرهم بمحمد، وعملهم بغير طاعة الله.
(214) * * * وقد ذكر أن قوله: " ومن يكفر بالإيمان "، عنى به أهل الكتاب، وأنه أنـزل على رسول الله صلى عليه وسلم من أجل قوم تحرَّجوا نكاح نساءِ أهل الكتاب لما قيل لهم: أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ .
*ذكر من قال ذلك: 11290- حدثنا بشر قال, حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قال: ذكر لنا أن ناسًا من المسلمين قالوا: كيف نتزوّج نساءهم = يعني: نساء أهل الكتاب = وهم على غير ديننا؟
فأنـزل الله عز ذكره: " ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين "، فأحل الله تزويجهن على علم.
* * * وبنحو الذي قلنا في تأويل " الإيمان " قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك.
11291- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان, عن ابن جريج, عن عطاء: " ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله "، قال: " الله "، الإيمان.
(215) 11292- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن يمان, عن واصل, عن عطاء: " ومن يكفر بالإيمان "، قال: " الإيمان "، التوحيد.
11293- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن ابن جريج, عن مجاهد: " ومن يكفر بالإيمان "، قال: بالله.
11294- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى, عن سفيان, عن ابن جريج, عن مجاهد, مثله.
11295- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام, عن عنبسة, عن محمد بن عبد الرحمن, عن القاسم بن أبي بزة, عن مجاهد في قوله: " ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله "، قال: من يكفر بالله.
11296- حدثنا محمد قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: " ومن يكفر بالإيمان "، قال: من يكفر بالله.
11297- حدثنا محمد قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: " ومن يكفر بالإيمان "، قال: الكفر بالله.
11298- حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة.
قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله.
11299- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: " ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله "، قال: أخبر الله سبحانه أن " الإيمان " هو العروة الوثقى, وأنه لا يقبل عملا إلا به, ولا يحرِّم الجنة إلا على من تركه.
* * * فإن قال لنا قائل: وما وجه تأويل مَنْ وجَّه قوله: " ومن يكفر بالإيمان "، إلى معنى: ومن يكفر بالله؟
قيل: وجه تأويله ذلك كذلك، أن " الإيمان " هو التصديق بالله وبرسله وما ابتعثهم به من دينه، و " الكفر " جحود ذلك.
قالوا: فمعنى " الكفر بالإيمان "، هو جحود الله وجحود توحيده.
ففسروا معنى الكلمة بما أريد بها, وأعرضوا عن تفسير الكلمة على حقيقة ألفاظها وظاهرها في التلاوة.
فإن قال قائل: فما تأويلها على ظاهرها وحقيقة ألفاظها؟
قيل: تأويلها: ومن يأبَ الإيمان بالله، ويمتنع من توحيده والطاعة له فيما أمره به ونهاه عنه, فقد حبط عمله.
وذلك أن " الكفر " هو الجحود في كلام العرب, و " الإيمان " التصديق والإقرار.
ومن أبى التصديق بتوحيد الله والإقرار به، فهو من الكافرين (216) فذلك تأويل الكلام على وجهه.
* * * ------------- الهوامش : (176) انظر تفسير"حل" و"حلال" فيما سلف 3: 300 ، 487.
(177) الأثر: 11220- هذا الأثر مؤخر بعد الذي يليه في المخطوطة ، فلا أدري أهو مؤخر ، أم سقط قبل الأثر رقم 11221 ، أثر آخر ، فاجتهد ناشر الكتاب أو ناسخ سابق ، فقدم وأخر.
(178) في المطبوعة: "إنما يقرأون ذلك الكتاب" ، وفي المخطوطة: "إنما يقرون بين ذلك" ورأيت أن صواب قراءتها كما أثبت ، أي: أنهم يدينون بدين ذلك الكتاب.
(179) انظر الأم 2: 196.
(180) الأثر: 11230- رواه الشافعي في الأم 2: 196 ، والبيهقي في السنن 9: 284 ، وأشار إليه الحافظ ابن حجر في (الفتح 9: 549) ، وقال: "أخرجه الشافعي وعبد الرزاق بأسانيد صحيحة".
(181) الأثر: 11233-"علي بن سعيد بن مسروق الكندي" ، مضى برقم: 1184 ، 2784.
و"علي بن عابس الأسدي" ، ضعيف ، يعتبر به.
مترجم في التهذيب.
و"أبو البختري" ، هو: "سعيد بن فيروز الطائي" مضى برقم: 175 ، 1497.
(182) في المطبوعة والمخطوطة: "من كان منتحلا..." بغير واو في أوله الكلام ، وهو فساد ، والصواب إثباتها.
(183) في المخطوطة والمطبوعة: "فهو إلى البراءة منها أقرب إلى اللحاق..." ، بإسقاط"منه" ، وهو اختلال شديد ، والصواب إثباتها.
(184) في المطبوعة: "وكان إجماعًا من الحجة إحلال ذبيحة كل نصراني ويهودي انتحل دين النصارى أو اليهودي ، فأحل..." ، لم يحسن قراءة المخطوطة ، فوضع مكان ما حذف منها ما وضع.
وكان في المخطوطة: "وكان إجماعًا من الحجة ألا بأس فذبيحة كل نصراني ويهودي دان دين النصراني أو اليهودي" ، وظاهر أن صواب قراءة صدر هذه الجملة هو ما أثبته ، وهو مطابق لما جاء في الآثار السالفة من 11222-11229.
(185) السياق: وإذ كان ذلك كذلك ، وكان إجماعًا من الحجة...
فبين خطأ ما قال الشافعي...
(186) السياق: فبين خطأ ما قال الشافعي...
وصواب ما خالف تأويله ذلك.
(187) الأثر: 11240-"إسحق بن سليمان الرازي العبدي ، سلف برقم: 6456.
و"أبو سنان" هو: "سعيد بن سنان الشيباني" ، مضى برقم: 175.
(188) الأثر: 11249-"المعلى بن أسد العمي" الحافظ الثقة ، روى عنه البخاري ، والباقون بالواسطة.
مترجم في التهذيب ، ومضى غير مترجم برقم: 7232.
(189) في المطبوعة: "يعني ابن يزيد" ، وهو خطأ ، محض ، وهو إسناد دائر في التفسير.
(190) الأثر: 11255-"معاوية" ، هو"معاوية بن صالح بن حدير الحمصي الحضرمي" ، مضى برقم: 186 ، 187 ، 2072 ، 8472.
و"أبو الزاهرية" ، وهو"حدير بن كريب الحضرمي = أو الحميري".
روى عن حذيفة ، وأبي الدرداء ، وعبد الله بن عمرو بن العاص ، وغيرهم من الصحابة.روى عنه معاوية بن صالح ، وغيره.
قال ابن سعد: "وكان ثقة إن شاء الله ، كثير الحديث".
مترجم في التهذيب ، والكبير 2/1/91.
وفي هذا الإسناد إشكال.
فإن ظاهره أن أبا الزاهرية حدير بن كريب ، روى الأثر عن"أبي الأسود ، عن عمير بن الأسود" ، وهذا محال.
فإن أبا الزاهرية يروي مباشرة عن أبي الدرداء.
فأكبر ظني أن في أصول التفسير سقطًا أو خرمًا في هذا الموضع ، وأن الإسناد انتهى عند قوله"حدير بن كريب" وسقط أثر حدير بن كريب عن أبي الدرداء ، وبدأ إسناد آخر -لا ندري ما هو- ينتهي إلى أبي الأسود عن عمير بن الأسود ، أنه سأل أبا الدرداء...
إلخ.
وسيظهر صواب ذلك فيما يأتي.
و"أبو الأسود" في هذا الإسناد التالي ، لم أعرف من يكون فيمن يكنى بأبي الأسود.
وأما "عمير بن الأسود العنسي" ، فزعم ابن حجر ، أنه هو"عمرو بن الأسود" وبذلك ترجم له في التهذيب (8: 4) وأنهما رجل واحد ، وقال: روى عن عمر ، وابن مسعود ، ومعاذ بن جبل ، وعبادة بن الصامت ، وغيرهم من الصحابة.
وقال ابن أبي حاتم 3/1/375: "عمير بن الأسود العنسي الشامي" ، سمع عبادة ، وأبا الدرداء ، وأم حرام.
روى عنه خالد بن معدان ، سمعت أبي يقول ذلك".
وترجم أيضًا"عمرو بن الأسود القيسي" ، وقال: "روى عن عمر بن الخطاب ، وابن مسعود ، وعبادة بن الصامت.
روى عنه مجاهد ، وخالد بن معدان..." ، ففرق تفريقًا ظاهرًا بين"عمرو بن الأسود القيسي" ، و"عمير بن الأسود العنسي".
وكذلك فعل ابن سعد في الطبقات 7/2/153 ، ففرق بينهما قال: "عمير بن الأسود: سأل أبا الدرداء عن طعام أهل الكتاب.
وروى عن معاذ بن جبل ، وكان قليل الحديث ثقة".
ثم عقد ترجمة أخرى: "وعمرو بن الأسود السكوني: روى عن عمر ومعاذ ، وله أحاديث".
فلا أدري من أين جعلهما الحافظ ابن حجر ، رجلا واحدًا!!
وقد ثبت بما رواه ابن سعد ، أن هذا الأثر ، إنما هو من حديث عمير بن الأسود ، أنه سأل: أبا الدرداء ، وأنه حديث آخر ، غير حديث حدير بن كريب أبي الزاهرية.
هذا ، ولم أجد هذا الأثر -أو هذين الأثرين- في مكان آخر ، وقد أغفل ابن كثير روايته في تفسيره ، وأغفله أيضًا السيوطي في الدر المنثور.
وكتبه: محمود محمد شاكر.
(191) انظر تفسير"المحصنات" ، و"الإحصان" فيما سلف 8: 151-169/ ثم 8: 185-190.
(192) انظر تفسير"آتى" فيما سلف من فهارس اللغة.
(193) انظر تفسير"آتى" فيما سلف من فهارس اللغة.
(194) انظر تفسير"الأجور" فيما سلف من فهارس اللغة.
(195) في المطبوعة والمخطوطة: "من أي أجناس كانت" ، وزدت"الناس" ، لأن السياق يقتضيها اقتضاء لا شك فيه.
ولو قلت مكانها: "من أي أجناس اليهود والنصارى كانت" ، لكان صوابا أيضًا.
(196) في المطبوعة: "أن نتزوجهن" ، وأثبت ما في المخطوطة.
(197) "المصدق" هو العامل على الصدقات ، يجمعها من أهلها.
(198) "الأوداج" جمع"ودج" (بفتحتين): وهو عرق متصل من الرأس إلى النحر ، والأوداج: عروق تكتنف الحلقوم.
(199) هذه الأخبار السالفة ، أدب من آداب هذا الدين عظيم ، وهدي من هدي أهل الإيمان ، أمروا به ، ومضوا عليه.
حتى خلفت من بعدهم الخلوف ، فجهلوا أمر دينهم ، وغالوا غلوا فاحشًا في استبشاع زلة من زل من أهل الإيمان ، فقتل الرجل منهم بنته وأخته ومن له عليها الولاية.
وما فعلوا ذلك ، إلا بعد أن فارقوا جادة الإيمان في سائر ما أمرهم الله به ، فاستمسكوا بالغلو الفاحش ، وظنوا ذلك من تمام ديانتهم ومروءتهم.
وهذا دليل على أن كل تفريط في الدين ، يقابله في الجانب الآخر غلو في التدين بغير دين!
ورحم الله عمر بن الخطاب ، ما كان أبصره بالناس وأرحمه بهم.
(200) قوله: "اتخذت مملوكها" ، أي أمكنته من نفسها ، وتسرت به كأنه زوج لها.
(201) في المطبوعة: "فقرب العبد" بالقاف ، وهو في المخطوطة كما أثبته غير منقوط ، وصواب قراءته ما أثبت.
و"التغريب": النفي.
و"جز رأسه": أي قص شعره.
ولم يرد القتل.
(202) في المطبوعة والمخطوطة: "تسرى قبل أن يدخل بها" ، وكأن الصواب ما أثبت.
انظر الأثر التالي.
(203) في المطبوعة والمخطوطة: "في البكر تهجر" ، ولا معنى لذلك ، والصواب ما أثبت.
(204) انظر الأم 5: 6 قوله: "ولا يحل نكاح حرائر من دان من العرب دين اليهودية والنصرانية ، لأن أصل دينهم كان الحنيفية ، ثم ضلوا بعبادة الأوثان ، وإنما انتقلوا إلى دين أهل الكتاب بعده ، لا بأنهم كانوا الذين دانوا بالتوراة والإنجيل فضلوا عنهما وأحدثوا فيها ، إنما ضلوا عن الحنيفية ، ولم يكونوا كذلك ، لا تحل ذبائحهم ، وكذلك كل أعجمي كان أصل دين من مضى من آبائه عبادة الأوثان ، ولم يكن من أهل الكتابين المشهورين التوراة والإنجيل ، فدان دينهم ، لم يحل نكاح نسائهم".
وانظر سنن البيهقي 7: 173.
(205) الأثر: 11285-"محمد بن عقبة بن المغيرة الشيباني" ، "أبو عبد الله الطحان".
روى عن أبي إسحق الفزاري ، وسوار بن مصعب ، وغيرهما.
روى عنه البخاري وأبو كريب وغيرهما.
قال البخاري"معروف الحديث" ، وقال أبو حاتم"ليس بالمشهور" ، وذكره ابن حبان في الثقات.
قال ابن حجر: "وماله في البخاري سوى حديثين: أحدهما في الجمعة ، متابعة.
والآخر في الاعتصام ، مقرونًا".
مترجم في التهذيب ، والكبير 1/1/200.
و"الفزاري" ، هو"أبو إسحق الفزاري": "إبراهيم بن محمد بن الحارث بن أسماء بن خارجة الفزاري" ، الإمام الثقة.
مضى برقم: 3833.
و"سفيان بن حسين الواسطي" ، مضى برقم: 3471 ، 6462.
(206) انظر ما سلف 8: 189 ، 190.
(207) يعني قول الشافعي فيما سلف ص 587 ، 588: تعليق: 1.
(208) انظر ما سلف 4: 362-369.
(209) انظر تفسير"الأجر" فيما سلف من فهارس اللغة.
(210) انظر تفسير"الإحصان" فيما سلف 8: 151-169/ ثم 8: 185-190 = وتفسير"السفاح" فيما سلف 8: 174 ، 175 ، 193-195 = وتفسير"الخدن" فيما سلف 8: 193-195.
(211) "البينة" ، سلف ذكرها في الأثرين رقم 9002 ، 9008 (انظر 8: 161 ، تعليق: 1 = ثم ص: 162 تعليق: 2).
وقد بدا لي هنا أنه عنى بقوله"البينة" ، إعلان النكاح.
فراجع ما كتبته هناك ، فإني في شك من ذلك كله.
(212) الأثر: 11289-"سليمان بن المغيرة القيسي" ، "أبو سعيد البصري" ، روى عن أبيه ، وثابت البناني ، والحسن ، وابن سيرين ، وغيرهم.
روى عنه الثوري وشعبة ، وماتا قبله ، ثم جماعة كثيرة من الثقات ، من ثقات أهل البصرة.
مترجم في التهذيب.
(213) انظر تفسير"حبط" فيما سلف 4: 317/6: 287.
(214) انظر تفسير"الخاسر" ، و"الخسران" فيما سلف 9: 224 ، تعليق: 3 ، والمراجع هناك.
(215) في المطبوعة: "قال: بالإيمان ، بالله" ، غير ما في المخطوطة ، وهو صواب.
(216) انظر تفسير"الكفر" و"الإيمان" في فهارس اللغة.
قوله تعالى : اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرينفيه عشر مسائل :الأولى : قوله تعالى : اليوم أحل لكم الطيبات أي : اليوم أكملت لكم دينكم و اليوم أحل لكم الطيبات فأعاد تأكيدا أي : أحل لكم الطيبات التي سألتم عنها ; وكانت الطيبات أبيحت للمسلمين قبل نزول هذه الآية ; فهذا جواب سؤالهم إذ قالوا : ماذا أحل لنا ؟
[ ص: 43 ] وقيل : أشار بذكر اليوم إلى وقت محمد صلى الله عليه وسلم كما يقال : هذه أيام فلان ; أي : هذا أوان ظهوركم وشيوع الإسلام ; فقد أكملت بهذا دينكم ، وأحللت لكم الطيبات ، وقد تقدم ذكر الطيبات في الآية قبل هذا .الثانية : قوله تعالى : وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم ابتداء وخبر ، والطعام اسم لما يؤكل والذبائح منه ، وهو هنا خاص بالذبائح عند كثير من أهل العلم بالتأويل ، وأما ما حرم علينا من طعامهم فليس بداخل تحت عموم الخطاب ; قال ابن عباس : قال الله تعالى : ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ، ثم استثنى فقال : وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم يعني ذبيحة اليهودي والنصراني ; وإن كان النصراني يقول عند الذبح : باسم المسيح واليهودي يقول : باسم عزير ; وذلك لأنهم يذبحون على الملة ، وقال عطاء : كل من ذبيحة النصراني وإن قال باسم المسيح ; لأن الله جل وعز قد أباح ذبائحهم ، وقد علم ما يقولون ، وقال القاسم بن مخيمرة : كل من ذبيحته وإن قال باسم سرجس - اسم كنيسة لهم - وهو قول الزهري وربيعة والشعبي ومكحول ; وروي عن صحابيين : عن أبي الدرداء وعبادة بن الصامت .
وقالت طائفة : إذا سمعت الكتابي يسمي غير اسم الله عز وجل فلا تأكل ; وقال بهذا من الصحابة علي وعائشة وابن عمر ; وهو قول طاوس والحسن متمسكين بقوله تعالى : ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق ، وقال مالك : أكره ذلك ، ولم يحرمه .قلت : العجب من إلكيا الطبري الذي حكى الاتفاق على جواز ذبيحة أهل الكتاب ، ثم أخذ يستدل بذلك على أن التسمية على الذبيحة ليست بشرط فقال : ولا شك أنهم لا يسمون على الذبيحة إلا الإله الذي ليس معبودا حقيقة مثل المسيح وعزير ، ولو سموا الإله حقيقة لم تكن تسميتهم على طريق العبادة ، وإنما كان على طريق آخر ; واشتراط التسمية لا على وجه العبادة لا يعقل ، ووجود التسمية من الكافر وعدمها بمثابة واحدة ; إذا لم تتصور منه العبادة ، ولأن النصراني إنما يذبح على اسم المسيح ، وقد حكم الله بحل ذبائحهم مطلقا ، وفي ذلك دليل على أن التسمية لا تشترط أصلا كما يقول الشافعي ، وسيأتي ما في هذا للعلماء في " الأنعام " إن شاء الله تعالى .الثالثة : ولا خلاف بين العلماء أن ما لا يحتاج إلى ذكاة كالطعام الذي لا محاولة فيه كالفاكهة والبر جائز أكله ; إذ لا يضر فيه تملك أحد .
والطعام الذي تقع فيه محاولة على ضربين : أحدهما : ما فيه محاولة صنعة لا تعلق للدين بها ; كخبز الدقيق ، وعصر الزيت [ ص: 44 ] ونحوه ; فهذا إن تجنب من الذمي فعلى وجه التقزز ، والضرب الثاني : هي التذكية التي ذكرنا أنها هي التي تحتاج إلى الدين والنية ; فلما كان القياس ألا تجوز ذبائحهم - كما نقول إنهم لا صلاة لهم ولا عبادة مقبولة - رخص الله تعالى في ذبائحهم على هذه الأمة ، وأخرجها النص عن القياس على ما ذكرناه من قول ابن عباس ; والله أعلم .الرابعة : واختلف العلماء أيضا فيما ذكوه هل تعمل الذكاة فيما حرم عليهم أو لا ؟
على قولين ; فالجمهور على أنها عاملة في كل الذبيحة ما حل له منها وما حرم عليه ، لأنه مذكى ، وقالت جماعة من أهل العلم : إنما حل لنا من ذبيحتهم ما حل لهم ; لأن ما لا يحل لهم لا تعمل فيه تذكيتهم ; فمنعت هذه الطائفة الطريف والشحوم المحضة من ذبائح أهل الكتاب ; وقصرت لفظ الطعام على البعض ، وحملته الأولى على العموم في جميع ما يؤكل ، وهذا الخلاف موجود في مذهب مالك .
قال أبو عمر : وكره مالك شحوم اليهود وأكل ما نحروا من الإبل ، وأكثر أهل العلم لا يرون بذلك بأسا ; وسيأتي هذا في " الأنعام " إن شاء الله تعالى ; وكان مالك رحمه الله يكره ما ذبحوه إذا وجد ما ذبحه المسلم ، وكره أن يكون لهم أسواق يبيعون فيها ما يذبحون ; وهذا منه رحمه الله تنزه .الخامسة : وأما المجوس فالعلماء مجمعون - إلا من شذ منهم - على أن ذبائحهم لا تؤكل ، ولا يتزوج منهم ; لأنهم ليسوا أهل كتاب على المشهور عند العلماء ، ولا بأس بأكل طعام من لا كتاب له كالمشركين وعبدة الأوثان ما لم يكن من ذبائحهم ولم يحتج إلى ذكاة ; إلا الجبن ; لما فيه من إنفحة الميتة .
فإن كان أبو الصبي مجوسيا وأمه كتابية فحكمه حكم أبيه عند مالك ، وعند غيره لا تؤكل ذبيحة الصبي إذا كان أحد أبويه ممن لا تؤكل ذبيحته .السادسة : وأما ذبيحة نصارى بني تغلب وذبائح كل دخيل في اليهودية والنصرانية فكان علي رضي الله عنه ينهى عن ذبائح بني تغلب ; لأنهم عرب ، ويقول : إنهم لم يتمسكوا بشيء من النصرانية إلا بشرب الخمر ; وهو قول الشافعي ; وعلى هذا فليس ينهى عن ذبائح النصارى المحققين منهم ، وقال جمهور الأمة : إن ذبيحة كل نصراني حلال ; سواء كان من بني تغلب أو [ ص: 45 ] غيرهم ، وكذلك اليهودي ، واحتج ابن عباس بقوله تعالى : ومن يتولهم منكم فإنه منهم ، فلو لم تكن بنو تغلب من النصارى إلا بتوليهم إياهم لأكلت ذبائحهم .السابعة : ولا بأس بالأكل والشرب والطبخ في آنية الكفار كلهم ، ما لم تكن ذهبا أو فضة أو جلد خنزير بعد أن تغسل وتغلى ; لأنهم لا يتوقون النجاسات ويأكلون الميتات ; فإذا طبخوا في تلك القدور تنجست ، وربما سرت النجاسات في أجزاء قدور الفخار ; فإذا طبخ فيها بعد ذلك توقع مخالطة تلك الأجزاء النجسة للمطبوخ في القدر ثانية ; فاقتضى الورع الكف عنها .
وروي عن ابن عباس أنه قال : إن كان الإناء من نحاس أو حديد غسل ، وإن كان من فخار أغلي فيه الماء ثم غسل - هذا إذا احتيج إليه - وقاله مالك ; فأما ما يستعملونه لغير الطبخ فلا بأس باستعماله من غير غسل ; لما روى الدارقطني عن عمر أنه توضأ من بيت نصراني في حق نصرانية ; وهو صحيح وسيأتي في " الفرقان " بكماله ، وفي صحيح مسلم من حديث أبي ثعلبة الخشني قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله إنا بأرض قوم من أهل كتاب نأكل في آنيتهم ، وأرض صيد ، أصيد بقوسي وأصيد بكلبي المعلم ، وأصيد بكلبي الذي ليس بمعلم ; فأخبرني ما الذي يحل لنا من ذلك ؟
قال : أما ما ذكرت أنكم بأرض قوم من أهل كتاب تأكلون في آنيتهم فإن وجدتم غير آنيتهم فلا تأكلوا فيها وإن لم تجدوا فاغسلوها ثم كلوا فيها ثم ذكر الحديث .الثامنة : قوله تعالى : وطعامكم حل لهم دليل على أنهم مخاطبون بتفاصيل شرعنا ; أي : إذا اشتروا منا اللحم يحل لهم اللحم ويحل لنا الثمن المأخوذ منهم .التاسعة : قوله تعالى : والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم الآية .
وقد تقدم معناها في " البقرة " و " النساء " والحمد لله ، وروي عن ابن عباس في قوله تعالى : والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب .
هو على العهد دون دار الحرب فيكون خاصا ، وقال غيره : يجوز نكاح الذمية والحربية لعموم الآية .
وروي عن ابن عباس أنه قال : المحصنات العفيفات العاقلات ، وقال الشعبي : هو أن تحصن فرجها فلا تزني ، وتغتسل من الجنابة ، وقرأ الشعبي " والمحصنات " بكسر الصاد ، وبه قرأ الكسائي ، وقال مجاهد : المحصنات الحرائر ; قال أبو عبيد : يذهب إلى أنه لا يحل نكاح إماء أهل [ ص: 46 ] الكتاب ; لقوله تعالى : فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات وهذا القول الذي عليه جلة العلماء .العاشرة : قوله تعالى : ومن يكفر بالإيمان قيل : لما قال تعالى : والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب قال : نساء أهل الكتاب : لولا أن الله تعالى رضي ديننا لم يبح لكم نكاحنا ; فنزلت ومن يكفر بالإيمان أي : بما أنزل على محمد .
وقال أبو الهيثم : الباء صلة ; أي : ومن يكفر الإيمان أي : يجحده فقد حبط عمله وقرأ ابن السميقع " فقد حبط " بفتح الباء ، وقيل : لما ذكرت فرائض وأحكام يلزم القيام بها ، ذكر الوعيد على مخالفتها ; لما في ذلك من تأكيد الزجر عن تضييعها ، وروي عن ابن عباس ومجاهد أن المعنى : ومن يكفر بالله ; قال الحسن بن الفضل : إن صحت هذه الرواية فمعناها برب الإيمان .
وقال الشيخ أبو الحسن الأشعري : ولا يجوز أن يسمى الله إيمانا خلافا للحشوية والسالمية ; لأن الإيمان مصدر آمن يؤمن إيمانا ، واسم الفاعل منه مؤمن ; والإيمان التصديق ، والتصديق لا يكون إلا كلاما ، ولا يجوز أن يكون الباري تعالى كلاما .
كرر تعالى إحلال الطيبات لبيان الامتنان، ودعوة للعباد إلى شكره والإكثار من ذكره، حيث أباح لهم ما تدعوهم الحاجة إليه، ويحصل لهم الانتفاع به من الطيبات.
{ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ ْ} أي: ذبائح اليهود والنصارى حلال لكم -يا معشر المسلمين- دون باقي الكفار، فإن ذبائحهم لا تحل للمسلمين، وذلك لأن أهل الكتاب ينتسبون إلى الأنبياء والكتب.
وقد اتفق الرسل كلهم على تحريم الذبح لغير الله، لأنه شرك، فاليهود والنصارى يتدينون بتحريم الذبح لغير الله، فلذلك أبيحت ذبائحهم دون غيرهم.
والدليل على أن المراد بطعامهم ذبائحهم، أن الطعام الذي ليس من الذبائح كالحبوب والثمار ليس لأهل الكتاب فيه خصوصية، بل يباح ذلك ولو كان من طعام غيرهم.
وأيضا فإنه أضاف الطعام إليهم.
فدل ذلك، على أنه كان طعاما، بسبب ذبحهم.
ولا يقال: إن ذلك للتمليك، وأن المراد: الطعام الذي يملكون.
لأن هذا، لا يباح على وجه الغصب، ولا من المسلمين.
{ وَطَعَامُكُمْ ْ} أيها المسلمون { حِلٌّ لَّهُمْ ْ} أي: يحل لكم أن تطعموهم إياه { وَ ْ} أحل لكم { الْمُحْصَنَاتِ ْ} أي: الحرائر العفيفات { مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ ْ} والحرائر العفيفات { مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ ْ} أي: من اليهود والنصارى.
وهذا مخصص لقوله تعالى { وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ ْ} ومفهوم الآية، أن الأرقاء من المؤمنات لا يباح نكاحهن للأحرار, وهو كذلك.
وأما الكتابيات فعلى كل حال لا يبحن، ولا يجوز نكاحهن للأحرار مطلقا، لقوله تعالى: { مِن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ْ} وأما المسلمات إذا كن رقيقات فإنه لا يجوز للأحرار نكاحهن إلا بشرطين، عدم الطول وخوف العنت.
وأما الفاجرات غير العفيفات عن الزنا فلا يباح نكاحهن، سواء كن مسلمات أو كتابيات، حتى يَتُبْنَ لقوله تعالى: { الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً ْ} الآية.
وقوله: { إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ْ} أي: أبحنا لكم نكاحهن، إذا أعطيتموهن مهورهن، فمن عزم على أن لا يؤتيها مهرها فإنها لا تحل له.
وأمر بإيتائها إذا كانت رشيدة تصلح للإيتاء، وإلا أعطاه الزوج لوليها.
وإضافة الأجور إليهن دليل على أن المرأة تملك جميع مهرها، وليس لأحد منه شيء، إلا ما سمحت به لزوجها أو وليها أو غيرهما.
{ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ ْ} أي: حالة كونكم -أيها الأزواج- محصنين لنسائكم، بسبب حفظكم لفروجكم عن غيرهن.
{ غَيْرَ مُسَافِحِينَ ْ} أي: زانين مع كل أحد { وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ ْ} وهو: الزنا مع العشيقات، لأن الزناة في الجاهلية، منهم من يزني مع من كان، فهذا المسافح.
ومنهم من يزني مع خدنه ومحبه.
فأخبر الله تعالى أن ذلك كله ينافي العفة، وأن شرط التزوج أن يكون الرجل عفيفا عن الزنا.
وقوله تعالى: { وَمَن يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ ْ} أي: ومن كفر بالله تعالى، وما يجب الإيمان به من كتبه ورسله أو شيء من الشرائع، فقد حبط عمله، بشرط أن يموت على كفره، كما قال تعالى: { وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ْ} { وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ْ} أي: الذين خسروا أنفسهم وأموالهم وأهليهم يوم القيامة، وحصلوا على الشقاوة الأبدية.
قوله عز وجل : ( اليوم أحل لكم الطيبات ) يعني : الذبائح على اسم الله عز وجل ، ( وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم ) يريد : ذبائح اليهود والنصارى ومن دخل في دينهم من سائر الأمم قبل مبعث النبي محمد صلى الله عليه وسلم حلال لكم ، فأما من دخل في دينهم بعد مبعث محمد صلى الله عليه وسلم فلا تحل ذبيحته ، ولو ذبح يهودي أو نصراني على اسم غير الله كالنصراني يذبح باسم المسيح فاختلفوا فيه ، قال عمر لا يحل ، وهو قول ربيعة ، وذهب أكثر أهل العلم إلى أنه يحل ، وهو قول الشعبي وعطاء والزهري ومكحول ، سئل الشعبي ومكحول عن النصراني يذبح باسم المسيح ، قالا يحل فإن الله تعالى قد أحل ذبائحهم وهو يعلم ما يقولون ، وقال الحسن : إذا ذبح اليهودي أو النصراني فذكر اسم غير الله وأنت تسمع فلا تأكله فإذا غاب عنك فكل فقد أحل الله لك .
قوله عز وجل : ( وطعامكم حل لهم ) فإن قيل : كيف شرع لهم حل طعامنا وهم كفار ليسوا من أهل الشرع؟
قال الزجاج : معناه حلال لكم أن تطعموهم فيكون خطاب الحل مع المسلمين ، وقيل : لأنه ذكر عقيبه حكم النساء ، ولم يذكر حل المسلمات لهم فكأنه قال حلال لكم أن تطعموهم حرام عليكم أن تزوجوهم .
قوله عز وجل : ( والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ) هذا راجع إلى الأول منقطع عن قوله : " وطعامكم حل لهم " .
اختلفوا في معنى " المحصنات " فذهب أكثر العلماء إلى أن المراد منهن الحرائر ، وأجازوا نكاح كل حرة ، مؤمنة كانت أو كتابية ، فاجرة كانت أو عفيفة ، وهو قول مجاهد ، وقال هؤلاء : لا يجوز للمسلم نكاح الأمة الكتابية لقوله تعالى : " فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات " ( سورة النساء ، 25 ) جوز نكاح الأمة بشرط أن تكون مؤمنة ، وجوز أكثرهم نكاح الأمة الكتابية الحربية ، وقال ابن عباس : لا يجوز وقرأ " قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله " إلى قوله " حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون " ( التوبة ، 29 ) ، فمن أعطى الجزية حل لنا نساؤه ومن لم يعطها فلا يحل لنا نساؤه .
وذهب قوم إلى أن المراد من المحصنات في الآية : العفائف من الفريقين حرائر كن أو إماء وأجازوا نكاح الأمة الكتابية ، وحرموا البغايا من المؤمنات والكتابيات ، وهو قول الحسن ، وقال الشعبي : إحصان الكتابية أن تستعف من الزنا وتغتسل من الجنابة .
( إذا آتيتموهن أجورهن ) مهورهن ( محصنين غير مسافحين ) غير معالنين بالزنا ، ( ولا متخذي أخدان ) أي : يسرون بالزنا ، قال الزجاج : حرم الله الجماع على جهة السفاح وعلى جهة اتخاذ الصديقة ، وأحله على جهة الإحصان وهو التزوج .
( ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين ) قال مقاتل بن حيان : يقول ليس إحصان المسلمين إياهن بالذي يخرجهن من الكفر أو يغني عنهن شيئا وهي للناس عامة : " ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين " .
قال ابن عباس ومجاهد في معنى قوله تعالى : " ومن يكفر بالإيمان " أي : بالله الذي يجب الإيمان به .
وقال الكلبي : بالإيمان أي : بكلمة التوحيد وهي شهادة أن لا إله إلا الله .
وقال مقاتل : بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم وهو القرآن ، وقيل : من يكفر بالإيمان أي : يستحل الحرام ويحرم الحلال فقد حبط عمله ، وهو في الآخرة من الخاسرين قال ابن عباس : خسر الثواب .
«اليوم أحل لكم الطيبات» المستلذات «وطعام الذين أوتوا الكتاب» أي ذبائح اليهود والنصارى «حلٌ» حلال «لكم وطعامكم» إياهم «حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات» الحرائر «من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم» حل لكم أن تنكحوهن «إذا آتيتموهنَّ أجورهنَّ» مهورهنَّ «محصنين» متزوجين «غير مسافحين» معلنين بالزنا بهن «ولا متخذي أخدان» منهن تسرون بالزنا بهن «ومن يكفر بالإيمان» أي يرتد «فقد حبط عمله» الصالح قبل ذلك فلا يعتد به ولا يثاب عليه «وهو في الآخرة من الخاسرين» إذا مات عليه.
ومن تمام نعمة الله عليكم اليوم -أيها المؤمنون- أن أَحَلَّ لكم الحلال الطيب، وذبائحُ اليهود والنصارى -إن ذكَّوها حَسَبَ شرعهم- حلال لكم وذبائحكم حلال لهم.
وأَحَلَّ لكم -أيها المؤمنون- نكاح المحصنات، وهُنَّ الحرائر من النساء المؤمنات، العفيفات عن الزنى، وكذلك نكاحَ الحرائر العفيفات من اليهود والنصارى إذا أعطيتموهُنَّ مهورهن، وكنتم أعِفَّاء غير مرتكبين للزنى، ولا متخذي عشيقات، وأمِنتم من التأثر بدينهن.
ومن يجحد شرائع الإيمان فقد بطل عمله، وهو يوم القيامة من الخاسرين.
ثم حكى - سبحانه - جانباً آخر من مظاهر نعمه على عباده ، ورحمته بهم وتيسيره عليهم في أمور دينهم ودنياهم فقال :( اليوم أُحِلَّ لَكُمُ الطيبات .
.
.
)قوله : ( اليوم أُحِلَّ لَكُمُ ) .
يصح أن يراد به اليوم الذي نزلت فيه .
فإنه يجوز أن تكون هذه الآية وما قبلها من قوله - تعالى - ( اليوم يَئِسَ الذين كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ ) ( اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) قد نزلت جميعها في يوم واحد وهو يوم عرفة من عام حجة الوداع .ويصح أن يراد به الزمان الحاضر مع ما يتصل به من الماضي والمستقبل .
والراد بالطيبات : ما يستطاب ويشتهي مما أحله الشرع .والمراد بطعام الذين أوتوا الكتاب : ذبائحهم خاصة .
وهذا مذهب جمهور العلماء .قالوا : لأن ما سوى الذبائح فهي محللة قبل أن كانت لأهل الكتاب ، وبعد أن صارت لهم فلا يبقى لتخصيصها بأهل الكتاب فائدة .
ولأن ما قبل هذه الآية في بيان حكم الصيد والذبائح .
فحمل هذه الآية عليه أولى ، لأن سائر الطعام لا يختلف من تولاه من كتابي أو غيره .
وإنما تختلف الذكاة .
فلما خص أهل الكتاب بالذكر ، دل على أن المراد بطعامهم ذبائحهم .وقيل المراد بطعام أهل الكتاب هنا : الخبز والحبوب والفاكهة وغير ذلك مما لا يحتاج إلى تذكية .
وينسب هذا القول إلى بعض طوائف الشيعة .وقيل المراد به : ما يتناول ذبائحهم وغيرها من الأطعمة .
وقد روى هذا القول عن ابن عباس ، وأبي الدرداء ، وقتادة ومجاهد وغيرهم .والمراد بالذين أوتوا الكتاب : اليهود والنصارى .ال الآلوسي : وحكم الصابئين كحكم أهل الكتاب عند أبي حنيفة .
وقال صاحباه الصائبة صنفان : صنف يقرأون الزبور ويعبدون الملائكة وصنف لا يقرأون كتابا ويعبدون النجوم فهؤلاء ليسوا من أهل الكتاب وأما المجوس فقد سن بهم سنة أهل الكتاب في أخذ الجزية منهم دون أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم .واختلف العلماء في حل ذبيحة اليهودي والنصراني إذا ذكر عليها اسم غير الله - كعزير وعيسى - فقال ابن عمر : لا تحل .
وذهب أكثر أهل العلم إلى أنها تحل .
وهو قول الشعبي وعطاء قالا : " فإن الله قد أحل ذبائحهم وهو يعلم ما يقولون " .والمعنى : إن الله أسبغ عليكم نعمه - أيها المؤمنون - وأكمل لكم دينه ، ويسر لكم شرعه ، ومن مظاهر ذلك أنه - سبحانه - أحل لكم التمتع بالطيبات ، كما أحل لكم أن تأكلوا من ذبائح أهل الكتاب .
وأن تطعموهم من طعامكم .قال ابن كثير : وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء ، أن ذبائحهم حلال للمسلمين ، لأنهم يعتقدون تحريم الذبح لغير الله ، ولا يذكرون على ذبائحهم إلا اسم الله ، وإن اعتقدوا فيه ما هو منزه عنه - تعالى وتقدس - .وإنما قال : ( وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ ) أي يحل لكم أن تطعموهم من طعامكم للتنبيه على أن الحكم مختلف في الذبائح عن المناكحة .فإن إباحة الذبائح حاصلة من الجانبين ، بخلاف إباحة المنكاحات فإنها في جانب واحد ، إذ لا يحل لغير المسلم أن يتزوج بمسلمة ، لأنه لو جاز ذلك لكان لأزواجهن الكفار ولاية شرعية عليهن ، والله - تعالى - لم يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلا شرعيا ، بخلاف إباحة الطعام من الجانبين فإنها لا تستلزم محظوراً .قال بعض العلماء : والجمهور على حل ذبائح أهل الكتاب إذا أهريق الدم ، وقد اتفق الجمهور على حل هذه الذبائح ، والخلاف عندهم فيما عدا الذبائح التي ثبت حلها بالنص ، وأما غير الذبائح فهو قسمان :القسم الأول : ما لا عمل لهم فيه كالفاكهة والبر وهو حلال بالاتفاق .والقسم الثاني : ما لهم يه عمل وهو قسمان - أيضاً - أحدهما ، ما يحتمل دخول النجاسات فيه كاستخراج الزيوت من النباتات أو الحيوانات وهذا قد اختلف فيه الفقهاء .
فمنهم من منعه لاحتمال النجاسة ، ومن هؤلاء : ابن عباس ، لأن احتمال النجاسة ثابت ، وهو يمنع الحل .
وقد تبع هذا الرأي بعض المالكية ، ومن هؤلاء الطرطوسي وقد صنف في تحريم جبن النصارى ويجري مجرى الجبن الزيت ، وعلى هذا الرأي يجري مجراها السمن الهولاندي وما شابهه .
ولكن الجمهور على جواز ذلك ما دام لم يثبت أنه اختلط بهذا النوع من الطعام نجاسة ، والثاني : المحرم ، وهو ما ثبت أنه قد دخله أجزاء من الخمر أو الميتة ، أو الخنزير ، أو غير ذلك من المحرمات .ثم بين - سبحانه - حكم نكاح نساء أهل الكتاب بعد بيان حكم ذبائحهم فقال ( والمحصنات مِنَ المؤمنات والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ إِذَآ آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ متخذي أَخْدَانٍ ) .وقوله : ( والمحصنات ) عطف على ( الطيبات ) وهو جمع محصنة .والإِحصان يطلق على معان منها : الإِسلام .
ولا موضع له هنا لأن الكلام في غير المسلمات ، ويطلق على التزوج ، ولا موضع له هنا - أيضاً - لأنه لا يحل تزوج ذات الزوج .ويطلق على العفة وعلى الحرية وهذان المعنيان هما المختاران هنا .فمن الفقهاء من قال : المراد بالمحصنات من أهل الكتاب هنا العفيفات ويكون الوصف للترغيب في طلف العفة ، والعمل على اختيار من هذه صفتها .ومنهم من قال : المراد بالمحصنات من أهل الكتاب هنا : الحرائر أي أنه لا يحل الزواج بنساء أهل الكتاب إلا إذا كن حرائر .والمراد بقوله ( أُجُورَهُنَّ ) أي مهورهن .
وعبر عن المهر بالأجر لتأكيد وجوبه .
وعدم الاستهانة بأي حق من حقوقهن .وقوله : محصنين - بكسر الصاد - أي متعففين بالزواج عن اقتراب الفواحش .يقال أحصن الرجل فهو محصن أي : تعفف فهو متعفف وأحصن بالزواج الرجل فهو محصن - بفتح الصاد - أي : أعفه بالزواج عن الوقوع في الفاحشة .وقوله ( مُسَافِحِينَ ) جمع مسافح .
والسفاح .
الزنا .
يقال : سافح الرجل المرأة إذا ارتكب معها فاحشة الزنا ، وسمى الزاني مسافحاً .لأنه سفح ماءه أي : صبه ضائعاً .وقوله : ( أَخْدَانٍ ) جمع خدان - بكسر الخاء وسكون الدال - بمعنى الصديق .
ويطلق على الذكر والأنثى .والمراد بالخدن هنا .
المرأة البغي التي يخادنها الرجل أي يصادقها ليرتكب معها فاحشة الزنا .
وغالبا ما تكون خاصة به .والمعنى : وكما أحل الله لكم - أيها المؤمنون - الطيبات من الرزق ، وأحل لكم ذبائح أهل الكتاب ، وأحل لكم أن تطعموهم من طعامكم ، فقد أحل لكم - أيضاً - نكاح المحصنات من المؤمنات .
أي العفيفات الحرائر لأنهن أصون لعرضكم .
وأنقى لنطفكم ، وأحل لكم نكاح النساء المحصنات أيِ : الحرائر العفيفات ( مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ ) أي : من اليهود والنصارى .قال الآلوسي : وتخصيص المحصنات بالذكر في الموضعين ، للحث على ما هو الأولى والأليق ، لا لنفي ما عداهن ، فإن نكاح الإِماء المسلمات بشرطه ، صحيح بالاتفاق .
وكذا نكاح غير العفائف منهن .
وأما الإِماء الكتابيات فهن كالمسلمات عند الإمام الأعظم " .وقوله : ( إِذَآ آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ) أي : مهورهن ، وهي عوض عن الاستمتاع بهن .وقالوا : وهذا الشرط بيان للأكمل والأولى لا لصحة العقد ، إذ لا تتوقف صحة العقد على دفع المهر ، إلا أن الأولى هو إيتاء الصداق قبل الدخول .وقوله : ( مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ متخذي أَخْدَانٍ ) أمر لهم بالعفة والبعد عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن .
وقوله ( مُحْصِنِينَ ) حال في فاعل ( آتَيْتُمُوهُنَّ ) .وقوله : ( غَيْرَ مُسَافِحِينَ ) صفة لمحصنين ، أو حال من الضمير المستتر في محصنين .وقوله : ( وَلاَ متخذي أَخْدَانٍ ) يحتمل أن يكون مجروراً على أنه عطف على مسافحين ، وزيدت فيه " لا " لتأكيد النفي المستفاد من لفظ غير .
ويحتمل أن يكون منصوباً على أنه عطف على ( غَيْرَ مُسَافِحِينَ ) .والمعنى : أبحنا لكم الزواج بالكتابيات المحصنات لتشكروا الله - تعالى - على تيسيره لكم فيما شرع ، ولتطلبوا من وراء زواجكم العفة والبعد عن الفواحش ، والصون لأنفسكم ولأنفس أزواجكم عن انتهاك حرمات الله في السر أو العلن .وقدم - سبحانه - المحصنات من المؤمنات على المحصنات من الذين أوتوا الكتاب للتنبيه على أن المحصنات من المؤمنات أحق باختيار الزواج بهن من غيرهن ، وأن المحصنة المؤمنة الزواج بها أولى وأجدر وأحسن من الزواج بالمحصنة الكتابية .ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : ( وَمَن يَكْفُرْ بالإيمان فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخرة مِنَ الخاسرين ) .أي : ومن يكفر بشرائع الله وبتكاليفه التي أنزلها على نبيه صلى الله عليه وسلم فقد حبط عمله ، أي : خاب سعيه .
وفسد عمله الذي عمله .
وهو في الآخرة من الهالكين الذين ضيعوا ما عملوه في الدنيا من أعمال بسبب انتهاكهم لحرمات الله وأحكام دينه .فالمقصود من هذه الجملة الكريمة : الترهيب من مخالفة أوامر الله والترغيب في طاعته - سبحانه - .هذا ، ومن الأحكام التي أخذها العلماء من الآية الكريمة .1 - إباحة التمتع بالطيبات التي أنعم بها - سبحانه - على عباده ، ولم يرد نص بحرمتها .2 - إباحة الأكل من ذبائح أهل الكتاب وإباحة إطعامهم من طعامنا .3 - الترغيب في نكاح المرأة المحصنة أي التي أحصنت نفسها عن الفواحش وصانتا عن كل ريبة واعتصمت بالعفاف والشرف ، وكان سلوكها المستقيم دليلا على أنها متمسكة بتعاليم دينها .
وبالآداب الحميدة التي جاءت بها شريعة الإِسلام .وقد وردت أحاديث كثيرة في هذا المعنى ، ومن ذلك ما رواه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا تنكح المرأة لأربع : لمالها ، ولحسبها ، ولجمالها ، ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك " .ومعنى ( تربت يداك ) : افتقرت وندمت إن لم تبحث عن ذات الدين ، وتجعلها محط طلبك للزواج بها .وروى أبو داود والنسائي عن ابن عباس قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " إن امرأتي لا تمنع يد لامس .
قال صلى الله عليه وسلم : " غربها - أي طلقها - " .
قال : أخاف أن تتبعها نفسي - أي : أرتكب معها ما نهى الله عنه بعد طلاقها - قال صلى الله عليه وسلم : " فاستمتع بها " أي أبقها مع المحافظة عليها .4 - إباحة نكاح النساء الكتابيات - وهذا مذهب أكثر الفقهاء ، لأن هذا هو الظاهر من معى قوله تعالى : ( والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ ) .قال ابن كثير : وقد كان عبد الله بن عمر لا يرى التزويج بالنصرانية ويقول : لا أعلم شركا أعظم من أن تقول : إن ربها عيسى ، وقد قال الله - تعالى - ( وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات حتى يُؤْمِنَّ ) وعن ابن عباس قال : نزلت هذه الآية ( وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات حتى يُؤْمِنَّ ) فحجز الناس عنهن حتى نزلت : ( والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ ) فنكح الناس نساء أهل الكتاب .وقد تزود جماعة من الصحابة من نساء النصارى ولم يروا بذلك بأسا أخذا بهذه الآية ، وجعلوها مخصصة للتي في سورة البقرة وهي قوله - تعالى - : ( وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات حتى يُؤْمِنَّ ) إن قيل بدخول الكتابيات في عمومها .
وإلا فلا معارضة بينها وبينها؛ لأن أهل الكتاب انفصلوا في ذكرهم عن المشركين في غير موضع .
كقوله - تعالى - ( لَمْ يَكُنِ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب والمشركين مُنفَكِّينَ حتى تَأْتِيَهُمُ البينة ) وقال بعض العلماء ما ملخصه : قوله - تعالى - : ( والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ ) أخذه الجمهور على عمومه ، فأباحوا التزوج من أهل الكتاب وإن غيروا وبدلوا ، ذميين كانوا أو حربيين .
وقيد جماعة بالذميين دون الحربيين .وذهب جماعة من السلف إلى أن أهل الكتاب قد غيروا أو بدلوا وعبدوا المسيح .وقالوا : إن الله ثالث ثلاثة .
فهم بذلك والمشركون في العقيدة سواء وقد حرم الله التزوج من المشركات ونسب هذا الرأي إلى عبدالله بن عمر وغيره من الصحابة .وتأولوا الآية بوجوه أقر بها أنها رخصة خاصة في الوقت الذي نزلت فيه .
قال عطاء : إنما رخص الله في التزوج بالكتابية في ذلك الوقت؛ لأنه كان في المسلمات قلة .
أما الآن ففيهن الكثرة العظيمة ، فزالت الحاجة فلا جرم زالت الرخصة .والذي نراه في المسألة أنه ليس في الآية ما يدل على أنه رخصة ، ولا نعلم في الشريعة ما يدل على أنه رخصة .
والآية دالة على الإِباحة المطلقة ، ولم تقيد بوقت خاص ، ولا بحالة خاصة .نعم إن ما نراه اليوم في بعض المسلمين من رغبة التزوج بنساء الإِفرنج لا لغاية سوى أنها إفرنجية .
ثم يضع نفسه وأولاده تحت تصرفها فتنشئهم على تقاليدها وعاداتها التي تأباها تعاليم الإِسلام .نعم إن ما نراه من كل ذلك يجعلنا نوجب على الحكومات التي تدين بالإِسلام وتغار على قوميتها وشعائرها .
.
أن تمنع من التزوج بالكتابيات ، وأن تضع حدا لهؤلاء الذين ينسلخون عن قوامتهم على المرأة .
حفاظاً على مبادئ الدين وعلى عقيدة أولاد المسلمين .وإن العمل على تقييد هذا احلكم في التشريع الإِسلامي أو منعه ، لألزم وأوجب مما تقوم به بعض الحكومات الإِسلامية ، أو تحاول أن تقوم به ، من تحديد سن الزواج للفتاة .
وتقييد تعدد الزوجات ، وتقييد الطلاق ، وما إلى ذلك من التشريعات التي ينشط لها كثير من رجال الحكم ، سيراً وراء مدنية الغرب المظلمة .ألا وإن انحلال الكثرة الغالبة ممن يميلون إلى التزوج بالكتابيات للمعاني التي أشرنا إليها لمما يوجب الوقوف أمام هذه الإِباحة التي أصبحت حالتنا لا تتفق والغرض المقصود منها .وهذا معىن تشهد به كليات الدين وقواعده التي يتجلى فيها شدة حرصه على حفظ شخصية الأمة الإِسلامية ، وعدم انحلالها وفنائها في غيرها .
قوله تعالى: ﴿ اليوم أُحِلَّ لَكُمُ الطيبات ﴾ .
اعلم أنه تعالى أخبر في هذه الآية المتقدمة أنه أحل الطيبات، وكان المقصود من ذكره الأخبار عن هذا الحكم، ثم أعاد ذكره في هذه الآية، والغرض من ذكره أنه قال: ﴿ اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى ﴾ فبين أنه كما أكمل الدين وأتمم النعمة في كل ما يتعلق بالدين، فكذلك أتم النعمة في كل ما يتعلق بالدنيا، ومنها إحلال الطيبات، والغرض من الاعادة رعاية هذه النكتة.
ثم قال تعالى: ﴿ وَطَعَامُ الذين أُوتُواْ الكتاب حِلٌّ لَّكُمْ ﴾ وفي المراد بالطعام هاهنا وجوه ثلاثة: الأول: أنه الذبائح، يعني أنه يحل لنا أكل ذبائح أهل الكتاب، وأما المجوس فقد سن فيهم سنة أهل الكتاب في أخذ الجزية منهم دون أكل ذبائحهم ونكاس نسائهم، وعن علي رضي الله عنه أنه استثنى نصارى بني تغلب، وقال: ليسوا على النصرانية ولم يأخذوا منها إلاّ شرب الخمر، وبه أخذ الشافعي رحمه الله.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل عن ذبائح نصارى العرب فقال لا بأس به، وبه أخذوا أبو حنيفة رحمه الله.
والوجه الثاني: أن المراد هو الخبز والفاكهة وما لا يحتاج فيه إلى الذكاة، وهو منقول عن بعض أئمة الزيدية، والثالث: أن المراد جميع المطعومات، والأكثرون على القول الأول ورجحوا ذلك من وجوه: أحدها: أن الذبائح هي التي تصير طعاماً بفعل الذابح، فحمل قوله: ﴿ وَطَعَامُ الذين أُوتُواْ الكتاب ﴾ على الذبائح أولى.
وثانيها: أن ما سوى الذبائح فهي محللة قبل أن كانت لأهل الكتاب وبعد أن صارت لهم، فلا يبقى لتخصيصها بأهل الكتاب فائدة.
وثالثها: ما قبل هذه الآية في بيان الصيد والذبائح، فحمل هذه الآية على الذبائح أولى.
ثم قال تعالى: ﴿ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ ﴾ أي ويحل لكم أن تطعموهم من طعامكم لأنه لا يمتنع أن يحرم الله أن نطعمهم من ذبائحنا، وأيضاً فالفائدة في ذكر ذلك أن إباحة المناكحة غير حاصلة في الجانبين، وإباحة الذبائح كانت حاصلة في الجانبين، لا جرم ذكر الله تعالى ذلك تنبيهاً على التمييز بين النوعين.
ثم قال تعالى: ﴿ والمحصنات مِنَ المؤمنات ﴾ وفي المحصنات قولان: أحدهما: أنها الحرائر، والثاني: أنها العفائف، وعلى التقدير الثاني يدخل فيه نكاح الأمة، والقول الأول أولى لوجوه: أحدها: أنه تعالى قال بعد هذه الآية ﴿ إذا آتيتموهن أجورهن ﴾ ومهر الأمة لا يدفع إليها بل إلى سيدها.
وثانيها: أنا بينا في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ المحصنات المؤمنات فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أيمانكم مّن فتياتكم المؤمنات ﴾ أن نكاح الأمة إنما يحل بشرطين: عدم طول الحرة، وحصول الخوف من العنت.
وثالثها: أن تخصيص العفائف بالحل يدل ظاهراً على تحريم نكاح الزانية، وقد ثبت أنه غير محرم، أما لو حملنا المحصنات على الحرائر يلزم تحريم نكاح الأمة ونحن نقول به على بعض التقديرات.
ورابعها: أنا بينا أن اشتقاق الاحصان من التحصن، ووصف التحصن في حق الحرة أكثر ثبوتاً منه في حق الأمة لما بينا أن الأمة وإن كانت عفيفة إلاّ أنها لا تخلو من الخروج والبروز والمخالطة مع الناس بخلاف الحرة، فثبت أن تفسير المحصنات بالحرائر أولى من تفسيرها بغيرها.
ثم قال تعالى: ﴿ والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ ﴾ وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: ذهب أكثر الفقهاء إلى أنه يحل التزوج بالذمية من الليهود والنصارى وتمسكوا فيه بهذه الآية، وكان ابن عمر رضي الله عنهما لا يرى ذلك ويحتج بقوله: ﴿ وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات حتى يُؤْمِنَّ ﴾ ويقول: لا أعلم شركاً أعظم من قولها: إن ربها عيسى، ومن قال بهذا القول أجابوا عن التمسك بقوله تعالى: ﴿ والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب ﴾ بوجوه: الأول: أن المراد الذين آمنوا منهم، فإنه كان يحتمل أن يخطر ببال بعضهم أن اليهودية إذا آمنت فهل يجوز للمسلم أن يتزوج بها أم لا؟
فبيّن تعالى بهذه الآية جواز ذلك، والثاني: روي عن عطاء أنه قال: إنما رخص الله تعالى في التزوج بالكتابية في ذلك الوقت لأنه كان في المسلمات قلة، وأما الآن ففيهن الكثرة العظيمة، فزالت الحاجة فلا جرم زالت الرخصة، والثالث: الآيات الدالة على وجوب المباعدة عن الكفار، كقوله: ﴿ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء ﴾ وقوله: ﴿ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مّن دُونِكُم ﴾ ولأن عند حصول الزوجية ربما قويت المحبة ويصير ذلك سبباً لميل الزوج إلى دينها، وعند حدوث الولد فربما مال الولد إلى دينها، وكل ذلك إلقاء للنفس في الضرر من غير حاجة.
الرابع: قوله تعالى في خاتمة هذه الآية ﴿ وَمَن يَكْفُرْ بالإيمان فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الاخرة مِنَ الخاسرين ﴾ وهذا من أعظم المنفرات عن التزوج بالكافرة، فلو كان المراد بقوله تعالى: ﴿ والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ ﴾ إباحة التزوج بالكتابية لكان ذكر هذه الآية عقيبها كالتناقض وهو غير جائز.
المسألة الثانية: إن قلنا: المراد بالمحصنات: الحرائر، لم تدخل الأمة الكتابية تحت الآية، وإن قلنا: المراد بالمحصنات: العفائف دخلت، وعلى هذا البحث وقع الخلاف بين الشافعي وأبي حنيفة فعند الشافعي لا يجوز التزوج بالأمة الكاتبية.
قال: لأنه اجتمع في حقها نوعان من النقصان: الكفر والرق، وعند أبي حنيفة رحمه الله يجوز، وتمسك بهذه الآية بناء على أن المراد بالمحصنات العفائف وقد سبق الكلام فيه.
المسألة الثالثة: قال سعيد بن المسيب والحسن ﴿ والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب ﴾ يدخل فيه الذميات والحربيات، فيجوز التزوج بكلهن، وأكثر الفقهاء على أن ذلك مخصوص بالذمية فقط، وهذا قول ابن عباس، فإنه قال: من نساء أهل الكتاب من يحل لنا، ومنهن من لا يحل لنا، وقرأ ﴿ قاتلوا الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله ﴾ إلى قوله: ﴿ حتى يُعْطُواْ الجزية عَن يَدٍ ﴾ فمن أعطى الجزية حل، ومن لم يعط لم يحل.
المسألة الرابعة: اتفقوا على أن المجوس قد سن بهم سنة أهل الكتاب في أخذ الجزية منهم دون أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم، وروي عن ابن المسيب أنه قال: إذا كان المسلم مريضاً فأمر المجوسي أن يذكر الله ويذبح فلا بأس، وقال أبو ثور: وإن أمرة بذلك في الصحة فلا بأس.
المسألة الخامسة: قال الكثير من الفقهاء: إنما يحل نكاح الكتابية التي دانت بالتوراة والإنجيل قبل نزول القرآن، قالوا: والدليل عليه قوله: ﴿ والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ ﴾ فقوله: ﴿ مِن قَبْلِكُمْ ﴾ يدل على أن من دان الكتاب بعد نزول الفرقان خرج عن حكم الكتاب.
ثم قال تعالى: ﴿ إذا أتيتموهن أجورهن ﴾ وتقييد التحليل بإيتاء الأجور يدل على تأكد وجوبها وأن من تزوج امرأة وعزم على أن لا يعطيها صداقها كان في صورة الزاني، وتسمية المهر بالأجر يدل على أن الصداق لا يتقدر، كما أن أقل الأجر لا يتقدر في الإجارات.
ثم قال تعالى: ﴿ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِى أَخْدَانٍ ﴾ قال الشعبي: الزنا ضربان: السفاح وهو الزنا على سبيل الإعلان، واتخاذ الخدن وهو الزنا في السر، والله تعالى حرّمهما في هذه الآية وأباح التمتع بالمرأة على جهة الاحصان وهو التزوج.
ثم قال تعالى: ﴿ وَمَن يَكْفُرْ بالإيمان فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: في تعلق هذه الآية بما قبلها وجهان: الأول: أن المقصود منه الترغيب فيما تقدم من التكاليف والأحكام، يعني ومن يكفر بشرائع الله وبتكاليفه فقد خاب وخسر في الدنيا والآخرة، والثاني: قال القفال: المعنى أن أهل الكتاب وإن حصلت لهم في الدنيا فضيلة المناكحة وإباحة الذبائح في الدنيا إلاّ أن ذلك لا يفرق بينهم وبين المشركين في أحوال الآخرة وفي الثواب والعقاب، بل كل من كفر بالله فقد حبط عمله في الدنيا ولم يصل إلى شيء من السعادات في الآخرة ألبتة.
المسألة الثانية: قوله: ﴿ وَمَن يَكْفُرْ بالإيمان فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ ﴾ فيه إشكال، وهو أن الكفر إنما يعقل بالله ورسوله، فأما الكفر بالإيمان فهو محال، فلهذا السبب اختلف المفسرون على وجوه: الأول: قال ابن عباس ومجاهد ﴿ وَمَن يَكْفُرْ بالإيمان ﴾ أي ومن يكفر بالله، إنما حسن هذا المجاز لأنه تعالى رب الإيمان، ورب الشيء قد يسمى باسم ذلك الشيء على سبيل المجاز، والثاني: قال الكلبي ﴿ وَمَن يَكْفُرْ بالإيمان ﴾ أي بشهادة أن لا إله إلاّ الله، فجعل كلمة التوحيد إيماناً، فإن الإيمان بها لما كان واجباً كان الإيمان من لوازمها بحسب أمر الشرع، وإطلاق اسم الشيء على لازمه مجاز مشهور، والثالث: قال قتادة: إن ناساً من المسلمين قالوا: كيف نتزوج نساءهم مع كونهم على غير ديننا!فأنزل الله تعالى هذه الآية أي، ومن يكفر بما نزل في القرآن فهو كذا وكذا، فسمى القرآن إيماناً لأنه هو المشتمل على بيان كل ما لابد منه في الإيمان.
المسألة الثالثة: القائلون بالاحباط قالوا: المراد بقوله: ﴿ وَمَن يَكْفُرْ بالإيمان فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ ﴾ أي عقاب كفره يزيل ما كان حاصلاً له من ثواب إيمانه، والذين ينكرون القول بالاحباط قالوا: معناه أن عمله الذي أتى به بعد ذلك الإيمان فقد هلك وضاع؛ فإنه إنما يأتي بتلك الأعمال بعد الإيمان لاعتقاده أنها خير من الإيمان، فإذا لم يكن الأمر كذلك بل كان ضائعاً باطلاً كانت تلك الأعمال باطلة في أنفسها، فهذا هو المراد من قوله: ﴿ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ ﴾ .
المسألة الرابعة: قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ فِي الاخرة مِنَ الخاسرين ﴾ مشروط بشرط غير مذكور في الآية، وهو أن يموت على ذلك الكفر؛ إذ لو تاب عن الكفر لم يكن في الآخرة من الخاسرين، والدليل على أنه لابد من هذا الشرط قوله تعالى: ﴿ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ ﴾ الآية.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَطَعَامُ الذين أُوتُواْ الكتاب ﴾ قيل: هو ذبائحهم.
وقيل: هو جميع مطاعمهم.
ويستوي في ذلك جميع النصارى.
وعن علي رضي الله عنه: أنه استثنى نصارى بني تغلب وقال: ليسوا على النصرانية ولم يأخذوا منها إلا شرب الخمر، وبه أخذ الشافعي.
وعن ابن عباس أنه سئل عن ذبائح نصارى العرب فقال: لا بأس.
وهو قول عامة التابعين، وبه أخذ أبو حنيفة وأصحابه.
وحكم الصابئين حكم أهل الكتاب عند أبي حنيفة.
وقال صاحباه: هم صنفان: صنف يقرؤن الزبور ويعبدون الملائكة.
وصنف لا يقرؤن كتاباً ويعبدون النجوم؛ فهؤلاء ليسوا من أهل الكتاب.
وأما المجوس فقد سنّ بهم سنّة أهل الكتاب في أخذ الجزية منهم دون أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم.
وقد وري عن أبي المسيب أنه قال: إذا كان المسلم مريضاً فأمر المجوسي أن يذكر اسم الله ويذبح فلا بأس.
وقال أبو ثور: وإن أمره بذلك في الصحة فلا بأس وقد أساء ﴿ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ ﴾ فلا عليكم أن تطعموهم، لأنه لو كان حراماً عليهم طعام المؤمنين لما ساغ لهم إطعامهم ﴿ والمحصنات ﴾ الحرائر أو العفائف وتخصيصهن بعث على تخير المؤمنين لنطفهم والإماء من المسلمات يصحّ نكاحهنّ بالاتفاق، وكذلك نكاح غير العفائف منهن، وأما الإماء الكتابيات، فعند أبي حنيفة: هنَّ كالمسلمات، وخالفه الشافعي، وكان ابن عمر لا يرى نكاح الكتابيات، ويحتج بقوله: ﴿ وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات حتى يُؤْمِنَّ ﴾ [البقرة: 221] ويقول: لا أعلم شركاً أعظم من قولها: إن ربها عيسى.
وعن عطاء: قد أكثر الله المسلمات، وإنّما رخص لهم يومئذ ﴿ مُّحْصِنِينَ ﴾ أعفاء ﴿ وَلاَ مُتَّخِذِى أَخْدَانٍ ﴾ صدائق، والخدن يقع على الذكر والأنثى ﴿ وَمَن يَكْفُرْ بالإيمان ﴾ بشرائع الإسلام وما أحلّ الله وحرّم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ اليَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ ﴾ يَتَناوَلُ الذَّبائِحَ وغَيْرَها، ويَعُمُّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ اليَهُودَ والنَّصارى، واسْتَثْنى عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ نَصارى بَنِي تَغْلِبَ وقالَ: لَيْسُوا عَلى النَّصْرانِيَّةِ، ولَمْ يَأْخُذُوا مِنها إلّا شُرْبَ الخَمْرِ.
ولا يَلْحَقُ بِهِمُ المَجُوسُ في ذَلِكَ وإنْ أُلْحِقُوا بِهِمْ في التَّقْرِيرِ عَلى الجِزْيَةِ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أهْلِ الكِتابِ، غَيْرَ ناكِحِي نِسائِهِمْ ولا آكِلِي ذَبائِحِهِمْ».» ﴿ وَطَعامُكم حِلٌّ لَهُمْ ﴾ فَلا عَلَيْكم أنْ تُطْعِمُوهم وتَبِيعُوهُ مِنهم ولَوْ حَرُمَ عَلَيْهِمْ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ.
﴿ والمُحْصَناتُ مِنَ المُؤْمِناتِ ﴾ أيِ الحَرائِرُ أوِ العَفائِفُ، وتَخْصِيصُهُنَّ بَعْثٌ عَلى ما هو الأوْلى.
﴿ والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ ﴾ وإنْ كُنَّ حَرْبِيّاتٍ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ لا تَحِلُّ الحَرْبِيّاتُ.
﴿ إذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾ مُهُورَهُنَّ وتَقْيِيدُ الحِلِّ بِإيتائِها لِتَأْكِيدِ وُجُوبِها والحَثُّ عَلى ما هو الأوْلى.
وقِيلَ المُرادُ بِإيتائِها التِزامُها مُحْصِنِينَ أعِفّاءَ بِالنِّكاحِ.
﴿ غَيْرَ مُسافِحِينَ ﴾ غَيْرَ مُجاهِرِينَ بِالزِّنا.
﴿ وَلا مُتَّخِذِي أخْدانٍ ﴾ مُسِرِّينَ بِهِ، والخِدْنُ الصَّدِيقُ يَقَعُ عَلى الذَّكَرِ والأُنْثى.
﴿ وَمَن يَكْفُرْ بِالإيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وهو في الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرِينَ ﴾ يُرِيدُ بِالإيمانِ شَرائِعَ الإسْلامِ وبِالكُفْرِ إنْكارَهُ والِامْتِناعَ عَنْهُ.
<div class="verse-tafsir"
{اليوم} الآن {أُحِلَّ لَكُمُ الطيبات} كرره تأكيداً للمنة {وَطَعَامُ الذين أُوتُواْ الكتاب حِلٌّ لَّكُمْ} أي ذبائحهم لأن سائر الأطعمة لا يختص حلها بالملة {وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ} فلا جناح عليكم أن تطعموهم لأنه لو كان حراماً عليهم طعام المؤمنين لما ساغ لهم اطعامهم {والمحصنات من المؤمنات} هى الحرائر أو العفائف وليس هذا بشرط لصحة النكاح بل هو للاستحباب لأنه يصح نكاح الإماء من المسلمات ونكاح غير العفائف وتخصيصهن بعث على
تخير من المؤمنين لنطفهم وهو معطوف على الطيبات أو مبتدأ والخبر محذوف أي والمحصنات من المؤمنات حل لكم {والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب من قبلكم} هى الحرائر الكتابيات أو العفائف الكتابيات {إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} أعطيتموهن مهورهن {مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مسافحين} متزوجين غير زانين {وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ} صدائق والخدن يقع على الذكر والأنثى {وَمَن يَكْفُرْ بالإيمان} بشرائع الإسلام وما أحل الله وحرم {فَقَدْ حَبِطَ} بطل {عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخرة مِنَ الخاسرين}
﴿ اليَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ ﴾ إعادَةُ هَذا الحُكْمِ لِلتَّأْكِيدِ والتَّوْطِئَةِ لِما بَعْدَهُ، وسَبَبُ ذِكْرِ اليَوْمِ يُعْلَمُ مِمّا ذُكِرَ أمْسِ.
وقالَ النَّيْسابُورِيُّ: فائِدَةُ الإعادَةِ أنْ يُعْلَمَ بَقاءُ هَذا الحُكْمِ عِنْدَ إكْمالِ الدِّينِ واسْتِقْرارِهِ، والأوَّلُ أوْلى.
﴿ وطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ ﴾ أيْ: حَلالٌ، والمُرادُ بِالمَوْصُولِ اليَهُودُ والنَّصارى، حَتّى نَصارى العَرَبِ عِنْدَنا، ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - أنَّهُ اسْتَثْنى نَصارى بَنِي تَغْلِبَ، وقالَ: «لَيْسُوا عَلى النَّصْرانِيَّةِ، ولَمْ يَأْخُذُوا مِنها إلّا شُرْبَ الخَمْرِ» وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ ابْنُ جُبَيْرٍ، وحَكاهُ الرَّبِيعُ عَنِ الشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - والمُرادُ بِطَعامِهِمْ ما يَتَناوَلُ ذَبائِحَهم وغَيْرَها مِنَ الأطْعِمَةِ، كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأبِي الدَّرْداءِ، وإبْراهِيمَ، وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ، والضَّحّاكِ، ومُجاهِدٍ - رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ - وبِهِ قالَ الجُبّائِيُّ والبَلْخِيُّ، وغَيْرُهم.
وفِي البُخارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّ المُرادَ بِهِ الذَّبائِحُ؛ لِأنَّ غَيْرَها لَمْ يُخْتَلَفْ في حِلِّهِ، وعَلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وقِيلَ: إنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالحُبُوبِ، وما لا يُحْتاجُ فِيهِ إلى التَّذْكِيَةِ، وهو المَرْوِيُّ عِنْدَ الإمامِيَّةِ، عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - وبِهِ قالَ جَماعَةٌ مِنَ الزَّيْدِيَّةِ، فَلا تَحِلُّ ذَبائِحُهم عِنْدَ هَؤُلاءِ، وحُكْمُ الصّابِئِينَ حُكْمُ أهْلِ الكِتابِ عِنْدَ الإمامِ الأعْظَمِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - وقالَ صاحِباهُ: الصّائِبَةُ صِنْفانِ: صِنْفٌ يَقْرَءُونَ الزَّبُورَ ويَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ، وصِنْفٌ لا يَقْرَءُونَ كِتابًا يَعْبُدُونَ النُّجُومَ، فَهَؤُلاءِ لَيْسُوا مِن أهْلِ الكِتابِ.
وأمّا المَجُوسُ فَقَدَ سُنَّ بِهِمْ سُنَّةَ أهْلِ الكِتابِ في أخْذِ الجِزْيَةِ مِنهم دُونَ أكْلِ ذَبائِحِهِمْ ونِكاحِ نِسائِهِمْ؛ لِما رَوىعَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبَيْهَقِيُّ، مِن طَرِيقِ الحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قالَ: ««كَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - إلى مَجُوسِ هَجَرَ يَعْرِضُ عَلَيْهِمُ الإسْلامَ، فَمَن أسْلَمَ قُبِلَ، ومَن أصَرَّ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الجِزْيَةُ غَيْرَ ناكِحِي نِسائِهِمْ»» وهو وإنْ كانَ مُرْسَلًا وفي إسْنادِهِ قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ وهو ضَعِيفٌ إلّا أنَّ إجْماعَ أكْثَرِ المُسْلِمِينَ - كَما قالَ البَيْهَقِيُّ - عَلَيْهِ يُؤَكِّدُهُ.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ في حِلِّ ذَبِيحَةِ اليَهُودِيِّ والنَّصْرانِيِّ إذا ذُكِرَ عَلَيْها اسْمُ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى كَعُزَيْرٍ وعِيسى - عَلَيْهِما السَّلامُ - فَقالَ ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -: لا تَحِلُّ، وهو قَوْلُ رَبِيعَةَ، وذَهَبَ أكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّها تَحِلُّ، وهو قَوْلُ الشَّعْبِيِّ وعَطاءٍ، قالا: فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أحَلَّ ذَبائِحَهم وهو يَعْلَمُ ما يَقُولُونَ.
وقالَ الحَسَنُ: إذا ذَبَحَ اليَهُودِيُّ والنَّصْرانِيُّ فَذَكَرَ اسْمَ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى وأنْتَ تَسْمَعُ فَلا تَأْكُلْ، فَإذا غابَ عَنْكَ فَكُلْ فَقَدْ أحَلَّ اللَّهُ تَعالى لَكَ.
﴿ وطَعامُكم حِلٌّ لَهُمْ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ وكَثِيرٌ مِنَ المُتَأخِّرِينَ: إنَّ هَذا خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، والمَعْنى: لا جُناحَ عَلَيْكم أيُّها المُؤْمِنُونَ أنْ تُطْعِمُوا أهْلَ الكِتابِ مِن طَعامِكُمْ، فَلا تَصْلُحُ الآيَةُ دَلِيلًا لِمَن يَرى أنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ؛ لِأنَّ التَّحْلِيلَ حُكْمٌ، وقَدْ عَلَّقَهُ سُبْحانَهُ بِهِمْ فِيها كَما عَلَّقَ الحُكْمَ بِالمُؤْمِنِينَ، واعْتُرِضَ عَلى ظاهِرِهِ بِأنَّهُ إنَّما يَتَأتّى لَوْ كانَ الإطْعامُ بَدَلَ الطَّعامِ، فَإنْ زَعَمُوا أنَّ الطَّعامَ يَقُومُ مَقامَ الإطْعامِ تَوَسُّعًا ورَدَ الفَصْلُ بَيْنَ المَصْدَرِ وصِلَتِهِ بِخَبَرِ المُبْتَدَأِ وهو مُمْتَنِعٌ، فَقَدْ صَرَّحُوا بِأنَّهُ لا يَجُوزُ: إطْعامُ زَيْدٍ حَسَنٌ لِلْمَساكِينِ، وضَرْبُكَ شَدِيدٌ زَيْدًا، فَكَيْفَ جازَ: ( وطَعامُكم حِلٌّ لَهم ) وعَنْ بَعْضِهِمْ، فَإنْ قِيلَ: ما الحِكْمَةُ في هَذِهِ الجُمْلَةِ وهم كُفّارٌ لا يَحْتاجُونَ إلى بَيانِنا؟
أُجِيبَ بِأنَّ المَعْنى: انْظُرُوا إلى ما أُحِلَّ لَكم في شَرِيعَتِكم فَإنْ أطْعَمُوكُمُوهُ فَكُلُوهُ، ولا تَنْظُرُوا إلى ما كانَ مُحَرَّمًا عَلَيْهِمْ، فَإنَّ لُحُومَ الإبِلِ ونَحْوِها كانَتْ مُحَرَّمَةً عَلَيْهِمْ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ في شَرِيعَتِنا، فالآيَةُ بَيانٌ لَنا لا لَهُمْ، أيِ اعْلَمُوا أنَّ ما كانَ مُحَرَّمًا عَلَيْهِمْ مِمّا هو حَلالٌ لَكم قَدْ أُحِلَّ لَكم أيْضًا، ولِذَلِكَ لَوْ أطْعَمُونا خِنْزِيرًا أوْ نَحْوَهُ وقالُوا: هو حَلالٌ في شَرِيعَتِنا وقَدْ أباحَ اللَّهُ تَعالى لَكم طَعامَنا كَذَّبْناهُمْ، وقُلْنا: إنَّ الطَّعامَ الَّذِي يَحِلُّ لَكم هو الَّذِي يَحِلُّ لَنا لا غَيْرُهُ.
فَحاصِلُ المَعْنى: طَعامُهم حِلٌّ لَكم إذا كانَ الطَّعامَ الَّذِي أحْلَلْتُهُ لَكُمْ، وهَذا التَّفْسِيرُ مَعْنى قَوْلِ السُّدِّيِّ وغَيْرِهِ، فافْهَمْهُ، فَقَدْ أُشْكِلَ عَلى بَعْضِ المُعاصِرِينَ.
﴿ والمُحْصَناتُ مِنَ المُؤْمِناتِ ﴾ عَطْفٌ عَلى ( الطَّيِّباتِ ) أوْ مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما تَقَدَّمَ عَلَيْهِ، أيْ: حِلٌّ لَكم أيْضًا، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ ( المُحْصَناتُ ) أوْ مِنَ الضَّمِيرِ فِيها عَلى ما قالَهُ أبُو البَقاءِ، والمُرادُ بِهِنَّ عِنْدَ الحَسَنِ والشَّعْبِيِّ وإبْراهِيمَ العَفائِفُ، وعِنْدَ مُجاهِدٍ الحَرائِرُ، واخْتارَهُ أبُو عَلِيٍّ، وعِنْدَ جَماعَةٍ العَفائِفُ والحَرائِرُ، وتَخْصِيصُهُنَّ بِالذِّكْرِ لِلْبَعْثِ عَلى ما هو أوْلى لا لِنَفْيِ ما عَداهُنَّ؛ فَإنَّ نِكاحَ الإماءِ المُسْلِماتِ بِشَرْطِهِ صَحِيحٌ بِالِاتِّفاقِ، وكَذا نِكاحُ غَيْرِ العَفائِفِ مِنهُنَّ، وأمّا الإماءُ الكِتابِيّاتُ فَهُنَّ كالمُسْلِماتِ عِنْدَ الإمامِ الأعْظَمِ، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.
﴿ والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِنَ قَبْلِكُمْ ﴾ وإنْ كُنَّ حَرْبِيّاتٍ، كَما هو الظّاهِرُ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -: لا يَجُوزُ نِكاحُ الحَرْبِيّاتِ، وخَصَّ الآيَةَ بِالذِّمِّيّاتِ، واحْتُجَّ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ يُوادُّونَ مَن حادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ ﴾ والنِّكاحُ مُقْتَضٍ لِلْمَوَدَّةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ خَلَقَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا لِتَسْكُنُوا إلَيْها وجَعَلَ بَيْنَكم مَوَدَّةً ورَحْمَةً ﴾ قالَ الجَصّاصُ: وهَذا عِنْدَنا إنَّما يَدُلُّ عَلى الكَراهَةِ، وأصْحابُنا يَكْرَهُونَ مُناكَحَةَ أهْلِ الحَرْبِ، وذَهَبَتِ الإمامِيَّةُ إلى أنَّهُ لا يَجُوزُ عَقْدُ نِكاحِ الدَّوامِ عَلى الكِتابِيّاتِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ ﴾ ولِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ولا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ ﴾ وأوَّلُوا هَذِهِ الآيَةَ بِأنَّ المُرادَ مِنَ المُحْصَناتِ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ اللّاتِي أسْلَمْنَ مِنهُنَّ، والمُرادُ مِنَ المُحْصَناتِ مِنَ المُؤْمِناتِ اللّاتِي كُنَّ في الأصْلِ مُؤْمِناتٍ، وذَلِكَ أنَّ قَوْمًا كانُوا يَتَحَرَّجُونَ مِنَ العَقْدِ عَلى مَن أسْلَمَتْ عَنْ كُفْرٍ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ لا حَرَجَ في ذَلِكَ.
وإلى تَفْسِيرِ المُحْصَناتِ بِمَن أسْلَمْنَ ذَهَبَ ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أيْضًا، ولا يَخْفى أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ، ويَأْباهُ النَّظْمُ، ولِذَلِكَ زَعَمَ بَعْضُهم أنَّ المُرادَ هو الظّاهِرُ، إلّا أنَّ الحِلَّ مَخْصُوصٌ بِنِكاحِ المُتْعَةِ ومِلْكِ اليَمِينِ، ووَطْؤُهُنَّ حَلالٌ بِكِلا الوَجْهَيْنِ عِنْدَ الشِّيعَةِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا أدْهى وأمَرُّ، ولِذَلِكَ هَرَبَ بَعْضُهم إلى دَعْوى أنَّ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِالآيَتَيْنِ المُتَقَدِّمَتَيْنِ آنِفًا؛ احْتِجاجًا بِما رَواهُ الجارُودُ، عَنْ أبِي جَعْفَرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - في ذَلِكَ، ولا يَصِحُّ ذَلِكَ مِن طَرِيقِ أهْلِ السُّنَّةِ، نَعَمْ، أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - قالَ: ««نَهى رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَنْ أصْنافِ النِّساءِ إلّا ما كانَ مِنَ المُؤْمِناتِ المُهاجِراتِ، وحَرَّمَ كُلَّ ذاتِ دِينٍ غَيْرِ الإسْلامِ»».
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ نِكاحِ المُسْلِمِ اليَهُودِيَّةَ والنَّصْرانِيَّةَ فَقالَ: «تَزَوَّجْناهُنَّ زَمَنَ الفَتْحِ ونَحْنُ لا نَكادُ نَجِدُ المُسْلِماتِ كَثِيرًا، فَلَمّا رَجَعْنا طَلَّقْناهُنَّ».
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ سُئِلَ: «أيَتَزَوَّجُ الرَّجُلُ المَرْأةَ مِن أهْلِ الكِتابِ؟
فَقالَ: ما لَهُ ولِأهْلِ الكِتابِ؟!
وقَدْ أكْثَرَ اللَّهُ تَعالى المُسْلِماتِ، فَإنْ كانَ لا بُدَّ فاعِلًا فَلْيَعْمِدْ إلَيْها حَصانًا غَيْرَ مُسافِحَةٍ، قالَ الرَّجُلُ: وما المُسافَحَةُ؟
قالَ: هي الَّتِي إذا لَمَحَ الرَّجُلُ إلَيْها بِعَيْنِهِ اتَّبَعَتْهُ».
﴿ إذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾ أيْ: مُهُورَهُنَّ، وهي عِوَضُ الِاسْتِمْتاعِ بِهِنَّ، كَما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - وغَيْرُهُ، وتَقْيِيدُ الحِلِّ بِإيتائِها لِتَأْكِيدِ وُجُوبِها لِلِاحْتِرازِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالإيتاءِ التَّعَهُّدُ والِالتِزامُ مَجازًا، ولَعَلَّهُ أقْرَبُ مِنَ الأوَّلِ، وإنْ كانَ المَآلُ واحِدًا، و( إذا ) ظَرْفٌ لِـ( حَلَّ ) المَحْذُوفِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً حُذِفَ جَوابُها، أيْ: إذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ حَلَلْنَ لَكم.
﴿ مُحْصِنِينَ ﴾ أيْ: أعِفّاءَ بِالنِّكاحِ، وهو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ ( آتَيْتُمُوهُنَّ ) وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ( غَيْرَ مُسافِحِينَ ) وقِيلَ: هو حالٌ مِن ضَمِيرِ ( مُحْصِنِينَ ) وقِيلَ: صِفَةٌ لِـ( مُحْصِنِينَ ) أيْ: غَيْرَ مُجاهِرِينَ بِالزِّنا.
﴿ ولا مُتَّخِذِي أخْدانٍ ﴾ أيْ: ولا مُسِرِّينَ بِهِ، والخِدْنُ الصِّدِّيقُ يَقَعُ عَلى الذَّكَرِ والأُنْثى، وقِيلَ: الأوَّلُ نَهْيٌ عَنِ الزِّنا، والثّانِي نَهْيٌ عَنْ مُخالَطَتِهِنَّ و( مُتَّخِذِي ) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَجْرُورًا عَطْفًا عَلى ( مُسافِحِينَ ) وزِيدَتْ ( لا ) لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ المُسْتَفادِ مِن ( غَيْرَ ) ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَطْفًا عَلى ( غَيْرَ مُسافِحِينَ ) بِاعْتِبارِ أوْجُهِهِ الثَّلاثَةِ.
﴿ ومَن يَكْفُرْ بِالإيمانِ ﴾ أيْ: مَن يُنْكِرُ المُؤْمَنَ بِهِ، وهو شَرائِعُ الإسْلامِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما بُيِّنَ هُنا مِنَ الأحْكامِ المُتَعَلِّقَةِ بِالحِلِّ والحُرْمَةِ، ويَمْتَنِعُ عَنْ قَبُولِها ﴿ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ ﴾ أيِ الَّذِي عَمِلَهُ، واعْتَقَدَ أنَّهُ قُرْبَةٌ لَهُ إلى اللَّهِ تَعالى.
﴿ وهُوَ في الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرِينَ ﴾ أيِ الهالِكِينَ، والآيَةُ تَذْيِيلٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اليَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ ﴾ إلَخْ، تَعْظِيمًا لِشَأْنِ ما أحَلَّهُ اللَّهُ تَعالى وما حَرَّمَهُ، وتَغْلِيظًا عَلى مَن خالَفَ ذَلِكَ، فَحَمْلُ الإيمانِ عَلى المَعْنى المَصْدَرِيِّ، وتَقْدِيرُ مُضافٍ - كَما قِيلَ - أيْ: بِمُوجَبِ الإيمانِ، وهو اللَّهُ تَعالى لَيْسَ بِشَيْءٍ، وإنْ أشْعَرَ بِهِ كَلامُ مُجاهِدٍ، وضَمِيرُ الرّافِعِ مُبْتَدَأٌ، و( مِنَ الخاسِرِينَ ) خَبَرُهُ، و( في ) مُتَعَلِّقَةٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ الخَبَرُ مِنَ السُّكُونِ المُطْلَقِ، وقِيلَ: بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ أيْ: خاسِرِينَ في الآخِرَةِ، وقِيلَ بِالخاسِرِينَ عَلى أنَّ ( ألْ ) مُعَرِّفَةٌ لا مَوْصُولَةٌ؛ لِأنَّ ما بَعْدَها لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها، وقِيلَ: يُغْتَفَرُ في الظَّرْفِ ما لا يُغْتَفَرُ في غَيْرِهِ كَما في قَوْلِهِ: رَبَّيْتُهُ حَتّى إذا ما تَمَعْدَدا كانَ جَزائِي بِالعَصا أنْ أُجْلَدا * * * هَذا، ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ: ( ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ ) بِالإيمانِ العِلْمِيِّ ( ﴿ أوْفُوا بِالعُقُودِ ﴾ ) أيْ: بِعَزائِمِ التَّكْلِيفِ، وقالَ أبُو الحَسَنِ الفارِسِيُّ: أمَرَ اللَّهُ تَعالى عِبادَهُ بِحِفْظِ النِّيّاتِ في المُعامَلاتِ، والرِّياضاتِ في المُحاسِباتِ، والحِراسَةِ في الخَطِراتِ، والرِّعايَةِ في المُشاهَداتِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: ( أوْفُوا بِالعُقُودِ ) عَقْدِ القَلْبِ بِالمَعْرِفَةِ، وعَقْدِ اللِّسانِ بِالثَّناءِ، وعَقْدِ الجَوارِحِ بِالخُضُوعِ.
وقِيلَ: أوَّلُ عَقْدٍ عُقِدَ عَلى المَرْءِ عَقْدُ الإجابَةِ لَهُ سُبْحانَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ وعَدَمِ المُخالَفَةِ بِالرُّجُوعِ إلى ما سِواهُ، والعَقْدُ الثّانِي عَقْدُ تَحَمُّلِ الأمانَةِ وتَرْكِ الخِيانَةِ.
( ﴿ أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ ﴾ ) أيْ: أُحِلَّ لَكم جَمِيعُ أنْواعِ التَّمَتُّعاتِ والحُظُوظِ بِالنُّفُوسِ السَّلِيمَةِ، الَّتِي لا يَغْلِبُ عَلَيْها السَّبُعِيَّةُ والشَّرَهُ ( إلّا ما يُتْلى عَلَيْكم ) مِنَ التَّمَتُّعاتِ المُنافِيَةِ لِلْفَضِيلَةِ والعَدالَةِ ( ﴿ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وأنْتُمْ حُرُمٌ ﴾ ) أيْ: لا مُتَمَتِّعِينَ بِالحُظُوظِ في حالِ تَجَرُّدِكم لِلسُّلُوكِ وقَصْدِكم كَعْبَةَ الوِصالِ، وتَوَجُّهِكم إلى حَرَمِ صِفاتِ الجَمالِ والجَلالِ ( ﴿ إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ ﴾ ) فَلْيَرْضَ السّالِكُ بِحُكْمِهِ؛ لِيَسْتَرِيحَ، ويُهْدى إلى سَبِيلِ رُشْدِهِ.
( ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ ﴾ ) مِنَ المَقاماتِ والأحْوالِ الَّتِي يَعْلَمُ بِها السّالِكُ إلى حَرَمِ رَبِّهِ سُبْحانَهُ، مِنَ الصَّبْرِ والتَّوَكُّلِ والشُّكْرِ ونَحْوِها، أيْ: لا تَخْرُجُوا عَنْ حُكْمِها ( ﴿ ولا الشَّهْرَ الحَرامَ ﴾ ) وهو وقْتُ الحَجِّ الحَقِيقِيِّ، وهو وقْتُ السُّلُوكِ إلى مَلِكِ المُلُوكِ، وإحْلالُهُ بِالخُرُوجِ عَنْ حُكْمِهِ والِاشْتِغالِ بِما يُنافِيهِ ( ﴿ ولا الهَدْيَ ﴾ ) وهو النَّفْسُ المُسْتَعِدَّةُ المُعَدَّةُ لِلْقُرْبانِ عِنْدَ الوُصُولِ إلى الحَضْرَةِ، وإحْلالُها بِاسْتِعْمالِها بِما يَصْرِفُها أوْ تَكْلِيفِها بِما سَبَّبَ مَلَلَها ( ولا القَلائِدَ ) وهي ما قُلِّدَتْهُ النَّفْسُ مِنَ الأعْمالِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي لا يَتِمُّ الوُصُولُ إلّا بِها، وإحْلالُها بِالتَّطْفِيفِ بِها وعَدَمِ إيقاعِها عَلى الوَجْهِ الكامِلِ ( ﴿ ولا آمِّينَ البَيْتَ الحَرامَ ﴾ ) وهُمُ السّالِكُونَ، وإحْلالُهم بِتَنْفِيرِهِمْ وشَغْلِهِمْ بِما يَصُدُّهم أوْ يُكَسِّلُهم ( ﴿ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِن رَبِّهِمْ ﴾ ) بِتَجَلِّياتِ الأفْعالِ ( ﴿ ورِضْوانًا ﴾ ) بِتَجَلِّياتِ الصِّفاتِ ( ﴿ وإذا حَلَلْتُمْ فاصْطادُوا ﴾ ) أيْ: إذا رَجَعْتُمْ إلى البَقاءِ بَعْدَ الفَناءِ، فَلا جُناحَ عَلَيْكم في التَّمَتُّعِ.
( ﴿ ولا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ أنْ صَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ أنْ تَعْتَدُوا ﴾ ) أيْ: لا يَكْسِبَنَّكم بُغْضُ القُوى النَّفْسانِيَّةِ بِسَبَبِ صَدِّها إيّاكم عَنِ السُّلُوكِ ( ﴿ أنْ تَعْتَدُوا ﴾ ) عَلَيْها وتَقْهَرُوها بِالكُلِّيَّةِ، فَتَتَعَطَّلُ أوْ تَضْعُفُ عَنْ مَنافِعِها، أوْ لا يَكْسِبَنَّكم بُغْضُ قَوْمٍ مِن أهالِيكم أوْ أصْدِقائِكم بِسَبَبِ صَدِّهِمْ إيّاكم ( ﴿ أنْ تَعْتَدُوا ﴾ ) عَلَيْهِمْ بِمَقْتِهِمْ وإضْرارِهِمْ وإرادَةِ الشَّرِّ لَهم.
( ﴿ وتَعاوَنُوا عَلى البِرِّ والتَّقْوى ﴾ ) بِتَدْبِيرِ تِلْكَ القُوى وسِياسَتِها، أوْ بِمُراعاةِ الأهْلِ والأصْدِقاءِ والإحْسانِ إلَيْهِمْ ( ﴿ ولا تَعاوَنُوا عَلى الإثْمِ والعُدْوانِ ﴾ ) فَإنَّ ذَلِكَ يَقْطَعُكم عَنِ الوُصُولِ.
وعَنْ سَهْلٍ أنَّ البِرَّ الإيمانُ، والتَّقْوى السُّنَّةُ، والإثْمَ الكُفْرُ، والعُدْوانَ البِدْعَةُ.
وعَنِ الصّادِقِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - البِرُّ الإيمانُ، والتَّقْوى الإخْلاصُ، والإثْمُ الكُفْرُ، والعُدْوانُ المُعاصِي.
وقِيلَ: البَرُّ ما تَوافَقَ عَلَيْهِ العُلَماءُ مِن غَيْرِ خِلافٍ، والتَّقْوى مُخالَفَةُ الهَوى، والإثْمُ طَلَبُ الرُّخَصِ، والعُدْوانُ التَّخَطِّي إلى الشُّبَهاتِ.
( ﴿ واتَّقُوا اللَّهَ ﴾ ) في هَذِهِ الأُمُورِ ( ﴿ إنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ ﴾ ) فَيُعاقِبُكم بِما هو أعْلَمُ ( ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ ﴾ ) وهي خُمُودُ الشَّهْوَةِ بِالكُلِّيَّةِ؛ فَإنَّهُ رَذِيلَةُ التَّفْرِيطِ المُنافِيَةِ لِلْعِفَّةِ ( ﴿ والدَّمُ ﴾ ) وهو التَّمَتُّعُ بِهَوى النَّفْسِ ( ﴿ ولَحْمُ الخِنْزِيرِ ﴾ ) أيْ: وسائِرُ وُجُوهِ التَّمَتُّعاتِ بِالحِرْصِ والشَّرَهِ وقِلَّةِ الغَيْرَةِ ( ﴿ وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ﴾ ) مِنَ الأعْمالِ الَّتِي فُعِلَتْ رِياءً وسُمْعَةً ( ﴿ والمُنْخَنِقَةُ ﴾ ) وهي الأفْعالُ الحَسَنَةُ صُورَةً مَعَ كَمُونِ الهَوى فِيها ( ﴿ والمَوْقُوذَةُ ﴾ ) وهي الأفْعالُ الَّتِي أجْبَرَ عَلَيْها الهَوى ( ﴿ والمُتَرَدِّيَةُ ﴾ ) وهي الأفْعالُ المائِلَةُ إلى التَّفْرِيطِ والنُّقْصانِ ( ﴿ والنَّطِيحَةُ ﴾ ) وهي الأفْعالُ الَّتِي تَصْدُرُ خَوْفَ الفَضِيحَةِ وزَجْرَ المُحْتَسِبِ مَثَلًا ( ﴿ وما أكَلَ السَّبُعُ ﴾ ) وهي الأفْعال الَّتِي مِن مُلائِماتِ القُوَّةِ الغَضَبِيَّةِ مِنَ الأنَفَةِ والحِمْيَةِ النَّفْسانِيَّةِ ( ﴿ إلا ما ذَكَّيْتُمْ ﴾ ) مِنَ الأفْعالِ الحَسَنَةِ، الَّتِي تَصْدُرُ بِإرادَةٍ قَلْبِيَّةٍ، لَمْ يُمازِجْها ما يُشِينُها ( ﴿ وما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ ﴾ ) وهو ما يَفْعَلُهُ أبْناءُ العاداتِ، لا لِغَرَضٍ عَقْلِيٍّ أوْ شَرْعِيٍّ ( ﴿ وأنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأزْلامِ ﴾ ) بِأنْ تَطْلُبُوا السَّعادَةَ والكَمالَ بِالحُظُوظِ والطَّوالِعِ، وتَتْرُكُوا العَمَلَ وتَقُولُوا: لَوْ كانَ مُقَدَّرًا لَنا لِعَمِلْنا، فَإنَّهُ رُبَّما كانَ القَدَرُ مُعَلَّقًا بِالسَّعْيِ ( ﴿ ذَلِكم فِسْقٌ ﴾ ) خُرُوجٌ عَنِ الدِّينِ الحَقِّ؛ لِأنَّ فِيهِ الأمْرَ والنَّهْيَ والِاتِّكالَ عَلى المُقَدَّرِ بِجَعْلِمِها عَبَثًا ( ﴿ اليَوْمَ ﴾ ) وهو وقْتُ حُصُولِ الكَمالِ ( ﴿ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ ﴾ ) بِأنْ يَصُدُّوكم عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ ( ﴿ فَلا تَخْشَوْهُمْ ﴾ ) فَإنَّهم لا يَسْتَوْلُونَ عَلَيْكم بَعْدُ ( ﴿ واخْشَوْنِ ﴾ ) لِتَنالُوا ما لا عَيْنٌ رَأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعْتُ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ( ﴿ اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ ﴾ ) بِبَيانِ ما بَيَّنْتُ ( ﴿ وأتْمَمْتُ عَلَيْكم نِعْمَتِي ﴾ ) بِذَلِكَ أوْ بِالهِدايَةِ إلَيَّ ( ﴿ ورَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ ﴾ ) أيِ الِانْقِيادَ لِلِانْمِحاءِ ( ﴿ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ ﴾ ) إلى تَناوُلِ لَذَّةٍ ( ﴿ فِي مَخْمَصَةٍ ﴾ ) وهي الهَجَيانُ الشَّدِيدُ لِلنَّفْسِ ( ﴿ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لإثْمٍ ﴾ ) غَيْرَ مُنْحَرِفٍ لِرَذِيلَةِ ( ﴿ فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ) فَيَسْتُرُ ذَلِكَ، ويَرْحَمُ بِمَدَدِ التَّوْفِيقِ.
( ﴿ يَسْألُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهم قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ ﴾ ) مِنَ الحَقائِقِ الَّتِي تَحْصُلُ لَكم بِعُقُولِكم وقُلُوبِكم وأرْواحِكم ( ﴿ وما عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ ﴾ ) وهي الحَواسُّ الظّاهِرَةُ والباطِنَةُ، وسائِرُ القُوى والآلاتِ البَدَنِيَّةِ ( ﴿ مُكَلِّبِينَ ﴾ ) مُعَلِّمِينَ لَها عَلى اكْتِسابِ الفَضائِلِ ( ﴿ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ ﴾ ) مِن عُلُومِ الأخْلاقِ والشَّرائِعِ ( ﴿ فَكُلُوا مِمّا أمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ ﴾ ) مِمّا يُؤَدِّي إلى الكَمالِ ( ﴿ واذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ ) بِأنْ تَقْصِدُوا أنَّهُ أحَدُ أسْبابِ الوُصُولِ إلَيْهِ عَزَّ شَأْنُهُ، لا أنَّهٌ لَذَّةٌ نَفْسانِيَّةٌ ( ﴿ وطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ ﴾ ) وهو مَقامُ الفَرْقِ والجَمْعِ ( ﴿ وطَعامُكم حِلٌّ لَهُمْ ﴾ ) فَلا عَلَيْكم أنْ تُطْعِمُوهم مِنهُ، بِأنْ تَضُمُّوا لِأهْلِ الفَرْقِ جَمْعًا ولِأهْلِ الجَمْعِ فَرْقًا ( ﴿ والمُحْصَناتُ مِنَ المُؤْمِناتِ ﴾ ) وهي النُّفُوسُ المُهَذَّبَةُ الكامِلَةُ ( ﴿ والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِنَ قَبْلِكم إذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾ ) أيْ: حُقُوقَهُنَّ مِنَ الكَمالِ اللّائِقِ بِهِنَّ، وألْحَقْتُمُوهُنَّ بِالمُحْصَناتِ مِنَ المُؤْمِناتِ ( ﴿ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ ولا مُتَّخِذِي أخْدانٍ ﴾ ) بَلْ قاصِدِينَ تَكْمِيلَهُنَّ، واسْتِيلاءَ الآثارِ النّافِعَةِ مِنهُنَّ لا مُجَرَّدَ الصُّحْبَةِ، وإفاضَةَ ماءِ المَعارِفِ مِن غَيْرِ ثَمَرَةٍ ( ﴿ ومَن يَكْفُرْ بِالإيمانِ ﴾ ) بِأنْ يُنْكِرَ الشَّرائِعَ والحائِقَ، ويَمْتَنِعَ مِن قَبُولِها ( ﴿ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ ﴾ ) بِإنْكارِهِ الشَّرائِعَ ( ﴿ وهُوَ في الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرِينَ ﴾ ) بِإنْكارِهِ الحَقائِقَ، والظّاهِرُ عَدَمُ التَّوْزِيعِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِمُرادِهِ، وهو المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ نزلت الآية في شأن «عديّ بن حاتم الطائي» قال: قلت: يا رسول الله إنا قوم نتصيَّد بهذه الكلاب والبزاة فما يحل لنا منها؟
فقال : «مَا عَلَّمْتَ مِنْ كَلْبٍ أَوْ بَازِيٍّ ثُمَّ أَرْسَلْتَهُ وَذَكَرْتَ اسْمَ الله تَعَالَى عَلَيْهِ، فَكُلْ مَا أمْسَكَ عَلَيْكَ» .
فقلت: وإن قتله؟
قال: «إنْ قَتَلَهُ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ شَيْئاً فَكُلْ، فَإنَّمَا أَمْسَكَ عَلَيْكَ.
وَإنْ أَكَلَ مِنْهُ شَيْئاً فَلاَ تَأْكُلْ، فَإنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ» .
قال: قلت فإذا خالط كلابنا كلابٌ أخرى حين ترسلها؟
قال: «لا تَأْكُلْ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّ كَلْبَكَ هُوَ الَّذِي أَمْسَكَ عَلَيْكَ» .
ونزلت هذه الآية يَسْئَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ يعني ماذا رخص لهم من الصيد ويقال لما أنزل قوله تعالى حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ قالوا: إن الله تعالى حرم هذه الأشياء، فأي شيء لنا حلال يا رسول الله؟
قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ يعني رخص لكم الحلالات من الذبائح وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ يعني وأحلّ لكم صيد ما علمتم من الجوارح من الطير والكلاب الكواسب.
ويقال: الجوارح الجارحات.
ثم قال: مُكَلِّبِينَ بكسر اللام، وقرأ بعضهم بالنصب، فمن قرأ بالكسر يعني به أصحاب الكلاب المعلِّمين للكلاب، ومن قرأ بالنصب أراد به الكلاب يعني الكلاب المعلَّمة.
مُكَلِّبِينَ يعني معلمين.
ثم قال: تُعَلِّمُونَهُنَّ يعني تؤدبونهن في طلب الصيد مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ يقول: كما أدبكم الله تعالى.
وروي عن مجاهد أنه سئل عن الصقر والبازي والفهد، قال: هذه كلها جوارح ولا بأس بصيده إذا كان معلماً.
ثم قال: فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ يعني: حبسن عليكم وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ إذا أرسلتم الكلاب على الصيد.
وفي هذه الآية دليل أن الكلب إذا كان أكل لا يؤكل لأنه أمسك لنفسه، وفيها دليل أنه لا يجوز إلا بالتسمية لأنه قد أباح على شرط التسمية، وعلى شرط أن يمسك لصاحبه، وفيها دليل أيضاً أن الكلب إذا كان غير معلَّم لا يجوز أكلُ صيده، وفيها دليل أيضاً أن العالِم له من الفضيلة ما ليس للجاهل، لأن الكلب إذا عُلِّم يكون له فضيلة على سائر الكلاب، وأن الإنسان إذا كان له علم أولى أن يكون له فضل على سائر الناس وهذا كما روي عن علي كرم الله وجهه أنه قال: لكل شيء قيمة وقيمة المرء ما يُحْسِن.
ثم خَوّفهم فقال: وَاتَّقُوا اللَّهَ أي اخشوا الله ولا تأكلوا الميتة، ولا تأكلوا ما لم يذكر اسم الله عليه إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ يعني سريع المجازاة، وقوله تعالى: الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ يعني المذبوحات من الحلال، يعني اليوم أظهر وبيّن حله.
ثم قال: وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يعني ذبائح أهل الكتاب حِلٌّ لَكُمْ يعني حلال لكم أكله وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ يعني ذبائحكم وطعامكم رخص لهم أكله.
وقال الزجاج: تأويله أحل لكم أن تطعموهم لأن الحلال والفرائض إنما تعتمد على أهل الشريعة.
ثم قال: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ يعني أحل لكم تزوج العفائف من المؤمنات وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يعني العفائف مِنْ أَهْلِ الكتاب مِنْ قَبْلِكُمْ يعني: أعطوا الكتاب من قبل كتابكم، وهو التوراة والإنجيل، واختلفوا في نكاح الصابئة، وقد ذكرناه في سورة البقرة.
ثم قال: إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ يعني أعطيتموهن مهورهن مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ يقول: كونوا متعففين عن الزنى وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ يقول: لا تتخذوا خِدْناً فتزنوا بها سراً، وذلك أن أهل الجاهلية كانوا يعيِّرون من يزني في العلانية ولا يعيرون من يزني سراً، فحرم الله زنى السر والعلانية، فلما نزلت هذه الآية قلن نساء أهل الكتاب: لولا إن الله تعالى قد رضي بديننا لم يبح للمسلمين نكاحنا، فنزل وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ قيل: نزل قوله حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ثم رخص من حالة الاضطرار، فقال بعضهم: لا نأخذ الرخصة من الاضطرار فنزل وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ ويقال هذا ابتداء خطاب، وهو لجميع المسلمين فقال: وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ قال ابن عباس: يعني من يكفر بالتوحيد بشهادة أن لا إله إلا الله فقد حبط عمله.
وقال مجاهد: معناه ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله، يعني بطل ثواب عمله.
وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ يعني من المغبونين في العقوبة، ولهذا قال أصحابنا رحمهم الله: إن الرجل إذا صلى ثم ارتد ثم أسلم في وقت تلك الصلاة، وجب عليه إعادة تلك الصلاة، ولو كان حج حجة الإسلام فعليه أن يعيد الحج، لأنه قد بطل ما فعل قبل ارتداده.
<div class="verse-tafsir"
وجمهورُ العلماء أنَّ التسمية واجبةٌ، مع الذِّكر، ساقطةٌ مع النِّسْيَان، فمن تركَهَا عامداً، فقد أفْسَدَ الذبيحةَ والصَّيدَ، ومن تَرَكها ناسياً، سمى عند الأكْلِ، وكانَتِ الذبيحةُ جائزةً، وفِقْهُ الصيْدِ والذبْحِ في معنى التسميةِ- واحدٌ.
ثم أمر سبحانه بالتقوى على الجُمْلة، والإشارة إلى ما تضمَّنته هذه الآياتُ مِنَ الأوامِرِ والنواهِي، وفي قوله: إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ: وعيدٌ وتحذيرٌ.
وقوله سبحانه: الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ: إشارةٌ إلى الزَّمَنِ والأوانِ، والخِطَابُ للمؤمِنِينَ.
وقوله سبحانه: وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ: الطعامُ في هذه الآيةِ:
الذَّبَائِحُ كذا قال أهل التفسير.
واختلفوا في لَفْظَةِ طَعامُ.
فقال الجمهورُ: هي الذبيحةُ كلُّها، وقالتْ جماعة: إنما أحل لنا طعامهم من الذبيحةِ، أي: الحلال لهم منها لا ما لا يَحِلُّ لهم كَالطَّرِيفِ، وَالشُّحُومِ المحْضَةِ.
واختلف في لَفْظة أُوتُوا الْكِتابَ.
فقالتْ طائفة: إنما أحل لنا ذبائح الصُّرَحَاءِ منهم، لا مَنْ كان دخيلاً في هذَيْن الدِّينَيْنِ، وقال جمهورُ الأمَّة ابنُ عَبَّاس، والحسنُ، ومالكٌ، وغيرهم: إنَّ ذبيحةَ كُلِّ نصرانيٍّ حلالٌ، كان مِنْ بني تَغْلِبَ أو غيرهم «١» ، وكذلك اليهودُ، وتأوَّلوا قوْلَ اللَّهِ تعالى:
وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ [المائدة: ٥١] .
وقولُهُ سُبْحَانه: وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ: أي: ذبائحكم، فهذه رُخْصَة للمسلمين، لا لأهْلِ الكتابِ، لَمَّا كان الأمْرُ يقتضي أنَّ شيئاً قد تشرَّعنا فيه بالتَّذْكِيَةِ ينبغي لنا أنْ نَحْمِيَهُ منهم، رخَّص اللَّه تعالى لنا في ذلك دفعاً للمشقَّة بحَسَب التجاوُرِ.
وقوله سبحانه: وَالْمُحْصَناتُ: عطْفٌ على الطَّعَام المُحَلَّل، ذهب جماعة منهم
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اليَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ ﴾ قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: يَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِاليَوْمِ اليَوْمَ الَّذِي أُنْزِلَتْ فِيهِ الآيَةُ، ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ اليَوْمَ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿ اليَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ ﴾ ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ ﴾ ، وقِيلَ: لَيْسَ بِيَوْمٍ مُعَيَّنٍ.
وقَدْ سَبَقَ الكَلامُ في "الطَّيِّباتِ" وإنَّما كَرَّرَ إحْلالَها تَأْكِيدًا.
فَأمّا أهْلُ الكِتابِ، فَهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى.
وطَعامُهُمْ: ذَبائِحُهم، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والجَماعَةِ.
وإنَّما أُرِيدَ بِها الذَّبائِحُ خاصَّةً، لِأنَّ سائِرَ طَعامِهِمْ لا يَخْتَلِفُ بِمَن تَوَلّاهُ مِن مَجُوسِيٍّ وكِتابِيٍّ، وإنَّما الذَّكاةُ تَخْتَلِفُ، فَلَمّا خَصَّ أهْلَ الكِتابِ بِذَلِكَ، دَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ الذَّبائِحُ، فَأمّا ذَبائِحُ المَجُوسِ، فَأجْمَعُوا عَلى تَحْرِيمِها.
واخْتَلَفُوا في ذَبائِحِ مَن دانَ بِاليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ مِن عَبَدَةِ الأوْثانِ، فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ ذَبائِحِ نَصارى العَرَبِ، فَقالَ: لا بَأْسَ بِها، وتَلا قَوْلَهُ: ﴿ وَمَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَإنَّهُ مِنهُمْ ﴾ وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وعَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ، والشَّعْبِيِّ، وعِكْرِمَةَ، وقَتادَةَ، والزُّهْرِيِّ، والحَكَمِ، وحَمّادٍ.
وقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلَيٍّ، وابْنِ مَسْعُودٍ في آخَرِينَ أنَّ ذَبائِحَهم لا تَحِلُّ.
ونَقَلَ الخَرْقِيُّ عَنْ أحْمَدَ في نَصارى بَنِي تَغْلِبَ رِوايَتَيْنِ.
إحْداهُما: تُباحُ ذَبائِحُهم، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ، ومالِكٍ.
والثّانِيَةُ: لا تُباحُ.
وقالَ الشّافِعِيُّ: مَن دَخَلَ في دِينِ أهْلِ الكِتابِ بَعْدَ نُزُولِ القُرْآنِ، لَمْ يُبَحْ أكْلُ ذَبِيحَتِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَطَعامُكم حِلٌّ لَهُمْ ﴾ أيْ: وذَبائِحُكم لَهم حَلالٌ، فَإذا اشْتَرَوْا مِنّا شَيْئًا كانَ الثَّمَنُ لَنا حَلالًا، واللَّحْمُ لَهم حَلالًا.
قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: أحَلَّ لَكم أنْ تُطْعِمُوهم.
* فَصْلٌ وَقَدْ زَعَمَ قَوْمٌ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ اقْتَضَتْ إباحَةَ ذَبائِحِ أهْلِ الكِتابِ مُطْلَقًا وإنْ ذَكَرُوا غَيْرَ اسْمِ اللَّهِ عَلَيْها، فَكانَ هَذا ناسِخًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ والصَّحِيحُ أنَّها أطْلَقَتْ إباحَةَ ذَبائِحِهِمْ، لِأنَّ الأصْلَ أنَّهم يَذْكُرُونَ اللَّهَ، فَيُحْمَلُ أمْرُهم عَلى هَذا.
فَإنْ تَيَقَّنّا أنَّهم ذَكَرُوا غَيْرَهُ، فَلا نَأْكُلْ، ولا وجْهَ لِلنَّسَخِ، وإلى هَذا الَّذِي قُلْتُهُ ذَهَبَ عَلِيٌّ، وابْنُ عُمَرَ، وعُبادَةُ، وأبُو الدَّرْداءِ، والحَسَنُ في جَماعَةٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والمُحْصَناتُ مِنَ المُؤْمِناتِ ﴾ فِيهِنَّ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: العَفائِفُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: الحَرائِرُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: الحَرائِرُ أيْضًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: العَفائِفُ، قالَهُ الحَسَنُ، والشَّعْبِيُّ، والنَّخْعِيُّ، والضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ.
فَعَلى هَذا القَوْلِ؛ يَجُوزُ تَزْوِيجُ الحُرَّةِ مِنهُنَّ والأمَةِ.
* فَصْلٌ وَهَذِهِ الآيَةُ أباحَتْ نِكاحَ الكِتابِيَّةِ.
وقَدْ رُوِيَ عَنْ عُثْمانَ أنَّهُ تَزَوَّجَ نائِلَةَ بِنْتَ الفَرافِصَةِ عَلى نِسائِهِ وهي نَصْرانِيَّةٌ.
وعَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ: أنَّهُ تَزَوَّجَ يَهُودِيَّةً.
وقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمْرَ، وابْنِ عُمَرَ كَراهَةَ ذَلِكَ.
واخْتَلَفُوا في نِكاحِ الكِتابِيَّةِ الحَرْبِيَّةِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا تَحِلُّ، والجُمْهُورُ عَلى خِلافِهِ، وإنَّما كَرِهُوا ذَلِكَ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ يُوادُّونَ مَن حادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ ﴾ والنِّكاحُ يُوجِبُ الوُدَّ.
واخْتَلَفُوا في نِكاحِ نِساءِ تَغْلِبَ، فَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الحَظْرُ، وبِهِ قالَ جابِرُ بْنُ زَيْدٍ، والنَّخْعِيُّ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ الإباحَةُ.
وعَنْ أحْمَدَ رِوايَتانِ.
واخْتَلَفُوا في إماءِ أهْلِ الكِتابِ، فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، ومُجاهِدٍ: أنَّهُ لا يَجُوزُ نِكاحُهُنَّ، وبِهِ قالَ الأوْزاعِيُّ، ومالِكٌ، واللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، والشّافِعِيُّ، وأصْحابُنا.
ورُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ، وأبِي مَيْسَرَةَ: جَوازُ ذَلِكَ، وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ.
فَأمّا المَجُوسُ، فالجُمْهُورُ عَلى أنَّهم لَيْسُوا بِأهْلِ كِتابٍ، وقَدْ شَذَّ مَن قالَ: إنَّهم أهْلُ كِتابٍ، ويُبْطِلُ قَوْلَهم قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: « "سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أهْلِ الكِتابِ" .» فَأمّا "الأُجُورُ" و "الإحْصانُ" و "السِّفاحُ" و "الأخْدانُ" فَقَدْ سَبَقَ في سُورَةِ (النِّساءِ) .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يَكْفُرْ بِالإيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ ﴾ سَبَبُ نُزُولِ هَذا الكَلامِ: أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا رَخَّصَ في نِكاحِ الكِتابِيّاتِ قُلْنَ بَيْنَهُنَّ: لَوْلا أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ رَضِيَ عَلَيْنا، لَمْ يُبِحْ لِلْمُؤْمِنِينَ تَزْوِيجَنا، وقالَ المُسْلِمُونَ: كَيْفَ يَتَزَوَّجُ الرَّجُلُ مِنّا الكِتابِيَّةَ، ولَيْسَتْ عَلى دِينِنا، فَنَزَلَتْ: ﴿ وَمَن يَكْفُرْ بِالإيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ ﴾ رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقالَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ: نَزَلَتْ فِيما أحْصَنَ المُسْلِمُونَ مِن نِساءِ أهْلِ الكِتابِ، يَقُولُ: لَيْسَ إحْصانُ المُسْلِمِينَ إيّاهُنَّ بِالَّذِي يُخْرِجُهُنَّ مِنَ الكُفْرِ.
ورَوى لَيْثٌ عَنْ مُجاهِدٍ: ومَن يَكْفُرُ بِالإيمانِ، قالَ: الإيمانُ بِاللَّهِ تَعالى.
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى الآيَةِ: مَن أحَلَّ ما حَرَّمَ اللَّهُ، أوْ حَرَّمَ ما أحَلَّهُ اللَّهُ، فَهو كافِرٌ.
وقالَ أبُو سُلَيْمانَ: مَن جَحَدَ ما أنْزَلَهُ اللَّهُ مِن شَرائِعِ الإيمانِ، وعَرَّفَهُ مِنَ الحَلالِ والحَرامِ، فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ المُتَقَدِّمُ.
وسَمِعْتُ الحَسَنَ بْنَ أبِي بَكْرٍ النَّيْسابُورِيَّ الفَقِيهَ يَقُولُ: إنَّما أباحَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ الكِتابِيّاتِ، لِأنَّ بَعْضَ المُسْلِمِينَ قَدْ يُعْجِبُهُ حُسْنُهُنَّ، فَحَذَّرَ ناكِحَهُنَّ مِنَ المَيْلِ إلى دِينِهِنَّ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَمَن يَكْفُرْ بِالإيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَكُلُوا مِمّا أمْسَكْنَ عَلَيْكم واذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ واتَّقُوا اللهِ إنَّ اللهِ سَرِيعُ الحِسابِ ﴾ ﴿ اليَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَيِّباتُ وطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلٌّ لَكُمُ وطَعامُكم حِلٌّ لَهم والمُحْصَناتُ مِنَ المُؤْمِناتِ والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِنَ قَبْلِكم إذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ ولا مُتَّخِذِي أخْدانٍ ومَن يَكْفُرْ بِالإيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وهو في الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرِينَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَكُلُوا مِمّا أمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ ﴾ ؛ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: "مِمّا أمْسَكْنَ فَلَمْ يَأْكُلْنَ مِنهُ شَيْئًا"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: "مِمّا أمْسَكْنَ وإنْ أكَلْنَ بَعْضَ الصَيْدِ"؛ وبِحَسَبِ هَذا الِاحْتِمالِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في جَوازِ أكْلِ الصَيْدِ إذا أكَلَ مِنهُ الجارِحُ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ ﴾ ؛ أمْرٌ بِالتَسْمِيَةِ عِنْدَ الإرْسالِ عَلى الصَيْدِ؛ وفِقْهُ الصَيْدِ والذَبْحِ؛ في مَعْنى التَسْمِيَةِ؛ واحِدٌ؛ فَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هَذا الأمْرُ عَلى الوُجُوبِ؛ ومَتى تَرَكَ المُرْسِلُ أوِ الذابِحُ التَسْمِيَةَ عَمْدًا؛ أو نِسْيانًا؛ لَمْ تُؤْكَلْ؛ ومِمَّنْ رُوِيَتْ عنهُ كَراهِيَةُ ما لَمْ يُسَمَّ عَلَيْهِ اللهُ نِسْيانًا؛ الشَعْبِيُّ ؛ وابْنُ سِيرِينَ ؛ ونافِعٌ ؛ وأبُو ثَوْرٍ ؛ ورَأى بَعْضُ العُلَماءِ هَذا الأمْرَ بِالتَسْمِيَةِ عَلى النَدْبِ؛ وإلى ذَلِكَ يَنْحُو أشْهَبُ في قَوْلِهِ: "إنْ تَرَكَ التَسْمِيَةَ مُسْتَخِفًّا لَمْ تُؤْكَلْ؛ وإنْ تَرَكَها عامِدًا لا يَدْرِي قَدْرَ ذَلِكَ؛ لَكِنَّهُ غَيْرُ مُتَهاوِنٍ بِأمْرِ الشَرِيعَةِ؛ فَإنَّها تُؤْكَلُ"؛ ومَذْهَبُ مالِكٍ ؛ وجُمْهُورِ أهْلِ العِلْمِ أنَّ التَسْمِيَةَ واجِبَةٌ مَعَ الذِكْرِ؛ ساقِطَةٌ مَعَ النِسْيانِ؛ فَمَن تَرَكَها عامِدًا فَقَدْ أفْسَدَ الذَبِيحَةَ والصَيْدَ؛ ومَن تَرَكَها ناسِيًا سَمّى عِنْدَ الأكْلِ؛ وكانَتِ الذَبِيحَةُ جائِزَةً.
واسْتَحَبَّ أكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ ألّا يَذْكُرَ في التَسْمِيَةِ غَيْرَ اللهِ تَعالى؛ وأنَّ لَفْظَها: "بِسْمِ اللهِ؛ واللهُ أكْبَرُ"؛ وقالَ قَوْمٌ: إنْ صَلّى مَعَ ذَلِكَ عَلى النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَجائِزٌ.
ثُمَّ أمَرَ تَعالى بِالتَقْوى عَلى الجُمْلَةِ؛ والإشارَةُ القَرِيبَةُ هي إلى ما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآياتُ مِنَ الأوامِرِ؛ وسُرْعَةُ الحِسابِ هي مِن أنَّهُ - تَبارَكَ وتَعالى- قَدْ أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا؛ فَلا يَحْتاجُ إلى مُحاوَلَةِ عَدٍّ؛ ويُحاسِبُ جَمِيعَ الخَلائِقِ دَفْعَةً واحِدَةً؛ وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ تَكُونَ وعِيدًا بِيَوْمِ القِيامَةِ؛ كَأنَّهُ قالَ: "إنَّ حِسابَ اللهِ لَكم سَرِيعٌ إتْيانُهُ؛ إذْ يَوْمُ القِيامَةِ قَرِيبٌ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِـ "اَلْحِسابِ"؛ اَلْمُجازاةَ؛ فَكَأنَّهُ تَوَعَّدَ في الدُنْيا بِمُجازاةٍ سَرِيعَةٍ؛ قَرِيبَةٍ؛ إنْ لَمْ يَتَّقُوا اللهَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اليَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَيِّباتُ ﴾ ؛ إشارَةٌ إلى الزَمَنِ؛ والأوانِ؛ والخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ وتَقَدَّمَ القَوْلُ في "اَلطَّيِّباتُ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ﴾ ؛ اِبْتِداءٌ؛ وخَبَرٌ؛ و"حِلٌّ"؛ مَعْناهُ: حَلالٌ؛ والطَعامُ في هَذِهِ الآيَةِ: اَلذَّبائِحُ؛ كَذا قالَ أهْلُ التَفْسِيرِ؛ وذَلِكَ أنَّ الطَعامَ الَّذِي لا مُحاوَلَةَ فِيهِ - كالبُرِّ؛ والفاكِهَةِ - ونَحْوَهُ؛ لا يَضُرُّ فِيهِ؛ ويُحَرِّمُ عَيْنَهُ تَمَلُّكُ أحَدٍ.
والطَعامُ الَّذِي تَقَعُ فِيهِ مُحاوَلَةٌ عَلى ضَرْبَيْنِ؛ فَمِنهُ ما مُحاوَلَتُهُ صَنْعَةٌ لا تَعَلُّقَ لِلدِّينِ بِها؛ كَخَبْزِ الدَقِيقِ؛ وتَعْصِيرِ الزَيْتِ؛ ونَحْوِهِ؛ فَهَذا إنْ تُجُنِّبَ مِنَ الذِمِّيِّ فَعَلى جِهَةِ التَقَزُّزِ؛ والضَرْبُ الثانِي: اَلَّتِي هي مُحْتاجَةٌ إلى الدِينِ؛ والنِيَّةِ؛ فَإذا كانَ القِياسُ ألّا تَجُوزَ ذَبائِحُهم - كَما تَقُولُ: إنَّهم لا صَلاةَ لَهُمْ؛ ولا صَوْمَ؛ ولا عِبادَةَ مَقْبُولَةً - رَخَّصَ اللهُ - تَبارَكَ وتَعالى- في ذَبائِحِهِمْ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ؛ وأخْرَجَها بِالنَصِّ عَنِ القِياسِ.
ثُمَّ إنَّ العُلَماءَ اخْتَلَفُوا في لَفْظِ "وَطَعامُ"؛ فَقالَ الجُمْهُورُ: وهي الذَبِيحَةُ كُلُّها؛ وتَذْكِيَةُ الذِمِّيِّ عامِلَةٌ لَنا في كُلِّ الذَبِيحَةِ ما حَلَّ لَهُ مِنها؛ وما حَرُمَ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ مُذَكٍّ.
وقالَتْ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: إنَّما أُحِلَّ لَنا طَعامُهم مِنَ الذَبِيحَةِ - أيِ الحَلالِ لَهم -؛ لِأنَّ ما لا يَحِلُّ لَهم لا تَعْمَلُ فِيهِ تَذْكِيَتُهُمْ؛ فَمَنَعَتْ هَذِهِ الطائِفَةُ الطَرِيفَ؛ والشُحُومَ المَحْضَةَ مِن ذَبائِحِ أهْلِ الكِتابِ؛ وهَذا الخِلافُ مَوْجُودٌ في مَذْهَبِ مالِكٍ - رَحِمَهُ اللهُ.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ في لَفْظَةِ "أُوتُوا"؛ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما أُحِلَّتْ لَنا ذَبائِحُ بَنِي إسْرائِيلَ؛ والنَصارى الصُرَحاءِ؛ الَّذِينَ نَزَلَ عَلَيْهِمُ التَوْراةُ والإنْجِيلُ؛ فَمَنَعَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ ذَبائِحَ نَصارى بَنِي تَغْلِبَ مِنَ العَرَبِ؛ وذَبائِحَ كُلِّ دَخِيلٍ في هَذَيْنِ الدِينَيْنِ؛ وكانَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - يَنْهى عن ذَبائِحِ نَصارى بَنِي تَغْلِبَ؛ ويَقُولُ: لِأنَّهم لَمْ يَتَمَسَّكُوا بِشَيْءٍ مِنَ النَصْرانِيَّةِ؛ إلّا بِشُرْبِ الخَمْرِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: "فَهَذا لَيْسَ بِنَهْيٍ عن ذَبائِحِ النَصارى المُحَقَّقِينَ مِنهُمْ"؛ وقالَ جُمْهُورُ الأُمَّةِ - ابْنُ عَبّاسٍ ؛ والحَسَنُ ؛ وعِكْرِمَةُ ؛ وابْنُ المُسَيِّبِ ؛ والشَعْبِيُّ ؛ وعَطاءٌ ؛ وابْنُ شِهابٍ ؛ والحَكَمُ؛ وحَمّادٌ ؛ وقَتادَةُ ؛ ومالِكٌ - رَحِمَهُ اللهُ -؛ وغَيْرُهم -: "إنَّ ذَبِيحَةَ كُلِّ نَصْرانِيٍّ حَلالٌ؛ سَواءٌ كانَ مِن بَنِي تَغْلِبَ؛ أو غَيْرِهِمْ؛ وكَذَلِكَ اليَهُودُ"؛ وتَأوَّلُوا قَوْلَ اللهِ تَعالى: ﴿ وَمَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَإنَّهُ مِنهُمْ ﴾ .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَطَعامُكم حِلٌّ لَهُمْ ﴾ ؛ أيْ: ذَبائِحُكُمْ؛ فَهَذِهِ رُخْصَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ؛ لا لِأهْلِ الكِتابِ؛ لَمّا كانَ الأمْرُ يَقْتَضِي أنَّ شَيْئًا قَدْ تَشَرَّعْنا فِيهِ بِالتَذْكِيَةِ يَنْبَغِي لَنا أنْ نَحْمِيَهُ مِنهُمْ؛ ورَخَّصَ اللهُ تَعالى في ذَلِكَ رَفْعًا لِلْمَشَقَّةِ بِحَسَبِ التَجاوُزِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "والمُحْصَناتُ"؛ ﴾ عُطِفَ عَلى الطَعامِ المُحَلَّلِ؛ والإحْصانُ - في كَلامِ العَرَبِ؛ وفي تَصْرِيفِ الشَرْعِ - مَأْخُوذٌ مِنَ المَنعَةِ؛ ومِنهُ "اَلْحِصْنُ"؛ وهو مُتَرَتِّبٌ بِأرْبَعَةِ أشْياءَ: اَلْإسْلامِ؛ والعِفَّةِ؛ والنِكاحِ؛ والحُرِّيَّةِ؛ فَيَمْتَنِعُ في هَذا المَوْضِعِ أنْ يَكُونَ الإسْلامَ؛ لِأنَّهُ قَدْ نَصَّ أنَّهُنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ؛ ويَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ النِكاحَ؛ لِأنَّ ذاتَ الزَوْجِ لا تَحِلُّ؛ ولَمْ يَبْقَ إلّا الحُرِّيَّةُ؛ والعِفَّةُ؛ فاللَفْظَةُ تَحْتَمِلُهُما؛ واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ بِحَسَبِ هَذا الِاحْتِمالِ؛ فَقالَ مالِكٌ - رَحِمَهُ اللهُ -؛ ومُجاهِدٌ ؛ وعُمَرُ بْنُ الخَطّابِ ؛ وجَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: "اَلْمُحْصَناتُ - في هَذِهِ الآيَةِ -: اَلْحَرائِرُ"؛ فَمَنَعُوا نِكاحَ الأمَةِ الكِتابِيَّةِ؛ وقالَتْ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: "اَلْمُحْصَناتُ - في هَذِهِ الآيَةِ -: اَلْعَفائِفُ"؛ مِنهم مُجاهِدٌ أيْضًا؛ والشَعْبِيُّ ؛ وغَيْرُهُما؛ فَجَوَّزُوا نِكاحَ الأمَةِ الكِتابِيَّةِ؛ وبِهِ قالَ سُفْيانُ ؛ والسُدِّيُّ ؛ وقالَ الشَعْبِيُّ: "إحْصانُ الذِمِّيَّةِ ألّا تَزْنِيَ؛ وأنْ تَغْتَسِلَ مِنَ الجَنابَةِ"؛ وقالَ أبُو مَيْسَرَةَ: "مَمْلُوكاتُ أهْلِ الكِتابِ بِمَنزِلَةِ حَرائِرِهِنَّ العَفائِفِ مِنهُنَّ؛ حَلالٌ نِكاحُهُنَّ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ومَنَعَ بَعْضُ العُلَماءِ زَواجَ غَيْرِ العَفِيفَةِ؛ بِهَذِهِ الآيَةِ؛ وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: إذا اطَّلَعَ الرَجُلُ مِنَ امْرَأتِهِ عَلى فاحِشَةٍ فَلْيُفارِقْها؛ وفَرَّقَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - بَيْنَ نِساءِ أهْلِ الحَرْبِ؛ ونِساءِ أهْلِ الذِمَّةِ؛ فَقالَ: "مِن أهْلِ الكِتابِ مَن يَحِلُّ لَنا؛ وهم كُلُّ مَن أعْطى الجِزْيَةَ؛ ومِنهم مَن لا يَحِلُّ لَنا؛ وهم أهْلُ الحَرْبِ"؛ وكَرِهَ مالِكٌ - رَحِمَهُ اللهُ - نِكاحَ نِساءِ أهْلِ الحَرْبِ؛ مَخافَةَ ضَياعِ الوَلَدِ؛ أو تَغَيُّرِ دِينِهِ.
والأُجُورُ - في هَذِهِ الآيَةِ -: اَلْمُهُورُ؛ وانْتَزَعَ أهْلُ العِلْمِ مِن لَفْظَةِ ﴿ "إذا آتَيْتُمُوهُنَّ"؛ ﴾ أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يَدْخُلَ زَوْجٌ بِزَوْجَتِهِ إلّا بَعْدَ أنْ يَبْذُلَ مِنَ المَهْرِ ما يَسْتَحِلُّها بِهِ؛ ومَن جَوَّزَ أنْ يَدْخُلَ؛ دُونَ أنْ يَبْذُلَ ذَلِكَ؛ فَرَأى أنَّهُ بِحُكْمِ الِارْتِباطِ؛ والِالتِزامِ؛ في حُكْمِ المُؤْتى.
و"مُحْصِنِينَ"؛ مَعْناهُ: مُتَزَوِّجِينَ عَلى السُنَّةِ؛ والإحْصانُ - في هَذا المَوْضِعِ - هو بِالنِكاحِ؛ والمُسافِحُ: اَلْمُزانِي؛ والسِفاحُ: اَلزِّنا؛ والمُسافِحَةُ هي المَرْأةُ الَّتِي لا تَرُدُّ يَدَ لامِسٍ؛ وتَزْنِي مَعَ كُلِّ أحَدٍ؛ وهُنَّ أصْحابُ الراياتِ في الجاهِلِيَّةِ؛ والمُخادَنَةُ: أنْ يَكُونَ الزانِيانِ قَدْ وقَفَ كُلُّ واحِدٍ نَفْسَهُ عَلى صاحِبِهِ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ؛ وفُسِّرَ بِأوعَبَ مِن هَذا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يَكْفُرْ بِالإيمانِ ﴾ ؛ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى عَلى أنَّ الكُفْرَ هو بِنَفْسِ الإيمانِ؛ وفي هَذا مَجازٌ؛ واسْتِعارَةٌ؛ لِأنَّ الإيمانَ لا يُتَصَوَّرُ كُفْرٌ بِهِ؛ إنَّما الكُفْرُ بِالأُمُورِ الَّتِي حَقُّها أنْ يَقَعَ الإيمانُ بِها؛ وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ اليوم أُحِلَّ لَكُمُ الطيبات وَطَعَامُ الذين أُوتُواْ الكتاب حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ ﴾ .
يجيء في التقييد (باليوم) هنا ما جاء في قوله: ﴿ اليوم يئس الذين كفروا من دينكم ﴾ [المائدة: 3] وقولِه: ﴿ اليوم أكملت لكم دينكم ﴾ [المائدة: 3]، عدا وجه تقييد حصول الفعل حقيقة بذلك اليوم، فلا يجيء هنا، لأنّ إحلال الطيّبات أمر سابق إذ لم يكن شيء منها محرّماً، ولكن ذلك اليوم كان يوم الإعلام به بصفة كليّة، فيكون كقوله: ﴿ ورَضيت لكم الإسلام ديناً ﴾ [المائدة: 3] في تعلّق قوله: ﴿ اليوم ﴾ به، كما تقدّم.
ومناسبة ذكر ذلك عقب قوله ﴿ اليوم يئسَ ﴾ [المائدة: 3] و ﴿ اليوم أكملت ﴾ [المائدة: 3] أنّ هذا أيضاً منّة كبرى لأنّ إلقاء الأحكام بصفة كلّيّة نعمة في التفقّه في الدين.
والكلام على الطيّبات تقدّم آنفاً، فأعيدَ ليُبنى عليه قوله: ﴿ وطعام الذين أتوا الكتاب ﴾ .
وعطفُ جملة ﴿ وطعام الذين أوتوا الكتاب حلّ لكم ﴾ على جملة ﴿ اليومَ أحلّ لكم الطيّبات ﴾ لأجل ما في هذه الرخصة من المنّة لكثرة مخالطة المسلمين أهل الكتاب فلو حرّم الله عليهم طعامهم لشقّ ذلك عليهم.
والطعام في كلام العرب ما يطعَمه المرء ويأكله، وإضافته إلى أهل الكتاب للملابسة، أي ما يعالجه أهل الكتاب بطبخ أو ذبح.
قال ابن عطية: الطعام الذي لا محاولة فيه كالبُرّ والفاكهة ونحوهما لا يغيّره تملّك أحد له، والطعام الذي تقَع فيه محاولة صنعته لا تعلّق للدين بها كخَبز الدقيق وعصر الزيت.
فهذا إن تُجنِّبَ من الذميّ فعلى جهة التقذّر.
والتذكية هي المحتاجة إلى الدّين والنية، فلمَّا كان القياس أن لا تجوز ذبائحهم رخص الله فيها على هذه الأمّة وأخرجها عن القياس.
وأراد بالقياس قياس أحوال ذبائحهم على أحوالهم المخالفة لأحوالنا، ولهذا قال كثير من العلماء: أراد الله هنا بالطعام الذبائح، مع اتّفاقهم على أنّ غيرها من الطعام مباح، ولكن هؤلاء قالوا: إنّ غير الذبائح ليس مراداً، أي لأنّه ليس موضع تردّد في إباحة أكله.
والأولى حمل الآية على عمومها فتشمل كلّ طعام قد يظن أنَّه محرّم علينا إذ تدخله صنعتهم، وهم لا يتَوَقَّوْنَ ما نتوقّى، وتدخله ذكاتهم وهم لا يشترطون فيها ما نشترطه.
ودخل في طعامهم صيدهم على الأرجح.
و ﴿ الذين أوتوا الكتاب ﴾ : هم أتباع التوراة والإنجيل، سواء كانوا ممّن دعاهم موسى وعيسى عليهما السلام إلى اتّباع الدين، أم كانوا ممّن اتّبعوا الدينيين اختياراً؛ فإنّ موسى وعيسى ودعَوا بني إسرائيل خاصّة، وقد تهوّد من العرب أهل اليمن، وتنصّر من العرب تغلب، وبهراء، وكلب، ولخم، ونَجران، وبعض ربيعة وغسّان، فهؤلاء من أهل الكتاب عند الجمهور عدا عليّا بن أبي طالب فإنه قال: لا تحلّ ذبائح نصارى تغلب، وقال: إنّهم لم يتمسّكوا من النصرانية بشيء سوى شرب الخمر.
وقال القرطبي: هذا قول الشافعي، وروى الربيع عن الشافعي: لا خير في ذبائح نصارى العرب من تغلب.
وعن الشافعي: من كان من أهل الكتاب قبل البعثة المحمّدية فهو من أهل الكتاب، ومن دخل في دين أهل الكتاب بعد نزول القرآن فلا يقبل منه إلاّ الإسلام، ولا تقبل منه الجزية، أي كالمشركين.
وأمَّا المجوس فليسوا أهل كتاب بالإجماع، فلا تؤكل ذبائحهم، وشذّ من جعلهم أهل كتاب.
وأمَّا المشركون وعبدة الأوثان فليسوا من أهل الكتاب دون خلاف.
وحِكمة الرخصة في أهل الكتاب: لأنّهم على دين إلهي يُحرّم الخبَائث، ويتقي النجاسة، ولهم في شؤونهم أحكام مضبوطة متّبعة لا تظنّ بهم مخالفتها، وهي مستندة للوحي الإلهي، بخلاف المشركين وعبدة الأوثان.
وأمّا المجوس فلهم كتاب لكنّه ليس بالإلهي، فمنهم أتباع (زَرَادشْت)، لهم كتابُ (الزندفستا) وهؤلاء هم محلّ الخلاف.
وأمّا المجوس (المَانَويَّة) فهم إباحية فلا يختلف حالهم عن حال المشركين وعبدة الأوثان، أو هم شرّ منهم.
وقد قال مالك: ما ليس فيه ذكاة من طعام المجوس فليس بحرام يعني إذا كانوا يتّقون النجاسة.
وفي «جامع الترمذي»: أنّ أبا ثعلبة الخشني سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قدور المجوس.
فقال له: " أنْقُوها غسلاً واطبخوا فيها " وفي البخاري: أنّ أبا ثعلبة سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن آنِيَة أهل الكتاب.
فقال له: " إن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها، وإن لم تجدوا فاغسلوها ثمّ كلوا فيها " قال ابن العربي: «فغسل آنية المجوس فرض، وغسل آنية أهل الكتاب ندب».
يُريد لأنّ الله أباح لنا طعام أهل الكتاب فقد علم حالهم، وإنَّما يسري الشكّ إلى آنيتهم من طعامهم وهو مأذون فيه، ولم يبح لنا طعام المجوس، فذلك منزع التفرقة بين آنية الفريقين.
ثم الطعامُ الشامل للذكاة إنّما يعتبر طعاماً لهم إذاكانوا يستحلّونه في دينهم، ويأكله أحبارهم وعلماؤهم، ولو كان ممّا ذكر القرآنُ أنَّه حرّمه عليهم، لأنَّهم قد تأوّلوا في دينهم تأويلات، وهذا قول مالك.
وأرى أنّ دليله: أنّ الآية عمّمت طعامهم فكان عمومها دليلاً للمسلمين، ولا التفات إلى ما حكَى الله أنّه حرّمه عليهم ثم أباحه للمسلمين، فكان عموم طعامهم في شرعنا مُباحاً ناسخاً للمحرّم عليهم، ولا نصِيرُ إلى الاحتجاج «بشرع من قبلنا...» إلاّ إذا لم يكن لنا دليل على حُكمهِ في شرعنا.
وقيل: لا يؤكل ما علِمْنا تحريمه عليهم بنصّ القرآن، وهو قول بعض أهل العلم، وقيل به في مذهب مالك، والمعتمد عن مالك كراهة شحوم بقر وغنم اليهود من غير تحريم؛ لأنّ الله ذكر أنه حرّم عليهم الشحوم.
ومن المعلوم أن لا تعمل ذكاة أهل الكتاب ولا إباحة طعامهم فيما حرّمه الله علينا بعينه: كالخنزير والدم، ولا ما حرّمه علينا بوصفه، الذي ليس بذكاة: كالميتة والمنخنقة والموقوذة والمتردّية والنطيحة وأكيلة السبع، إذا كانوا هم يستحلّون ذلك، فأمَّا ما كانت ذكاتهم فيه مخالفة لذكاتنا مخالفةَ تقصير لا مخالفة زيادة فذلك محلّ نظر كالمضروبة بمحدّد على رأسها فتموت، والمفتولة العنق فتتمزّق العروق، فقال جمهور العلماء: لا يؤكل.
وقال أبو بكر ابن العربي من المالكية: تؤكل.
وقال في «الأحكام»: فإن قيل فما أكلوه على غير وجه الذكاة كالخنق وحطْم الرأس فالجواب: أنّ هذه ميتة، وهي حرام بالنصّ، وإن أكلوها فلا نأكلها نحْن، كالخنزير فإنّه حلال لهم ومن طعامهم وهو حرام علينا يريد إباحته عند النصارى ثم قال: ولقد سُئِلت عن النصراني يفتل عنق الدجاجة ثم يطبخها؛ هل تؤكل معه أو تؤخذ طعاماً منه، فقلت: تؤكل لأنها طعامه وطعام أحباره ورهبانه، وإن لم تكن هذه ذكاة عندنا ولكن الله تعالى أباح طعامهم مطلقاً وكلّ ما يرونه في دينهم فإنّه حلال لنا في ديننا».
وأشكل على كثير من الناظرين وجه الجمع بين كلامي ابن العربي، وإنّما أراد التفرقة بين ما هو من أنواع قطع الحلقوم، والأوداج ولو بالخنق، وبين نحو الخنق لحبس النفَس، ورَضّ الرأس وقول ابن العربي شذوذ.
وقوله: ﴿ وطعامكم حلّ لهم ﴾ لم يعرّج المفسّرون على بيان المناسبة بذكر ﴿ وطعامكم حلّ لهم ﴾ .
والذي أراه أنّ الله تعالى نبّهنا بهذا إلى التيسير في مخالطتهم، فأباح لنا طعامهم، وأباح لنا أن نُطعمهم طعَامنا، فعُلم من هذين الحكمين أنّ علّة الرخصة في تناولنا طعامهم هو الحاجة إلى مخالطتهم، وذلك أيضاً تمهيد لقوله بعد: ﴿ والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب ﴾ لأنّ ذلك يقتضي شدّة المخالطة معهم لتزوّج نسائهم والمصَاهرة معهم.
﴿ والمحصنات مِنَ المؤمنات والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ إِذَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ متخذى أَخْدَانٍ وَمَن يَكْفُرْ بالإيمان فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِى الاخرة مِنَ الخاسرين ﴾ .
عُطف ﴿ والمحصنات من المؤمنات ﴾ على ﴿ وطعام الذين أوتوا الكتاب حلّ لكم ﴾ عطفَ المفرد على المفرد.
ولم يعرّج المفسّرون على بيان المناسبة لذكر حِلّ المحصنات من المؤمناتتِ في أثناء إباحة طعام أهل الكتاب، وإباحةِ تزوّج نسائهم.
وعندي: أنّه إيماء إلى أنَّهنّ أولى بالمؤمنين من محصنات أهل الكتاب، والمقصودُ هو حكم المحصنات من الذين أوتوا الكتاب فإنّ هذه الآية جاءت لإباجة التزوّج بالكتابيات.
فقوله: ﴿ والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب ﴾ عطف على ﴿ وطعام الذين أوتُوا الكتاب حلّ لكم ﴾ .
فالتقدير: والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب حِلّ لكم.
والمُحصنات: النسوة الّلاءِ أحْصَنَهُنّ ما أحْصَنَهُنّ، أي منعهنّ عن الخنا أو عن الريب، فأطلق الإحصان: على المعصومات بعصمة الأزواج كما في قوله تعالى في سورة النساء (24) عطفاً على المحرّمات ﴿ المحصنات من النساء ﴾ ؛ وعلى المسلمات لأنّ الإسلام وَزَعَهن عن الخنا، قال الشاعر: ويصدّهن عن الخنا الإسلام *** وأطلق على الحرائر، لأنّ الحرائر يترفّعن عن الخنا من عهد الجاهلية.
ولا يصلح من هذه المعاني هنا الأوّل، إذ لا يحلّ تزوّج ذات الزوج، ولا الثاني لقوله: من المؤمنات } الذي هو ظاهر في أنّهنّ بعض المؤمنات فتعيّن معنى الحرية، ففسّرها مالك بالحرائر، ولذلك منع نكاح الحرّ الأمةَ إلاّ إذا خشي العنت ولم يجد للحرائر طَوْلا، وجوّز ذلك للعبد، وكأنّه جعل الخطاب هنا للأحرار بالقرينة وبقرينة آية النساء (25) ﴿ ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات المؤمنات ﴾ وهو تفسير بيِّن ملتئم.
وأصل ذلك لعمر بن الخطاب ومجاهد.
ومن العلماء من فسّر المحصنات هنا بالعفائف، ونقل عن الشعبي وغيره، فمنعوا تزوّج غير العفيفة من النساء لرقّة دينها وسوء خلقها.
وكذلك القول في تفسير قوله: والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} أي الحرائر عند مالك، ولذلك منع نكاح إماء أهل الكتاب مطلقاً للحرّ والعبد.
والذين فسّروا المحصنات بالعفائف منعوا هنا ما منعوا هناك.
وشمل أهلُ الكتاب: الذمّييّن، والمعاهدين، وأهل الحرب، وهو ظاهر، إلاّ أنّ مالكاً كره نكاح النساء الحربيّات، وعن ابن عبّاس: تخصيص الآية بغير نساء أهل الحرب، فمنع نكاح الحربيات.
ولم يذكروا دليله.
والأجور: المهور، وسمَّيت هنا (أجوراً) مجازاً في معنى الأعْواض عن المنافع الحاصلة من آثار عُقدة النكاح، على وجه الاستعارة أوْ المجاز المرسل.
والمَهْر شِعار متقادم في البشر للتفرقة بين النكاح وبين المخادنة.
ولو كانت المهور أجوراً حقيقة لوجب تحْديد مدّة الانتفاع ومقدارِه وذلك مِمَّا تنزّه عنه عقدة النكاح.
والقول في قوله: ﴿ محصنات غير مسافحين ولا متخذي أخدان ﴾ كالقول في نظيره ﴿ محصنات غير مسافحات ﴾ [النساء: 25] تقدّم في هذه السورة.
وجملة ﴿ ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله ﴾ معترضة بين الجمل.
والمقصود التنبيه على أنّ إباحة تزوّج نساء أهل الكتاب لا يقتضي تزكية لحالهم، ولكن ذلك تيسير على المسلمين.
وقد ذُكر في سبب نزولها أنّ نساء أهل الكتاب قلن «لولا أنّ الله رضي ديننا لم يبح لكم نكاحنا».
والمرادُ بالإيمان الإيمانُ المعهود وهو إيمان المسلمين الذي بسببه لُقّبوا بالمؤمنين، فالكفر هنا الكفر بالرسل، أي: ينكر الإيمان، أي ينكر ما يقتضيه الإيمان من المعتقدات، إذ الإيمان صار لَقباً لمجموع ما يجب التصديق به.
والحبْط بسكون الموحّدة والحُبوط: فساد شيء كان صالحاً، ومنه سمّي الحَبَط بفتحتين مرض يصيب الإبل من جرّاء أكل الخَضِر في أوّل الربيع فتنتفخ أمعاؤها وربما ماتت.
وفعل (حَبِط) يؤذن بأنّ الحابط كان صالحاً فانقلب إلى فساد.
والمراد من الفساد هنا الضياع والبطلان، وهو أشدّ الفساد، فدلّ فعل (حبِط) على أنّ الأعمال صالحة، وحُذف الوصف لدلالة الفعل عليه.
وهذا تشبيه لضياع الأعمال الصالحة بفَساد الذواتتِ النافعة، ووجه الشبه عدم انتفاع مكتسبها منها.
والمراد ضياع ثوابها وما يترقّبه العامل من الجزاء عليها والفوْز بها.
والمراد التحذير من الارتداد عن الإيمان، والترغيبُ في الدخول فيه كذلك، ليعلم أهل الكتاب أنّهم لا تنفعهم قرباتهم وأعمالهم، ويعلم المشركون ذلك.
<div class="verse-tafsir"
قالَ تَعالى: ﴿ اليَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ ﴾ يَعْنِي ذَبائِحَهم.
﴿ وَطَعامُكم حِلٌّ لَهُمْ ﴾ يَعْنِي ذَبائِحَنا.
﴿ والمُحْصَناتُ مِنَ المُؤْمِناتِ والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ ﴾ يَعْنِي نِكاحَ المُحْصَناتِ، وفِيهِنَّ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُنَّ الحَرائِرُ مِنَ الفَرِيقَيْنِ، سَواءٌ كُنَّ عَفِيفاتٍ أوْ فاجِراتٍ، فَعَلى هَذا، لا يَجُوزُ نِكاحُ إمائِهِنَّ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، والشَّعْبِيُّ، وبِهِ قالَ الشّافِعِيُّ.
والثّانِي: أنَّهُنَّ العَفائِفُ، سَواءٌ كُنَّ حَرائِرَ أمْ إماءً، فَعَلى هَذا، يَجُوزُ نِكاحُ إمائِهِنَّ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، والشَّعْبِيِّ أيْضًا، وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ.
وَفي المُحْصَناتِ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: المُعاهَداتُ دُونَ الحَرْبِيّاتِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: عامَّةُ أهْلِ الكِتابِ مِن مُعاهَداتٍ وحَرْبِيّاتٍ، وهَذا قَوْلُ الفُقَهاءِ وجُمْهُورِ السَّلَفِ.
﴿ إذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾ يَعْنِي صَداقَهُنَّ.
﴿ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ ﴾ يَعْنِي أعِفّاءَ غَيْرَ زُناةٍ.
﴿ وَلا مُتَّخِذِي أخْدانٍ ﴾ هي ذاتُ الخَلِيلِ الواحِدِ تُقِيمُ مَعَهُ عَلى السِّفاحِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله: ﴿ وطعام الذين أوتوا الكتاب ﴾ قال: ذبائحهم.
وفي قوله: ﴿ والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ﴾ قال: حل لكم ﴿ إذا آتيتموهن أجورهن ﴾ يعني مهورهن ﴿ محصنين ﴾ يعني تنكحوهن بالمهر والبينة ﴿ غير مسافحين ﴾ غير معلنين بالزنا ﴿ ولا متخذي أخدان ﴾ يعني يسررن بالزنا.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله: ﴿ وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم ﴾ قال: ذبيحتهم.
وأخرج عبد الرزاق عن إبراهيم النخعي في قوله: ﴿ وطعام الذين أوتوا الكتاب ﴾ قال: ذبائحهم.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ﴾ قال: أحل الله لنا محصنتين: محصنة مؤمنة، ومحصنة من أهل الكتاب، نساؤنا عليهم حرام، ونساؤهم لنا حلال.
وأخرج ابن جرير عن جابر بن عبدالله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نتزوج نساء أهل الكتاب ولا يتزوّجون نساءنا» .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن عمر بن الخطاب قال: المسلم يتزوج النصرانية، ولا يتزوّج النصراني المسلمة.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال: أحل لنا طعامهم ونساؤهم.
وأخرج الطبراني والحاكم وصححه عن ابن عباس قال: إنما أحلت ذبائح اليهود والنصارى من أجل أنهم آمنوا بالتوراة والإنجيل.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ﴾ قال: من الحرائر.
وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك في قوله: ﴿ والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ﴾ قال: من العفائف.
وأخرج عبد الرزاق عن الشعبي في قوله: ﴿ والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ﴾ قال: التي أحصنت فرجها واغتسلت من الجنابة.
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن جابر بن عبد الله.
أنه سئل عن نكاح المسلم اليهودية والنصرانية، فقال: تزوجناهن زمن الفتح ونحن لا نكاد نجد المسلمات كثيراً، فلما رجعنا طلقناهن.
قال: ونساؤهن لنا حل، ونساؤنا عليهم حرام.
وأخرج عبد بن حميد عن ميمون بن مهران قال: سألت ابن عمر عن نساء أهل الكتاب، فتلا عليّ هذه الآية ﴿ والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ﴾ .
﴿ ولا تنكحوا المشركات ﴾ [ البقرة: 221] .
وأخرج ابن جرير عن الحسن.
أنه سئل: أيتزوج الرجل المرأة من أهل الكتاب؟
قال: ما له ولأهل الكتاب وقد أكثر الله المسلمات!
فإن كان لا بد فاعلاً فليعهد إليها حصاناً غير مسافحة.
قال الرجل: وما المسافحة؟
قال: هي التي إذا ألمح اليها الرجل بعينه تبعته.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ ولا متخذي أخدان ﴾ قال: ذو الخدن والخلية الواحدة.
قال: ذكر لنا أن رجالاً قالوا: كيف نتزوج نساءهم وهم على دين ونحن على دين؟
فأنزل الله: ﴿ ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله ﴾ قال: لا والله لا يقبل الله عملاً إلا بالإيمان.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله ﴾ قال: أخبر الله أن الإيمان هو العروة الوثقى، وأنه لا يقبل عملاً إلا به، ولا يحرم الجنة إلا على من تركه.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصناف النساء إلا ما كان من المؤمنات المهاجرات، وحرم كل ذات دين غير الإسلام» قال الله تعالى ﴿ ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ﴾ .
قال أهل المعاني: إنما ذكر إحلال الطيبات تأكيدًا، كأنه قيل: اليوم أحل لكم الطيبات التي سألتم عنها (١) وقد فسرنا الطيبات في الآية الأولى.
وقوله تعالى: ﴿ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ ﴾ .
الطعام عند العرب: (اسم لما يُؤكل (٢) قال ابن عباس: قال الله تعالى: ﴿ وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ ثم استثنى ذبائح أهل الكتاب فقال: ﴿ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ ﴾ يعني: (ذبائح اليهود (٣) (٤) وقال الشعبي وعطاء في النصراني (يذبح فيقول: باسم (٥) (٦) (٧) ومثل هذا رُوي عن الزهري (٨) (٩) وقوله تعالى: ﴿ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ ﴾ .
يريد أن ذبائحنا لهم حلال، فإذا اشتروها (منا كان (١٠) (١١) وقال الزجاج: ﴿ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ ﴾ (تأويله حل لكم أن تطعِمُوهم (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) وقوله تعالى: ﴿ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ ﴾ .
قال مجاهد: يعني الحرائر (١٧) وقال ابن عباس: يريد العفائف من المؤمنات (١٨) (١٩) فإن حملنا الإحصان على الحرية وهو قول مجاهد لم تدخل الأَمَة المسلمة في هذا التحليل، وذلك ان هذا تحليل مطلق، والتحليل المطلق إنما يستمر في الحرائر المسلمات؛ فأما الأمة المسلمة فنكاحها إنما يجوز بشرطين، على ما بينا في سورة النساء، فهي غير مطلقة النكاح.
وإن حملنا الإحصان على العِفّة وهو قول ابن عباس والباقين قلنا في هذه الآية إن المراد بها بيان الأولى من النكاح، كما قال رسول الله : "عليك بذات الدين تربت يداك" (٢٠) ﴿ الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً ﴾ إن شاء الله.
وقوله تعالى: ﴿ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ ﴾ .
قال ابن عباس: يريد الحرائر، وأما أهل الكتاب حرام نكاحهن (٢١) هذا كلامه، وقد بينا هذا في سورة النساء.
واختلفوا في قوله: ﴿ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ﴾ هل هو عام أم لا؟
فقال ابن عباس: هذا خاص في الذميات منهن، فأما الحربيات منهن فلا.
روى مِقسَم عنه أنه قال: من نساء أهل الكتاب من يحل لنا، (ومنهم (٢٢) ﴿ قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾ إلى قوله: ﴿ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ ﴾ فمن أعطى الجزية حل لنا نساؤه، ومن لم يُعطِ لم يحل (٢٣) وقال الحسن وسعيد بن المسيب: هذا عام في جميع الكتابيات حربية كانت أو ذمية (٢٤) وقوله تعالى: ﴿ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾ .
قال ابن عباس: يريد الصداق والمهور (٢٥) قال أهل المعاني: تقييد التحليل بإيتاء الأجور يدل على تأكد وجوبه، وأن من تزوج امرأة واعتقد أن لا يعطيها صداقها كان في صورة الزاني.
وقد روي هذا المعنى عن النبي (٢٦) وتسمية المهر بالأجر يدل على أن أقل الصداق لا يتقدر، كما أن أقل الأجر في الإجارات لا يقدر.
وقوله تعالى: ﴿ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ ﴾ .
قال ابن عباس: يريد حلالًا غير حرام (٢٧) ﴿ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ ﴾ .
قال: يريد التي يهواها فيضمها إليه من غير تزويج، هذا حرام (٢٨) ﴿ مُحْصِنِينَ ﴾ يعني تنكحوهن بالمهر والبينة، ﴿ غَيْرَ مُسَافِحِينَ ﴾ معالنين بالزنا، ﴿ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ ﴾ يعني تُسرون الزنا (٢٩) وقال الشعبي: الزنا ضربان خبيثان: السفاح وهو أخبثهما، وهو المعالنة بالزنا، والآخر: اتخاذ الخدن، وهو الزنا في السر (٣٠) قال الزجاج حرم الله عز وجل الجماع على جهة السفاح، وعلى جهة اتخاذ الصديقة، وأحله على جهة الإحصان، وهو التزوج (٣١) (٣٢) وقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ ﴾ .
قال ابن عباس ومجاهد: ﴿ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ ﴾ أي بالله (٣٣) ووجه هذا القول: هو أن الله تعالى يجب الإيمان به، ومن آمن به فهو مؤمن به، والله تعالى مؤمن به، والمؤمن به يجوز أن يسمى إيمانًا كما يسمى المضروب ضربًا، كقولهم: نسج اليمن، وصيد البر.
وحكى عن بعضهم أنه قال: معنى هذا القول: ومن يكفر برب الإيمان (٣٤) والأول الوجه.
قال العلماء: وليس هذا على الإطلاق، لأنه قيد في آية أخرى فقال: ﴿ وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ ﴾ ، فأما من كفر ثم آمن ومات على الإيمان لا يقال حبطت أعماله.
وقال الكلبي: ﴿ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ ﴾ بشهادة أن لا إله إلا الله (٣٥) فجعل كلمة التوحيد إيمانًا.
وروى حِبان (٣٦) ﴿ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ ﴾ يقول: بما أنزل على محمد (٣٧) وعلى هذا سُمي القرآن إيمانًا؛ لأنه يجب الإيمان به، وأنه من عند الله.
قال مقاتل: المراد بقوله: ﴿ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ ﴾ نساء أهل الكتاب، يقول: ليس إحصان المسلمين إياهن بالذي يخرجهن من الكفر أو يغني عنهن في دينهن شيئًا، وجعلهن ممن كفر بالإيمان وحبط عمله، وهي بعدُ للناس عامة، من كفر بالإيمان فقد حبط عمله (٣٨) وقال أبو إسحاق: ﴿ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ ﴾ أي من بدّل شيئًا مما أحل الله فجعله حرامًا، أو أحل شيئًا مما حرم الله فهو كافر بالإجماع، وقد حبط جميع ما تقرب به إلى الله عز وجل (٣٩) وهذا دليل لمن جعل الطاعات إيمانًا؛ لأن تحليل ما أحل الله وتحريم ما حرمه طاعة.
وقوله تعالى: ﴿ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ .
قال ابن عباس: يريد الثواب (٤٠) (١) انظر: "زاد المسير" 2/ 295.
(٢) غير واضح في (ش).
(٣) غير واضح في (ش).
(٤) لم أقف عليه، وما وجدته عن ابن عباس في هذه الآية أنه قال: كلوا من ذبائح بني تغلب وتزوجوا من نسائهم.
أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 101، ويريد نصارى بني تغلب.
(٥) غير واضح في (ش).
(٦) غير واضح في (ش).
(٧) أخرجه عنهما بمعناه الطبري في "تفسيره" 6/ 101، وانظر البغوي في "تفسيره" 3/ 18، و"زاد المسير" 2/ 295.
(٨) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 101، وانظر: "زاد المسير" 2/ 295.
(٩) انظر البغوي في "تفسيره" 3/ 18.
(١٠) غير واضح في (ش).
(١١) غير واضح في (ش)، وانظر: "زاد المسير" 2/ 296.
(١٢) غير واضح في (ش).
(١٣) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 151، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 417، و"زاد المسير" 2/ 296.
(١٤) غير واضح في (ش).
(١٥) علق محقق "معاني الزجاج" عند هذا الموضع ما يأتي: أي الإيمان والعقيدة أولاً ثم التكليف بعد ذلك، وهؤلاء لا إيمان عندهم فليأكلوا ما يأكلون ولا حرج علينا في تقديم ذلك لهم.
(١٦) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 151، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 417.
(١٧) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 104، وانظر: "معاني القرآن" للنحاس 2/ 267، و"زاد المسير" 2/ 296.
(١٨) انظر: "معاني القرآن" للنحاس 2/ 266، و"زاد المسير" 2/ 296، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 107.
(١٩) انظر: الطبري في "تفسيره" 9/ 106 - 107، والبغوي في "تفسيره" 3/ 19.
(٢٠) أخرجه بنحوه من حديث أبي هريرة البخاري (5090) كتاب النكاح، باب: الأكفاء في الدين.
(٢١) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 107.
(٢٢) في (ش): منهن وما أثبته هو الموافق لما عند الطبري في "تفسيره" 6/ 107.
(٢٣) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 107، و"زاد المسير" 2/ 297.
قال ابن الجوزي معلقًا على رأي ابن عباس هذا: والجمهور على خلافه.
(٢٤) أخرجه بمعناه الطبري في "تفسيره" 6/ 107، وانظر: "زاد المسير" 2/ 296.
(٢٥) "تفسيره" ص 172، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 108.
(٢٦) لم أقف عليه.
(٢٧) بمعناه في "تفسيره" ص 172، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 108.
(٢٨) بمعناه في "تفسيره" ص 172، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 108.
(٢٩) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 108، والبغوي في "تفسيره" 3/ 19.
(٣٠) لم أقف عليه.
(٣١) في "معاني الزجاج": التزويج.
(٣٢) في "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 152.
(٣٣) هذا لفظ مجاهد كما عند الطبري في "تفسيره" 6/ 109، وانظر: "تفسير الهواري" 1/ 451، أما لفظ ابن عباس فإنه قال: أخبر الله أن الإيمان هو العروة الوثقى وأنه لا يقبل عملاً إلا به، ولا يحرم الجنة إلا على من تركه.
"تفسيره" ص 172، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 109 - 110.
(٣٤) لم أقف عليه.
(٣٥) انظر البغوي في "تفسيره" 3/ 20، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 108.
(٣٦) هو أبو عبي حبان -بكسر الحاء- بن علي العنزي الكوفي، له فقه وفضل، لكنه ضعيف.
توفي سنة 71 هـ.
انظر: "الجرح والتعديل" 3/ 270، و"ميزان الاعتدال" 1/ 449، و"التقريب" ص 149 رقم (1076) رقم (1076).
(٣٧) لم أقف عليه.
(٣٨) انظر: "سير مقاتل" 1/ 455.
(٣٩) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 152.
(٤٠) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 108.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَطَعَامُ الذين أُوتُواْ الكتاب حِلٌّ لَّكُمْ ﴾ معنى حل: حلال، والذين أوتوا الكتاب هم اليهود، والنصارى، واختلف في نصارى بني تغلب من العرب، وفيمن كان مسلماً ثم ارتد إلى اليهودية أو النصرانية، هل يحل لنا طعامهم أم لا؟
ولفظ الآية يقتضي الجواز لأنهم من أهل الكتاب، واختلف في المجوس والصابئين.
هل هم أهل كتاب أم لا؟.
وأما الطعام، فهو على ثلاثة أقسام أحدها: الذبائح وقد اتفق العلماء على أنها مرادة في الآية، فأجازوا كل ذبائح اليهود والنصارى، واختلفوا فيما هو محرم عليهم في دينهم، هل يحل لنا أم لا على ثلاثة أقوال: الجواز، والمنع، والكراهة، وهذا الاختلاف مبني على هو من طعامهم أم لا فإن أريد بطعامهم ما ذبحوه جاز، وإن أريد به ما يحل لهم منع، والكراهة توسط بين القولين.
القسم الثاني ما لا محاولة لهم فيه كالقمح والفاكهة فهو جائز لنا باتفاق، والثالث: ما فيه محاولة: كالخبز، وتعصير الزيت، وعقد الجبن وشبه ذلك مما يمكن استعمال النجاسة فهي، فمنعه ابن عباس لأنه رأى أن طعامهم هو الذبائح خاصة، ولأنه يمكن أن يكون نجساً، وأجازه الجمهور، لأنه رأوه داخلاً في طعامهم، هذا إذا كان استعمال النجاسة فيه محتملاً، فأما أذا تحققنا استعمال النجاسة فيه كالخمر والخنزير والميتة، فلا يجوز أصلاً وقد صنف الطرطوشي في تحريم جبن النصارى، وقال: إنه ينجس البائع والمشتري والآلة، لأنهم يعقدونه بأنفحة الميتة، ويجري مجرى ذلك الزيت إذا علمنا أنهم يجعلونه في ظروف الميتة ﴿ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ ﴾ هذه إباحة للمسلمين أن يطعموا أهل الكتاب من طعامهم ﴿ والمحصنات ﴾ عطف على الطعام المحلل، وقد تقدّم أن الإحصان له أربعة معان: الإسلام، والتزوج والعفة، والحرية.
فأما الإسلام فلا يصح هنا لقوله من الذين أوتوا الكتاب، وأما التزوج فلا يصح أيضاً لأن ذات الزوج لا تحل لغيره، ويحتمل هنا العفة والحرية، فمن حمله على العفة أجاز نكاح المرأة الكتابية سواء كانت حرة أو أمة، ومن حمله على الحرية أجاز نكاح الكتابية الحرة ومنع الأمة، وهو مذهب مالك، ولا تعارض بين هذه الآية.
وبين قوله: ولا تنكحوا المشركات لأنه هذه في الكتابيات، والخرى في المشركات، وقد جعل بعض الناس هذه ناسخة لتلك، وقيل: بالعكس، وقد تقدم معنى ﴿ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾ [النساء: 24] ومعنى الأخذان: ﴿ يَآأَيُّهَا الذين آمَنُواْ استعينوا بالصبر والصلاوة ﴾ [البقرة: 153] نزلت في غزوة المريسيع، حين انقطع عقد عائشة رضي الله عنها، فأقام الناس على التماسه وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، فنزلت الرخصة في التيمم، فقال أسيد بن حضير: ما هذه بأول بركاتكم يا آل أبي بكر ولذلك سميت الآية آية التيمم، وقد كان الوضوء مشروعاً قبلها، ثابتاً بالسنة، وقوله: إذا قمتم إلى الصلاة معناه: إذا أردتم القيام إلأى الصلاة فتوضأوا.
ويقتضي ظاهرها وجوب تجديد الوضوء لكل صلاة، وهو مذهب ابن سيرين وعكرمة.
ومذهب الجمهور: أنه لا يجب، واختلفوا في تأويل الآية على أربعة أقوال: الأول: أن وجوب تجديد الوضوء لكل صلاة منسوخ بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ صلى الصلوات الخمس يوم الفتح بوضوء واحد، والثاني: أن ما تقتضيه الآية من التحديد يحمل على الندب، والثالث: أن تقديرها إذا قمتم محدثين فإنما يجب على من أحدث، والرابع: أن تقديرها إذا قمتم من النوم ﴿ فاغسلوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المرافق ﴾ ذكر في هذه الآية.
أربعة أعضاء اثنين محدودين، وهما اليدان والرجلان واثنين غير محدودين وهما الوجه والرأس أما المحدودان فتغسل اليدان إلى المرفقين، والرجلان إلى الكعبين وجوباً بإجماع، فإنّ ذلك هو الحد الذي جعل الله لهما، واختلف هل يجب غسل المرفقين مع اليدين، وغسل الكعبين مع الرجلين أم لا، وذلك مبين على معنى إلى، فمن جعل إلى بمعنى مع في قوله إلى الكعبين، هل هما اللذان عند مقعد الشراك أو العظمان الناتئان في طرف الساق، وهو أظهر لأنه ذكرهما بلفظ التثنية، ولو كان اللذان عند مقعد الشراك لذكرهما بلفظ الجمع كما ذكر المرافق، لأنه على ذلك في كل رجل كعب واحد وأما غير المحدودين، فاتفق على وجوب استعاب الوجه.
وحده طولاً من أول منابت الشعر إلى آخر الذقن أو اللحية، وحدّه عرضاً من الأذن إلى الأذن وقيل: من العذار إلى العذار، وأما الرأس، فمذهب مالك وجوب إيعابه كالوجه، ومذهب كثير من العلماء جواز الاقتصار على بعضه، لما ورد في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح على ناصيته ولكنهم اختلفوا في القدر الذي يجزئ على أقوال كثيرة ﴿ وامسحوا بِرُؤُوسِكُمْ ﴾ اختلف في هذه الباء فقال قوم: إنها للتبعيض وبنوا على ذلك جواز مسح بعض الرأس، وهذا القول غير صحيح عند أهل العربية، وقال القرافي: إنها باء الاستعانة التي تدخل على الآلات وأن المعنى: امسحوا أيديكم برؤوسكم، وهذا ضعيف، لأن هذا ليس موضع زيادتها والصحيح عندي: أنها باء الإلصاق التي توصل الفعل إلى مفعوله؛ لأن المسح تارة يتعدّى بنفسه، وتارة بحرف الجر: كقوله: فامسحوا بوجوهكم، وكقوله: ﴿ فَطَفِقَ مَسْحاً بالسوق والأعناق ﴾ [ص: 33] ﴿ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الكعبين ﴾ قرئ وأرجلَكم بالنصب عطفاً على الوجوه والأيدي فيقتضي ذلك وجوب غسل الرجلين، وقرئ بالخفض، فحمله بعضهم على أنه عطف على قوله: برؤوسكم، فأجاز مسح الرجلين، روي ذلك عن ابن عباس، وقال الجمهور لا يجوز مسحهما بل يجب غسلهما وتأولوا قراءة الخفض بثلاثة تأويلات: أحدها: أنه خفض على الجوار لا على العطف.
والآخر: أنه يراد به المسح على الخفين، والثالث: أن ذلك منسوخ بالسنة.
والفرق بين الغسل والمسح أن المسح إمرار اليدين بالبلل الذي يبقى من الماء، والغسل عند مالك إمرار اليد بالماء، وعند الشافعي إمرار الماء، وإن لم يدلك باليد ﴿ وَإِن كُنتُم مرضى أَوْ على سَفَرٍ ﴾ تقدم الكلام على نظيرتها في النساء ﴿ مَا يُرِيدُ الله لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ ﴾ أي من ضيق ولا مشقة كقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دين الله يسر» ، وباقي الآية تفضل من الله على عباده ورحمة وفي ضمن ذلك ترغيب في الطهارة وتنشيط عليها ﴿ وميثاقه الذي وَاثَقَكُم بِهِ ﴾ هو ما وقع في بيعة العقبة وبيعة الرضوان، وكل موطن قال المسلمون فيه: سمعنا وأطعنا.
<div class="verse-tafsir"
القراآت: ﴿ ولا يجرمنكم ﴾ بالنون الخفيفة: روي عن رويس.
الباقون مثقلة.
﴿ شنآن ﴾ في الموضعين بسكون النون: ابن عامر وإسماعيل وأبو بكر وحماد ويزيد من طريق ابن وردان.
الباقون بالفتح.
﴿ أن صدّوكم ﴾ بكسر الهمز: ابن كثير أبو عمرو.
الباقون بالفتح.
﴿ ولا تعاونوا ﴾ بتشديد التاء: البزي وابن فليح.
﴿ الميتة ﴾ و ﴿ فمن اضطر ﴾ كما مر في البقرة.
﴿ واخشوني ﴾ بالياء في الوقف: سهل ويعقوب.
﴿ وأرجلكم ﴾ بالنصب: ابن عامر ونافع وعلي والمفضل وحفص ويعقوب والأعشى في اختياره.
الباقون بالجر.
الوقوف: ﴿ بالعقود ﴾ ط لاستئناف الفعل.
﴿ حرم ﴾ ط ﴿ ما يريد ﴾ ه ﴿ ورضواناً ﴾ ط ﴿ فاصطادوا ﴾ ط لابتداء نهي أن تعتدوا لئلاّ يتوهم العطف وحذف التاء من تعاونوا.
﴿ والتقوى ﴾ ص لعطف المتفقتين ﴿ والعدوان ﴾ ص كذلك ﴿ واتقوا الله ﴾ ط ﴿ شديد العقاب ﴾ ه ﴿ بالأزلام ﴾ ط ﴿ فسق ﴾ ط ﴿ واخشوني ﴾ ط ﴿ دينأً ﴾ ط لأنّ الشرط من تمام التحريم لا مما يليه.
﴿ لإثم ﴾ لا لأن ما بعده جزاء ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ أحل لهم ﴾ ط فصلاً بين السؤال والجواب.
﴿ الطيبات ﴾ ط للعطف أي وصيد ما علمتم ﴿ مما علمكم الله ﴾ ز لفاء التعقيب مع عطف المختلفين.
﴿ عليه ﴾ ص ﴿ واتقوا الله ﴾ ط ﴿ الحساب ﴾ ه ﴿ الطيبات ﴾ ط لأن ما بعده مبتدأ.
﴿ لكم ﴾ ص لعطف المتفقتين ﴿ لهم ﴾ ز لأن قوله: ﴿ والمحصنات ﴾ عطف على ﴿ وطعام الذين ﴾ لا على ما يليه ﴿ أخذان ﴾ ط ﴿ عمله ﴾ ز لعطف المختلفين مع أن ما بعده من تمام جزاء الكفر معنى.
﴿ الخاسرين ﴾ ه ﴿ الكعبين ﴾ ط لابتداء حكم.
﴿ فاطهروا ﴾ ط كذلك.
﴿ وأيديكم منه ﴾ ط ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ واثقكم به ﴾ لا لأن "إذ" ظرف المواثقة ﴿ وأطعنا ﴾ ز لعطف المتفقتين مع وقوع العارض ﴿ واتقوا الله ﴾ ط ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ بالقسط ﴾ ز لعطف المتفقتين مع زيادة نون التأكيد المؤذن بالاستئناف ﴿ أن لا تعدلوا ﴾ ط للاستئناف.
﴿ اعدلوا ﴾ ج وقفة لطيفة لأن الضمير مبتدأ مع شدة اتصال المعنى.
﴿ للتقوى ﴾ ز ﴿ واتقوا الله ﴾ ط ﴿ بما تعملون ﴾ ه ﴿ الصالحات ﴾ لا لأن ما بعده مفعول الوعد أي أن لهم ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ الجحيم ﴾ ه ﴿ أيديهم عنكم ﴾ ج لاعتراض الظرف بين المتفقين ﴿ واتقوا الله ﴾ ط ﴿ المؤمنون ﴾ ه.
التفسير: وفي بالعهد وأوفى به بمعنى.
والعقد وصل الشيء بالشيء على سبيل الاستيثاق والإحكام والعهد وإلزام مع إحكام.
والمقصود من الإيفاء بالعقود أداء تكاليفه فعلاً وتركاً.
والتحقيق أن الإيمان معرفة الله بذاته وصفاته وأحكامه وأفعاله فكأنه قيل: يا أيها الذين التزمتم بأيمانكم أنواع العقود أوفوا بها.
ومعنى تسمية التكاليف عقوداً أنها مربوطة بالعباد كما يربط الشيء بالشيء بالحبل الموثق.
قال الشافعي: إذا نذر صوم يوم العيد أو نذر ذبح الولد لغا لقوله : " "لا نذر في معصية الله" .
وقال أبو حنيفة: يجب عليه الصوم والذبح لقوله : ﴿ أوفوا بالعقود ﴾ غايته أنه لغا هذا النذر في خصوص كون الصوم واقعاً في يوم العيد وفي خصوص كون الذبح في الولد.
وقال أيضاً خيار المجلس غير ثابت لقوله: ﴿ أوفوا بالعقود ﴾ وخصص الشافعي عموم الآية بقوله: : " "المتبايعان كل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا " وقال أبو حنيفة: الجمع بين الطلقات حرام لأن النكاح من العقود بدليل: ﴿ ولا تعزموا عقدة النكاح ﴾ وقال: ﴿ أوفوا بالعقود ﴾ ترك العمل به في الطلقة الواحدة بالإجماع فيبقى سائرها على الأصل.
والشافعي خصص هذا العموم بالقياس وهو أنه لو حرم الجمع لما نفذ وقد نفذ فلا يحرم.
ثم إنه لما مهد القاعدة الكلية ذكر ما يندرج تحتها فقال: ﴿ أحلت لكم بهيمة الأنعام ﴾ والبهيمة كل حي لا عقل له من قولهم: استبهم الأمر إذا اشكل.
وهذا باب مبهم أي مسدود.
ثم خص هذا الاسم بكل ذات أربع في البر والبحر.
والأنعام الحافر لأنه مأخوذ من من الإبل والبقر والغنم.
قال الواحدي: ولا يدخل في اسم الأنعام الحافر لأنه مأخوذ من نعومة الوطء، وإضافة البهيمة إلى الأنعام للبيان مثل: خاتم فضة بتقدير من.
وفائدة زيادة لفظ البهيمة مع صحة ما لو قيل أحلت لكم الأنعام كما قال في سورة الحج هي فائدة الإجمال ثم التبيين.
وإنما وحد البهيمة لأنها اسم جمع يشمل أفرادها.
وجمع الأنعام لأن النعم مفرداً يقع في الأكثر على الإبل وحدها.
وقيل: المراد بالبهيمة شيء وبالأنعام شيء آخر وعلى هذا ففيه وجهان: أحدهما أن البهيمة الظباء وبقرة الوحش ونحوها كأنهم أرادوا ما يماثل الأنعام ويدانيها من جنس الأنعام في الاجترار وعدم الأنياب فأضيفت إلى الأنعام لملابسة الشبه.
الثاني أنها الأجنة.
عن ابن عباس أن بقرة ذبحت فوجد في بطنها جنين فأخذ ابن عباس بذنبها وقال: هذه بهيمة الأنعام, وعن ابن عمر أنها أجنة الأنعام وذكاته ذكاة أمة، قالت الثنوية: ذبح الحيوانات إيلام والإيلام قبيح وخصوصاً إيلام من بلغ في العجز والحيرة إلى حيث لا يقدر أن يدفع عن نفسه ولم يكن له لسان يحتج على من يقصد إيلامه، والقبيح لا يرضى به الإله الرحيم الحكيم فلا يكون الذبح مباحاً حلالاً، فلقوة هذه الشبهة زعم البكرية من المسلمين أنه يدفع ألم الذبح عن الحيوانات.
وقالت المعتزلة: إن الإيلام إنما يقبح إذا لم يكن مسبوقاً بجناية ولا ملحوقاً بعوض، وههنا يعوض الله وتعالى هذه الحيوانات بأعواض شريفة فلا يكون ظلماً وقبيحاً كالفصد والحجامة لطلب الصحة وقالت الأشاعرة: الإذن في ذبح الحيوانات تصرف من الله في ملكه فلا اعتراض عليه ولذا قال: ﴿ إن الله يحكم ما يريد ﴾ قال بعضهم: ﴿ أحلّت لكم بهيمة الأنعام ﴾ مجمل لاحتمال أن يكون المراد إحلال الانتقاع بجلدها أو عظمها أو صوفها أو بالكل.
والجواب أن الإحلال لا يضاف إلى الذات فتعين إضمار الانتفاع بالبهيمة فيشمل أقسام الانتفاع.
على أن قوله: ﴿ والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون ﴾ يدل على الانتفاع بها من كل الوجوه، إلاّ أنه ألحق بالآية نوعين من الاستثناء الأول قوله: ﴿ إلاّ ما يتلى عليكم ﴾ أي إلاّ محرم ما يتلى عليكم أو ما يتلى عليكم آية تحريمه, وأجمع المفسرون على أن الآية قوله بعد ذلك: ﴿ حرمت عليكم الميتة والدم ﴾ والثاني قوله: ﴿ غير محلي الصيد وأنتم حرم ﴾ اي داخلون في الحرم أو في الإحرام.
قال الجوهري: رجل حرام أي محرم والجمع حرم مثل قذال وقذل.
وقيل: مفرد يستوي فيه الواحد والجمع كما يقال قوم جنب، وانتصاب: ﴿ غير محلي ﴾ على الحال من الضمير في: ﴿ لكم ﴾ أي أحلت لكم هذه الأشياء لا محلين الصيد في حالة الإحرام وفي الحرم.
ثم كان لقائل أن يقول: ما السبب في إباحة الأنعام في جميع الأحوال وإباحة الصيد في بعض الأحوال؟
فقيل: إن الله يحكم ما يريد فليس لأحد اعتراض على حكمه ولا سؤال بلم وكيف.
ثم أكد النهي عن مخالفة تكاليفه بقوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ﴾ الأكثرون على أنها جمع شعيرة: "فعيلة" بمعنى: "مفعلة".
وقال ابن فارس: واحدها شعارة.
ثم المفسرون اختلفوا على قولين: أحدهما أنها عامة في جميع تكاليفه ومنه قول الحسن: شعائر الله دين الله.
والثاني أنها شيء خاص من التكاليف.
ثم قيل: المراد لا تحلوا ما حرم الله عليكم في حال إحرامكم من الصيد.
وقيل: الأفعال التي هي علامات الحج التي يعرف بها من الإحرام والطواف والسعي والحلق والنحر.
وقال الفراء: كانت عامة العرب لا يرون الصفا والمروة من شعائر الحج فنهوا عن ترك السعي بينهما.
وقال أبو عبيدة: الشعائر الهدايا التي تطعن في سنامها وتقلد ليعلم أنها هدي.
وقال ابن عباس: "إن الحطم واسمه شريح بن ضبيعة الكندي أتى النبي من اليمامة إلى المدينة فخلف خيله خارج المدينة ودخل وحده على النبي فقال له: إلام تدعو الناس؟
فقال: إلى شهادة أن لا إله إلاّ الله وإقام الصلاة وايتاء الزكاة.
فقال: حسن إلاّ أن لي أمراء لا أقطع أمراً دونهم، ولعلي أسلم وآتي بهم.
وقد كان النبي قال لأصحابه: يدخل عليكم رجل يتكلم بلسان شيطان ثم خرج من عنده.
فلما خرج قال رسول الله : لقد دخل بوجه كافر وخرج بعقبي غادر وما الرجل بمسلم .
فمرّ بسرح المدينة فاستاقه فطلبوه فعجزوا عنه، فلما خرج رسول الله إلى عمرة القضاء سمع تلبية حجاج اليمامة فقال لأصحابه: هذا الحطم وأصحابه وكان قد قلد ما نهب من سرح المدينة وأهداه إلى الكعبة، فلما توجهوا في طلبه أنزل الله : ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ﴾ " يريد ما أشعر لله وإن كانوا على غير دين الإسلام.
وقال زيد بن أسلم: "كان رسول الله وأصحابه بالحديبية حين صدهم المشركون وقد اشتد ذلك عليهم، فمر بهم ناس من المشركين يريدون العمرة، فقال أصحاب رسول الله : نصد هؤلاء عن البيت كما صدنا أصحابهم؟
فأنزل الله: ﴿ لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام ﴾ " أي قوماً قاصدين إياه.
والمعنى لا تعتدوا على هؤلاء العمار لأن صدكم أصحابهم فالشهر الحرام شهر الحج أعني ذا الحجة، أو المراد رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم وعبر عنها بلفظ الواحد اكتفاء باسم الجنس، أي لا تحلوا القتال في هذه الأشهر.
والهدي ما أهدى إلى البيت وتقرب به إلى الله من النسائك جمع هدية.
والقلائد جمع قلادة وهي ما قلد به الهدي من نعل أو عروة مزادة أو لحاء شجر الحرم.
والمراد لا تحلو ذوات القلائد من الهدي أفرد للاختصاص بالفضل مثل وجبريل وميكال.
ويحتمل أنه نهي عن التعرض للقلائد ليلزم النهي عن ذوات القلائد بالطريق الأولى كقوله: ﴿ ولا يبدين زينتهن ﴾ فإنه نهي عن إبداء الزينة مبالغة في النهي عن إبداء مواقعها.
وللمفسرين خلاف في الآية فذهب كثير منهم كابن عباس ومجاهد والحسن والشعبي وقتادة أنها منسوخة، وذلك أن المسلمين والمشركين كانوا يحجون جميعاً فنهى المسلمون أن يمنعوا أحداً عن/ حج البيت بقوله: ﴿ لا تحلوا ﴾ ثم نزل بعد ذلك: ﴿ إنما المشركون نجس ﴾ ﴿ ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله ﴾ وهؤلاء فسروا ابتغاء الفضل بالتجارة، وابتغاء الراضوان بأن المشركين كانوا يظنون في أنفسهم أنهم على شيء من الدين وأن الحج يقرّبهم إلى الله فوصفهم الله بظنهم.
وقال الآخرون: إنها محكمة وإنه أمرنا ﴿ ورضواناً ﴾ وأن يرضى عنهم وهذا إنما يليق بالمسلم لا بالكافر.
وقال أبو مسلم: المراد بالآية الكفار الذين كانوا في عهد رسول الله ، فلما زال العهد بسورة براءة زال ذلك الخطر.
﴿ وإذا حللتم فاصطادوا ﴾ ظاهر الأمر للوجوب إلاّ أنه يفيد ههنا الإباحة لأنه لما كان المانع من حل الاصطياد هو الإحرام لقوله: ﴿ غير محلي الصيد وأنتم حرم ﴾ فإذا زال الإحرام رجع إلى أصل الإباحة ﴿ ولا يجرمنكم ﴾ معطوف على ﴿ لا تحلوا ﴾ وجرم بمعنى كسب من حيث المعنى ومن حيث تعدية إلى مفعول واحد تارة وإلى مفعولين أخرى.
تقول: جرم ذنباً نحو كسبه وجرمته ذنباً نحو كسبته إياه وهذا هو المذكور في الآية.
الشنآن بالتحريك والتسكين مصدر شنأته أشنؤه وكلاهما شاذ فالتحريك شاذ في المعنى لأن فعلان من بناء الحركة والاضطراب كالضربان الخفقان.
والتسكين شاذ في اللفظ لأنه لم يجيء شيء من المصادر عليه قاله الجوهري.
ومعنى الآية لا يكسبنكم بغض قوم الاعتداء أو لا يحملنكم بغضهم على الاعتداء.
وقوله: ﴿ أن صدوكم ﴾ من قرأ بكسر الهمزة فهو شرط وجوابه ما يدل عليه ﴿ لا يجرمنكم ﴾ ، ومن قرأ بفتح "أن" فمعناه التعليل أي لأن صدوكم.
قيل: هذه القراءة أولى لأن المراد منع أهل مكة رسول الله والمؤمنين يوم الحديبية عن العمرة والسورة نزلت بعد الحديبية ﴿ وتعاونوا على البر والتقوى ﴾ على العفو والإغضاء أو على كل ما يعدّ براً وتقوى.
﴿ ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ﴾ على الانتقام والتشفي أو على كل ما يورث الإثم والتجاوز عن الحد.
والحاصل أن الباطل والإثم لا يصلح لأن يقتدى به ويعان عليه وإنما اللائق بالاقتداء به والتعاون عليه هو الخير والبر وما فيه تقوى الله وتعالى .
ثم بالغ في هذا المعنى بقوله: ﴿ واتقوا الله ﴾ أي في استحلال محارمه.
﴿ إن الله شديد العقاب ﴾ ثم شرع في تفصيل الاستثناء الموعود تلاوته في قوله: ﴿ إلاّ ما يتلى عليكم ﴾ فقال: ﴿ حرمت عليكم الميتة ﴾ الآية.
والمجموع المستثنى أحد عشر نوعاً: الأول الميتة كانوا يقولون إنكم تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل الله.
قالت العقلاء: الحكمة في تحريم الميتة أن الدم جوهر لطيف فإذا مات الحيوان حتف أنفه احتبس الدم في عروقه وتعفن فيحصل من أكله مضار كثيرة.
الثاني الدم كانوا يأكلون الفصيد وهو دم كان/ يجعل في معىً من فصد عرق ثم يشوى فيطعمه الضيف في الأزمة ومنه المثل: "لم يحرم من فصد له" أي فصد له البعير وربما يقال: "من فزد له" الثالث لحم الخنزير.
قالت العلماء: الغذاء يصير جزءاً من جوهر المغتذي ولا بد أن يحصل للمغتذي أخلاق وصفات من جنس ما كان حاصلاً في الغذاء، والخنزير مطبوع على الحرص والشره فحرم أكله لئلا يتكيف الإنسان بكيفيته.
وأما الغنم فإنها في غاية السلامة وكأنها عارية عن جميع الأخلاق فلا تتغير من أكلها أحوال الإنسان.
والرابع: ﴿ ما أهل لغير الله به ﴾ والإهلال رفع الصوت وكانوا يقولون عند الذبح باسم اللات والعزى وقد مر في سورة البقرة سائر ما يتعلق بهذه الأنواع الأربعة فليرجع إليها.
الخامس المنخنقة كانوا في الجاهلية يخنقون الشاة فإذا ماتت أكلوها.
وقد تنخنق بحبل الصائد وقد يدخل رأسها بين عودين في شجرة فتنخنق فتموت، وبالجملة فبأي وجه انخنقت فهي حرام.
السادس الموقوذة وهي المقتولة بالخشب.
وقذها إذا ضربها حتى ماتت ومنها ما رمي بالبندق فمات.
السابع المتردية التي تقع في الردى وهو الهلاك، وتردى إذا وقع في بئر أو سقط من موضع مرتفع ويدخل فيه ما إذا أصابه سهم وهو في الجبل فسقط على الأرض فإنه يحرم أكله لأنه لا يعلم أن زهوق روحه بالتردي أو بالسهم.
الثامن النطيحة التي نطحتها أخرى فماتت بسببه، ولا يخفى أن هذه الأقسام الأربعة داخلة في الميتة دخول الخاص في العام فأفردت بالذكر لمزيد البيان.
والهاء في المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة لأنها صفات الشاة بناء على أغلب ما يأكله الناس وإلاّ فالحكم عام.
وإنما أنث النطيحة مع أن "فعيلا" بمعنى "مفعول" لا يدخله الهاء كقولهم: كف خضيب، ولحية دهين، وعين كحيل، لأن الموصوف غير مذكور.
تقول: مررت بامرأة قتيل فلان فإذا حذفت الموصوف قلت: بقتيلة فلان لئلاّ يقع الاشتباه.
التاسع ما أكل السبع وهو اسم يقع على ما له ناب ويعدو على الإنسان ويفترس الحيوان كالأسد وما دونه.
قال قتادة: كان أهل الجاهلية إذا جرح السبع شيئاً فقتله وأكل بعضه أكلوا ما بقي فحرمه الله وفي الآية حذف التقدير: وما أكل منه السبع لأن ما أكله السبع فقد نفد ولا حكم له وإنما الحكم للباقي.
قوله: ﴿ إلاّ ما ذكيتم ﴾ الذكاء في اللغة تمام الشيء ومنه الذكاء في الفهم وفي السن التمام فيها، والمذاكي الخيل التي قد أتى عليها بعد قروحها سنة أو سنتان، وتذكية النار رفعها وقوّة اشتعالها، والتذكية كمال الذبح.
أما المستثنى منه فعن علي وابن عباس والحسن وقتادة أنه جميع ما تقدم من قوله: ﴿ والمنخنقة ﴾ إلى قوله: ﴿ وما أكل السبع ﴾ والمعنى أنك إن أدركت ذكاته بأن وجدت له عيناً تطرف أو ذنباً يتحرك أو رجلاً تركض فاذبح فهو حلال لأن ذلك دليل الحياة المستقرة.
وقيل: إنه مختص بقوله: ﴿ وما أكل السبع ﴾ وقيل: إنه استثناء منقطع من المحرمات كأنه قيل: لكن ما ذكيتم من غير هذا/ فهو حلال، أو من التحريم أي حرم عليكم ما مضى إلاّ ما ذكيتم فإنه لكم حلال.
العاشر ما ذبح على النصب وهو مفرد وجمعه أنصاب كطنب وأطناب وهو كل ما نصب فعبد من دون الله قاله الجوهري.
وضعف بأنه حينئذ يكون كالتكرار لقوله: ﴿ وما أهل لغير الله به ﴾ وقال ابن جريج: النصب ليست بأصنام فإن الأصنام أحجار مصوّرة منقوشة، وهذه النصب أحجار كانوا ينصبونها حول الكعبة وكانوا يذبحون عندها للأصنام وكانوا يلطخونها بتلك الدماء ويشرحون اللحوم عليها، فالمراد ما ذبح على اعتقاد تعظيم النصب، ويحتمل أن يكون الذبح للأصنام واقعاً عليها.
وقيل: النصب جمع إما لنصاب كحمر وحمار أو لنصب كسقف وسقف.
الحادي عشر ما أبدعه أهل الجاهلية وإن لم يكن من جملة المطاعم أي حرم عليكم بأن تستقسموا بالأزلام، وإنما ذكر مع الذبح على النصب لأنهم كانوا يفعلون كلاً منهما عند البيت؛ كان أحدهم إذا أراد سفراً أو غزواً أو تجارة أو نكاحاً أو أمراً آخر من معاظم الأمور ضرب القداح وكانوا قد كتبوا على بعضها: "أمرني ربي" وعلى بعضها: "نهاني ربي" وتركوا بعضها غفلاً أي خالياً عن الكتابة.
فإن خرج الأمر أقدم على الفعل وإن خرج النهي أمسك، وإن خرج الغفل أعاد العمل.
فمعنى الاستقسام بالأزلام طلب معرفة الخير والشر بواسطة ضرب القداح.
وقال كثير من أهل اللغة: الاستقسام ههنا هو الميسر المنهي عنه.
والأزلام قداح الميسر والتركيب يدور على التسوية والإجادة.
يقال: ما أحسن مازلم سهمه أي سوّاه ورجل مزلم إذا كان مخفف الهيئة وامرأة مزلمة إذا لم تكن طويلة ﴿ ذلكم فسق ﴾ إشارة إلى جميع ما تقدم من المحرمات أي تناولها فسق، ويحتمل أن يرجع الى الاستقسام بالإزلام فقط.
وكونه فسقاً بمعنى الميسر ظاهر، وأما بمعنى طلب الخير والشر فوجهه أنهم كانوا يجيلونها عند أصنامهم ويعتقدون أن ما خرج من الأمر أو النهي هو إرشاد الأصنام وإعانتها فلذلك كان فسقاً وكفراً.
وقال الواحدي: إنما حرم لأنه طلب معرفة الغيب وأنه مختص بمعرفته، وضعف بأن طلب الظن بالأمارات المتعارفة غير منهي كالتعبير والفأل وكما يدعيه أصحاب الكرامات والفراسات.
ثم إنه حرض على التمسك بما شرع فقال: ﴿ اليوم يئس ﴾ قيل: ليس المراد يوماً بعينه وإنما أراد الزمان الحاضر وما يتصل به من الأزمنه الماضية والآتية كقولك: كنت بالأمس شاباً وأنت اليوم شيخ.
وقيل: المراد يوم معين وذلك أنها نزلت يوم الجمعة وكان يوم عرفة بعد العصر في حجة الوداع سنة عشر والنبي واقف على ناقته العضباء.
وعن ابن عباس أنه قرأ الآية ومعه يهودي فقال اليهودي: لو نزلت علينا في يوم لاتخذناه عيداً.
فقال ابن عباس: إنها نزلت في عيدين اتفقا في يوم واحد في يوم جمعة وافق يوم عرفة أي/ يئسوا من أن يحللوا هذه الخبائث بعد أن جعلها الله محرمة أو يئسوا من أن يغلبوكم على دينكم لأنه حقق وعده بإظهار هذا الدين على سائر الأديان ﴿ فلا تخشوهم واخشون ﴾ أخلصوا إلي الخشية.
قيل: في الآية دليل على أن التقية جائزة عند الخوف لأنه علل إظهار هذه الشرائع بزوال الخوف من الكفار.
﴿ اليوم أكملت لكم دينكم ﴾ سئل ههنا إنه يلزم منه أن الدين كان ناقصاً قبل ذلك، وكيف يجوز أن يكون النبي مواظباً على الدين الناقص أكثر عمره؟
وأجيب بأنه كقول الملك إذا استولى على عدوه: اليوم كمل ملكنا.
وزيف بأنّ السؤال بعد باقٍ لأنّ ملك ذلك الملك لا بد أن يكون قبل قهر العدوّ ناقصاً.
وقيل: المراد إني أكملت لكم ما تحتاجون إليه في تكاليفكم من تعليم الحلال والحرام وقوانين القياس وأصول الاجتهاد، وضعف بأنه يلزم أن لا يكمل لهم قبل ذلك اليوم ما كانوا محتاجين إليه من الشرائع، وتأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز.
والمختار في الجواب أن الدين كان أبداً كاملاً بمعنى أنّ الشرائع النازلة من عند الله في كل وقت - ناسخة أو منسوخة أو مجملة أو مبينة أو غير ذلك - كافية بحسب ذلك الوقت وفي آخر زمان البعثة حكم ببقاء الأحكام على حالها من غير نسخ وزيادة ونقص إلى يوم القيامة.
قال نفاة القياس: إكمال الدين أن يكون حكم كل واقعة منصوصاً عليه فلا فائدة في القياس.
وأجيب بأن إكماله هو جعل النصوص بحيث يمكن استنباط أحكام نظائرها منها.
قالوا: تمكين كل أحد أن يحكم بما غلب على ظنه لا يكون إكمالاً للدين وإنما يكون إلقاء للناس في ورطة الظنون والأوهام.
وأجيب بأنه إذا كان تكليف كل مجتهد أن يعمل بمقتضى ظنه كان كل مجتهد قاطعاً بأنه عامل بحكم الله.
روي أنه لما نزلت الآية على النبي فرح الصحابة وأظهروا السرور إلاّ أكابرهم كأبي بكر الصدّيق وغيره فإنهم حزنوا وقالوا: ليس بعد الكمال إلاّ الزوال.
وكان كما ظنوا فإنه لم يعمر بعدها إلاّ أحدا وثمانين يوماً أو اثنين وثمانين يوماً ولم يحصل في الشريعة بعدها زيادة ولا نسخ ولا نقص.
قال العلماء: كان ذلك جارياً مجرى إخبار النبي عن قرب وفاته وذلك إخبار بالغيب فيكون معجزاً.
واحتجت الأشاعرة بالآية على أن الدين - سواء قيل إنه العمل أو المعرفة أو مجموع الاعتقاد والإقرار والعمل - لا يحصل إلاّ بخلق الله وإيجاده فإنه لن يكون إكمال الدين منه إلاّ وأصله منه.
والمعتزلة حملوا ذلك على إكمال بيان الدين وإظهار الشرائع.
ثم قال: ﴿ وأتممت عليكم نعمتي ﴾ أي بذلك الإكمال لأنه لا نعمة أتم من نعمة الإسلام، أو نعمتي بفتح مكة ودخولها آمنين ظاهرين ﴿ ورضيت ﴾ أي اخترت ﴿ لكم الإسلام ديناً ﴾ نصب على الحال أو مفعول ثان إن ضمن رضيت معنى صيرت.
واعلم أن قوله: ﴿ ذلكم فسق ﴾ إلى ههنا اعتراض أكد به معنى التحريم لأنّ تحريم هذه الخبائث من جملة الدين الكامل والنعمة التامة واختيار دين الإسلام للناس/ من بين سائر الأديان.
ثم بين الرخصة بقوله: ﴿ فمن اضطر في مخمصة ﴾ أي في مجاعة وأصل الخمص ضمور البطن ﴿ غير متجانف ﴾ منصوب باضطرّ أو بمضمر أي فتناول غير منحرف إلى إثم بأن يأكل فوق الشبع أو عاصياً بسفره، وقد مرّ القول في هذه الرخصة مستوفي في سورة البقرة.
﴿ يسألونك ماذا أحل لهم ﴾ كأنهم حين تلي عليهم ما حرّم عليهم من خبيثات المآكل سألوا عما أحل لهم والسؤال في معنى القول.
وإنما لم يقل ماذا أحل لنا على حكاية قولهم نظراً إلى ضمير الغائب في: ﴿ يسئلونك ﴾ ومثل هذا يجوز فيه الوجهان.
تقول: أقسم زيد ليفعلن أو لأفعلن.
أما سبب النزول فعن أبي رافع "أن جبريل جاء إلى النبي فاستأذن عليه فأذن له فلم يدخل، فخرج رسول الله فقال جبريل: إنا لا ندخل بيتاً فيه كلب ولا صورة.
فنظروا فإذا في بعض بيوتهم جرو.
قال أبو رافع: فأمرني أن لا أدع بالمدينة كلباً إلاّ قتلته حتى بلغت العوالي فإذا أمرأة عندها كلب يحرسها فرحمتها فتركته فأتيت النبي فأخبرته فأمرني بقتله، فرجعت إلى الكلب فقتلته، فجاء ناس فقالوا: يا رسول الله ماذا يحل لنا من هذه الأمة التي تقتلها فسكت رسول الله إلى أن نزلت هذه الآية.
فأمر بقتل الكلب العقور وما يضر ويؤذي وأذن في اقتناء الكلاب التي ينتفع بها" .
وقال سعيد بن جبير: "نزلت في عدي بن حاتم وزيد الخيل الذي سماه رسول الله زيد الخير حين قالا: يا رسول الله إنا قوم نصيد بالكلاب والبزاة وإنها تأخذ البقر والحمر والظباء والضب فمنه ما ندرك ذكاته ومنه ما نقتل فلا ندرك وقد حرّم الله الميتة فماذا يحل لنا منها فنزل: ﴿ قل أحل لكم الطيبات ﴾ " أي ما ليس بخبيث منها وهو ما لم يأت تحريمه في كتاب أو سنة أو قياس مجتهد، أو أحل لكم كل ما يستلذ ويشتهى عند أهل المروءة والأخلاق الجميلة، واعلم أن الأصل في الأعيان الحل لأنها خلقت لمنافع العباد ﴿ هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً ﴾ واستثنى من ذلك أصول: الأوّل: تنصيص الكتاب على تحريمه كالميتة والدم وغيرهما.
الثاني: تنصيص السنة كما روي عن جميع من الصحابة أن النبي نهى عام خيبر عن نكاح المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية والبغال كالحمير.
ولا تحرم الخيل عند الشافعي لما روي عن جابر أنه قال: "نهانا رسول الله عن البغال والحمير ولم ينهنا عن الخيل" .
الثالث: ما هو في معنى المنصوص كالنبيذ فإنه مسكر كالخمر فيشاركها في التحريم.
الرابع: كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطيور وقد مر معنى السبع عن قريب فلا يحل بموجب هذا الأصل الكلب والأسد والذئب والنمر والفهد والدب والببر والقرد والفيل لأنها تعدو بأنيابها، ولا يحل من الطيور البازي/ والشاهين والصقر والعقاب وجميع جوارح الطير.
الخامس: ما أمر بقتله من الحيوانات فهو حرام لأنّ الأمر بقتله إسقاط لحرمته ومنع من اقتنائه.
ولو كان مأكولاًَ لجاز اقتناؤه للتسمين وإعداده للأكل وقت الحاجة.
ومنه الفواسق الخمس.
روي أنه قال: "خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم الحية والفأرة والغراب الأبقع والكلب والحدأة " .
السادس ما ورد النهي عن قتله فهو حرام لأنه لو كان مأكولاً لجاز ذبحه ليؤكل كما روي أنه نهى عن قتل الخطاطيف، وكذا الصرد والنملة والنحلة والهدهد والخفاش.
السابع: الاستطابة والاستخباث لقوله : ﴿ قل أحل لكم الطيبات ﴾ قال العلماء: فيبعد الرجوع إلى طبقات الناس وتنزيل كل قوم على ما يستطيبون ويستخبثون لأن ذلك يوجب اختلاف الأحكام في الحل والحرمة وذلك يخالف موضوع الشرع.
فالعرب أولى أمة بالاعتبار لأنّ الدين عربي وهم المخاطبون أوّلاً وليس لهم ترفه وتنعم يورث تضييق المطاعم على الناس، ولكن المعتبر استطابة سكان القرى والبلاد دون أجلاف البوادي الذين لا تمييز لهم.
وأيضاً يعتبر أصحاب اليسار والترفه دون أصحاب الضرورات والحاجات.
وأيضاً المعتبر حال الخصب والرفاهية دون حال الجدب والشدة.
والحشرات بأسرها مستخبثة كالذباب والخنفساء والجعلان وحمار قبان إلاّ الضب فإنه قال: " لا آكله ولا أحرمه" ومن الأصول أنه لا يجوز أكل الأعيان النجسة في حال الاختيار وكذا أكل الطاهر إذا نجس بملاقاة النجاسة كالدهن والسمن الذائب والدبس والخل.
ومن الأصول الكسب بمخامرة النجاسة ولكن كسب الحجام حلال عند الشافعي، ومن الأصول ما يضر كالزجاج والسم والنبات المسكر أو المجنن.
قوله : ﴿ وما علمتم من الجوارح ﴾ معناه أحل لكم صيد ما علمتم على حذف المضاف لدلالة ﴿ فكلوا مما أمسكن عليه ﴾ ويجوز أن تكون "ما" شرطية والجزاء ﴿ فكلوا ﴾ وعلى هذا يجوز الوقف على ﴿ الطيبات ﴾ والجوارح الكواسب من سباع البهائم والطير كالكلب والفهد والبازي والصقر.
قال : ﴿ ويعلم ما جرحتم بالنهار ﴾ أي كسبتم.
وجوّز بعضهم أن يكون من الجراحة.
وقال: ما أخذ من الصيد فلم يسل منه دم لم يحل.
وانتصاب ﴿ مكلبين ﴾ على الحال من ﴿ علمتم ﴾ وفائدة هذه الحال مع الاستغناء عنها بـ ﴿ علمتم ﴾ أن معلم الجوارح ينبغي أن يكون ماهراً في علمه مدرباً فيه موصوفاً بالتكليب.
نقل عن ابن عمر والضحاك والسدي أن ما صادها غير الكلاب فلم يدرك/ ذكاته لم يجز أكله لأنّ قوله: ﴿ مكلبين ﴾ يدل على كون هذا الحكم مخصوصاً بالكلب.
والجمهور على أنّ الجوارح يدخل فيه ما يمكن الاصطياد به من السباع.
قالوا: المكلب مؤدب الجوارح ورائضها لأنّ تصطاد لصاحبها وإنما اشتق من الكلب لكثرة هذا المعنى في جنسه, أو لأنّ كل سبع يسمى كلباً كقوله : "اللهم سلّط عليه كلباً من كلابك فأكله الأسد" " .
أو من الكلب الذي هو بمعنى الضراوة.
يقال: فلان كلب بكذا إذا كان حريصاً عليه.
وهب أن المذكور في الآية إباحة الصيد بالكلب لكن تخصيصه بالذكر لا ينفي حل غيره لجواز الاصطياد بالرمي وبالشبكة ونحوها مع سكوت الآية عنها ﴿ تعلمونهن ﴾ حال ثانية أو استئناف مما علمكم الله من علم التكليب لأنّ بعضه إلهام من الله أو مما عرفكم أن تعلموه من اتباع الصيد بإرسال صاحبه وإنزجاره بزجره.
واعلم أنه يعتبر في صيرورة الكلب معلماً أمور منها: أن ينزجر بزجر صاحبه في ابتداء الأمر وكذا إذا انطلق واشتد عدوه وحدّته، يشترط أن ينزجر بزجره أيضاً على الأشبه فبه يظهر التأدب.
ومنها أن يسترسل بإرسال صاحبه أي إذا أغري بالصيد هاج.
ومنها أن يمسك الصيد لقوله: ﴿ فكلوا مما أمسكن عليكم ﴾ وفي هذا اعتبار وصفين: أحدهما أن يحفظه ولا يخليه، والثاني أن لا يأكل منه لقوله لعدي بن حاتم: فإن أكل فلا تأكل منه فإنما أمسكه على نفسه.
وجوارح الطير يشترط فيها أن تهيج عند الإغراء وأن تترك الأكل ولكن لا مطمع في انزجارها بعد الطيران ويشترط عند الشافعي تكرر هذه الأمور بحيث غلب على الظن تأدب الجارحة بها وأقله ثلاث مرات.
ولم يقدر الأكثرون عددالمرات كأنهم رأوا العرف مضطرباً، وطباع الجوارح مختلفة فيرجع إلى أهل الخبرة بطباعها.
وعن سلمان الفارسي وسعد بن أبي وقاص وابن عمر وأبي هريرة أنه يحل وإن أكل فعندهم الإمساك هو أن يحفظه ولا يتركه.
ومعنى الآية كلوا مما تبقي لكم الجوارح وإن كان بعد أكلها منه.
و"من" في ﴿ مما أمسكن ﴾ قيل زائدة نحو ﴿ كلوا من ثمره ﴾ وقيل مفيدة وذلك أن بعض الصيد لا يؤكل كالعظم والدم والريش.
وقال سعيد بن جبير وأبو حنيفة والمزني: يؤكل ما بقي من جوارح الطير ولا يؤكل ما بقي من الكلب.
والفرق أن تأديب الكلب بالضرب على الأكل ممكن وتأديب الطير غير ممكن.
ولا خلاف أنه إذا كانت الجارحة معلمة ثم تصيد صيداً وجرحته وقتلته وأدركه الصائد ميتاً فهو حلال، وجرح الجارحة كالذبح وإن قتلته بالفم من غير جرح ففي حله خلاف.
أما قوله : ﴿ واذكروا اسم الله عليه ﴾ فالضمير إما أن يعود إلى ﴿ ما أمسكن ﴾ أي سموا عليه إذا أدركتم ذكاته، أو إلى ﴿ ما علمتم ﴾ أي سموا عليه عند إرساله أو إلى الأكل، وعلى هذا فلا كلام.
وعلى الأول فالتسمية محمولة على الندب عند الشافعي، وعلى الوجوب عند أبي حنيفة وسيجيء تمام المسألة في سورة الأنعام إن شاء الله .
/ ﴿ اليوم أحلّ لكم الطيبات ﴾ فائدة الإعادة أن يعلم بقاء هذا الحكم عند إكمال الدين واستقراره ﴿ وطعام الذين أوتوا الكتاب حلّ لكم ﴾ الأكثرون على أنّ المراد بالطعام الذبائح لأنّ ما قبل الآية في بيان الصيد والذبائح ولأنّ ما سوى الصيد والذبائح محللة قبل إن كانت لأهل الكتاب وبعد أن صارت لهم فلا يبقى لتخصيصها بأهل الكتاب فائدة.
وعن بعض أئمة الزيدية أن المراد هو الخبز والفاكهة وما لا يحتاج فيه إلى الذكاة.
وقيل: إنه جميع المطعومات ﴿ وطعامكم حلّ لهم ﴾ أي يحل لكم أن تطعموهم من طعامكم لأنه لا يمتنع أن يحرم الله تعلى إطعامهم من ذبائحنا.
وأيضاً فالفائدة في ذكره أن يعلم أن إباحة الذبائح حاصلة في الجانبين وليست كإباحة المناكحة فإنها غير حاصلة في الجانبين ﴿ والمحصنات ﴾ الحرائر أو العفائف من المؤمنات، وعلى الثاني يدخل فيه نكاح الإماء.
وقد يرجح الأول بأنه قال: ﴿ إذا آتيتموهن أجورهن ﴾ ومهر الإماء لا يدفع إليهن بل إلى ساداتهن، وبأن نكاح المحصنات ههنا مطلق ونكاح الأمة مشروط بعدم طول الحرة وخشية العنت، وبأن تخصيص العفائف بالحل يدل ظاهراً على تحريم نكاح الزانية، وقد ثبت أنه غير محرم.
ولو حملنا المحصنات على الحرائر لزم تحريم نكاح الأمة ونحن نقول به على بعض التقديرات، وبأن وصف التحصين في حق الحرة أكثر ثبواتاً منه في حق الأمة لأن الأمة لا تخلو من البروز للرجال ﴿ والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ﴾ احتج بها كثير من الفقهاء في أنه لا يحل نكاح الكتابية إلاّ إذا دانت بالتوارة والإنجيل قبل نزول الفرقان، لأنّ قوله: ﴿ من قبلكم ﴾ ينافي من دان بهما بعد نزوله.
وكان ابن عمر لا يرى نكاح الكتابيات أصلاً متمسكاً بقوله ﴿ ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ﴾ ويقول: لا أعلم شركاً أعظم من قولها إن ربها عيسى.
وأوّل الآية بأنّ المراد التي آمنت منهن.
فمن المحتمل أن يخطر ببال أحد أن الكتابية، إذا آمنت هل يحل للمسلم التزوج بها أم لا؟
وعن عطاء أن الرخصة كانت مختصة بذلك الوقت لأنه كان في المسلمات قلة ولأن الاحتراز عن مخالطة الكفار واجب.
﴿ ولا تتخذوا بطانة من دونكم ﴾ وأي خلطة أشد من الزوجية وقد يحدث ولد ويميل إلى دين الأم.
وقال سعيد بن المسيب والحسن: الكتابيات تشمل الذميات والحربيات فيجوز التزوج بكلهن.
وأكثر الفقهاء على أنّ ذلك مخصوص بالذمية فقط وهو مذهب ابن عباس فإنه قال: من أعطى الجزية حل ومن لم يعط لم يحل لقوله : ﴿ حتى يعطوا الجزية ﴾ واتفقوا على أن المجوس قد سنّ بهم سنة أهل الكتاب في أخذ الجزية منهم دون أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم.
﴿ إذا آتيتموهن أجورهن ﴾ فيه أن من تزوج امرأة وعزم على أن لا يعطيها صداقاً كان كالزاني.
والزنا/ ضربان: سفاح وهو الزنا على سبيل الإعلان، واتخاذ خدن وهو على سبيل الإسرار فحرمهما الله في الآية وأحلّ التمتع بهن على سبيل الإحصان وهو التزوج بالشروط والأركان.
ثم حث على التزام التكاليف المذكورة بقوله: ﴿ ومن يكفر بالإيمان ﴾ أي بشرائع الله وتكاليفه التي هي من نتائج الإيمان بالله ورسوله.
وقال ابن عباس ومجاهد: معناه ومن يكفر برب الإيمان أي بالله.
وقال قتادة: ومن يكفر بالقرآن الذي أنزل فيه هذه التكاليف التي لا بد منها في الإيمان فقد خاب وخسر.
وفيه أن أهل الكتاب وإن حصلت لهم فضيلة المناكحة وإباحة الذبائح في الدنيا إلاّ أن ذلك لا يفيدهم في الآخرة لأنّ كل من كفر بالله فقد حبط عمله في الدنيا ولم يصل إلى شيء من السعادات في الآخرة ألبتة.
واعلم أنّ القائلين بالإحباط فسروا قوله: ﴿ قد حبط عمله ﴾ بأنّ عقاب كفره يزيل ما كان حاصلاً له من ثواب أعماله.
ومنكروا الإحباط قالوا: إنّ عمله الذي أتى به بعد ذلك الإيمان قد بان أنه لم يكن معتداً به وكان ضائعاً في نفسه.
ثم إنه لما افتتح السورة بطلب الوفاء بالعقود فكأن قائلاً قال: عهد الربوبية منك وعهد العبودية منا وأنت أولى بتقديم الوفاء بعهد الربوبية فأجاب الله نعم أنا أوفى بعهد الربوبية والكرم، ومعلوم أن منافع الدنيا محصورة في نوعين: لذات المطعم ولذات المنكح فبيّن الحلال والحرام من المطاعم والمناكح، وقدم المطعوم على المنكوح لأنه أهم.
وعند تمام هذا البيان كأنه قال: قد وفيت بعهد الربوبية فاشتغل أيها العبد بوظائف العبودية ولا سيما بالصلاة التي هي أعظم الطاعات وبمقدماتها.
ونبني تفسير الآية على مسائل: الأولى ليس المراد بقوله: ﴿ إذا قمتم ﴾ نفس القيام وإلاّ لزم تأخير الوضوء عن الصلاة وهو بالإجماع باطل، وأيضاً لو غسل الأعضاء قبل الصلاة قاعداً أو مضطجعاً لخرج عن العهدة بالإجماع، فالمراد إذا شمرتم للقيام إلى الصلاة وأردتم ذلك ووجه هذا المجاز أنّ الإرادة الجازمة سبب لحصول الفعل وإطلاق اسم المسبب على السبب مجاز مستفيض.
الثانية: ذهب قوم إلى أنّ الأمر بالوضوء تبع للأمر بالصلاة وليس تكليفاً مستقلاً لأنه شرط القيام إلى الصلاة.
والأصح أنه عبادة برأسها لأن قوله: ﴿ فاغسلوا ﴾ أمر ظاهره الوجوب غاية ذلك أنه مقيد بوقت التهيّؤ للصلاة.
وأيضاً إنه طهارة وقد قال في آخر الآية: ﴿ ولكن يريد ليطهركم ﴾ وقال : " "بني الدين على النظافة" وقال: " "أمّتي غر محجلون من آثار الوضوء يوم القيامة" والأخبار الواردة في كون الوضوء سبباً لغفران/ الذنوب كثيرة.
الثالثة: قال داود: يجب الوضوء لكل صلاة فإنه ليس المراد قياماً واحداً في صلاة واحدة وإلاّ لزم الإجمال إذ لا دليل على تعيين تلك المرة، والإجمال خلاف الأصل فوجب حمل الآية على العموم.
وأيضاً ذكر الحكم عقيب الوصف المناسب مشعر بالعلية فيتكرر بتكرره فيجب الوضوء عند كل قيام إلى الصلاة.
وأيضاً إنه نظافة فلا يكون منها بدّ عند الاشتغال بخدمة المعبود.
وقال سائر الفقهاء: إنّ كلمة "إذا" لا تفيد العموم ولهذا لو قال لامرأته إذا دخلت الدار فأنت طالق لم تطلق مرة أخرى بالدخول ثانياً.
ويروى "أنّ النبي كان يتوضأ لكل صلاة إلاّ يوم الفتح فإنه صلّى الصلوات كلها بوضوء واحد.
قال عمر: فقلت له في ذلك فقال: عمداً فعلت ذلك يا عمر" .
أجاب داود بأنّ خبر الواحد لا ينسخ القرآن.
وأيضاً في الخبر معنيان: أحدهما: وجوب التجديد لكل صلاة لا أقل من استحباب ذلك.
الثاني أنه ترك ذلك يوم الفتح والأوّل يوجب المتابعة والثاني مرجوح لأنّ الفتح يقتضي زيادة الطاعة لا نقصانها.
وأيضاً التجديد أحوط، وأيضاً دلالة ظاهر القرآن قولية ودلالة الخبر فعلية والقولية أقوى.
ولناصر المذهب المشهور أن يقول: التيمم على المتغوّط والمجامع واجب إذا لم يجد الماء لقوله: ﴿ أو جاء أحد منكم من الغائط ﴾ الآية.
وذلك يدل على أنّ وجوب الوضوء قد يكون بسبب آخر سوى القيام إلى الصلاة فلم يكن هو مؤثراً وحده، وإذا لم يكن مؤثراً مستقلاً جاز تخلف الأثر عنه.
نعم التجديد مستحب لأنّ رسول الله والخلفاء بعده كانوا يتوضؤن لكل صلاة وقال : " "من توضأ على طهر كتب الله له عشر حسنات" وقيل: كان الوضوء لكل صلاة واجباً أوّل ما فرض ثم نسخ.
الرابعة: الأصح أن في الآية دلالة على أنّ الوضوء شرط لصحة الصلاة لأنه علق فعل الصلاة بالطهور، ثم بيّن أنه متى عدم الماء لم تصح الصلاة إلاّ بالتيمم، فلو لم يكن شرطاً لم يكن كذلك.
وأيضاً إنه أمر بالصلاة مع الوضوء فالآتي بها بدون الوضوء تارك للمأمور به فيستحق العقاب وهذا معنى البقاء في عهدة التكليف.
الخامسة: قال أبو حنيفة: النية ليست شرطاً في الوضوء لأنها غير مذكورة في الآية والزيادة على النص نسخ ونسخ القرآن بخير الواحد وبالقياس غير جائز.
وعند الشافعي هي شرط فيه لأنّ الوضوء مأمور به لقوله: ﴿ فاغسلوا ﴾ ﴿ وامسحوا ﴾ وكل مأمور به يجب أن يكون منوياً لقوله : ﴿ وما أمروا إلاّ ليعبدوا الله مخلصين ﴾ والإخلاص النية الخالصة، فأصل النية يجب ان يكون معتبراً.
وغاية ما في الباب أنها مخصوصة في بعض الصور فتبقى حجة في غير محل التخصيص.
السادسة: قال مالك وأبو حنيفة: الترتيب غير مشروط في الوضوء لأن الواو لا تفيد الترتيب، فلو قلنا بوجوبه كان من الزيادة على النص وهو نسخ غير جائز.
وقال الشافعي:/ إنه واجب لأن فاء التعقيب في قوله: ﴿ فاغسلوا ﴾ توجب تقديم غسل الوجه ثم سائر الأعضاء على الترتيب.
وقال في حديث الصفا: " "ابدؤا بما بدأ الله به" .
وأيضاً الترتيب المعتبر في الحس هو الابتداء من الرأس إلى القدم أو بالعكس، والترتيب العقلي إفراد العضو المغسول عن الممسوح.
ثم إنه أدرج الممسوح في المغسول فدل هذا على أن الترتيب المذكور في الآية واجب لأن إهمال الترتيب في الكلام مستقبح فوجب تنزيه كلام الله عنه.
وأيضاً إيجاب الوضوء غير معقول المعنى لأن الحدث يخرج من موضع والغسل يجب في موضع آخر ولأن أعضاء المحدث طاهرة لقوله: "المؤمن لا ينجس حياً ولا ميتاً" وتطهير الطاهر محال ولأن الشرع أقام التيمم مقام الوضوء وليس في التيمم نظافة، وأقام المسح على الخفين مقام الغسل ولا يفيد في نفس العضو نظافة والماء الكدر العفن يفيد الطهارة وماء الورد لا يفيدها فإذن الاعتماد على مورد النص.
ولعل في الترتيب حكماً خفية لا نعرفها أو هو محض التعبد.
وقد أوجبنا رعاية الترتيب في الصلاة مع أن أركان الصلاة غير مذكورة في القرآن مرتبة فرعاية الترتيب في الوضوء مع أن القرآن ناطق به أولى.
السابعة: قال الشافعي وأبو حنيفة: الموالاة في أفعال الوضوء غير واجبة لأن إيجاب هذه الأفعال قدر مشترك بين إيجابها على سبيل الموالاة وإيجابها على سبيل التراخي، وهذا القدر معلوم من الآية ومفيد للطهارة والزائد لا دليل عليه، وأيضاً روي "أنه رأى رجلاً توضأ وترك لمعة من عقبة فأمره بغسلها ولم يأمره بالاستئناف" ولم يبحث عن المدة الفاصلة، وعند غيرهما شرط كيلا يتخلل بين أجزاء العبادة ما ليس منها، وحدّ التفريق المخل بالموالاة أن يمضي من الزمان ما يجف فيه المغسول مع اعتدال الهواء ومزاج الشخص.
الثامنة: قال أبو حنيفة: الخارج من غير السبيلين ينقض الوضوء لأن ظاهر الآية يقتضي الإتيان بالوضوء لكل صلاة لما مر ترك العمل به عندما لم يخرج الخارج النجس من البدن فيبقى معمولاً به عند خروج الخارج النجس.
وخالفه الشافعي تعويلاً على ما روي "أنه احتجم وصلى ولم يزد على غسل أثر محاجمه" .
التاسعة: قال مالك: لا وضوء في الخارج من السبيلين إذا كان غير معتاد وسلم في دم الاستحاضة لنا التمسك بعموم الآية./ العاشرة: قال أبو حنيفة: القهقهة في الصلاة المشتملة على الركوع والسجود تنقض الوضوء.
وقال الباقون: لا تنقض لأبي حنيفة أن يتمسك بعموم الآية.
الحادي عشر: قال أبو حنيفة: لمس المرأة وكذا لمس الفرج لا ينقض الوضوء.
وقال الشافعي: ينقض متمسكاً بالعموم.
الثانية عشرة: لو كان على وجهه وبدنه نجاسة فغسلها ونوى الطهارة من الحدث بذلك الغسل هل يصح وضوءاً؟
قال في التفسير الكبير: ما رأيت هذه المسألة في كتب الأصحاب.
قال: والذي أقوله أنه يكفي لأنه أمر بالغسل في قوله: ﴿ واغسلوا ﴾ وقد أتى به، وأقول: الظاهر أنه لا يكفي لأنه لا يرتفع بغسلة واحدة نجاستان حكمية وعينية وهذا بخلاف ما لو نوى التبرد أو التنظف فإن النجاسة هناك حكمية فقط.
الثالثة عشرة: لو وقف تحت ميزاب حتى سال عليه الماء ونوى رفع الحدث هل يصح وضوءه؟
يمكن أن يقال: لا لأنه لم يأت بعمل.
وأن يقال: نعم لأنه أتى بما أفضى إلى المقصود وهو الانغسال.
الرابعة عشرة: إذا غسل أعضاء الوضوء ثم كشط جلده فالأظهر وجوب غسله لتحصيل الامتثال فإن ذلك الوضع غير مغسول.
الخامسة عشرة: لو رطب الأعضاء من غير سيلان الماء عليها لم يكف لأنه مأمور بالغسل وهذا ليس بغسل، وفي الجنابة يكفي لأنه هناك مأمور بالتطهير لقوله: ﴿ ولكن يريد ليطهركم ﴾ والتطهير يحصل بالترطيب.
السادسة عشرة: لو أمر الثلج على العضو فإن ذاب وسال جاز وإلاّ فلا خلافاً لمالك والأوزاعي لنا فاغسلوا وهذا ليس بغسل.
السابعة عشرة: التثليث سنة لأن ماهية الغسل تحصل بالمرة.
الثامنة عشرة: السواك سنة لا واجب لأن الآية ساكتة عنه وكذا القول في التسمية خلافاً لأحمد وإسحاق.
وكذا في تقديم غسل اليدين على الوضوء خلافاً لبعضهم.
التاسعة عشرة: قال الشافعي: لا تجب المضمضة والاستنشاق في الوضوء والغسل، وأحمد وإسحاق يجب فيهما.
أبو حنيفة: يجب في الغسل لا في الوضوء.
حجة الشافعي أنه أوجب غسل الوجه والوجه هو الذي يكون مواجهاً وحده من مبتدأ تسطيح الجهة إلى منتهى الذقن طولاً، ومن الأذن إلى الأذن عرضاً، وداخل الفم والأنف غير مواجه.
العشرون: ابن عباس: يجب إيصال الماء إلى داخل العين لأن العين جزء من الوجه.
الباقون: لا يجب لقوله في آخر الآية: ﴿ ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ﴾ وإدخال الماء في العين حرج.
الحادية والعشرون: غسل البياض الذي بين العذار والأذن واجب عند الشافعي وأبي حنيفة ومحمد خلافاً لأبي يوسف.
لنا أنه واجب قبل نبات الشعر بالإجماع فكذا بعده ولأنه من الوجه والوجه يجب غسله كله.
الثانية والعشرون: أبو حنيفة: لا يجب إيصال الماء إلى ما تحت اللحية الخفيفة.
الشافعي: يجب لقوله: ﴿ فاغسلوا ﴾ ترك العمل عند كثافة اللحية دفعاً للحرج فيبقى عند كثافتها على الأصل./ الثالثة والعشرون: الأصح عند الشافعي وجوب إمرار الماء على ظاهر اللحية النازلة طولاً والخارجة إلى الأذنين عرضاً لأنه مواجه.
مالك وأبو حنيفة والمزني: لا يجب لأنه لا جلد تحتها حتى يغسل ظاهرها بتبعيتها.
الرابعة والعشرون: لو نبت للمرأة لحية وجب إيصال الماء إلى جلدة الوجه وإن كانت لحيتها كثيفة لأنا تركنا العمل بظاهر الآية في اللحية الكثيفة للرجل دفعاً للحرج ولحية المرأة نادرة وخصوصاً الكثيفة فيبقى حكمها على الأصل.
الخامسة والعشرون: يجب إيصال الماء إلى ما تحت الشعر الكثيف في خمسة مواضع: العنفقة والحاجب والشارب والعذار والهدب لأن قوله: ﴿ فاغسلوا ﴾ يدل على وجوب غسل كل جلدة الوجه, ترك العمل به في اللحية الكثيفة دفعاً للحرج وهذه الشعور خفيفة غالباً فتبقى على الأصل.
السادسة والعشرون: الشعبي: ما اقبل من الأذن فهو من الوجه فيغسل، وما أدبر فمن الرأس فيمسح وردّ بأن الأذن غير مواجه أصلاً.
السابعة والعشرون: الجمهور على أن المرفقين يجب غسلهما مع اليدين وخالف مالك وزفر وكذا، الخلاف في قوله: ﴿ وأرجلكم إلى الكعبين ﴾ والتحقيق أن "إلى" تفيد معنى الغاية مطلقاً، والمراد بالغاية جميع المسافة أو حقيقة النهاية.
ثم إنّ حد الشيء قد يكون منفصلاً عن المحدود حساً انفصال الظلمة عن النور في قوله: ﴿ ثم أتموا الصيام إلى الليل ﴾ فيكون الحد خارجاً عن المحدود.
وقد لا يكون كذلك نحو حفظت القرآن من أوّله إلى آخره وبعتك هذا الثوب من هذا الطرف إلى ذلك الطرف فيدخل الحد في المحدود، ولا شك أن المرفق وهو موصل الذراع في العضد سمي بذلك لارتفاق صاحبها بها غير متميزة في الحس عن محدودها فلا يكون إيجاب الغسل إلى جزء أولى من إيجابه إلى جزء آخر فوجب غسلها جميعاً.
وإن سلم أن المرفق لا يجب غسلها لكنها اسم لما جاوز طرف العظم، ولا نزاع في أن ما وراء طرف العظم لا يجب غسله.
وهذا الجواب اختيار الزجاج.
وعلى هذا فمقطوع اليد من المرفق يجب عليه إمساس الماء بطرف العظم وإن كان أقطع مما فوق المرفقين لم يجب عليه شيء لأن محل هذا التكليف لم يبق أصلاً.
الثامنة والعشرون: تقديم اليمنى على اليسرى مندوب وليس بواجب خلافاً لأحمد.
لنا أنه ذكر الأيدي والأرجل في الآية من غير تقديم لإحدى اليدين أو الرجلين.
التاسعة والعشرون: ذهب بعضهم إلى أن مبتدأ الغسل يجب أن يكون الكف بحيث يسيل الماء من الكف إلى المرافق لأن المرافق جعلت في الآية نهاية الغسل وجمهور الفقهاء على أن عكس هذا الترتيب لا يخل بصحة الوضوء لأن المراد في الآية بيان جملة الغسل لا بيان ترتيب أجزاء الغسل.
الثلاثون: لو نبت من المرفق ساعدان وكفان وجب غسل الكل لعموم قوله: ﴿ وأيديكم إلى المرافق ﴾ كما لو نبت على الكف أصبع زائدة./ الحادية والثلاثون: المراد من تحديد الغسل بالمرفق بيان الواجب فقط لما ورد في الأخبار أن تطويل الغرة سنة مؤكدة.
الثانية والثلاثون: مالك: يجب مسح كل الرأس.
أبو حنيفة: يتقدر بالربع لأنه مسح على ناصيته وأنها ربع الرأس.
الشافعي: الواجب أقل ما ينطلق عليه اسم المسح لأنه إذا قيل مسحت المنديل فهذا لا يصدق إلاّ عند مسحه بالكلية، أما لو قال مسحت يدي بالمنديل كفى في صدقه مسح اليد بجزء من أجزاء المنديل فهكذا في الآية وإلاّ احتيج في تعيين المقدّر إلى دليل منفصل وتصير الآية مجملة وهو خلاف الأصل.
الثالثة والثلاثون: لا يجوز الاكتفاء بالمسح على العمامة لأن ذلك ليس مسحاً للرأس.
وقال الأوزاعي والثوري وأحمد: يجوز لما روي أنه مسح على العمامة.
وأجيب بأنه لعله مسح قدر الفرض على الرأس والبقية على العمامة.
الرابعة والثلاثون: اختلف الناس في مسح الرجلين وفي غسلهما فنقل القفال في تفسيره عن ابن عباس وأنس بن مالك وعكرمة والشعبي وأبي جعفر محمد بن علي الباقر أن الواجب فيهما المسح وهو مذهب الإمامية.
وجمهور الفقهاء والمفسرين على أن فرضهما الغسل.
وقال داود: يجب الجمع بينهما وهو قول الناصر للحق من أئمة الزيدية.
وقال الحسن البصري ومحمد بن جرير الطبري: المكلف مخير بين المسح والغسل.
حجة من أوجب المسح قراءة الجر في: ﴿ وأرجلكم ﴾ عطفاً على: ﴿ برؤوسكم ﴾ ولا يمكن أن يقال إنه كسر على الجوار كما في قوله: "حجر ضب خرب" لأن ذلك لم يجىء في كلام الفصحاء وفي السعة، وأيضاً إنه جاء حيث لا لبس ولا عطف بخلاف الآية.
وأما القراءة بالنصب فيكون للعطف على محل ﴿ رؤوسكم ﴾ حجة الجمهور أخبار وردت بالغسل وأن فرض الرجلين محدود إلى الكعبين والتحديد إنما جاء في الغسل لا في المسح.
والقوم أجابوا بأن أخبار الآحاد لا تُعارض القرآن ولا تنسخه وبالمنع في مجل النزاع فزعم الجمهور أن قراءة النصب ظاهرة في العطف على مفعول: ﴿ فاغسلوا ﴾ وإن كان أبعد من: ﴿ امسحوا ﴾ وقراءة الجر تنبيه على وجوب الاقتصاد في صب الماء لأن الأرجل تغسل بالصب فكانت مظنة للإسراف.
الخامسة والثلاثون: جمهور الفقهاء على أن الكعبين هما العظمان الناتئان من جانبي الساق.
وقالت الإمامية وكل من قال بالمسح: إن الكعب عظم مستدير موضوع تحت عظم الساق حيث يكون مفصل الساق والقدم كما في أرجل جميع الحيوانات.
والمفصل يسمى كعباً ومنه كعوب الرمح لمفاصله.
حجة الجمهور أنه لو كان الكعب ما ذكره الإمامية لكان الحاصل في كل رجل كعباً واحداً وكان ينبغي أن يقال: وأرجلكم إلى الكعاب كما أنه لما كان الحاصل في كل يد مرفقاً واحداً لا جرم قال: ﴿ إلى المرافق ﴾ وأيضاً العظم/المستدير الموضوع في المفصل شيء خفي لا يعرفه إلاّ أهل العلم بتشريح الأبدان، والعظمان الناتئان في طرفي الساق محسوسان لكل أحد ومناط التكليف ليس إلاّ أمراً ظاهراً ويؤيده ما روي أنه قال: " "ألصقوا الكعاب بالكعاب" .
السادسة والثلاثون: الجمهور على جواز مسح الخفين خلافاً للشيعة والخوارج.
حجة الجمهور الأحاديث، وحجة الشيعة الآية، وأن جواز المسح على الخفين حاجة عامة فلو كانت ثابتة لبلغت مبلغ التواتر.
السابعة والثلاثون: رجل مقطوع اليدين والرجلين سقط عنه هذان الفرضان وبقي عليه غسل الوجه ومسح الرأس، فإن لم يكن معه من يوضئه أو ييممه سقط عنه ذلك أيضاً لأن قوله: ﴿ فاغسلوا ﴾ ﴿ وامسحوا ﴾ مشروط بالقدرة عليه فإذا فاتت القدرة سقط التكليف.
الثامنة والثلاثون.
قوله : ﴿ وإن كنتم جنباً فاطهروا ﴾ الأصل "تطهروا" أدغم التاء في الطاء فاجتلبت همزة الوصل.
وللجنابة سببان: نزول المني لقوله : " "الماء من الماء" والثاني التقاء الختانين خلافاً لزيد بن ثابت ومعاذ وأبي سعيد الخدري لما روي انه قال: " إذا التقى الختانان وجب الغسل" وختان الرجل هو الموضع الذي يقطع منه جلدة القلفة، وأما ختان المرأة فإن شفريها يحيطان بثلاثة أشياء: ثقبة من أسفل الفرج وهي مدخل الذكر ومخرج الحيض والولد، وثقبة فوق هذه مثل إحليل الذكر وهي مخرج البول لا غير، والثالث جلدة رقيقة قائمة مثل عرف الديك فوق ثقبة البول، وقطع هذه الجلدة هو ختانها فإذا غابت الحشفة حاذى ختانه ختانها.
التاسعة والثلاثون: لا يجوز للجنب مس المصحف خلافاً لداود.
لنا قوله: ﴿ فاطهروا ﴾ يدل على أن الطهارة غير حاصلة وإلاّ لكان أمراً بتطهير الطاهر وحينئذٍ لا يجوز له مس المصحف لقوله: ﴿ لا يمسه إلاّ المطهرون ﴾ ولإطلاق قوله: ﴿ فاطهروا ﴾ علم أنه أمر بتحصيل الطهارة في كل البدن وإلاّ خصت تلك الأعضاء بالذكر كما في الطهارة الصغرى، وعلم أنه لا يجب تقديم الوضوء على الغسل خلافاً لأبي ثور وداود، وعلم أن الترتيب غير واجب خلافاً لإسحق فإنه أوجب البداءة بأعلى البدن، وعلم أن الدلك غير واجب خلافاً لمالك./ الأربعون: الشافعي: المضمضة والاستنشاق غير واجبين في الغسل لقوله : " "أما أنا فأحثى على رأسي ثلاث حثيات فإذا أنا قد طهرت " أبو حنيفة: هما واجبان لقوله : ﴿ فاطهروا ﴾ والتطهير لا يحصل إلاّ بطهارة جميع الأعضاء.
ترك العمل به في الاعضاء الباطنة للتعذر وداخل الفم والأنف يمكن تطهيرهما فيبقى داخلاً في النص ولأن قوله : " "بلوا الشعر " يدخل فيه الأنف لأن في داخله شعراً: " "وأنقوا البشرة " يدخل فيه جلدة داخل الفم.
الحادية والأربعون: لا يجب نقض الشعر إن لم يمنع عن وصول الماء إلى منابته لأن المقصود التطهير وإن منع وجب خلافاً للنخعي.
الثانية والأربعون: إن كان المرض المانع من استعمال الماء حاصلاً في بعض جسده دون بعض فقال الشافعي: يغسل ما لا ضرر عليه ثم يتيمم للاحتياط.
وقال أبو حنيفة: إن كان أكثر البدن صحيحاً غسل الصحيح دون التيمم وإن كان أكثره جريحاً يكفيه التيمم لأن المرض إذا كان حالاً في بعض أعضائه فهو مريض.
الثالثة والأربعون: لو ألصق على موضع التيمم لصوقاً منع وصول الماء إلى البشرة ولا يخاف من نزع ذلك اللصوق التلف.
قال الشافعي: يلزم نزع اللصوق حتى يصل التراب إليه أخذاً بالأحوط.
وقال الأكثرون: لا يجب دفعاً للحرج.
الرابعة والأربعون: قال الشافعي: الاستنجاء واجب إما بالماء أو بالأحجار لقوله : " فليستنج بثلاثة أحجار" وقال أبو حنيفة: واجب عند المجيء من الغائط إما الوضوء أو التيمم ولم يوجب غسل موضع الحدث فدل على أنه غير واجب.
الخامسة والأربعون: لمس المرأة ينقض الوضوء عند الشافعي ولا ينقضه عند أبي حنيفة وقد مرت المسألة في سورة النساء.
السادسة والأربعون: لا يكره الوضوء بالماء المسخن لقوله : ﴿ فلم تجدوا ماء ﴾ وههنا قد وجد ماء وخالف مجاهد.
السابعة والأربعون: أبو حنيفة وأحمد: لا يكره المشمس لقوله : ﴿ فلم تجدوا ماء ﴾ وهذا قد وجد ماء.
الشافعي يكره للحديث.
الثامنة والأربعون: لا يكره الوضوء بفضل ماء المشرك وبالماء في آنية المشرك لأنه واجد للماء فلا يتيمم، وقد توضأ النبي من مزادة مشرك وتوضأ عمر من ماء في جرة نصرانية.
وقال أحمد وإسحق: لا يجوز.
التاسعة والأربعون: يجوز الوضوء بماء البحر لأنه واحد الماء خلافاً لعبد الله بن/ عمرو بن العاص.
الخمسون: جوّز أبو حنيفة الوضوء بنبيذ التمر في السفر للحديث ولم يجوّزه الشافعي وقال: يتيمم لأنه غير واجد للماء.
الحادية والخمسون: ذهب الأوزاعي والأصم إلى أنه يجوز الوضوء والغسل بجميع المائعات الطاهرة، والأكثرون لا يجوز.
حجتهما: ﴿ فاغسلوا ﴾ أمر بمطلق الغسل وإمرار المائع على العضو غسل قال الشاعر: فيا حسنها إذ يغسل الدمع كحلها *** لنا: أنه عند عدم الماء أوجب التيمم.
الثانية والخمسون: الشافعي: الماء المتغير بالزعفران تغيراً فاحشاً لا يجوز الوضوء به لأن واجده يصدق عليه أنه غير واجد للماء.
وخالف أبو حنيفة لأن أصل الماء موجود بصفة زائدة كما لو تغير وتعفن بطول المكث أو بتساقط الأوراق بالاتفاق.
الثالثة والخمسون:/ مالك وداود: الماء المستعمل في الوضوء بقي طاهراً طهوراً لأن واجده واجد للماء وهو قول قديم للشافعي.
والقول الجديد إنه طاهر غير طهور، ووافقه محمد بن الحسن.
وقال أبو حنيفة في أكثر الروايات: إنه نجس لأن النجاسة الحكمية كالعينية.
الرابعة والخمسون: مالك: إذا وقع في الماء نجاسة ولم يتغير بقي طاهراً طهوراً قليلاً كان أو كثيراً وهو قول أكثر الصحابة والتابعين.
وقال الشافعي: إن كان أقل من القلتين ينجس.
وقال أبو حنيفة: إن كان أقل من عشرة في عشرة ينجس.
حجة مالك أنه واجد للماء ترك العمل بهذا العموم في الماء القليل المتغير فيبقى حجة في الباقي ويؤيده قوله : " خلق الماء طهوراً لا ينجسه شيء إلاّ ما غير طعمه أو ريحه أو لونه" حجة الشافعي مفهوم قوله : " إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثاً" الخامسة والخمسون: يجوز الوضوء بفضل ماء الجنب لأن واجده واجد للماء، وقال أحمد وإسحاق: لا يجوز الوضوء بفضل ماء المرأة إذا خلت به وهو قول الحسن وسعيد بن المسيب.
السادسة والخمسون: أسآر السباع، طاهرة مطهرة وكذا سؤر الحمار لأنه واجد للماء.
وقال أبو حنيفة: نجسه.
السابعة والخمسون: قال الشافعي وأبو حنيفة والأكثرون: لا بد في التيمم من النية لأنه قال: ﴿ فتيمموا ﴾ والتيمم عبارة عن القصد وهو النية.
وقال زفر: لا يجب.
الثامنة والخمسون: الشافعي: لا يجوز التيمم إلاّ بعد دخول الصلاة لأنه طهارة ضرورة ولا ضرورة قبل الوقت.
أبو حنيفة: يجوز قياساً على الوضوء ولظاهر قوله: ﴿ إذا قمتم ﴾ والقيام إلى الصلاة يكون بعد دخول وقتها.
التاسعة والخمسون:/ لا يجوز التيمم بتراب نجس لقوله : ﴿ صعيداً طيباً ﴾ .
الستون: لا خلاف في جواز التيمم بدلاً عن الوضوء، أما التيمم بدل غسل الجنابة فعن علي وابن عباس جوازه وهو قول أكثر الفقهاء، وعن عمر وابن مسعود أنه لا يجوز.
لنا قوله : ﴿ أو لامستم ﴾ إما يختص بالجماع أو يدخل الجماع فيه.
الحادية والستون.
الشافعي: لا يجوز أن يجمع بتيمم واحد بين صلاتي فرضين لأن ظاهر قوله: ﴿ إذا قمتم ﴾ يقتضي إعادة الوضوء لكل صلاة ترك العمل به في الوضوء لفعل رسول الله فيبقى في التيمم على ظاهره.
أبو حنيفة: يجوز أداء الفرائض به كالوضوء.
أحمد: يجمع بين الفوائت ولا يجمع بين صلاتي وقتين.
الثانية والستون: الشافعي: إذا لم يجد الماء في أول الوقت وتوقع في آخره جاز له التيمم لأن قوله: ﴿ إذا قمتم ﴾ يدل على أنه عند دخول الوقت إن لم يجد الماء جاز له التيمم.
وقال أبو حنيفة: يؤخر الصلاة إلى آخره.
الثالثة والستون: إذا وجد الماء بعد التيمم وقبل الشروع في الصلاة بطل تيممه لأنه وجد الماء فلا يجوز له الشروع في الصلاة بالتيمم.
وخالف أبو موسى الأشعري والشعبي.
الرابعة والستون: لو فرغ من الصلاة ثم وجد الماء لا يلزمه إعادة الصلاة لأنه خرج عن عهدة التكليف خلافاً لطاووس.
الخامسة والستون: ولو وجد الماء في أثناء الصلاة لا يلزمه الخروج منها - وبه قال مالك وأحمد -، لأنه انعقدت صلاته صحيحة بحكم التيمم فما لم تبطل صلاته لا يصير قادراً على استعمال الماء، وما لم يصر قادراً على استعمال الماء لم تبطل صلاته فيدور.
وقال أبو حنيفة والثوري والمزني: يلزمه الخروج لأنه واجد للماء.
السادسة والستون: لو نسي الماء في رحله وتيمم وصلى ثم علم وجود الماء لزمه الإعادة على أحد قولي الشافعي وهو قول أحمد وأبي يوسف.
والثاني لا يلزمه وهو قول مالك وأبي حنيفة ومحمد لأن النسيان في حكم العجز وكذا إذا ضل رحله في الرحال بالطريق الأولى لأن مخيم الرفقة أوسع من رحله.
ولو تيقن الماء في رحله واستقصى في الطلب فلم يجده وتيمم وصلى ثم وجد فالأكثرون على أنه يلزمه الإعادة لأن العذر ضعيف.
وقيل: لا لأن حكمه حكم العاجز.
السابعة والستون: لو صلى بالتيمم ثم وجد ماء في بئر بجنبه يمكنه استعمال ذلك الماء فإن كان قد علمه أوّلاً ثم نسيه فهو كما لو نسي الماء في رحله، وإن يكن عالماً فإن كان عليها علامة ظاهرة فالإعادة وإلاّ فلا لأنه كالعاجز.
الثامنة والستون: إذا لم يكن معه ماء ولا يمكنه أن يشتري إلاّ بالغبن الفاحش جاز التيمم لقوله: ﴿ ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ﴾ ولو وهب منه الماء لزمه القبول لأن المنة فيه سهل، ولو وهب منه ثمنه لم يلزمه القبول لثقل المنة ووجود الحرج، ولمثل هذا يجب قبول إعارة الدلو لاهبته فهذه جملة المسائل الفقهية المستنبطة من الآية سوى ما مرت في سورة النساء.
/واعلم أن قوله وتعالى : ﴿ ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ﴾ أصل معتبر في علم الفقه لأنه يدل على أن الأصل في المضار الحرمة وفي المنافع الإباحة.
وقد تمسك به نفاة القياس قالوا: إن كل حادثة فحكمها المفصل إن كان مذكوراً في الكتاب والسنة فذاك وإلاّ فإن كان من باب المضارّ فالأصل فيها الحرمة، وإن كان من باب المنافع فالأصل فيها الإباحة، والقياس المعارض لهذين الأصلين يكون قياساً واقعاً في مقابلة النص فيكون مردوداً.
أما قوله: ﴿ ولكن يريد ليطهركم ﴾ فله تفسيران: أحدهما وإليه ذهب أكثر أصحاب أبي حنيفة، أن عند خروج الحدث تنجس الأعضاء نجاسة حكمية، فالمقصود من هذا التطهير إزالة تلك النجاسة الحكمية، وزيف بأن أعضاء المؤمن لا تنجس لقول : ﴿ إنما المشركون نجس ﴾ ولقوله : " "المؤمن لا ينجس لا حياً ولا ميتاً" وبأنه لو كان رطباً فأصابه ثوب لم ينجس، ولو حمله إنسان وصلى لم تفسد صلاته بالاتفاق، وبأن الحدث لو كان يوجب نجاسة الأعضاء ثم كان تطهير الأعضاء الأربعة يوجب طهارة كل عضو لوجب أن لا يختلف ذلك باختلاف الشرائع، وبأن خروج النجاسة من موضع كيف يوجب تنجس موضع آخر، وبأن التيمم زيادة في التكدير فكيف يوجب النظافة والتطهير، وبأن المسح على الخفين كيف يقوم مقام غسل الرجلين، وبأن الذي يراد إزالته ليس من الأجسام ولا كان محسوساً ولا من الأعراض لأن انتقال الأعراض محال.
التفسير الثاني أن المراد طهارة القلب عن صفة التمرد عن طاعة الله لأن إيصال الماء أو التراب إلى هذه الأعضاء المخصوصة ليس فيه فائدة يعقلها المكلف، فالانقياد لمثل هذا التكليف تعبد محض يزيل آثار التمرد وتؤكده الأخبار في أن المؤمن إذا غسل وجهه خرت خطاياه من وجهه وكذا القول في يديه ورأسه ورجليه.
﴿ وليتم نعمته عليكم ﴾ بإباحة الطيبات الدنيوية من المطاعم والمناكح بهذه النعمة الدينية وهي كيفية فرض الوضوء، أو ليتم برخصه كالتيمم ونحوه إنعامه عليكم بعزائمه.
ثم ذكر ما يوجب عليهم قبول تكاليفه وذلك من وجهين: الأول تذكر نعمته يعني التأمل في هذا النوع الذي لا يقدر عليه غيره لأن هذا النوع وهو إعطاء نعمة الحياة والصحة والعقل والهداية والصون عن الآفات والإيصال إلى الخيرات في الدنيا والآخرة حيث إنه يمتاز عن نعمة غيره وأنه لا يقدر عليه غيره يجب تلقيه بالتشكر وهو الإذعان لأوامره والانقياد لنواهيه.
فإن قيل: اذكروا مشعر بسبق النسيان وكيف يعقل/ نسيانها مع تواترها وتواليها في كل لحظة ولمحة؟
فالجواب أنها صارت لتواليها كالأمر المعتاد فصار من غاية الظهور كالأمر المستور، أو المراد التوبيخ على عدم القيام بمواجبها فكأنها كالشيء المنسي.
الثاني ذكر الميثاق ومعنى: ﴿ واثقكم به ﴾ عاقدكم به عقداً وثيقاً يعني ميثاق رسوله حين بايعهم تحت الشجرة وغيرها على السمع والطاعة في المحبوب والمكروه.
وعن ابن عباس: هو الميثاق الذي أخذه على بني إسرائيل حين قالوا: آمنا بالتوراة وبما فيها من البشارة بنبي آخر الزمان ومن غيرها.
وقال مجاهد والكلبي ومقاتل: إنه إشارة إلى قوله للذرية: ﴿ ألست بربكم قالوا بلى ﴾ وقال السدي: هو ما ركز في العقول من حسن هذه الشريعة وهو اختيار أكثر المتكلمين.
واعلم أن التكاليف وإن كثرت إلاّ أنها منحصرة في نوعين: التعظيم لأمر الله وإليه الإشارة بقوله: ﴿ كونوا قوّامين لله ﴾ والشفقة على خلق الله وحث عليها بقوله: ﴿ شهداء بالقسط ﴾ قال عطاء: يقول لا تحاب في شهادتك أهل ودّك وقرابتك ولا تمنع شهادتك أعداءك وأضدادك.
وقال الزجاج: بينوا دين الله لأن الشاهد يبين ما يشهد عليه.
ثم أمر جميع الخلق بأن لا يعاملوا أحداً إلاّ على سبيل العدل والإنصاف ويتركوا الظلم والاعتساف فقال ﴿ ولا يجرمنكم ﴾ أي لا يحملنكم بغض ﴿ قوم على أن لا تعدلوا ﴾ أي فيهم فحذف للعلم.
ثم استأنف فصرح لهم بالأمر بالعدل تأكيداً فقال: ﴿ اعدلوا ﴾ ثم استأنف فذكر لهم وجه الأمر بالعدل فقال: ﴿ هو ﴾ أي العدل الذي دل عليه اعدلوا ﴿ أقرب للتقوى ﴾ أي إلى الاتقاء من عذاب الله أو من معاصيه.
وقيل: المراد سلوك سبيل العدالة مع الكفار الذين صدوا المسلمين عن البيت بأن لا يقتلوهم إذا أظهروا الإسلام، أو لا يرتكبوا ما لا يحل من مثلة، أو قذف أو قتل أولاد أو نساء أو نقض عهد أو نحو ذلك.
وفي هذا تنبيه على أن العدل مع أعداء الله إذا كان بهذه المكانة فكيف يكون مع أوليائه وأحبائه؟
ثم ختم الكلام بوعد المؤمنين ووعيد الكافرين وقوله: ﴿ لهم مغفرة ﴾ بيان للوعد قدم لهم وعداً، ثم كأنه قيل: أي شيء ذلك؟
فقيل: لهم مغفرة أو يكون على إرادة القول أي وعدهم وقال لهم مغفرة، أو يكون وعد مضمناً معنى قال، أو يجعل وعد واقعاً على هذا القول وإذا وعدهم هذا القول من هو قادر على كل المقدورات عالم بجميع المعلومات غني عن كل الحاجات فقد امتنع الخلف في وعده لأن سبب الخلف إما جهل أو عجزاً أو بخل أو حاجة وهو منزه عن الكل.
وهذا الوعد يصل إليه قبل الموت فيفيده السرور عند سكرات الموت فيسهل عليه الشدائد وفي ظلمة القبر فيفيده نوراً وفي عرصه القيامة فيزيده حبوراً , والجحيم اسم من أسماء النار وهي كل نار عظيمة في مهواة كقوله: ﴿ قالوا ابنوا له بنياناً فألقوه في الجحيم ﴾ /[الصافات: 97] وأصحاب الجحيم ملازموها.
بسط إليه لسانه إذا شتمه وبسط إليه اليد مدّها إلى المبطوش به.
عن جابر "أن النبي نزل منزلاً وتفرق الناس في العضاه يستظلون تحتها، فعلق النبي سلاحه على شجرة فجاء أعرابي إلى سيف رسول الله فسله ثم أقبل عليه فقال: من يمنعك مني؟
قال: الله - قالها ثلاثاً - والنبي يقول: الله.
فأغمد الأعرابي السيف فدعا النبي أصحابه فأخبرهم خبر الأعرابي وهو جالس إلى جنبه لم يعاقبه" .
وقال مجاهد والكلبي وعكرمة: "قتل رجلان من أصحاب النبي رجلين من بني سليم - وبين النبي وبين قومهما موادعة - فجاء قومهما يطلبون الدية فأتى النبي ومعه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم فدخلوا على كعب بن الأشرف وبني النضير يستقرضهم في عقلهما فقالوا: نعم يا أبا القاسم قد آن لك أن تأتينا وتسألنا حاجة، اجلس حتى نطعمك ونعطيك الذي تسألنا.
فجلس هو وأصحابه فخلا بعضهم ببعض وقالوا: إنكم لن تجدوا محمداً أقرب منه الآن فمن يظهر على هذا البيت فيطرح عليه صخرة فيريحنا منه؟
فقال عمرو بن جحاش بن كعب: أنا.
فجاء إلى رحى عظيمة ليطرحها عليه فأمسك الله يده، فجاء جبريل وأخبره بذلك فخرج النبي صلى الله عيله وسلم وأنزل الله هذه الآية" , وقيل: نزلت قصة عسفان حين هم الأعداء أن يواقعوهم فنزلت صلاة الخوف.
وقيل: إنها لم تنزل في واقعة خاصة ولكن المراد أن الكفار أبداً كانوا يريدون إيقاع البلاء والنهب والقتل بالمسلمين فأعز الله المسلمين وفل شوكة الكفار وقوى دين الإسلام وأظهره على الأديان.
التأويل: سماع اسم الله وهو من صفات الهيبة يوجب الفناء والغيبة، وسماع الرحمن الرحيم وهما من صفات اللطف يورث البقاء والقربة ﴿ أوفوا ﴾ أيها العشاق ﴿ بالعقود ﴾ التي جرت بيننا يوم الميثاق ليوم التلاق.
فمن صبر على عهوده فقد فاز بمقصوده عند بذل وجوده ﴿ أحلت لكم ﴾ ذبح ﴿ بهيمة ﴾ النفس التي كالأنعام في طلب المرام إلا النفس المطمئنة التي تليت عليها ﴿ ارجعي إلى ربك ﴾ فتنفرت من الدنيا بما فيها فهي كالصيد في الحرم ﴿ وأنتم حرم ﴾ بالتوجه إلى كعبة الوصال وإحرام الشوق إلى حضرة الجمال والجلال ﴿ إن الله يحكم ما يريد ﴾ لمن يريد فيأمر بذبح النفس إذا كانت متصفة بصفة البهيمة وبترك ذبحها إذا كانت مطمئنة بذكر الحق ومتسمة بسمات الملك.
ثم أخبر عن تعظيم الشعائر من صدق الضمائر فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ بشهود القلوب فقصدوا زيارة المحبوب وخرجوا عن أوطان الأوطار وسافروا عن ديار الأغيار ﴿ لا تحلوا ﴾ معالم الدين والشريعة ومواسم آداب الطريقة والحقيقة، وعظموا الزمان والمكان والإخوان القاصدين كعبة الوصول إلى الرحمن الذين أهدوا للقربان نفوسهم وقلدوها بلحاء الشجرة الطيبة ليأمنوا عن مكر الأعداء/ الخبيثة ﴿ وإذا حللتم ﴾ أتممتم مناسك الوصول ﴿ فاصطادوا ﴾ أرباب الطلب بشبكة الدعوة إلى الله، ولا يحملنكم حسد الحساد الذين يريدون أن يصدّوكم عن الحق على أن تعتدوا على الطالبين فتكونوا قطاع الطريق عليهم في طلب الحق.
﴿ حرمت عليكم ﴾ يا أهل الحق ﴿ الميتة ﴾ وهي الدنيا بأسرها ﴿ والدم ولحم الخنزير ﴾ أي حلالها وحرامها قليلها وكثيرها لأن من الدم ما هو حلال والخنزير كله حرام والدم بالنسبة إلى اللحم قليل ﴿ وما أهل به ﴾ أي كل طاعة هي ﴿ لغير الله والمنخنقة والموقوذة ﴾ يعني الذين يخنقون أنفسهم بالمجاهدات ويقذونها بالرياضات رياء وسمعة ﴿ والمتردية والنطيحة ﴾ الذين يتردون أنفسهم إلى أسفل سافلي الطبيعة بالتناطح مع الأقران والتفاخر بالعلم والزهد بين الإخوان ﴿ وما أكل السبع ﴾ الظلمة المتهارشون في جيفة الدنيا تهارش الكلاب ﴿ إلاّ ما ذكيتم ﴾ بالكسب الحلال ووجه صالح بقدر ضرورة الحال ﴿ وما ذبح على النصب ﴾ ما تذبح عليه النفوس من المطالب الفانية ﴿ وأن تستقسموا بالأزلام ﴾ أي أن تكونوا مترددين في طلب المرام، فإذا انتهيتم عن هذه المناهي وتخلصتم عن هذه الدواهي فقد عاد ليلكلم نهاراً وظلمتكم أنواراً.
﴿ اليوم يئس الذين كفروا ﴾ من النفس وصفاتها والدنيا وشهواتها ﴿ من دينكم فلا تخشوهم واخشون ﴾ فإن كيدي متين ﴿ اليوم ﴾ أي في الأزل ﴿ أكملت لكم دينكم ﴾ ولكن ظهر الأمر في حجة الوداع يوم عرفة ﴿ وأتممت عليكم نعمتي ﴾ وهي أسباب تحصيل الكمال ببعثة النبي ﴿ فمن اضطر ﴾ فمن ابتلى بالتفات لشيء من الدنيا والآخرة غير مائل إليه للإعراض عن الحق ولكن من فترة للطالبين أو وقفة للسالكين ﴿ يسئلونك ماذا أحل ﴾ لأرباب السلوك إذا الدنيا حرام على أهل الآخرة والآخرة حرام على أهل الدنيا وهما حرام على أهل الله الطيبات كل مأكول ومشروب وملبوس يكون سبباً للقيام بأداء الحقوق.
﴿ فكلوا مما أمسكن عليكم ﴾ تناولوا ما اصطادت النفوس المطمئنة المعلمة بعلوم الشريعة المؤدبة بآداب الطريقة كمالية الدين الأزلية وهو يوم ﴿ واذكروا ﴾ عند تناول كل ما ورد عليكم من الأمور الدنيوية والأخروية ﴿ اسم الله ﴾ أي لا تصرفوا فيه إلاّ لله بالله في الله ﴿ اليوم ﴾ يعني الذي فيه ظهر كمالية الدين الأزلية وهو يوم عرفة.
وهذه فائدة التكرار ﴿ أحل لكم الطيبات ﴾ ﴿ أحل لكم الطيبات ﴾ التي تتعلق بسعادة الدارين بل أحل لكم التخلق بالأخلاق الطيبات وهي أخلاق الله المنزهات عن الكميات والكيفيات ﴿ وطعام الذين أوتوا الكتاب ﴾ وهم الأنبياء ﴿ حل لكم ﴾ أي غذيتم بلبان الولاية كما غذوا بلبان النبوة ﴿ وطعامكم حل لهم ﴾ أي منبع لبن النبوة والولاية واحد وإن كان الثدي اثنين ﴿ قد علم كل أناس مشربهم ﴾ وللنبي وراء ذلك كله مشرب "أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني" ﴿ والمحصنات من المؤمنات ﴾ وهي أبكار حقائق القرآن/ ﴿ والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب ﴾ أبكار حقائق الكتب المنزلة على الأمم السالفة أي التي أدرجت في القرآن ﴿ فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرّة أعين ﴾ ﴿ إذا آتيتموهن أجورهن ﴾ وهي بذل الوجود محصنين في هذا البذل ليكون على وجه الحق ﴿ غير مسافحين ﴾ على وجه الطبع ﴿ ولا متخذي أخدان ﴾ غير ملتفتين إلى شيء من الأكوان ﴿ ومن يكفر بالإيمان ﴾ بهذ المقامات ﴿ فقد حبط عمله ﴾ الذي عمل من دون المكاشفات ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ إيماناً حقيقياً عند خطاب ألست بربكم ﴿ إذا قمتم ﴾ من نوم الغفلة ﴿ إلى الصلاة ﴾ وهي معراجكم للرجوع إلى مكامن قربكم ﴿ فاغسلوا وجوهكم ﴾ التي توجهتم بها إلى الدنيا ولطختموها بالنظر إلى الأغيار بماء التوبة والاستغفار ﴿ وأيديكم إلى المرافق ﴾ أي اغسلوا أيديكم من التمسك بالدارين حتى الصديق الموافق والرفيق المرافق ﴿ وامسحوا برؤسكم ﴾ ببذل نفوسكم ﴿ وأرجلكم إلى الكعبين ﴾ من طين طبيعتكم والقيام بأنانيتكم ﴿ ولا يجرمنكم ﴾ ولا يحملنكم حسد الحساد وعداوة الأنذال ﴿ على أن لا تعدلوا ﴾ مع أنفسكم ﴿ إذ هم قوم ﴾ من الشيطان والنفس والهوى ﴿ أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم ﴾ والله خير موفق ومعين.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ يَسْأَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ ﴾ : ليس في السؤال بيان: مم كان سؤالهم؟
ولكن في الجواب بيان المراد من سؤالهم، فقال: ﴿ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَاتُ ﴾ ؛ دل قوله - -: ﴿ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَاتُ ﴾ : [أن سؤالهم كان عن الطيبات، مما يصطاد من الجوارح.
ثم اختلف في قوله - -: ﴿ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَاتُ ﴾ ]: قال بعضهم: ﴿ ٱلطَّيِّبَاتُ ﴾ : هو المحللات، لكنه بعيد؛ لأنه كأنه قال: "أحل لكم المحللات"؛ على هذا التأويل.
لكنه يحتمل وجهين غير هذا: أحدهما: أن أحل لكم بأسباب تطيب بها أنفسكم من نحو: الذبح، والطبخ، والخبز، وغيره.
لم يحل لكم ما يكره به أنفسكم التناول منه [غير مطبوخ، ولا مذبوح، ولا مشوي، ولكن أحل لكم بأسباب طابت بها أنفسكم التناول منه،] والله أعلم.
ويحتمل وجهاً آخر: وهو أن أحل لكم ما يستطيب به طباعكم لا ما تنكره طباعكم وتنفر عنه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِّنَ ٱلْجَوَارِحِ ﴾ : كأنهم سألوا [رسول الله، ]، عما يحل من الجوارح؟
فذكر ذلك لهم، مع ما ذكر في بعض القصة: أن النبي لما أمر بقتل الكلاب، فأتاه أناس، فقالوا: ماذا يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها؟
فنزل قوله : ﴿ يَسْأَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ...
﴾ الآية.
وقيل: سميت: جوارح؛ لما يكتسب بها، والجوارح: هن الكواسب؛ قال الله - -: "أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ" [الجاثية: 21]، قيل: اكتسبوا، وجرح: كسب.
وقال أبو عبيد: سميت: جوارح؛ لأنها صوائد، وهو ما ذكرنا من الكسب، يقال: فلان جارح أهله، أي: كاسبهم.
وقال غيره: سميت: جوراح؛ لأنها تجرح، وهو من الجراحة، فإذا لم يَجْرح، لم يحل صيده.
واحتج محمد - رحمه الله - بهذا المعنى في صيد الكلب إذا قَتَلَ، ولم [يَجْرَح في مسألة] من كتاب الزيادات، ومما يدل على صحة ذلك ما روي عن رسول الله أن عدي بن حاتم - - قال: "سألت رسول الله عن المعراض؟
فقال: مَا أصَبْتَ بَعَرْضِهِ فَلاَ تَأْكُلْ؛ فَهُوَ وَقِيذٌ، وَمَا أَصَبْتَ بِحَدّهِ فَكُلْ" وقوله - عز وجل -: ﴿ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُ...
﴾ الآية.
قال بعضهم: ﴿ مُكَلِّبِينَ ﴾ هن الكلاب يكالبن الصيد.
وقال القتبي: المكلبون: أصحاب الكلاب، وكذلك قال الفراء والكسائي: المكلبون: هم أصحاب الكلاب.
والمكلب: الكلب المعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ تُعَلِّمُونَهُنَّ ﴾ : قال الحسن [وأبو بكر]: تضرونهن، يقال: كلب مضراة على طلب الصيد، وهما يبيحان الصيد وإن أكل منه الكلب؛ فعلى قولهما يصح تأويل الإضراء؛ إذ يبيحان التناول، وإن أكل منه.
وقال: تؤدبونهن؛ ليمسكوا الصيد لكم، وهو عندنا على حقيقة التعليم؛ تُعَلَّم ليمسكوا الصيد لهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُ ﴾ يتوجه وجهين: أحدهما: ﴿ مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُ ﴾ ، أي: مما جعل بينكم، بحيث احتمال تعليم هؤلاء، ولم يجعل غيركم من الخلائق محتملاً لذلك ولا أهلاً.
ويحتمل قوله - -: ﴿ مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُ ﴾ : أن قال لكم: علموهن بكذا، وافعلوا كذا، فكيفما كان، ففيه دليلُ جَعْلِ العلم شرطاً فيه.
ثم تخصيص الكلاب بالذكر دون غيرها من الأشياء، وإن كانت الكلاب وغيرها سواء إذا عُلِّمَتْ؛ لخبث الكلاب ومخالطتها الناس، حتى جاء النهي عن اقتنائها، وجاء الأمر بقتلها في وقت لم يجيء بمثله في سائر السباع؛ ليعلم أن ما كسب هؤلاء مع خبثها إذا كن معلمين، يحتمل التناول منه، فغيرها مما لم يجيء فيه ذلك أحرى.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَكُلُواْ مِمَّآ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ .
إنما أباح أكل ما أمسك علينا، ولم يبح مما أمسك على نفسه؛ لأن الكلب وغيره من السباع من طباعهم إذا أخذوا الصيد يأخذون لأنفسهم ولا يصبرون على ألا يتناولوا منه، فإذا أخذ الصيد ولم يتناول منه؛ دل أنه إنما أمسك لصاحبه، وإذا تناول منه لم يمسك لصاحبه؛ لأن الباقي لا يدري أنه أمسكه لصاحبه أو أمسكه لنفسه لوقت آخر لما شبع، وعلى ذلك جاءت الآثار.
روي عن عدي بن حاتم قال: قلت: "يا رسول الله، إنا قوم نَتَصَيَّدُ بهذه الكلاب والبزاة، فهل يحل لنا منها؟
فقال: يَحِلُّ لَكُمْ ﴿ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِّنَ ٱلْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُ فَكُلُواْ مِمَّآ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ ﴾ مِمَّا عَلَّمْتُمْ مِنْ كَلْبٍ أَوْ بَازٍ، فَذَكَرْتَ [عَلَيْهِ اسْمَ اللهِ]، قلت: وإن قتل؟
قال: إِذَا قَتَلَهُ وَلَمْ يَأْكُلْهُ، فَإِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَيْكَ، وَإِنْ أَكَلَ فَلاَ تَأْكُلْ؛ فَإِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ، فقلت: يا رسول الله، أرأيت إن خالطت كلابنا كلاباً أخرى؟
قال: إِذَا خَالَطَ كَلْبُكَ كِلاَباً فَلاَ تَأْكُلْ، فَإِنَّكَ إِنَّمَا ذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ عَلَى كَلْبِكَ، وَلَمْ تَذْكُرْهُ عَلَى كَلْبِ غَيْرِكَ" وعن ابن عباس - - أنه قال: إذا أكل الكلب من الصيد، فليس بمعلم.
وعنه - أيضاً - قال: إذا أكل الكلب من الصيد فلا تأكل، وإذا أكل الصقر فكل؛ لأن الكلب تستطيع أن تضربه والصقر لا.
وعن علي - - قال: إذا أكل الكلب فلا تأكل واضربه.
وقد ذكرنا من الأخبار ما يدل على أن الكلب إذا كان غير معلم لم يؤكل صيده، من خبر عدي بن حاتم قال: قلت: "يا رسول الله، إنا قوم نصيد بهذه الكلاب؟
فقال: إِذَا أَرْسَلْتَ كِلاَبِكَ المُعلَّمَةَ، وَذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا، فَكُلْ مَمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكَ، وَإِنْ قَتَلْنَ، إِلاَّ أَنْ يَأْكُلَ الكَلْبُ، فَإِنْ أَكَلَ فَلاَ تَأْكُلْ" ، وعلى هذا يخرج قولنا: إنه إذا أكل من دمه يؤكل؛ لأنه لو أمسكه علينا كنا لا نأكله، وذلك من غاية تعليمه؛ لأنه تناول الخبيث، وأمسك الطيب على صاحبه.
ولو كان صيد الكلب إذا أكل منه حلالاً، لكان المعلَّم وغير المعلَّم سواء، وكان ما أمسك على نفسه وعلى صاحبه سواء؛ لأن كل الكلاب تطلب الصيد إذا أرسلت عليه، وتمسكه حتى يموت، وتأكل منه إلا المعلم، فما معنى تخصيص الله - - المعلم منها والممسك على صاحبه، لو كان الأمر على ما قال مخالفنا.
وقد روي عن أبي حنيفة - - أنه قال: إن عُلِّمَ الكلبُ حتى صار لا يأكل من صيد، ثم أكل من صيد يصيد - لم يجز أن يؤكل من صيده الأول إذا كان باقياً.
ومذهبه عندنا - والله أعلم -: أن صيد الكلب لا يؤكل حتى يكون معلماً، وإن أمسك في أول ما يرسل فلم يأكل، فإذا أمسك مراراً ثم أكل، دَلَّنا أكله على إن إمساكه عن الأكل لم يكن لأنه معلم؛ إذ قد يمسك غير المعلم للشبع، ولو كان معلماً ما أكله، فاستدل بأكله في الرابعة على أن إمساكه في الثالثة كان على غير حقيقة تعليم، وهذا عندنا في صيد يقرب بعضه من بعض، فأما إذا كثر إمساكه، ثم ترك إرساله مدة، يجوز أن ينسى فيها ما علم، ثم أرسل فأكل - فليس فيها رواية عنه، ويجوز أن يقال: يؤكل ما بقي من صيده الأول، ويفرق بين المسألتين بأن الثاني قد نسي، والأول يبعد من النسيان؛ لتقارب ما بين الصيدين؛ فلا وجه إلا أن يجعل غير مستحكم التعليم في الصيد المتقدم.
وقد ذكرنا - فيما تقدم -: أن الصقر والبازي من الجوارح، واستدللنا على ذلك بما أوضحناه؛ فدل ذلك على أن صيد ما ليس بمعلم من الطير لا يؤكل إلا أن يدرك ذكاته.
ثم يكون تعليم البازي والصقر بإجابته صاحبه ورجوعه إليه، وتعليم الكلاب ترك الأكل منه؛ لأن البازي ونحوه مستوحش عن الناس ينفر طبعه عنهم؛ فدل إلفه الناس وإجابة أصحابهم على التعلم وإن أكل منه، ولا يحتمل أن يكون بالتناول منه يخرج عن حد التعليم؛ لأنه إنما يعلم بالأكل من الصيد، وأما الكلب: فإنه يألف الناس ولا يستوحش، ومن طبعه الأكل إذا أخذ الصيد؛ فدل إمساكه عن التناول منه على أنه معلم.
وقد روي عن علي - - وابن عباس ما يدل على تأييد ما ذكرنا، قالا: إذا أكل الصقر فكل، وإن أكل الكلب فلا تأكل.
وعن سلمان كذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ ؛ فلا تستحلوا ما لم يذكر اسم الله عليه؛ فإنها ميتة.
ويحتمل: اتقوا الله في ترك ما أمر ونهى كله.
﴿ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ ﴾ ، يحتمل السرعة: كناية عن الشدة.
وقوله ﴿ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ ﴾ : شديد العقاب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَاتُ ﴾ : يحتمل قوله: ﴿ ٱلْيَوْمَ ﴾ حرف افتتاح يفتتح به الكلام، لا إشارة إلى وقت مخصوص؛ على ما ذكرنا في قوله - -: ﴿ ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ﴾ ، وقد يُتَكَلَّم باليوم لا على إشارة وقت مشار إليه.
وهو - والله أعلم - ما حرم عليهم من الثمانية الأزواج التي ذكر الله - - في سورة الأنعام، وهو قوله: ﴿ ثَمَٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ مَّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ...
﴾ إلى آخر ما ذكر.
ثم قال: ﴿ وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ وَٱلْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَآ...
﴾ الآية [الأنعام: 146]، وما حرموا هم على أنفسهم من: البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام، وغيرها من المحرمات التي كانت، فأحل الله ذلك لهم؛ فقال: ﴿ ٱلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَاتُ ﴾ ، وكانت محرمة عليهم قبل ذلك، لكن أهل التأويل صرفوا الآية إلى الذبائح، لم يصرفوا إلى ما ذكرنا، وقد ذكرنا المعنى الذي به صارت الذبائح طيبات فيما تقدم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ ﴾ : عن ابن عباس - - قال: ﴿ وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ ﴾ ، أي: ذبائحهم حل لكم، وذبائحكم حل لهم.
إلى هذا حمل أهل التأويل، فإن قيل: أليس جعل ذبائحنا محللة لهم وذبائحهم محللة لنا، ثم تحل ذبائحنا لهم ولغيرهم؟
كيف لا حل ذبائحهم وذبائح غيرهم، وهو ذبائح المجوس؟
قيل: حل الذبائح شرعي، وليس للمجوس كتاب آمنوا به؛ فتحل ذبائحهم، وأما أهل الكتاب، فإنهم آمنوا بما في الكتاب، حله وحرمته؛ لذلك افترقا، والله أعلم.
والآية على قول أصحاب العموم توجب حل جميع طعام أهل الكتاب لنا وحل جميع طعامنا لهم؛ لأنه قال: ﴿ ٱلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ ﴾ ؛ فعلى قولهم لكل واحد من الفريقين أن يتناول طعام الفريق الآخر؛ دل على أن مخرج عموم اللفظ لا يوجب الحكم عامّاً للفظ، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلْمُؤْمِنَاتِ وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ ﴾ : اختلف فيه: قال بعضهم: ﴿ وَٱلْمُحْصَنَاتُ ﴾ أراد به الحرائر.
وقال آخرون: أراد به العفائف منهن غير زانيات؛ كقوله - -: ﴿ ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً ﴾ ، نهى عن نكاح الزانيات، ورغب في نكاح العفائف، وهذا أشبه من الأول؛ لأنه قال في آخر الآية: ﴿ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِيۤ أَخْدَانٍ ﴾ ؛ دل هذا على أنه أراد بالمحصنات: العفائف منهن لا الحرائر، ودلت الآية على حل نكاح الحرائر من الكتابيات، وعلى ذلك اتفاق أهل العلم، لكن يكره ذلك.
روي عن ابن عمر - - أنه كره تزوجهن، فهذا عندنا على غير تحريم منه لتزويجهن، ولكن رأى تزويج المسلمات أفضل وأحسن؛ لمشاركتها المسلم في دينها.
وروي عن عمر - - كراهة ذلك؛ وذلك لأن حذيفة - - تزوج يهودية؛ فكتب إليه عمر - - يأمره بطلاقها، ويقول: "كفى بذلك فتنة للمسلمات"، فهذا - أيضاً - [لا] على سبيل التحريم، ولكن لما ذكر من الفتنة: فتنة المسلمات، فأصحابنا - رحمهم الله - يكرهون أيضاً تزويج الكتابيات ولا يحرمونه.
واختلف أهل العلم في تزويج إمائهن: فتأول قوم قول الله - -: ﴿ وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ ﴾ على الحرائر، وتأوله آخرون على العفائف.
وقد ذكرنا أن صرف التأويل إلى العفائف أشبه؛ بدلالة قوله: ﴿ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِيۤ أَخْدَانٍ ﴾ مع ما لو كانت المحصنات هاهنا هن الحرائر، لم يكن فيه حظر نكاح إماء الكتابيات؛ لأنه إباحة نكاح الحرائر من الكتابيات، وليس في إباحة شيء في حال حظر غيره فيه، وقد ذكرنا الوجه في ذلك فيما تقدم، فالمجوسية ليست عندنا من أهل الكتاب؛ والدليل على ذلك قول الله - -: ﴿ وَهَـٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ مُبَارَكٌ فَٱتَّبِعُوهُ وَٱتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ أَن تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أُنزِلَ ٱلْكِتَابُ عَلَىٰ طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا ﴾ ، فأخبر الله - - أن أهل الكتاب طائفتان؛ فلا يجوز أن يجعلوا ثلاث طوائف، وذلك خلال ما دل عليه القرآن؛ ألا ترى [أنه لو قال رجل]: "إنما لي عليك يا فلان، درهمان"، لم يكن له أن يدعي عليه أكثر من ذلك، ولو قال: "إنما لقيت اليوم رجلين"، وقد لقي ثلاثة، كان كاذباً؛ لأن قوله: ["إنما لقيت رجلين"]، كقوله: لقيت اليوم رجلين، ولا يجوز مثل هذا في أخبار الله؛ لأنه الصادق في خبره عز وجل.
فإن قيل: هذا شيء حكاه الله - عز وجل - عن المشركين، وقد يجوز أن يكونوا غلطوا، فحكي الله - - عنهم ما قالوا.
قيل له: لم يحك الله - - هذا القول عن المشركين، ولكن قطع بالقرآن عذرهم، فقال: ﴿ أُنزِلَ ٱلْكِتَابُ ﴾ ؛ لئلا يقولوا: ﴿ إِنَّمَآ أُنزِلَ ٱلْكِتَابُ عَلَىٰ طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ ﴾ ، فهذا كلام الله واحتجاجه على المشركين، وليس بحكاية عنهم.
ومن الدليل على أن المجوس ليسوا من أهل الكتاب ما قال عمر بن الخطاب - - وهو في مجلس بين القبر والمنبر: ما أدري كيف أصنع بالمجوس، وليسوا بأهل الكتاب؟"، فقال عبد الرحمن بن عوف: سمعت رسول الله يقول: "سُنُّوا بِالمَجُوسِ سُنَّةَ أَهْلِ الكِتَابِ" .
صرح عمر - - بأنهم ليسوا أهل الكتاب، ولم ينكر عبد الرحمن ذلك عليه، ولا أحد من الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - فلو كانوا أهل الكتاب لقال: "هم أهل الكتاب"، لم يقل: "سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الكِتَابِ".
وكذلك روي عن الحسن بن محمد، [أنه] قال: "كتب رسول الله، إلى مجوس هجر، فقال: أَدْعُوكُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهِ، وَأَنِّي رَسُولُ الله فَإِنْ أَسْلَمْتُمْ فَلَكُمْ مَا لَنَا وَعَلَيْكُمْ مَا عَلَيْنَا، وَمَنْ أَبَى فَعَلَيْهِ الْجِزيَةُ، غَيْرَ آكِلِي ذَبَائِحِهِمِ، وَلاَ نَاكِحِي نِسَائِهِم" [و] إلى هذا ذهب أصحابنا - رحمهم الله - في قولهم: إن المجوس ليسوا بأهل كتاب.
[وأما نصارى بني تغلب: فإن عليّاً - - قال: لا تحل ذبائح نصارى العرب؛ فإنهم ليسوا بأهل كتاب، وقرأ]: ﴿ وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ ﴾ .
وقال ابن عباس - - تؤكل، وقرأ: ﴿ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ...
﴾ .
والآية الأولى تدل على أنهم أهل كتاب؛ لأن الله - عز وجل - قد جعلهم منهم بقوله: ﴿ وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ ﴾ ، فحكمهم حكمهم؛ إذ أخبر الله - عز وجل - أنهم منهم.
ومما يدل على ذلك - أيضاً - قول رسول الله حيث قال: "لاَ يَخْتَلِجَنَّ فِي صَدْرِكَ طَعَامٌ ضَارَعت فِيهِ النَّصْرَانِيَّة" ؛ لأنه عم فيه النصارى؛ فدخل فيه عربهم وعجمهم؛ لأنهم دانوا بدينهم، وكل من دان بدين قوم فهو منهم.
ومن الدليل على أن العرب إذا دانوا بدين أهل الكتاب فهم من أهل الكتاب -: أن العجم لما أسلموا صار حكمهم حكم عرب أهل الإسلام؛ فإن ارتد أحد منهم، وسأل أن تؤخذ منه الجزية؛ كما [كانت] تؤخذ في الابتداء من المجوس - لم يُجَبْ إلى ذلك، وقيل له: إما أن تسلم، وإما أن تقتل، فهو بمنزلة عربي مسلم لو ارتد عن الإسلام، فلما كان حكم العجمي إذا دان بدين النبي حكم العرب - وجب أن يكون حكم العربي إذا دان بدين العجم من أهل الكتاب أن يجعل حكمه حكمهم، وبالله التوفيق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَآ آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾ : ذكر إيتاء أجورهن، وقد يحللن لنا إذا لم نؤت أجورهن؛ دل أن ذكر الحكم في حال لا يوجب حظره في حال أخرى؛ فهو دليل لنا في جواز نكاح الإماء من أهل الكتاب، وإن ذكر في الآية المحصنات.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يَكْفُرْ بِٱلإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ...
﴾ الآية.
أي: ومن يكفر بالذي عليه الإيمان به، وهو المُؤْمَنُ به، أي: الله؛ لأنه لا يكفر بالإيمان، ولكن يؤمن به، وهو كقوله: ﴿ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ ﴾ ، أي: المُوقَنْ به؛ فعلى ذلك الأول معناه: ومن يكفر بالذي عليه الإيمان به، وهو المُؤْمَنُ به ﴿ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ ﴾ ، وبالله العصمة والهداية.
<div class="verse-tafsir"
اليوم أَحَلَّ الله لكم أكل المستلذات، وأكل ذبائح أهل الكتاب من اليهود والنصارى، وأحل ذبائحكم لهم وأحل لكم نكاح الحرائر العفائف من المؤمنات، والحرائر العفائف من الذين أُعْطُوا الكتاب من قبلكم من اليهود والنصارى إذا أعطيتموهن مهورهن، وكنتم متعففين عن ارتكاب الفاحشة غير متخذين عشيقات ترتكبون الزنى معهن، ومن يكفر بما شرعه الله لعباده من الأحكام فقد بطل عمله لفقد شرطه الذي هو الإيمان، وهو يوم القيامة من الخاسرين لدخوله النار خالدًا فيها مخلدًا.
من فوائد الآيات تحريم ما مات دون ذكاة، والدم المسفوح، ولحم الخنزير، وما ذُكِرَ عليه اسْمٌ غير اسم الله عند الذبح، وكل ميت خنقًا، أو ضربًا، أو بسقوط من علو، أو نطحًا، أو افتراشا من وحش، ويُستثنى من ذلك ما أُدرِكَ حيًّا وذُكّيَ بذبح شرعي.
حِلُّ ما صاد كل مدرَّبٍ ذي ناب أو ذي مخلب.
إباحة ذبائح أهل الكتاب، وإباحة نكاح حرائرهم من العفيفات.
<div class="verse-tafsir" id="91.ZVrb3"