الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > سورة 5 المائدة > الآية ٥٤
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 3 دقيقة قراءةقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن يَرْتَدَّ مِنكم عَنْ دِينِهِ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: يَرْتَدَّ، بِإدْغامِ الدّالِ الأُولى في الأُخْرى، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: يَرْتَدِدْ، بِدالَيْنِ.
قالَ الزَّجّاجُ: "يَرْتَدِدْ" هو الأصْلُ، لِأنَّ الثّانِيَ إذا سُكِّنَ مِنَ المُضاعَفِ، ظَهَرَ التَّضْعِيفُ.
فَأمّا "يَرْتَدَّ" فَأُدْغِمَتِ الدّالُ الأوْلى في الثّانِيَةِ، وحُرِّكَتِ الثّانِيَةُ بِالفَتْحِ، لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ.
قالَ الحَسَنُ: عَلِمَ اللَّهُ أنَّ قَوْمًا يَرْجِعُونَ عَنِ الإسْلامِ بَعْدَ مَوْتِ نَبِيِّهِمْ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَأخْبَرَهم أنَّهُ سَيَأْتِي بِقَوْمٍ يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ.
وفي المُرادِ بِهَؤُلاءِ القَوْمِ سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أبُو بَكْرٍ الصِّدِيقُ وأصْحابُهُ الَّذِينَ قاتَلُوا أهْلَ الرِّدَّةِ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، والحَسَنُ عَلَيْهِما السَّلامُ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، وابْنُ جُرَيْجٍ.
قالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: كَرِهَتِ الصَّحابَةُ قِتالَ مانِعِي الزَّكاةِ، وقالُوا: أهْلُ القِبْلَةِ، فَتَقَلَّدَ أبُو بَكْرٍ سَيْفَهُ، وخَرَجَ وحْدَهُ، فَلَمْ يَجِدُوا بُدًّا مِنَ الخُرُوجِ عَلى أثَرِهِ.
والثّانِي: أبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، رُوِيَ عَنِ الحُسْنِ أيْضًا.
والثّالِثُ: أنَّهم قَوْمُ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ، رَوى عِياضٌ الأشْعَرِيُّ أنَّهُ «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ رَسُولُ اللَّهِ : "هم قَوْمُ هَذا" يَعْنِي: أبا مُوسى.» والرّابِعُ: أنَّهم أهْلُ اليَمَنِ، رَواهُ الضَّحّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ.
والخامِسُ: أنَّهُمُ الأنْصارُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والسّادِسُ: المُهاجِرُونَ والأنْصارُ، ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وقَدْ أنْجَزَ اللَّهُ ما وعَدَ فَأتى بِقَوْمٍ في زَمَنِ عُمَرَ كانُوا أحْسَنَ مَوْقِعًا في الإسْلامِ مِمَّنِ ارْتَدَّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ ﴾ قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: أهْلُ رِقَّةٍ عَلى أهْلِ دِينِهِمْ، أهْلُ غِلْظَةٍ عَلى مَن خالَفَهم في دِينِهِمْ.
وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى "أذِلَّةٍ": جانِبُهم لَيِّنٌ عَلى المُؤْمِنِينَ، لا أنَّهم أذِلّاءُ.
﴿ يُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ ولا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ﴾ لِأنَّ المُنافِقِينَ يُراقِبُونَ الكُفّارَ، ويُظاهِرُونَهم، ويَخافُونَ لَوْمَهم، فَأعْلَمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّ الصَّحِيحَ الإيمانِ لا يَخافُ في اللَّهِ لَوْمَةَ لائِمٍ، ثُمَّ أعْلَمَ أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا بِتَوْفِيقِهِ، فَقالَ: ﴿ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ ﴾ يَعْنِي: مَحَبَّتَهم لِلَّهِ، ولِينَ جانِبِهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ، وشِدَّتَهم عَلى الكافِرِينَ.
<div class="verse-tafsir"