الآية ٤ من سورة المائدة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 5 المائدة > الآية ٤ من سورة المائدة

يَسْـَٔلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ ۖ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَـٰتُ ۙ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ ٱلْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُ ۖ فَكُلُوا۟ مِمَّآ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَٱذْكُرُوا۟ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهِ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ ٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 267 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤ من سورة المائدة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤ من سورة المائدة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

لما ذكر تعالى ما حرمه في الآية المتقدمة من الخبائث الضارة لمتناولها ، إما في بدنه ، أو في دينه ، أو فيهما ، واستثنى ما استثناه في حالة الضرورة ، كما قال : ( وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه ) [ الأنعام : 119 ] قال بعدها : ( يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات ) كما [ قال ] في سورة الأعراف في صفة محمد صلى الله عليه وسلم : أنه ( يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ) [ الآية : 157 ] .

قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة ، حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير ، حدثني عبد الله بن لهيعة ، حدثني عطاء بن دينار ، عن سعيد بن جبير ، عن عدي بن حاتم وزيد بن المهلهل الطائيين سألا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالا : يا رسول الله ، قد حرم الله الميتة ، فماذا يحل لنا منها ؟

فنزلت : ( يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات ) قال سعيد [ بن جبير ] يعني : الذبائح الحلال الطيبة لهم .

وقال مقاتل [ بن حيان ] [ في قوله : ( قل أحل لكم الطيبات ) ] فالطيبات ما أحل لهم من كل شيء أن يصيبوه وهو الحلال من الرزق .

وقد سئل الزهري عن شرب البول للتداوي فقال : ليس هو من الطيبات .

رواه ابن أبي حاتم وقال ابن وهب : سئل مالك عن بيع الطين الذي يأكله الناس .

فقال : ليس هو من الطيبات .

وقوله تعالى : ( وما علمتم من الجوارح مكلبين ) أي : أحل لكم الذبائح التي ذكر اسم الله عليها والطيبات من الرزق ، وأحل لكم ما اصطدتموه بالجوارح ، وهي من الكلاب والفهود والصقور وأشباه ذلك ، كما هو مذهب الجمهور من الصحابة والتابعين والأئمة ، وممن قال ذلك : علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في قوله : ( وما علمتم من الجوارح مكلبين ) وهن الكلاب المعلمة ، والبازي ، وكل طير يعلم للصيد .

والجوارح : يعني الكلاب الضواري والفهود والصقور وأشباهها .

رواه ابن أبى حاتم ، ثم قال : وروي عن خيثمة وطاوس ومجاهد ومكحول ويحيى بن أبي كثير ، نحو ذلك .

وروي عن الحسن أنه قال : الباز والصقر من الجوارح .

وروي عن علي بن الحسين مثله .

ثم روي عن مجاهد أنه كره صيد الطير كله ، وقرأ قول الله [ عز وجل ] ( وما علمتم من الجوارح مكلبين ) قال : وروي عن سعيد بن جبير نحو ذلك .

ونقله ابن جرير عن الضحاك والسدي ، ثم قال : حدثنا هناد حدثنا ابن أبي زائدة ، أخبرنا ابن جريج ، عن نافع عن ابن عمر قال : أما ما صاد من الطير البزاة وغيرها من الطير ، فما أدركت فهو لك ، وإلا فلا تطعمه .

قلت : والمحكي عن الجمهور أن صيد الطيور كصيد الكلاب ; لأنها تكلب الصيد بمخالبها كما تكلبه الكلاب ، فلا فرق .

وهذا مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم ، واختاره ابن جرير ، واحتج في ذلك بما رواه عن هناد حدثنا عيسى بن يونس ، عن مجالد عن الشعبي عن عدي بن حاتم قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيد البازي ، فقال : " ما أمسك عليك فكل " .

واستثنى الإمام أحمد صيد الكلب الأسود ; لأنه عنده مما يجب قتله ولا يحل اقتناؤه ; لما ثبت في صحيح مسلم عن أبي ذر ; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " يقطع الصلاة الحمار والمرأة والكلب الأسود " فقلت : ما بال الكلب الأسود من الأحمر ؟

فقال : " الكلب الأسود شيطان " وفي الحديث الآخر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الكلاب ، ثم قال : " ما بالهم وبال الكلاب ، اقتلوا منها كل أسود بهيم " .

وسميت هذه الحيوانات التي يصطاد بهن : جوارح ، من الجرح ، وهو : الكسب .

كما تقول العرب : فلان جرح أهله خيرا ، أي : كسبهم خيرا .

ويقولون : فلان لا جارح له ، أي : لا كاسب له ، وقال الله تعالى : ( وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ) [ الأنعام : 60 ] أي : ما كسبتم من خير وشر .

وقد ذكر في سبب نزول هذه الآية الكريمة الحديث الذي رواه ابن أبي حاتم : حدثنا حجاج بن حمزة ، حدثنا زيد بن الحباب ، حدثني موسى بن عبيدة ، حدثني أبان بن صالح ، عن القعقاع بن حكيم ، عن سلمى أم رافع ، عن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الكلاب ، فقتلت ، فجاء الناس فقالوا : يا رسول الله ، ما يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها؟

قال : فسكت ، فأنزل الله : ( يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين ) الآية .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا أرسل الرجل كلبه وسمى ، فأمسك عليه ، فليأكل ما لم يأكل " .

وهكذا رواه ابن جرير ، عن أبي كريب ، عن زيد بن الحباب بإسناده ، عن أبي رافع قال : جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليستأذن عليه ، فأذن له فقال : قد أذنا لك يا رسول الله .

قال : أجل ، ولكنا لا ندخل بيتا فيه كلب ، قال أبو رافع : فأمرني أن أقتل كل كلب بالمدينة ، فقتلت ، حتى انتهيت إلى امرأة عندها كلب ينبح عليها ، فتركته رحمة لها ، ثم جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فأمرني ، فرجعت إلى الكلب فقتلته ، فجاءوا فقالوا : يا رسول الله ، ما يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها؟

قال : فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : فأنزل الله عز وجل : ( يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين ) ورواه الحاكم في مستدركه من طريق محمد بن إسحاق ، عن أبان بن صالح به .

وقال : صحيح ولم يخرجاه .

وقال ابن جرير : حدثنا القاسم حدثنا الحسين حدثنا حجاج عن ابن جريج ، عن عكرمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا رافع في قتل الكلاب ، حتى بلغ العوالي فدخل عاصم بن عدي وسعد بن خيثمة وعويم بن ساعدة ، فقالوا : ماذا أحل لنا يا رسول الله؟

فنزلت : ( يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين ) [ الآية ] ورواه الحاكم من طريق سماك عن عكرمة وهكذا قال محمد بن كعب القرظي في سبب نزول هذه الآية : إنه في قتل الكلاب .

وقوله تعالى : ( مكلبين ) يحتمل أن يكون حالا من الضمير في ( علمتم ) فيكون حالا من الفاعل ، ويحتمل أن يكون حالا من المفعول وهو ( الجوارح ) أي : وما علمتم من الجوارح في حال كونهن مكلبات للصيد ، وذلك أن تقتنصه [ الجوارح ] بمخالبها أو أظفارها ، فيستدل بذلك - والحالة هذه - على أن الجارحة إذا قتل الصيد بصدمته أو بمخلابه وظفره أنه لا يحل ، كما هو أحد قولي الشافعي وطائفة من العلماء ; ولهذا قال : ( تعلمونهن مما علمكم الله ) وهو أنه إذا أرسله استرسل ، وإذا أشلاه استشلى وإذا أخذ الصيد أمسكه على صاحبه حتى يجيء إليه ولا يمسكه لنفسه ; ولهذا قال تعالى : ( فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه ) فمتى كان الجارحة معلما وأمسك على صاحبه ، وكان قد ذكر اسم الله عند إرساله حل الصيد ، وإن قتله بالإجماع .

وقد وردت السنة بمثل ما دلت عليه هذه الآية الكريمة ، كما ثبت في الصحيحين عن عدي بن حاتم قال : قلت : يا رسول الله ، إني أرسل الكلاب المعلمة وأذكر اسم الله .

فقال : " إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله ، فكل ما أمسك عليك " .

قلت : وإن قتلن؟

قال : " وإن قتلن ما لم يشركها كلب ليس منها ، فإنك إنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره " .

قلت له : فإني أرمي بالمعراض الصيد فأصيب؟

فقال : " إذا رميت بالمعراض فخزق فكله ، وإن أصابه بعرض فإنه وقيذ ، فلا تأكله " .

وفي لفظ لهما : " إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله ، فإن أمسك عليك فأدركته حيا فاذبحه ، وإن أدركته قد قتل ولم يأكل منه فكله ، فإن أخذ الكلب ذكاته " .

وفي رواية لهما : " فإن أكل فلا تأكل ، فإني أخاف أن يكون أمسك على نفسه " فهذا دليل للجمهور وهو الصحيح من مذهب الشافعي وهو أنه إذا أكل الكلب من الصيد يحرم مطلقا ، ولم يستفصلوا كما ورد بذلك الحديث .

وحكي عن طائفة من السلف أنهم قالوا : لا يحرم مطلقا .

ذكر الآثار بذلك : قال ابن جرير : حدثنا هناد حدثنا وكيع عن شعبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب قال : قال سلمان الفارسي : كل وإن أكل ثلثيه - يعني الصيد - إذا أكل منه الكلب .

وكذا رواه سعيد بن أبي عروبة وعمر بن عامر ، عن قتادة .

وكذا رواه محمد بن زيد ، عن سعيد بن المسيب ، عن سلمان .

ورواه ابن جرير أيضا عن مجاهد بن موسى ، عن يزيد عن بكر بن عبد الله المزني والقاسم أن سلمان قال : إذا أكل الكلب فكل ، وإن أكل ثلثيه .

وقال ابن جرير : حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، أخبرنا ابن وهب ، أخبرني مخرمة بن بكير عن أبيه ، عن حميد بن مالك بن خثيم الدؤلي ; أنه سأل سعد بن أبي وقاص عن الصيد يأكل منه الكلب ، فقال : كل ، وإن لم يبق منه إلا حذية - يعني : [ إلا ] بضعة .

ورواه شعبة عن عبد ربه بن سعيد عن بكير بن الأشج عن سعيد بن المسيب عن سعد بن أبي وقاص قال : كل وإن أكل ثلثيه .

وقال ابن جرير : حدثنا ابن المثنى حدثنا عبد الأعلى ، حدثنا داود عن عامر عن أبي هريرة قال : لو أرسلت كلبك فأكل منه ، فإن أكل ثلثيه وبقي ثلثه فكل .

وقال ابن جرير : حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، حدثنا المعتمر قال : سمعت عبيد الله وحدثنا هناد حدثنا عبدة عن عبيد الله بن عمر - عن نافع عن عبد الله بن عمر قال : إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل ما أمسك عليك ، أكل أو لم يأكل .

وكذا رواه عبيد الله بن عمر وابن أبي ذئب وغير واحد ، عن نافع .

فهذه الآثار ثابتة عن سلمان وسعد بن أبي وقاص وأبي هريرة وابن عمر .

وهو محكي عن علي وابن عباس .

واختلف فيه عن عطاء والحسن البصري .

وهو قول الزهري وربيعة ومالك .

وإليه ذهب الشافعي في القديم ، وأومأ إليه في الجديد .

وقد روي من طريق سلمان الفارسي مرفوعا ، فقال ابن جرير : حدثنا عمران بن بكار الكلاعي ، حدثنا عبد العزيز بن موسى اللاحوني ، حدثنا محمد بن دينار - هو الطاحي - عن أبي إياس معاوية بن قرة ، عن سعيد بن المسيب ، عن سلمان الفارسي ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إذا أرسل الرجل كلبه على الصيد فأدركه ، وقد أكل منه ، فليأكل ما بقي " .

ثم قال ابن جرير : وفي إسناد هذا الحديث نظر وسعيد غير معلوم له سماع من سلمان والثقات يروونه من كلام سلمان غير مرفوع .

وهذا الذي قاله ابن جرير صحيح ، لكن قد روي هذا المعنى مرفوعا من وجوه أخر ، فقال أبو داود : حدثنا محمد بن منهال الضرير ، حدثنا يزيد بن زريع ، حدثنا حبيب المعلم ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ; أن أعرابيا - يقال له : أبو ثعلبة - قال : يا رسول الله ، إن لي كلابا مكلبة ، فأفتني في صيدها .

فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " إن كان لك كلاب مكلبة ، فكل مما أمسكن عليك " .

فقال : ذكيا وغير ذكي ؟

قال : " نعم " .

قال : وإن أكل منه؟

قال : " نعم ، وإن أكل منه " .

قال : يا رسول الله ، أفتني في قوسي .

فقال : " كل ما ردت عليك قوسك " قال : ذكيا وغير ذكي؟

قال : " وإن تغيب عنك ما لم يصل ، أو تجد فيه أثر غير سهمك " .

قال : أفتني في آنية المجوس إذا اضطررنا إليها .

قال : " اغسلها وكل فيها " .

.

هكذا رواه أبو داود وقد أخرجه النسائي .

وكذا رواه أبو داود من طريق بسر بن عبيد الله عن أبي إدريس الخولاني ، عن أبي ثعلبة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله فكل ، وإن أكل منه ، وكل ما ردت عليك يدك " وهذان إسنادان جيدان ، وقد روى الثوري عن سماك بن حرب ، عن عدي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما كان من كلب ضار أمسك عليك ، فكل " .

قلت : وإن أكل؟

قال : " نعم " .

وروى عبد الملك بن حبيب : حدثنا أسد بن موسى ، عن ابن أبي زائدة ، عن الشعبي عن عدي مثله .

فهذه آثار دالة على أنه يغتفر إن أكل منه الكلب .

وقد احتج بها من لم يحرم الصيد بأكل الكلب وما أشبهه ، كما تقدم عمن حكيناه عنهم ، وقد توسط آخرون فقالوا : إن أكل عقب ما أمسكه فإنه يحرم لحديث عدي بن حاتم .

وللعلة التي أشار إليها النبي صلى الله عليه وسلم : " فإن أكل فلا تأكل ، فإني أخاف أن يكون أمسك على نفسه " وأما إن أمسكه ثم انتظر صاحبه فطال عليه وجاع فأكل من الصيد لجوعه ، فإنه لا يؤثر في التحريم .

وحملوا على ذلك حديث أبي ثعلبة الخشني ، وهذا تفريق حسن ، وجمع بين الحديثين صحيح .

وقد تمنى الأستاذ أبو المعالي الجويني في كتابه " النهاية " أن لو فصل مفصل هذا التفصيل ، وقد حقق الله أمنيته ، وقال بهذا القول والتفريق طائفة من الأصحاب منهم ، وقال آخرون قولا رابعا في المسألة ، وهو التفرقة بين أكل الكلب فيحرم لحديث عدي وبين أكل الصقور ونحوها فلا يحرم ; لأنه لا يقبل التعليم إلا بالأكل .

وقال ابن جرير : حدثنا أبو كريب ، حدثنا أسباط بن محمد ، حدثنا أبو إسحاق الشيباني ، عن حماد عن إبراهيم عن ابن عباس ; أنه قال في الطير : إذا أرسلته فقتل فكل ، فإن الكلب إذا ضربته لم يعد ، وإن تعلم الطير أن يرجع إلى صاحبه وليس يضرب ، فإذا أكل من الصيد ونتف الريش فكل .

وكذا قال إبراهيم النخعي والشعبي وحماد بن أبي سليمان .

وقد يحتج لهؤلاء بما رواه ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد ، حدثنا المحاربي حدثنا مجالد عن الشعبي عن عدي بن حاتم قال : قلت : يا رسول الله ، إنا قوم نصيد بالكلاب والبزاة ، فما يحل لنا منها؟

قال : " يحل لكم ما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله ، فكلوا مما أمسكن عليكم ، واذكروا اسم الله عليه " ثم قال : " ما أرسلت من كلب وذكرت اسم الله عليه ، فكل مما أمسك عليك " .

قلت : وإن قتل؟

قال : " وإن قتل ، ما لم يأكل " .

قلت : يا رسول الله ، وإن خالطت كلابنا كلابا غيرها؟

قال : فلا تأكل حتى تعلم أن كلبك هو الذي أمسك " .

قال : قلت : إنا قوم نرمي ، فما يحل لنا؟

قال : " ما ذكرت اسم الله عليه وخزقت فكل " .

فوجه الدلالة لهم أنه اشترط في الكلب ألا يأكل ، ولم يشترط ذلك في البزاة ، فدل على التفرقة بينهما في الحكم ، والله أعلم .

وقوله : ( فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه ) أي : عند الإرسال ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم : " إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله ، فكل ما أمسك عليك " .

وفي حديث أبي ثعلبة المخرج في الصحيحين أيضا : " إذا أرسلت كلبك ، فاذكر اسم الله ، وإذا رميت بسهمك فاذكر اسم الله " ; ولهذا اشترط من اشترط من الأئمة كأحمد [ بن حنبل ] - في المشهور عنه - التسمية عند إرسال الكلب والرمي بالسهم لهذه الآية وهذا الحديث ، وهذا القول هو المشهور عن الجمهور ، أن المراد بهذه الآية الأمر بالتسمية عند الإرسال ، كما قال السدي وغير واحد .

وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في قوله : ( واذكروا اسم الله عليه ) يقول : إذا أرسلت جارحك فقل : باسم الله ، وإن نسيت فلا حرج .

وقال بعض الناس : المراد بهذه الآية الأمر بالتسمية عند الأكل كما ثبت في الصحيح : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علم ربيبه عمر بن أبي سلمة فقال : " سم الله ، وكل بيمينك ، وكل مما يليك " .

وفي صحيح البخاري : عن عائشة أنهم قالوا : يا رسول الله ، إن قوما يأتوننا - حديث عهدهم بكفر - بلحمان لا ندري أذكر اسم الله عليها أم لا ؟

فقال : " سموا الله أنتم وكلوا " حديث آخر : وقال الإمام أحمد : حدثنا يزيد ، حدثنا هشام عن بديل عن عبد الله بن عبيد بن عمير ، عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأكل الطعام في ستة نفر من أصحابه ، فجاء أعرابي فأكله بلقمتين ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " أما إنه لو كان ذكر اسم الله لكفاكم ، فإذا أكل أحدكم فليذكر اسم الله ، فإن نسي أن يذكر اسم الله أوله فليقل : باسم الله أوله وآخره " .

وهكذا رواه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن يزيد بن هارون ، به وهذا منقطع بين عبد الله بن عبيد بن عمير وعائشة فإنه لم يسمع منها هذا الحديث ، بدليل ما رواه الإمام أحمد : حدثنا عبد الوهاب ، أخبرنا هشام - يعني ابن أبي عبد الله الدستوائي - عن بديل عن عبد الله بن عبيد بن عمير ; أن امرأة منهم - يقال لها : أم كلثوم - حدثته ، عن عائشة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأكل طعاما في ستة من أصحابه ، فجاء أعرابي جائع فأكله بلقمتين ، فقال : " أما إنه لو ذكر اسم الله لكفاكم ، فإذا أكل أحدكم فليذكر اسم الله ، فإن نسي اسم الله في أوله فليقل : باسم الله أوله وآخره " .

[ و ] رواه أحمد أيضا وأبو داود والترمذي والنسائي من غير وجه ، عن هشام الدستوائي به ، وقال الترمذي : حسن صحيح .

حديث آخر : وقال أحمد : حدثنا علي بن عبد الله ، حدثنا يحيى بن سعيد ، حدثنا جابر بن صبح حدثني المثنى بن عبد الرحمن الخزاعي ، وصحبته إلى واسط ، فكان يسمي في أول طعامه وفي آخر لقمة يقول : بسم الله أوله وآخره .

فقلت له : إنك تسمي في أول ما تأكل ، أرأيت قولك في آخر ما تأكل : باسم الله أوله وآخره؟

فقال : أخبرك عن ذلك ، إن جدي أمية بن مخشى - وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم - سمعته يقول : إن رجلا كان يأكل ، والنبي ينظر ، فلم يسم ، حتى كان في آخر طعامه لقمة ، فقال : باسم الله أوله وآخره .

فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " والله ما زال الشيطان يأكل معه حتى سمى ، فلم يبق شيء في بطنه حتى قاءه " .

وهكذا رواه أبو داود والنسائي من حديث جابر بن صبح الراسبي أبي بشر البصري ووثقه ابن معين والنسائي وقال أبو الفتح الأزدي : لا تقوم به الحجة .

حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا أبو معاوية ، حدثنا الأعمش عن خيثمة عن أبي حذيفة قال أبو عبد الرحمن عبد الله بن الإمام أحمد : واسمه سلمة بن الهيثم بن صهيب - من أصحاب ابن مسعود - عن حذيفة قال : كنا إذا حضرنا مع النبي [ صلى الله عليه وسلم ] على طعام ، لم نضع أيدينا حتى يبدأ رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فيضع يده ، وإنا حضرنا معه طعاما فجاءت جارية ، كأنما تدفع ، فذهبت تضع يدها في الطعام ، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدها ، وجاء أعرابي كأنما يدفع ، فذهب يضع يده في الطعام ، فأخذ رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] بيده ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الشيطان يستحل الطعام إذا لم يذكر اسم الله عليه ، وإنه جاء بهذه الجارية ليستحل بها ، فأخذت بيدها ، وجاء بهذا الأعرابي ليستحل به ، فأخذت بيده ، والذي نفسي بيده ، إن يده في يدي مع يدهما ، يعني الشيطان .

وكذا رواه مسلم وأبو داود والنسائي ، من حديث الأعمش به .

حديث آخر : روى مسلم وأهل السنن إلا الترمذي من طريق ابن جريج ، عن أبي الزبير ، عن جابر بن عبد الله ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا دخل الرجل بيته ، فذكر الله عند دخوله وعند طعامه ، قال الشيطان : لا مبيت لكم ولا عشاء ، وإذا دخل فلم يذكر اسم الله عند دخوله قال الشيطان : أدركتم المبيت ، فإذا لم يذكر اسم الله عند طعامه قال : أدركتم المبيت والعشاء " .

لفظ أبي داود .

حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا يزيد بن عبد ربه ، حدثنا الوليد بن مسلم ، عن وحشي بن حرب بن وحشي بن حرب عن أبيه ، عن جده ; أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم : إنا نأكل وما نشبع؟

قال : " فلعلكم تأكلون متفرقين ، اجتمعوا على طعامكم واذكروا اسم الله يبارك لكم فيه " .

ورواه أبو داود ، وابن ماجه ، من طريق الوليد بن مسلم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين القول في تأويل قوله تعالى : { يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين } يعني بذلك جل ثناؤه : يسألك يا محمد أصحابك ما الذي أحل لهم أكله من المطاعم والمآكل , فقل لهم : أحل منها الطيبات , وهي الحلال الذي أذن لكم ربكم في أكله من الذبائح , وأحل لكم أيضا مع ذلك صيد ما علمتم من الجوارح , ومن الكواسب من سباع البهائم والطير , سميت جوارح لجرحها لأربابها وكسبها إياهم أقواتهم من الصيد , يقال منه : جرح فلان لأهله خيرا : إذا أكسبهم خيرا , وفلان جارحة أهله : يعني بذلك : كاسبهم , ولا جارحة لفلانة إذا لم يكن لها كاسب , ومنه قول أعشى بني ثعلبة : ذات خد منضج ميسمه يذكر الجارح ما كان اجترح يعني : اكتسب .

وترك من قوله : { وما علمتم } " وصيد " ما علمتم من الجوارح اكتفاء بدلالة ما ذكر من الكلام على ما ترك ذكره .

وذلك أن القوم فيما بلغنا كانوا سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أمرهم بقتل الكلاب عما يحل لهم اتخاذه منها وعبيده , فأنزل الله عز ذكره فيما سألوا عنه من ذلك هذه الآية فاستثنى مما كان حرم اتخاذه منها , وأمر بقنية كلاب الصيد وكلاب الماشية وكلاب الحرث , وأذن لهم باتخاذ ذلك .

ذكر الخبر بذلك : 8747 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا زيد بن حباب العكلي , قال : ثنا موسى بن عبيدة , قال : أخبرنا صالح عن القعقاع بن حكيم , عن سلمى أم رافع , عن أبي رافع , قال : جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستأذن عليه , فأذن له , فقال : " قد أذنا لك يا رسول الله صلى الله عليه وسلم " , قال : أجل , ولكنا لا ندخل بيتا فيه كلب .

قال أبو رافع : فأمرني أن أقتل كل كلب بالمدينة , فقتلت حتى انتهيت إلى امرأة عندها كلب ينبح عليها , فتركته رحمة لها , ثم جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم , فأخبرته , فأمرني , فرجعت إلى الكلب فقتلته , فجاءوا فقالوا : يا رسول الله صلى الله عليه وسلم , ما يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها ؟

قال : فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم , فأنزل الله : { يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين } 8748 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثني حجاج , عن ابن جريج , عن عكرمة : أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا رافع في قتل الكلاب , فقتل حتى بلغ العوالي , فدخل عاصم بن عدي وسعد بن خيثمة وعويم بن ساعدة , فقالوا : ماذا أحل لنا يا رسول الله ؟

فنزلت : { يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين } 8749 - حدثنا المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا عبد الله بن الزبير , قال : حدثونا عن محمد بن كعب القرظي , قال : لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل الكلاب , قالوا : يا رسول الله , فماذا يحل لنا من هذه الأمة ؟

فنزلت : { يسألونك ماذا أحل لهم } الآية ثم اختلف أهل التأويل في الجوارح التي عنى الله بقوله : { وما علمتم من الجوارح } فقال بعضهم هو كل ما علم الصيد فتعلمه من بهيمة أو طائر .

ذكر من قال ذلك : 8750 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا ابن المبارك , عن إسماعيل بن مسلم , عن الحسن في قوله : { وما علمتم من الجوارح مكلبين } قال : كل ما علم فصاد : من كلب , أو صقر , أو فهد , أو غيره .

* - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا ابن فضيل , عن إسماعيل بن مسلم , عن الحسن : { مكلبين } قال : كل ما علم فصاد من كلب أو فهد أو غيره .

8751 - ابن حميد , قال : ثنا ابن المبارك , عن معمر , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد في صيد الفهد , قال : هو من الجوارح .

8752 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا حكام , عن عنبسة , عن محمد بن عبد الرحمن , عن القاسم بن أبي بزة , عن مجاهد في قوله : { وما علمتم من الجوارح مكلبين } قال : الطير , والكلاب .

* - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبو خالد الأحمر , عن الحجاج , عن عطاء , عن القاسم أبي بزة , عن مجاهد , مثله .

* - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا ابن عيينة , عن حميد , عن مجاهد : { مكلبين } قال : من الكلاب والطير .

* - حدثنا محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , عن عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد في قول الله : { من الجوارح مكلبين } قال : من الطير والكلاب .

* - حدثنا المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , مثله .

8753 - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا ابن علية , قال : ثنا شعبة ( ح ) وثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن شعبة , عن الهيثم , عن طلحة بن مصرف , قال : خيثمة بن عبد الرحمن : هذا ما قد بينت لك أن الصقر والبازي من الجوارح .

* - حدثنا محمد بن المثنى , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , قال : سمعت الهيثم يحدث عن طلحة الإيامي , عن خيثمة , قال : أنبئت أن الصقر , والباز , والكلب : من الجوارح .

8754 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا عبد الله بن عمر , عن نافع , عن علي بن حسين , قال : الباز الصقر من الجوارح .

8755 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا يحيى بن يمان , عن شريك , عن جابر , عن أبي جعفر , قال : الباز والصقر من الجوارح المكلبين .

8756 - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله , قال : ثني معاوية , عن علي , عن ابن عباس , قوله : { وما علمتم من الجوارح مكلبين } يعني بالجوارح : الكلاب الضواري والفهود والصقور وأشباهها .

8757 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن ابن طاوس , عن أبيه : { وما علمتم من الجوارح مكلبين } قال : من الكلاب وغيرها , من الصقور والبيزان وأشباه ذلك مما يعلم .

* - حدثني محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس , قوله : { وما علمتم من الجوارح مكلبين } الجوارح : الكلاب والصقور المعلمة .

8758 - حدثني سعيد بن الربيع الرازي , قال : ثنا سفيان , عن عمرو بن دينار سمع عبيد بن عمير يقول في قوله : { من الجوارح مكلبين } قال : الكلاب والطير .

وقال آخرون : إنما عنى الله جل ثناؤه بقوله : { وما علمتم من الجوارح مكلبين } الكلاب دون غيرها من السباع .

ذكر من قال ذلك : 8759 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا أبو تميلة , قال : ثنا عبيد , عن الضحاك : { وما علمتم من الجوارح مكلبين } قال : هي الكلاب .

8760 - حدثنا محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن مفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي , قوله : { وما علمتم من الجوارح مكلبين } يقول : أحل لكم صيد الكلاب التي علمتموهن .

8761 - حدثنا هناد , قال : ثنا ابن أبي زائدة , قال : أخبرنا ابن جريج , عن نافع , عن ابن عمر , قال : أما ما صاد من الطير والبزاة من الطير , فما أدركت فهو لك , وإلا فلا تطعمه .

وأولى القولين بتأويل الآية , قول من قال : كل ما صاد من الطير والسباع فمن الجوارح , وإن صيد جميع ذلك حلال إذا صاد بعد التعليم ; لأن الله جل ثناؤه عم بقوله : { وما علمتم من الجوارح مكلبين } كل جارحة , ولم يخصص منها شيئا , فكل جارحة كانت بالصفة التي وصف الله من كل طائر وسبع فحلال أكل صيدها .

وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم , بنحو ما قلنا في ذلك خبر , مع ما في الآية من الدلالة التي ذكرنا على صحة ما قلنا في ذلك , وهو ما : 8762 - حدثنا به هناد , قال : ثنا عيسى بن يونس , عن مجالد , عن الشعبي عن عدي بن حاتم , قال : سألت رسول الله عن صيد البازي , فقال : " ما أمسك عليك فكل " فأباح صيد البازي وجعله من الجوارح , ففي ذلك دلالة بينة على فساد قول من قال : عنى أنه بقوله : { وما علمتم من الجوارح } ما علمنا من الكلاب خاصة دون غيرها من سائر الجوارح .

فإن ظن ظان أن في قوله { مكلبين } دلالة على أن الجوارح التي ذكرت في قوله : { وما علمتم من الجوارح } هي الكلاب خاصة , فقد ظن غير الصواب , وذلك أن معنى الآية : قل أحل لكم أيها الناس في حال مصيركم أصحاب كلاب الطيبات وصيد ما علمتموه الصيد من كواسب السباع والطير .

فقوله : { مكلبين } صفة للقانص , وإن صاد بغير الكلاب في بعض أحيانه , وهو نظير قول القائل يخاطب قوما : أحل لكم الطيبات , وما علمتم من الجوارح مكلبين مؤمنين ; فمعلوم أنه إنما عنى قائل ذلك إخبار القوم أن الله جل ذكره أحل لهم في حال كونهم أهل إيمان الطيبات , وصيد الجوارح التي أعلمهم أنه لا يحل لهم منه إلا ما صادوه بها , فكذلك قوله : { أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين } لذلك نظيره في أن التكليب للقانص بالكلاب كان صيده أو بغيرها , لا أنه إعلام من الله عز ذكره أنه لا يحل من الصيد إلا ما صادته الكلاب .تعلمونهن مما علمكم الله القول في تأويل قوله تعالى : { تعلمونهن مما علمكم الله } يعني جل ثناؤه بقوله : { تعلمونهن } تؤدبون الجوارح , فتعلمونهن طلب الصيد لكم مما علمكم الله , يعني بذلك : من التأديب الذي أدبكم الله والعلم الذي علمكم .

وقد قال بعض أهل التأويل : معنى قوله : { مما علمكم الله } كما علمكم الله .

ذكر من قال ذلك : 8763 - حدثنا محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن المفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { تعلمونهن مما علمكم الله } يقول : تعلمونهن من الطلب كما علمكم الله .

ولسنا نعرف في كلام العرب " من " بمعنى الكاف , لأن " من " تدخل في كلامهم بمعنى التبعيض , والكاف بمعنى التشبيه .

وإنما يوضع الحرف مكان آخر غيره إذا تقارب معنياهما , فأما إذا اختلفت معانيهما فغير موجود في كلامهم وضع أحدهما عقيب الآخر , وكتاب الله وتنزيله أحرى الكلام أن يجنب ما خرج عن المفهوم والغاية في الفصاحة من كلام من نزل بلسانه .

8764 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا إسماعيل بن صبيح , قال : ثنا أبو هانئ , عن أبي بشر , قال : ثنا عامر , أن عدي بن حاتم الطائي , قال : أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأله عن صيد الكلاب , فلم يدر ما يقول له , حتى نزلت هذه الآية : { تعلمونهن مما علمكم الله } قيل : اختلف أهل التأويل في ذلك , فقال بعضهم : هو أن يستشلى لطلب الصيد إذا أرسله صاحبه , ويمسك عليه إذا أخذه فلا يأكل منه , ويستجيب له إذا دعاه , ولا يفر منه إذا أراده , فإذا تتابع ذلك منه مرارا كان معلما .

وهذا قول جماعة من أهل الحجاز وبعض أهل العراق .

ذكر من قال ذلك : 8765 - حدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا أبو عصام , قال : أخبرنا ابن جريج , قال : قال عطاء : كل شيء قتله صائدك قبل أن يعلم ويمسك ويصيد فهو ميتة , ولا يكون قتله إياه ذكاة حتى يعلم ويمسك ويصيد , فإن كان ذلك ثم قتل فهو ذكاته .

8766 - حدثني محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس , قال : المعلم من الكلاب أن يمسك صيده فلا يأكل منه حتى يأتيه صاحبه , فإن أكل من صيده قبل أن يأتيه صاحبه فيدرك ذكاته , فلا يأكل من صيده .

8767 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا ابن عيينة , عن عمرو , عن طاوس , عن ابن عباس , قال : إذا أكل الكلب فلا تأكل , فإنما أمسك على نفسه .

8768 - حدثنا أبو كريب ويعقوب بن إبراهيم , قالا : ثنا إسماعيل بن إبراهيم , قال : ثنا أبو المعلى , عن سعيد بن جبير , قال : قال ابن عباس : إذا أرسل الرجل الكلب فأكل من صيده فقد أفسده , وإن كان ذكر اسم الله حين أرسله - فزعم أنه إنما أمسك على نفسه - والله يقول { من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله } فزعم أنه إذا أكل من صيده قبل أن يأتيه صاحبه أنه ليس بمعلم , وأنه ينبغي أن يضرب ويعلم حتى يترك ذلك الخلق .

8769 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا معمر الرقي , عن حجاج , عن عطاء , عن ابن عباس , قال : إذا أخذ الكلب فقتل فأكل , فهو سبع .

* - حدثنا ابن المثنى , قال : ثني عبد الأعلى , قال : ثنا داود , عن عامر , عن ابن عباس , قال : لا يأكل منه , فإنه لو كان معلما لم يتعلم منه ولم يتعلم ما علمته , إنما أمسك على نفسه ولم يمسك عليك .

* - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا يزيد بن هارون , قال : أخبرنا داود , عن الشعبي , عن ابن عباس , بنحوه .

* - حدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا سفيان , عن حماد , عن إبراهيم , عن ابن عباس , قال : إذا أكلت الكلاب فلا تأكل .

* - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا سفيان , عن أبي إسحاق , عن الشعبي , عن ابن عباس , بمثله .

8770 - حدثنا حميد بن مسعدة , قال : ثنا بشر بن المفضل , قال : ثنا ابن عون , قال : قلت لعامر الشعبي : الرجل يرسل كلبه فيأكل منه , أنأكل منه ؟

قال : لا , لم يتعلم الذي علمته .

8771 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا ابن إدريس , عن ليث , عن مجاهد , عن ابن عمر , قال : إذا أكل الكلب من صيد فاضربه , فإنه ليس بمعلم .

8772 - حدثنا سوار بن عبد الله , قال : ثنا يحيى بن سعيد , عن ابن جريج , عن ابن طاوس , عن أبيه , قال : إذا أكل الكلب فهو ميتة , فلا تأكله .

8773 - حدثنا الحسن بن عرفة , قال : ثنا هشيم , عن أبي بشر , عن سعيد بن جبير وسيار , عن الشعبي ومغيرة , عن إبراهيم أنهم قالوا في الكلب : إذا أكل من صيده فلا تأكل , فإنما أمسك على نفسه .

8774 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا أبو عاصم , قال : أخبرنا ابن جريج , قال : قال عطاء : إن وجدت الكلب قد أكل من الصيد , فما وجدته ميتا فدعه , فإنه مما لم يمسك عليك صيدا , إنما هو سبع أمسك على نفسه ولم يمسك عليك , وإن كان قد علم .

8775 - حدثنا محمد بن الحسن , قال : ثنا أحمد بن المفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي : بنحوه .

وقال آخرون نحو هذه المقالة , غير أنهم حدوا لمعرفة الكلاب بأن كلبه قد قبل التعليم , وصار من الجوارح الحلال صيدها أن يفعل ذلك كلبه مرات ثلاثا , وهذا قول محكي عن أبي يوسف ومحمد بن الحسن .

وقال آخرون ممن قال هذه المقالة : لا حد لعلم الكلاب بذلك من كلبه أكثر من أن يفعل كلبه ما وصفنا أنه له تعليم ; قالوا : فإذا فعل ذلك فقد صار معلما حلالا صيده .

وهذا قول بعض المتأخرين .

وفرق بعض قائلي هذه المقالة بين تعليم البازي وسائر الطيور الجارحة , وتعليم الكلب وضاري السباع الجارحة , فقال : جائز أكل ما أكل منه البازي من الصيد .

قالوا : وإنما تعليم البازي أن يطير إذا استشلي , ويجيب إذا دعي , ولا ينفر من صاحبه إذا أراد أخذه .

قالوا : وليس من شروط تعليمه أن لا يأكل من الصيد .

ذكر من قال ذلك : 8776 - حدثنا هناد بن السري , قال : ثنا هشيم , عن مغيرة , عن إبراهيم وحجاج , عن عطاء , قال : لا بأس بصيد البازي وإن أكل منه .

8777 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا أسباط , قال : ثنا أبو إسحاق الشيباني , عن حماد , عن إبراهيم , عن ابن عباس أنه قال في الطير : إذا أرسلته فقتل فكل , فإن الكلب إذا ضربته لم يعد ; وإن تعليم الطير : أن يرجع إلى صاحبه , وليس يضرب فإذا أكل من الصيد ونتف من الريش فكل .

8778 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا يحيى بن واضح , قال : ثنا أبو حمزة , عن جابر , عن الشعبي , قال : ليس البازي والصقر كالكلب , فإذا أرسلتهما فأمسكا فأكلا فدعوتهما فأتياك , فكل منه .

8779 - حدثنا هناد , قال : ثنا أبو زبيد , عن مطرف , عن حماد , قال إبراهيم : كل صيد البازي وإن أكل منه .

8780 - حدثنا هناد , قال : ثنا وكيع , عن سفيان , عن حماد , عن إبراهيم , وجابر عن الشعبي , قالا : كل من صيد البازي وإن أكل .

* - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن مغيرة , عن حماد , عن إبراهيم : إذا أكل البازي والصقر من الصيد , فكل , فإنه لا يعلم .

* - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا سفيان , عن حماد , عن إبراهيم , قال : لا بأس بما أكل منه البازي .

8781 - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن حماد , أنه قال في البازي : إذا أكل منه فكل .

وقال آخرون منهم : سواء تعليم الطير والبهائم والسباع , لا يكون نوع من ذلك معلما إلا بما يكون به سائر الأنواع معلما .

وقالوا : لا يحل أكل شيء من الصيد الذي صادته جارحة فأكلت منه , كائنة ما كانت تلك الجارحة بهيمة أو طائرا .

قالوا : لأن من شروط تعليمها الذي يحل به صيدها , أن تمسك ما صادت على صاحبها فلا تأكل منه .

ذكر من قال ذلك : 8782 - حدثنا هناد وأبو كريب , قالا : ثنا ابن أبي زائدة , قال : ثنا محمد بن سالم , عن عامر , قال : قال علي : إذا أكل البازي من صيده فلا تأكل .

8783 - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا ابن جعفر , عن شعبة , عن مجاهد بن سعيد , عن الشعبي , قال : إذا أكل البازي منه فلا تأكل .

8784 - حدثنا هناد , قال : ثنا وكيع , عن سفيان , عن سالم , عن سعيد بن جبير , قال : إذا أكل البازي فلا تأكل .

8785 - حدثنا هناد , قال : ثنا وكيع عن عمرو بن الوليد السهمي , قال : سمعت عكرمة , قال : إذا أكل البازي فلا تأكل .

8786 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا أبو عاصم , قال : أخبرنا ابن جريج , قال : قال عطاء : الكلب والبازي كله واحد , لا تأكل ما أكل منه من الصيد إلا أن تدرك ذكاته فتذكيه .

قال : قلت لعطاء : البازي ينتف الريش ؟

قال : فما أدركته ولم يأكل , فكل .

قال ذلك غير مرة .

وقال آخرون : تعليم كل جارحة من البهائم والطير واحد , قالوا : وتعليمه الذي يحل به صيده أن يشلى على الصيد فيستشلي ويأخذ الصيد , ويدعوه صاحبه فيجيب , أو لا يفر منه إذا أخذه .

قالوا : فإذا فعل الجارح ذلك كان معلما داخلا في المعنى الذي قال الله : { وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم } قالوا : وليس من شرط تعليم ذلك أن لا يأكل من الصيد , قالوا : وكيف يجوز أن يكون ذلك من شرطه وهو يؤدب بأكله ؟

ذكر من قال ذلك : 8787 - حدثنا ابن أبي الشوارب , قال : ثنا يزيد بن زريع , قال : ثنا سعيد , عن قتادة , عن سعيد أو سعد , عن سلمان , قال : إذا أرسلت كلبك على صيد , وذكرت اسم الله فأكل ثلثيه وبقي ثلثه , فكل ما بقي .

* - حدثنا حميد بن مسعدة , قال : ثنا بشر بن المفضل , قال : ثنا حميد , قال : ثني القاسم بن ربيعة , عمن حدثه , عن سلمان وبكر بن عبد الله , عمن حدثه , عن سلمان : أن الكلب يأخذ الصيد فيأكل منه , قال : كل وإن أكل ثلثيه إذا أرسلته وذكرت اسم الله وكان معلما .

* - حدثنا ابن بشار وابن المثنى , قالا : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , قال : سمعت قتادة يحدث عن سعيد بن المسيب , قال : قال سلمان : كل وإن أكل ثلثيه ; يعني : الصيد إذا أكل ثلثيه ; يعني : الصيد إذا أكل منه الكلب .

- حدثنا هناد , قال : ثنا وكيع , عن شعبة , عن قتادة , عن سعيد بن المسيب , عن سلمان , نحوه .

* - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا ابن أبي عدي وعبد العزيز بن عبد الصمد , عن شعبة ( ح ) وحدثنا هناد قال : ثنا عبدة جميعا , عن سعيد , عن قتادة , عن سعيد بن المسيب , قال : قال سلمان : إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فأكل ثلثه فكل .

* - حدثنا هناد , قال : ثنا عبدة , عن سعيد , عن قتادة , عن سعيد , عن سلمان , نحوه .

* - حدثنا مجاهد بن موسى , قال : ثنا يزيد , عن بكر بن عبد الله المزني والقاسم , أن سلمان قال : إذا أكل الكلب فكل , وإن أكل ثلثيه .

* - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا ابن علية , عن داود بن أبي الفرات , عن محمد بن زيد , عن سعيد بن المسيب , قال : قال سلمان : إذا أرسلت كلبك المعلم أو بازك , فسميت , فأكل نصفه أو ثلثيه , فكل بقيته .

8788 - حدثني يونس بن عبد الأعلى , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : أخبرني مخرمة بن بكير , عن أبيه , عن حميد بن مالك بن خثيم الدؤلي , أنه سأل سعد بن أبي وقاص عن الصيد يأكل منه الكلب , فقال : كل وإن لم يبق منه إلا حذية , يعني بضعة .

8789 - حدثنا محمد بن المثنى , قال : ثني عبد الصمد , قال : ثنا شعبة , عن عبد ربه بن سعيد , قال : سمعت بكير بن الأشج يحدث عن سعد , قال : كل وإن أكل ثلثيه .

8790 - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا سعيد بن الربيع , قال : ثنا شعبة , عن عبد ربه بن سعيد , قال : سمعت بكير بن الأشج , عن سعيد بن المسيب - قال شعبة , قلت : سمعته من سعيد ؟

قال : لا - قال : كل وإن أكل ثلثيه .

قال : ثم إن شعبة قال في حديثه عن سعد , قال : كل وإن أكل نصفه .

8791 - حدثنا ابن المثنى , قال : ثني عبد الأعلى , قال : ثنا داود , عن عامر , عن أبي هريرة , قال : إذا أرسلت كلبك فأكل منه , فإن أكل ثلثيه وبقي ثلثه فكل .

* - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا يزيد بن هارون , قال : أخبرنا داود بن أبي هند , عن الشعبي , عن أبي هريرة , بنحوه .

* - حدثنا هناد , قال : ثنا أبو معاوية , عن داود بن أبي هند , عن الشعبي , عن أبي هريرة , نحوه .

* - حدثنا ابن المثنى , قال : ثني سالم بن نوح العطار , عن عمر , يعني ابن عامر , عن قتادة , عن سعيد بن المسيب , عن سلمان , قال : إذا أرسلت كلبك المعلم فأخذ فقتل , فكل وإن أكل ثلثيه .

8792 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى , قال : ثنا المعتمر , قال : سمعت عبد الله ( ح ) وحدثنا هناد , قال : ثنا عبدة , عن عبيد الله بن عمر , عن نافع , عن عبد الله بن عمر , قال : إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل ما أمسك عليك , أكل أو لم يأكل .

* - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا عبد الوهاب , قال : ثنا عبيد الله , عن نافع , عن ابن عمر , بنحوه .

8793 - حدثنا يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : أخبرني ابن أبي ذئب أن نافعا حدثهم : أن عبد الله بن عمر كان لا يرى بأكل الصيد بأسا , إذا قتله الكلب أكل منه .

* - حدثني يونس به مرة أخرى , فقال : أخبرنا ابن وهب , قال : ثني عبيد الله بن عمر وابن أبي ذئب وغير واحد , أن نافعا حدثهم عن عبد الله بن عمر , فذكر نحوه .

* - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا يحيى بن واضح , قال : ثنا محمد بن أبي ذئب , عن نافع , عن ابن عمر : أنه كان لا يرى بأسا بما أكل الكلب الضاري .

* - حدثنا هناد , قال : ثنا وكيع , عن ابن أبي ذئب , عن بكير بن عبد الله بن الأشج , عن حميد بن عبد الله , عن سعد , قال : قلت : لنا كلاب ضوار يأكلن ويبقين ؟

قال : كل وإن لم يبق إلا بضعة .

* - حدثنا هناد , قال : ثنا قبيصة , عن سفيان , عن ابن أبي ذئب , عن يعقوب بن عبد الله بن الأشج , عن حميد , قال : سألت سعدا , فذكر نحوه .

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندنا في تأويل قوله : { تعلمونهن مما علمكم الله } أن التعليم الذي ذكره الله في هذه الآية للجوارح , إنما هو أن يعلم الرجل جارحه الاستشلاء إذا أشلي على الصيد , وطلبه إياه إذا أغري , أو إمساكه عليه إذا أخذ من غير أن يأكل منه شيئا , وألا يفر منه إذا أراده , وأن يجيبه إذا دعاه , فذلك هو تعليم جميع الجوارح طيرها وبهائمها .

وإن أكل من الصيد جارحة صائد , فجارحه حينئذ غير معلم .

فإن أدرك صاحبه حيا فذكاه حل له أكله , وإن أدركه ميتا لم يحل له , لأنه مما أكله السبع الذي حرمه الله تعالى بقوله : { وما أكل السبع } ولم يدرك ذكاته .

وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال في ذلك بالصواب لتظاهر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم , 8794 - حدثنا به ابن حميد , قال : ثنا ابن المبارك , عن عاصم بن سليمان الأحول , عن الشعبي , عن عدي بن حاتم , أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الصيد , فقال : "إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله عليه , فإن أدركته وقد قتل وأكل منه , فلا تأكل منه شيئا , فإنما أمسك على نفسه " * - حدثنا أبو كريب , وأبو هشام الرفاعي , قالا : ثنا محمد بن فضيل , عن بيان بن بشر , عن عامر , عن عدي بن حاتم , قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم , فقلت : إنا قوم نتصيد بهذه الكلاب ؟

فقال : " إذا أرسلت كلابك المعلمة وذكرت اسم الله عليها , فكل ما أمسكن عليك وإن قتلن , إلا أن يأكل الكلب , فإن أكل فلا تأكل , فإني أخاف أن يكون إنما حبسه على نفسه " فإن قال قائل : فما أنت قائل فيما : 8795 - حدثك به عمران بن بكار الكلاعي , قال : ثنا عبد العزيز بن موسى , قال : ثنا محمد بن دينار , عن أبي إياس , عن سعيد بن المسيب , عن سلمان الفارسي , عن النبي صلى الله عليه وسلم , قال : " إذا أرسل الرجل كلبا على الصيد فأدركه وقد أكل منه , فليأكل ما بقي " قيل : هذا خبر في إسناده نظر , فإن سعيدا غير معلوم له سماع من سلمان , والثقات من أهل الآثار يقفون هذا الكلام على سلمان ويروونه عنه من قبله غير مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم .

والحفاظ الثقات إذا تتابعوا على نقل شيء بصفة فخالفهم واحد منفرد ليس له حفظهم , كانت الجماعة الأثبات أحق بصحة ما نقلوا من الفرد الذي ليس له حفظهم .

وإذا كان الأمر في الكلب على ما ذكرت من أنه إذا أكل من الصيد فغير معلم , فكذلك حكم كل جارحة في أن ما أكل منها من الصيد فغير معلم , لا يحل له أكل صيده إلا أن يدرك ذكاته .فكلوا مما أمسكن عليكم القول في تأويل قوله تعالى : { فكلوا مما أمسكن عليكم } يعني بقوله : { فكلوا مما أمسكن عليكم } فكلوا أيها الناس مما أمسكت عليكم جوارحكم .

واختلف أهل التأويل في معنى ذلك , فقال بعضهم : ذلك على الظاهر والعموم كما عممه الله حلال أكل كل ما أمسكت علينا الكلاب والجوارح المعلمة من الصيد الحلال أكله , أكل منه الجارح والكلاب أو لم يأكل منه , أدركت ذكاته فذكي أو لم تدرك ذكاته حتى قتلته الجوارح , بجرحها إياه أو بغير جرح .

وهذا قول الذين قالوا : تعليم الجوارح الذي يحل به صيدها أن تعلم الاستشلاء على الصيد وطلبه إذا أشليت عليه وأخذه , وترك الهرب من صاحبها دون ترك الأكل من صيدها إذا صادته .

وقد ذكرنا قول قائلي هذه المقالة والرواية عنهم بأسانيدها الواردة آنفا .

وقال آخرون : بل ذلك على الخصوص دون العموم , قالوا : ومعناه : فكلوا مما أمسكن عليكم من الصيد جميعه دون بعضه .

قالوا : فإن أكلت الجوارح منه بعضا وأمسكت بعضا , فالذي أمسكت منه غير جائز أكله وقد أكلت بعضه لأنها إنما أمسكت ما أمسكت من ذلك الصيد بعد الذي أكلت منه على أنفسها لا علينا , والله تعالى ذكره إنما أباح لنا كل ما أمسكته جوارحنا المعلمة عليه بقوله : { فكلوا مما أمسكن عليكم } دون ما أمسكته على أنفسها , وهذا قول من قال : تعليم الجوارح الذي يحل به صيدها , أن تستشلى للصيد إذا أشليت فتطلبه وتأخذه , فتمسكه على صاحبها فلا تأكل منه شيئا , ولا تفر من صاحبها ; وقد ذكرنا ممن قال ذلك فيما مضى منهم جماعة كثيرة , ونذكر منهم جماعة آخرين في هذا الموضع .

8796 - حدثنا المثنى , قال : ثنا عبد الله , قال : ثني معاوية , عن علي , عن ابن عباس , قوله : { فكلوا مما أمسكن عليكم } يقول : كلوا مما قتلن .

قال علي : وكان ابن عباس يقول : إن قتل وأكل فلا تأكل , وإن أمسك فأدركته حيا فذكه .

8797 - حدثني محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس قال : إن أكل المعلم من الكلاب من صيده قبل أن يأتيه صاحبه فيدرك ذكاته , فلا يأكل من صيده .

8798 - حدثنا محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن المفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { فكلوا مما أمسكن عليكم } إذا صاد الكلب فأمسكه وقد قتله ولم يأكل منه , فهو حل , فإن أكل منه , فيقال : إنما أمسك على نفسه , فلا تأكل منه شيئا , إنه ليس بمعلم .

8799 - حدثنا بشر بن معاذ , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة : { يسألونك ماذا أحل لهم } إلى قوله : { فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه } قال : إذا أرسلت كلبك المعلم أو طيرك أو سهمك , فذكرت اسم الله , فأخذ أو قتل , فكل .

8800 - حدثت عن الحسين , قال : سمعت أبا معاذ , يقول : أخبرنا عبيد بن سلمان , قال : سمعت الضحاك يقول : إذا أرسلت كلبك المعلم فذكرت اسم الله حين ترسله فأمسك أو قتل فهو حلال , فإذا أكل منه فلا تأكله , فإنما أمسكه على نفسه .

8801 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثنا أبو معاوية , عن عاصم , عن الشعبي , عن عدي , قوله : { فكلوا مما أمسكن عليكم } قال : قلت يا رسول الله إن أرضي أرض صيد ؟

قال : " إذا أرسلت كلبك وسميت فكل مما أمسك عليك كلبك , وإن قتل , فإن أكل فلا تأكل فإنه إنما أمسك على نفسه " وقد بينا أولى القولين في ذلك بالصواب قبل , فأغنى ذلك عن إعادته وتكراره .

فإن قال قائل : وما وجه دخول " من " في قوله : { فكلوا مما أمسكن عليكم } , وقد أحل الله لنا صيد جوارحنا الحلال , " ومن "إنما تدخل في الكلام مبعضة لما دخلت فيه ؟

قيل : قد اختلف في معنى دخولها في هذا الموضع أهل العربية , فقال بعض نحويي البصرة حين دخلت " من " في هذا الموضع لغير معنى , كما تدخله العرب في قولهم : كان من مطر , وكان من حديث .

قال : ومن ذلك قوله : { ويكفر عنكم من سيئاتكم } , وقوله : { وينزل من السماء من جبال فيها من برد } قال : وهو فيما فسر : وينزل من السماء جبالا فيها برد .

قال : وقال بعضهم : { وينزل من السماء من جبال فيها من برد } أي من السماء من برد , بجعل الجبال من برد في السماء , وبجعل الإنزال منها .

وكان غيره من أهل العربية ينكر ذلك ويقول : لم تدخل "من " إلا لمعنى مفهوم لا يجوز الكلام ولا يصلح إلا به , وذلك أنها دالة على التبعيض .

وكان يقول : معنى قولهم : " قد كان من مطر , وكان من حديث " : هل كان من مطر مطر عندكم , وهل من حديث حدث عندكم .

ويقول : معنى { ويكفر عنكم من سيئاتكم } أي ويكفر عنكم من سيئاتكم ما يشاء ويريد , وفي قوله : { وينزل من السماء من جبال فيها من برد } فيجيز حذف "من " من { من برد } ولا يجيز حذفها من " الجبال " , ويتأول معنى ذلك : وينزل من السماء أمثال جبال برد , ثم أدخلت " من " في البرد ; لأن البرد مفسر عنده عن الأمثال : أعني : أمثال الجبال , وقد أقيمت الجبال مقام الأمثال , والجبال وهي جبال برد , فلا يجيز حذف " من " من الجبال ; لأنها دالة على أن الذي في السماء الذي أنزل منه البرد أمثال جبال برد , وأجاز حذف " من " من " البرد " ; لأن " البرد " مفسر عن الأمثال , كما تقول : عندي رطلان زيتا , وعندي رطلان من زيت , وليس عندك الرطل وإنما عندك المقدار , ف " من " تدخل في المفسر وتخرج منه .

وكذلك عند قائل هذا القول : من السماء , من أمثال جبال , وليس بجبال .

وقال : وإن كان أنزل من جبال في السماء من برد جبالا , ثم حذف " الجبال " الثانية و " الجبال " الأول في السماء جاز , تقول : أكلت من الطعام , تريد : أكلت من الطعام طعاما , ثم تحذف الطعام ولا تسقط "من " .

والصواب من القول في ذلك , أن " من " لا تدخل في الكلام إلا لمعنى مفهوم , وقد يجوز حذفها في بعض الكلام وبالكلام إليها حاجة لدلالة ما يظهر من الكلام عليها , فأما أن تكون في الكلام لغير معنى أفادته بدخولها , فذلك قد بينا فيما مضى أنه غير جائز أن يكون فيما صح من الكلام .

ومعنى دخولها في قوله : { فكلوا مما أمسكن عليكم } للتبعيض إذ كانت الجوارح تمسك على أصحابها ما أحل الله لهم لحومه وحرم عليهم فرثه ودمه , فقال جل ثناؤه : { فكلوا مما أمسكن عليكم } جوارحكم الطيبات التي أحللت لكم من لحومها دون ما حرمت عليكم من خبائثه من الفرث والدم وما أشبه ذلك مما لم أطيبه لكم , فذلك معنى دخول " من " في ذلك .

وأما قوله : { ويكفر عنكم من سيئاتكم } فقد بينا وجه دخولها فيه فيما مضى بما أغنى عن إعادته .

وأما دخولها في قوله : { وينزل من السماء من جبال } فسنبينه إذا أتينا عليه إن شاء الله تعالى :واذكروا اسم الله عليه القول في تأويل قوله تعالى : { واذكروا اسم الله عليه } يعني جل ثناؤه بقوله : { واذكروا اسم الله } على ما أمسكت عليكم جوارحكم من الصيد .

كما : 8802 - حدثنا المثنى , قال : ثنا عبد الله , قال : ثني معاوية , عن علي , عن ابن عباس , قوله : { واذكروا اسم الله عليه } يقول : إذا أرسلت جارحك فقل : بسم الله , وإن نسيت فلا حرج .

8803 - حدثنا محمد , قال : ثنا أحمد , قال : ثنا أسباط , عن السدي , قوله : { واذكروا اسم الله عليه } قال : إذا أرسلته فسم عليه حين ترسله على الصيد .واتقوا الله إن الله سريع الحساب القول في تأويل قوله تعالى : { واتقوا الله إن الله سريع الحساب } يعني جل ثناؤه : واتقوا الله أيها الناس فيما أمركم به وفيما نهاكم عنه , فاحذروه في ذلك أن تقدموا على خلافه , وأن تأكلوا من صيد الجوارح غير المعلمة أو مما لم تمسك عليكم من صيدها وأمسكته على أنفسها , أو تطعموا ما لم يسم الله عليه من الصيد والذبائح مما صاده أهل الأوثان وعبدة الأصنام ومن لم يوحد الله من خلقه , أو ذبحوه , فإن الله قد حرم ذلك عليكم فاجتنبوه .

ثم خوفهم إن هم فعلوا ما نهاهم عنه من ذلك ومن غيره فقال : اعلموا أن الله سريع حسابه لمن حاسبه على نعمته عليه منكم وشكر الشاكر منكم ربه , على ما أنعم به عليه بطاعته إياه فيما أمر ونهى ; لأنه حافظ لجميع ذلك فيكم فيحيط به , لا يخفى عليه منه شيء , فيجازي المطيع منك بطاعته والعاصي بمعصيته , وقد بين لكم جزاء الفريقين .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه واتقوا الله إن الله سريع الحساب .فيه تسع عشرة مسألة :الأولى : قوله تعالى : يسألونك .

الآية نزلت بسبب عدي بن حاتم وزيد بن مهلهل وهو زيد الخيل الذي سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد الخير ; قالا : يا رسول الله إنا قوم نصيد بالكلاب والبزاة ، وإن الكلاب تأخذ البقر والحمر والظباء فمنه ما ندرك ذكاته ، ومنه ما تقتله فلا ندرك ذكاته ، وقد حرم الله الميتة فماذا يحل لنا ؟

فنزلت الآية .[ ص: 34 ] الثانية : قوله تعالى : ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات ما في موضع رفع بالابتداء ، والخبر أحل لهم وذا زائدة ، وإن شئت كانت بمعنى الذي ، ويكون الخبر قل أحل لكم الطيبات وهو الحلال ، وكل حرام فليس بطيب .

وقيل : ما التذه آكله وشاربه ولم يكن عليه فيه ضرر في الدنيا ولا في الآخرة .

وقيل : الطيبات الذبائح ، لأنها طابت بالتذكية .الثالثة : قوله تعالى : وما علمتم أي : وصيد ما علمتم ; ففي الكلام إضمار لا بد منه ، ولولاه لكان المعنى يقتضي أن يكون الحل المسئول عنه متناولا للمعلم من الجوارح المكلبين ، وذلك ليس مذهبا لأحد ; فإن الذي يبيح لحم الكلب فلا يخصص الإباحة بالمعلم ; وسيأتي ما للعلماء في أكل الكلب في " الأنعام " إن شاء الله تعالى .

وقد ذكر بعض من صنف في أحكام القرآن أن الآية تدل على أن الإباحة تتناول ما علمناه من الجوارح ، وهو ينتظم الكلب وسائر جوارح الطير ، وذلك يوجب إباحة سائر وجوه الانتفاع ، فدل على جواز بيع الكلب والجوارح والانتفاع بها بسائر وجوه المنافع إلا ما خصه الدليل ، وهو الأكل من الجوارح أي الكواسب من الكلاب وسباع الطير ; وكان لعدي كلاب خمسة قد سماها بأسماء أعلام ، وكان أسماء أكلبه سلهب وغلاب والمختلس والمتناعس ، قال السهيلي : وخامس أشك ، قال فيه : أخطب ، أو قال فيه : وثاب .الرابعة : أجمعت الأمة على أن الكلب إذا لم يكن أسود وعلمه مسلم فينشلي إذا أشلي ويجيب إذا دعي ، وينزجر بعد ظفره بالصيد إذا زجر ، وأن يكون لا يأكل من صيده الذي صاده ، وأثر فيه بجرح أو تنييب ، وصاد به مسلم وذكر اسم الله عند إرساله أن صيده صحيح يؤكل بلا خلاف ; فإن انخرم شرط من هذه الشروط دخل الخلاف .

فإن كان الذي يصاد به غير كلب كالفهد وما أشبهه وكالبازي والصقر ونحوهما من الطير فجمهور الأمة على أن كل ما صاد بعد التعليم فهو جارح كاسب .

يقال : جرح فلان واجترح إذا اكتسب ; ومنه الجارحة لأنها يكتسب بها ، ومنه اجتراح السيئات ، وقال الأعشى :ذا جبار منضجا ميسمه يذكر الجارح ما كان اجترح[ ص: 35 ] وفي التنزيل ويعلم ما جرحتم بالنهار وقال : أم حسب الذين اجترحوا السيئات .الخامسة : قوله تعالى : مكلبين معنى مكلبين أصحاب الكلاب وهو كالمؤدب صاحب التأديب ، وقيل : معناه مصرين على الصيد كما تصرى الكلاب ; قال الرماني : وكلا القولين محتمل .

وليس في مكلبين دليل على أنه إنما أبيح صيد الكلاب خاصة ; لأنه بمنزلة قوله : مؤمنين وإن كان قد تمسك به من قصر الإباحة على الكلاب خاصة .

روي عن ابن عمر فيما حكى ابن المنذر عنه قال : وأما ما يصاد به من البزاة وغيرها من الطير فما أدركت ذكاته فذكه فهو لك حلال ، وإلا فلا تطعمه .

قال ابن المنذر : وسئل أبو جعفر عن البازي يحل صيده قال : لا ; إلا أن تدرك ذكاته ، وقال الضحاك والسدي : وما علمتم من الجوارح مكلبين هي الكلاب خاصة ; فإن كان الكلب أسود بهيما فكره صيده الحسن وقتادة والنخعي ، وقال أحمد : ما أعرف أحدا يرخص فيه إذا كان بهيما ; وبه قال إسحاق بن راهويه ; فأما عوام أهل العلم بالمدينة والكوفة فيرون جواز صيد كل كلب معلم ، أما من منع صيد الكلب الأسود فلقوله صلى الله عليه وسلم : الكلب الأسود شيطان ، أخرجه مسلم .

احتج الجمهور بعموم الآية ، واحتجوا أيضا في جواز صيد البازي بما ذكر من سبب النزول ، وبما خرجه الترمذي عن عدي بن حاتم قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيد البازي فقال : ما أمسك عليك فكل .

في إسناده مجالد ولا يعرف إلا من جهته وهو ضعيف ، وبالمعنى وهو أن كل ما يتأتى من الكلب يتأتى من الفهد مثلا فلا فارق إلا فيما لا مدخل له في التأثير ; وهذا هو القياس في معنى الأصل ، كقياس السيف على المدية والأمة على العبد ، وقد تقدم .السادسة : وإذا تقرر هذا فاعلم أنه لابد للصائد أن يقصد عند الإرسال التذكية والإباحة ، وهذا لا يختلف فيه ; لقوله عليه السلام : إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله عليه فكل وهذا يقتضي النية والتسمية ; فلو قصد مع ذلك اللهو فكرهه مالك وأجازه ابن عبد الحكم ، وهو ظاهر قول الليث : ما رأيت حقا أشبه بباطل منه ، يعني الصيد ; فأما لو فعله بغير نية التذكية فهو حرام ; لأنه من باب الفساد وإتلاف حيوان لغير منفعة ، وقد نهى [ ص: 36 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل الحيوان إلا لمأكلة ، وقد ذهب الجمهور من العلماء إلى أن التسمية لا بد منها بالقول عند الإرسال ; لقوله : وذكرت اسم الله فلو لم توجد على أي وجه كان لم يؤكل الصيد ; وهو مذهب أهل الظاهر وجماعة أهل الحديث ، وذهبت جماعة من أصحابنا وغيرهم إلى أنه يجوز أكل ما صاده المسلم وذبحه وإن ترك التسمية عمدا ; وحملوا الأمر بالتسمية على الندب ، وذهب مالك في المشهور إلى الفرق بين ترك التسمية عمدا أو سهوا فقال : لا تؤكل مع العمد وتؤكل مع السهو ; وهو قول فقهاء الأمصار ، وأحد قولي الشافعي ، وستأتي هذه المسألة في " الأنعام " إن شاء الله تعالى .

ثم لا بد أن يكون انبعاث الكلب بإرسال من يد الصائد بحيث يكون زمامه بيده .

فيخلي عنه ويغريه عليه فينبعث ، أو يكون الجارح ساكنا مع رؤيته الصيد فلا يتحرك له إلا بالإغراء من الصائد ، فهذا بمنزلة ما زمامه بيده فأطلقه مغريا له على أحد القولين ; فأما لو انبعث الجارح من تلقاء نفسه من غير إرسال ولا إغراء فلا يجوز صيده ولا يحل أكله عند الجمهور ومالك والشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي ; لأنه إنما صاد لنفسه من غير إرسال وأمسك عليها ، ولا صنع للصائد فيه ، فلا ينسب إرساله إليه ; لأنه لا يصدق عليه قوله عليه السلام : إذا أرسلت كلبك المعلم ، وقال عطاء بن أبي رباح والأوزاعي : يؤكل صيده إذا كان أخرجه للصيد .السابعة : قرأ الجمهور " علمتم " بفتح العين واللام ، وابن عباس ومحمد بن الحنفية بضم العين وكسر اللام ، أي : من أمر الجوارح والصيد بها .

والجوارح الكواسب ، وسميت أعضاء الإنسان جوارح لأنها تكسب وتتصرف .

وقيل : سميت جوارح لأنها تجرح وتسيل الدم ، فهو مأخوذ من الجراح ، وهذا ضعيف ، وأهل اللغة على خلافه ، وحكاه ابن المنذر عن قوم .

و " مكلبين " قراءة الجمهور بفتح الكاف وشد اللام ، والمكلب معلم الكلاب ومضريها ، ويقال لمن يعلم غير الكلب : مكلب ; لأنه يرد ذلك الحيوان كالكلب ; حكاه بعضهم ، ويقال للصائد : مكلب فعلى هذا معناه صائدين ، وقيل : المكلب صاحب الكلاب ، يقال : كلب فهو مكلب وكلاب ، وقرأ الحسن " مكلبين " بسكون الكاف وتخفيف اللام ، ومعناه أصحاب كلاب ، يقال : أمشى الرجل كثرت ماشيته ، وأكلب كثرت كلابه ، وأنشد الأصمعي :وكل فتى وإن أمشى فأثرى ستخلجه عن الدنيا منونالثامنة : قوله تعالى : تعلمونهن مما علمكم الله أنث الضمير مراعاة للفظ الجوارح ; [ ص: 37 ] إذ هو جمع جارحة ، ولا خلاف بين العلماء في شرطين في التعليم وهما : أن يأتمر إذا أمر وينزجر إذا زجر ; لا خلاف في هذين الشرطين في الكلاب وما في معناها من سباع الوحوش ، واختلف فيما يصاد به من الطير ; فالمشهور أن ذلك مشترط فيها عند الجمهور ، وذكر ابن حبيب أنه لا يشترط فيها أن تنزجر إذا زجرت ; فإنه لا يتأتى ذلك فيها غالبا ، فيكفي أنها إذا أمرت أطاعت .

وقال ربيعة : ما أجاب منها إذا دعي فهو المعلم الضاري ; لأن أكثر الحيوان بطبعه ينشلي ، وقد شرط الشافعي وجمهور من العلماء في التعليم أن يمسك على صاحبه ، ولم يشترطه مالك في المشهور عنه ، وقال الشافعي : المعلم هو الذي إذا أشلاه صاحبه انشلى ; وإذا دعاه إلى الرجوع رجع إليه ، ويمسك الصيد على صاحبه ولا يأكل منه ; فإذا فعل هذا مرارا وقال أهل العرف : صار معلما فهو المعلم ، وعن الشافعي أيضا والكوفيين : إذا أشلي فانشلى وإذا أخذ حبس وفعل ذلك مرة بعد مرة أكل صيده في الثالثة .

ومن العلماء من قال : يفعل ذلك ثلاث مرات ويؤكل صيده في الرابعة ، ومنهم من قال : إذا فعل ذلك مرة فهو معلم ويؤكل صيده في الثانية .التاسعة : قوله تعالى : فكلوا مما أمسكن عليكم أي : حبسن لكم ، واختلف العلماء في تأويله ; فقال ابن عباس وأبو هريرة والنخعي وقتادة وابن جبير وعطاء بن أبي رباح وعكرمة والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور والنعمان وأصحابه : المعنى ولم يأكل ; فإن أكل لم يؤكل ما بقي ، لأنه أمسك على نفسه ولم يمسك على ربه ، والفهد عند أبي حنيفة وأصحابه كالكلب ولم يشترطوا ذلك في الطيور بل يؤكل ما أكلت منه ، وقال سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر وسلمان الفارسي وأبو هريرة أيضا : المعنى وإن أكل ; فإذا أكل الجارح كلبا كان أو فهدا أو طيرا أكل ما بقي من الصيد وإن لم يبق إلا بضعة ; وهذا قول مالك وجميع أصحابه ، وهو القول الثاني للشافعي ، وهو القياس ، وفي الباب حديثان بمعنى ما ذكرنا أحدهما : حديث عدي في الكلب المعلم ( وإذا أكل فلا تأكل فإنما أمسك على نفسه ) أخرجه مسلم .

الثاني : حديث أبي ثعلبة الخشني قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في صيد الكلب : إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله عليه فكل وإن أكل منه وكل ما ردت عليك يداك أخرجه أبو داود ، وروي عن عدي ولا يصح ; والصحيح عنه حديث مسلم ; ولما تعارضت الروايتان رام بعض أصحابنا وغيرهم الجمع بينهما فحملوا حديث النهي على التنزيه والورع ، وحديث الإباحة على الجواز ، وقالوا : إن عديا كان موسعا عليه فأفتاه النبي صلى الله عليه وسلم بالكف ورعا ، وأبا ثعلبة كان محتاجا فأفتاه بالجواز ; والله أعلم ، وقد دل على صحة هذا التأويل قوله عليه الصلاة والسلام في حديث عدي : فإني [ ص: 38 ] أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه هذا تأويل علمائنا .

وقال أبو عمر في كتاب " الاستذكار " : وقد عارض حديث عدي هذا حديث أبي ثعلبة ، والظاهر أن حديث أبي ثعلبة ناسخ له ; فقوله : وإن أكل يا رسول الله ؟

قال : وإن أكل .قلت : هذا فيه نظر ; لأن التاريخ مجهول ; والجمع بين الحديثين أولى ما لم يعلم التاريخ ; والله أعلم .

وأما أصحاب الشافعي فقالوا : إن كان الأكل عن فرط جوع من الكلب أكل وإلا لم يؤكل ; فإن ذلك من سوء تعليمه ، وقد روي عن قوم من السلف التفرقة بين ما أكل منه الكلب والفهد فمنعوه ، وبين ما أكل منه البازي فأجازوه ، قاله النخعي والثوري وأصحاب الرأي وحماد بن أبي سليمان ، وحكي عن ابن عباس وقالوا : الكلب والفهد يمكن ضربه وزجره ، والطير لا يمكن ذلك فيه ، وحد تعليمه أن يدعى فيجيب ، وأن يشلى فينشلي ; لا يمكن فيه أكثر من ذلك ، والضرب يؤذيه .العاشرة : والجمهور من العلماء على أن الجارح إذا شرب من دم الصيد أن الصيد يؤكل ; قال عطاء : ليس شرب الدم بأكل ; وكره أكل ذلك الصيد الشعبي وسفيان الثوري ، ولا خلاف بينهم أن سبب إباحة الصيد الذي هو عقر الجارح له لا بد أن يكون متحققا غير مشكوك فيه ، ومع الشك لا يجوز الأكل ، وهي :الحادية عشرة : فإن وجد الصائد مع كلبه كلبا آخر فهو محمول على أنه غير مرسل من صائد آخر ، وأنه إنما انبعث في طلب الصيد بطبعه ونفسه ، ولا يختلف في هذا ; لقوله عليه الصلاة والسلام : وإن خالطها كلاب من غيرها فلا تأكل - في رواية - فإنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره .

فأما لو أرسله صائد آخر فاشترك الكلبان فيه فإنه للصائدين يكونان شريكين فيه .

فلو أنفذ أحد الكلبين مقاتله ثم جاء الآخر فهو للذي أنفذ مقاتله ، وكذلك لا يؤكل ما رمي بسهم فتردى من جبل أو غرق في ماء ; لقوله عليه الصلاة والسلام لعدي : وإن رميت بسهمك فاذكر اسم الله فإن غاب عنك يوما فلم تجد فيه إلا أثر سهمك فكل وإن وجدته غريقا في الماء فلا تأكل فإنك لا تدري الماء قتله أو سهمك ، وهذا نص .الثانية عشرة : لو مات الصيد في أفواه الكلاب من غير بضع لم يؤكل ; لأنه مات خنقا فأشبه أن يذبح بسكين كالة فيموت في الذبح قبل أن يفرى حلقه .

ولو أمكنه أخذه من الجوارح وذبحه فلم يفعل حتى مات لم يؤكل ، وكان مقصرا في الذكاة ; لأنه قد صار مقدورا على ذبحه ، وذكاة المقدور عليه تخالف ذكاة غير المقدور عليه ، ولو أخذه ثم مات قبل أن يخرج السكين ، أو تناولها وهي معه جاز أكله ; ولو لم تكن السكين معه فتشاغل بطلبها لم تؤكل ، وقال [ ص: 39 ] الشافعي : فيما نالته الجوارح ولم تدمه قولان : أحدهما : ألا يؤكل حتى يجرح ; لقوله تعالى : من الجوارح وهو قول بن القاسم ; والآخر : أنه حل وهو قول أشهب ، قال أشهب : إن مات من صدمة الكلب أكل .الثالثة عشرة : قوله : ( فإن غاب عنك يوما فلم تجد فيه إلا أثر سهمك فكل ) ونحوه في حديث أبي ثعلبة الذي خرجه أبو داود ، غير أنه زاد ( فكله بعد ثلاث ما لم ينتن ) يعارضه قوله عليه السلام : كل ما أصميت ودع ما أنميت .

فالإصماء ما قتل مسرعا وأنت تراه ، والإنماء أن ترمي الصيد فيغيب عنك فيموت وأنت لا تراه ; يقال : قد أنميت الرمية فنمت تنمي إذا غابت ثم ماتت قال امرؤ القيس :فهو لا تنمي رميته ماله لا عد من نفرهوقد اختلف العلماء في أكل الصيد الغائب على ثلاثة أقوال : يؤكل ، وسواء قتله السهم أو الكلب .

الثاني : لا يؤكل شيء من ذلك إذا غاب ; لقوله : كل ما أصميت ودع ما أنميت ، وإنما لم يؤكل مخافة أن يكون قد أعان على قتله غير السهم من الهوام .

الثالث : الفرق بين السهم فيؤكل وبين الكلب فلا يؤكل ، ووجهه أن السهم يقتل على جهة واحدة فلا يشكل ; والجارح على جهات متعددة فيشكل ، والثلاثة الأقوال لعلمائنا ، وقال مالك في غير الموطأ : إذا بات الصيد ثم أصابه ميتا لم ينفذ البازي أو الكلب أو السهم مقاتله لم يأكله ; قالأبو عمر : فهذا يدلك على أنه إذا بلغ مقاتله كان حلالا عنده أكله وإن بات ، إلا أنه يكرهه إذا بات ; لما جاء عن ابن عباس : " وإن غاب عنك ليلة فلا تأكل " ونحوه عن الثوري قال : إذا غاب عنك يوما كرهت أكله ، وقال الشافعي : القياس ألا يأكله إذا غاب عنه مصرعه ، وقال الأوزاعي : إن وجده من الغد ميتا ووجد فيه سهمه أو أثرا من كلبه فليأكله ; ونحوه قال أشهب وعبد الملك وأصبغ ; قالوا : جائز أكل الصيد وإن بات إذا نفذت مقاتله ، وقوله في الحديث : ما لم ينتن تعليل ; لأنه إذا أنتن لحق بالمستقذرات التي تمجها الطباع فيكره أكلها ; فلو أكلها لجاز ، كما أكل النبي صلى الله عليه وسلم الإهالة السنخة وهي المنتنة ، وقيل : هو معلل بما يخاف منه الضرر على آكله ، وعلى هذا التعليل يكون أكله محرما إن كان الخوف محققا ، والله أعلم .الرابعة عشرة : واختلف العلماء من هذا الباب في الصيد بكلب اليهودي والنصراني إذا كان معلما ، فكرهه الحسن البصري ; وأما كلب المجوسي وبازه وصقره فكره الصيد بها جابر بن عبد الله والحسن وعطاء ومجاهد والنخعي والثوري وإسحاق ، وأجاز الصيد بكلابهم مالك والشافعي وأبو حنيفة إذا كان الصائد مسلما ; قالوا : وذلك مثل شفرته ، وأما إن كان [ ص: 40 ] الصائد من أهل الكتاب فجمهور الأمة على جواز صيده غير مالك ، وفرق بين ذلك وبين ذبيحته ; وتلا : يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم ، قال : فلم يذكر الله في هذا اليهود ولا النصارى ، وقال ابن وهب وأشهب : صيد اليهودي والنصراني حلال كذبيحته ; وفي كتاب محمد لا يجوز صيد الصابئ ولا ذبحه ، وهم قوم بين اليهود والنصارى ولا دين لهم ، وأما إن كان الصائد مجوسيا فمنع من أكله مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم وجمهور الناس ، وقال أبو ثور فيها قولان : أحدهما : كقول هؤلاء ، والآخر : أن المجوس من أهل الكتاب وأن صيدهم جائز ، ولو اصطاد السكران أو ذبح لم يؤكل صيده ولا ذبيحته ; لأن الذكاة تحتاج إلى قصد ، والسكران لا قصد له .الخامسة عشرة : واختلف النحاة في " من " في قوله تعالى : مما أمسكن عليكم فقال الأخفش : هي زائدة كقوله : كلوا من ثمره ، وخطأه البصريون وقالوا : " من " لا تزاد في الإثبات وإنما تزاد في النفي والاستفهام ، وقوله : من ثمره ، ويكفر عنكم من سيئاتكم و يغفر لكم من ذنوبكم للتبعيض ; أجاب فقال : قد قال : يغفر لكم ذنوبكم بإسقاط " من " فدل على زيادتها في الإيجاب ; أجيب بأن " من " هاهنا للتبعيض ; لأنه إنما يحل من الصيد اللحم دون الفرث والدم .قلت : هذا ليس بمراد ولا معهود في الأكل فيعكر على ما قال ، ويحتمل أن يريد مما أمسكن أي : مما أبقته الجوارح لكم ; وهذا على قول من قال : لو أكل الكلب الفريسة لم يضر وبسبب هذا الاحتمال اختلف العلماء في جواز أكل الصيد إذا أكل الجارح منه على ما تقدم .السادسة عشرة : ودلت الآية على جواز اتخاذ الكلاب واقتنائها للصيد ، وثبت ذلك في صحيح السنة وزادت الحرث والماشية ; وقد كان أول الإسلام أمر بقتل الكلاب حتى كان يقتل كلب المرية من البادية يتبعها ; روى مسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من اقتنى كلبا إلا كلب صيد أو ماشية نقص من أجره كل يوم قيراطان ، وروي أيضا عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من اتخذ كلبا إلا كلب ماشية أو صيد أو زرع انتقص من أجره كل يوم [ ص: 41 ] قيراط .

قال الزهري : وذكر لابن عمر قول أبي هريرة فقال : يرحم الله أبا هريرة ، كان صاحب زرع ; فقد دلت السنة على ما ذكرنا ، وجعل النقص من أجر من اقتناها على غير ذلك من المنفعة ; إما لترويع الكلب المسلمين وتشويشه عليهم بنباحه - كما قال بعض شعراء البصرة ، وقد نزل بعمار فسمع لكلابه نباحا فأنشأ يقول :نزلنا بعمار فأشلى كلابه علينا فكدنا بين بيتيه نؤكلفقلت لأصحابي أسر إليهم أذا اليوم أم يوم القيامة أطولأو لمنع دخول الملائكة البيت ، أو لنجاسته على ما يراه الشافعي ، أو لاقتحام النهي عن اتخاذ ما لا منفعة فيه ; والله أعلم ، وقال في إحدى الروايتين : ( قيراطان ) وفي الأخرى ( قيراط ) وذلك يحتمل أن يكون في نوعين من الكلاب أحدهما أشد أذى من الآخر ; كالأسود الذي أمر عليه الصلاة والسلام بقتله ، ولم يدخله في الاستثناء حين نهى عن قتلها فقال : عليكم بالأسود البهيم ذي النقطتين فإنه شيطان أخرجه مسلم ، ويحتمل أن يكون ذلك لاختلاف المواضع ، فيكون ممسكه بالمدينة مثلا أو بمكة ينقص قيراطان ، وبغيرهما قيراط ; والله أعلم ، وأما المباح اتخاذه فلا ينقص أجر متخذه كالفرس والهر ، ويجوز بيعه وشراؤه ، حتى قال سحنون : ويحج بثمنه ، وكلب الماشية المباح اتخاذه عند مالك هو الذي يسرح معها لا الذي يحفظها في الدار من السراق ، وكلب الزرع هو الذي يحفظه من الوحوش بالليل والنهار لا من السراق ، وقد أجاز غير مالك اتخاذها لسراق الماشية والزرع والدار في البادية .السابعة عشرة : وفي هذه الآية دليل على أن العالم له من الفضيلة ما ليس للجاهل ; لأن الكلب إذا علم يكون له فضيلة على سائر الكلاب ، فالإنسان إذا كان له علم أولى أن يكون له فضل على سائر الناس ، لا سيما إذا عمل بما علم ; وهذا كما روي عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أنه قال : لكل شيء قيمة وقيمة المرء ما يحسنه .الثامنة عشرة : قوله تعالى : واذكروا اسم الله عليه أمر بالتسمية ; قيل : عند الإرسال على الصيد ، وفقه الصيد والذبح في معنى التسمية واحد ، يأتي بيانه في " الأنعام " ، وقيل : المراد بالتسمية هنا التسمية عند الأكل ، وهو الأظهر ، وفي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال [ ص: 42 ] لعمر بن أبي سلمة : يا غلام سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك ، وروي من حديث حذيفة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الشيطان ليستحل الطعام إلا يذكر اسم الله عليه الحديث .

فإن نسي التسمية أول الأكل فليسم آخره ; وروى النسائي عن أمية بن مخشي - وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يأكل ولم يسم الله ، فلما كان في آخر لقمة قال : بسم الله أوله وآخره ; فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما زال الشيطان يأكل معه فلما سمى قاء ما أكله .التاسعة عشرة : قوله تعالى : واتقوا الله أمر بالتقوى على الجملة ، والإشارة القريبة هي ما تضمنته هذه الآيات من الأوامر ، وسرعة الحساب هي من حيث كونه تعالى قد أحاط بكل شيء علما وأحصى كل شيء عددا ; فلا يحتاج إلى محاولة عد ولا عقد كما يفعله الحساب ; ولهذا قال : وكفى بنا حاسبين فهو سبحانه يحاسب الخلائق دفعة واحدة .

ويحتمل أن يكون وعيدا بيوم القيامة كأنه قال : إن حساب الله لكم سريع إتيانه ; إذ يوم القيامة قريب ، ويحتمل أن يريد بالحساب المجازاة ; فكأنه توعد في الدنيا بمجازاة سريعة قريبة إن لم يتقوا الله .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: { يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ ْ} من الأطعمة؟

{ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ْ} وهي كل ما فيه نفع أو لذة, من غير ضرر بالبدن ولا بالعقل، فدخل في ذلك جميع الحبوب والثمار التي في القرى والبراري، ودخل في ذلك جميع حيوانات البحر وجميع حيوانات البر، إلا ما استثناه الشارع، كالسباع والخبائث منها.

ولهذا دلت الآية بمفهومها على تحريم الخبائث، كما صرح به في قوله تعالى: { وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ ْ} { وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ ْ} أي: أحل لكم ما علمتم من الجوارح إلى آخر الآية.

دلت هذه الآية على أمور: أحدها: لطف الله بعباده ورحمته لهم، حيث وسع عليهم طرق الحلال، وأباح لهم ما لم يُذَكُّوه مما صادته الجوارح، والمراد بالجوارح: الكلاب، والفهود، والصقر، ونحو ذلك، مما يصيد بنابه أو بمخلبه.

الثاني: أنه يشترط أن تكون مُعلمة، بما يعد في العرف تعليما، بأن يسترسل إذا أرسل، وينزجر إذا زجر، وإذا أمسك لم يأكل، ولهذا قال: { تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ ْ} أي: أمسكن من الصيد لأجلكم.

وما أكل منه الجارح فإنه لا يعلم أنه أمسكه على صاحبه، ولعله أن يكون أمسكه على نفسه.

الثالث: اشتراط أن يجرحه الكلب أو الطير ونحوهما، لقوله: { مِنَ الْجَوَارِحِ ْ} مع ما تقدم من تحريم المنخنقة.

فلو خنقه الكلب أو غيره، أو قتله بثقله لم يُبح هذا بناء على أنَّ الجوارح اللاتي يجرحن الصيد بأنيابها أو مخالبها، والمشهور أن الجوارح بمعنى الكواسب أي: المحصلات للصيد والمدركات لها فلا يكون فيها على هذا دلالة - والله أعلم- الرابع: جواز اقتناء كلب الصيد، كما ورد في الحديث الصحيح، مع أن اقتناء الكلب محرم، لأن من لازم إباحة صيده وتعليمه جواز اقتنائه.

الخامس: طهارة ما أصابه فم الكلب من الصيد، لأن الله أباحه ولم يذكر له غسلا، فدل على طهارته.

السادس: فيه فضيلة العلم، وأن الجارح المعلم -بسبب العلم- يباح صيده، والجاهل بالتعليم لا يباح صيده.

السابع: أن الاشتغال بتعليم الكلب أو الطير أو نحوهما، ليس مذموما، وليس من العبث والباطل.

بل هو أمر مقصود، لأنه وسيلة لحل صيده والانتفاع به.

الثامن: فيه حجة لمن أباح بيع كلب الصيد، قال: لأنه قد لا يحصل له إلا بذلك.

التاسع: فيه اشتراط التسمية عند إرسال الجارح، وأنه إن لم يسم الله متعمدا، لم يبح ما قتل الجارح.

العاشر: أنه يجوز أكل ما صاده الجارح، سواء قتله الجارح أم لا.

وأنه إن أدركه صاحبه، وفيه حياة مستقرة فإنه لا يباح إلا بها.

ثم حث تعالى على تقواه، وحذر من إتيان الحساب في يوم القيامة، وأن ذلك أمر قد دنا واقترب، فقال: { وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ْ}

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( يسألونك ماذا أحل لهم ) الآية ، قال سعيد بن جبير : نزلت هذه الآية في عدي بن حاتم وزيد بن المهلهل الطائيين وهو زيد الخيل الذي سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد الخير ، قالا يا رسول الله إنا قوم نصيد بالكلاب والبزاة فماذا يحل لنا منها؟

فنزلت هذه الآية .

وقيل : سبب نزولها أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر بقتل الكلاب قالوا : يا رسول الله ماذا يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها؟

فنزلت هذه الآية فلما نزلت أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في اقتناء الكلاب التي ينتفع بها ، ونهى عن إمساك ما لا نفع فيه منها .

أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أنا أبو الحسين علي بن محمد بن عبد الله بن بشران أنا إسماعيل بن محمد الصفار أنا أحمد بن منصور الرمادي أنا عبد الرزاق أنا معمر عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من اتخذ كلبا إلا كلب ماشية أو صيد أو زرع انتقص من أجره كل يوم قيراط " والأول أصح في سبب نزول هذه الآية .

( قل أحل لكم الطيبات ) يعني : الذبائح على اسم الله تعالى ، وقيل : كل ما تستطيبه العرب وتستلذه من غير أن يرد بتحريمه نص من كتاب أو سنة ( وما علمتم من الجوارح ) يعني : وأحل لكم صيد ما علمتم من الجوارح .

واختلفوا في هذه الجوارح ، فقال الضحاك والسدي : هي الكلاب دون غيرها ، ولا يحل ما صاده غير الكلب إلا أن يدرك ذكاته ، وهذا غير معمول به ، بل عامة أهل العلم على أن المراد من الجوارح والكواسب من سباع البهائم كالفهد والنمر والكلب ، ومن سباع الطير كالبازي والعقاب والصقر ونحوها مما يقبل التعليم ، فيحل صيد جميعها ، سميت جارحة : لجرحها لأربابها أقواتهم من الصيد ، أي : كسبها ، يقال : فلان جارحة أهله ، أي : كاسبهم ، ( مكلبين ) والمكلب الذي يغري الكلاب على الصيد ، ويقال للذي يعلمها أيضا : مكلب ، والكلاب : صاحب الكلاب ، ويقال للصائد بها أيضا كلاب ، ونصب مكلبين على الحال ، أي : في حال تكليبكم هذه الجوارح أي إغراؤكم إياها على الصيد ، وذكر الكلاب لأنها أكثر وأعم ، والمراد جميع جوارح الصيد ، ( تعلمونهن ) تؤدبونهن آداب أخذ الصيد ، ( مما علمكم الله ) أي : من العلم الذي علمكم الله ، وقال السدي : أي كما علمكم الله ، " من " بمعنى الكاف ، ( فكلوا مما أمسكن عليكم ) أراد أن الجارحة المعلمة إذا خرجت بإرسال صاحبها فأخذت الصيد وقتلته كان حلالا ، والتعليم هو أن يوجد فيها ثلاثة أشياء : إذا أشليت استشلت ، وإذا زجرت انزجرت ، وإذا أخذت الصيد أمسكت ولم تأكل ، وإذا وجد ذلك منه مرارا وأقله ثلاث مرات كانت معلمة ، يحل قتلها إذا خرجت بإرسال صاحبها .

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا موسى بن إسماعيل أنا ثابت بن زيد عن عاصم عن الشعبي عن عدي بن حاتم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا أرسلت كلبك المعلم وسميت فأمسك وقتل فكل ، وإن أكل فلا تأكل فإنما أمسك على نفسه ، وإذا خالط كلابا لم يذكر اسم الله عليها فأمسكن وقتلن فلا تأكل فإنك لا تدري أيها قتل ، وإذا رميت الصيد فوجدته بعد يوم أو يومين ليس به إلا أثر سهمك فكل وإن وقع في الماء فلا تأكل " واختلفوا فيما إذا أخذت الصيد وأكلت منه شيئا : فذهب أكثر أهل العلم إلى تحريمه ، وروي ذلك عن ابن عباس ، وهو قول عطاء وطاوس والشعبي ، وبه قال الثوري وابن المبارك وأصحاب الرأي وهو أصح قولي الشافعي لقوله صلى الله عليه وسلم : " وإن أكل فلا تأكل فإنما أمسك على نفسه " .

ورخص بعضهم في أكله ، روي ذلك عن ابن عمر ، وسلمان الفارسي ، وسعد بن أبي وقاص ، وبه قال مالك : لما روي عن أبي ثعلبة الخشني قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله تعالى فكل وإن أكل منه " .

وأما غير المعلم من الجوارح إذا أخذ صيدا ، أو المعلم إذا خرج بغير إرسال صاحبه فأخذ وقتل فلا يكون حلالا إلا أن يدركه صاحبه حيا فيذبحه ، فيكون حلالا .

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا عبد الله بن يزيد أنا حيوة أخبرني ربيعة بن يزيد الدمشقي عن أبي إدريس عن أبي ثعلبة الخشني قال قلت : يا نبي الله إنا بأرض قوم أهل كتاب أفنأكل في آنيتهم ، وبأرض صيد أصيد بقوسي وبكلبي الذي ليس بمعلم ، وبكلبي المعلم فما يصح لي؟

قال : " أما ما ذكرت من آنية أهل الكتاب فإن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها وإن لم تجدوا فاغسلوها وكلوا فيها وما صدت بقوسك فذكرت اسم الله عليه فكل وما صدت بكلبك المعلم فذكرت اسم الله عليه فكل وما صدت بكلبك غير المعلم فأدركت ذكاته فكل " .

قوله عز وجل : ( واذكروا اسم الله عليه واتقوا الله إن الله سريع الحساب ) ففيه بيان أن ذكر اسم الله عز وجل على الذبيحة شرط حالة ما يذبح ، وفي الصيد حالة ما يرسل الجارحة أو السهم .

أخبرنا أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد الداودي أنا أبو الحسن علي بن محمد بن إبراهيم بن الحسن بن علوية الجوهري قال : حدثنا أبو العباس محمد بن أحمد بن الأثرم المقري بالبصرة حدثنا عمر بن شيبة أنا ابن أبي عدي عن سعيد عن قتادة عن أنس قال : " ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده وسمى وكبر ، قال : رأيته واضعا قدمه على صفاحهما ويذبحهما بيده ويقول : بسم الله والله أكبر " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«يسئلونك» يا محمد «ماذا أُحل لهم» من الطعام «قل أحل لكم الطيَّبات» المستلذات «و» صيد «ما علَّمتم من الجوارح» الكواسب من الكلاب والسباع والطير «مكلِّبين» حال من كلَّبت الكلب بالتشديد أي أرسلته على الصيد «تعلمونهن» حال من ضمير مكلبين أي تؤدبونهن «مما علَّمَكُمُ الله» من آداب الصيد «فكلوا مما أمسكن عليكم» وإن قتلته بأن لم يأكلن منه بخلاف غير المعلمة فلا يحل صيدها وعلامتها أن تترسل إذا أرسلت وتنزجر إذا زجرت وتمسك الصيد ولا تأكل منه وأقل ما يعرف به ثلاث مرات فإن أكلت منه فليس مما أمسكن على صاحبها فلا يحل أكله كما في حديث الصحيحين وفيه أن صيد السهم إذا أرسل وذكر اسم الله عليه كصيد المعلم من الجوارح «واذكروا اسم الله عليه» عند إرساله «واتقوا الله إن الله سريع الحساب».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يسألك أصحابك -أيها النبي-: ماذا أُحِلَّ لهم أَكْلُه؟

قل لهم: أُحِلَّ لكم الطيبات وصيدُ ما دَرَّبتموه من ذوات المخالب والأنياب من الكلاب والفهود والصقور ونحوها مما يُعَلَّم، تعلمونهن طلب الصيد لكم، مما علمكم الله، فكلوا مما أمسكن لكم، واذكروا اسم الله عند إرسالها للصيد، وخافوا الله فيما أمركم به وفيما نهاكم عنه.

إن الله سريع الحساب.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد أن بين - سبحانه - أنواعاً من : المحرمات .

شرع في بيان ما أحله لهم من طيبات فقال - تعالى -( يَسْأَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطيبات .

.

.

)أورد المفسرين في سبب نزول هذه الآية روايات منها ما أخرجه ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير عن عدي بن حاتم وزيد بن مهلهل الطائيين أنهما سألا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا : يا رسول الله ، قد حرم الله الميتة فماذا يحل لنا منها؟

فنزلت هذه الآية .والمعنى : يسألك أصحابك يا محمد ما الذي أحل لهم من المطاعم بعد أن عرفوا ما حرم منها؟

قل لهم أحل لكم الطيبات .والطيبات : جمع طيب وهو الشيء المستلذ .

وفسره بعضهم بالحلال .أي : قل لهم أحل الله لكم الأطعمة الطيبة التي تستلذها النفوس المستقيمة وتستطيبها ولا تستقذرها ، والتي لم يرد في الشرع ما يحرمها ويمنع من تناولها .وفي قوله ( يَسْأَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ ) التفاوت من الحاضر إلى الغائب ، لأن في السياق حكاية عنهم كما يقال : أقسم فلان ليفعلن كذا ، لأن هذا الالتفات أدعى إلى تنبيه الأذهان ، وتوجيهها إلى ما يراد منها .وقد أمر الله - تعالى - نبيه صلى الله عليه وسلم أن يتولى الجواب عن سؤالهم لأنه هو المبلغ للرسالة وهو المبين لهم ما خفى عليهم من أمور دينهم ودنياهم .وقوله ( مَاذَآ ) اسم استفهام مبتدأ ، وقوله ( أُحِلَّ لَكُمُ ) خبره كقولك : أي شيء أحل لهم .وجواب سؤالهم جاء في قوله تعالى : ( قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطيبات ) .وقوله : ( وَمَا عَلَّمْتُمْ مِّنَ الجوارح مُكَلِّبِين ) معطوف على الطيبات بتقدير مضاف و ( ما ) موصولة .

والعائد محذوف .و ( الجوارح ) جمع جارحه .

وهي - كما يقال ابن جرير - الكواسب من سباع البهائم والطير .

سميت جوارح لجرحها لأربابها ، وكسبها إياهم أوقاتهم من الصيد .

يقال منه : جرح فلان لأهله خيراً .

إذا أكسبهم خيراً وفلان جارحه أهله .

يعني بذلك : كاسبهم ، ويقال : لا جارحة لفلانه إذا لم يكن لها كاسب " .ومنه قوله - تعالى - ( وَهُوَ الذي يَتَوَفَّاكُم بالليل وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بالنهار ) أي : كسبتم بالنهار .

وقيل : سميت جوارح لأنها تجرح الصيد عند إمساكه .وقوله : ( مُكَلِّبِين ) أي : مؤدبين ومعودين لها على الصيد .

فالتكليب : تعليم الكلاب وما يشبهها الصيد .

فهو اسم فاعل مشتق من اسم هذا الحيوان المعروف لأن التأديب أكثر ما يكون في الكلاب .

أو هو مشتق من الكلب بمعنى الضراوة .

يقال : كلب الكلب يكلب واستكلب أي : ضرى وتعود نهش غيره وهو حال من فاعل علمتم .والمعنى : أحل الله لكم الطيبات ، وأهل لكم صيد ما علمتموه من الجوارح حال كونكم مؤدبين ومعودين لها على الصيد .وقوله : ( تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ الله ) في محل نصب على أنه حال ثانية من فاعل ( عَلَّمْتُمْ ) أو من الضمير المستتر في ( مُكَلِّبِينَ ) .أي : تعلمون هذه الجوارح بعض ما علمكم الله إياه من فنون العلم والمعرفة بأن تدربوهن على وسائل التحاليل وعلى الطرق المتنوعة للاصطياد وعلى الانقياد لأمركم عند الإِرسال وعند الطلب ، وعلى عدم الأكل من المصيد بعد صيده .فالمقصود بهذه الجملة الكريمة بيان بعض مظاهر فضل الله على الناس ، حيث منحهم العلم الذي عن طريقه علموا غيرهم ما يريدونه منه ، وسخروا هذا الغير لمنفعتهم ومصلحتهم .ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال عند تفسيره لهذه الآية : قوله : ( وَمَا عَلَّمْتُمْ مِّنَ الجوارح ) عطف على الطيبات : أي : أحل لكم الطيبات وصيد ما علمتم من الجوارح ، فحذف المضاف أو تجعل " ما " شرطية وجوابها ( فَكُلُواْ ) والجوارح : الكواسب من سباع البهائم والطير ، كالكلب والفهد والنمر والعقاب والصقر والبازي ، والمكلب : مؤدب الجوارح ومغريها بالصيد لصاحبها ، ورائضها ذلك بما علم من الحيل وطرق التأديب .وانتصاب ( مُكَلِّبِينَ ) على الحال من ( عَلَّمْتُمْ ) .فإن قلت : ما فائدة هذه الحال وقد استغنى عنها بعملتم؟

قلت : فائدتها أن يكون من يعلم الجوارح نحريرا في علمه ، مدربا فيه ، موصوفا بالتكليب .قوله ( تُعَلِّمُونَهُنَّ ) حال ثانية أو استئناف .

وفيه فائدة جليلة وهي أن على كل آخذ علما أن لا يأخذه إلا من أبرع أهله علما وأكثرهم دراية وأغوصهم على لطائفه وحقائقه ، وإن احتاج إلى أن يضرب إليه أكباد الإِبل .

فكم من آخذ عن غير متقن ، قد ضيع أيامه ، وعض عند لقاء النحارير أنامله .وقوله ( فَكُلُواْ مِمَّآ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ ) جملة متفرعة على بيان حل صيد الجوارح المعلمة ، ومشيرة إلى نتيجة التعليم وأثره والأمر فيه للإِباحة .و ( من ) في قوله ( مِمَّآ أَمْسَكْنَ ) تبعيضة؛ إذ من الممسك ما لا يؤكل كالجلد والعظم ونحوهما .

ويحتمل أن تكون بيانية أي : فكلوا الصيد و هو ما أمسكن عليكم .و ( ما ) موصولة أو موصوفة والعائد محذوف أي : أمسكنه .وقوله ( أمسكن ) أي : حبس وصدن ، والضمير المؤنث يعود للجوارح .وقوله ( عليكم ) متعلق بأمسكن ، وهو هنا بمعنى لكم ، والاستعلاء مجازي .والتقييد بذلك ، لإِخراج ما أمسكنه لأنفسهن لا لأصحابهن .والمعنى : إذا علمتم الجوارح وتوفرت شروط الحل فيما تصيده ، فكلوا مما أمسكنه محبوسا عليكم ولأجلكم .والضمير في ( عليه ) من قوله : ( واذكروا اسم الله عَلَيْهِ ) يعود إلى ( وَمَا عَلَّمْتُمْ مِّنَ الجوارح ) أي : عند إرسالكم الجوارح للصيد فسموا عليها ، ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم : " وإذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم - الله تعالى - فكل مما أمسك عليك " .وقال بعضهم إنه يعود على المصدر المفهوم من الفعل وهو الأكل .

فكأنه قيل : واذكروا اسم الله عند الأكل مما صدن لكم .

وقيل : يعود على قوله ( مِمَّآ أَمْسَكْنَ ) أي : اذكروا اسم الله على ما أدركتم ذكاته مما أمسكن عليكم الجوارح .

ولا بأس من عود الضمير إلى كل ما ذكر ، بأن يذكر اسم الله عند إرسال الجوارح ، وعند الأكل مما صادته .وعند تذكية الحيوان الذي صادته الجوارح .ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : ( واتقوا الله إِنَّ الله سَرِيعُ الحساب ) .أي : واتقوا الله وراقبوه واخشوه في كل شئونكم واحذروا مخالفة أمره فيما شرع لكم وفيما كلفكم به فإنه - تعالى - لا يعجزه شيء ، وسيجازي كل إنسان بما يستحقه من خير أو شر .فالجملة الكريمة تذييل قصد به التحذير من مخالفة أمر الله ، وانتهك محارمه .

هذا ومن الأحكام التي أخذها العلماء من هذه الآية ما يأتي :1 - إباحة التمتع بالطيبات التي أحلها الله - تعالى - لعباده ، والتي تستطيبها النفوس الكريمة ، والعقول القويمة ، من مطعومات ومشروبات وغير ذلك مما أحله - سبحانه - لعباده .

وفي هذا المعنى وردت آيات كثيرة منها ، قوله - تعالى - : ( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله التي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرزق قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الحياة الدنيا خَالِصَةً يَوْمَ القيامة ) 2 - إباحة الصيد بالجوارح بشرط كونها معلمة ، وعلامة كونها معملة أن تسترسل إذا أرسلت ، وتنزجر إذا زجرت ، وتمسك الصيد ولا تأكل منه ، وتعود إلى صاحبها متى دعاها .ويدخل في الجوارح - عند جمهور الفقهاء - كل يحوان ينصع صنيع الكلب ، وكل طير كذلك ، لأن قوله - تعالى - ( مِّنَ الجوارح ) ، يعم كل يحوان يصنع صنيع الكلب .

وكان التعبير بمكلبين ، لأن الكلاب أكثر الحيوانات استعمالا للصيد .وقد جاء في حديث عدي بن حاتم الذي رواه الإِمام أحمد وأبو داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له : " ما علمت من كلب أو باز ثم أرسلته وذكرت اسم الله عليه فكل ما أمسك عليك " .ويرى بعض الفقهاء أن الصيد لا يكون إلا بالكلاب خاصة .قال القرطبي ما ملخصه : وقد ذكر بعض من صنف في أحكام القرآن أن الآية تدل على أن الإِباحة تتناول ما علمناه من الجوارح وهو ينتظم الكلب وسائر جوارح الطير .

وذلك يوجب إباحة سائر وجوه الانتفاع ، فدل على جواز بيع الكلب والجوارح والانتفاع بها وبسائر وجوه المنافع إلا ما خصه الدليل .

وهو الأكل من الجوارح .

أي : الكواسب من الكلاب وسباع الطير .وليس في قوله ( مُكَلِّبِينَ ) دليل على أنه إنما أبيح صيد الكلاب خاصة ، وإن كان قد تمسك به من قصر الإِباحة على الكلاب خاصة .3 - استدل بعض الفقهاء بقوله - تعالى - ( فَكُلُواْ مِمَّآ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ ) على أن الكلب وما يشبهه من الجوارح إذا أكل من الصيد الذي أمسكه ، فإنه في هذه الحالة لا يحل الأكل منه ، لأنه لم يمسك لمن أرسله وإنما أمسك لنفسه وبهذا قال الشافعية والحنابلة .ويرى المالكية أن الجارح ما دام قد عاد بالصيد ولو مأكولا منه ، فإنه يجوز الأكل منه ، لأنه بعودته بما صاده قد أمسكه على صاحبه .أما الأحناف فقالوا : إن عاد بأكثره جاز الأكل منه ، لأنه في هذه الحالة يكون قد أمسك لصاحبه ، وإن عاد بأقله لا يجوز الأكل منه ، لأنه يكون قد أمسك لنفسه .

وهذه المسألة بأدلتها الموسعة مبسوطة في كتب الفقه وفي بعض كتب التفسير .4 - استدل بعض العلماء بقوله - تعالى - ( واذكروا اسم الله عَلَيْهِ ) على وجوب التسمية عند إرسال الجوارح للصيد ، ولقوله - تعالى - في آية أخرى : ( وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسم الله عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ) ويرى بعضهم أن الأمر للندب ، ويرى فريق ثالث أن التسمية إن تركت عمدا لا يحل الأكل من الصيد .قال القرطبي : وقد ذهب الجمهور من العلماء إلى أن التسمية لا بد منها بالقول عند الإِرسال لقوله صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم : " إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل ما أمسك عليك " فلو لم توجد التسمية على أي وجه كان لم يؤكل الصيد .

وهو مذهب أهل الظاهر وجماعة أهل الحديث .وذهب جماعة من أصحابنا وغيرهم إلى أنه يجوز أكل ما صاده المسلم وذبحه وإن ترك التسمية عمدا ، وحملوا الأمر بالتسمية على الندب .وذهب مالك في المشهور إلى الفرق بين ترك التسمية عمدا أو سهوا فقال لا تؤكل مع العمد ، وتؤكل مع السهو ، وهو قول فقهاء الأمصار ، وأحد قولي الشافعي .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

قوله تعالى: ﴿ يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطيبات ﴾ وهذا أيضاً متصل بما تقدم من ذكر المطاعم والمآكل، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب الكشاف في السؤال معنى القول، فلذلك وقع بعده ﴿ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ ﴾ كأنه قيل: يقولون لك ماذا أحل لهم، وإنما لم يقل ماذا أحل لنا حكاية لما قالوه.

واعلم أن هذا ضعيف لأنه لو كان هذا حكاية لكلامهم لكانوا قد قالوا ماذا أحل لهم، ومعلوم أن هذا باطل لأنهم لا يقولون ذلك، بل إنما يقولون ماذا أحل لنا، بل الصحيح أن هذا ليس حكاية لكلامهم بعبارتهم، بل هو بيان لكيفية الواقعة.

المسألة الثانية: قال الواحدي: ﴿ مَاذَا ﴾ إن جعلته اسماً واحداً فهو رفع بالابتداء، وخبره ﴿ أَحَلَّ ﴾ وإن شئت جعلت ﴿ مَا ﴾ وحدها اسماً، ويكون خبرها ﴿ ذَا ﴾ و ﴿ أَحَلَّ ﴾ من صلة ﴿ ذَا ﴾ لأنه بمعنى: ما الذي أحل لهم.

المسألة الثالثة: أن العرب في الجاهلية كانوا يحرمون أشياء من الطيبات كالبحيرة والسائبة والوصيلة والحام.

فهم كانوا يحكمون بكونها طيبة إلا أنهم كانوا يحرمون أكلها لشبهات ضعيفة، فذكر تعالى أن كل ما يستطاب فهو حلال، وأكد هذه الآية بقوله: ﴿ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله التى أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ والطيبات مِنَ الرزق  ﴾ وبقوله: ﴿ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطيبات وَيُحَرّمُ عَلَيْهِمُ الخبئث  ﴾ .

واعلم أن الطيب في اللغة هو المستلذ، والحلال المأذون فيه يسمى أيضاً طيباً تشبيهاً بما هو مستلذ، لأنهما اجتمعا في انتفاء المضرة، فلا يمكن أن يكون المراد بالطيبات هاهنا المحللات، وإلا لصار تقدير الآية: قل أحل لكم المحلللات، ومعلوم أن هذا ركيك، فوجب حمل الطيبات على المستلذ المشتهى، فصار التقدير: أحل لكم كل ما يستلذ ويشتهى.

ثم اعلم أن العبرة في الاستلذاذ والاستطابة بأهل المروءة والأخلاق الجميلة، فإن أهل البادية يستطيبون أكل جميع الحيوانات، ويتأكد دلالة هذه الآيات بقوله تعالى: ﴿ خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الارض جَمِيعاً  ﴾ فهذا يقتضي التمكن من الانتفاع بكل ما في الأرض، إلا أنه أدخل التخصيص في ذلك العموم فقال: ﴿ وَيُحَرّمُ عَلَيْهِمُ الخبئث  ﴾ ونص في هذه الآيات الكثيرة على إباحة المستلذات والطيبات فصار هذا أصلاً كبيراً، وقانون مرجوعاً إليه في معرفة ما يحل ويحرم من الأطعمة، منها أن لحم الخيل مباح عند الشافعي رحمه الله.

وقال أبو حنيفة رحمه الله ليس بمباح.

حجة الشافعي رحمه الله أنه مستلذ مستطاب، والعلم به ضروري، وإذا كان كذلك وجب أن يكون حلالاً لقوله: ﴿ أُحِلَّ لَكُمُ الطيبات ﴾ ومنها أن متروك التسمية عند الشافعي رحمه الله مباح، وعند أبي حنيفة حرام، حجة الشافعي رحمه الله أنه مستطاب مستلذ، فوجب أن يحل لقوله: ﴿ أُحِلَّ لَكُمُ الطيبات ﴾ ويدل أيضاً على صحة قول الشافعي رحمه الله في هاتين المسألتين قوله تعالى: ﴿ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ ﴾ استثنى المذكاة بما بيّن اللبة والصدر، وقد حصل ذلك في الخيل، فوجب أن تكون مذكاة، فوجب أن تحل لعموم قوله: ﴿ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ  ﴾ وأما في متروك التسمية فالذكاة أيضاً حاصلة لأنا أجمعنا على أنه لو ترك التسمية ناسياً فهي مذكاة، وذلك يدل على أن ذكر الله تعالى باللسان ليس حزءاً من ماهية الذكاة، وإذا كان كذلك كان الإتيان بالذكاة بدون الإتيان بالتسمية ممكناً، فنحن مثلكم فيما إذا وجد ذلك، وإذا حصلت الذكاة دخل تحت قوله: ﴿ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ ﴾ ومنها أن لحم الحمر الأهلية مباح عند مالك وعند بشر المريسي وقد احتجا بهايتن الآيتين، إلا أنا نعتمد في تحريم ذلك على ما روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه حرم لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر.

ثم قال تعالى: ﴿ وَمَا عَلَّمْتُمْ مّنَ الجوارح مُكَلّبِينَ تُعَلّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ الله ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: في هذه الآية قولان: الأول: أن فيها إضماراً، والتقدير أحل لكم الطيبات وصيد ما علمتم من الجوارح مكلبين، فحذف الصيد وهو مراد في الكلام لدلالة الباقي عليه، وهو قوله: ﴿ فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ ﴾ .

الثاني: أن يقال إن قوله: ﴿ وَمَا عَلَّمْتُمْ مّنَ الجوارح مُكَلّبِينَ ﴾ ابتداء كلام، وخبره هو قوله: ﴿ فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ ﴾ وعلى هذا التقدير يصح الكلام من غير حذف وإضمار.

المسألة الثانية: في الجوارح قولان: أحدهما: أنها الكواسب من الطير والسباع، واحدها جارحة، سميت جوارح لأنها كواسب من جرح واجترح إذا اكتسب، قال تعالى: ﴿ الذين اجترحوا السيئات  ﴾ أي اكتسبوا، وقال: ﴿ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بالنهار  ﴾ أي ما كسبتم.

والثاني: أن الجوارح هي التي تجرح، وقالوا: أن ما أخذ من الصيد فلم يسل منه دم لم يحل.

المسألة الثالثة: نقل عن ابن عمر والضحاك والسدي، أن ما صاده غير الكلاب فلم يدرك ذكاته لم يجز أكله، وتمسكوا بقوله تعالى: ﴿ مُكَلّبِينَ ﴾ قَالُواْ: لأن التخصيص يدل على كون هذا الحكم مخصوصاً به، وزعم الجمهور أن قوله: ﴿ وما علمتم من الجوارح ﴾ يدخل فيه كل ما يمكن الاصطياد به، كالفهد والسباع من الطير: مثل الشاهين والباشق والعقاب، قال الليث: سئل مجاهد عن الصقر والبازي والعقاب والفهد وما يصطاد به من السباع، فقال: هذه كلها جوارح.

وأجابوا عن التمسك بقوله تعالى: ﴿ مُكَلّبِينَ ﴾ من وجوه: الأول: أن المكلب هو مؤدب الجوارح ومعلمها أن تصطاد لصاحبها، وإنما اشتق هذا الاسم من الكلب لأن التأديب أكثر ما يكون في الكلاب، فاشتق منه هذا اللفظ لكثرته في جنسه.

الثاني: أن كل سبع فإنه يسمى كلباً، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: «اللّهم سلط عليه كلباً من كلابك فأكله الأسد».

الثالث: أنه مأخوذ من الكلب الذي هو بمعنى الضراوة، يقال فلان: كلب بكذا إذا كان حريصاً عليه.

والرابع: هب أن المذكور في هذه الآية إباحة الصيد بالكلب، لكن تخصيصه بالذكر لا ينفي حل غيره، بدليل أن الاصطياد بالرمي ووضع الشبكة جائز، وهو غير مذكور في الآية والله أعلم.

المسألة الرابعة: دلت الآية على أن الاصطياد بالجوارح إنما يحل إذا كانت الجوارح معلمة، لأنه تعالى قال: ﴿ وَمَا عَلَّمْتُمْ مّنَ الجوارح مُكَلّبِينَ تُعَلّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ الله ﴾ وقال صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم: «إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل» قال الشافعي رحمه الله: والكلب لا يصير معلماً إلاّ عند أمور، وهي إذا أرسل استرسل، وإذا أخذ حبس ولا يأكل، وإذا دعاه أجابه، وإذا أراده لم يفر منه، فإذا فعل ذلك مرات فهو معلم، ولم يذكر رحمه الله فيه حداً معيناً، بل قال: أنه متى غلب على الظن أنه تعلم حكم به قال لأن الاسم إذا لم يكن معلوماً من النص أو الاجماع وجب الرجوع فيه إلى العرف، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله في أظهر الروايات.

وقال الحسن البصري رحمه الله: يصير معلماً بمرة واحدة، وعن أبي حنيفة رحمه الله في رواية أخرى أنه يصير معلماً بتكرير ذلك مرتين، وهو قول أحمد رحمه الله، وعن أبي يوسف ومحمد رحمهما الله: أنه يصير معلماً بثلاث مرات.

المسألة الخامسة: الكلاب والمكلب هو الذي يعلم الكلاب الصيد، فمكلب صاحب التكليب كمعلم صاحب التعليم، ومؤدب صاحب التأديب.

قال صاحب الكشاف وقرئ مكلبين بالتخفيف، وأفعل وفعل يشتركان كثيراً.

المسألة السادسة: انتصاب مكلبين على الحال من ﴿ عَلِمْتُمُ ﴾ .

فإن قيل: ما فائدة هذه الحال وقد استغنى عنها بعلمتم؟

قلنا: فائدتها أن يكون من يعلم الجوارح نحريراً في علمه مدرباً فيه موصوفاً بالتكليب ﴿ وتعلمونهن ﴾ حال ثانية أو استئناف، والمقصود منه المبالغة في اشتراط التعليم.

ثم قال تعالى: ﴿ الله فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: اعلم أنه إذا كان الكلب معلماً ثم صاد صيداً وجرحه وقتله وأدركه الصائد ميتاً فهو حلال، وجرح الجارحة كالذبح، وكذا الحكم في سائر الجوارح المعلمة.

وكذا في السهم والرمح، أما إذا صاده الكلب فجثم عليه وقتله بالفم من غير جرح فقال بعضهم: لا يجوز أكله لأنه ميتة.

وقال آخرون: يحل لدخوله تحت قوله: ﴿ فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ ﴾ وهذا كله إذا لم يأكل، فإن أكل منه فقد اختلف فيه العلماء، فعند ابن عباس وطاوس والشعبي وعطاء والسدي أنه لا يحل، وهو أظهر أقوال الشافعي، قالوا: لأنه أمسك الصيد على نفسه، والآية دلت على أنه إنما يحل إذا أمسكه على صاحبه، ويدل عليه أيضاً ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعدي ابن حاتم: <div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

في السؤال معنى القول، فلذلك وقع بعده ﴿ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ ﴾ كأنه قيل: يقولون لك ماذا أحلّ لهم.

وإنما لم يقل: ماذا أحلّ لنا، حكاية لما قالوه لأنّ يسألونك بلفظ الغيبة، كما تقول أقسم زيد ليفعلنّ.

ولو قيل: لأفعلنّ وأُحلّ لنا، لكان صواباً.

و(ماذا) مبتدأ، و(أحلّ لهم) خبره كقولك: أي شيء أحلّ لهم؟

ومعناه: ماذا أحلّ لهم من المطاعم كأنهم حين تلا عليهم ما حرّم عليهم من خبيثات المآكل سألوا عما أحلّ لهم منها، فقيل: ﴿ أُحِلَّ لَكُمُ الطيبات ﴾ أي ما ليس بخبيث منها، وهو كل ما لم يأت تحريمه في كتاب أو سنة أو قياس مجتهد.

﴿ وَمَا عَلَّمْتُمْ مّنَ الجوارح ﴾ عطف على الطيبات أي أحلّ لكم الطيبات وصيد ما علمتم فحذف المضاف.

أو تجعل (ما) شرطية، وجوابها (فكلوا) والجوارح: الكواسب من سباع البهائم والطير، كالكلب والفهد والنمر والعقاب والصقر والبازي والشاهين.

والمكلب: مؤدّب الجوارح ومضريها بالصيد لصاحبها، ورائضها لذلك بما علم من الحيل وطرق التأديب والتثقيف، واشتقاقه من الكلب، لأنّ التأديب أكثر ما يكون في الكلاب فاشتقّ من لفظه لكثرته من جنسه.

أو لأن السبع يسمى كلباً.

ومنه قوله عليه السلام: «اللَّهم سلط عليه كلباً من كلابك» فأكله الأسد.

أو من الكلب الذي هو بمعنى الضراوة.

يقال: هو كلب بكذا، إذا كان ضارياً به.

وانتصاب ﴿ مُكَلّبِينَ ﴾ على الحال من علمتم.

فإن قلت: ما فائدة هذه الحال وقد استغنى عنها بعلمتم؟

قلت: فائدتها أن يكون من يعلم الجوارح نحريراً في علمه مدرّباً فيه، موصوفاً بالتكليب.

و ﴿ تُعَلّمُونَهُنَّ ﴾ حال ثانية أو استئناف.

وفيه فائدة جليلة، وهي أن على كلّ آخذ علماً أن لا يأخذهُ إلا من أقتل أهله علماً وأنحرهم دراية وأغوصهم على لطائفه وحقائقه، وإن احتاج إلى أن يضرب إليه أكباد الإبل، فكم من آخذ عن غير متقن، قد ضيع أيامه وعضّ عند لقاء النحارير أنامله ﴿ مِمَّا عَلَّمَكُمُ الله ﴾ من علم التكليب، لأنه إلهام من الله ومكتسب بالعقل.

أو مما عرَّفكم أن تعلموه من اتباع الصيد بإرسال صاحبه، وانزجاره بزجره.

وانصرافه بدعائه، وإمساك الصيد عليه وأن لا يأكل منه.

وقرئ: ﴿ مكلبين ﴾ بالتخفيف.

وأفعل وفعل يشتركان كثيراً.

والإمساك على صاحبه أن لا يأكل منه، لقوله عليه السلام لعديِّ بن حاتم: «وإن أكل منه فلا تأكل إنما أمسك على نفسه» وعن علي رضي الله عنه: إذا أكل البازي فلا تأكل.

وفرق العلماء، فاشترطوا في سباع البهائم ترك الأكل لأنها تؤدّب بالضرب، ولم يشترطوه في سباع الطير.

ومنهم من لم يعتبر ترك الأكل أصلاً ولم يفرق بين إمساك الكل والبعض.

وعن سلمان، وسعد بن أبي وقاص، وأبي هريرة رضي الله عنهم: إذا أكل الكلب ثلثيه وبقي ثلثه وذكرت اسم الله عليه فكل.

فإن قلت: إلام رجع الضمير في قوله: ﴿ واذكروا اسم الله عَلَيْهِ ﴾ ؟

قلت: إمَّا أن يرجع إلى ما أمسكن على معنى وسموا عليه إذا أدركتم ذكاته، أو إلى ما علمتم من الجوارح.

أي سموا عليه عند إرساله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يَسْألُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ ﴾ لِما تَضَمَّنَ السُّؤالُ مَعْنى القَوْلِ أُوقِعَ عَلى الجُمْلَةِ، وقَدْ سَبَقَ الكَلامُ في ماذا وإنَّما قالَ لَهم ولَمْ يَقُلْ لَنا عَلى الحِكايَةِ، لِأنَّ يَسْئَلُونَكَ بِلَفْظِ الغَيْبَةِ وكِلا الوَجْهَيْنِ سائِغٌ في أمْثالِهِ، والمَسْؤُولُ ما أُحِلَّ لَهم مِنَ المَطاعِمِ كَأنَّهم لَمّا تُلِيَ عَلَيْهِمْ ما حُرِّمَ عَلَيْهِمْ سَألُوا عَمّا أُحِلَّ لَهم.

﴿ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ ﴾ ما لَمْ تَسْتَخْبِثْهُ الطِّباعُ السَّلِيمَةُ ولَمْ تَنْفِرْ عَنْهُ ومِن مَفْهُومِهِ حَرُمَ مُسْتَخْبَثاتُ العَرَبِ، أوْ ما لَمْ يَدُلَّ نَصٌّ ولا قِياسٌ عَلى حُرْمَتِهِ.

﴿ وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ ﴾ عُطِفَ عَلى الطَّيِّباتِ إنْ جُعِلَتْ ما مَوْصُولَةً عَلى تَقْدِيرِ وصَيْدُ ما عَلَّمْتُمْ، وجُمْلَةٌ شَرْطِيَّةٌ إنْ جُعِلَتْ شَرْطًا وجَوابُها فَكُلُوا والجَوارِحُ كَواسِبُ الصَّيْدِ عَلى أهْلِها مِن سِباعٍ ذَواتِ الأرْبَعِ والطَّيْرِ ﴿ مُكَلِّبِينَ ﴾ مُعَلِّمِينَ إيّاهُ الصَّيْدَ، والمُكَلَّبُ مُؤَدَّبُ الجَوارِحِ ومُضِرٌّ بِها بِالصَّيْدِ.

مُشْتَقٌّ مِنَ الكَلْبِ، لِأنَّ التَّأْدِيبَ يَكُونُ أكْثَرَ فِيهِ وآثَرَ، أوْ لِأنَّ كُلَّ سَبُعٍ يُسَمّى كَلْبًا، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «اللَّهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْبًا مِن كِلابِكَ».» وانْتِصابُهُ عَلى الحالِ مِن عَلَّمْتُمْ وفائِدَتُها المُبالَغَةُ في التَّعْلِيمِ.

﴿ تُعَلِّمُونَهُنَّ ﴾ حالٌ ثانِيَةٌ أوِ اسْتِئْنافٌ.

﴿ مِمّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ ﴾ مِنَ الحِيَلِ وطُرُقِ التَّأْدِيبِ، فَإنَّ العِلْمَ بِها إلْهامٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى أوْ مُكْتَسَبٌ بِالعَقْلِ الَّذِي هو مِنحَةٌ مِنهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، أوْ مِمّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ أنْ تُعَلِّمُوهُ مِنِ اتِّباعِ الصَّيْدِ بِإرْسالِ صاحِبِهِ، وأنْ يَنْزَجِرَ بِزَجْرِهِ ويَنْصَرِفَ بِدُعائِهِ ويُمْسِكَ عَلَيْهِ الصَّيْدَ ولا يَأْكُلُ مِنهُ.

﴿ فَكُلُوا مِمّا أمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ ﴾ وهو ما لَمْ تَأْكُلْ مِنهُ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِعَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ: «وَإنْ أكَلَ مِنهُ فَلا تَأْكُلْ إنَّما أمْسَكَ عَلى نَفْسِهِ».» وَإلَيْهِ ذَهَبَ أكْثَرُ الفُقَهاءِ وقالَ بَعْضُهُمْ: لا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ في سِباعِ الطَّيْرِ لِأنَّ تَأْدِيبَها إلى هَذا الحَدِّ مُتَعَذِّرٌ، وقالَ آخَرُونَ لا يُشْتَرَطُ مُطْلَقًا.

واذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ الضَّمِيرُ لِما عَلَّمْتُمْ والمَعْنى: سَمُّوا عَلَيْهِ عِنْدَ إرْسالِهِ أوْ لِما أمْسَكْنَ بِمَعْنى سَمُّوا عَلَيْهِ إذا أدْرَكْتُمْ ذَكاتَهُ.

﴿ واتَّقُوا اللَّهَ ﴾ في مُحَرَّماتِهِ.

﴿ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ ﴾ فَيُؤاخِذَكم بِما جَلَّ ودَقَّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{يسألونك} في السؤال معنى القول فلذا وقع بعده {مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ} كأنه قيل يقولون لك ماذا أحل لهم وإنما لم يقل ماذا أحل لنا حكاية لما قالوا لأن يسألونك بلفظ الغيبة كقولك أقسم زيد ليفعلن ولو قيل لا فلن وأحل لنا لكان صوابا وماذا متبدا وأحل لهم خبره كقولك أي شيء أحل لهم ومعناه ماذا أحل لهم من المطاعم كأنهم حين تلى عليهم ما حرم عليهم من خبيثات المآكل سألوا عما أحل لهم منها فقال {قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطيبات} أي ماليس بخبيث منها أو هو كل مالم يأت تحريمه في كتاب الله أو سنة أو إجماع أو قياس {وَمَا عَلَّمْتُمْ} عطف على الطيبات أي أحل لكم الطيبات وصيد ما علمتم فحذف المضاف أو تجعل ماشرطية وجوابها فكلوا {مّنَ الجوارح} أي الكواسب للصيد من سباع البهائم والطير كالكلب والفهد والعقاب والصقر والبازي

والشاهين وقيل هي من الجراحة فيشترط للحل الجرح {مُكَلِّبِينَ} حال من علمتم وفائدة هذه الحال مع أنه استغنى عنها بعلمتم أن يكون من يعلم الجوارح موصوفا بالنكليب والمكلب مؤدب الجوارح ومعلمها مشتق

المائدة (٤ _ ٦)

من الكلب لأن التأديب في الكلاب أكثر فاشتق من لفظه لكثرته في جنسه أو لأن السبع يسمى كلباً ومنه الحديث اللهم سلط عليه كلباً من كلابك فأكله الأسد {تُعَلِّمُونَهُنَّ} حال أو استئناف ولا موضع له وفيه دليل على أن كل آخذ علما على ألا يأخذه إلا من أقتل أهله علماً وأنحرهم دوابه فكم من آخذ من غير متقن قد ضيع أيامه وعض عند لقاء التحارير أنامله {مِمَّا عَلَّمَكُمُ الله} من التكليب {فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} الإمساك على صاحبه أن لا يأكل منه فإن أكل منه لم يؤكل إذا كان صيد كلب ونحوه فأما صيد البازي ونحوه فأكله لا يحرمه وقد عرف في موضعه والضمير في {واذكروا اسم الله عَلَيْهِ} يرجع إلى ما أمسكن على معنى وسموا عليه إذا أدركتم ذكاته أو إلى ما علمتم من الجوارح أي سموا عليه عند إرساله {واتقوا الله} واحذروا مخالفة أمره في هذا كله {إِنَّ الله سَرِيعُ الحساب} إنه محاسبكم على أفعالكم ولا يلحقه فيه لبث

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ يَسْألُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ ﴾ شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ المُحَلَّلاتِ الَّتِي ذُكِرَ بَعْضُها عَلى وجْهِ الإجْمالِ إثْرَ بَيانِ المُحَرَّماتِ.

أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي رافِعٍ قالَ: ««جاءَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فاسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ، فَأذِنَ لَهُ، فَأبْطَأ، فَأخَذَ رِداءَهُ فَخَرَجَ إلَيْهِ وهو قائِمٌ بِالبابِ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: قَدْ أذِنّا لَكَ، قالَ: أجَلْ، ولَكِنّا لا نَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ ولا كَلْبٌ، فَنَظَرُوا فَإذا في بَعْضِ بُيُوتِهِمْ جَرْوٌ» قالَ أبُو رافِعٍ: فَأمَرَنِي - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنْ أقْتُلَ كُلَّ كَلْبٍ بِالمَدِينَةِ، فَفَعَلْتُ، وجاءَ النّاسُ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، ماذا يَحِلُّ لَنا مِن هَذِهِ الأُمَّةِ الَّتِي أمَرْتَ بِقَتْلِها؟

فَسَكَتَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ( يَسْألُونَكَ ) الآيَةَ».

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّ السّائِلَ عاصِمُ بْنُ عَدِّيٍّ، وسَعْدُ بْنُ خَيْثَمَةَ، وعُوَيْمُ بْنُ ساعِدَةَ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ، أنَّ السّائِلَ عَدِيُّ بْنُ حاتِمٍ، وزَيْدُ بْنُ المُهَلْهَلِ الطّائِيّانِ، وقَدْ ضُمِّنَ السُّؤالُ مَعْنى القَوْلِ، ولِذا حُكِيَتْ بِهِ الجُمْلَةُ كَما تُحْكى بِالقَوْلِ، ولَيْسَ مُعَلَّقًا؛ لِأنَّهُ - وإنْ يَكُنْ مِن أفْعالِ القُلُوبِ - لَكِنَّهُ سَبَبٌ لِلْعِلْمِ، وطَرِيقٌ لَهُ، فَيُعَلَّقُ كَما يُعَلَّقُ خِلافًا لِأبِي حَيّانَ، فانْدَفَعَ ما قِيلَ: إنَّ السُّؤالَ لَيْسَ مِمّا يَعْمَلُ في الجُمَلِ، ويَتَعَدّى بِحَرْفِ الجَرِّ، فَيُقالُ: سُئِلَ عَنْ كَذا، وادَّعى بَعْضُهم لِذَلِكَ أنَّهُ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ: جَوابُ ماذا، والأوَّلُ مُخْتارُ الأكْثَرِينَ، وضَمِيرُ الغَيْبَةِ دُونَ المُتَكَلِّمِ الواقِعِ في كَلامِهِمْ لِما أنَّ ( يَسْألُونَ ) بِلَفْظِ الغَيْبَةِ، كَما تَقُولُ: أقْسَمَ زَيْدٌ لَيَضْرِبَنَّ، ولَوْ قُلْتَ: لَأضْرِبَنَّ جازَ، والمَسْؤُولُ - نَظَرًا لِلْكَلامِ السّابِقِ - ما أُحِلَّ مِنَ المَطاعِمِ والمَآكِلِ، وقِيلَ: إنَّ المَسْؤُولَ ما أُحِلَّ مِنَ الصَّيْدِ والذَّبائِحَ.

﴿ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ ﴾ أيْ: ما لَمْ تَسْتَخْبِثْهُ الطِّباعُ السَّلِيمَةُ، ولَمْ تَنْفِرْ عَنْهُ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ البَلْخِيُّ، وعَنْ أبِي عَلِيٍّ الجُبّائِيِّ، وأبِي مُسْلِمٍ هي ما أذِنَ سُبْحانَهُ في أكْلِهِ مِنَ المَأْكُولاتِ والذَّبائِحِ والصَّيْدِ، وقِيلَ: ما لَمْ يَرِدْ بِتَحْرِيمِهِ نَصٌّ أوْ قِياسٌ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ الإجْماعُ، إذْ لا بُدَّ مِنِ اسْتِنادِهِ لِنَصٍّ وإنْ لَمْ تَقِفْ عَلَيْهِ، والطَّيِّبُ - عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ - بِمَعْنى الحَلالِ، وعَلى الأوَّلِ بِمَعْنى المُسْتَلَذِّ، وقَدْ جاءَ بِالمَعْنَيَيْنِ.

﴿ وما عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ ﴾ عَطْفٌ عَلى ( الطَّيِّباتُ ) بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، عَلى أنَّ ( ما ) مَوْصُولَةٌ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ: وصَيْدُ ما عَلَّمْتُمُوهُ، قِيلَ: والمُرادُ مَصْدَرُهُ؛ لِأنَّهُ الَّذِي أُحِلَّ بِعَطْفِهِ عَلى ( الطَّيِّباتُ ) مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ، وقِيلَ: الظّاهِرُ أنَّهُ لا حاجَةَ إلى جَعْلِ الصَّيْدِ بِمَعْنى المَصِيدِ؛ لِأنَّ الحِلَّ والحُرْمَةَ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِالفِعْلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ( ما ) شَرْطِيَّةً مُبْتَدَأً، والجَوابُ ( فَكُلُوا ) والخَبَرُ الجَوابُ، والشَّرْطُ عَلى المُخْتارِ، والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ( أُحِلَّ لَكم ) ولا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ.

ونُقِلَ عَنِ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّهُ قالَ بِالتَّقْدِيرِ فِيهِ، وقالَ: تَقْدِيرُهُ لا يُبْطِلُ كَوْنَ ( ما ) شَرْطِيَّةً؛ لِأنَّ المُضافَ إلى اسْمِ الشَّرْطِ في حُكْمِ المُضافِ إلَيْهِ، كَما تَقُولُ: غُلامُ مَن يَضْرِبْ أضْرِبْ، كَما تَقُولُ: مَن يَضْرِبْ أضْرِبْ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ يَصِيرُ الخَبَرُ خالِيًّا عَنْ ضَمِيرِ المُبْتَدَأِ، إلّا أنْ يُتَكَلَّفَ بِجَعْلِ ( ما أمْسَكْنَ ) مِن وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ ضَمِيرِ ( ما عَلَّمْتُمْ ) فافْهَمْ.

وجُوِّزَ كَوْنُها مُبْتَدَأً عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِها مَوْصُولَةً أيْضًا، والخَبَرُ ( كُلُوا ) والفاءُ إنَّما دَخَلَتْ تَشْبِيهًا لِلْمَوْصُولِ بِاسْمِ الشَّرْطِ؛ لَكِنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ، و( مِنَ الجَوارِحِ ) حالٌ مِنَ المَوْصُولِ، أوْ مِن ضَمِيرِهِ المَحْذُوفِ، و( الجَوارِحِ ) جَمْعُ جارِحَةٍ، والهاءُ فِيها - كَما قالَ أبُو البَقاءِ - لِلْمُبالَغَةِ، وهي صِفَةٌ غالِبَةٌ، إذْ لا يَكادُ يُذْكَرُ مَعَها المَوْصُوفُ، وفُسِّرَتْ بِالكَواسِبِ مِن سِباعِ البَهائِمِ والطَّيْرِ، وهو مِن قَوْلِهِمْ: جَرَحَ فُلانٌ أهْلَهُ خَيْرًا إذا أكْسَبَهُمْ، وفُلانٌ جارِحَةُ أهْلِهِ أيْ: كاسِبُهُمْ، وقِيلَ: سُمِّيَتْ جَوارِحَ؛ لِأنَّها تَجْرَحُ الصَّيْدَ غالِبًا.

وعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - والسُّدِّيِّ والضَّحّاكِ - وهو المَرْوِيُّ عَنْ أئِمَّةِ أهْلِ البَيْتِ بِزَعْمِ الشِّيعَةِ - أنَّها الكِلابُ فَقَطْ.

﴿ مُكَلِّبِينَ ﴾ أيْ: مُعَلِّمِينَ لَها الصَّيْدَ، والمُكَلِّبُ مُؤَدِّبُ الجَوارِحِ ومُضَرِّبُها بِالصَّيْدِ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الكَلْبِ لِهَذا الحَيَوانِ المَعْرُوفِ؛ لِأنَّ التَّأْدِيبَ كَثِيرًا ما يَقَعُ فِيهِ، أوْ لِأنَّ كُلَّ سَبُعٍ يُسَمّى كَلْبًا - عَلى ما قِيلَ - فَقَدْ أخْرَجَ الحاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ، وقالَ: صَحِيحُ الإسْنادِ مِن حَدِيثِ أبِي نَوْفَلٍ قالَ: ««كانَ لَهَبُ بْنُ أبِي لَهَبٍ يَسُبُّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: اللَّهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْبًا مِن كِلابِكَ أوْ كَلْبَكَ، فَخَرَجَ في قافِلَةٍ يُرِيدُ الشّامَ، فَنَزَلُوا مَنزِلًا فِيهِ سِباعٌ، فَقالَ: إنِّي أخافُ دَعْوَةَ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَجَعَلُوا أمْتاعَهُ حَوْلَهُ، وقَعَدُوا يَحْرُسُونَهُ، فَجاءَ أسَدٌ فانْتَزَعَهُ وذَهَبَ بِهِ»» ولا يَخْفى أنَّ في شُمُولِ ذَلِكَ لِسِباعِ الطَّيْرِ نَظَرًا، ولا دَلالَةَ في تَسْمِيَةِ الأسَدِ كَلْبًا عَلَيْهِ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُشْتَقًّا مِنَ الكَلْبِ الَّذِي هو بِمَعْنى الضَّراوَةِ، يُقالُ: هو كَلْبٌ بِكَذا إذا كانَ ضارِيًا بِهِ، وانْتِصابُهُ عَلى الحالِيَّةِ مِن فاعِلِ ( عَلَّمْتُمْ ) وفائِدَتُها المُبالِغَةُ في التَّعْلِيمِ لِما أنَّ المُكَلِّبَ لا يَقَعُ إلّا عَلى النِّحْرِيرِ في عِلْمِهِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ والحَسَنِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - أنَّهم قَرَءُوا ( مُكْلِبِينَ ) بِالتَّخْفِيفِ مِن ( أكْلَبَ ) وفَعَلَ وأفْعَلَ قَدْ يُسْتَعْمَلانِ بِمَعْنًى واحِدٍ.

﴿ تُعَلِّمُونَهُنَّ ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ ( مُكَلِّبِينَ ) أوِ اسْتِئْنافِيَّةٌ إنْ لَمْ تَكُنْ ( ما ) شَرْطِيَّةً، وإلّا فَهي مُعْتَرِضَةٌ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ حالًا ثانِيَةً مِن ضَمِيرِ ( عَلَّمْتُمْ ) ومَنَعَ ذَلِكَ أبُو البَقاءِ بِأنَّ العامِلَ الواحِدَ لا يَعْمَلُ في حالَيْنِ، وفِيهِ نَظَرٌ، ولَمْ يُسْتَحْسَنْ جَعْلُها حالًا مِنَ ( الجَوارِحِ ) لِلْفَصْلِ بَيْنَهُما.

﴿ مِمّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ ﴾ مِنَ الحِيَلِ وطُرُقِ التَّعْلِيمِ والتَّأْدِيبِ، وذَلِكَ إمّا بِالإلْهامِ مِنهُ سُبْحانَهُ، أوْ بِالعَقْلِ الَّذِي خَلَقَهُ فِيهِمْ جَلَّ وعَلا، وقِيلَ: المُرادُ مِمّا عَرَّفَكم سُبْحانَهُ أنْ تُعَلِّمُوهُ مِنِ اتِّباعِ الصَّيْدِ بِأنْ يَسْتَرْسِلَ بِإرْسالِ صاحِبِهِ، ويَنْزَجِرَ بِزَجْرِهِ، ويَنْصَرِفَ بِدُعائِهِ، ويُمْسِكَ عَلَيْهِ الصَّيْدَ، ولا يَأْكُلَ مِنهُ.

ورُجِّحَ بِدَلالَتِهِ عَلى أنَّ المُعَلِّمَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مُكَلِّبًا فَقِيهًا أيْضًا، و( مِن ) أجَلِيَّةٌ، وقِيلَ: تَبْعِيضِيَّةٌ، أيْ: بَعْضَ ما عَلَّمَكُمُ اللَّهُ ﴿ فَكُلُوا مِمّا أمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ ﴾ جُمْلَةٌ مُتَفَرِّعَةٌ عَلى بَيانِ حِلِّ صَيْدِ الجَوارِحِ المُعَلَّمَةِ، مُبَيِّنَةٌ لِلْمُضافِ المُقَدَّرِ، ومُشِيرَةٌ إلى نَتِيجَةِ التَّعْلِيمِ وأثَرِهِ، أوْ جَوابٌ لِلشَّرْطِ، أوْ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ، و( مِن ) تَبْعِيضِيَّةٌ؛ إذْ مِنَ المُمْسَكِ ما لا يُؤْكَلُ؛ كالجِلْدِ والعَظْمِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وقِيلَ: زائِدَةٌ عَلى رَأْيِ الأخْفَشِ، وخُرُوجُ ما ذُكِرَ بَدِيهِيٌّ، و( ما ) مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ: أمْسَكْنَهُ، وضَمِيرُ المُؤَنَّثِ لِلْجَوارِحِ، و( عَلَيْكم ) مُتَعَلِّقٌ بِـ( أمْسَكْنَ ) والِاسْتِعْلاءُ مَجازِيٌّ، والتَّقْيِيدُ بِذَلِكَ لِإخْراجِ ما أمْسَكْنَهُ عَلى أنْفُسِهِنَّ، وعَلامَتُهُ أنْ يَأْكُلْنَ مِنهُ فَلا يُؤْكَلُ مِنهُ، وقَدْ أشارَ إلى ذَلِكَ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - رَوى أصْحابُ السُّنَنِ، «عَنْ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ قالَ: سَألَتُ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَنْ صَيْدِ الكَلْبِ المُعَلَّمِ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: إذا أرْسَلْتَ كَلْبَكَ المُعَلَّمَ وذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ تَعالى فَكُلْ مِمّا أمْسَكَ عَلَيْكَ، فَإنْ أكَلَ مِنهُ فَلا تَأْكُلْ، فَإنَّما أمْسَكَ عَلى نَفْسِهِ»» وإلى هَذا ذَهَبَ أكْثَرُ الفُقَهاءِ، ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - والشَّعْبِيِّ وعِكْرِمَةَ.

وقالَ أبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - وأصْحابُهُ: إذا أكَلَ الكَلْبُ مِنَ الصَّيْدِ فَهو غَيْرُ مُعَلَّمٍ، لا يُؤْكَلُ صَيْدُهُ، ويُؤْكَلُ صَيْدُ البازِي ونَحْوِهِ وإنْ أكَلَ؛ لِأنَّ تَأْدِيبَ سِباعِ الطَّيْرِ إلى حَيْثُ لا تَأْكُلُ مُتَعَذِّرٌ.

ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّهُ قالَ: «إذا أكَلَ الكَلْبُ فَلا تَأْكُلْ، وإذا أكَلَ الصَّقْرُ فَكُلْ؛ لِأنَّ الكَلْبَ تَسْتَطِيعُ أنْ تَضْرِبَهُ والصَّقْرَ لا تَسْتَطِيعُ أنْ تَضْرِبَهُ، وعَلَيْهِ إمامُ الحَرَمَيْنِ مِنَ الشّافِعِيَّةِ، وقالَ مالِكٌ واللَّيْثُ: يُؤْكَلُ وإنْ أكَلَ الكَلْبُ مِنهُ.

وقَدْ رُوِيَ عَنْ سَلْمانَ، وسَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، وأبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - أنَّهُ إذا أكَلَ الكَلْبُ ثُلْثَيْهِ وبَقِيَ ثُلْثُهُ، وقَدْ ذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ فَكُلْ.

﴿ واذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ الضَّمِيرُ لِـ( ما عَلَّمْتُمْ ) كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ الخَبَرُ السّابِقُ، والمَعْنى سَمُّوا عَلَيْهِ عِنْدَ إرْسالِهِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، والسُّدِّيِّ، وقِيلَ: لِما أمْسَكْنَ أيْ: سَمُّوا عَلَيْهِ إذا أدْرَكْتُمْ ذَكائَهُ، وقِيلَ: لِلْمَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن ( كُلُوا ) أيْ: سَمُّوا اللَّهَ تَعالى عَلى الأكْلِ، وهو بَعِيدٌ، وإنِ اسْتَظْهَرَهُ أبُو حَيّانَ، والأمْرُ لِلْوُجُوبِ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - ولِلنَّدْبِ عِنْدَ الشّافِعِيِّ، وهو عَلى القَوْلِ الأخِيرِ لِلنَّدْبِ بِالِاتِّفاقِ، ﴿ واتَّقُوا اللَّهَ ﴾ في شَأْنِ مُحَرَّماتِهِ، ومِنها أكْلُ صَيْدِ الجَوارِحِ الغَيْرِ المُعَلَّمَةِ.

﴿ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ ﴾ أيْ: سَرِيعُ إتْيانِ حِسابِهِ، أوْ سَرِيعُ إتْمامِهِ إذا شَرَعَ فِيهِ، فَقَدْ جاءَ أنَّهُ سُبْحانَهُ يُحاسِبُ الخَلْقَ كُلَّهم في نِصْفِ يَوْمٍ، والمُرادُ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ أنَّهُ - جَلَّ شَأْنُهُ - يُؤاخِذُكم عَلى جَمِيعِ الأفْعالِ حَقِيرِها وجَلِيلِها، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وتَعْلِيلِ الحُكْمِ، ولَعَلَّ ذِكْرَ هَذا إثْرَ بَيانِ حُكْمِ الصَّيْدِ لِحَثِّ مُتَعاطِيهِ عَلى التَّقْوى لِما أنَّهُ مَظِنَّةُ التَّهاوُنِ والغَفْلَةِ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، فَقَدْ رَأيْنا أكْثَرَ مَن يَتَعاطى ذَلِكَ يَتْرُكُ الصَّلاةَ، ولا يُبالِي بِالنَّجاسَةِ، والمُحْتاجُونَ لِلصَّيْدِ الحافِظُونَ لِدِينِهِمْ أعَزُّ مِنَ الغُرابِ الأبْيَضِ، وهم مُثابُونَ فِيهِ.

فَقَدْ أحْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنْ صَفْوانَ بْنِ أُمَيَّةَ: ««أنَّ عُرْفُطَةَ بْنَ نَهِيكٍ التَّمِيمِيَّ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي وأهْلَ بَيْتِي مَرْزُوقُونَ مِن هَذا الصَّيْدِ، ولَنا فِيهِ قِسْمٌ وبَرَكَةٌ، وهو مَشْغَلَةٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى وعَنِ الصَّلاةِ في جَماعَةٍ، وبِنا إلَيْهِ حاجَةٌ، أفَتُحِلُّهُ أمْ تُحَرِّمُهُ؟

قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: أُحِلُّهُ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أحَلَّهُ، نِعْمَ العَمَلُ، واللَّهُ تَعالى أوْلى بِالعُذْرِ، قَدْ كانَتْ قَبْلِي رُسُلٌ كُلُّهم يَصْطادُ أوْ يَطْلُبُ الصَّيْدَ، ويَكْفِيكَ مِنَ الصَّلاةِ في جَماعَةٍ إذا غِبْتَ عَنْها في طَلَبِ الرِّزْقِ حُبُّكَ الجَماعَةَ وأهْلَها، وحُبُّكَ ذِكْرَ اللَّهِ تَعالى وأهْلَهُ، وابْتَغِ عَلى نَفْسِكَ وعِيالِكَ حَلالَها، فَإنَّ ذَلِكَ جِهادٌ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى»».

واعْلَمْ أنَّ عَوْنَ اللَّهِ تَعالى في صالِحِ التُّجّارِ، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى جَوازِ تَعْلِيمِ الحَيَوانِ وضَرْبِهِ لِلْمَصْلَحَةِ؛ لِأنَّ التَّعْلِيمَ قَدْ يَحْتاجُ لِذَلِكَ، وعَلى إباحَةِ اتِّخاذِ الكَلْبِ لِلصَّيْدِ، وقِيسَ بِهِ الحِراسَةُ، وعَلى أنَّهُ لا يَحِلُّ صَيْدُ كَلْبِ المَجُوسِ، وإلى هَذا ذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ في المُسْلِمِ يَأْخُذُ كَلْبَ المَجُوسِيِّ أوْ بازَهُ أوْ صَقْرَهُ أوْ عِقابَهُ فَيُرْسِلُهُ أنَّهُ قالَ: لا تَأْكُلْهُ وإنْ سَمَّيْتَ؛ لِأنَّهُ مِن تَعْلِيمِ المَجُوسِيِّ، وإنَّما قالَ اللَّهُ تَعالى ( تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ ).

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ نزلت الآية في شأن «عديّ بن حاتم الطائي» قال: قلت: يا رسول الله  إنا قوم نتصيَّد بهذه الكلاب والبزاة فما يحل لنا منها؟

فقال  : «مَا عَلَّمْتَ مِنْ كَلْبٍ أَوْ بَازِيٍّ ثُمَّ أَرْسَلْتَهُ وَذَكَرْتَ اسْمَ الله تَعَالَى عَلَيْهِ، فَكُلْ مَا أمْسَكَ عَلَيْكَ» .

فقلت: وإن قتله؟

قال: «إنْ قَتَلَهُ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ شَيْئاً فَكُلْ، فَإنَّمَا أَمْسَكَ عَلَيْكَ.

وَإنْ أَكَلَ مِنْهُ شَيْئاً فَلاَ تَأْكُلْ، فَإنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ» .

قال: قلت فإذا خالط كلابنا كلابٌ أخرى حين ترسلها؟

قال: «لا تَأْكُلْ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّ كَلْبَكَ هُوَ الَّذِي أَمْسَكَ عَلَيْكَ» .

ونزلت هذه الآية يَسْئَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ يعني ماذا رخص لهم من الصيد ويقال لما أنزل قوله تعالى حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ قالوا: إن الله تعالى حرم هذه الأشياء، فأي شيء لنا حلال يا رسول الله؟

قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ يعني رخص لكم الحلالات من الذبائح وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ يعني وأحلّ لكم صيد ما علمتم من الجوارح من الطير والكلاب الكواسب.

ويقال: الجوارح الجارحات.

ثم قال: مُكَلِّبِينَ بكسر اللام، وقرأ بعضهم بالنصب، فمن قرأ بالكسر يعني به أصحاب الكلاب المعلِّمين للكلاب، ومن قرأ بالنصب أراد به الكلاب يعني الكلاب المعلَّمة.

مُكَلِّبِينَ يعني معلمين.

ثم قال: تُعَلِّمُونَهُنَّ يعني تؤدبونهن في طلب الصيد مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ يقول: كما أدبكم الله تعالى.

وروي عن مجاهد أنه سئل عن الصقر والبازي والفهد، قال: هذه كلها جوارح ولا بأس بصيده إذا كان معلماً.

ثم قال: فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ يعني: حبسن عليكم وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ إذا أرسلتم الكلاب على الصيد.

وفي هذه الآية دليل أن الكلب إذا كان أكل لا يؤكل لأنه أمسك لنفسه، وفيها دليل أنه لا يجوز إلا بالتسمية لأنه قد أباح على شرط التسمية، وعلى شرط أن يمسك لصاحبه، وفيها دليل أيضاً أن الكلب إذا كان غير معلَّم لا يجوز أكلُ صيده، وفيها دليل أيضاً أن العالِم له من الفضيلة ما ليس للجاهل، لأن الكلب إذا عُلِّم يكون له فضيلة على سائر الكلاب، وأن الإنسان إذا كان له علم أولى أن يكون له فضل على سائر الناس وهذا كما روي عن علي كرم الله وجهه أنه قال: لكل شيء قيمة وقيمة المرء ما يُحْسِن.

ثم خَوّفهم فقال: وَاتَّقُوا اللَّهَ أي اخشوا الله ولا تأكلوا الميتة، ولا تأكلوا ما لم يذكر اسم الله عليه إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ يعني سريع المجازاة، وقوله تعالى: الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ يعني المذبوحات من الحلال، يعني اليوم أظهر وبيّن حله.

ثم قال: وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يعني ذبائح أهل الكتاب حِلٌّ لَكُمْ يعني حلال لكم أكله وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ يعني ذبائحكم وطعامكم رخص لهم أكله.

وقال الزجاج: تأويله أحل لكم أن تطعموهم لأن الحلال والفرائض إنما تعتمد على أهل الشريعة.

ثم قال: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ يعني أحل لكم تزوج العفائف من المؤمنات وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يعني العفائف مِنْ أَهْلِ الكتاب مِنْ قَبْلِكُمْ يعني: أعطوا الكتاب من قبل كتابكم، وهو التوراة والإنجيل، واختلفوا في نكاح الصابئة، وقد ذكرناه في سورة البقرة.

ثم قال: إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ يعني أعطيتموهن مهورهن مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ يقول: كونوا متعففين عن الزنى وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ يقول: لا تتخذوا خِدْناً فتزنوا بها سراً، وذلك أن أهل الجاهلية كانوا يعيِّرون من يزني في العلانية ولا يعيرون من يزني سراً، فحرم الله زنى السر والعلانية، فلما نزلت هذه الآية قلن نساء أهل الكتاب: لولا إن الله تعالى قد رضي بديننا لم يبح للمسلمين نكاحنا، فنزل وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ قيل: نزل قوله حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ثم رخص من حالة الاضطرار، فقال بعضهم: لا نأخذ الرخصة من الاضطرار فنزل وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ ويقال هذا ابتداء خطاب، وهو لجميع المسلمين فقال: وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ قال ابن عباس: يعني من يكفر بالتوحيد بشهادة أن لا إله إلا الله فقد حبط عمله.

وقال مجاهد: معناه ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله، يعني بطل ثواب عمله.

وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ يعني من المغبونين في العقوبة، ولهذا قال أصحابنا رحمهم الله: إن الرجل إذا صلى ثم ارتد ثم أسلم في وقت تلك الصلاة، وجب عليه إعادة تلك الصلاة، ولو كان حج حجة الإسلام فعليه أن يعيد الحج، لأنه قد بطل ما فعل قبل ارتداده.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قال ع «١» : فَفِي ذلك اليَوْم عِيدَانِ للإسلامِ، إلى يومِ القِيامةِ، وإتمامُ النعمة هو في ظُهُور الإسلام، ونُورِ العقائدِ، وكمالِ الدِّينِ، وسعةِ الأحوالِ، وغيرِ ذلكَ ممَّا اشتملت عليه هذه المِلَّةُ الحنيفيَّة إلى دخولِ الجَنَّة، والخلودِ في رَحْمَةِ اللَّه سبحانه، جَعَلَنَا اللَّهُ مِمَّنْ شَمِلَتْهُ هذه النعمة.

وقوله سبحانه: وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً: يحتملُ الرِضَا في هذا الموضعِ أنْ يكون بمعنى الإرادةِ، ويحتملُ أنْ يكونَ صفةَ فِعْلٍ عبارةً عَنْ إظهارِ اللَّهِ إياه لأنَّ الرضَا من الصفاتِ المتردِّدة بَيْنَ صفاتِ الذَّاتِ وصفاتِ الأفعال، واللَّه تعالى قد أراد لنا الإسلامَ، وَرَضِيَهُ لنا، وَثَمَّ أشياء يريدُ اللَّه وقوعها ولا يَرْضَاها.

وقوله سبحانه: فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ، يعني: مَنْ دَعَتْهُ ضرورةٌ إلى أكل الميتة، وسائر تلك المحرّمات، وسئل صلّى الله عليه وسلّم، متى تَحِلُّ الميتَةُ للنَّاسِ؟

فَقَالَ: «إذَا لَمْ يَصْطَبِحُوا، وَلَمْ يَغْتَبِقُوا «٢» ، وَلَمْ يَحْتَفِئُوا «٣» بَقْلاً «٤» » .

والمخمَصَةُ: المجاعَةُ التي تخمص فيها البُطُونُ، أي:

تَضْمُرُ.

وقوله سبحانه: غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ هو بمعنى: غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ [البقرة: ١٧٣] وقد تقدَّم تفسيره.

قال ص: متجانف: أي: مائلٌ منحرفٌ.

انتهى، وقد تقدّم في «البقرة» .

وقول تعالى: يَسْئَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ: سببُ نزولها أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم/ لمّا أمر بقتل

الكلابِ.

سأله عاصمُ بنُ عَدِيٍّ وغيره، مَاذَا يَحِلُّ لَنَا مِنْ هَذِهِ الكِلابِ» «١» .

قال ع «٢» : وظاهر الآية أنَّ سائلاً سأل عمَّا يحلُّ للنَّاسِ من المَطَاعِمِ لأنَّ قوله تعالى: قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ ليس بجوابٍ عمَّا يحِلُّ للناسِ اتخاذه من الكلاَبِ إلاَّ أنْ يكون مِنْ باب إجَابَةِ السائلِ بأكثر ممَّا سأَلَ عنه، وهو موجود كثيرا من النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، والطَّيِّبُ:

الحَلاَل.

وقوله سبحانه: وَما عَلَّمْتُمْ: أي: وصَيْدُ ما علَّمتم، قال الضَّحَّاك وغيره: وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ: هي الكلاَبُ خاصَّةٌ.

قال العِرَاقِيُّ في مُكَلِّبِينَ: أصحاب أَكْلُبٍ لها مُعَلِّمين.

انتهى، وأعلى مراتِبِ التَّعْلِيمِ، أنْ يُشْلى الحَيَوانُ فَيَنْشَلِي، ويدعى فَيُجِيب، ويُزْجَر بَعْد ظَفَرِهِ بالصَّيْد، فينزجر، وجوارِحُ: جمع جَارِحٍ، أي: كاسب، يقال: جَرَحَ فلانٌ، واجترح إذا اكتسب ومنه قوله تعالى: وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ [الأنعام: ٦٠] ، أي: ما كَسَبْتُمْ مِنْ حسنةٍ وسيئةٍ.

قال ع «٣» : وقرأ «٤» جمهورُ النَّاس: وَما عَلَّمْتُمْ- بفتح العين واللام-، وقرأ ابن عبّاس ومحمّد ابن «٥» الحنفيَّة: «عُلِّمْتُمْ» - بضم العين وكسر اللام-: أي: من أمرِ الجوارحِ، والصَّيْدِ بِها، وقرأ جمهورُ النَّاس: «مُكَلِّبِينَ» - بفتح الكاف وشَدِّ اللام-، والمُكَلِّبُ: معلّم الكلاب، ومضرّيها، ويقال لِمَنْ يعلِّم غَيْرَ كَلْبٍ: مُكَلِّب لأنه يَرُدُّ ذلك الحيوان كالكَلْبِ.

وقوله سبحانه: تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ: أيْ: تعلمونَهُنَّ الحِيلَةَ في الاصطياد، والتأتّي لتحصيل الحيوان، وهذا جزء مما علّمه الله الإنسان، ف «مِنْ» : للتبعيض.

وقوله تعالى: فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ: يحتملُ: ممَّا أمسكْنَ، فلم يأكلْنَ منه شيئاً، ويحتملُ: ممَّا أمسكْن، وإن أكلْنَ منه، وبحَسَبِ هذا الاحتمالِ اختلف العلماءُ في جواز أكْلِ الصيد، إذا أكل منه الجارحُ.

وقوله سبحانه: وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ: أمر بالتسمية عند الإرسال، وذهب مالك

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَسْألُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: «أنَّ النَّبِيَّ  لَمّا أمَرَ بِقَتْلِ الكِلابِ، قالَ النّاسُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ماذا أُحِلَّ لَنا مِن هَذِهِ الأُمَّةِ الَّتِي أمَرْتَ بِقَتْلِها؟

فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» أخْرَجَهُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الحاكِمُ في "صَحِيحِهِ" مِن حَدِيثِ أبِي رافِعٍ عَنِ النَّبِيِّ  وكانَ السَّبَبُ في أمْرِ النَّبِيِّ  بِقَتْلِها «أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ اسْتَأْذَنَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ  فَأذِنَ لَهُ، فَلَمْ يَدْخُلْ وقالَ: "إنّا لا نَدْخَلُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ ولا صُورَةٌ" فَنَظَرُوا فَإذا في بَعْضِ بُيُوتِهِمْ جَرْوٌ.» والثّانِي: «أنَّ عَدِيَّ بْنَ حاتِمٍ، وزَيْدَ الخَيْلِ الَّذِي سَمّاهُ رَسُولُ اللَّهِ: زِيدَ الخَيْرِ، قالا: يا رَسُولَ اللَّهِ إنّا قَوْمَ نَصِيدُ بِالكِلابِ والبُزاةِ، فَمِنهُ ما نُدْرِكُ ذَكاتَهُ، ومِنهُ مالا نُدْرِكُ ذَكاتَهُ، وقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ المَيْتَةَ، فَماذا يَحِلُّ لَنا مِنها؟

فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى الكَلامِ: يَسْألُونَكَ أيُّ شَيْءٍ أُحِلَّ لَهُمْ؟

قُلْ: أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ، وأُحِلَّ لَكم صَيْدُ ما عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ، والتَّأْوِيلُ أنَّهم سَألُوا عَنْهُ ولَكِنْ حَذَفَ ذِكْرَ صَيْدِ ما عَلَّمْتُمْ، لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلَيْهِ.

وَفِي الطَّيِّباتِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها المُباحُ مِنَ الذَّبائِحِ.

والثّانِي: أنَّها ما اسْتَطابَهُ العَرَبُ مِمّا لَمْ يُحَرَّمْ.

فَأمّا "الجَوارِحُ" فَهي ما صِيدِ بِهِ مِن سِباعِ البَهائِمِ والطَّيْرِ، كالكَلْبِ، والفَهْدِ، والصَّقْرِ، والبازِي، ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا يَقْبَلُ التَّعْلِيمَ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كُلُّ شَيْءٍ صادَ فَهو جارِحٌ.

وَفِي تَسْمِيَتِها بِالجَوارِحِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: لِكَسْبِ أهْلِها بِها، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أصْلُ الِاجْتِراحِ: الِاكْتِسابُ، يُقالُ: امْرَأةٌ لا جارِحَ لَها، أيْ: لا كاسِبَ.

والثّانِي: لِأنَّها تَجْرَحُ ما تَصِيدُ في الغالِبِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: وعَلامَةُ التَّعْلِيمِ أنَّكَ إذا دَعَوْتَهُ أجابَ، وإذا أسَّدْتَهُ اسْتَأْسَدَ، ومَضى في طَلَبِهِ، وإذا أمْسَكَ أمْسَكَ عَلَيْكَ لا عَلى نَفْسِهِ، وعَلامَةُ إمْساكِهِ عَلَيْكَ: أنْ لا يَأْكُلَ مِنهُ شَيْئًا، هَذا في السِّباعِ والكِلابِ، فَأمّا تَعْلِيمُ جَوارِحِ الطَّيْرِ فَبِخِلافِ السِّباعِ، لِأنَّ الطّائِرَ إنَّما يُعْلِّمُ الصَّيْدَ بِالأكْلِ، والفَهْدُ، والكَلْبُ، وما أشْبَهَهُما يُعَلِّمُونَ بِتَرْكِ الأكْلِ، فَهَذا فَرْقُ ما بَيْنَهُما.

وَفِي قَوْلِهِ: ( ﴿ مُكَلِّبِينَ) ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهم أصْحابُ الكِلابِ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وعَطاءٍ، والضَّحّاكِ، والسُّدِّيِّ، والفَرّاءِ، والزَّجّاجِ، وابْنِ قُتَيْبَةَ.

قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: رَجُلٌ مُكَلِّبٌ وكِلابِيٌّ، أيْ: صاحِبُ صَيْدٍ بِالكِلابِ.

والثّانِي: أنَّ مَعْنى "مُكَلِّبِينَ" مُصِرِّينَ عَلى الصَّيْدِ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، ومُجاهِدٍ.

والثّالِثُ: أنَّ "مُكَلِّبِينَ" بِمَعْنى: مُعَلِّمِينَ.

قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: وإنَّما قِيلَ لَهُمْ: مُكَلِّبِينَ، لِأنَّ الغالِبَ مِن صَيْدِهِمْ إنَّما يَكُونُ بِالكِلابِ.

قالَ ثَعْلَبٌ: وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَزِينٍ: مُكْلِبِينَ، بِسُكُونِ الكافِ، يُقالُ: أكَلَبَ الرَّجُلُ: إذا كَثُرَتْ كِلابُهُ، وأمْشى: إذا كَثُرَتْ ماشِيَتُهُ، والعَرَبُ تَدْعُو الصّائِدَ مُكَلِّبًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ ﴾ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: تُؤَدِّبُونَهُنَّ لِطَلَبِ الصَّيْدِ.

وقالَ الفَرّاءُ: تُؤَدِّبُونَهُنَّ أنْ لا يَأْكُلْنَ صَيْدَهُنَّ.

واخْتَلَفُوا هَلْ إمْساكُ الصّائِدِ عَنِ الأكْلِ شَرْطٌ في صِحَّةِ التَّعْلِيمِ أمْ لا؟

عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ شَرْطٌ في كُلِّ الجَوارِحِ، فَإنْ أكَلَتْ، لَمْ يُؤْكَلْ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَطاءٍ.

والثّانِي: أنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ في الكُلِّ، ويُؤْكَلُ وإنْ أكَلَتْ، رُوِيَ عَنْ سَعْدِ ابْنِ أبِي وقّاصٍ، وابْنِ عُمَرَ، وأبِي هُرَيْرَةَ، وسَلْمانَ الفارِسِيِّ.

والثّالِثُ: أنَّهُ شَرْطٌ في جَوارِحِ البَهائِمِ، ولَيْسَ بِشَرْطٍ في جَوارِحِ الطَّيْرِ، وبِهِ قالَ الشَّعْبِيُّ، والنَّخْعِيُّ، والسُّدِّيُّ.

وهو أصَحُّ لِما بَيَّنّا أنَّ جارِحَ الطَّيْرِ يُعْلَّمُ عَلى الأكْلِ، فَأُبِيحُ ما أكَلَ مِنهُ، وسِباعُ البَهائِمِ تُعَلَّمُ عَلى تَرْكِ الأكْلِ، فَأُبِيحَ ما أكَلَتْ مِنهُ.

فَعَلى هَذا إذا أكَلَ الكَلْبُ والفَهْدُ مِنَ الصَّيْدِ، لَمْ يُبَحْ أكْلُهُ.

فَأمّا ما أكَلَ مِنهُ الصَّقْرُ والبازِي، فَمُباحٌ، وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ، وأصْحابُهُ.

وقالَ مالِكٌ: يُباحُ أكْلُ ما أكَلَ مِنهُ الكَلْبُ، والفَهْدُ، والصَّقْرُ، فَإنْ قَتَلَ الكَلْبُ، ولَمْ يَأْكُلْ، أُبِيحَ.

وَقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لا يُباحُ، فَإنْ أدْرَكَ الصَّيْدَ، وفِيهِ حَياةٌ، فَماتَ قَبْلَ أنْ يُذَكِّيَهُ، فَإنْ كانَ ذَلِكَ قَبْلَ القُدْرَةِ عَلى ذَكاتِهِ أُبِيحَ، وإنْ أمْكَنَهُ فَلَمْ يُذَّكِهِ، لَمْ يُبَحْ، وبِهِ قالَ مالِكٌ، والشّافِعِيُّ.

وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لا يُباحُ في المَوْضِعَيْنِ.

فَأمّا الصَّيْدُ بِكَلْبِ المَجُوسِيِّ، فَرُوِيَ عَنْ أحْمَدَ أنَّهُ لا يُكْرَهُ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ، ورُوِيَ عَنْهُ الكَراهَةُ، وهو قَوْلُ الثَّوْرِيِّ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ ﴾ وهَذا خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ.

قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: ومَنَعَ أصْحابُنا الصَّيْدَ بِالكَلْبِ الأسْوَدِ، وإنْ كانَ مُعَلَّمًا، لِأنَّ النَّبِيَّ  أمَرَ بِقَتْلِهِ، والأمْرُ بِالقَتْلِ: يَمْنَعُ ثُبُوتَ اليَدِ، ويُبْطِلُ حُكْمَ الفِعْلِ، فَيَصِيرُ وُجُودُهُ كالعَدَمِ، فَلا يُباحُ صَيْدُهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَكُلُوا مِمّا أمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ ﴾ قالَ الأخْفَشُ: "مِن" زائِدَةٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿ فِيها مِن بَرَدٍ  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ في "هاءِ الكِنايَةِ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى الإرْسالِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ، وعِنْدَنا أنَّ التَّسْمِيَةَ شَرْطٌ في إباحَةِ الصَّيْدِ.

والثّانِي: تَرْجِعُ إلى الأكْلِ فَتَكُونُ التَّسْمِيَةُ مُسْتَحَبَّةً.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واتَّقُوا اللَّهَ ﴾ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لا تَسْتَحِلُّوا ما لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما ذُبِحَ عَلى النُصُبِ وأنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأزْلامِ ذَلِكم فِسْقٌ اليَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكم فَلا تَخْشَوْهم واخْشَوْنِ اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكم وأتْمَمْتُ عَلَيْكم نِعْمَتِي ورَضِيتُ لَكم الإسْلامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ في مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لإثْمٍ فَإنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ  ﴾ ﴿ يَسْألُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهم قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَيِّباتُ وما عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمّا عَلَّمَكُمُ اللهُ ﴾ قَوْلُهُ: ﴿ "وَما ذُبِحَ"؛  ﴾ عُطِفَ عَلى المُحَرَّماتِ المَذْكُوراتِ؛ و"اَلنُّصُبُ": جَمْعٌ؛ واحِدُهُ "نِصابٌ"؛ وقِيلَ هو اسْمٌ مُفْرَدٌ؛ وجَمْعُهُ "أنْصابٌ"؛ وهي حِجارَةٌ تُنْصَبُ؛ كانَ مِنها حَوْلَ الكَعْبَةِ ثَلاثُمِائَةٍ وسِتُّونَ؛ وكانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يُعَظِّمُونَها؛ ويَذْبَحُونَ عَلَيْها لِآلِهَتِهِمْ؛ ولَها أيْضًا؛ وتُلَطَّخُ بِالدِماءِ؛ وتُوضَعُ عَلَيْها اللُحُومُ قِطَعًا قِطَعًا؛ لِيَأْكُلَ الناسُ؛ قالَ مُجاهِدٌ ؛ وقَتادَةُ ؛ وغَيْرُهُما: اَلنُّصُبُ حِجارَةٌ؛ كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَذْبَحُونَ عَلَيْها؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: ويُهِلُّونَ عَلَيْها؛ قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: اَلنُّصُبُ لَيْسَتْ بِأصْنامٍ؛ الصَنَمُ يُصَوَّرُ؛ ويُنْقَشُ؛ وهَذِهِ حِجارَةٌ تُنْصَبُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقَدْ كانَتْ لِلْعَرَبِ في بِلادِها أنْصابٌ حِجارَةٌ يَعْبُدُونَها؛ ويَحْكُونَ فِيها أنْصابَ مَكَّةَ؛ ومِنها الحَجَرُ المُسَمّى بِـ " سَعْدٌ "؛ وغَيْرُهُ؛ قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كانَتِ العَرَبُ تَذْبَحُ بِمَكَّةَ؛ ويَنْضَحُونَ بِالدَمِ ما أقْبَلَ مِنَ البَيْتِ؛ ويَشْرَحُونَ اللَحْمَ؛ ويَضَعُونَهُ عَلى الحِجارَةِ؛ فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ قالَ المُسْلِمُونَ لِرَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: نَحْنُ أحَقُّ أنْ نُعَظِّمَ هَذا البَيْتَ بِهَذِهِ الأفْعالِ؛ فَكَأنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لَمْ يَكْرَهْ ذَلِكَ؛ فَأنْزَلَ اللهُ تَعالى: ﴿ لَنْ يَنالَ اللهَ لُحُومُها ولا دِماؤُها  ﴾ ؛ ونَزَلَتْ: ﴿ وَما ذُبِحَ عَلى النُصُبِ  ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: اَلْمَعْنى والنِيَّةُ فِيها تَعْظِيمُ النُصُبِ؛ قالَ مُجاهِدٌ: وكانَ أهْلُ مَكَّةَ يُبَدِّلُونَ ما شاؤُوا مِن تِلْكَ الحِجارَةِ إذا وجَدُوا أعْجَبَ إلَيْهِمْ مِنها؛ قالَ ابْنُ زَيْدٍ: ما ذُبِحَ عَلى النُصُبِ؛ وما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ؛ شَيْءٌ واحِدٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ما ذُبِحَ عَلى النُصُبِ جُزْءٌ مِمّا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ؛ لَكِنْ خُصَّ بِالذِكْرِ بَعْدَ جِنْسِهِ؛ لِشُهْرَةِ الأمْرِ؛ وشَرَفِ المَوْضِعِ؛ وتَعْظِيمِ النُفُوسِ لَهُ؛ وقَدْ يُقالُ لِلصَّنَمِ أيْضًا "نُصُبٌ"؛ لِأنَّهُ يُنْصَبُ؛ ورُوِيَ أنَّ الحَسَنَ بْنَ أبِي الحَسَنِ قَرَأ: "وَما ذُبِحَ عَلى النَصْبِ"؛ بِفَتْحِ النُونِ؛ وسُكُونِ الصادِ؛ وقالَ: عَلى الصَنَمِ؛ وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "عَلى النُصْبِ"؛ بِضَمِّ النُونِ؛ وسُكُونِ الصادِ؛ وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "عَلى النَصَبِ"؛ بِفَتْحِ النُونِ؛ والصادِ؛ ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ قَرَأ بِضَمِّ النُونِ؛ والصادِ؛ كَقِراءَةِ الجُمْهُورِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأزْلامِ  ﴾ ؛ حَرَّمَ بِهِ تَعالى طَلَبَ القِسْمِ؛ وهو النَصِيبُ؛ أوِ القَسْمُ؛ بِفَتْحِ القافِ؛ وهو المَصْدَرُ؛ بِالأزْلامِ؛ وهي سِهامٌ؛ واحِدُها: "زَلَمٌ"؛ بِضَمِّ الزايِ؛ وبِفَتْحِها؛ وأزْلامُ العَرَبِ ثَلاثَةُ أنْواعٍ؛ مِنها الثَلاثَةُ الَّتِي كانَ يَتَّخِذُها كُلُّ إنْسانٍ لِنَفْسِهِ؛ عَلى أحَدِها: "اِفْعَلْ"؛ والآخَرِ: "لا تَفْعَلْ"؛ والثالِثُ مُهْمَلٌ لا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ فَيَجْعَلُها في خَرِيطَةٍ مَعَهُ؛ فَإذا أرادَ فِعْلَ شَيْءٍ أدْخَلَ يَدَهُ - وهي مُتَشابِهَةٌ - فَأخْرَجَ أحَدَها؛ وائْتَمَرَ وانْتَهى بِحَسَبِ ما يَخْرُجُ لَهُ؛ وإنْ خَرَجَ القِدْحُ الَّذِي لا شَيْءَ فِيهِ أعادَ الضَرْبَ؛ وهَذِهِ هي الَّتِي ضَرَبَ بِها سُراقَةُ بْنُ مالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ؛ حِينَ اتَّبَعَ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وأبا بَكْرٍ ؛ وقْتَ الهِجْرَةِ.

والنَوْعُ الثانِي سَبْعَةُ قِداحٍ؛ كانَتْ عِنْدَ هُبَلَ؛ في جَوْفِ الكَعْبَةِ؛ فِيها أحْكامُ العَرَبِ؛ وما يَدُورُ بَيْنَ الناسِ مِنَ النَوازِلِ؛ في أحَدِها العَقْلُ في أُمُورِ الدِياتِ؛ وفي آخَرَ: "مِنكُمْ"؛ وفي آخَرَ: "مِن غَيْرِكُمْ"؛ وفي آخَرَ: "مُلْصَقٌ"؛ وفي سائِرِها: أحْكامُ المِياهِ؛ وغَيْرُ ذَلِكَ؛ وهي الَّتِي ضُرِبَ بِها عَلى بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ؛ إذْ كانَ نَذَرَ هو نَحْرُ أحَدِهِمْ إذا أكْمَلُوا عَشْرَةً؛ وهو الحَدِيثُ الطَوِيلُ الَّذِي في سِيرَةِ ابْنِ إسْحاقَ ؛ وهَذِهِ السَبْعَةُ أيْضًا مُتَّخَذَةٌ عِنْدَ كُلِّ كاهِنٍ مِن كُهّانِ العَرَبِ؛ وحُكّامِهِمْ؛ عَلى نَحْوِ ما كانَتْ في الكَعْبَةِ عِنْدَ هُبَلَ.

والنَوْعُ الثالِثُ هو قِداحُ المَيْسِرِ؛ وهي عَشْرَةٌ؛ سَبْعَةٌ مِنها فِيها خُطُوطٌ؛ لَها بِعَدَدِها حُظُوظٌ؛ وثَلاثَةٌ أغْفالٌ؛ وكانُوا يَضْرِبُونَ بِها مُقامَرَةً؛ فَفِيها لَهْوٌ لِلطّالِبِينَ؛ ولَعِبٌ؛ وكانَ عُقَلاؤُهم يَقْصِدُونَ بِها إطْعامَ المَساكِينِ؛ والمُعْدَمِ؛ في زَمَنِ الشِتاءِ؛ وكَلَبَ البَرْدُ؛ وتَعَذَّرَ التَحَرُّفُ؛ وكانَ مِنَ العَرَبِ مَن يَسْتَقْسِمُ بِها لِنَفْسِهِ طَلَبَ الكَسْبِ؛ والمُغامَرَةِ؛ وقَدْ شَرَحْتُ أمْرَها بِأوعَبَ مِن هَذا في سُورَةِ "اَلْبَقَرَةِ"؛ في تَفْسِيرِ المَيْسِرِ؛ فالِاسْتِقْسامُ بِهَذا كُلِّهِ هو طَلَبُ القِسْمِ؛ والنَصِيبِ؛ وهو مِن أكْلِ المالِ بِالباطِلِ؛ وهو حَرامٌ؛ وكُلُّ مُقامَرَةٍ بِحَمامٍ؛ أو بِنَرْدٍ؛ أو بِشِطْرَنْجٍ؛ أو بِغَيْرِ ذَلِكَ مِن هَذِهِ الألْعابِ - فَهو اسْتِقْسامٌ بِما هو في مَعْنى الأزْلامِ - حَرامٌ كُلُّهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "ذَلِكم فِسْقٌ"؛  ﴾ إشارَةٌ إلى الِاسْتِقْسامِ بِالأزْلامِ؛ والفِسْقُ: اَلْخُرُوجُ مِن مَكانٍ مُحْتَوٍ؛ جامِعٍ؛ يُقالُ: "فَسَقَتِ الرُطَبَةُ": خَرَجَتْ مِن قِشْرِها؛ و"اَلْفَأْرَةُ مِن جُحْرِها"؛ واسْتُعْمِلَتِ اللَفْظَةُ في الشَرْعِ فِيمَن يَخْرُجُ مِنَ احْتِواءِ الأمْرِ الشَرْعِيِّ؛ وإحاطَتِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اليَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ  ﴾ ؛ مَعْناهُ عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: مِن أنْ تَرْجِعُوا إلى دِينِهِمْ؛ وقالَهُ السُدِّيُّ ؛ وعَطاءٌ ؛ وظاهِرُ أمْرِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وأصْحابِهِ؛ وظُهُورُ دِينِهِ؛ يَقْتَضِي أنَّ يَأْسَ الكُفّارِ عَنِ الرُجُوعِ إلى دِينِهِمْ قَدْ كانَ وقَعَ مُنْذُ زَمانٍ؛ وإنَّما هَذا اليَأْسُ عِنْدِي مِنَ اضْمِحْلالِ أمْرِ الإسْلامِ؛ وفَسادِ جَمْعِهِ؛ لِأنَّ هَذا أمْرٌ كانَ يَتَرَجّاهُ مَن بَقِيَ مِنَ الكُفّارِ؛ ألا تَرى إلى قَوْلِ أخِي صَفْوانَ بْنِ أُمَيَّةَ في يَوْمِ هَوازِنَ؛ حِينَ انْكَشَفَ المُسْلِمُونَ؛ وظَنَّها هَزِيمَةً: "ألا بَطَلَ السِحْرُ اليَوْمَ"؟

إلى غَيْرِ هَذا مِنَ الأمْثِلَةِ؛ وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في إثْرِ حِجَّةِ الوَداعِ؛ وقِيلَ: في يَوْمِ عَرَفَةَ؛ ولَمْ يَكُنِ المُشْرِكُونَ حِينَئِذٍ إلّا في حَيِّزِ القِلَّةِ؛ ولَمْ يَحْضُرْ مِنهُمُ المَوْسِمَ بَشَرٌ؛ وفي ذَلِكَ اليَوْمِ انْمَحى أمْرُ الشِرْكِ مِن مَشاعِرِ الحَجِّ؛ ويَحْتَمِلُ قَوْلُهُ تَعالى: "اَلْيَوْمَ"؛ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى اليَوْمِ بِعَيْنِهِ؛ لا سِيَّما في قَوْلِ الجُمْهُورِ - عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ وغَيْرِهِ -: إنَّها نَزَلَتْ في عَشِيَّةِ عَرَفَةَ؛ يَوْمَ الجُمُعَةِ؛ ورَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في المَوْقِفِ؛ عَلى ناقَتِهِ؛ ولَيْسَ في المَوْسِمِ مُشْرِكٌ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى الزَمَنِ والوَقْتِ؛ أيْ: في هَذا الأوانِ يَئِسَ الكُفّارُ مِن دِينِكم.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا  ﴾ ؛ يَعُمُّ مُشْرِكِي العَرَبِ؛ وغَيْرَهم مِنَ الرُومِ؛ والفُرْسِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ وهَذا يُقَوِّي أنَّ اليَأْسَ مِنَ انْحِلالِ أمْرِ الإسْلامِ؛ وذَهابِ شَوْكَتِهِ؛ ويُقَوِّي أنَّ الإشارَةَ بِاليَوْمِ إنَّما هي إلى الأوانِ الَّذِي فاتِحَتُهُ يَوْمَ عَرَفَةَ؛ ولا مُشْرِكَ بِالمَوْسِمِ؛ ويُعَضِّدُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تَخْشَوْهم واخْشَوْنِ  ﴾ ؛ فَإنَّما نَهى المُؤْمِنِينَ عن خَشْيَةِ جَمِيعِ أنْواعِ الكُفّارِ؛ وأمَرَ بِخَشْيَتِهِ تَعالى الَّتِي هي رَأْسُ كُلِّ عِبادَةٍ - كَما قالَ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ ومِفْتاحُ كُلِّ خَيْرٍ؛ ورُوِيَ عن أبِي عَمْرٍو أنَّهُ قَرَأ "يَيِسَ" بِغَيْرِ هَمْزَةٍ؛ وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ  ﴾ ؛ تَحْتَمِلُ الإشارَةُ بِاليَوْمِ ما قَدْ ذَكَرْناهُ؛ وهَذا الإكْمالُ عِنْدَ الجُمْهُورِ هو الإظْهارُ؛ واسْتِيعابُ عُظْمِ الفَرائِضِ؛ والتَحْلِيلِ والتَحْرِيمِ؛ قالُوا: وقَدْ نَزَلَ بَعْدَ ذَلِكَ قُرْآنٌ كَثِيرٌ؛ ونَزَلَتْ آيَةُ الرِبا؛ ونَزَلَتْ آيَةُ الكَلالَةِ؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ؛ وإنَّما كَمُلَ عُظْمُ الدِينِ؛ وأمْرُ الحَجِّ أنْ حَجُّوا ولَيْسَ مَعَهم مُشْرِكٌ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ والسُدِّيُّ: هو إكْمالٌ تامٌّ؛ ولَمْ يَنْزِلْ عَلى النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بَعْدَ ذَلِكَ اليَوْمِ تَحْلِيلٌ ولا تَحْرِيمٌ؛ ولا فَرْضٌ؛ وحَكى الطَبَرِيُّ عن بَعْضِ مَن قالَ هَذا القَوْلَ أنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لَمْ يَعِشْ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ إلّا إحْدى وثَمانِينَ لَيْلَةً.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والظاهِرُ أنَّهُ عاشَ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - أكْثَرَ بِأيّامٍ يَسِيرَةٍ؛ ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ «لَمّا نَزَلَتْ في يَوْمِ الحَجِّ الأكْبَرِ؛ وقَرَأها رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بَكى عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "ما يُبْكِيكَ؟"؛ فَقالَ: أبْكانِي أنّا كُنّا في زِيادَةٍ مِن دِينِنا؛ فَأما إذْ كَمُلَ فَإنَّهُ لَمْ يَكْمُلْ شَيْءٌ إلّا نَقُصَ؛ فَقالَ لَهُ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "صَدَقْتَ".» وَرُوِيَ «أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -قالَ لَهُ يَهُودِيٌّ: آيَةٌ في كِتابِكم تَقْرَؤُونَها؛ لَوْ عَلَيْنا مَعْشَرَ اليَهُودِ نَزَلَتْ لاتَّخَذْنا ذَلِكَ اليَوْمَ عِيدًا؛ فَقالَ لَهُ عُمَرُ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: "أيَّةُ آيَةٍ هِيَ؟"؛ فَقالَ لَهُ: ﴿ اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ  ﴾ ؛ فَقالَ لَهُ عُمَرُ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: "قَدْ عَلِمْنا ذَلِكَ اليَوْمَ؛ نَزَلَتْ عَلى رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وهو واقِفٌ بِعَرَفَةَ يَوْمَ الجُمُعَةِ".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَفي ذَلِكَ اليَوْمِ عِيدانِ لِأهْلِ الإسْلامِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.

وقالَ داوُدُ بْنُ أبِي هِنْدٍ لِلشَّعْبِيِّ: إنَّ اليَهُودَ تَقُولُ: كَيْفَ لَمْ تَحْفَظِ العَرَبُ هَذا اليَوْمَ الَّذِي كَمَّلَ اللهُ لَها دِينَها فِيهِ؟

فَقالَ الشَعْبِيُّ: أوَما حَفِظْتَهُ؟

قالَ داوُدُ: فَقُلْتُ: أيُّ يَوْمٍ هُوَ؟

قالَ: يَوْمُ عَرَفَةَ.

«وَقالَ عِيسى بْنُ جارِيَةَ الأنْصارِيُّ: كُنّا جُلُوسًا في الدِيوانِ؛ فَقالَ لَنا نَصْرانِيٌّ مِثْلَ ما قالَ اليَهُودِيُّ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ فَما أجابَهُ مِنّا أحَدٌ؛ فَلَقِيتُ مُحَمَّدَ بْنَ كَعْبٍ القُرَظِيَّ فَأخْبَرْتُهُ؛ فَقالَ: هَلّا أجَبْتُمُوهُ؟

قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: "أُنْزِلَتْ عَلى النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وهو واقِفٌ عَلى الجَبَلِ يَوْمَ عَرَفَةَ".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وذَكَرَ عِكْرِمَةُ عن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - أنَّهُ قالَ: "نَزَلَتْ سُورَةُ "اَلْمائِدَةِ" بِالمَدِينَةِ؛ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ"؛ وقالَ الرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ: نَزَلَتْ سُورَةُ المائِدَةِ في مَسِيرِ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - إلى حِجَّةِ الوَداعِ؛ وهَذا كُلُّهُ يَقْتَضِي أنَّ السُورَةَ مَدَنِيَّةٌ بَعْدَ الهِجْرَةِ؛ وإتْمامُ النِعْمَةِ هو في ظُهُورِ الإسْلامِ؛ ونُورِ العَقائِدِ؛ وإكْمالِ الدِينِ؛ وسَعَةِ الأحْوالِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا انْتَظَمَتْهُ هَذِهِ المِلَّةُ الحَنِيفِيَّةُ؛ إلى دُخُولِ الجَنَّةِ؛ والخُلُودِ في رَحْمَةِ اللهِ؛ هَذِهِ كُلُّها نِعَمُ اللهِ المُتَمَّمَةُ قِبَلَنا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا  ﴾ ؛ يَحْتَمِلُ الرِضا في هَذا المَوْضِعِ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الإرادَةِ؛ ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ صِفَةَ فِعْلٍ؛ عِبارَةً عن إظْهارِ اللهِ إيّاهُ؛ لِأنَّ الرِضا مِنَ الصِفاتِ المُتَرَدِّدَةِ بَيْنَ صِفاتِ الذاتِ؛ وصِفاتِ الأفْعالِ؛ واللهُ تَعالى قَدْ أرادَ لَنا الإسْلامَ؛ ورَضِيَهُ لَنا؛ وثَمَّ أشْياءُ يُرِيدُ اللهُ تَعالى وُقُوعَها؛ ولا يَرْضاها؛ والإسْلامُ في هَذِهِ الآيَةِ هو الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ الدِينَ عِنْدَ اللهِ الإسْلامُ  ﴾ ؛ وهو الَّذِي تَفَسَّرَ في سُؤالِ جِبْرِيلَ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وهو الإيمانُ؛ والأعْمالُ؛ والشُعَبُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَنِ اضْطُرَّ في مَخْمَصَةٍ  ﴾ ؛ يَعْنِي: "مَن دَعَتْهُ ضَرُورَةٌ إلى أكْلِ المَيْتَةِ؛ وسائِرِ تِلْكَ المُحَرَّماتِ"؛ «وَسُئِلَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: مَتى تَحِلُّ المَيْتَةُ؟

فَقالَ: "إذا لَمْ تَصْطَبِحُوا؛ ولَمْ تَغْتَبِقُوا؛ ولَمْ تَحْتَفِئُوا بِها بَقْلًا".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: "فَهَذا مِثالٌ في حالِ عَدَمِ المَأْكُولِ؛ حَتّى يُؤَدِّيَ ذَلِكَ إلى ذَهابِ القُوَّةِ؛ والحَياةِ".

وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "فَمَنِ اطُّرَّ"؛ بِإدْغامِ الضادِ في الطاءِ؛ ولَيْسَ بِالقِياسِ؛ ولَكِنَّ العَرَبَ اسْتَعْمَلَتْهُ في ألْفاظٍ قَلِيلَةٍ اسْتِعْمالًا كَثِيرًا؛ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في أحْكامِ الِاضْطِرارِ في نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ "اَلْبَقَرَةِ"؛ و"اَلْمَخْمَصَةُ": اَلْمَجاعَةُ الَّتِي تَخْمُصُ فِيها البُطُونُ؛ أيْ: تَضْمُرُ؛ و"اَلْخَمْصُ": ضُمُورُ البَطْنِ؛ فالخِلْقَةُ مِنهُ حَسَنَةٌ في النِساءِ؛ ومِنهُ يُقالُ: "خُمْصانَةٌ"؛ و"بَطْنٌ خَمِيصٌ"؛ ومِنهُ "أخْمَصُ القَدَمِ"؛ ويُسْتَعْمَلُ ذَلِكَ كَثِيرًا في الجُوعِ؛ والغَرَثِ؛ ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: تَبِيتُونَ في المَشْتى مِلاءً بُطُونُكم ∗∗∗ وجاراتُكم غَرْثى يَبِتْنَ خَمائِصا أيْ: مُنْطَوِياتٍ عَلى الجُوعِ؛ قَدْ أضْمَرَ بُطُونَهُنَّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لإثْمٍ  ﴾ ؛ هو بِمَعْنى: ﴿ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ  ﴾ ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ؛ وفِقْهُهُ؛ في سُورَةِ "اَلْبَقَرَةِ"؛ و"اَلْجَنَفُ": اَلْمَيْلُ؛ وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ ؛ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ ؛ وإبْراهِيمُ النَخَعِيُّ: "غَيْرَ مُتَجَنِّفٍ"؛ دُونَ ألِفٍ؛ وهي أبْلَغُ في المَعْنى مِن "مُتَجانِفٍ"؛ لِأنَّ شَدَّ العَيْنِ يَقْتَضِي مُبالَغَةً وتَوَغُّلًا في المَعْنى؛ وثُبُوتًا لِحُكْمِهِ؛ و"تَفاعَلَ"؛ إنَّما هي مُحاكاةُ الشَيْءِ والتَقَرُّبُ مِنهُ؛ ألا تَرى إذا قُلْتَ: "تَمايَلَ الغُصْنُ"؛ فَإنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي تَأوُّدًا؛ ومُقارَبَةَ مَيْلٍ؛ وإذا قُلْتَ: "تَمَيَّلَ"؛ فَقَدْ ثَبَّتَّ حُكْمَ المَيْلِ؟

وكَذَلِكَ: "تَصاوَنَ"؛ و"تَصَوَّنَ"؛ و"تَغافَلَ"؛ و"تَغَفَّلَ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ  ﴾ ؛ نائِبٌ مَنابَ "فَلا حَرَجَ عَلَيْهِ"؛ إلى ما يَتَضَمَّنُ مِن زِيادَةِ الوَعْدِ؛ وتَرْجِيَةِ النُفُوسِ؛ وفي الكَلامِ مَحْذُوفٌ؛ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ؛ تَقْدِيرُهُ: "فَأكَلَ مِن تِلْكَ المُحَرَّماتِ المَذْكُوراتِ".

وسَبَبُ نُزُولِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَسْألُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ ﴾ ؛ «أنَّ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَلامُ - جاءَ إلى رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ فَوَجَدَ في البَيْتِ كَلْبًا؛ فَلَمْ يَدْخُلْ؛ فَقالَ لَهُ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "اُدْخُلْ"؛ فَقالَ: "أنا لا أدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ"؛ فَأمَرَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: بِقَتْلِ الكِلابِ؛ فَقُتِلَتْ حَتّى بَلَغَتِ العَوالِيَ؛ فَجاءَ عاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ ؛ وسَعْدُ بْنُ خَيْثَمَةَ ؛ وعُوَيْمِرُ بْنُ ساعِدَةَ؛ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللهِ: ماذا يَحِلُّ لَنا مِن هَذِهِ الكِلابِ؟» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ورَوى هَذا السَبَبَ أبُو رافِعٍ ؛ مَوْلى النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وهو كانَ المُتَوَلِّي لِقَتْلِ الكِلابِ؛ وحَكاهُ أيْضًا عِكْرِمَةُ ؛ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ ؛ مَوْقُوفًا عَلَيْهِما؛ وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ سائِلًا سَألَ عَمّا أُحِلَّ لِلنّاسِ مِنَ المَطاعِمِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَيِّباتُ ﴾ ؛ لَيْسَ الجَوابَ عَلى: "ما يَحِلُّ لَنا مِنَ اتِّخاذِ الكِلابِ؟"؛ اَللَّهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ هَذا مِن إجابَةِ السائِلِ بِأكْثَرَ مِمّا سَألَ عنهُ؛ وهَذا مَوْجُودٌ كَثِيرًا مِنَ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ كَجَوابِهِ في لِباسِ المُحْرِمِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ وهو - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مُبَيِّنُ الشَرْعِ؛ فَإنَّما يُجاوِبُ مادًّا إطْنابَ التَعْلِيمِ لِأُمَّتِهِ.

و"اَلطَّيِّباتُ": اَلْحَلالُ؛ هَذا هو المَعْنى عِنْدَ مالِكٍ وغَيْرِهِ؛ ولا يُراعى مُسْتَلَذًّا كانَ أمْ لا؛ وقالَ الشافِعِيُّ: اَلطَّيِّباتُ: اَلْحَلالُ المُسْتَلَذُّ؛ وكُلُّ مُسْتَقْذَرٍ - كالوَزَغِ؛ والخَنافِسِ؛ وغَيْرِها - فَهي مِنَ الخَبائِثِ؛ حَرامٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ ﴾ ؛ تَقْدِيرُهُ: "وَصَيْدُ ما عَلَّمْتُمْ"؛ أو: "فاتِّخاذُ ما عَلَّمْتُمْ"؛ وأعْلى مَراتِبِ التَعْلِيمِ أنْ يُشْلى الحَيَوانُ فَيَنْشَلِيَ؛ ويُدْعى فَيُجِيبَ؛ ويُزْجَرَ بَعْدَ ظَفَرِهِ بِالصَيْدِ فَيَنْزَجِرَ؛ وأنْ يَكُونَ لا يَأْكُلُ مِن صَيْدِهِ؛ فَإذا كانَ كَلْبٌ بِهَذِهِ الصِفاتِ؛ ولَمْ يَكُنْ أسْوَدَ بَهِيمًا؛ فَأجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى صِحَّةِ الصَيْدِ بِهِ؛ بِشَرْطِ أنْ يَكُونَ تَعْلِيمَ مُسْلِمٍ ؛ ويَصِيدَ بِهِ مُسْلِمٌ ؛ هُنا انْعَقَدَ الإجْماعُ؛ فَإذا انْخَرَمَ شَيْءٌ مِمّا ذَكَرْنا دَخَلَ الخِلافُ؛ فَإنْ كانَ الَّذِي يُصادُ بِهِ غَيْرَ كَلْبٍ - كالفَهْدِ؛ وما أشْبَهَهُ؛ وكالبازِي؛ والصَقْرِ؛ ونَحْوِهِما مِنَ الطَيْرِ؛ فَجُمْهُورُ الأُمَّةِ عَلى أنَّ كُلَّ ما صادَ بَعْدَ تَعْلِيمٍ فَهو جارِحٌ؛ أيْ: كاسِبٌ؛ يُقالُ: "جَرَحَ فُلانٌ"؛ و"اِجْتَرَحَ"؛ إذا كَسَبَ؛ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَهارِ  ﴾ أيْ: "كَسَبْتُمْ مِن حَسَنَةٍ؛ وسَيِّئَةٍ"؛ وكانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: إنَّما يُصادُ بِالكِلابِ؛ فَأمّا ما صِيدَ بِهِ مِنَ البُزاةِ؛ وغَيْرِها مِنَ الطَيْرِ؛ فَما أدْرَكْتَ ذَكاتَهُ فَذَكِّهِ؛ فَهو حَلالٌ لَكَ؛ وإلّا فَلا تَطْعَمْهُ؛ هَكَذا حَكى ابْنُ المُنْذِرِ ؛ قالَ: وسُئِلَ أبُو جَعْفَرٍ عَنِ البازِي؛ والصَقْرِ: أيَحِلُّ صَيْدُهُ؟

قالَ: "لا؛ إلّا أنْ تُدْرِكَ ذَكاتَهُ"؛ قالَ: "واسْتَثْنى قَوْمٌ البُزاةَ؛ فَجَوَّزُوا صَيْدَها؛ لِحَدِيثِ «عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ ؛ قالَ: سَألْتُ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: عن صَيْدِ البازِي؛ فَقالَ: "إذا أمْسَكَ عَلَيْكَ فَكُلْ".» وقالَ الضَحّاكُ ؛ والسُدِّيُّ: ﴿ وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ ﴾ ؛ هي الكِلابُ خاصَّةً؛ فَإنْ كانَ الكَلْبُ أسْوَدَ بَهِيمًا؛ فَكَرِهَ صَيْدَهُ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ؛ وقَتادَةُ ؛ وإبْراهِيمَ النَخَعِيُّ ؛ وقالَ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: "ما أعْرِفُ أحَدًا يُرَخِّصُ فِيهِ إذا كانَ بَهِيمًا"؛ وبِهِ قالَ ابْنُ راهَوَيْهِ ؛ فَأمّا عَوامُّ أهْلِ العِلْمِ بِالمَدِينَةِ؛ والكُوفَةِ؛ فَيَرَوْنَ جَوازَ صَيْدِ كُلِّ كَلْبٍ مُعَلَّمٍ.

وأمّا أكْلُ الكَلْبِ مِنَ الصَيْدِ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وأبُو هُرَيْرَةَ ؛ والشَعْبِيُّ ؛ وإبْراهِيمُ النَخَعِيُّ ؛ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ؛ وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ ؛ وقَتادَةُ ؛ وعِكْرِمَةُ ؛ والشافِعِيُّ ؛ وأحْمَدُ ؛ وإسْحاقُ؛ وأبُو ثَوْرِ ؛ والنُعْمانُ؛ وأصْحابُهُ: "لا يُؤْكَلُ ما بَقِيَ؛ لِأنَّهُ إنَّما أمْسَكَ عَلى نَفْسِهِ؛ ولَمْ يُمْسِكْ عَلى رَبِّهِ"؛ ويُعَضِّدُ هَذا القَوْلَ قَوْلُ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِعَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ - في الكَلْبِ المُعَلَّمِ -: « "وَإذا أكَلَ فَلا تَأْكُلْ؛ فَإنَّما أمْسَكَ عَلى نَفْسِهِ"؛» وتَأوَّلَ هَؤُلاءِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ فَكُلُوا مِمّا أمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ ﴾ ؛ أيْ: اَلْإمْساكَ التامَّ؛ ومَتى أكَلَ فَلَمْ يُمْسِكْ عَلى الصائِدِ؛ وقالَ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ ؛ وعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ ؛ وأبُو هُرَيْرَةَ أيْضًا؛ وسَلْمانُ الفارِسِيُّ ؛ - رَضِيَ اللهُ عنهم -: "إذا أكَلَ الجارِحُ؛ أُكِلَ ما بَقِيَ؛ وإنْ لَمْ تَبْقَ إلّا بِضْعَةٌ"؛ وهَذا قَوْلُ مالِكٍ ؛ وجَمِيعِ أصْحابِهِ؛ فِيما عَلِمْتُ؛ وتَأوَّلُوا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ مِمّا أمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ ﴾ ؛ عَلى عُمُومِ الإمْساكِ؛ فَمَتى حَصَلَ إمْساكٌ؛ ولَوْ في بِضْعَةٍ؛ حَلَّ أكْلُها؛ ورُوِيَ عَنِ النَخَعِيِّ ؛ وأصْحابِ الرَأْيِ؛ والثَوْرِيِّ ؛ وحَمّادِ بْنِ أبِي سُلَيْمانَ: أنَّهم رَخَّصُوا فِيما أكَلَ البازِي مِنهُ؛ خاصَّةً في البازِي.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: كَأنَّهُ لا يُمْكِنُ فِيهِ أكْثَرُ مِن ذَلِكَ؛ لِأنَّ حَدَّ تَعْلِيمِهِ أنْ يُدْعى فَيُجِيبَ؛ وأنْ يُشْلى فَيَنْشَلِيَ؛ وإذا كانَ الجارِحُ يَشْرَبُ مِن دَمِ الصَيْدِ فَجُمْهُورُ الناسِ عَلى أنَّ ذَلِكَ الصَيْدَ يُؤْكَلُ؛ وقالَ عَطاءٌ: لَيْسَ شُرْبُ الدَمِ بِأكْلِ؛ وكَرِهَ أكْلَ ذَلِكَ الصَيْدِ الشَعْبِيُّ ؛ وسُفْيانُ الثَوْرِيُّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: "وَلَيْسَ في الحَيَوانِ شَيْءٌ يَقْبَلُ التَعْلِيمَ التامَّ إلّا الكَلْبُ شاذًّا"؛ وأكْثَرُها يَأْكُلُ مِنَ الصَيْدِ؛ ولِذَلِكَ لَمْ يَرَ مالِكٌ ذَلِكَ مِن شُرُوطِ التَعْلِيمِ؛ وأمّا الطَيْرُ فَقالَ رَبِيعَةُ: ما أجابَ مِنها إذا دُعِيَ فَهو المُعَلَّمُ الضارِي.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: لِأنَّ أكْثَرَ الحَيَوانِ بِطَبْعِهِ يَنْشَلِي؛ وقالَ أصْحابُ أبِي حَنِيفَةَ: إذا صادَ الكَلْبُ وَأمْسَكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ ولاءً؛ فَقَدْ حَصَلَ مِنهُ التَعْلِيمُ؛ قالَ ابْنُ المُنْذِرِ: وكانَ النُعْمانُ لا يَحُدُّ في ذَلِكَ عَدَدًا؛ وقالَ غَيْرُهُمْ: إذا فَعَلَ ذَلِكَ مَرَّةً واحِدَةً فَقَدْ حَصَلَ مُعَلَّمًا؛ وإذا كانَ الكَلْبُ تَعْلِيمَ يَهُودِيٍّ؛ أو نَصْرانِيٍّ؛ فَكَرِهَ الصَيْدَ بِهِ الحَسَنُ البَصْرِيُّ ؛ فَأمّا كَلْبُ المَجُوسِيِّ؛ وبازُهُ؛ وصَقْرُهُ فَكَرِهَ الصَيْدَ بِها جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ ؛ والحَسَنُ ؛ وعَطاءٌ ؛ ومُجاهِدٌ ؛ وإبْراهِيمُ النَخَعِيُّ ؛ والثَوْرِيُّ ؛ وإسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ ؛ ومالِكٌ - رَحِمَهُ اللهُ -؛ والشافِعِيُّ ؛ وأبُو حَنِيفَةَ ؛ وأصْحابُهم عَلى إباحَةِ الصَيْدِ بِكِلابِهِمْ؛ إذا كانَ الصائِدُ مُسْلِمًا؛ قالُوا: وذَلِكَ مِثْلُ شَفْرَتِهِ؛ وأمّا إنْ كانَ الصائِدُ مِن أهْلِ الكِتابِ؛ فَجُمْهُورُ الأُمَّةِ عَلى جَوازِ صَيْدِهِ؛ غَيْرَ مالِكٍ - رَحِمَهُ اللهُ -؛ فَإنَّهُ لَمْ يُجَوِّزْ صَيْدَ اليَهُودِيِّ والنَصْرانِيِّ؛ وفَرَّقَ بَيْنَ ذَلِكَ؛ وبَيْنَ ذَبِيحَتِهِ؛ وتَلا قَوْلَ اللهِ تَعالى: ﴿ تَنالُهُ أيْدِيكم ورِماحُكُمْ  ﴾ ؛ قالَ: فَلَمْ يَذْكُرِ اللهُ بِهَذا اليَهُودَ؛ ولا النَصارى؛ وقالَ ابْنُ وهْبٍ ؛ وأشْهَبُ: صَيْدُ اليَهُودِيِّ والنَصْرانِيِّ حَلالٌ كَذَبِيحَتِهِ؛ وفي كِتابِ مُحَمَّدٍ: لا يَجُوزُ صَيْدُ الصابِئِ؛ ولا ذَبِيحَتُهُ؛ وهم قَوْمٌ بَيْنَ اليَهُودِ والنَصارى؛ لا دِينَ لَهُمْ؛ وأمّا إنْ كانَ الصائِدُ مَجُوسِيًّا فَمَنَعَ مِن أكْلِ صَيْدِهِ مالِكٌ ؛ والشافِعِيُّ ؛ وأبُو حَنِيفَةَ ؛ وأصْحابُهُمْ؛ وعَطاءٌ ؛ وابْنُ جُبَيْرٍ ؛ والنَخَعِيُّ ؛ واللَيْثُ بْنُ سَعْدٍ ؛ وجُمْهُورُ الناسِ؛ وقالَ أبُو ثَوْرٍ فِيها قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما كَقَوْلِ هَؤُلاءِ؛ والآخَرُ أنَّ المَجُوسَ أهْلُ كِتابٍ؛ وأنَّ صَيْدَهم جائِزٌ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَما عَلَّمْتُمْ"؛ بِفَتْحِ العَيْنِ؛ واللامِ؛ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ ومُحَمَّدُ بْنُ الحَنَفِيَّةِ: "عُلِّمْتُمْ"؛ بِضَمِّ العَيْنِ؛ وكَسْرِ اللامِ؛ أيْ: أمْرَ الجَوارِحِ؛ والصَيْدَ بِها.

و"اَلْجَوارِحُ": اَلْكَواسِبُ؛ عَلى ما تَقَدَّمَ؛ وحَكى ابْنُ المُنْذِرِ عن قَوْمٍ أنَّهم قالُوا: "اَلْجَوارِحُ"؛ مَأْخُوذٌ مِن "اَلْجَرّاحُ"؛ أيْ: "اَلْحَيَوانُ الَّذِي لَهُ نابٌ؛ وظُفْرٌ؛ أو مِخْلَبٌ يَجْرَحُ بِهِ صَيْدَهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: "وَهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ؛ أهْلُ اللُغَةِ عَلى خِلافِهِ"؛ وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "مُكَلِّبِينَ"؛ بِفَتْحِ الكافِ؛ وشَدِّ اللامِ؛ والمُكَلِّبُ: مُعَلِّمُ الكِلابِ؛ ومُضْرِيها؛ ويُقالُ لِمَن يُعَلِّمُ غَيْرَ كَلْبٍ: "مُكَلِّبٌ"؛ لِأنَّهُ يَرُدُّ ذَلِكَ الحَيَوانَ كالكَلْبِ؛ وقَرَأ الحَسَنُ؛ وأبُو زَيْدٍ: "مُكْلِبِينَ"؛ بِسُكُونِ الكافِ؛ وتَخْفِيفِ اللامِ؛ ومَعْناهُ: أصْحابُ كِلابٍ؛ يُقالُ: "أمْشى الرَجُلُ": كَثُرَتْ ماشِيَتُهُ؛ و"أكْلَبَ": كَثُرَتْ كِلابُهُ؛ وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: اَلْمُكَلِّبُ بِفَتْحِ الكافِ؛ وشَدِّ اللامِ: صاحِبُ الكِلابِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولَيْسَ هَذا بِمُحَرِّرٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمّا عَلَّمَكُمُ اللهُ ﴾ ؛ أيْ: "تُعَلِّمُونَهُنَّ مِنَ الحِيلَةِ في الِاصْطِيادِ؛ والتَأنِّي لِتَحْصِيلِ الحَيَوانِ"؛ وهَذا جُزْءٌ مِمّا عَلَّمَهُ اللهُ الإنْسانَ؛ فَـ "مِن"؛ لِلتَّبْعِيضِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِابْتِداءِ الغايَةِ؛ وأنَّثَ الضَمِيرَ في "تُعَلِّمُونَهُنَّ"؛ مُراعاةً لِلَفْظِ الجَوارِحِ؛ إذْ هو جَمْعُ "جارِحَةٌ".

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ يَسْأَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطيبات ﴾ .

إن كان الناس قد سألوا عمّا أحِلّ لهم من المطعومات بعد أن سمعوا ما حرّم عليهم في الآية السابقة، أو قبل أن يسمعوا ذلك، وأريد جوابهم عن سؤالهم الآن، فالمضارع مستعمل للدلالة على تجدّد السؤال، أي تكرّره أو توقّع تكرّره.

وعليه فوجه فصل جملة ﴿ يسألونك ﴾ أنّها استئناف بيانيّ ناشئ عن جملة ﴿ حرّمت عليكم الميتة ﴾ [المائدة: 3] وقوله: ﴿ فمن اضطرّ في مخمصة ﴾ [المائدة: 3]؛ أو هي استئناف ابتدائي: للانتقال من بيان المحرّمات إلى بيان الحلال بالذات، وإن كان السؤال لم يقع، وإنَّما قصد به توقّع السؤال، كأنَّه قيل: إن سَألوكَ، فالإتيان بالمضارع بمعنى الاستقبال لتوقّع أن يسأل الناس عن ضبط الحلال، لأنَّه ممّا تتوجَّه النفوس إلى الإحاطة به، وإلى معرفة ما عسى أن يكون قد حرّم عليهم من غير ما عُدّد لهم في الآيات السابقة، وقد بيّنّا في مواضع ممّا تقدّم، منها قوله تعالى: ﴿ يسألونك عن الأهلّة ﴾ في سورة البقرة (189): أنّ صيغة يسألونك } في القرآن تحتمل الأمرين.

فعلى الوجه الأوّل يكون الجواب قد حصل ببيان المحرّمات أوّلاً ثم ببيان الحلال، أو ببيان الحلال فقط، إذا كان بيان المحرّمات سابقاً على السؤال، وعلى الوجه الثاني قد قصد الاهتمام ببيان الحلال بوجه جامع، فعنون الاهتمام به بإيراده بصيغة السؤال المناسب لتقدّم ذكره.

و ﴿ الطيّبات ﴾ صفة لمحذوف معلوم من السياق، أي الأطعمة الطيّبة، وهي الموصوفة بالطيِّب، أي التي طابت.

وأصل معنى الطيب معنى الطّهارة والزكاء والوقع الحسن في النفس عاجلاً وآجلاً، فالشيء المستلذّ إذا كان وخِماً لا يسمّى طيِّباً: لأنّه يعقب ألماً أو ضُرّاً، ولذلك كان طيّب كلّ شيء أن يكون من أحسن نوعه وأنفعه.

وقد أطلق الطيِّب على المباح شرعاً؛ لأنّ إباحة الشرع الشيء علامة على حسنه وسلامته من المضرّة، قال تعالى: ﴿ كلوا ممَّا في الأرض حلالاً طيّباً ﴾ [البقرة: 168].

والمراد بالطيّبات في قوله: ﴿ أحل لكم الطيبات ﴾ معناها اللغوي ليصحّ إسناد فعل ﴿ أحِلّ ﴾ إليها.

وقد تقدّم شيء من معنى الطيّب عند قوله تعالى: ﴿ يأيّها الناس كلوا ممّا في الأرض حلالاً طيّباً ﴾ في سورة البقرة (168)، ويجيء شيء منه عند قوله تعالى: ﴿ والبلد الطيّب ﴾ في سورة الأعراف (58).

والطيّبات } وصف للأطعمة قُرِن به حكم التحليل، فدلّ على أنّ الطِّيبَ علّة التحليل، وأفاد أنّ الحرام ضدّه وهو الخبائث، كما قال في آية الأعراف، في ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم ﴿ ويحلّ لهم الطيّباتتِ ويحرّم عليهم الخبائث ﴾ [الأعراف: 157].

وقد اختلفت أقوال السلف في ضبط وصف الطيّبات؛ فعن مالك: الطيّبات الحلال، ويتعيّن أن يكون مراده أنّ الحلّ هو المؤذن بتحقّق وصف الطيِّب في الطعام المباح، لأنّ الوصف الطيّب قد يخفى، فأخذ مالك بعلامته وهي الحلّ كيلا يكون قوله: ﴿ الطيّبات ﴾ حوالة على ما لا ينضبط بين الناس مثل الاستلذاذ، فيتَعيّن، إذن، أن يكون قوله: ﴿ أحل لكم الطيبات ﴾ غيْر مراد منه ضبط الحلال، بل أريد به الامتنان والإعلام بأنّ ما أحلّه الله لهم فهو طيّب، إبطالاً لِما اعتقدوه في زمن الشرك: من تحريم ما لا موجب لتحريمه، وتحليل ما هو خبيث.

ويدلّ لذلك تكرّر ذكر الطيّبات مع ذكر الحلال في القرآن، مثل قوله: ﴿ اليومَ أحلّ لكم الطيّبات ﴾ [المائدة: 5] وقولِه في الأعراف (157): ﴿ ويُحلّ لهم الطيّبات ويحرّم عليهم الخبائث ﴾ وعن الشافعي: الطيّبات: الحلال المستلذّ، فكلّ مستقذر كالوزغ فهو من الخبائث حرام.

قال فخر الدين: العبرة في الاستلذاذ والاستطابة بأهل المروءة والأخلاق الجميلة، فإنّ أهل البادية يستطيبون أكل جميع الحيوانات، وتتأكّد دلالة هذه الآيات بقوله تعالى: ﴿ خلق لكم ما في الأرض جميعاً ﴾ [البقرة: 29] فهذا يقتضي التمكّن من الانتفاع بكل ما في الأرض، إلاُّ أنّه دخله التخصيص بحرمة الخبائث، فصار هذا أصلاً كبيراً في معرفة ما يحلّ ويحرم من الأطعمة.

منها أنّ لحم الخيل مباح عند الشافعي.

وقال أبو حنيفة: ليس بمباح.

حجّة الشافعي أنّه مستلذّ مستطاب، والعلم بذلك ضروري، وإذا كان كذلك وجب أن يكون حلالاً، لقوله تعالى: ﴿ أحل لكم الطيبات ﴾ .

وفي «شرح الهداية» في الفقه الحنفي لمحمد الكاكي «أنّ ما استطابه العرب حلال، لقوله تعالى: ﴿ ويحلّ لهم الطيّبات ﴾ [الأعراف: 157]، وما استخبثه العرب حرام، لقوله: ﴿ ويحرّم عليهم الخبائث ﴾ [الأعراف: 157].

والذين تعتبر استطابتهم أهل الحجاز من أهل الأمصار، لأنّ القرآن أنزل عليهم وخوطبوا به، ولم يُعتبر أهل البوادي لأنّهم يأكلون ما يجدون للضرورة والمجاعة.

وما يوجد في أمصار المسلمين ممّا لا يعرفه أهل الحجاز رُدّ إلى أقرب مَا يشبهه في الحجاز اه.

وفيه من التحكّم في تحكيم عوائد بعض الأمّة دون بعض ما لا يناسب التشريع العامّ، وقد استقذر أهل الحجاز لحم الضبّ بشهادة قوله صلى الله عليه وسلم في حديث خالد بن الوليد: «ليس هو من أرض قومي فأجدني أعافه» ومع ذلك لم يحرّمه على خالد.

والذي يظهر لي: أنّ الله قد ناط إباحة الأطعمة بوصف الطيّب فلا جرم أن يكون ذلك منظوراً فيه إلى ذات الطعام، وهو أن يكون غير ضارّ ولا مستقذر ولا مناف للدين، وأمارة اجتماع هذه الأوصاف أن لا يحرّمه الدّين، وأن يكون مقبولاً عند جمهور المُعتدلين من البشر، من كلّ ما يعدّه البشر طعاماً غير مستقذر، بقطع النظر عن العوائد والمألوفات، وعن الطبائع المنحرفات، ونحن نجد أصناف البشر يتناول بعضهم بعض المأكولات من حيوان ونبات، ويترك بعضهم ذلك البعض.

فمن العرب من يأكل الضبّ واليربوع والقنافذ، ومنهم من لا يأكلها.

ومن الأمم من يأكل الضفادع والسلاحف والزواحف ومنهم من يتقذّر ذلك.

وأهل مدينة تونس يأبون أكل لحم أنثى الضأن ولحم المعز، وأهل جزيرة شريك يستجيدون لحم المعز، وفي أهل الصحاري تُستجاد لحوم الإبل وألبانُها، وفي أهل الحضر من يكره ذلك، وكذلك دوابّ البحر وسلاحفه وحيّاته.

والشريعة من ذلك كلّه فلا يقضي فيها طبعُ فريق على فريق.

وَالمحرّمات فيها من الطعوم ما يضرّ تناوله بالبدن أو العقل كالسموم والخمور والمخدّرات كالأفيون والحشيشة المخدّرة، وما هو نجسَ الذات بحكم الشرع، وما هو مستقذر كالنخامة وذرق الطيوب وأرواث النعام، وما عدا ذلك لا تجد فيه ضابطاً للتحريم إلاّ المحرّمات بأعيانها وما عداها فهو في قسم الحلال لمن شاء تناوله.

والقول بأنّ بعضها حلال دون بعض بدون نصّ ولا قياس هو من القول على الله بما لا يعلمه القائل، فما الذي سوّغ الظبي وحرّم الأرنب، وما الذي سوّغ السمكة وحرّم حيّة البحر، وما الذي سوّغ الجَمَل وحرّم الفرس، وما الذي سوّغ الضبّ والقنفذ وحرّم السلحفاة، وما الذي أحلّ الجراد وحرّم الحلزون، إلاّ أن يكون له نصّ صحيح، أو نظر رَجيح، وما سوى ذلك فهو ريح.

وغرضنا من هذا تنوير البصائر إذا اعترى التردّد لأهل النظر في إناطة حظر أو إباحة بما لا نصّ فيه أو في مواقع المتشابهات.

﴿ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِّنَ الجوارح مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ الله فَكُلُواْ مِمَّآ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ واذكروا اسم الله عَلَيْهِ واتقوا الله إِنَّ الله سَرِيعُ الحساب ﴾ .

يجوز أن يكون عطفاً على ﴿ الطيّبات ﴾ عطف المفرد، على نيّة مضاف محذوف، والتقدير: وصيد ما علّمتم من الجوارح، يدلّ عليه قوله: ﴿ فكلوا مما أمسكن عليكم ﴾ .

فما موصولة وفاء ﴿ فكلوا ﴾ للتفريع.

ويجوز أن يكون عطف جملة على جملة، وتكون (ما) شرطية وجواب الشرط ﴿ فكلوا ممّا أمسكن ﴾ .

وخُصّ بالبيان من بين الطيّبات لأنّ طيبه قد يخفى من جهة خفاء معنى الذكاة في جرح الصيد، لا سيما صيد الجوارح، وهو محلّ التنبيه هنا الخاصّ بصيد الجوارح.

وسيُذكر صيد الرماح والقنص في قوله تعالى: ﴿ ليبلونّكم الله بشيء من الصيد تنالع أيديكم ورماحكم ﴾ [المائدة: 94] والمعنى: وما أمسك عليكم ما علّمتم بقرينة قوله بعدُ ﴿ فكلوا مما أمسكن عليكم ﴾ لظهور أن ليس المراد إباحة أكل الكلاب والطيور المعلّمة.

والجوارح: جمع الجارح، أو الجارحة، جرى على صيغة جمع فاعلة، لأنّ الدوابّ مراعى فيها تأنيث جمعها، كما قالت العرب للسباع: الكواسب، قال لبيد: غُبْس كواسِبُ ما يُمَنّ طعامها *** ولذلك تُجمعَ جمعَ التأنيث، كما سيأتي ﴿ فكلوا ممّا أمسكن عليكم ﴾ .

﴿ ومكلِّبين ﴾ حال من ضمير ﴿ علّمتم ﴾ مبيّنة لنوع التعليم وهو تعليم المكلِّب، والمكلِّب بكسر اللام بصيغة اسم الفاعل مُعلّم الكلاب، يقال: مكلِّب، ويقال: كَلاَّب.

ف ﴿ مكلِّبين ﴾ وصف مشتقّ من الاسم الجامد اشتقّ من اسم الكلب جرياً على الغالب في صيد الجوارح، ولذلك فوقوعه حالاً من ضمير ﴿ علّمتم ﴾ ليس مخصّصاً للعموم الذي أفاده قوله: ﴿ وما علّمتم ﴾ فهذا العموم يشمل غير الكلاب من فُهود وبُزَاة.

وخالف في ذلك ابن عمر، حكى عنه ابنُ المنذر أنّه قصر إباحة أكل ما قتله الجارح على صيد الكلاب لقوله تعالى: ﴿ مكلّبين ﴾ قال: فأمّا ما يصاد به من البزاةِ وغيرها من الطير فما أدركتَ ذكاته فذكِّه فهو لك حلال وإلاّ فلا تَطْعَمْه.

وهذا أيضاً قول الضحّاك والسُدّي.

فأمَّا الكلاب فلا خلاف في إباحة عموم صيد المعلَّمات منها، إلاّ ما شذّ من قول الحسن وقتادة والنخعي بكراهة صيد الكلب الأسود البهيم، أي عامّ السواد، محتجّين بقول النبي صلى الله عليه وسلم " الكلب الأسود شيطان " أخرجه مسلم، وهو احتجاج ضعيف، مع أنّ النبي عليه السلام سمّاه كلباً، وهل يشكّ أحد أنّ معنى كونه شيطاناً أنَّه مظنّة للعقر وسوء الطبع.

على أنّ مورد الحديث في أنَّه يقطع الصلاة إذا مرّ بين يدي المصلّي.

على أنّ ذلك متأوّل.

وعن أحمد بن حنبل: ما أعرف أحداً يرخّص فيه (أي في أكل صيده) إذا كان بهيماً، وبه قال إسحاق بن راهويه، وكيف يصْنع بجمهور الفقهاء.

وقوله: ﴿ تعلمونهن مما علمكم الله ﴾ حال ثانية، قصد بها الامتنان والعبرة والمواهب التي أودعها الله في الإنسان، إذ جعله معلَّماً بالجبلّة من يومَ قال: ﴿ يا آدم أنبئهم بأسمائهم ﴾ [البقرة: 33]، والمواهب التي أودعها الله في بعض الحيوان، إذ جعله قابلاً للتعلّم.

فباعتبار كون مفاد هذه الحال هو مفاد عاملها تتنزّل منزلة الحال المؤكّدة، وباعتبار كونها تضمّنت معنى الامتنان فهي مؤسّسة.

قال صاحب «الكشاف» «وفي تكرير الحال فائدةُ أنّ على كلّ آخذ عِلماً أن لا يأخذه إلاّ من أقْتَللِ أهلِه علماً وأنْحَرِهم دِراية وأغوصِهِم على لطائفه وحقائقه وإن احتاج إلى أن يضرب إليه أكبادَ الإبل، فكم من آخذ عن غير متقن قد ضيّع أيّامه وعَضّ عند لقاء النَّحارير أنامله».

اه.

والفاء في قوله: «فكلوا ممّا أمسكن عليكم» فاء الفصيحة في قوله: ﴿ وما علّمتم من الجوارح ﴾ إن جعلت (ما) من قوله ﴿ وما علّمتم ﴾ موصولة، فإن جعلتها شرطية فالفاء رابطة للجواب.

وحرف (من) في قوله ﴿ ممّا أمسكن عليكم ﴾ للتبعيض، وهذا تبعيض شائع الاستعمال في كلام العرب عند ذكر المتناوَلات، كقوله: «كلوا من ثمره».

وليس المقصود النهي عن أكل جميع ما يصيده الصائد، ولا أنّ ذلك احتراس عن أكل الريش، والعظم، والجلد، والقرون؛ لأنّ ذلك كلّه لا يتوهّمه السامع حتّى يحترس منه.

وحرف (على) في قوله ﴿ ممّا أمسكن عليكم ﴾ بمعنى لام التعليل، كما تقول: سجن على الاعتداء، وضُرب الصبيّ على الكذب، وقول علقمة بن شيبان: ونُطاعن الأعداءَ عن أبنائنا *** وعَلَى بصائرنا وإن لم نُبْصِر أي نطاعن على حقائقنا: أي لحماية الحقيقة، ومن هذا الباب قوله تعالى: ﴿ أمسك عليك زوجك ﴾ [الأحزاب: 37]، وقوله صلى الله عليه وسلم ﴿ أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك ﴾ .

ومعنى الآية إباحة أكل ما صاده الجوارح: من كلاب، وفهود، وسباع طير: كالبزاة، والصقور، إذا كانت معلّمة وأمسكت بعد إرسال الصائد.

وهذا مقدار اتّفق علماء الأمّة عليه وإنَّما اختلفُوا في تحقّق هذه القيود.

فأمَّا شرط التعليم فاتّفقوا على أنّه إذا أُشلي، فانْشلى، فاشتدّ وراء الصيد، وإذا دُعي فأقبل، وإذا زجر فانزجر، وإذا جاء بالصيد إلى ربّه، أنّ هذا معلّم.

وهذا على مراتب التعلّم.

ويكتفي في سباع الطير بما دون ذلك: فيكتفي فيها بأن تؤمر فتطيع.

وصفاتُ التعليم راجعة إلى عرف أهل الصيد، وأنَّه صار له معرفة، وبذلك قال مالك، وأبو حنيفة، والشافعي: ولا حاجة إلى ضبط ذلك بمرّتيْن أو ثلاث، خلافاً لأحمد، وأبي يوسف، ومحمد.

وأمّا شرط الإمساك لأجل الصائد: فهو يعرف بإمساكها الصيد بعد إشلاء الصائد إيّاها، وهو الإرسال من يده إذا كان مشدوداً، أو أمرُه إيّاها بلفظ اعتدات أن تفهم منه الأمر كقوله: «هذا لَكِ» لأنّ الإرسال يقوم مقام نية الذكاة.

ثم الجارح ما دام في استرساله معتبر حتّى يرجع إلى ربّه بالصيد.

واختلفوا في أكل الجارح من الصيد قبل الإتيان به إلى ربّه هل يبطل حكم الإمساك على ربّه: فقال جماعة من الصحابة والتابعين: إذا أكل الجارح من الصيد لم تؤكل البقية؛ لأنّه إنَّما أمسك على نفسه، لا على ربّه.

وفي هذا المعنى حديث عديّ بن حاتم في الصحيح: أنَّه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكلب، فقال: " وإذا أكَل فلا تأكل فإنَّما أمسك على نفسه " وبه أخذ الشافعي، وأحمد، وأبو ثور، وإسحاق.

وقال جماعة من الصحابة: إذا أكل الجارح لم يضرّ أكله، ويؤكل ما بقي.

وهو قول مالك وأصحابه: لحديث أبي ثَعْلبة الخُشَني، في «كتاب أبي داوود»: أنّه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «وإن أكل منه».

ورام بعض أصحابنا أن يحتجّ لهذا بقوله تعالى: ﴿ ممّا أمسكن عليكم ﴾ حيث جاء بمن المفيدة للتبعيض، المؤذنة بأنّه يؤكل إذا بَقي بعضه، وهو دليل واه فقد ذكرنا آنفاً أنَّ (مِن) تدخل على الاسم في مِثل هذا وليس المقصود التَّبعيض، والكلب أو الجارح، إذا أشلاه القنّاص فانشلى، وجاء بالصيد إلى ربّه.

فهو قد أمسكه عليه وإن كان قد أكل منه، فقد يأكل لفرط جوع أو نسيان.

ونحا بعضهم في هذا إلى تحقيق أنّ أكل الجارح من الصيد هل يقدح في تعليمه، والصواب أنّ ذلك لا يقدح في تعليمه، إذا كانت أفعاله جارية على وفق أفعال الصيد، وإنما هذا من الفلتة أو من التهوّر.

ومَال جماعة إلى الترخيص في ذلك في سباع الطير خاصّة، لأنّها لا تفقه من التعليم مَا يَفقه الكلب، وروي هذا عن ابن عباس، وحمّاد، والنخعي، وأبي حنيفة، وأبي ثور.

وقد نشأ عن شرط تحقّق إمساكه على صاحبه مسألة لو أمسك الكلب أو الجارح صيداً لم يره صاحبه وتركه ورجع دونه، ثم وجد الصائد بعد ذلك صيداً في الجهة التي كان يجوسها الجارح أو عرف أثر كلبه فيه؛ فعن مالك: لا يؤكل، وعن بعض أصحابه: يؤكل.

وأمَّا إذا وجد الصائد سهمه في مقاتل الصيد فإنَّه يؤكل لا محالة.

وأحسب أنّ قوله تعالى: ﴿ مما أمسكن عليكم ﴾ احتراز عن أن يجد أحد صيداً لم يصده هو، ولا رأى الجارح حين أمسكه، لأنّ ذلك قد يكون موته على غير المعتاد فلا يكون ذكاة، وأنَّه لا يحرم على من لم يتصدّ للصيد أن يأكل صيداً رأى كلب غيره حين صاده إذا لم يجد الصائد قريباً، أو ابْتاعه من صائده، أو استعطاه إيَّاه.

وقوله: ﴿ واذكروا اسم الله عليه ﴾ أمر بذكر الله على الصيد، ومعناه أن يذكره عند الإرسال لأنه قد يموت بجرح الجارح، وأمَّا إذا أمسكه حيّاً فقد تعيّن ذبحه فيذكر اسم الله عليه حينئذٍ.

ولقد أبدع إيجازُ كلمة «عليه» ليشمل الحالتين.

وحكمُ نسيان التسمية وتعمّد تركها معلوم من كتب الفقه والخلاف، والدينُ يسر.

وقد اختلف الفقهاء: في أنّ الصيد رخصة، أو صفة من صفات الذكاة.

فالجمهور ألحقوه بالذكاة، وهو الراجح، ولذلك أجازوا أكل صيد الكتابي دون المَجوسي.

وقال مالك: هو رخصَة للمسلمين فلا يؤكل صيد الكتابيّ ولا المجوسي ولا قوله تعالى: ﴿ يأيها الذين آمنوا لَيَبْلُوَنَّكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم ﴾ [المائدة: 94].

وهو دليل ضعيف: لأنَّه وارد في غير بيان الصيد، ولكن في حُرمة الحَرم.

وخالفه أشهب، وابن وهب، من أصحابه.

ولا خلاف في عدم أكل صيد المجوسي إلاّ رواية عن أبي ثور إذ ألحقهم بأهل الكتاب فهو اختلاف في الأصل لا في الفرع.

وقوله: ﴿ واتَّقوا الله ﴾ الآية تذييل عامّ ختمت به آية الصيد، وهو عامّ المناسبة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَسْألُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهم قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ ﴾ يَعْنِي بِالطَّيِّباتِ الحَلالَ، وإنَّما سُمِّيَ الحَلالُ طَيِّبًا، وإنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَلَذًّا تَشْبِيهًا بِما يُسْتَلَذُّ ﴿ وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ ﴾ يَعْنِي وصَيْدُ ما عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ، وهي الكَواسِبُ مِن سِباعِ البَهائِمِ والطَّيْرِ، سُمِّيَتْ جَوارِحَ لِكَسْبِ أهْلِها بِها مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ جارِحَةُ أهْلِهِ أيُ كاسِبُهم، ومِنهُ قَوْلُ أعْشى بَنِي ثَعْلَبَةَ ذا جَبّارٍ مُنْضَجًا مِيسَمُهُ يَذْكُرُ الجارِحَ ما كانَ اجْتَرَحَ أيْ ما اكْتَسَبَ.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ مُكَلِّبِينَ ﴾ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ.

أحَدُها: يَعْنِي مِنَ الكِلابِ دُونَ غَيْرِها، وأنَّهُ لا يَحُلُّ إلّا صَيْدُ الكِلابِ وحْدَها، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، والضَّحّاكِ، والسُّدِّيِّ.

والثّانِي: أنَّ التَّكْلِيبَ مِن صِفاتِ الجَوارِحِ مِن كَلْبٍ وغَيْرِهِ، ومَعْناهُ مُضْرِينَ عَلى الصَّيْدِ كَما تَضْرِي الكِلابُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ، والحَسَنِ، ومُجاهِدٍ.

والثّالِثُ: أنَّ مَعْنى التَّكْلِيبِ مِن صِفاتِ الجارِحِ: التَّعْلِيمُ.

﴿ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ ﴾ أيْ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِن طَلَبِ الصَّيْدِ لَكم مِمّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ مِنَ التَّأْدِيبِ الَّذِي أدَّبَكم وصِفاتِ التَّعْلِيمِ الَّتِي بَيَّنَ حُكْمَها لَكم.

فَأمّا صِفَةُ التَّعْلِيمِ، فَهو أنْ يُشْلى إذا أُشْلِيَ، ويُجِيبُ إذا دُعِيَ ويُمْسِكُ إذا أخَذَ.

وَهَلْ يَكُونُ إمْساكُهُ عَنِ الأكْلِ شَرْطًا في صِحَّةِ التَّعْلِيمِ أمْ لا؟

عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ شَرْطٌ في كُلِّ الجَوارِحِ، فَإنْ أكَلَتْ لَمْ تُؤْكَلْ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَطاءٍ.

والثّانِي: أنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ في كُلِّ الجَوارِحِ ويُؤْكَلُ وإنْ أكَلَتْ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، وسَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، وأبِي هُرَيْرَةَ، وسَلْمانَ.

والثّالِثُ: أنَّهُ شَرْطٌ في جَوارِحِ البَهائِمِ فَلا يُؤْكَلُ ما أكَلَتْ، ولَيْسَ بِشَرْطٍ في جَوارِحِ الطَّيْرِ، فَيُؤْكَلُ وإنْ أكَلَتْ، وهَذا قَوْلُ الشَّعْبِيِّ، والنَّخَعِيِّ، والسُّدِّيِّ.

واخْتُلِفَ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: ما رَوى القَعْقاعُ بْنُ حَكِيمٍ عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ أبِي رافِعٍ عَنْ أبِي رافِعٍ قالَ: «جاءَ جِبْرِيلُ إلى رَسُولِ اللَّهِ  لِيَسْتَأْذِنَ عَلَيْهِ، فَقالَ أذَنّا لَكَ، فَقالَ أجَلْ ولَكِنّا لا نَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ، قالَ أبُو رافِعٍ: فَأمَرَنِي أنْ أقْتُلَ كُلَّ كَلْبٍ بِالمَدِينَةِ فَقَتَلْتُ حَتّى انْتَهَيْتُ إلى امْرَأةٍ عِنْدَها كَلْبٌ يَنْبَحُ عَلَيْها فَتَرَكْتُهُ رَحْمَةً لَها ثُمَّ جِئْتُ إلى رَسُولِ اللَّهِ  فَأخْبَرْتُهُ، فَأمَرَنِي بِقَتْلِهِ، فَرَجَعْتُ إلى الكَلْبِ فَقَتَلْتُهُ، فَجاؤُوا، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ ما يَحِلُّ لَنا مِن هَذِهِ الأُمَّةِ الَّتِي أمَرْتَ بِقَتْلِها، قالَ فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ  ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ يَسْألُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهم قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وما عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ ﴾ الآيَةُ.

» والثّانِي: ما حُكِيَ «أنَّ زَيْدَ الخَيْلِ لَمّا وفَدَ عَلى النَّبِيِّ  قالَ فِيهِ مِنَ الخَيْرِ ما قالَ فَسَمّاهُ زَيْدَ الخَيْرِ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ فِينا رَجُلانِ، يُقالُ لِأحَدِهِما دُرَيْحٌ، والآخَرُ يُكَنّى أبا دُجانَةَ، لَهُما أكْلُبٌ خَمْسَةٌ تَصِيدُ الظِّباءَ، فَما تَرى في صَيْدِها؟

وحَكى هِشامٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ أسْماءَ هَذِهِ الكِلابِ الخَمْسَةِ الَّتِي لِدُرَيْحٍ وأبِي دُجانَةَ: المُخْتَلِسُ وغِلابُ والغُنَيْمُ وسَهْلَبُ والمُتَعاطِي، قالَ: فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ يَسْألُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ ﴾ الآيَةُ.

» <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه عن أبي رافع قال: «جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذن عليه فأذن له، فأبطأ فأخذ رداءه فخرج، فقال: قد أذنا لك!

قال: أجل، ولكنا لا ندخل بيتاً فيه كلب ولا صورة، فنظروا فإذا في بعض بيوتهم جرو.

قال أبو رافع: فأمرني أن أقتل كل كلب بالمدينة ففعلت، وجاء الناس فقالوا: يا رسول الله، ماذا يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها؟

فسكت النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله: ﴿ يسئلونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوراح مكلبين ﴾ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أرسل الرجل كلبه، وذكر اسم الله فأمسك عليه، فليأكل مالم يأكل» .

وأخرج ابن جرير عن عكرمة.

أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا رافع في قتل الكلاب، فقتل حتى بلغ العوالي، فدخل عاصم بن عدي، وسعد بن خيثمة، وعويم بن ساعدة، فقالوا: ماذا أحل لنا يا رسول الله؟

فنزلت ﴿ يسئلونك ماذا أحل لهم..

﴾ الآية.

وأخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي قال: «لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل الكلاب قالوا: يا رسول الله، ماذا أحل لنا من هذه الأمة؟

فنزلت ﴿ يسئلونك ماذا أحل لهم..

﴾ الآية» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير أن عدي بن حاتم وزيد بن المهلهل الطائيين سألا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا: «يا رسول الله، قد حرم الله الميتة.

فماذا يحل لنا؟

فنزلت ﴿ يسئلونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات ﴾ » .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عامر.

أن عدي بن حاتم الطائي أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن صيد الكلاب، فلم يدرِ ما يقول له حتى أنزل الله عليه هذه الآية في المائدة ﴿ تعلمونهن مما علمكم الله ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن عروة بن الزبير عمن حدثه، أن رجلاً من الأعراب أتى النبي صلى الله عليه وسلم يستفتيه في الذي حرم الله عليه والذي أحل له، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «يحل لك الطيبات، ويحرم عليك الخبائث، إلا أن تفتقر إلى طعام لك فتأكل منه حتى تستغني عنه» .

فقال الرجل: وما فقري الذي يحل لي، وما غناي الذي يغنيني عن ذلك؟

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا كنت ترجو نتاجاً فتبلغ من لحوم ماشيتك إلى نتاجك، أو كنت ترجو غنى تطلبه فتبلغ من ذلك شيئاً، فاطعم أهلك ما بدا لك حتى تستغني عنه» .

فقال الأعرابي: ما غناي الذي أدعه إذا وجدته؟

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أرويت أهلك غبوقاً من الليل فاجتنب ماحرم الله عليك من طعام، وأما مالك فإنه ميسور كله ليس فيه حرام» .

وأخرج الطبراني عن صفوان بن أمية، أن عرفطة بن نهيك التميمي قال: «يا رسول الله، إني وأهل بيتي يرزقون من هذا الصيد ولنا فيه قسم وبركة، وهو مشغلة عن ذكر الله وعن الصلاة في جماعة، وبنا اليه حاجة، أفتحله أم أحرمه؟

قال: أحله، لأن الله قد أحله نعم العمل، والله أولى بالعذر، قد كانت قبلي لله رسل كلهم يصطادون ويطلبون الصيد، ويكفيك من الصلاة في جماعة إذا غبت غبت عنها في طلب الرزق حبك الجماعة وأهلها، وحبك ذكر الله وأهله، وابتغ على نفسك وعيالك حلالاً، فإن في ذلك جهاد في سبيل الله، واعلم أن عون الله في صالح التجار» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله: ﴿ وما علمتم من الجوارح مكلبين ﴾ قال: هي الكلاب المعلمة، والبازي يعلم الصيد، والجوارح يعني: الكلاب، والفهود، والصقور، وأشباهها ﴿ والمكلبين ﴾ الضواري ﴿ فكلوا مما أمسكن عليكم ﴾ يقول: كلوا مما قتلن، فإن قتل وأكل فلا تأكل ﴿ واذكروا اسم الله عليه ﴾ يقول: إذا أرسلت جوارحك فقل بسم الله، وإن نسيت فلا حرج.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ من الجوارح مكلبين ﴾ قال: الطير، والكلاب.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ من الجوارح مكلبين ﴾ قال: يكالبن الصيد ﴿ فكلوا مما أمسكن عليكم ﴾ قال: إذا أرسلت كلبك أو طائرك أو سهمك فذكرت اسم الله فأمسك أو قتل فكل.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس: في المسلم يأخذ كلب المجوسي المعلم، أو بازه، أو صقره، مما علمه المجوسي، فيرسله فيأخذه.

قال: لا يأكله وإن سميت؛ لأنه من تعليم المجوسي، وإنما قال: ﴿ تعلمونهن مما علمكم الله ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن الحسن في قوله: ﴿ وما علمتم من الجوارح ﴾ قال: كُلّ ما ﴿ تعلمونهن مما علمكم الله ﴾ قال: تعلمونهن من الطلب كما علمكم الله.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: إنما المعلم من الكلاب أن يمسك صيده فلا يأكل، كل منه حتى يأتيه صاحبه.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: إذا أكل الكلب فلا تأكل، فإنما أمسك على نفسه.

وأخرج ابن جرير عن عدي بن حاتم قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيد البازي.

قال: «ما أمسك عليك فكل» .

وأخرج البخاري ومسلم عن عدي بن حاتم قال قلت: يا رسول الله، إني أرسل الكلاب المعلمة واذكر اسم الله؟

فقال: «إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل ما أمسكن عليك» .

قلت: وإن قتلن؟

قال: «وإن قتلن ما لم يشركها كلب ليس منها، فإنك إنما سميت على كلبك ولم تسمِّ على غيره» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن عدي بن حاتم قال: قلت يا رسول الله، إنا قوم نصيد بالكلاب والبزاة، فما يحل لنا منها؟

قال: «يحل لكم ﴿ ما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه ﴾ ثم قال: ما أرسلت من كلب وذكرت اسم الله فكل ما أمسك عليك» .

قلت: وإن قتل؟

قال: «وإن قتل، مالم يأكل هو الذي أمسك» .

قلت: إنا قوم نرمي، فما يحل لنا؟

قال: «ما ذكرت اسم الله وخزقت فكل» .

وأخرج عبد بن حميد عن علي بن الحكم أن نافع بن الأزرق سأل ابن عباس فقال: أرأيت إذا أرسلت كلبي وسميت فقتل الصيد، آكله؟

قال: نعم.

قال نافع: يقول الله: ﴿ إلا ما ذكيتم ﴾ تقول أنت: وإن قتل!

قال: ويحك يا ابن الأزرق...

!

أرأيت لو أمسك على سنور فأدركت ذكاته، أكان يكون على يأس؟

والله إني لأعلم في أي كلاب نزلت: في كلاب نبهان من طي، ويحك يا ابن الأزرق...

!

ليكونن لك نبأ.

وأخرج عبد بن حميد عن مكحول قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أمسك عليك الذي ليس بمكلب فأدركت ذكاته فكل، وإن لم تدرك ذكاته فلا تأكل» .

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس قال: إذا أكل الكلب فلا تأكل، وإذا أكل الصقر فكل؛ لأن الكلب تستطيع أن تضربه، والصقر لا تستطيع.

وأخرج عبد بن حميد عن عروة أنه سئل عن الغراب، أمن الطيبات هو؟

قال: من أين يكون من الطيبات، وسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم فاسقاً؟!.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ ﴾ الآية.

قال سعيد بن جبير: إن عديَّ بن حاتم (١) (٢)  فقالا: يا رسول الله، إنا قوم نصيد بالكلاب والبُزاة، وقد حرم الله عز وجل الميتة، فماذا يحل لنا منها؟

فنزلت هذه الآية (٣) وقوله تعالى: ﴿ مَاذَا ﴾ إن جعلته اسمًا فهو رفع بالابتداء وخبره (أُحِلّ)، وإن شئت جعلت (ما) وحدها اسمًا (ويكون خبرها (٤) (٥) (٦) ومضى الكلام مستقصى في (ماذا) [[انظر: [البقرة: 215].]].

وقوله تعالى: ﴿ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ﴾ .

قال ابن عباس: يريد من جميع الحلال (٧) قال أهل العلم: كانت العرب تستقذر أشياء كثيرة فلا تأكلها، وتستطيب أشياء فتأكلها، فأحل الله لهم ما استطابوا مما لم ينزل بتحريمه (تلاوة) (٨) (٩) (١٠) (١١) وهذا أصل كبير في التحليل والتحريم، فكل حيوان استطابته العرب فهو حلال، وكل حيوان استخبثته العرب فهو حرام (١٢) ﴿ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ  ﴾ (١٣) والطيب في اللغة: المُستَلذّ، والحلال المأذون فيه، يسمى أيضًا طيبًا تشبيها بما هو مُستَلذ، لأنهما اجتمعا بانتفاء المضرة.

وقال مقاتل والكلبي: المراد بالطيبات الذبائح (١٤) والقول الأول أولى؛ لأنه أعم في التحليل، وعليه أكثر العلماء.

وقوله تعالى: ﴿ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ ﴾ .

قال الزجاج وغيره: يريد: وصيد ما علمتم من الجوارح، فحذف الصيد وهو مراد في الكلام؛ لدلالة الباقي عليه، وهو قوله تعالى: ﴿ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ ﴾ ولأنهم سألوا عن الصيد (١٥) هذا قول جميع أهل المعاني (١٦) ويجوز أن يقال: قوله تعالى: ﴿ وَمَا عَلَّمْتُمْ ﴾ ابتداء كلام وخبره: ﴿ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ ﴾ فيصبح الكلام من غير حذف وإضمار، وهو قول حسن.

وأما الجوارح: فهي الكواسب من الطير والسباع ذوات الصيد، والواحدة جارحة، والكلب الضاري جارحة، سميت جوارح؛ لأنها كواسب أنفسها، من: جرح واجترح، إذا اكتسب (١٧) قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد الطير تصيد، والكلاب، والفهود، وعناق الأرض (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) وقال ليث (٢٢) (٢٣) (٢٤) وهذا قول جميع المفسرين (٢٥) (٢٦) (٢٧) ومثل هذا يروى عن السدي أيضًا (٢٨) (٢٩) وقوله تعالى: ﴿ مُكَلِّبِينَ ﴾ .

المُكَلَّب: الذي يعلم الكلاب أخذ الصيد، ويقال للصائد مكلب؛ لأنه يعلم الكلب الصيد (٣٠) فبادَرَه عند الصبَاح مُكَلّبٌّ ...

أزلّ كَسِرحَان الهَزيِمة أَغْبرُ (٣١) قال أهل المعاني: وليس في قوله: (مكلبين) دليل على أنه إنما أبيح صيد الكلاب خاصة؛ لأنه بمنزلة قوله: مؤدبين (٣٢) وقوله تعالى: ﴿ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ ﴾ .

قال الكلبي: تؤدبونهن (٣٣) (٣٤) قال العلماء: وصفة الكلب المعلم الذي يحل صيده هو أن يكون إذا أرسله صاحبه وأشلاه استشلى (٣٥) (٣٦) وقوله تعالى: ﴿ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ ﴾ .

(قال النحويون (٣٧) (٣٨) وقال الأخفش: من ههنا زائدة، (والمعنى: فكلوا (٣٩) (٤٠) وقال غيره: هذا خطأ؛ لأن مِنْ لا تزاد في الواجب، وإنما تزاد في النفي والاستفهام.

ومعنى (مِن) في: ﴿ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ  ﴾ (٤١) (٤٢) (٤٣) قال العلماء: إذا كان الضاري وهو الكلب معلمًا كما وصفنا، ثم صاد صيدًا (فجرحه (٤٤) (٤٥) (٤٦) (٤٧) (٤٨) (٤٩) (٥٠) (٥١) (٥٢) (٥٣) (٥٤) هذا كله إذا لم يأكل، فإن أكل منه فقد اختلف فيه العلماء.

فعند ابن عباس وطاوس والشعبي وعطاء والسدي: أنه لا يحل ولا يؤكل (٥٥) قال ابن عباس: إذا أرسلت الكلب فأكل من صيده فهو (ميتة، لا يحل أكله) (٥٦) (٥٧) (٥٨) وهذا (هو الأشهر (٥٩) (٦٠)  قال لعدي بن حاتم: "إذا أرسلت كلبك (فاذكر اسم الله (٦١) (٦٢) (٦٣) (٦٤) (٦٥) وعند سلمان الفارسي وسعد بن أبي وقاص وابن عمر وأبي هريرة أنه يحل وإن أكل (٦٦) (٦٧) (٦٨) ولا فرق فيما ذكرنا بين الطيور المعلمة والسباع المعلمة.

وقال سعيد (بن جبير (٦٩) (٧٠) (٧١) وقوله تعالى: ﴿ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ .

يعني إذا أرسلتم الكلاب.

قال الكلبي وغيره من المفسرين (٧٢) وقال ابن عباس في رواية عطاء: ﴿ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ إذا أطلقت، فإن نسيت حين تطلق كلبك اسم الله فلا بأس أن تأكله، فإن المؤمن مؤمن واسم الله المؤمن، والمسلم مسلم، واسم الله السلام (٧٣) وقال الحسن: إذا أرسل المؤمن كلبه (ونسي (٧٤) (٧٥) قال العلماء: الأولى الذبح علي اسم الله، وإرسال الجوارح على اسم الله، فمن ترك اسم الله فذبيحته؛ حلال لما قال رسول الله  : "المؤمن يذبح على اسم الله، سمّى أو لم يُسمّ" (٧٦) وهو ما فسر ابن عباس والحسن.

وقالت عائشة لرسول الله  : إن الأعراب يأتوننا بلحوم الصيد، ولا ندري سموا الله عليها أم لا.

فقال رسول الله  : "سموا أنتم وكلوا" (٧٧) قال أهل المعاني: الهاء في قوله: (عليه) تعود إلى الإرسال (٧٨) (١) هو أبو طريف عدي بن حاتم بن سعد بن الحشرج الطائي ولد الجواد المشهور، أسلم سنة تسع أو عشر وكان نصرانيًا وحسن إسلامه وثبت على إسلامه في الردة، وقد شهد بعض الفتوحات وتوفي  سنة 67هـ وقيل بعدها.

انظر: "أسد الغابة" 4/ 8، و"سير أعلام النبلاء" 3/ 162، و"الإصابة" 2/ 468.

(٢) هو أبو مكنف زيد بن مهلهل بن زيد بن منهب الطائي، وفد على النبي  وكان يسمى زيد الخيل، فسماه  زيد الخير كان شاعرًا خطيبًا شجاعًا من أجمل الناس، ومات  بعد وفاة النبي  .

انظر: " الاستيعاب" 2/ 127، و"أسد الغابة" 2/ 301، و"الإصابة" 1/ 572.

(٣) أخرجه ابن أبي حاتم، انظر ابن كثير في "تفسيره" 2/ 18، وإسناده ضعيف.

انظر: "تهذيب التهذيب" 7/ 198، وله شاهد عن عدي عند الطبري في "تفسيره" 6/ 91، وذكر الأثر المؤلف في "أسباب النزول" ص 194.

(٤) ساقط من (ش) بسبب طمس.

(٥) غير ظاهر في (ش).

(٦) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 149، و"مشكل إعراب القرآن" 1/ 219.

(٧) "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 107.

(٨) غير ظاهر في (ش).

(٩) جمع ضب، وهو دويبة معروفة يشبه الوَرَل، والأنثى: ضبة.

انظر: "اللسان" 4/ 2543 (ضبب).

(١٠) جمع يربوع: دويبة فوق الجُرَذ.

انظر: "اللسان" 3/ 1562 (ربع).

(١١) "تهذيب اللغة" 3/ 2147، وانظر: "اللسان" 5/ 2731 (طيب).

(١٢) هذا إذا وافق التشريع عند نزول القرآن وجاء على لسان الرسول  الحلال والحرام في هذا الشأن، وليس المراد أن استطابة العرب مصدر للتشريع في التحليل والتحريم في هذا المضمار، والله أعلم.

(١٣) انظر: "زاد المسير" 2/ 291.

(١٤) انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 454 و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 107.

(١٥) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 149.

(١٦) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 88، و"بحر العلوم" 1/ 417، والبغوي في "تفسيره" 3/ 16.

(١٧) من "تهذيب اللغة" 1/ 572 (جرح)، وانظر: "مجاز القرآن" 1/ 154، و"معاني القرآن" للأخفش 2/ 464، و"غريب القرآن" لابن قتيبة ص 139، والطبري في "تفسيره" 6/ 88.

(١٨) عناق الأرض: دابة من السباع أصغر من الفهد تصيد الطيور.

انظر: "اللسان" 5/ 3136 (عنق).

(١٩) الباشق: بفتح الشين اسم طائر جارح، انظر: "اللسان" 1/ 289 (٢٠) الزُّمَّج:- بضم الزاي وتشديد الميم المفتوحة طائر جارح دون العقاب يصاد به، وقيل: هو ذكر العقبان.

انظر: "اللسان" 3/ 1860 (زمج).

(٢١) لم أقف عليه.

(٢٢) في (ج): الليث.

(٢٣) هو أبو بكر ليث بن أبي سليم أيمن أو أنس بن زنيم الكوفي الليثي، من أوعية العلم وكان صاحب سنة، صدوق في الرواية لكنه اختلط وحديثه عند مسلم والأربعة، توفي رحمه الله سنة 148هـ.

انظر: "سير أعلام النبلاء" 6/ 179، و"ميزان الاعتدال" 3/ 420، و"التقريب" 464 رقم (5685).

(٢٤) أخرجه بنحوه من عدة طرق عن مجاهد: الطبري في "تفسيره" 6/ 89، وانظر: "تفسير مجاهد" 1/ 186.

(٢٥) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 89 - 90، و"النكت والعيون" 2/ 15، والبغوي في "تفسيره" 3/ 16.

(٢٦) في (ج): ابن عمرو.

(٢٧) أخرجه بنحوه الطبري في "تفسيره" 6/ 90، وانظر: "النكت والعيون" 2/ 15.

(٢٨) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 90، وانظر البغوي في "تفسيره" 3/ 16.

(٢٩) قال الطبري في "تفسيره": وأولى القولين بتأويل الآية قول من قال: كل ما صاد من الطير والسباع فمن الجوارح، وأن صيد جميع ذلك حلال إذا صاد بعد التعليم؛ لأن الله جل ثناؤه عمّ بقوله: ﴿ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ ﴾ كل جارحة ولم يخصص منها شيئًا.

"جامع البيان" 6/ 90 - 91، وانظر البغوي في "تفسيره" 3/ 16.

(٣٠) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 149، و"بحر العلوم" 1/ 417، و"النكت والعيون" 2/ 15، والبغوي في "تفسيره" 3/ 16، و"اللسان" 7/ 3911 (كلب).

(٣١) لم أقف عليه.

(٣٢) انظر: "النكت والعيون" 2/ 15، و"زاد المسير" 2/ 292.

(٣٣) في (ج): (تؤدبوهن).

(٣٤) "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 107، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 417، والبغوي في "تفسيره" 3/ 16.

(٣٥) أشلاه: أي أغراه انظر: "اللسان" 14/ 2319 (شلا).

(٣٦) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 92، و"النكت والعيون" 2/ 15، والبغوي في "تفسيره" 3/ 16.

(٣٧) ما بين القوسين ساقط من (ج).

(٣٨) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 98 - 99، و"الدر المصون" 4/ 204.

وقد رجح الطبري في "تفسيره" والسمين هذا القول.

(٣٩) ما بين القوسين ساقط من (ش).

(٤٠) انظر: "معاني القرآن" 2/ 464، و"زاد المسير" 2/ 294، و"الدر المصون" 4/ 204.

(٤١) سياق هذه الآية في مقام الرد على الأخفش؛ لأنه قد اعتبر من في آية النساء هذه كما في آية البقرة.

انظر: "معاني القرآن" 2/ 464.

(٤٢) ما بين القوسين ساقط من (ش).

(٤٣) انظر: الطبري في "تفسيره" 9/ 569 ، 570 والقرطبي في "تفسيره" 6/ 73، و"البحر المحيط" 3/ 430.

(٤٤) ساقط من (ش).

(٤٥) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 97، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 71، 72.

(٤٦) المعراض: السهم الذي لا ريش عليه "الصحاح" 3/ 1083 (عرض).

(٤٧) غير واضح في (ش).

(٤٨) غير واضح في (ش).

(٤٩) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 97، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 71، 72.

(٥٠) غير واضح في (ش).

(٥١) الظاهر أن المراد بغمه أن يضيق عليه أنفاسه بثقله فيموت الصيد بالغم.

(٥٢) غير واضح في (ش).

(٥٣) غير واضح في (ش).

(٥٤) غير واضح في (ش).

(٥٥) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 92 - 98، و"النكت والعيون" 2/ 16، والبغوي في "تفسيره" 3/ 16.

(٥٦) غير ظاهر في (ش).

(٥٧) غير ظاهر في (ش).

(٥٨) أخرجه بمعناه من طريق العوفي: الطبري في "تفسيره" 6/ 98، وقد ثبت نحو هذا القول لابنه في "صحيح البخاري" (5483) كتاب الذبائح والصيد، باب (7): إذا أكل الكلب 6/ 220.

(٥٩) غير واضح في (ش).

(٦٠) انظر: "الأم" 2/ 226، وابن كثير في "تفسيره" 2/ 19، وذكره ابن كثير في "تفسيره" أنه رأي الجمهور واختار هذا القول الطبري في "تفسيره" 6/ 96.

(٦١) غير واضح في (ش).

(٦٢) طمس في (ش).

(٦٣) غير واضح في (ش).

(٦٤) طمس في (ش).

(٦٥) أخرجه البخاري (5484) كتاب الذبائح والصيد، باب (8): الصيد إذا غاب عنه يومين أو ثلاثة 6/ 220، ومسلم (1929) كتاب الصيد والذبائح، باب (1): الصيد بالكلاب المعلمة 3/ 1529 (ح 1).

(٦٦) وهذا رأي الإِمام مالك أيضًا.

انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 95 - 96، و"النكت والعيون" 2/ 15، والبغوي في "تفسيره" 3/ 17.

(٦٧) ما بين القوسين بياض في (ش).

(٦٨) انظر البغوي في "تفسيره" 1/ 17.

(٦٩) غير واضح في (ش).

(٧٠) بياض في (ش).

(٧١) أخرج صدره الخاص بالكلب: الطبري في "تفسيره" 6/ 93، وذكره بطوله الهواري في "تفسيره" 1/ 450.

(٧٢) انظر: "بحر العلوم" 1/ 417، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 107.

(٧٣) لم أقف عليه، وقد ثبت عن ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة أنه قال: إذا أرسلت جوارحك فقل: بسم الله، وإن نسيت فلا حرج، و"تفسيره" ص 171، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 99، وانظر ابن كثير في "تفسيره" 2/ 499.

(٧٤) في (ش): (فنسي).

(٧٥) لم أقف عليه، وانظر: "تفسير الهواري" 1/ 450.

(٧٦) لم أقف عليه.

(٧٧) أخرجه بنحوه البخاري (5507) كتاب الذبائح والصيد، باب (21): ذبيحة الأعراب ونحوهم 6/ 266، وابن ماجة (3174) كتاب الذبائح، باب: التسمية عند الذبح.

(٧٨) هذا معنى قول ابن عباس والسدي.

انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 99، و"زاد المسير" 2/ 294.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ يَسْأَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ ﴾ سببها أن المسلمين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل الكلاب، سألوه ماذا يحل لنا من الكلاب؟

فنزلت مبينة للصيد بالكلاب ﴿ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطيبات ﴾ هي عند مالك الحلال، وذلك مما لم يرد تحريمه في كتاب ولا سنة وعند الشافعي: الحلال المستلذ، فحرم كل مستقذر كالخنافس والضفادع وشبهها لأنها من الخبائث ﴿ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِّنَ الجوارح ﴾ عطف على الطيبات على حذف مضاف تقديره وصيد ما علمتم، أو مبتدأ وخبره فكلوا مما أمسكن عليكم وهذا أحسن، لأنه لا خلاف فيه، والجوارح هي الكلاب ونحوها مما يصطاد به وسميت جوارح لأنها كواسب لأهلها، فهو من الجرح بمعنى الكسب ولا خلاف في جواز الصيد بالكلاب، واختلف فيا سواها ومذهب الجمهور الجواز، للأحاديث الواردة في البازات وغيرها، ومنع بعض ذلك لقوله: ملكبين، فإنه مشتق من الكلب ونزلت الآية بسبب عدي بن حاتم، وكان له كلاب يصطاد بها، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عما يحل من الصيد و ﴿ مُكَلِّبِينَ ﴾ أي معلمين للكلاب الاصطياد، وقيل: معناه أصحاب الكلاب وهو منصوب على الحال من ضمير الفاعل في علمتم ويقتضي قوله: علمتم ومكلبين أنه لا يجوز الصيد إلاّ بجارح معلم، لقوله: وما علمتم وقوله مكلبين على القول الأول لتأكيده ذلك بقوله: تعلمونهنّ، وحدّ التعليم عند ابن القاسم: أن يعلم الجارح الإشلاء والزجر، وقيل: الإشلاء والزجر، وقيل: الإشلاء خاصة، وقيل: أن يجيب إذا دعي ﴿ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ الله ﴾ أي تعلمونهن من الحيلة في الاصطياد وتأتي تحصيل الصيد، وهذا جزء مما علمه الله الإنسان، فن للتبعيض، ويحتمل أن تكون لابتداء الغاية، والجملة في موضع الحال أو استئناف ﴿ فَكُلُواْ مِمَّآ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ ﴾ الأمر هنا للإباحة ويحتمل أن يريد بما أمسكن، سواء أكلت الجوارح منه أو لم تأكل، وهو ظاهر إطلاق اللفظ، وبذلك أخذ مالك، ويحتمل أن يريد مما أمسكن ولم يأكل منه، وبذلك فسره رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: «فإن أكل منه فلا تأكل فإنه إنما أمسك على نفسه» وقد أخذ بهذا بعض العلماء، وقد، ورد في حديث آخر: «إذا أكل فكل» وهو حجة لمالك ﴿ واذكروا اسم الله عَلَيْهِ ﴾ هذا أمر بالتسمية على الصيد، ويجري الذبح مجراه، وقد اختلف الناس في حكم التسمية، فقال الظاهرية: إنها واجبة جملاً للأمر على الوجوب، فإن تركت التسمية عمداً أو نسياناً، لم تؤكل عندهم وقال الشافعي: إنها مستحبة، حملاً للأمر على الندب وتؤكل عنده، سواء تركت التسمية على الصيد ومذهب مالك أنه: إن تركنا التسمية عمداً لم تؤكل، وإن تركت نسياناً أكلت فهي عنده واجبة مع الذكر، ساقطة مع النسيان.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراآت: ﴿ ولا يجرمنكم ﴾ بالنون الخفيفة: روي عن رويس.

الباقون مثقلة.

﴿ شنآن ﴾ في الموضعين بسكون النون: ابن عامر وإسماعيل وأبو بكر وحماد ويزيد من طريق ابن وردان.

الباقون بالفتح.

﴿ أن صدّوكم ﴾ بكسر الهمز: ابن كثير أبو عمرو.

الباقون بالفتح.

﴿ ولا تعاونوا ﴾ بتشديد التاء: البزي وابن فليح.

﴿ الميتة ﴾ و ﴿ فمن اضطر ﴾ كما مر في البقرة.

﴿ واخشوني ﴾ بالياء في الوقف: سهل ويعقوب.

﴿ وأرجلكم ﴾ بالنصب: ابن عامر ونافع وعلي والمفضل وحفص ويعقوب والأعشى في اختياره.

الباقون بالجر.

الوقوف: ﴿ بالعقود ﴾ ط لاستئناف الفعل.

﴿ حرم ﴾ ط ﴿ ما يريد ﴾ ه ﴿ ورضواناً ﴾ ط ﴿ فاصطادوا ﴾ ط لابتداء نهي أن تعتدوا لئلاّ يتوهم العطف وحذف التاء من تعاونوا.

﴿ والتقوى ﴾ ص لعطف المتفقتين ﴿ والعدوان ﴾ ص كذلك ﴿ واتقوا الله ﴾ ط ﴿ شديد العقاب ﴾ ه ﴿ بالأزلام ﴾ ط ﴿ فسق ﴾ ط ﴿ واخشوني ﴾ ط ﴿ دينأً ﴾ ط لأنّ الشرط من تمام التحريم لا مما يليه.

﴿ لإثم ﴾ لا لأن ما بعده جزاء ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ أحل لهم ﴾ ط فصلاً بين السؤال والجواب.

﴿ الطيبات ﴾ ط للعطف أي وصيد ما علمتم ﴿ مما علمكم الله ﴾ ز لفاء التعقيب مع عطف المختلفين.

﴿ عليه ﴾ ص ﴿ واتقوا الله ﴾ ط ﴿ الحساب ﴾ ه ﴿ الطيبات ﴾ ط لأن ما بعده مبتدأ.

﴿ لكم ﴾ ص لعطف المتفقتين ﴿ لهم ﴾ ز لأن قوله: ﴿ والمحصنات ﴾ عطف على ﴿ وطعام الذين ﴾ لا على ما يليه ﴿ أخذان ﴾ ط ﴿ عمله ﴾ ز لعطف المختلفين مع أن ما بعده من تمام جزاء الكفر معنى.

﴿ الخاسرين ﴾ ه ﴿ الكعبين ﴾ ط لابتداء حكم.

﴿ فاطهروا ﴾ ط كذلك.

﴿ وأيديكم منه ﴾ ط ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ واثقكم به ﴾ لا لأن "إذ" ظرف المواثقة ﴿ وأطعنا ﴾ ز لعطف المتفقتين مع وقوع العارض ﴿ واتقوا الله ﴾ ط ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ بالقسط ﴾ ز لعطف المتفقتين مع زيادة نون التأكيد المؤذن بالاستئناف ﴿ أن لا تعدلوا ﴾ ط للاستئناف.

﴿ اعدلوا ﴾ ج وقفة لطيفة لأن الضمير مبتدأ مع شدة اتصال المعنى.

﴿ للتقوى ﴾ ز ﴿ واتقوا الله ﴾ ط ﴿ بما تعملون ﴾ ه ﴿ الصالحات ﴾ لا لأن ما بعده مفعول الوعد أي أن لهم ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ الجحيم ﴾ ه ﴿ أيديهم عنكم ﴾ ج لاعتراض الظرف بين المتفقين ﴿ واتقوا الله ﴾ ط ﴿ المؤمنون ﴾ ه.

التفسير: وفي بالعهد وأوفى به بمعنى.

والعقد وصل الشيء بالشيء على سبيل الاستيثاق والإحكام والعهد وإلزام مع إحكام.

والمقصود من الإيفاء بالعقود أداء تكاليفه فعلاً وتركاً.

والتحقيق أن الإيمان معرفة الله بذاته وصفاته وأحكامه وأفعاله فكأنه قيل: يا أيها الذين التزمتم بأيمانكم أنواع العقود أوفوا بها.

ومعنى تسمية التكاليف عقوداً أنها مربوطة بالعباد كما يربط الشيء بالشيء بالحبل الموثق.

قال الشافعي: إذا نذر صوم يوم العيد أو نذر ذبح الولد لغا لقوله  : " "لا نذر في معصية الله" .

وقال أبو حنيفة: يجب عليه الصوم والذبح لقوله  : ﴿ أوفوا بالعقود ﴾ غايته أنه لغا هذا النذر في خصوص كون الصوم واقعاً في يوم العيد وفي خصوص كون الذبح في الولد.

وقال أيضاً خيار المجلس غير ثابت لقوله: ﴿ أوفوا بالعقود ﴾ وخصص الشافعي عموم الآية بقوله:  : " "المتبايعان كل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا " وقال أبو حنيفة: الجمع بين الطلقات حرام لأن النكاح من العقود بدليل: ﴿ ولا تعزموا عقدة النكاح  ﴾ وقال: ﴿ أوفوا بالعقود ﴾ ترك العمل به في الطلقة الواحدة بالإجماع فيبقى سائرها على الأصل.

والشافعي خصص هذا العموم بالقياس وهو أنه لو حرم الجمع لما نفذ وقد نفذ فلا يحرم.

ثم إنه  لما مهد القاعدة الكلية ذكر ما يندرج تحتها فقال: ﴿ أحلت لكم بهيمة الأنعام ﴾ والبهيمة كل حي لا عقل له من قولهم: استبهم الأمر إذا اشكل.

وهذا باب مبهم أي مسدود.

ثم خص هذا الاسم بكل ذات أربع في البر والبحر.

والأنعام الحافر لأنه مأخوذ من من الإبل والبقر والغنم.

قال الواحدي: ولا يدخل في اسم الأنعام الحافر لأنه مأخوذ من نعومة الوطء، وإضافة البهيمة إلى الأنعام للبيان مثل: خاتم فضة بتقدير من.

وفائدة زيادة لفظ البهيمة مع صحة ما لو قيل أحلت لكم الأنعام كما قال في سورة الحج هي فائدة الإجمال ثم التبيين.

وإنما وحد البهيمة لأنها اسم جمع يشمل أفرادها.

وجمع الأنعام لأن النعم مفرداً يقع في الأكثر على الإبل وحدها.

وقيل: المراد بالبهيمة شيء وبالأنعام شيء آخر وعلى هذا ففيه وجهان: أحدهما أن البهيمة الظباء وبقرة الوحش ونحوها كأنهم أرادوا ما يماثل الأنعام ويدانيها من جنس الأنعام في الاجترار وعدم الأنياب فأضيفت إلى الأنعام لملابسة الشبه.

الثاني أنها الأجنة.

عن ابن عباس أن بقرة ذبحت فوجد في بطنها جنين فأخذ ابن عباس بذنبها وقال: هذه بهيمة الأنعام, وعن ابن عمر أنها أجنة الأنعام وذكاته ذكاة أمة، قالت الثنوية: ذبح الحيوانات إيلام والإيلام قبيح وخصوصاً إيلام من بلغ في العجز والحيرة إلى حيث لا يقدر أن يدفع عن نفسه ولم يكن له لسان يحتج على من يقصد إيلامه، والقبيح لا يرضى به الإله الرحيم الحكيم فلا يكون الذبح مباحاً حلالاً، فلقوة هذه الشبهة زعم البكرية من المسلمين أنه  يدفع ألم الذبح عن الحيوانات.

وقالت المعتزلة: إن الإيلام إنما يقبح إذا لم يكن مسبوقاً بجناية ولا ملحوقاً بعوض، وههنا يعوض الله  وتعالى هذه الحيوانات بأعواض شريفة فلا يكون ظلماً وقبيحاً كالفصد والحجامة لطلب الصحة وقالت الأشاعرة: الإذن في ذبح الحيوانات تصرف من الله  في ملكه فلا اعتراض عليه ولذا قال: ﴿ إن الله يحكم ما يريد ﴾ قال بعضهم: ﴿ أحلّت لكم بهيمة الأنعام ﴾ مجمل لاحتمال أن يكون المراد إحلال الانتقاع بجلدها أو عظمها أو صوفها أو بالكل.

والجواب أن الإحلال لا يضاف إلى الذات فتعين إضمار الانتفاع بالبهيمة فيشمل أقسام الانتفاع.

على أن قوله: ﴿ والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون  ﴾ يدل على الانتفاع بها من كل الوجوه، إلاّ أنه ألحق بالآية نوعين من الاستثناء الأول قوله: ﴿ إلاّ ما يتلى عليكم ﴾ أي إلاّ محرم ما يتلى عليكم أو ما يتلى عليكم آية تحريمه, وأجمع المفسرون على أن الآية قوله بعد ذلك: ﴿ حرمت عليكم الميتة والدم ﴾ والثاني قوله: ﴿ غير محلي الصيد وأنتم حرم ﴾ اي داخلون في الحرم أو في الإحرام.

قال الجوهري: رجل حرام أي محرم والجمع حرم مثل قذال وقذل.

وقيل: مفرد يستوي فيه الواحد والجمع كما يقال قوم جنب، وانتصاب: ﴿ غير محلي ﴾ على الحال من الضمير في: ﴿ لكم ﴾ أي أحلت لكم هذه الأشياء لا محلين الصيد في حالة الإحرام وفي الحرم.

ثم كان لقائل أن يقول: ما السبب في إباحة الأنعام في جميع الأحوال وإباحة الصيد في بعض الأحوال؟

فقيل: إن الله يحكم ما يريد فليس لأحد اعتراض على حكمه ولا سؤال بلم وكيف.

ثم أكد النهي عن مخالفة تكاليفه بقوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ﴾ الأكثرون على أنها جمع شعيرة: "فعيلة" بمعنى: "مفعلة".

وقال ابن فارس: واحدها شعارة.

ثم المفسرون اختلفوا على قولين: أحدهما أنها عامة في جميع تكاليفه ومنه قول الحسن: شعائر الله دين الله.

والثاني أنها شيء خاص من التكاليف.

ثم قيل: المراد لا تحلوا ما حرم الله عليكم في حال إحرامكم من الصيد.

وقيل: الأفعال التي هي علامات الحج التي يعرف بها من الإحرام والطواف والسعي والحلق والنحر.

وقال الفراء: كانت عامة العرب لا يرون الصفا والمروة من شعائر الحج فنهوا عن ترك السعي بينهما.

وقال أبو عبيدة: الشعائر الهدايا التي تطعن في سنامها وتقلد ليعلم أنها هدي.

وقال ابن عباس: "إن الحطم واسمه شريح بن ضبيعة الكندي أتى النبي  من اليمامة إلى المدينة فخلف خيله خارج المدينة ودخل وحده على النبي  فقال له: إلام تدعو الناس؟

فقال: إلى شهادة أن لا إله إلاّ الله وإقام الصلاة وايتاء الزكاة.

فقال: حسن إلاّ أن لي أمراء لا أقطع أمراً دونهم، ولعلي أسلم وآتي بهم.

وقد كان النبي  قال لأصحابه: يدخل عليكم رجل يتكلم بلسان شيطان ثم خرج من عنده.

فلما خرج قال رسول الله  : لقد دخل بوجه كافر وخرج بعقبي غادر وما الرجل بمسلم .

فمرّ بسرح المدينة فاستاقه فطلبوه فعجزوا عنه، فلما خرج رسول الله  إلى عمرة القضاء سمع تلبية حجاج اليمامة فقال لأصحابه: هذا الحطم وأصحابه وكان قد قلد ما نهب من سرح المدينة وأهداه إلى الكعبة، فلما توجهوا في طلبه أنزل الله  : ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ﴾ " يريد ما أشعر لله وإن كانوا على غير دين الإسلام.

وقال زيد بن أسلم: "كان رسول الله  وأصحابه بالحديبية حين صدهم المشركون وقد اشتد ذلك عليهم، فمر بهم ناس من المشركين يريدون العمرة، فقال أصحاب رسول الله  : نصد هؤلاء عن البيت كما صدنا أصحابهم؟

فأنزل الله: ﴿ لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام ﴾ " أي قوماً قاصدين إياه.

والمعنى لا تعتدوا على هؤلاء العمار لأن صدكم أصحابهم فالشهر الحرام شهر الحج أعني ذا الحجة، أو المراد رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم وعبر عنها بلفظ الواحد اكتفاء باسم الجنس، أي لا تحلوا القتال في هذه الأشهر.

والهدي ما أهدى إلى البيت وتقرب به إلى الله من النسائك جمع هدية.

والقلائد جمع قلادة وهي ما قلد به الهدي من نعل أو عروة مزادة أو لحاء شجر الحرم.

والمراد لا تحلو ذوات القلائد من الهدي أفرد للاختصاص بالفضل مثل وجبريل وميكال.

ويحتمل أنه نهي عن التعرض للقلائد ليلزم النهي عن ذوات القلائد بالطريق الأولى كقوله: ﴿ ولا يبدين زينتهن  ﴾ فإنه نهي عن إبداء الزينة مبالغة في النهي عن إبداء مواقعها.

وللمفسرين خلاف في الآية فذهب كثير منهم كابن عباس ومجاهد والحسن والشعبي وقتادة أنها منسوخة، وذلك أن المسلمين والمشركين كانوا يحجون جميعاً فنهى المسلمون أن يمنعوا أحداً عن/ حج البيت بقوله: ﴿ لا تحلوا ﴾ ثم نزل بعد ذلك: ﴿ إنما المشركون نجس  ﴾ ﴿ ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله  ﴾ وهؤلاء فسروا ابتغاء الفضل بالتجارة، وابتغاء الراضوان بأن المشركين كانوا يظنون في أنفسهم أنهم على شيء من الدين وأن الحج يقرّبهم إلى الله فوصفهم الله بظنهم.

وقال الآخرون: إنها محكمة وإنه  أمرنا ﴿ ورضواناً ﴾ وأن يرضى عنهم وهذا إنما يليق بالمسلم لا بالكافر.

وقال أبو مسلم: المراد بالآية الكفار الذين كانوا في عهد رسول الله  ، فلما زال العهد بسورة براءة زال ذلك الخطر.

﴿ وإذا حللتم فاصطادوا ﴾ ظاهر الأمر للوجوب إلاّ أنه يفيد ههنا الإباحة لأنه لما كان المانع من حل الاصطياد هو الإحرام لقوله: ﴿ غير محلي الصيد وأنتم حرم ﴾ فإذا زال الإحرام رجع إلى أصل الإباحة ﴿ ولا يجرمنكم ﴾ معطوف على ﴿ لا تحلوا ﴾ وجرم بمعنى كسب من حيث المعنى ومن حيث تعدية إلى مفعول واحد تارة وإلى مفعولين أخرى.

تقول: جرم ذنباً نحو كسبه وجرمته ذنباً نحو كسبته إياه وهذا هو المذكور في الآية.

الشنآن بالتحريك والتسكين مصدر شنأته أشنؤه وكلاهما شاذ فالتحريك شاذ في المعنى لأن فعلان من بناء الحركة والاضطراب كالضربان الخفقان.

والتسكين شاذ في اللفظ لأنه لم يجيء شيء من المصادر عليه قاله الجوهري.

ومعنى الآية لا يكسبنكم بغض قوم الاعتداء أو لا يحملنكم بغضهم على الاعتداء.

وقوله: ﴿ أن صدوكم ﴾ من قرأ بكسر الهمزة فهو شرط وجوابه ما يدل عليه ﴿ لا يجرمنكم ﴾ ، ومن قرأ بفتح "أن" فمعناه التعليل أي لأن صدوكم.

قيل: هذه القراءة أولى لأن المراد منع أهل مكة رسول الله  والمؤمنين يوم الحديبية عن العمرة والسورة نزلت بعد الحديبية ﴿ وتعاونوا على البر والتقوى ﴾ على العفو والإغضاء أو على كل ما يعدّ براً وتقوى.

﴿ ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ﴾ على الانتقام والتشفي أو على كل ما يورث الإثم والتجاوز عن الحد.

والحاصل أن الباطل والإثم لا يصلح لأن يقتدى به ويعان عليه وإنما اللائق بالاقتداء به والتعاون عليه هو الخير والبر وما فيه تقوى الله  وتعالى .

ثم بالغ في هذا المعنى بقوله: ﴿ واتقوا الله ﴾ أي في استحلال محارمه.

﴿ إن الله شديد العقاب ﴾ ثم شرع في تفصيل الاستثناء الموعود تلاوته في قوله: ﴿ إلاّ ما يتلى عليكم ﴾ فقال: ﴿ حرمت عليكم الميتة ﴾ الآية.

والمجموع المستثنى أحد عشر نوعاً: الأول الميتة كانوا يقولون إنكم تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل الله.

قالت العقلاء: الحكمة في تحريم الميتة أن الدم جوهر لطيف فإذا مات الحيوان حتف أنفه احتبس الدم في عروقه وتعفن فيحصل من أكله مضار كثيرة.

الثاني الدم كانوا يأكلون الفصيد وهو دم كان/ يجعل في معىً من فصد عرق ثم يشوى فيطعمه الضيف في الأزمة ومنه المثل: "لم يحرم من فصد له" أي فصد له البعير وربما يقال: "من فزد له" الثالث لحم الخنزير.

قالت العلماء: الغذاء يصير جزءاً من جوهر المغتذي ولا بد أن يحصل للمغتذي أخلاق وصفات من جنس ما كان حاصلاً في الغذاء، والخنزير مطبوع على الحرص والشره فحرم أكله لئلا يتكيف الإنسان بكيفيته.

وأما الغنم فإنها في غاية السلامة وكأنها عارية عن جميع الأخلاق فلا تتغير من أكلها أحوال الإنسان.

والرابع: ﴿ ما أهل لغير الله به ﴾ والإهلال رفع الصوت وكانوا يقولون عند الذبح باسم اللات والعزى وقد مر في سورة البقرة سائر ما يتعلق بهذه الأنواع الأربعة فليرجع إليها.

الخامس المنخنقة كانوا في الجاهلية يخنقون الشاة فإذا ماتت أكلوها.

وقد تنخنق بحبل الصائد وقد يدخل رأسها بين عودين في شجرة فتنخنق فتموت، وبالجملة فبأي وجه انخنقت فهي حرام.

السادس الموقوذة وهي المقتولة بالخشب.

وقذها إذا ضربها حتى ماتت ومنها ما رمي بالبندق فمات.

السابع المتردية التي تقع في الردى وهو الهلاك، وتردى إذا وقع في بئر أو سقط من موضع مرتفع ويدخل فيه ما إذا أصابه سهم وهو في الجبل فسقط على الأرض فإنه يحرم أكله لأنه لا يعلم أن زهوق روحه بالتردي أو بالسهم.

الثامن النطيحة التي نطحتها أخرى فماتت بسببه، ولا يخفى أن هذه الأقسام الأربعة داخلة في الميتة دخول الخاص في العام فأفردت بالذكر لمزيد البيان.

والهاء في المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة لأنها صفات الشاة بناء على أغلب ما يأكله الناس وإلاّ فالحكم عام.

وإنما أنث النطيحة مع أن "فعيلا" بمعنى "مفعول" لا يدخله الهاء كقولهم: كف خضيب، ولحية دهين، وعين كحيل، لأن الموصوف غير مذكور.

تقول: مررت بامرأة قتيل فلان فإذا حذفت الموصوف قلت: بقتيلة فلان لئلاّ يقع الاشتباه.

التاسع ما أكل السبع وهو اسم يقع على ما له ناب ويعدو على الإنسان ويفترس الحيوان كالأسد وما دونه.

قال قتادة: كان أهل الجاهلية إذا جرح السبع شيئاً فقتله وأكل بعضه أكلوا ما بقي فحرمه الله وفي الآية حذف التقدير: وما أكل منه السبع لأن ما أكله السبع فقد نفد ولا حكم له وإنما الحكم للباقي.

قوله: ﴿ إلاّ ما ذكيتم ﴾ الذكاء في اللغة تمام الشيء ومنه الذكاء في الفهم وفي السن التمام فيها، والمذاكي الخيل التي قد أتى عليها بعد قروحها سنة أو سنتان، وتذكية النار رفعها وقوّة اشتعالها، والتذكية كمال الذبح.

أما المستثنى منه فعن علي وابن عباس والحسن وقتادة أنه جميع ما تقدم من قوله: ﴿ والمنخنقة ﴾ إلى قوله: ﴿ وما أكل السبع ﴾ والمعنى أنك إن أدركت ذكاته بأن وجدت له عيناً تطرف أو ذنباً يتحرك أو رجلاً تركض فاذبح فهو حلال لأن ذلك دليل الحياة المستقرة.

وقيل: إنه مختص بقوله: ﴿ وما أكل السبع ﴾ وقيل: إنه استثناء منقطع من المحرمات كأنه قيل: لكن ما ذكيتم من غير هذا/ فهو حلال، أو من التحريم أي حرم عليكم ما مضى إلاّ ما ذكيتم فإنه لكم حلال.

العاشر ما ذبح على النصب وهو مفرد وجمعه أنصاب كطنب وأطناب وهو كل ما نصب فعبد من دون الله قاله الجوهري.

وضعف بأنه حينئذ يكون كالتكرار لقوله: ﴿ وما أهل لغير الله به ﴾ وقال ابن جريج: النصب ليست بأصنام فإن الأصنام أحجار مصوّرة منقوشة، وهذه النصب أحجار كانوا ينصبونها حول الكعبة وكانوا يذبحون عندها للأصنام وكانوا يلطخونها بتلك الدماء ويشرحون اللحوم عليها، فالمراد ما ذبح على اعتقاد تعظيم النصب، ويحتمل أن يكون الذبح للأصنام واقعاً عليها.

وقيل: النصب جمع إما لنصاب كحمر وحمار أو لنصب كسقف وسقف.

الحادي عشر ما أبدعه أهل الجاهلية وإن لم يكن من جملة المطاعم أي حرم عليكم بأن تستقسموا بالأزلام، وإنما ذكر مع الذبح على النصب لأنهم كانوا يفعلون كلاً منهما عند البيت؛ كان أحدهم إذا أراد سفراً أو غزواً أو تجارة أو نكاحاً أو أمراً آخر من معاظم الأمور ضرب القداح وكانوا قد كتبوا على بعضها: "أمرني ربي" وعلى بعضها: "نهاني ربي" وتركوا بعضها غفلاً أي خالياً عن الكتابة.

فإن خرج الأمر أقدم على الفعل وإن خرج النهي أمسك، وإن خرج الغفل أعاد العمل.

فمعنى الاستقسام بالأزلام طلب معرفة الخير والشر بواسطة ضرب القداح.

وقال كثير من أهل اللغة: الاستقسام ههنا هو الميسر المنهي عنه.

والأزلام قداح الميسر والتركيب يدور على التسوية والإجادة.

يقال: ما أحسن مازلم سهمه أي سوّاه ورجل مزلم إذا كان مخفف الهيئة وامرأة مزلمة إذا لم تكن طويلة ﴿ ذلكم فسق ﴾ إشارة إلى جميع ما تقدم من المحرمات أي تناولها فسق، ويحتمل أن يرجع الى الاستقسام بالإزلام فقط.

وكونه فسقاً بمعنى الميسر ظاهر، وأما بمعنى طلب الخير والشر فوجهه أنهم كانوا يجيلونها عند أصنامهم ويعتقدون أن ما خرج من الأمر أو النهي هو إرشاد الأصنام وإعانتها فلذلك كان فسقاً وكفراً.

وقال الواحدي: إنما حرم لأنه طلب معرفة الغيب وأنه  مختص بمعرفته، وضعف بأن طلب الظن بالأمارات المتعارفة غير منهي كالتعبير والفأل وكما يدعيه أصحاب الكرامات والفراسات.

ثم إنه  حرض على التمسك بما شرع فقال: ﴿ اليوم يئس ﴾ قيل: ليس المراد يوماً بعينه وإنما أراد الزمان الحاضر وما يتصل به من الأزمنه الماضية والآتية كقولك: كنت بالأمس شاباً وأنت اليوم شيخ.

وقيل: المراد يوم معين وذلك أنها نزلت يوم الجمعة وكان يوم عرفة بعد العصر في حجة الوداع سنة عشر والنبي  واقف على ناقته العضباء.

وعن ابن عباس أنه قرأ الآية ومعه يهودي فقال اليهودي: لو نزلت علينا في يوم لاتخذناه عيداً.

فقال ابن عباس: إنها نزلت في عيدين اتفقا في يوم واحد في يوم جمعة وافق يوم عرفة أي/ يئسوا من أن يحللوا هذه الخبائث بعد أن جعلها الله  محرمة أو يئسوا من أن يغلبوكم على دينكم لأنه حقق وعده بإظهار هذا الدين على سائر الأديان ﴿ فلا تخشوهم واخشون ﴾ أخلصوا إلي الخشية.

قيل: في الآية دليل على أن التقية جائزة عند الخوف لأنه علل إظهار هذه الشرائع بزوال الخوف من الكفار.

﴿ اليوم أكملت لكم دينكم ﴾ سئل ههنا إنه يلزم منه أن الدين كان ناقصاً قبل ذلك، وكيف يجوز أن يكون النبي  مواظباً على الدين الناقص أكثر عمره؟

وأجيب بأنه كقول الملك إذا استولى على عدوه: اليوم كمل ملكنا.

وزيف بأنّ السؤال بعد باقٍ لأنّ ملك ذلك الملك لا بد أن يكون قبل قهر العدوّ ناقصاً.

وقيل: المراد إني أكملت لكم ما تحتاجون إليه في تكاليفكم من تعليم الحلال والحرام وقوانين القياس وأصول الاجتهاد، وضعف بأنه يلزم أن لا يكمل لهم قبل ذلك اليوم ما كانوا محتاجين إليه من الشرائع، وتأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز.

والمختار في الجواب أن الدين كان أبداً كاملاً بمعنى أنّ الشرائع النازلة من عند الله في كل وقت - ناسخة أو منسوخة أو مجملة أو مبينة أو غير ذلك - كافية بحسب ذلك الوقت وفي آخر زمان البعثة حكم ببقاء الأحكام على حالها من غير نسخ وزيادة ونقص إلى يوم القيامة.

قال نفاة القياس: إكمال الدين أن يكون حكم كل واقعة منصوصاً عليه فلا فائدة في القياس.

وأجيب بأن إكماله هو جعل النصوص بحيث يمكن استنباط أحكام نظائرها منها.

قالوا: تمكين كل أحد أن يحكم بما غلب على ظنه لا يكون إكمالاً للدين وإنما يكون إلقاء للناس في ورطة الظنون والأوهام.

وأجيب بأنه إذا كان تكليف كل مجتهد أن يعمل بمقتضى ظنه كان كل مجتهد قاطعاً بأنه عامل بحكم الله.

روي أنه لما نزلت الآية على النبي  فرح الصحابة وأظهروا السرور إلاّ أكابرهم كأبي بكر الصدّيق وغيره فإنهم حزنوا وقالوا: ليس بعد الكمال إلاّ الزوال.

وكان كما ظنوا فإنه لم يعمر بعدها إلاّ أحدا وثمانين يوماً أو اثنين وثمانين يوماً ولم يحصل في الشريعة بعدها زيادة ولا نسخ ولا نقص.

قال العلماء: كان ذلك جارياً مجرى إخبار النبي  عن قرب وفاته وذلك إخبار بالغيب فيكون معجزاً.

واحتجت الأشاعرة بالآية على أن الدين - سواء قيل إنه العمل أو المعرفة أو مجموع الاعتقاد والإقرار والعمل - لا يحصل إلاّ بخلق الله وإيجاده فإنه لن يكون إكمال الدين منه إلاّ وأصله منه.

والمعتزلة حملوا ذلك على إكمال بيان الدين وإظهار الشرائع.

ثم قال: ﴿ وأتممت عليكم نعمتي ﴾ أي بذلك الإكمال لأنه لا نعمة أتم من نعمة الإسلام، أو نعمتي بفتح مكة ودخولها آمنين ظاهرين ﴿ ورضيت ﴾ أي اخترت ﴿ لكم الإسلام ديناً ﴾ نصب على الحال أو مفعول ثان إن ضمن رضيت معنى صيرت.

واعلم أن قوله: ﴿ ذلكم فسق ﴾ إلى ههنا اعتراض أكد به معنى التحريم لأنّ تحريم هذه الخبائث من جملة الدين الكامل والنعمة التامة واختيار دين الإسلام للناس/ من بين سائر الأديان.

ثم بين الرخصة بقوله: ﴿ فمن اضطر في مخمصة ﴾ أي في مجاعة وأصل الخمص ضمور البطن ﴿ غير متجانف ﴾ منصوب باضطرّ أو بمضمر أي فتناول غير منحرف إلى إثم بأن يأكل فوق الشبع أو عاصياً بسفره، وقد مرّ القول في هذه الرخصة مستوفي في سورة البقرة.

﴿ يسألونك ماذا أحل لهم ﴾ كأنهم حين تلي عليهم ما حرّم عليهم من خبيثات المآكل سألوا عما أحل لهم والسؤال في معنى القول.

وإنما لم يقل ماذا أحل لنا على حكاية قولهم نظراً إلى ضمير الغائب في: ﴿ يسئلونك ﴾ ومثل هذا يجوز فيه الوجهان.

تقول: أقسم زيد ليفعلن أو لأفعلن.

أما سبب النزول فعن أبي رافع "أن جبريل  جاء إلى النبي  فاستأذن عليه فأذن له فلم يدخل، فخرج رسول الله  فقال جبريل: إنا لا ندخل بيتاً فيه كلب ولا صورة.

فنظروا فإذا في بعض بيوتهم جرو.

قال أبو رافع: فأمرني أن لا أدع بالمدينة كلباً إلاّ قتلته حتى بلغت العوالي فإذا أمرأة عندها كلب يحرسها فرحمتها فتركته فأتيت النبي  فأخبرته فأمرني بقتله، فرجعت إلى الكلب فقتلته، فجاء ناس فقالوا: يا رسول الله ماذا يحل لنا من هذه الأمة التي تقتلها فسكت رسول الله  إلى أن نزلت هذه الآية.

فأمر بقتل الكلب العقور وما يضر ويؤذي وأذن في اقتناء الكلاب التي ينتفع بها" .

وقال سعيد بن جبير: "نزلت في عدي بن حاتم وزيد الخيل الذي سماه رسول الله  زيد الخير حين قالا: يا رسول الله إنا قوم نصيد بالكلاب والبزاة وإنها تأخذ البقر والحمر والظباء والضب فمنه ما ندرك ذكاته ومنه ما نقتل فلا ندرك وقد حرّم الله الميتة فماذا يحل لنا منها فنزل: ﴿ قل أحل لكم الطيبات ﴾ " أي ما ليس بخبيث منها وهو ما لم يأت تحريمه في كتاب أو سنة أو قياس مجتهد، أو أحل لكم كل ما يستلذ ويشتهى عند أهل المروءة والأخلاق الجميلة، واعلم أن الأصل في الأعيان الحل لأنها خلقت لمنافع العباد ﴿ هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً  ﴾ واستثنى من ذلك أصول: الأوّل: تنصيص الكتاب على تحريمه كالميتة والدم وغيرهما.

الثاني: تنصيص السنة كما روي عن جميع من الصحابة أن النبي  نهى عام خيبر عن نكاح المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية والبغال كالحمير.

ولا تحرم الخيل عند الشافعي لما روي عن جابر أنه قال: "نهانا رسول الله  عن البغال والحمير ولم ينهنا عن الخيل" .

الثالث: ما هو في معنى المنصوص كالنبيذ فإنه مسكر كالخمر فيشاركها في التحريم.

الرابع: كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطيور وقد مر معنى السبع عن قريب فلا يحل بموجب هذا الأصل الكلب والأسد والذئب والنمر والفهد والدب والببر والقرد والفيل لأنها تعدو بأنيابها، ولا يحل من الطيور البازي/ والشاهين والصقر والعقاب وجميع جوارح الطير.

الخامس: ما أمر بقتله من الحيوانات فهو حرام لأنّ الأمر بقتله إسقاط لحرمته ومنع من اقتنائه.

ولو كان مأكولاًَ لجاز اقتناؤه للتسمين وإعداده للأكل وقت الحاجة.

ومنه الفواسق الخمس.

روي أنه  قال: "خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم الحية والفأرة والغراب الأبقع والكلب والحدأة " .

السادس ما ورد النهي عن قتله فهو حرام لأنه لو كان مأكولاً لجاز ذبحه ليؤكل كما روي أنه  نهى عن قتل الخطاطيف، وكذا الصرد والنملة والنحلة والهدهد والخفاش.

السابع: الاستطابة والاستخباث لقوله  : ﴿ قل أحل لكم الطيبات ﴾ قال العلماء: فيبعد الرجوع إلى طبقات الناس وتنزيل كل قوم على ما يستطيبون ويستخبثون لأن ذلك يوجب اختلاف الأحكام في الحل والحرمة وذلك يخالف موضوع الشرع.

فالعرب أولى أمة بالاعتبار لأنّ الدين عربي وهم المخاطبون أوّلاً وليس لهم ترفه وتنعم يورث تضييق المطاعم على الناس، ولكن المعتبر استطابة سكان القرى والبلاد دون أجلاف البوادي الذين لا تمييز لهم.

وأيضاً يعتبر أصحاب اليسار والترفه دون أصحاب الضرورات والحاجات.

وأيضاً المعتبر حال الخصب والرفاهية دون حال الجدب والشدة.

والحشرات بأسرها مستخبثة كالذباب والخنفساء والجعلان وحمار قبان إلاّ الضب فإنه  قال: " لا آكله ولا أحرمه" ومن الأصول أنه لا يجوز أكل الأعيان النجسة في حال الاختيار وكذا أكل الطاهر إذا نجس بملاقاة النجاسة كالدهن والسمن الذائب والدبس والخل.

ومن الأصول الكسب بمخامرة النجاسة ولكن كسب الحجام حلال عند الشافعي، ومن الأصول ما يضر كالزجاج والسم والنبات المسكر أو المجنن.

قوله  : ﴿ وما علمتم من الجوارح ﴾ معناه أحل لكم صيد ما علمتم على حذف المضاف لدلالة ﴿ فكلوا مما أمسكن عليه ﴾ ويجوز أن تكون "ما" شرطية والجزاء ﴿ فكلوا ﴾ وعلى هذا يجوز الوقف على ﴿ الطيبات ﴾ والجوارح الكواسب من سباع البهائم والطير كالكلب والفهد والبازي والصقر.

قال  : ﴿ ويعلم ما جرحتم بالنهار  ﴾ أي كسبتم.

وجوّز بعضهم أن يكون من الجراحة.

وقال: ما أخذ من الصيد فلم يسل منه دم لم يحل.

وانتصاب ﴿ مكلبين ﴾ على الحال من ﴿ علمتم ﴾ وفائدة هذه الحال مع الاستغناء عنها بـ ﴿ علمتم ﴾ أن معلم الجوارح ينبغي أن يكون ماهراً في علمه مدرباً فيه موصوفاً بالتكليب.

نقل عن ابن عمر والضحاك والسدي أن ما صادها غير الكلاب فلم يدرك/ ذكاته لم يجز أكله لأنّ قوله: ﴿ مكلبين ﴾ يدل على كون هذا الحكم مخصوصاً بالكلب.

والجمهور على أنّ الجوارح يدخل فيه ما يمكن الاصطياد به من السباع.

قالوا: المكلب مؤدب الجوارح ورائضها لأنّ تصطاد لصاحبها وإنما اشتق من الكلب لكثرة هذا المعنى في جنسه, أو لأنّ كل سبع يسمى كلباً كقوله  : "اللهم سلّط عليه كلباً من كلابك فأكله الأسد" " .

أو من الكلب الذي هو بمعنى الضراوة.

يقال: فلان كلب بكذا إذا كان حريصاً عليه.

وهب أن المذكور في الآية إباحة الصيد بالكلب لكن تخصيصه بالذكر لا ينفي حل غيره لجواز الاصطياد بالرمي وبالشبكة ونحوها مع سكوت الآية عنها ﴿ تعلمونهن ﴾ حال ثانية أو استئناف مما علمكم الله من علم التكليب لأنّ بعضه إلهام من الله أو مما عرفكم أن تعلموه من اتباع الصيد بإرسال صاحبه وإنزجاره بزجره.

واعلم أنه يعتبر في صيرورة الكلب معلماً أمور منها: أن ينزجر بزجر صاحبه في ابتداء الأمر وكذا إذا انطلق واشتد عدوه وحدّته، يشترط أن ينزجر بزجره أيضاً على الأشبه فبه يظهر التأدب.

ومنها أن يسترسل بإرسال صاحبه أي إذا أغري بالصيد هاج.

ومنها أن يمسك الصيد لقوله: ﴿ فكلوا مما أمسكن عليكم ﴾ وفي هذا اعتبار وصفين: أحدهما أن يحفظه ولا يخليه، والثاني أن لا يأكل منه لقوله  لعدي بن حاتم: فإن أكل فلا تأكل منه فإنما أمسكه على نفسه.

وجوارح الطير يشترط فيها أن تهيج عند الإغراء وأن تترك الأكل ولكن لا مطمع في انزجارها بعد الطيران ويشترط عند الشافعي تكرر هذه الأمور بحيث غلب على الظن تأدب الجارحة بها وأقله ثلاث مرات.

ولم يقدر الأكثرون عددالمرات كأنهم رأوا العرف مضطرباً، وطباع الجوارح مختلفة فيرجع إلى أهل الخبرة بطباعها.

وعن سلمان الفارسي وسعد بن أبي وقاص وابن عمر وأبي هريرة أنه يحل وإن أكل فعندهم الإمساك هو أن يحفظه ولا يتركه.

ومعنى الآية كلوا مما تبقي لكم الجوارح وإن كان بعد أكلها منه.

و"من" في ﴿ مما أمسكن ﴾ قيل زائدة نحو ﴿ كلوا من ثمره  ﴾ وقيل مفيدة وذلك أن بعض الصيد لا يؤكل كالعظم والدم والريش.

وقال سعيد بن جبير وأبو حنيفة والمزني: يؤكل ما بقي من جوارح الطير ولا يؤكل ما بقي من الكلب.

والفرق أن تأديب الكلب بالضرب على الأكل ممكن وتأديب الطير غير ممكن.

ولا خلاف أنه إذا كانت الجارحة معلمة ثم تصيد صيداً وجرحته وقتلته وأدركه الصائد ميتاً فهو حلال، وجرح الجارحة كالذبح وإن قتلته بالفم من غير جرح ففي حله خلاف.

أما قوله  : ﴿ واذكروا اسم الله عليه ﴾ فالضمير إما أن يعود إلى ﴿ ما أمسكن ﴾ أي سموا عليه إذا أدركتم ذكاته، أو إلى ﴿ ما علمتم ﴾ أي سموا عليه عند إرساله أو إلى الأكل، وعلى هذا فلا كلام.

وعلى الأول فالتسمية محمولة على الندب عند الشافعي، وعلى الوجوب عند أبي حنيفة وسيجيء تمام المسألة في سورة الأنعام إن شاء الله  .

/ ﴿ اليوم أحلّ لكم الطيبات ﴾ فائدة الإعادة أن يعلم بقاء هذا الحكم عند إكمال الدين واستقراره ﴿ وطعام الذين أوتوا الكتاب حلّ لكم ﴾ الأكثرون على أنّ المراد بالطعام الذبائح لأنّ ما قبل الآية في بيان الصيد والذبائح ولأنّ ما سوى الصيد والذبائح محللة قبل إن كانت لأهل الكتاب وبعد أن صارت لهم فلا يبقى لتخصيصها بأهل الكتاب فائدة.

وعن بعض أئمة الزيدية أن المراد هو الخبز والفاكهة وما لا يحتاج فيه إلى الذكاة.

وقيل: إنه جميع المطعومات ﴿ وطعامكم حلّ لهم ﴾ أي يحل لكم أن تطعموهم من طعامكم لأنه لا يمتنع أن يحرم الله تعلى إطعامهم من ذبائحنا.

وأيضاً فالفائدة في ذكره أن يعلم أن إباحة الذبائح حاصلة في الجانبين وليست كإباحة المناكحة فإنها غير حاصلة في الجانبين ﴿ والمحصنات ﴾ الحرائر أو العفائف من المؤمنات، وعلى الثاني يدخل فيه نكاح الإماء.

وقد يرجح الأول بأنه  قال: ﴿ إذا آتيتموهن أجورهن ﴾ ومهر الإماء لا يدفع إليهن بل إلى ساداتهن، وبأن نكاح المحصنات ههنا مطلق ونكاح الأمة مشروط بعدم طول الحرة وخشية العنت، وبأن تخصيص العفائف بالحل يدل ظاهراً على تحريم نكاح الزانية، وقد ثبت أنه غير محرم.

ولو حملنا المحصنات على الحرائر لزم تحريم نكاح الأمة ونحن نقول به على بعض التقديرات، وبأن وصف التحصين في حق الحرة أكثر ثبواتاً منه في حق الأمة لأن الأمة لا تخلو من البروز للرجال ﴿ والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ﴾ احتج بها كثير من الفقهاء في أنه لا يحل نكاح الكتابية إلاّ إذا دانت بالتوارة والإنجيل قبل نزول الفرقان، لأنّ قوله: ﴿ من قبلكم ﴾ ينافي من دان بهما بعد نزوله.

وكان ابن عمر لا يرى نكاح الكتابيات أصلاً متمسكاً بقوله  ﴿ ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن  ﴾ ويقول: لا أعلم شركاً أعظم من قولها إن ربها عيسى.

وأوّل الآية بأنّ المراد التي آمنت منهن.

فمن المحتمل أن يخطر ببال أحد أن الكتابية، إذا آمنت هل يحل للمسلم التزوج بها أم لا؟

وعن عطاء أن الرخصة كانت مختصة بذلك الوقت لأنه كان في المسلمات قلة ولأن الاحتراز عن مخالطة الكفار واجب.

﴿ ولا تتخذوا بطانة من دونكم  ﴾ وأي خلطة أشد من الزوجية وقد يحدث ولد ويميل إلى دين الأم.

وقال سعيد بن المسيب والحسن: الكتابيات تشمل الذميات والحربيات فيجوز التزوج بكلهن.

وأكثر الفقهاء على أنّ ذلك مخصوص بالذمية فقط وهو مذهب ابن عباس فإنه قال: من أعطى الجزية حل ومن لم يعط لم يحل لقوله  : ﴿ حتى يعطوا الجزية  ﴾ واتفقوا على أن المجوس قد سنّ بهم سنة أهل الكتاب في أخذ الجزية منهم دون أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم.

﴿ إذا آتيتموهن أجورهن ﴾ فيه أن من تزوج امرأة وعزم على أن لا يعطيها صداقاً كان كالزاني.

والزنا/ ضربان: سفاح وهو الزنا على سبيل الإعلان، واتخاذ خدن وهو على سبيل الإسرار فحرمهما الله  في الآية وأحلّ التمتع بهن على سبيل الإحصان وهو التزوج بالشروط والأركان.

ثم حث على التزام التكاليف المذكورة بقوله: ﴿ ومن يكفر بالإيمان ﴾ أي بشرائع الله وتكاليفه التي هي من نتائج الإيمان بالله ورسوله.

وقال ابن عباس ومجاهد: معناه ومن يكفر برب الإيمان أي بالله.

وقال قتادة: ومن يكفر بالقرآن الذي أنزل فيه هذه التكاليف التي لا بد منها في الإيمان فقد خاب وخسر.

وفيه أن أهل الكتاب وإن حصلت لهم فضيلة المناكحة وإباحة الذبائح في الدنيا إلاّ أن ذلك لا يفيدهم في الآخرة لأنّ كل من كفر بالله فقد حبط عمله في الدنيا ولم يصل إلى شيء من السعادات في الآخرة ألبتة.

واعلم أنّ القائلين بالإحباط فسروا قوله: ﴿ قد حبط عمله ﴾ بأنّ عقاب كفره يزيل ما كان حاصلاً له من ثواب أعماله.

ومنكروا الإحباط قالوا: إنّ عمله الذي أتى به بعد ذلك الإيمان قد بان أنه لم يكن معتداً به وكان ضائعاً في نفسه.

ثم إنه  لما افتتح السورة بطلب الوفاء بالعقود فكأن قائلاً قال: عهد الربوبية منك وعهد العبودية منا وأنت أولى بتقديم الوفاء بعهد الربوبية فأجاب الله  نعم أنا أوفى بعهد الربوبية والكرم، ومعلوم أن منافع الدنيا محصورة في نوعين: لذات المطعم ولذات المنكح فبيّن الحلال والحرام من المطاعم والمناكح، وقدم المطعوم على المنكوح لأنه أهم.

وعند تمام هذا البيان كأنه قال: قد وفيت بعهد الربوبية فاشتغل أيها العبد بوظائف العبودية ولا سيما بالصلاة التي هي أعظم الطاعات وبمقدماتها.

ونبني تفسير الآية على مسائل: الأولى ليس المراد بقوله: ﴿ إذا قمتم ﴾ نفس القيام وإلاّ لزم تأخير الوضوء عن الصلاة وهو بالإجماع باطل، وأيضاً لو غسل الأعضاء قبل الصلاة قاعداً أو مضطجعاً لخرج عن العهدة بالإجماع، فالمراد إذا شمرتم للقيام إلى الصلاة وأردتم ذلك ووجه هذا المجاز أنّ الإرادة الجازمة سبب لحصول الفعل وإطلاق اسم المسبب على السبب مجاز مستفيض.

الثانية: ذهب قوم إلى أنّ الأمر بالوضوء تبع للأمر بالصلاة وليس تكليفاً مستقلاً لأنه شرط القيام إلى الصلاة.

والأصح أنه عبادة برأسها لأن قوله: ﴿ فاغسلوا ﴾ أمر ظاهره الوجوب غاية ذلك أنه مقيد بوقت التهيّؤ للصلاة.

وأيضاً إنه طهارة وقد قال  في آخر الآية: ﴿ ولكن يريد ليطهركم ﴾ وقال  : " "بني الدين على النظافة" وقال: " "أمّتي غر محجلون من آثار الوضوء يوم القيامة" والأخبار الواردة في كون الوضوء سبباً لغفران/ الذنوب كثيرة.

الثالثة: قال داود: يجب الوضوء لكل صلاة فإنه ليس المراد قياماً واحداً في صلاة واحدة وإلاّ لزم الإجمال إذ لا دليل على تعيين تلك المرة، والإجمال خلاف الأصل فوجب حمل الآية على العموم.

وأيضاً ذكر الحكم عقيب الوصف المناسب مشعر بالعلية فيتكرر بتكرره فيجب الوضوء عند كل قيام إلى الصلاة.

وأيضاً إنه نظافة فلا يكون منها بدّ عند الاشتغال بخدمة المعبود.

وقال سائر الفقهاء: إنّ كلمة "إذا" لا تفيد العموم ولهذا لو قال لامرأته إذا دخلت الدار فأنت طالق لم تطلق مرة أخرى بالدخول ثانياً.

ويروى "أنّ النبي  كان يتوضأ لكل صلاة إلاّ يوم الفتح فإنه  صلّى الصلوات كلها بوضوء واحد.

قال عمر: فقلت له في ذلك فقال: عمداً فعلت ذلك يا عمر" .

أجاب داود بأنّ خبر الواحد لا ينسخ القرآن.

وأيضاً في الخبر معنيان: أحدهما: وجوب التجديد لكل صلاة لا أقل من استحباب ذلك.

الثاني أنه ترك ذلك يوم الفتح والأوّل يوجب المتابعة والثاني مرجوح لأنّ الفتح يقتضي زيادة الطاعة لا نقصانها.

وأيضاً التجديد أحوط، وأيضاً دلالة ظاهر القرآن قولية ودلالة الخبر فعلية والقولية أقوى.

ولناصر المذهب المشهور أن يقول: التيمم على المتغوّط والمجامع واجب إذا لم يجد الماء لقوله: ﴿ أو جاء أحد منكم من الغائط ﴾ الآية.

وذلك يدل على أنّ وجوب الوضوء قد يكون بسبب آخر سوى القيام إلى الصلاة فلم يكن هو مؤثراً وحده، وإذا لم يكن مؤثراً مستقلاً جاز تخلف الأثر عنه.

نعم التجديد مستحب لأنّ رسول الله  والخلفاء بعده كانوا يتوضؤن لكل صلاة وقال  : " "من توضأ على طهر كتب الله له عشر حسنات" وقيل: كان الوضوء لكل صلاة واجباً أوّل ما فرض ثم نسخ.

الرابعة: الأصح أن في الآية دلالة على أنّ الوضوء شرط لصحة الصلاة لأنه علق فعل الصلاة بالطهور، ثم بيّن أنه متى عدم الماء لم تصح الصلاة إلاّ بالتيمم، فلو لم يكن شرطاً لم يكن كذلك.

وأيضاً إنه أمر بالصلاة مع الوضوء فالآتي بها بدون الوضوء تارك للمأمور به فيستحق العقاب وهذا معنى البقاء في عهدة التكليف.

الخامسة: قال أبو حنيفة: النية ليست شرطاً في الوضوء لأنها غير مذكورة في الآية والزيادة على النص نسخ ونسخ القرآن بخير الواحد وبالقياس غير جائز.

وعند الشافعي هي شرط فيه لأنّ الوضوء مأمور به لقوله: ﴿ فاغسلوا ﴾ ﴿ وامسحوا ﴾ وكل مأمور به يجب أن يكون منوياً لقوله  : ﴿ وما أمروا إلاّ ليعبدوا الله مخلصين  ﴾ والإخلاص النية الخالصة، فأصل النية يجب ان يكون معتبراً.

وغاية ما في الباب أنها مخصوصة في بعض الصور فتبقى حجة في غير محل التخصيص.

السادسة: قال مالك وأبو حنيفة: الترتيب غير مشروط في الوضوء لأن الواو لا تفيد الترتيب، فلو قلنا بوجوبه كان من الزيادة على النص وهو نسخ غير جائز.

وقال الشافعي:/ إنه واجب لأن فاء التعقيب في قوله: ﴿ فاغسلوا ﴾ توجب تقديم غسل الوجه ثم سائر الأعضاء على الترتيب.

وقال  في حديث الصفا: " "ابدؤا بما بدأ الله به" .

وأيضاً الترتيب المعتبر في الحس هو الابتداء من الرأس إلى القدم أو بالعكس، والترتيب العقلي إفراد العضو المغسول عن الممسوح.

ثم إنه  أدرج الممسوح في المغسول فدل هذا على أن الترتيب المذكور في الآية واجب لأن إهمال الترتيب في الكلام مستقبح فوجب تنزيه كلام الله  عنه.

وأيضاً إيجاب الوضوء غير معقول المعنى لأن الحدث يخرج من موضع والغسل يجب في موضع آخر ولأن أعضاء المحدث طاهرة لقوله: "المؤمن لا ينجس حياً ولا ميتاً" وتطهير الطاهر محال ولأن الشرع أقام التيمم مقام الوضوء وليس في التيمم نظافة، وأقام المسح على الخفين مقام الغسل ولا يفيد في نفس العضو نظافة والماء الكدر العفن يفيد الطهارة وماء الورد لا يفيدها فإذن الاعتماد على مورد النص.

ولعل في الترتيب حكماً خفية لا نعرفها أو هو محض التعبد.

وقد أوجبنا رعاية الترتيب في الصلاة مع أن أركان الصلاة غير مذكورة في القرآن مرتبة فرعاية الترتيب في الوضوء مع أن القرآن ناطق به أولى.

السابعة: قال الشافعي وأبو حنيفة: الموالاة في أفعال الوضوء غير واجبة لأن إيجاب هذه الأفعال قدر مشترك بين إيجابها على سبيل الموالاة وإيجابها على سبيل التراخي، وهذا القدر معلوم من الآية ومفيد للطهارة والزائد لا دليل عليه، وأيضاً روي "أنه  رأى رجلاً توضأ وترك لمعة من عقبة فأمره بغسلها ولم يأمره بالاستئناف" ولم يبحث عن المدة الفاصلة، وعند غيرهما شرط كيلا يتخلل بين أجزاء العبادة ما ليس منها، وحدّ التفريق المخل بالموالاة أن يمضي من الزمان ما يجف فيه المغسول مع اعتدال الهواء ومزاج الشخص.

الثامنة: قال أبو حنيفة: الخارج من غير السبيلين ينقض الوضوء لأن ظاهر الآية يقتضي الإتيان بالوضوء لكل صلاة لما مر ترك العمل به عندما لم يخرج الخارج النجس من البدن فيبقى معمولاً به عند خروج الخارج النجس.

وخالفه الشافعي تعويلاً على ما روي "أنه  احتجم وصلى ولم يزد على غسل أثر محاجمه" .

التاسعة: قال مالك: لا وضوء في الخارج من السبيلين إذا كان غير معتاد وسلم في دم الاستحاضة لنا التمسك بعموم الآية./ العاشرة: قال أبو حنيفة: القهقهة في الصلاة المشتملة على الركوع والسجود تنقض الوضوء.

وقال الباقون: لا تنقض لأبي حنيفة أن يتمسك بعموم الآية.

الحادي عشر: قال أبو حنيفة: لمس المرأة وكذا لمس الفرج لا ينقض الوضوء.

وقال الشافعي: ينقض متمسكاً بالعموم.

الثانية عشرة: لو كان على وجهه وبدنه نجاسة فغسلها ونوى الطهارة من الحدث بذلك الغسل هل يصح وضوءاً؟

قال في التفسير الكبير: ما رأيت هذه المسألة في كتب الأصحاب.

قال: والذي أقوله أنه يكفي لأنه أمر بالغسل في قوله: ﴿ واغسلوا ﴾ وقد أتى به، وأقول: الظاهر أنه لا يكفي لأنه لا يرتفع بغسلة واحدة نجاستان حكمية وعينية وهذا بخلاف ما لو نوى التبرد أو التنظف فإن النجاسة هناك حكمية فقط.

الثالثة عشرة: لو وقف تحت ميزاب حتى سال عليه الماء ونوى رفع الحدث هل يصح وضوءه؟

يمكن أن يقال: لا لأنه لم يأت بعمل.

وأن يقال: نعم لأنه أتى بما أفضى إلى المقصود وهو الانغسال.

الرابعة عشرة: إذا غسل أعضاء الوضوء ثم كشط جلده فالأظهر وجوب غسله لتحصيل الامتثال فإن ذلك الوضع غير مغسول.

الخامسة عشرة: لو رطب الأعضاء من غير سيلان الماء عليها لم يكف لأنه مأمور بالغسل وهذا ليس بغسل، وفي الجنابة يكفي لأنه هناك مأمور بالتطهير لقوله: ﴿ ولكن يريد ليطهركم ﴾ والتطهير يحصل بالترطيب.

السادسة عشرة: لو أمر الثلج على العضو فإن ذاب وسال جاز وإلاّ فلا خلافاً لمالك والأوزاعي لنا فاغسلوا وهذا ليس بغسل.

السابعة عشرة: التثليث سنة لأن ماهية الغسل تحصل بالمرة.

الثامنة عشرة: السواك سنة لا واجب لأن الآية ساكتة عنه وكذا القول في التسمية خلافاً لأحمد وإسحاق.

وكذا في تقديم غسل اليدين على الوضوء خلافاً لبعضهم.

التاسعة عشرة: قال الشافعي: لا تجب المضمضة والاستنشاق في الوضوء والغسل، وأحمد وإسحاق يجب فيهما.

أبو حنيفة: يجب في الغسل لا في الوضوء.

حجة الشافعي أنه أوجب غسل الوجه والوجه هو الذي يكون مواجهاً وحده من مبتدأ تسطيح الجهة إلى منتهى الذقن طولاً، ومن الأذن إلى الأذن عرضاً، وداخل الفم والأنف غير مواجه.

العشرون: ابن عباس: يجب إيصال الماء إلى داخل العين لأن العين جزء من الوجه.

الباقون: لا يجب لقوله في آخر الآية: ﴿ ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ﴾ وإدخال الماء في العين حرج.

الحادية والعشرون: غسل البياض الذي بين العذار والأذن واجب عند الشافعي وأبي حنيفة ومحمد خلافاً لأبي يوسف.

لنا أنه واجب قبل نبات الشعر بالإجماع فكذا بعده ولأنه من الوجه والوجه يجب غسله كله.

الثانية والعشرون: أبو حنيفة: لا يجب إيصال الماء إلى ما تحت اللحية الخفيفة.

الشافعي: يجب لقوله: ﴿ فاغسلوا ﴾ ترك العمل عند كثافة اللحية دفعاً للحرج فيبقى عند كثافتها على الأصل./ الثالثة والعشرون: الأصح عند الشافعي وجوب إمرار الماء على ظاهر اللحية النازلة طولاً والخارجة إلى الأذنين عرضاً لأنه مواجه.

مالك وأبو حنيفة والمزني: لا يجب لأنه لا جلد تحتها حتى يغسل ظاهرها بتبعيتها.

الرابعة والعشرون: لو نبت للمرأة لحية وجب إيصال الماء إلى جلدة الوجه وإن كانت لحيتها كثيفة لأنا تركنا العمل بظاهر الآية في اللحية الكثيفة للرجل دفعاً للحرج ولحية المرأة نادرة وخصوصاً الكثيفة فيبقى حكمها على الأصل.

الخامسة والعشرون: يجب إيصال الماء إلى ما تحت الشعر الكثيف في خمسة مواضع: العنفقة والحاجب والشارب والعذار والهدب لأن قوله: ﴿ فاغسلوا ﴾ يدل على وجوب غسل كل جلدة الوجه, ترك العمل به في اللحية الكثيفة دفعاً للحرج وهذه الشعور خفيفة غالباً فتبقى على الأصل.

السادسة والعشرون: الشعبي: ما اقبل من الأذن فهو من الوجه فيغسل، وما أدبر فمن الرأس فيمسح وردّ بأن الأذن غير مواجه أصلاً.

السابعة والعشرون: الجمهور على أن المرفقين يجب غسلهما مع اليدين وخالف مالك وزفر وكذا، الخلاف في قوله: ﴿ وأرجلكم إلى الكعبين ﴾ والتحقيق أن "إلى" تفيد معنى الغاية مطلقاً، والمراد بالغاية جميع المسافة أو حقيقة النهاية.

ثم إنّ حد الشيء قد يكون منفصلاً عن المحدود حساً انفصال الظلمة عن النور في قوله: ﴿ ثم أتموا الصيام إلى الليل  ﴾ فيكون الحد خارجاً عن المحدود.

وقد لا يكون كذلك نحو حفظت القرآن من أوّله إلى آخره وبعتك هذا الثوب من هذا الطرف إلى ذلك الطرف فيدخل الحد في المحدود، ولا شك أن المرفق وهو موصل الذراع في العضد سمي بذلك لارتفاق صاحبها بها غير متميزة في الحس عن محدودها فلا يكون إيجاب الغسل إلى جزء أولى من إيجابه إلى جزء آخر فوجب غسلها جميعاً.

وإن سلم أن المرفق لا يجب غسلها لكنها اسم لما جاوز طرف العظم، ولا نزاع في أن ما وراء طرف العظم لا يجب غسله.

وهذا الجواب اختيار الزجاج.

وعلى هذا فمقطوع اليد من المرفق يجب عليه إمساس الماء بطرف العظم وإن كان أقطع مما فوق المرفقين لم يجب عليه شيء لأن محل هذا التكليف لم يبق أصلاً.

الثامنة والعشرون: تقديم اليمنى على اليسرى مندوب وليس بواجب خلافاً لأحمد.

لنا أنه ذكر الأيدي والأرجل في الآية من غير تقديم لإحدى اليدين أو الرجلين.

التاسعة والعشرون: ذهب بعضهم إلى أن مبتدأ الغسل يجب أن يكون الكف بحيث يسيل الماء من الكف إلى المرافق لأن المرافق جعلت في الآية نهاية الغسل وجمهور الفقهاء على أن عكس هذا الترتيب لا يخل بصحة الوضوء لأن المراد في الآية بيان جملة الغسل لا بيان ترتيب أجزاء الغسل.

الثلاثون: لو نبت من المرفق ساعدان وكفان وجب غسل الكل لعموم قوله: ﴿ وأيديكم إلى المرافق ﴾ كما لو نبت على الكف أصبع زائدة./ الحادية والثلاثون: المراد من تحديد الغسل بالمرفق بيان الواجب فقط لما ورد في الأخبار أن تطويل الغرة سنة مؤكدة.

الثانية والثلاثون: مالك: يجب مسح كل الرأس.

أبو حنيفة: يتقدر بالربع لأنه  مسح على ناصيته وأنها ربع الرأس.

الشافعي: الواجب أقل ما ينطلق عليه اسم المسح لأنه إذا قيل مسحت المنديل فهذا لا يصدق إلاّ عند مسحه بالكلية، أما لو قال مسحت يدي بالمنديل كفى في صدقه مسح اليد بجزء من أجزاء المنديل فهكذا في الآية وإلاّ احتيج في تعيين المقدّر إلى دليل منفصل وتصير الآية مجملة وهو خلاف الأصل.

الثالثة والثلاثون: لا يجوز الاكتفاء بالمسح على العمامة لأن ذلك ليس مسحاً للرأس.

وقال الأوزاعي والثوري وأحمد: يجوز لما روي أنه  مسح على العمامة.

وأجيب بأنه لعله مسح قدر الفرض على الرأس والبقية على العمامة.

الرابعة والثلاثون: اختلف الناس في مسح الرجلين وفي غسلهما فنقل القفال في تفسيره عن ابن عباس وأنس بن مالك وعكرمة والشعبي وأبي جعفر محمد بن علي الباقر  أن الواجب فيهما المسح وهو مذهب الإمامية.

وجمهور الفقهاء والمفسرين على أن فرضهما الغسل.

وقال داود: يجب الجمع بينهما وهو قول الناصر للحق من أئمة الزيدية.

وقال الحسن البصري ومحمد بن جرير الطبري: المكلف مخير بين المسح والغسل.

حجة من أوجب المسح قراءة الجر في: ﴿ وأرجلكم ﴾ عطفاً على: ﴿ برؤوسكم ﴾ ولا يمكن أن يقال إنه كسر على الجوار كما في قوله: "حجر ضب خرب" لأن ذلك لم يجىء في كلام الفصحاء وفي السعة، وأيضاً إنه جاء حيث لا لبس ولا عطف بخلاف الآية.

وأما القراءة بالنصب فيكون للعطف على محل ﴿ رؤوسكم ﴾ حجة الجمهور أخبار وردت بالغسل وأن فرض الرجلين محدود إلى الكعبين والتحديد إنما جاء في الغسل لا في المسح.

والقوم أجابوا بأن أخبار الآحاد لا تُعارض القرآن ولا تنسخه وبالمنع في مجل النزاع فزعم الجمهور أن قراءة النصب ظاهرة في العطف على مفعول: ﴿ فاغسلوا ﴾ وإن كان أبعد من: ﴿ امسحوا ﴾ وقراءة الجر تنبيه على وجوب الاقتصاد في صب الماء لأن الأرجل تغسل بالصب فكانت مظنة للإسراف.

الخامسة والثلاثون: جمهور الفقهاء على أن الكعبين هما العظمان الناتئان من جانبي الساق.

وقالت الإمامية وكل من قال بالمسح: إن الكعب عظم مستدير موضوع تحت عظم الساق حيث يكون مفصل الساق والقدم كما في أرجل جميع الحيوانات.

والمفصل يسمى كعباً ومنه كعوب الرمح لمفاصله.

حجة الجمهور أنه لو كان الكعب ما ذكره الإمامية لكان الحاصل في كل رجل كعباً واحداً وكان ينبغي أن يقال: وأرجلكم إلى الكعاب كما أنه لما كان الحاصل في كل يد مرفقاً واحداً لا جرم قال: ﴿ إلى المرافق ﴾ وأيضاً العظم/المستدير الموضوع في المفصل شيء خفي لا يعرفه إلاّ أهل العلم بتشريح الأبدان، والعظمان الناتئان في طرفي الساق محسوسان لكل أحد ومناط التكليف ليس إلاّ أمراً ظاهراً ويؤيده ما روي أنه  قال: " "ألصقوا الكعاب بالكعاب" .

السادسة والثلاثون: الجمهور على جواز مسح الخفين خلافاً للشيعة والخوارج.

حجة الجمهور الأحاديث، وحجة الشيعة الآية، وأن جواز المسح على الخفين حاجة عامة فلو كانت ثابتة لبلغت مبلغ التواتر.

السابعة والثلاثون: رجل مقطوع اليدين والرجلين سقط عنه هذان الفرضان وبقي عليه غسل الوجه ومسح الرأس، فإن لم يكن معه من يوضئه أو ييممه سقط عنه ذلك أيضاً لأن قوله: ﴿ فاغسلوا ﴾ ﴿ وامسحوا ﴾ مشروط بالقدرة عليه فإذا فاتت القدرة سقط التكليف.

الثامنة والثلاثون.

قوله  : ﴿ وإن كنتم جنباً فاطهروا ﴾ الأصل "تطهروا" أدغم التاء في الطاء فاجتلبت همزة الوصل.

وللجنابة سببان: نزول المني لقوله  : " "الماء من الماء" والثاني التقاء الختانين خلافاً لزيد بن ثابت ومعاذ وأبي سعيد الخدري لما روي انه  قال: " إذا التقى الختانان وجب الغسل" وختان الرجل هو الموضع الذي يقطع منه جلدة القلفة، وأما ختان المرأة فإن شفريها يحيطان بثلاثة أشياء: ثقبة من أسفل الفرج وهي مدخل الذكر ومخرج الحيض والولد، وثقبة فوق هذه مثل إحليل الذكر وهي مخرج البول لا غير، والثالث جلدة رقيقة قائمة مثل عرف الديك فوق ثقبة البول، وقطع هذه الجلدة هو ختانها فإذا غابت الحشفة حاذى ختانه ختانها.

التاسعة والثلاثون: لا يجوز للجنب مس المصحف خلافاً لداود.

لنا قوله: ﴿ فاطهروا ﴾ يدل على أن الطهارة غير حاصلة وإلاّ لكان أمراً بتطهير الطاهر وحينئذٍ لا يجوز له مس المصحف لقوله: ﴿ لا يمسه إلاّ المطهرون  ﴾ ولإطلاق قوله: ﴿ فاطهروا ﴾ علم أنه أمر بتحصيل الطهارة في كل البدن وإلاّ خصت تلك الأعضاء بالذكر كما في الطهارة الصغرى، وعلم أنه لا يجب تقديم الوضوء على الغسل خلافاً لأبي ثور وداود، وعلم أن الترتيب غير واجب خلافاً لإسحق فإنه أوجب البداءة بأعلى البدن، وعلم أن الدلك غير واجب خلافاً لمالك./ الأربعون: الشافعي: المضمضة والاستنشاق غير واجبين في الغسل لقوله  : " "أما أنا فأحثى على رأسي ثلاث حثيات فإذا أنا قد طهرت " أبو حنيفة: هما واجبان لقوله  : ﴿ فاطهروا ﴾ والتطهير لا يحصل إلاّ بطهارة جميع الأعضاء.

ترك العمل به في الاعضاء الباطنة للتعذر وداخل الفم والأنف يمكن تطهيرهما فيبقى داخلاً في النص ولأن قوله  : " "بلوا الشعر " يدخل فيه الأنف لأن في داخله شعراً: " "وأنقوا البشرة " يدخل فيه جلدة داخل الفم.

الحادية والأربعون: لا يجب نقض الشعر إن لم يمنع عن وصول الماء إلى منابته لأن المقصود التطهير وإن منع وجب خلافاً للنخعي.

الثانية والأربعون: إن كان المرض المانع من استعمال الماء حاصلاً في بعض جسده دون بعض فقال الشافعي: يغسل ما لا ضرر عليه ثم يتيمم للاحتياط.

وقال أبو حنيفة: إن كان أكثر البدن صحيحاً غسل الصحيح دون التيمم وإن كان أكثره جريحاً يكفيه التيمم لأن المرض إذا كان حالاً في بعض أعضائه فهو مريض.

الثالثة والأربعون: لو ألصق على موضع التيمم لصوقاً منع وصول الماء إلى البشرة ولا يخاف من نزع ذلك اللصوق التلف.

قال الشافعي: يلزم نزع اللصوق حتى يصل التراب إليه أخذاً بالأحوط.

وقال الأكثرون: لا يجب دفعاً للحرج.

الرابعة والأربعون: قال الشافعي: الاستنجاء واجب إما بالماء أو بالأحجار لقوله  : " فليستنج بثلاثة أحجار" وقال أبو حنيفة: واجب عند المجيء من الغائط إما الوضوء أو التيمم ولم يوجب غسل موضع الحدث فدل على أنه غير واجب.

الخامسة والأربعون: لمس المرأة ينقض الوضوء عند الشافعي ولا ينقضه عند أبي حنيفة وقد مرت المسألة في سورة النساء.

السادسة والأربعون: لا يكره الوضوء بالماء المسخن لقوله  : ﴿ فلم تجدوا ماء ﴾ وههنا قد وجد ماء وخالف مجاهد.

السابعة والأربعون: أبو حنيفة وأحمد: لا يكره المشمس لقوله  : ﴿ فلم تجدوا ماء ﴾ وهذا قد وجد ماء.

الشافعي يكره للحديث.

الثامنة والأربعون: لا يكره الوضوء بفضل ماء المشرك وبالماء في آنية المشرك لأنه واجد للماء فلا يتيمم، وقد توضأ النبي  من مزادة مشرك وتوضأ عمر من ماء في جرة نصرانية.

وقال أحمد وإسحق: لا يجوز.

التاسعة والأربعون: يجوز الوضوء بماء البحر لأنه واحد الماء خلافاً لعبد الله بن/ عمرو بن العاص.

الخمسون: جوّز أبو حنيفة الوضوء بنبيذ التمر في السفر للحديث ولم يجوّزه الشافعي وقال: يتيمم لأنه غير واجد للماء.

الحادية والخمسون: ذهب الأوزاعي والأصم إلى أنه يجوز الوضوء والغسل بجميع المائعات الطاهرة، والأكثرون لا يجوز.

حجتهما: ﴿ فاغسلوا ﴾ أمر بمطلق الغسل وإمرار المائع على العضو غسل قال الشاعر: فيا حسنها إذ يغسل الدمع كحلها *** لنا: أنه عند عدم الماء أوجب التيمم.

الثانية والخمسون: الشافعي: الماء المتغير بالزعفران تغيراً فاحشاً لا يجوز الوضوء به لأن واجده يصدق عليه أنه غير واجد للماء.

وخالف أبو حنيفة لأن أصل الماء موجود بصفة زائدة كما لو تغير وتعفن بطول المكث أو بتساقط الأوراق بالاتفاق.

الثالثة والخمسون:/ مالك وداود: الماء المستعمل في الوضوء بقي طاهراً طهوراً لأن واجده واجد للماء وهو قول قديم للشافعي.

والقول الجديد إنه طاهر غير طهور، ووافقه محمد بن الحسن.

وقال أبو حنيفة في أكثر الروايات: إنه نجس لأن النجاسة الحكمية كالعينية.

الرابعة والخمسون: مالك: إذا وقع في الماء نجاسة ولم يتغير بقي طاهراً طهوراً قليلاً كان أو كثيراً وهو قول أكثر الصحابة والتابعين.

وقال الشافعي: إن كان أقل من القلتين ينجس.

وقال أبو حنيفة: إن كان أقل من عشرة في عشرة ينجس.

حجة مالك أنه واجد للماء ترك العمل بهذا العموم في الماء القليل المتغير فيبقى حجة في الباقي ويؤيده قوله  : " خلق الماء طهوراً لا ينجسه شيء إلاّ ما غير طعمه أو ريحه أو لونه" حجة الشافعي مفهوم قوله  : " إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثاً" الخامسة والخمسون: يجوز الوضوء بفضل ماء الجنب لأن واجده واجد للماء، وقال أحمد وإسحاق: لا يجوز الوضوء بفضل ماء المرأة إذا خلت به وهو قول الحسن وسعيد بن المسيب.

السادسة والخمسون: أسآر السباع، طاهرة مطهرة وكذا سؤر الحمار لأنه واجد للماء.

وقال أبو حنيفة: نجسه.

السابعة والخمسون: قال الشافعي وأبو حنيفة والأكثرون: لا بد في التيمم من النية لأنه قال: ﴿ فتيمموا ﴾ والتيمم عبارة عن القصد وهو النية.

وقال زفر: لا يجب.

الثامنة والخمسون: الشافعي: لا يجوز التيمم إلاّ بعد دخول الصلاة لأنه طهارة ضرورة ولا ضرورة قبل الوقت.

أبو حنيفة: يجوز قياساً على الوضوء ولظاهر قوله: ﴿ إذا قمتم ﴾ والقيام إلى الصلاة يكون بعد دخول وقتها.

التاسعة والخمسون:/ لا يجوز التيمم بتراب نجس لقوله  : ﴿ صعيداً طيباً ﴾ .

الستون: لا خلاف في جواز التيمم بدلاً عن الوضوء، أما التيمم بدل غسل الجنابة فعن علي  وابن عباس جوازه وهو قول أكثر الفقهاء، وعن عمر وابن مسعود أنه لا يجوز.

لنا قوله  : ﴿ أو لامستم ﴾ إما يختص بالجماع أو يدخل الجماع فيه.

الحادية والستون.

الشافعي: لا يجوز أن يجمع بتيمم واحد بين صلاتي فرضين لأن ظاهر قوله: ﴿ إذا قمتم ﴾ يقتضي إعادة الوضوء لكل صلاة ترك العمل به في الوضوء لفعل رسول الله  فيبقى في التيمم على ظاهره.

أبو حنيفة: يجوز أداء الفرائض به كالوضوء.

أحمد: يجمع بين الفوائت ولا يجمع بين صلاتي وقتين.

الثانية والستون: الشافعي: إذا لم يجد الماء في أول الوقت وتوقع في آخره جاز له التيمم لأن قوله: ﴿ إذا قمتم ﴾ يدل على أنه عند دخول الوقت إن لم يجد الماء جاز له التيمم.

وقال أبو حنيفة: يؤخر الصلاة إلى آخره.

الثالثة والستون: إذا وجد الماء بعد التيمم وقبل الشروع في الصلاة بطل تيممه لأنه وجد الماء فلا يجوز له الشروع في الصلاة بالتيمم.

وخالف أبو موسى الأشعري والشعبي.

الرابعة والستون: لو فرغ من الصلاة ثم وجد الماء لا يلزمه إعادة الصلاة لأنه خرج عن عهدة التكليف خلافاً لطاووس.

الخامسة والستون: ولو وجد الماء في أثناء الصلاة لا يلزمه الخروج منها - وبه قال مالك وأحمد -، لأنه انعقدت صلاته صحيحة بحكم التيمم فما لم تبطل صلاته لا يصير قادراً على استعمال الماء، وما لم يصر قادراً على استعمال الماء لم تبطل صلاته فيدور.

وقال أبو حنيفة والثوري والمزني: يلزمه الخروج لأنه واجد للماء.

السادسة والستون: لو نسي الماء في رحله وتيمم وصلى ثم علم وجود الماء لزمه الإعادة على أحد قولي الشافعي وهو قول أحمد وأبي يوسف.

والثاني لا يلزمه وهو قول مالك وأبي حنيفة ومحمد لأن النسيان في حكم العجز وكذا إذا ضل رحله في الرحال بالطريق الأولى لأن مخيم الرفقة أوسع من رحله.

ولو تيقن الماء في رحله واستقصى في الطلب فلم يجده وتيمم وصلى ثم وجد فالأكثرون على أنه يلزمه الإعادة لأن العذر ضعيف.

وقيل: لا لأن حكمه حكم العاجز.

السابعة والستون: لو صلى بالتيمم ثم وجد ماء في بئر بجنبه يمكنه استعمال ذلك الماء فإن كان قد علمه أوّلاً ثم نسيه فهو كما لو نسي الماء في رحله، وإن يكن عالماً فإن كان عليها علامة ظاهرة فالإعادة وإلاّ فلا لأنه كالعاجز.

الثامنة والستون: إذا لم يكن معه ماء ولا يمكنه أن يشتري إلاّ بالغبن الفاحش جاز التيمم لقوله: ﴿ ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ﴾ ولو وهب منه الماء لزمه القبول لأن المنة فيه سهل، ولو وهب منه ثمنه لم يلزمه القبول لثقل المنة ووجود الحرج، ولمثل هذا يجب قبول إعارة الدلو لاهبته فهذه جملة المسائل الفقهية المستنبطة من الآية سوى ما مرت في سورة النساء.

/واعلم أن قوله  وتعالى : ﴿ ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ﴾ أصل معتبر في علم الفقه لأنه يدل على أن الأصل في المضار الحرمة وفي المنافع الإباحة.

وقد تمسك به نفاة القياس قالوا: إن كل حادثة فحكمها المفصل إن كان مذكوراً في الكتاب والسنة فذاك وإلاّ فإن كان من باب المضارّ فالأصل فيها الحرمة، وإن كان من باب المنافع فالأصل فيها الإباحة، والقياس المعارض لهذين الأصلين يكون قياساً واقعاً في مقابلة النص فيكون مردوداً.

أما قوله: ﴿ ولكن يريد ليطهركم ﴾ فله تفسيران: أحدهما وإليه ذهب أكثر أصحاب أبي حنيفة، أن عند خروج الحدث تنجس الأعضاء نجاسة حكمية، فالمقصود من هذا التطهير إزالة تلك النجاسة الحكمية، وزيف بأن أعضاء المؤمن لا تنجس لقول  : ﴿ إنما المشركون نجس  ﴾ ولقوله  : " "المؤمن لا ينجس لا حياً ولا ميتاً" وبأنه لو كان رطباً فأصابه ثوب لم ينجس، ولو حمله إنسان وصلى لم تفسد صلاته بالاتفاق، وبأن الحدث لو كان يوجب نجاسة الأعضاء ثم كان تطهير الأعضاء الأربعة يوجب طهارة كل عضو لوجب أن لا يختلف ذلك باختلاف الشرائع، وبأن خروج النجاسة من موضع كيف يوجب تنجس موضع آخر، وبأن التيمم زيادة في التكدير فكيف يوجب النظافة والتطهير، وبأن المسح على الخفين كيف يقوم مقام غسل الرجلين، وبأن الذي يراد إزالته ليس من الأجسام ولا كان محسوساً ولا من الأعراض لأن انتقال الأعراض محال.

التفسير الثاني أن المراد طهارة القلب عن صفة التمرد عن طاعة الله  لأن إيصال الماء أو التراب إلى هذه الأعضاء المخصوصة ليس فيه فائدة يعقلها المكلف، فالانقياد لمثل هذا التكليف تعبد محض يزيل آثار التمرد وتؤكده الأخبار في أن المؤمن إذا غسل وجهه خرت خطاياه من وجهه وكذا القول في يديه ورأسه ورجليه.

﴿ وليتم نعمته عليكم ﴾ بإباحة الطيبات الدنيوية من المطاعم والمناكح بهذه النعمة الدينية وهي كيفية فرض الوضوء، أو ليتم برخصه كالتيمم ونحوه إنعامه عليكم بعزائمه.

ثم ذكر ما يوجب عليهم قبول تكاليفه وذلك من وجهين: الأول تذكر نعمته يعني التأمل في هذا النوع الذي لا يقدر عليه غيره لأن هذا النوع وهو إعطاء نعمة الحياة والصحة والعقل والهداية والصون عن الآفات والإيصال إلى الخيرات في الدنيا والآخرة حيث إنه يمتاز عن نعمة غيره وأنه لا يقدر عليه غيره يجب تلقيه بالتشكر وهو الإذعان لأوامره والانقياد لنواهيه.

فإن قيل: اذكروا مشعر بسبق النسيان وكيف يعقل/ نسيانها مع تواترها وتواليها في كل لحظة ولمحة؟

فالجواب أنها صارت لتواليها كالأمر المعتاد فصار من غاية الظهور كالأمر المستور، أو المراد التوبيخ على عدم القيام بمواجبها فكأنها كالشيء المنسي.

الثاني ذكر الميثاق ومعنى: ﴿ واثقكم به ﴾ عاقدكم به عقداً وثيقاً يعني ميثاق رسوله حين بايعهم تحت الشجرة وغيرها على السمع والطاعة في المحبوب والمكروه.

وعن ابن عباس: هو الميثاق الذي أخذه على بني إسرائيل حين قالوا: آمنا بالتوراة وبما فيها من البشارة بنبي آخر الزمان ومن غيرها.

وقال مجاهد والكلبي ومقاتل: إنه إشارة إلى قوله للذرية: ﴿ ألست بربكم قالوا بلى  ﴾ وقال السدي: هو ما ركز في العقول من حسن هذه الشريعة وهو اختيار أكثر المتكلمين.

واعلم أن التكاليف وإن كثرت إلاّ أنها منحصرة في نوعين: التعظيم لأمر الله وإليه الإشارة بقوله: ﴿ كونوا قوّامين لله ﴾ والشفقة على خلق الله وحث عليها بقوله: ﴿ شهداء بالقسط ﴾ قال عطاء: يقول لا تحاب في شهادتك أهل ودّك وقرابتك ولا تمنع شهادتك أعداءك وأضدادك.

وقال الزجاج: بينوا دين الله لأن الشاهد يبين ما يشهد عليه.

ثم أمر جميع الخلق بأن لا يعاملوا أحداً إلاّ على سبيل العدل والإنصاف ويتركوا الظلم والاعتساف فقال ﴿ ولا يجرمنكم ﴾ أي لا يحملنكم بغض ﴿ قوم على أن لا تعدلوا ﴾ أي فيهم فحذف للعلم.

ثم استأنف فصرح لهم بالأمر بالعدل تأكيداً فقال: ﴿ اعدلوا ﴾ ثم استأنف فذكر لهم وجه الأمر بالعدل فقال: ﴿ هو ﴾ أي العدل الذي دل عليه اعدلوا ﴿ أقرب للتقوى ﴾ أي إلى الاتقاء من عذاب الله أو من معاصيه.

وقيل: المراد سلوك سبيل العدالة مع الكفار الذين صدوا المسلمين عن البيت بأن لا يقتلوهم إذا أظهروا الإسلام، أو لا يرتكبوا ما لا يحل من مثلة، أو قذف أو قتل أولاد أو نساء أو نقض عهد أو نحو ذلك.

وفي هذا تنبيه على أن العدل مع أعداء الله إذا كان بهذه المكانة فكيف يكون مع أوليائه وأحبائه؟

ثم ختم الكلام بوعد المؤمنين ووعيد الكافرين وقوله: ﴿ لهم مغفرة ﴾ بيان للوعد قدم لهم وعداً، ثم كأنه قيل: أي شيء ذلك؟

فقيل: لهم مغفرة أو يكون على إرادة القول أي وعدهم وقال لهم مغفرة، أو يكون وعد مضمناً معنى قال، أو يجعل وعد واقعاً على هذا القول وإذا وعدهم هذا القول من هو قادر على كل المقدورات عالم بجميع المعلومات غني عن كل الحاجات فقد امتنع الخلف في وعده لأن سبب الخلف إما جهل أو عجزاً أو بخل أو حاجة وهو منزه عن الكل.

وهذا الوعد يصل إليه قبل الموت فيفيده السرور عند سكرات الموت فيسهل عليه الشدائد وفي ظلمة القبر فيفيده نوراً وفي عرصه القيامة فيزيده حبوراً , والجحيم اسم من أسماء النار وهي كل نار عظيمة في مهواة كقوله: ﴿ قالوا ابنوا له بنياناً فألقوه في الجحيم ﴾ /[الصافات: 97] وأصحاب الجحيم ملازموها.

بسط إليه لسانه إذا شتمه وبسط إليه اليد مدّها إلى المبطوش به.

عن جابر "أن النبي  نزل منزلاً وتفرق الناس في العضاه يستظلون تحتها، فعلق النبي  سلاحه على شجرة فجاء أعرابي إلى سيف رسول الله  فسله ثم أقبل عليه فقال: من يمنعك مني؟

قال: الله - قالها ثلاثاً - والنبي  يقول: الله.

فأغمد الأعرابي السيف فدعا النبي  أصحابه فأخبرهم خبر الأعرابي وهو جالس إلى جنبه لم يعاقبه" .

وقال مجاهد والكلبي وعكرمة: "قتل رجلان من أصحاب النبي  رجلين من بني سليم - وبين النبي  وبين قومهما موادعة - فجاء قومهما يطلبون الدية فأتى النبي  ومعه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم فدخلوا على كعب بن الأشرف وبني النضير يستقرضهم في عقلهما فقالوا: نعم يا أبا القاسم قد آن لك أن تأتينا وتسألنا حاجة، اجلس حتى نطعمك ونعطيك الذي تسألنا.

فجلس هو وأصحابه فخلا بعضهم ببعض وقالوا: إنكم لن تجدوا محمداً أقرب منه الآن فمن يظهر على هذا البيت فيطرح عليه صخرة فيريحنا منه؟

فقال عمرو بن جحاش بن كعب: أنا.

فجاء إلى رحى عظيمة ليطرحها عليه فأمسك الله يده، فجاء جبريل  وأخبره بذلك فخرج النبي صلى الله عيله وسلم وأنزل الله هذه الآية" , وقيل: نزلت قصة عسفان حين هم الأعداء أن يواقعوهم فنزلت صلاة الخوف.

وقيل: إنها لم تنزل في واقعة خاصة ولكن المراد أن الكفار أبداً كانوا يريدون إيقاع البلاء والنهب والقتل بالمسلمين فأعز الله المسلمين وفل شوكة الكفار وقوى دين الإسلام وأظهره على الأديان.

التأويل: سماع اسم الله وهو من صفات الهيبة يوجب الفناء والغيبة، وسماع الرحمن الرحيم وهما من صفات اللطف يورث البقاء والقربة ﴿ أوفوا ﴾ أيها العشاق ﴿ بالعقود ﴾ التي جرت بيننا يوم الميثاق ليوم التلاق.

فمن صبر على عهوده فقد فاز بمقصوده عند بذل وجوده ﴿ أحلت لكم ﴾ ذبح ﴿ بهيمة ﴾ النفس التي كالأنعام في طلب المرام إلا النفس المطمئنة التي تليت عليها ﴿ ارجعي إلى ربك  ﴾ فتنفرت من الدنيا بما فيها فهي كالصيد في الحرم ﴿ وأنتم حرم ﴾ بالتوجه إلى كعبة الوصال وإحرام الشوق إلى حضرة الجمال والجلال ﴿ إن الله يحكم ما يريد ﴾ لمن يريد فيأمر بذبح النفس إذا كانت متصفة بصفة البهيمة وبترك ذبحها إذا كانت مطمئنة بذكر الحق ومتسمة بسمات الملك.

ثم أخبر عن تعظيم الشعائر من صدق الضمائر فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ بشهود القلوب فقصدوا زيارة المحبوب وخرجوا عن أوطان الأوطار وسافروا عن ديار الأغيار ﴿ لا تحلوا ﴾ معالم الدين والشريعة ومواسم آداب الطريقة والحقيقة، وعظموا الزمان والمكان والإخوان القاصدين كعبة الوصول إلى الرحمن الذين أهدوا للقربان نفوسهم وقلدوها بلحاء الشجرة الطيبة ليأمنوا عن مكر الأعداء/ الخبيثة ﴿ وإذا حللتم ﴾ أتممتم مناسك الوصول ﴿ فاصطادوا ﴾ أرباب الطلب بشبكة الدعوة إلى الله، ولا يحملنكم حسد الحساد الذين يريدون أن يصدّوكم عن الحق على أن تعتدوا على الطالبين فتكونوا قطاع الطريق عليهم في طلب الحق.

﴿ حرمت عليكم ﴾ يا أهل الحق ﴿ الميتة ﴾ وهي الدنيا بأسرها ﴿ والدم ولحم الخنزير ﴾ أي حلالها وحرامها قليلها وكثيرها لأن من الدم ما هو حلال والخنزير كله حرام والدم بالنسبة إلى اللحم قليل ﴿ وما أهل به ﴾ أي كل طاعة هي ﴿ لغير الله والمنخنقة والموقوذة ﴾ يعني الذين يخنقون أنفسهم بالمجاهدات ويقذونها بالرياضات رياء وسمعة ﴿ والمتردية والنطيحة ﴾ الذين يتردون أنفسهم إلى أسفل سافلي الطبيعة بالتناطح مع الأقران والتفاخر بالعلم والزهد بين الإخوان ﴿ وما أكل السبع ﴾ الظلمة المتهارشون في جيفة الدنيا تهارش الكلاب ﴿ إلاّ ما ذكيتم ﴾ بالكسب الحلال ووجه صالح بقدر ضرورة الحال ﴿ وما ذبح على النصب ﴾ ما تذبح عليه النفوس من المطالب الفانية ﴿ وأن تستقسموا بالأزلام ﴾ أي أن تكونوا مترددين في طلب المرام، فإذا انتهيتم عن هذه المناهي وتخلصتم عن هذه الدواهي فقد عاد ليلكلم نهاراً وظلمتكم أنواراً.

﴿ اليوم يئس الذين كفروا ﴾ من النفس وصفاتها والدنيا وشهواتها ﴿ من دينكم فلا تخشوهم واخشون ﴾ فإن كيدي متين ﴿ اليوم ﴾ أي في الأزل ﴿ أكملت لكم دينكم ﴾ ولكن ظهر الأمر في حجة الوداع يوم عرفة ﴿ وأتممت عليكم نعمتي ﴾ وهي أسباب تحصيل الكمال ببعثة النبي  ﴿ فمن اضطر ﴾ فمن ابتلى بالتفات لشيء من الدنيا والآخرة غير مائل إليه للإعراض عن الحق ولكن من فترة للطالبين أو وقفة للسالكين ﴿ يسئلونك ماذا أحل ﴾ لأرباب السلوك إذا الدنيا حرام على أهل الآخرة والآخرة حرام على أهل الدنيا وهما حرام على أهل الله الطيبات كل مأكول ومشروب وملبوس يكون سبباً للقيام بأداء الحقوق.

﴿ فكلوا مما أمسكن عليكم ﴾ تناولوا ما اصطادت النفوس المطمئنة المعلمة بعلوم الشريعة المؤدبة بآداب الطريقة كمالية الدين الأزلية وهو يوم ﴿ واذكروا ﴾ عند تناول كل ما ورد عليكم من الأمور الدنيوية والأخروية ﴿ اسم الله ﴾ أي لا تصرفوا فيه إلاّ لله بالله في الله ﴿ اليوم ﴾ يعني الذي فيه ظهر كمالية الدين الأزلية وهو يوم عرفة.

وهذه فائدة التكرار ﴿ أحل لكم الطيبات ﴾ ﴿ أحل لكم الطيبات ﴾ التي تتعلق بسعادة الدارين بل أحل لكم التخلق بالأخلاق الطيبات وهي أخلاق الله المنزهات عن الكميات والكيفيات ﴿ وطعام الذين أوتوا الكتاب ﴾ وهم الأنبياء ﴿ حل لكم ﴾ أي غذيتم بلبان الولاية كما غذوا بلبان النبوة ﴿ وطعامكم حل لهم ﴾ أي منبع لبن النبوة والولاية واحد وإن كان الثدي اثنين ﴿ قد علم كل أناس مشربهم  ﴾ وللنبي وراء ذلك كله مشرب "أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني" ﴿ والمحصنات من المؤمنات ﴾ وهي أبكار حقائق القرآن/ ﴿ والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب ﴾ أبكار حقائق الكتب المنزلة على الأمم السالفة أي التي أدرجت في القرآن ﴿ فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرّة أعين  ﴾ ﴿ إذا آتيتموهن أجورهن ﴾ وهي بذل الوجود محصنين في هذا البذل ليكون على وجه الحق ﴿ غير مسافحين ﴾ على وجه الطبع ﴿ ولا متخذي أخدان ﴾ غير ملتفتين إلى شيء من الأكوان ﴿ ومن يكفر بالإيمان ﴾ بهذ المقامات ﴿ فقد حبط عمله ﴾ الذي عمل من دون المكاشفات ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ إيماناً حقيقياً عند خطاب ألست بربكم ﴿ إذا قمتم ﴾ من نوم الغفلة ﴿ إلى الصلاة ﴾ وهي معراجكم للرجوع إلى مكامن قربكم ﴿ فاغسلوا وجوهكم ﴾ التي توجهتم بها إلى الدنيا ولطختموها بالنظر إلى الأغيار بماء التوبة والاستغفار ﴿ وأيديكم إلى المرافق ﴾ أي اغسلوا أيديكم من التمسك بالدارين حتى الصديق الموافق والرفيق المرافق ﴿ وامسحوا برؤسكم ﴾ ببذل نفوسكم ﴿ وأرجلكم إلى الكعبين ﴾ من طين طبيعتكم والقيام بأنانيتكم ﴿ ولا يجرمنكم ﴾ ولا يحملنكم حسد الحساد وعداوة الأنذال ﴿ على أن لا تعدلوا ﴾ مع أنفسكم ﴿ إذ هم قوم ﴾ من الشيطان والنفس والهوى ﴿ أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم ﴾ والله خير موفق ومعين.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ يَسْأَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ ﴾ : ليس في السؤال بيان: مم كان سؤالهم؟

ولكن في الجواب بيان المراد من سؤالهم، فقال: ﴿ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَاتُ ﴾ ؛ دل قوله -  -: ﴿ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَاتُ ﴾ : [أن سؤالهم كان عن الطيبات، مما يصطاد من الجوارح.

ثم اختلف في قوله -  -: ﴿ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَاتُ ﴾ ]: قال بعضهم: ﴿ ٱلطَّيِّبَاتُ ﴾ : هو المحللات، لكنه بعيد؛ لأنه كأنه قال: "أحل لكم المحللات"؛ على هذا التأويل.

لكنه يحتمل وجهين غير هذا: أحدهما: أن أحل لكم بأسباب تطيب بها أنفسكم من نحو: الذبح، والطبخ، والخبز، وغيره.

لم يحل لكم ما يكره به أنفسكم التناول منه [غير مطبوخ، ولا مذبوح، ولا مشوي، ولكن أحل لكم بأسباب طابت بها أنفسكم التناول منه،] والله أعلم.

ويحتمل وجهاً آخر: وهو أن أحل لكم ما يستطيب به طباعكم لا ما تنكره طباعكم وتنفر عنه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِّنَ ٱلْجَوَارِحِ ﴾ : كأنهم سألوا [رسول الله،  ]، عما يحل من الجوارح؟

فذكر ذلك لهم، مع ما ذكر في بعض القصة: أن النبي  لما أمر بقتل الكلاب، فأتاه أناس، فقالوا: ماذا يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها؟

فنزل قوله  : ﴿ يَسْأَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ...

﴾ الآية.

وقيل: سميت: جوارح؛ لما يكتسب بها، والجوارح: هن الكواسب؛ قال الله -  -: "أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ" [الجاثية: 21]، قيل: اكتسبوا، وجرح: كسب.

وقال أبو عبيد: سميت: جوارح؛ لأنها صوائد، وهو ما ذكرنا من الكسب، يقال: فلان جارح أهله، أي: كاسبهم.

وقال غيره: سميت: جوراح؛ لأنها تجرح، وهو من الجراحة، فإذا لم يَجْرح، لم يحل صيده.

واحتج محمد - رحمه الله - بهذا المعنى في صيد الكلب إذا قَتَلَ، ولم [يَجْرَح في مسألة] من كتاب الزيادات، ومما يدل على صحة ذلك ما روي عن رسول الله  أن عدي بن حاتم -  - قال: "سألت رسول الله  عن المعراض؟

فقال: مَا أصَبْتَ بَعَرْضِهِ فَلاَ تَأْكُلْ؛ فَهُوَ وَقِيذٌ، وَمَا أَصَبْتَ بِحَدّهِ فَكُلْ" وقوله - عز وجل -: ﴿ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُ...

﴾ الآية.

قال بعضهم: ﴿ مُكَلِّبِينَ ﴾ هن الكلاب يكالبن الصيد.

وقال القتبي: المكلبون: أصحاب الكلاب، وكذلك قال الفراء والكسائي: المكلبون: هم أصحاب الكلاب.

والمكلب: الكلب المعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ تُعَلِّمُونَهُنَّ ﴾ : قال الحسن [وأبو بكر]: تضرونهن، يقال: كلب مضراة على طلب الصيد، وهما يبيحان الصيد وإن أكل منه الكلب؛ فعلى قولهما يصح تأويل الإضراء؛ إذ يبيحان التناول، وإن أكل منه.

وقال: تؤدبونهن؛ ليمسكوا الصيد لكم، وهو عندنا على حقيقة التعليم؛ تُعَلَّم ليمسكوا الصيد لهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُ ﴾ يتوجه وجهين: أحدهما: ﴿ مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُ ﴾ ، أي: مما جعل بينكم، بحيث احتمال تعليم هؤلاء، ولم يجعل غيركم من الخلائق محتملاً لذلك ولا أهلاً.

ويحتمل قوله -  -: ﴿ مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُ ﴾ : أن قال لكم: علموهن بكذا، وافعلوا كذا، فكيفما كان، ففيه دليلُ جَعْلِ العلم شرطاً فيه.

ثم تخصيص الكلاب بالذكر دون غيرها من الأشياء، وإن كانت الكلاب وغيرها سواء إذا عُلِّمَتْ؛ لخبث الكلاب ومخالطتها الناس، حتى جاء النهي عن اقتنائها، وجاء الأمر بقتلها في وقت لم يجيء بمثله في سائر السباع؛ ليعلم أن ما كسب هؤلاء مع خبثها إذا كن معلمين، يحتمل التناول منه، فغيرها مما لم يجيء فيه ذلك أحرى.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَكُلُواْ مِمَّآ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ .

إنما أباح أكل ما أمسك علينا، ولم يبح مما أمسك على نفسه؛ لأن الكلب وغيره من السباع من طباعهم إذا أخذوا الصيد يأخذون لأنفسهم ولا يصبرون على ألا يتناولوا منه، فإذا أخذ الصيد ولم يتناول منه؛ دل أنه إنما أمسك لصاحبه، وإذا تناول منه لم يمسك لصاحبه؛ لأن الباقي لا يدري أنه أمسكه لصاحبه أو أمسكه لنفسه لوقت آخر لما شبع، وعلى ذلك جاءت الآثار.

روي عن عدي بن حاتم قال: قلت: "يا رسول الله، إنا قوم نَتَصَيَّدُ بهذه الكلاب والبزاة، فهل يحل لنا منها؟

فقال: يَحِلُّ لَكُمْ ﴿ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِّنَ ٱلْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُ فَكُلُواْ مِمَّآ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ ﴾ مِمَّا عَلَّمْتُمْ مِنْ كَلْبٍ أَوْ بَازٍ، فَذَكَرْتَ [عَلَيْهِ اسْمَ اللهِ]، قلت: وإن قتل؟

قال: إِذَا قَتَلَهُ وَلَمْ يَأْكُلْهُ، فَإِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَيْكَ، وَإِنْ أَكَلَ فَلاَ تَأْكُلْ؛ فَإِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ، فقلت: يا رسول الله، أرأيت إن خالطت كلابنا كلاباً أخرى؟

قال: إِذَا خَالَطَ كَلْبُكَ كِلاَباً فَلاَ تَأْكُلْ، فَإِنَّكَ إِنَّمَا ذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ عَلَى كَلْبِكَ، وَلَمْ تَذْكُرْهُ عَلَى كَلْبِ غَيْرِكَ" وعن ابن عباس -  - أنه قال: إذا أكل الكلب من الصيد، فليس بمعلم.

وعنه - أيضاً - قال: إذا أكل الكلب من الصيد فلا تأكل، وإذا أكل الصقر فكل؛ لأن الكلب تستطيع أن تضربه والصقر لا.

وعن علي -  - قال: إذا أكل الكلب فلا تأكل واضربه.

وقد ذكرنا من الأخبار ما يدل على أن الكلب إذا كان غير معلم لم يؤكل صيده، من خبر عدي بن حاتم قال: قلت: "يا رسول الله، إنا قوم نصيد بهذه الكلاب؟

فقال: إِذَا أَرْسَلْتَ كِلاَبِكَ المُعلَّمَةَ، وَذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا، فَكُلْ مَمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكَ، وَإِنْ قَتَلْنَ، إِلاَّ أَنْ يَأْكُلَ الكَلْبُ، فَإِنْ أَكَلَ فَلاَ تَأْكُلْ" ، وعلى هذا يخرج قولنا: إنه إذا أكل من دمه يؤكل؛ لأنه لو أمسكه علينا كنا لا نأكله، وذلك من غاية تعليمه؛ لأنه تناول الخبيث، وأمسك الطيب على صاحبه.

ولو كان صيد الكلب إذا أكل منه حلالاً، لكان المعلَّم وغير المعلَّم سواء، وكان ما أمسك على نفسه وعلى صاحبه سواء؛ لأن كل الكلاب تطلب الصيد إذا أرسلت عليه، وتمسكه حتى يموت، وتأكل منه إلا المعلم، فما معنى تخصيص الله -  - المعلم منها والممسك على صاحبه، لو كان الأمر على ما قال مخالفنا.

وقد روي عن أبي حنيفة -  - أنه قال: إن عُلِّمَ الكلبُ حتى صار لا يأكل من صيد، ثم أكل من صيد يصيد - لم يجز أن يؤكل من صيده الأول إذا كان باقياً.

ومذهبه عندنا - والله أعلم -: أن صيد الكلب لا يؤكل حتى يكون معلماً، وإن أمسك في أول ما يرسل فلم يأكل، فإذا أمسك مراراً ثم أكل، دَلَّنا أكله على إن إمساكه عن الأكل لم يكن لأنه معلم؛ إذ قد يمسك غير المعلم للشبع، ولو كان معلماً ما أكله، فاستدل بأكله في الرابعة على أن إمساكه في الثالثة كان على غير حقيقة تعليم، وهذا عندنا في صيد يقرب بعضه من بعض، فأما إذا كثر إمساكه، ثم ترك إرساله مدة، يجوز أن ينسى فيها ما علم، ثم أرسل فأكل - فليس فيها رواية عنه، ويجوز أن يقال: يؤكل ما بقي من صيده الأول، ويفرق بين المسألتين بأن الثاني قد نسي، والأول يبعد من النسيان؛ لتقارب ما بين الصيدين؛ فلا وجه إلا أن يجعل غير مستحكم التعليم في الصيد المتقدم.

وقد ذكرنا - فيما تقدم -: أن الصقر والبازي من الجوارح، واستدللنا على ذلك بما أوضحناه؛ فدل ذلك على أن صيد ما ليس بمعلم من الطير لا يؤكل إلا أن يدرك ذكاته.

ثم يكون تعليم البازي والصقر بإجابته صاحبه ورجوعه إليه، وتعليم الكلاب ترك الأكل منه؛ لأن البازي ونحوه مستوحش عن الناس ينفر طبعه عنهم؛ فدل إلفه الناس وإجابة أصحابهم على التعلم وإن أكل منه، ولا يحتمل أن يكون بالتناول منه يخرج عن حد التعليم؛ لأنه إنما يعلم بالأكل من الصيد، وأما الكلب: فإنه يألف الناس ولا يستوحش، ومن طبعه الأكل إذا أخذ الصيد؛ فدل إمساكه عن التناول منه على أنه معلم.

وقد روي عن علي -  - وابن عباس ما يدل على تأييد ما ذكرنا، قالا: إذا أكل الصقر فكل، وإن أكل الكلب فلا تأكل.

وعن سلمان كذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ ؛ فلا تستحلوا ما لم يذكر اسم الله عليه؛ فإنها ميتة.

ويحتمل: اتقوا الله في ترك ما أمر ونهى كله.

﴿ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ ﴾ ، يحتمل السرعة: كناية عن الشدة.

وقوله  ﴿ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ ﴾ : شديد العقاب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَاتُ ﴾ : يحتمل قوله: ﴿ ٱلْيَوْمَ ﴾ حرف افتتاح يفتتح به الكلام، لا إشارة إلى وقت مخصوص؛ على ما ذكرنا في قوله -  -: ﴿ ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ﴾ ، وقد يُتَكَلَّم باليوم لا على إشارة وقت مشار إليه.

وهو - والله أعلم - ما حرم عليهم من الثمانية الأزواج التي ذكر الله -  - في سورة الأنعام، وهو قوله: ﴿ ثَمَٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ مَّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ...

 ﴾ إلى آخر ما ذكر.

ثم قال: ﴿ وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ وَٱلْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَآ...

﴾ الآية [الأنعام: 146]، وما حرموا هم على أنفسهم من: البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام، وغيرها من المحرمات التي كانت، فأحل الله ذلك لهم؛ فقال: ﴿ ٱلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَاتُ ﴾ ، وكانت محرمة عليهم قبل ذلك، لكن أهل التأويل صرفوا الآية إلى الذبائح، لم يصرفوا إلى ما ذكرنا، وقد ذكرنا المعنى الذي به صارت الذبائح طيبات فيما تقدم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ ﴾ : عن ابن عباس -  - قال: ﴿ وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ ﴾ ، أي: ذبائحهم حل لكم، وذبائحكم حل لهم.

إلى هذا حمل أهل التأويل، فإن قيل: أليس جعل ذبائحنا محللة لهم وذبائحهم محللة لنا، ثم تحل ذبائحنا لهم ولغيرهم؟

كيف لا حل ذبائحهم وذبائح غيرهم، وهو ذبائح المجوس؟

قيل: حل الذبائح شرعي، وليس للمجوس كتاب آمنوا به؛ فتحل ذبائحهم، وأما أهل الكتاب، فإنهم آمنوا بما في الكتاب، حله وحرمته؛ لذلك افترقا، والله أعلم.

والآية على قول أصحاب العموم توجب حل جميع طعام أهل الكتاب لنا وحل جميع طعامنا لهم؛ لأنه قال: ﴿ ٱلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ ﴾ ؛ فعلى قولهم لكل واحد من الفريقين أن يتناول طعام الفريق الآخر؛ دل على أن مخرج عموم اللفظ لا يوجب الحكم عامّاً للفظ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلْمُؤْمِنَاتِ وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ ﴾ : اختلف فيه: قال بعضهم: ﴿ وَٱلْمُحْصَنَاتُ ﴾ أراد به الحرائر.

وقال آخرون: أراد به العفائف منهن غير زانيات؛ كقوله -  -: ﴿ ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً  ﴾ ، نهى عن نكاح الزانيات، ورغب في نكاح العفائف، وهذا أشبه من الأول؛ لأنه قال في آخر الآية: ﴿ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِيۤ أَخْدَانٍ ﴾ ؛ دل هذا على أنه أراد بالمحصنات: العفائف منهن لا الحرائر، ودلت الآية على حل نكاح الحرائر من الكتابيات، وعلى ذلك اتفاق أهل العلم، لكن يكره ذلك.

روي عن ابن عمر -  - أنه كره تزوجهن، فهذا عندنا على غير تحريم منه لتزويجهن، ولكن رأى تزويج المسلمات أفضل وأحسن؛ لمشاركتها المسلم في دينها.

وروي عن عمر -  - كراهة ذلك؛ وذلك لأن حذيفة -  - تزوج يهودية؛ فكتب إليه عمر -  - يأمره بطلاقها، ويقول: "كفى بذلك فتنة للمسلمات"، فهذا - أيضاً - [لا] على سبيل التحريم، ولكن لما ذكر من الفتنة: فتنة المسلمات، فأصحابنا - رحمهم الله - يكرهون أيضاً تزويج الكتابيات ولا يحرمونه.

واختلف أهل العلم في تزويج إمائهن: فتأول قوم قول الله -  -: ﴿ وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ ﴾ على الحرائر، وتأوله آخرون على العفائف.

وقد ذكرنا أن صرف التأويل إلى العفائف أشبه؛ بدلالة قوله: ﴿ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِيۤ أَخْدَانٍ ﴾ مع ما لو كانت المحصنات هاهنا هن الحرائر، لم يكن فيه حظر نكاح إماء الكتابيات؛ لأنه إباحة نكاح الحرائر من الكتابيات، وليس في إباحة شيء في حال حظر غيره فيه، وقد ذكرنا الوجه في ذلك فيما تقدم، فالمجوسية ليست عندنا من أهل الكتاب؛ والدليل على ذلك قول الله -  -: ﴿ وَهَـٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ مُبَارَكٌ فَٱتَّبِعُوهُ وَٱتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ  أَن تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أُنزِلَ ٱلْكِتَابُ عَلَىٰ طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا  ﴾ ، فأخبر الله -  - أن أهل الكتاب طائفتان؛ فلا يجوز أن يجعلوا ثلاث طوائف، وذلك خلال ما دل عليه القرآن؛ ألا ترى [أنه لو قال رجل]: "إنما لي عليك يا فلان، درهمان"، لم يكن له أن يدعي عليه أكثر من ذلك، ولو قال: "إنما لقيت اليوم رجلين"، وقد لقي ثلاثة، كان كاذباً؛ لأن قوله: ["إنما لقيت رجلين"]، كقوله: لقيت اليوم رجلين، ولا يجوز مثل هذا في أخبار الله؛ لأنه الصادق في خبره عز وجل.

فإن قيل: هذا شيء حكاه الله - عز وجل - عن المشركين، وقد يجوز أن يكونوا غلطوا، فحكي الله -  - عنهم ما قالوا.

قيل له: لم يحك الله -  - هذا القول عن المشركين، ولكن قطع بالقرآن عذرهم، فقال: ﴿ أُنزِلَ ٱلْكِتَابُ  ﴾ ؛ لئلا يقولوا: ﴿ إِنَّمَآ أُنزِلَ ٱلْكِتَابُ عَلَىٰ طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ  ﴾ ، فهذا كلام الله واحتجاجه على المشركين، وليس بحكاية عنهم.

ومن الدليل على أن المجوس ليسوا من أهل الكتاب ما قال عمر بن الخطاب -  - وهو في مجلس بين القبر والمنبر: ما أدري كيف أصنع بالمجوس، وليسوا بأهل الكتاب؟"، فقال عبد الرحمن بن عوف: سمعت رسول الله  يقول: "سُنُّوا بِالمَجُوسِ سُنَّةَ أَهْلِ الكِتَابِ" .

صرح عمر -  - بأنهم ليسوا أهل الكتاب، ولم ينكر عبد الرحمن ذلك عليه، ولا أحد من الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - فلو كانوا أهل الكتاب لقال: "هم أهل الكتاب"، لم يقل: "سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الكِتَابِ".

وكذلك روي عن الحسن بن محمد، [أنه] قال: "كتب رسول الله،  إلى مجوس هجر، فقال: أَدْعُوكُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهِ، وَأَنِّي رَسُولُ الله فَإِنْ أَسْلَمْتُمْ فَلَكُمْ مَا لَنَا وَعَلَيْكُمْ مَا عَلَيْنَا، وَمَنْ أَبَى فَعَلَيْهِ الْجِزيَةُ، غَيْرَ آكِلِي ذَبَائِحِهِمِ، وَلاَ نَاكِحِي نِسَائِهِم" [و] إلى هذا ذهب أصحابنا - رحمهم الله - في قولهم: إن المجوس ليسوا بأهل كتاب.

[وأما نصارى بني تغلب: فإن عليّاً -  - قال: لا تحل ذبائح نصارى العرب؛ فإنهم ليسوا بأهل كتاب، وقرأ]: ﴿ وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ  ﴾ .

وقال ابن عباس -  - تؤكل، وقرأ: ﴿ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ...

﴾ .

والآية الأولى تدل على أنهم أهل كتاب؛ لأن الله - عز وجل - قد جعلهم منهم بقوله: ﴿ وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ  ﴾ ، فحكمهم حكمهم؛ إذ أخبر الله - عز وجل - أنهم منهم.

ومما يدل على ذلك - أيضاً - قول رسول الله  حيث قال: "لاَ يَخْتَلِجَنَّ فِي صَدْرِكَ طَعَامٌ ضَارَعت فِيهِ النَّصْرَانِيَّة" ؛ لأنه عم فيه النصارى؛ فدخل فيه عربهم وعجمهم؛ لأنهم دانوا بدينهم، وكل من دان بدين قوم فهو منهم.

ومن الدليل على أن العرب إذا دانوا بدين أهل الكتاب فهم من أهل الكتاب -: أن العجم لما أسلموا صار حكمهم حكم عرب أهل الإسلام؛ فإن ارتد أحد منهم، وسأل أن تؤخذ منه الجزية؛ كما [كانت] تؤخذ في الابتداء من المجوس - لم يُجَبْ إلى ذلك، وقيل له: إما أن تسلم، وإما أن تقتل، فهو بمنزلة عربي مسلم لو ارتد عن الإسلام، فلما كان حكم العجمي إذا دان بدين النبي  حكم العرب - وجب أن يكون حكم العربي إذا دان بدين العجم من أهل الكتاب أن يجعل حكمه حكمهم، وبالله التوفيق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَآ آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾ : ذكر إيتاء أجورهن، وقد يحللن لنا إذا لم نؤت أجورهن؛ دل أن ذكر الحكم في حال لا يوجب حظره في حال أخرى؛ فهو دليل لنا في جواز نكاح الإماء من أهل الكتاب، وإن ذكر في الآية المحصنات.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يَكْفُرْ بِٱلإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ...

﴾ الآية.

أي: ومن يكفر بالذي عليه الإيمان به، وهو المُؤْمَنُ به، أي: الله؛ لأنه لا يكفر بالإيمان، ولكن يؤمن به، وهو كقوله: ﴿ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ  ﴾ ، أي: المُوقَنْ به؛ فعلى ذلك الأول معناه: ومن يكفر بالذي عليه الإيمان به، وهو المُؤْمَنُ به ﴿ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ ﴾ ، وبالله العصمة والهداية.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يسألك -أيها الرسول- صحابتك ماذا أحل الله لهم أكله؟

قل -أيها الرسول-: أحل الله لكم ما طاب من المآكل، وأكل ما صادته المدرَّبات من ذوات الأنياب كالكلاب والفهود وذوات المخالب كالصقور، تعلِّمونها الصيد مما مَنَّ الله عليكم به من العلم بآدابه، حتى صارت إذا أُمِرَتِ ائتَمَرَتْ، وإذا زُجِرَتِ ازدجرت، فكلوا مما أمسكته من الصيد ولو قتلته، واذكروا اسم الله عند إرسالها، واتقوا الله بامتثال أوامر لكف عن نواهيه، إن الله سريع الحساب للأعمال.

<div class="verse-tafsir" id="91.k1oRY"

مزيد من التفاسير لسورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 25%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله