الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > سورة 56 الواقعة > الآيات ٧٥-٨٢
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 6 دقيقة قراءةأحَدُهُما: أنَّها دَخَلَتْ تَوْكِيدًا.
والمَعْنى: فَأُقْسِمُ، ومِثْلُهُ ﴿ لِئَلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: وهو مَذْهَبُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.
والثّانِي: أنَّها عَلى أصْلِها.
ثُمَّ في مَعْناها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى ما تَقَدَّمَ، ومَعْناها: النَّهْيُ، تَقْدِيرُ الكَلامِ: فَلا تَكْذِبُوا، ولا تَجْحَدُوا ما ذَكَرْتُهُ مِنَ النِّعَمِ والحُجَجِ، قالَهُ الماوَرْدِيُّ.
والثّانِي: أنَّ "لا" رَدٌّ لِما يَقُولُهُ الكُفّارُ في القُرْآنِ: إنَّهُ سِحْرٌ، وشِعْرٌ، وكِهانَةٌ.
ثُمَّ اسْتَأْنَفَ القَسَمَ عَلى أنَّهُ قُرْآنٌ كَرِيمٌ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ: وقَرَأ الحَسَنُ: " فَلَأُقْسِمُ" بِغَيْرِ ألِفٍ بَيْنَ اللّامِ والهَمْزَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِمَواقِعِ ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "بِمَوْقِعِ" عَلى التَّوْحِيدِ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَواقِعُها مَساقِطُها.
ومَن أفْرَدَ، فَلِأنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ.
ومَن جَمَعَ، فَلِاخْتِلافِ ذَلِكَ.
وفي "النُّجُومِ" قَوْلانِ.
أحَدُهُما: نُجُومُ السَّماءِ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.
فَعَلى هَذا في مَواقِعِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: انْكِدارُها وانْتِثارُها يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: مَنازِلُها، قالَهُ عَطاءٌ، وقَتادَةُ.
والثّالِثُ: مَغِيبُها في المَغْرِبِ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
والثّانِي: أنَّها نُجُومُ القُرْآنِ، رَواهُ ابْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
فَعَلى هَذا سُمِّيَتْ نُجُومًا لِنُزُولِها مُتَفَرِّقَةً، ومَواقِعُها: نُزُولُها "وَإنَّهُ لَقَسَمٌ" الهاءُ كِنايَةٌ عَنِ القَسَمِ.
وَفِي الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: وإنَّهُ لَقَسَمٌ عَظِيمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عِظَمَهُ.
ثُمَّ ذَكَرَ المُقْسَمَ عَلَيْهِ فَقالَ تَعالى: ﴿ إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ﴾ والكَرِيمُ: اسْمٌ جامِعٌ لِما يُحْمَدُ، وذَلِكَ أنَّ فِيهِ البَيانَ، والهُدى، والحِكْمَةَ، وهو مُعْظَّمٌ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي كِتابٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ المُصْحَفُ الَّذِي بِأيْدِينا، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.
وَفِي "المَكْنُونِ" قَوْلانِ.
أحَدُهُما: مَسْتُورٌ عَنِ الخَلْقِ، قالَهُ مُقاتِلٌ، وهَذا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ.
والثّانِي: مَصُونٌ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ ﴾ مِن قالَ: إنَّهُ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ.
فالمُطَهَّرُونَ عِنْدَهُ: المَلائِكَةُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةَ، ومُجاهِدٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.
فَعَلى هَذا يَكُونُ الكَلامُ خَبَرًا.
ومَن قالَ: هو المُصْحَفُ، فَفي المُطَهَّرِينَ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُمُ المُطَهَّرُونَ مِنَ الأحْداثِ، قالَهُ الجُمْهُورُ.
فَيَكُونُ ظاهِرُ الكَلامِ النَّفْيُ، ومَعْناهُ النَّهْيُ.
والثّانِي: المُطَهَّرُونَ مِنَ الشِّرْكِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والثّالِثُ: المُطَهَّرُونَ مِنَ الذُّنُوبِ والخَطايا، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.
والرّابِعُ: أنَّ مَعْنى الكَلامِ: لا يَجِدُ طَعْمَهُ ونَفْعَهُ إلّا مَن آمَنَ بِهِ، حَكاهُ الفَرّاءُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَنْزِيلٌ ﴾ أيْ: هو تَنْزِيلُ.
والمَعْنى: هو مُنَزَّلٌ، فَسُمِّيَ المُنَزَّلُ تَنْزِيلًا في اتِّساعِ اللُّغَةِ، كَما تَقُولُ لِلْمَقْدُورِ: قَدَرٌ، ولِلْمَخْلُوقِ: خَلْقٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَبِهَذا الحَدِيثِ ﴾ يَعْنِي: القُرْآنَ ﴿ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: مُكَذِّبُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، والفَرّاءُ.
والثّانِي: مُمالِئُونَ الكَفّارَ عَلى الكُفْرِ بِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المَدْهِنُ: المُداهِنُ، وكَذَلِكَ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ "مُدْهِنُونَ" أيْ: مُداهِنُونَ.
يُقالُ: أدْهَنَ في دِينِهِ، وداهَنَ ﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ ﴾ رَوى مُسْلِمٌ في "صَحِيحِهِ" مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «مُطِرَ النّاسُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ، فَقالَ النَّبِيُّ : "أصْبَحَ مِنَ النّاسِ شاكِرٌ، ومِنهم كافِرٌ" .
قالُوا: هَذِهِ رَحْمَةٌ وضَعَها اللَّهُ حَيْثُ شاءَ.
وقالَ بَعْضُهُمْ: لَقَدْ صَدَقَ نَوْءُ كَذا، وكَذا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ ﴾ حَتّى بَلَغَ ﴿ أنَّكم تُكَذِّبُونَ ﴾ .» ورَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خالِدٍ الجُهَنِيِّ، قالَ: «صَلّى بِنا رَسُولُ اللَّهِ صَلاةً بِالحُدَيْبِيَةِ عَلى إثْرِ سَماءٍ كانَتْ مِنَ اللَّيْلِ.
فَلَمّا انْصَرَفَ أقْبَلَ عَلى النّاسِ، فَقالَ: "هَلْ تَدْرُونَ ماذا قالَ رَبُّكُمْ"؟
قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ.
"قالَ: قالَ أصْبَحَ مِن عِبادِي مُؤْمِنٌ بِي وكافِرٌ.
فَأمّا المُؤْمِنُ فَقالَ: مُطِرْنا بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي، كافِرٌ بِالكَواكِبِ.
وأمّا مَن قالَ: مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا وكَذا، فَذاكَ كافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالكَواكِبِ" .» وَلِلْمُفَسِّرِينَ في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ الرِّزْقَ ها هُنا بِمَعْنى الشُّكْرِ.
رَوَتْ عائِشَةُ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أنَّهُ قالَ: ﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ ﴾ قالَ: "شُكْرَكُمْ"،» وهَذا قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، وابْنِ عَبّاسٍ.
وكانَ عَلِيٌّ يَقْرَأُ "وَتَجْعَلُونَ شُكْرَكُمْ" .
والثّانِي: أنَّ المَعْنى: وتَجْعَلُونَ شُكْرَ رِزْقِكم تَكْذِيبَكُمْ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.
وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يُمْطَرُونَ، فَيَقُولُونَ: مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا.
والثّالِثُ: أنَّ الرِّزْقَ بِمَعْنى الحَظِّ.
فالمَعْنى: وتَجْعَلُونَ حَظَّكم ونَصِيبَكم مِنَ القُرْآنِ أنَّكم تُكَذِّبُونَ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ.
وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ "تَكْذِبُونَ" بِفَتْحِ التّاءِ، وإسْكانِ الكافِ، مُخَفَّفَةَ الذّالِ.
<div class="verse-tafsir"