الآية ٨١ من سورة الواقعة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 56 الواقعة > الآية ٨١ من سورة الواقعة

أَفَبِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَنتُم مُّدْهِنُونَ ٨١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 106 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٨١ من سورة الواقعة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٨١ من سورة الواقعة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله تعالى "أفبهذا الحديث أنتم مدهنون" قال العوفي عن ابن عباس أي مكذبون غير مصدقين.

وكذا قال الضحاك وأبو حزرة والسدي وقال مجاهد "مدهنون" أي تريدون أن تمالئوهم فيه وتركنوا إليهم.

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (81) يقول تعالى ذكره: أفبهذا القرآن الذي أنبأتكم خبره، وقصصت عليكم أمره أيها الناس أنتم تلينون القول للمكذّبين به، ممالأة منكم لهم على التكذيب به والكفر.

واختلف أهل التأويل في تأويله، فقال بعضهم في ذلك نحو قولنا فيه.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: ( أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ ) قال: تريدون أن تمالئوهم فيه، وتركنوا إليهم.

وقال آخرون: بل معناه: أفبهذا الحديث أنتم مكذّبون.

* ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن سعد، قال: ثن أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه عن ابن عباس قوله: ( أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ ) يقول: مكذّبون غير مصدّقين.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول، في قوله: ( أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ ) يقول: مكذبون.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : أفبهذا الحديث يعني القرآن أنتم مدهنون أي : مكذبون ؛ قاله ابن عباس وعطاء وغيرهما .

والمدهن : الذي ظاهره خلاف باطنه ، كأنه شبه بالدهن في سهولة ظاهره .

وقال مقاتل بن سليمان وقتادة : مدهنون كافرون ، نظيره : ودوا لو تدهن فيدهنون .

وقال المؤرج : المدهن : المنافق أو الكافر الذي يلين جانبه ليخفي كفره ، والإدهان والمداهنة : التكذيب والكفر والنفاق ، وأصله اللين ، وأن يسر خلاف ما يظهر ، وقال أبو قيس بن الأسلت :الحزم والقوة خير من الإدهان والفهة والهاعوأدهن وداهن واحد .

وقال قوم : داهنت بمعنى واريت وأدهنت بمعنى غششت .

وقال الضحاك : مدهنون معرضون .

مجاهد : ممالئون الكفار على الكفر به .

ابن كيسان : المدهن : الذي لا يعقل ما حق الله عليه ، ويدفعه بالعلل .

وقال بعض اللغويين : مدهنون تاركون للجزم في قبول القرآن .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ومما يجب عليهم أن يقوموا به ويعلنوه ويدعوا إليه ويصدعوا به، ولهذا قال: { أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ } أي: أفبهذا الكتاب العظيم والذكر الحكيم أنتم تدهنون أي: تختفون وتدلسون خوفا من الخلق وعارهم وألسنتهم؟

هذا لا ينبغي ولا يليق، إنما يليق أن يداهن بالحديث الذي لا يثق صاحبه منه.وأما القرآن الكريم، فهو الحق الذي لا يغالب به مغالب إلا غلب، ولا يصول به صائل إلا كان العالي على غيره، وهو الذي لا يداهن به ولا يختفى، بل يصدع به ويعلن.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( أفبهذا الحديث ) يعني القرآن ( أنتم ) يا أهل مكة ( مدهنون ) قال ابن عباس : مكذبون .

وقال مقاتل بن حيان : كافرون ، نظيره : " ودوا لو تدهن فيدهنون " ( القلم - 9 ) والمدهن والمداهن : الكذاب والمنافق وهو من الإدهان وهو الجري في الباطن على خلاف الظاهر هذا أصله ، ثم قيل للمكذب : مدهن وإن صرح بالتكذيب والكفر .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«أفبهذا الحديث» القرآن «أنتم مدهنون» متهاونون مكذبون.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

أفبهذا القرآن أنتم -أيها المشركون- مكذِّبون؟

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم تتحدث السورة فى أواخرها .

بأسلوب مؤثر ، عن لحظات الموت .

وعن اللحظات التى يفارق الإنسان فيها هذه الحياة ، وأحباؤه من حوله لا يملكون له نفعا .

.

.

وعن بيان الحالة التى يكون عليها هذا المفارق لهم ، فتقول : ( أفبهذا الحديث .

.

.

) .الاستفهام فى قوله - تعالى - : ( أفبهذا الحديث أَنتُمْ مُّدْهِنُونَ ) للإنكار والتوبيخ .

وهو داخل على مقدر .والمراد بالحديث : القرآن الكريم ، وما تضمنه من هدايات وإرشادات وتشريعات .

.وقوله : ( مُّدْهِنُونَ ) من الإدهان وأصله جعل الجلد ونحوه مدهونا بشىء من الدهن ليلين ، ثم صار حقيقة عرفية فى الملاينة والمسايرة والمداراة ومنه قوله - تعالى - : ( وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ) والمراد به هنا : تظاهر المشركين بمهادنة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وبما جاء به من قرآن كريم ، وإبداؤهم من اللين خلاف ما يبطنون من المكر والبغضاء .ويصح أن يكون الإدهان هنا : بمعنى التكذيب والنفاق ، إذ أن هذه المعانى - أيضا - تتولد عن المداهنة والمسايرة .أى : أتعرضون - أيها المشركون - عن الحق الذى جاءكم به رسولنا - صلى الله عليه وسلم - فتظهرون أمامه بمظهر المداهن والمهادن ، الذى يلين أمام خصمه ، ولا يقابله بالشدة والحزم : مع أنه فى الوقت نفسه يضمر له أشد أنواع السوء والكراهية؟إذا كان هذا شأنكم ، فاعلموا أن تصرفكم هذا لا يخفى علينا؟!وقوله - سبحانه - وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون معطوف على ما قبله من باب عطف الجملة على الجملة .

والكلام على حذف مضاف .والمعنى : أتعرضون عن هذا القرآن على سبل المداهنة والملاينة ، وتجعلون شكر نعمة رزقنا لكم به .

وبالمطر الذى لا حياة لكم بدونه ، أنكم تكذبون بكونهما من عند الله - تعالى فتقولون فى شأن القرآن ، أساطير الأولين ، وتقولون إذا ما أنزلنا المطر عليكم : مطرنا بسبب نوء كذا .

أى : بسبب سقوط النجم فى جهة المغرب من الفجر .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفيه مسائل: المسألة الأولى: (هذا) إشارة إلى ماذا؟

فنقول: المشهور أنه إشارة إلى القرآن وإطلاق الحديث في القرآن على الكلام القديم كثير بمعنى كونه اسماً لا وصفاً فإن الحديث اسم لما يتحدث به، ووصف يوصف به ما يتجدد، فيقال: أمر حادث ورسم حديث أي جديد، ويقال: أعجبني حديث فلان وكلامه وقد بينا أن القرآن قديم له لذة الكلام الجديد، والحديث الذي لم يسمع الوجه الثاني: أنه إشارة إلى ما تحدثوا به من قبل في قوله تعالى: ﴿ وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَٰمًا أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ  أَوَءَابَآؤُنَا ٱلْأَوَّلُونَ  ﴾ وذلك لأن الكلام مستقل منتظم فإنه تعالى رد عليهم ذلك بقوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ الأولين والآخرين  ﴾ وذكر الدليل عليهم بقوله: ﴿ نَحْنُ خلقناكم  ﴾ وبقوله: ﴿ أَفَرَءيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ  ﴾ ﴿ أَفَرَءيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ  ﴾ وأقسم بعد إقامة الدلائل بقوله: ﴿ فَلاَ أُقْسِمُ  ﴾ وبين أن ذلك كله إخبار من الله بقوله: ﴿ إِنَّهُ لَقُرْءانٌ  ﴾ ثم عاد إلى كلامهم، وقال: ﴿ أفبهذا الحديث ﴾ الذي تتحدثون به ﴿ أَنتُمْ مُّدْهِنُونَ ﴾ لأصحابكم تعلمون خلافه وتقولونه، أم أنتم به جازمون، وعلى الإصرار عازمون، وسنبين وجهه بتفسير المدهن، وفيه وجهان: أحدهما: أن المدهن المراد به المكذب قال الزجاج: معناه أفبالقرآن أنتم تكذبون، والتحقيق فيه أن الإدهان تليين الكلام لاستمالة السامع من غير اعتقاد صحة الكلام من المتكلم كما أن العدو إذا عجز عن عدوه يقول له أنا داع لك ومثن عليك مداهنة وهو كاذب، فصار استعمال المدهن في المكذب استعمالاً ثانياً وهذا إذا قلنا: إن الحديث هو القرآن والوجه الثاني: المدهن هو الذي يلين في الكلام ويوافق باللسان وهو مصر على الخلاف فقال: ﴿ أَنتُمْ مُّدْهِنُونَ ﴾ فمنهم من يقول: إن النبي كاذب، وإن الحشر محال وذلك لما هم عليه من حب الرياسة، وتخافون أنكم إن صدقتم ومنعتم ضعفاءكم عن الكفر يفوت عليكم من كسبكم ما تربحونه بسببهم فتجعلون رزقكم أنكم تكذبون الرسل، والأول عليه أكثر المفسرين، لكن الثاني مطابق لصريح اللفظ فإن الحديث بكلامهم أولى وهو عبارة عن قولهم: ﴿ أَءنَّا لَمَبْعُوثُونَ  ﴾ والمدهن يبقى على حقيقته فإنهم ما كانوا مدهنين بالقرآن، وقول الزجاج: مكذبون جاء بعده صريحاً.

وأما قوله: ﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذّبُونَ ﴾ ففيه وجوه: الأول: تجعلون شكر النعم أنكم تقولون مطرنا بنوء كذا، وهذا عليه أكثر المفسرين.

الثاني: تجعلون معاشكم وكسبكم تكذيب محمد، يقال: فلان قطع الطريق معاشه، والرزق في الأصل مصدر سمي به ما يرزق، يقال للمأكول رزق، كما يقال للمقدور قدرة، والمخلوق خلق، وعلى هذا فالتكذيب مصدر قصد به ما كانوا يحصلون به مقاصدهم، وأما قوله: ﴿ تُكَذّبُونَ ﴾ فعلى الأول المراد تكذيبهم بما قال الله تعالى: ﴿ وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأرض إِلاَّ عَلَى الله رِزْقُهَا  ﴾ وغير ذلك، وعلى الثاني المراد جميع ما صدر منهم من التكذيب، وهو أقرب إلى اللفظ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ أفبهذا الحديث ﴾ يعني القرآن ﴿ أَنتُمْ مُّدْهِنُونَ ﴾ أي: متهاونون به، كمن يدهن في الأمر، أي يلين جانبه ولا يتصلب فيه تهاوناً به ﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (82) ﴾ على حذف المضاف، يعني: وتجعلون شكر رزقكم التكذيب، أي: وضعتم التكذيب موضع الشكر.

وقرأ علي رضي الله عنه: ﴿ وتجعلون شكركم أنكم تكذبون ﴾ وقيل: هي قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمعنى وتجعلون شكركم لنعمة القرآن أنكم تكذبون به.

وقيل: نزلت في الأنواء ونسبتهم السقيا إليها.

والرزق: المطر، يعني: وتجعلون شكر ما يرزقكم الله من الغيث أنكم تكذبون بكونه من الله، حيث تنسبونه إلى النجوم.

وقرئ: ﴿ تكذبون ﴾ وهو قولهم في القرآن: شعر وسحر وافتراء.

وفي المطر: وهو من الأنواء، ولأنّ كل مكذب بالحق كاذب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ أفَبِهَذا الحَدِيثِ ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ.

﴿ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ ﴾ مُتَهاوِنُونَ بِهِ كَمَن يُدْهِنُ في الأمْرِ أيْ يُلِينُ جانِبَهُ ولا يَتَصَلَّبُ فِيهِ تَهاوُنًا بِهِ.

﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ ﴾ أيْ شُكْرَ رِزْقِكم.

﴿ أنَّكم تُكَذِّبُونَ ﴾ أيْ بِمانِحِهِ حَيْثُ تَنْسُبُونَهُ إلى الأنْواءِ، وقُرِئَ «شُكْرَكُمْ» أيْ وتَجْعَلُونَ شُكْرَكم لِنِعْمَةِ القُرْآنِ أنَّكم تُكَذِّبُونَ بِهِ وتُكَذِّبُونَ أيْ بِقَوْلِكم في القُرْآنِ أنَّهُ سِحْرٌ وشِعْرٌ، أوْ في المَطَرِ أنَّهُ مِنَ الأنْواءِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{أفبهذا الحديث} أي القرآن {أَنتُمْ مُّدْهِنُونَ} متهاونون به كمن يدهن في بعض الامراى يلين جانبه ولا يتصلب فيه تهاوناً به

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ أفَبِهَذا الحَدِيثِ ﴾ أيْ أتُعْرِضُونَ فَبِهَذا الحَدِيثِ الَّذِي ذُكِرَتْ نُعُوتُهُ الجَلِيلَةُ المُوجِبَةُ لِإعْظامِهِ وإجْلالِهِ والإيمانِ بِما تَضَمَّنَهُ وأرْشَدَ إلَيْهِ وهو القُرْآنُ الكَرِيمُ ﴿ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ ﴾ مُتَهاوِنُونَ بِهِ كَمَن يَدْهُنُ في الأمْرِ أيْ يَلِينُ جانِبُهُ ولا يَتَصَلَّبُ فِيهِ تَهاوُنًا بِهِ، وأصْلُ الِإدْهانِ كَما قِيلَ: جَعْلُ الأدِيمِ ونَحْوِهِ مَدْهُونًا بِشَيْءٍ مِنَ الدُّهْنِ ولَمّا كانَ ذَلِكَ مُلَيِّنًا لَيِّنًا مَحْسُوسًا يُرادُ بِهِ اللِّينُ المَعْنَوِيُّ عَلى أنَّهُ تَجُوزُ بِهِ عَنْ مُطْلَقِ اللِّينِ أوِ اسْتُعِيرَ لَهُ، ولِذا سُمِّيَتِ المُداراةُ مُداهَنَةً وهَذا مَجازٌ مَعْرُوفٌ ولِشُهْرَتِهِ صارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً، ولِذا تَجَوَّزَ بِهِ هُنا عَنِ التَّهاوُنِ أيْضًا لِأنَّ المُتَهاوِنَ بِالأمْرِ لا يَتَصَلَّبُ فِيهِ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والزَّجّاجِ ﴿ مُدْهِنُونَ ﴾ أيْ مُكَذِّبُونَ وتَفْسِيرُهُ بِذَلِكَ لِأنَّ التَّكْذِيبَ مِن فُرُوعِ التَّهاوُنِ.

وعَنْ مُجاهِدٍ أيْ مُنافِقُونَ في التَّصْدِيقِ بِهِ تَقُولُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ آمَنّا بِهِ وإذا خَلَوْتُمْ إلى إخْوانِكم قُلْتُمْ: إنّا مَعَكم والخِطابُ عَلَيْهِ لِلْمُنافِقِينَ وما قَدَّمْناهُ أوْلى، والخِطابُ عَلَيْهِ لِلْكُفّارِ كَما يَقْتَضِيهِ السِّياقُ.

وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِهَذا الحَدِيثِ ما تَحَدَّثُوا بِهِ مِن قَبْلُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: وكانُوا يَقُولُونَ ﴿ أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ ﴾ ﴿ أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ  ﴾ فالكَلامُ عَوْدٌ إلى ذَلِكَ بَعْدَ رَدِّهِ كَأنَّهُ قِيلَ: أفَبِهَذا الحَدِيثِ الَّذِي تَتَحَدَّثُونَ بِهِ في إنْكارِ البَعْثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ أصْحابَكم أيْ تَعْلَمُونَ خِلافَهُ وتَقُولُونَهُ مُداهَنَةً أمْ أنْتُمْ بِهِ جازِمُونَ وعَلى الإصْرارِ عَلَيْهِ عازِمُونَ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ، وفِيهِ مُخالَفَةٌ لِسَبَبِ النُّزُولِ وسَتَعْلَمُهُ قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ يعني: اذكر التوحيد باسم ربك يا محمد  الرب العظيم.

ويقال: صلِّ بأمر ربك.

ويقال: سبح لله، واذكره.

قوله عز وجل: فَلا أُقْسِمُ قال بعضهم: يعني: أقسم و (لا) زيادة في الكلام.

وقال بعضهم: لا رد لقول الكفار.

ثم قال: بِمَواقِعِ النُّجُومِ يعني: بنزول القرآن، نزل نجوماً آية بعد آية، وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: بِمَواقِعِ النُّجُومِ يعني: بحكم القرآن وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ يعني: القسم بالقرآن عظيم لَوْ تَعْلَمُونَ ذلك.

ويقال: لَوْ تَعْلَمُونَ يعني: لو تصدقون ذلك.

قرأ حمزة، والكسائي: بموقع النجوم بغير ألف.

وقرأ الباقون: بِمَواقِعِ النُّجُومِ بلفظ الجماعة.

فمن قرأ: بموقع فهو واحد دل على الجماعة.

ويقال: بِمَواقِعِ النُّجُومِ يعني: بمساقط النجوم.

يعني: الكواكب.

ثم قال عز وجل: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ يعني: الذي يقرأ عليك يا محمد، لقرآن شريف، كريم على ربه، فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ يعني: مستور من خلق الله، وهو اللوح المحفوظ لاَّ يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ يعني: اللوح المحفوظ.

ويقال: لا تمسه إلا الملائكة المطهرون من الذنب، ولا يقرؤه إلا الطاهرون.

ويقال: لا يمس المصحف إلا الطاهر.

وروى معمر، عن محمد بن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه  : إن النبيّ  كتب كتاباً فيه «لا يُمَسُّ القُرْآنُ إلاَّ عَلَى طُهُورٍ» .

وروى إبراهيم عن عبد الرحمن بن يزيد قال: «كنا مع سلمان فخرج، يقضي حاجته، ثم جاء، فقلنا: يا عبد الله لو توضأت، لعلنا نسألك عن آيات الله؟

فقال: إني لست أمسه، لأنه لا يمسه إلا المطهرون.

فقرأ علينا ما نسينا.

يعني: يجوز للمحدث أن يقرأ، ولا يجوز أن يمس المصحف.

وأما الجنب لا يجوز له أن يمس المصحف، ولا يقرأ آية تامة.

ثم قال: تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ يعني: أنزل الله تعالى جبريل  على محمد  بهذا القرآن يقرأه عليه من رَبَّ العالمين.

ثم قال عز وجل: أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ يعني: تكفرون.

وقال الزجاج: المدهن والمداهن: الكذاب المنافق.

وقال بعض أهل اللغة: أصله من الدهن، لأنه يلين في دينه.

يعني: ينافق، ويرى كل واحد أنه على دينه.

ويقال: أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ يعني: مكذبون وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ يعني: شكر رِزْقكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ يعني: تقولون للمطر إذا مطرتم مُطِرْنا بنوء كذا.

وروي عن عاصم في بعض الروايات: أَنَّكُمْ تُكَذّبُونَ بالتخفيف.

يعني: تجعلون شكر رزقكم الكذب، وهو أن يقولوا: مُطِرنا بنوء كذا.

وقرأ الباقون: تُكَذِّبُونَ بالتشديد.

يعني: تجعلون شكر رزقكم التكذيب، ولا تنسبون السقيا إلى الله تعالى الذي رزقكم.

ثم قال: فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ يعني: بلغ الروح الحلقوم وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ إلى الميت وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ يعني: أمر الله تعالى وهو ملك الموت أقرب إليه منكم، حين أتاه لقبض روحه وَلكِنْ لاَّ تُبْصِرُونَ ما حضر الميت فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ يعني: غير محاسبين.

ويقال: غير مملوكين، أذلاء عن قولك، دِنْتُ له بالطاعة، وإنما سمي يَوْمِ الدين لأنه يوم الإذلال، والهوان.

ويقال: غَيْرَ مَدِينِينَ يعني: غير مجزيين تَرْجِعُونَها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ يعني: إنكم غير محاسبين، فهلا رددتهم عنه الموت؟

ثم ذكر الأصناف الثلاثة الذين ذكرهم في أول السورة فقال: فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ يعني: إذا كان هذا الميت من المقربين عند الله من السابقين فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ قرأ الحسن: فَرَوْحٌ بضم الراء المهملة، وقراءة العامة: بالنصب.

وقال أبو عبيد: لولا خلاف الأمة لقرأته بالضم.

وروت عائشة  ا عن رسول الله  ، أنه قرأ: بالضم.

وقال القتبي: الروح يعبر عن معان.

فالروح روح الأجسام الذي يقبض عند الممات وفيه حياة النفس، والروح جبريل، وكلام الله روح، لأنه حياة من الجهل، وموت الكفر، ورحمة الله روح كقوله وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ [المجادلة: 22] أي: برحمة.

والروح: الرحمة، والرزق.

ويقال: الروح حياة دائمة لا موت فيها والريحان الرزق.

ويقال: هي النبات بعينها.

ومن قرأ: بالنصب.

فهو الفرح.

ويقال: الراحة.

ويقال: هي الرحمة.

ثم قال: وَجَنَّةُ نَعِيمٍ يعني: لا انقطاع وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ يعني: إن كان الميت من أصحاب اليمين فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ يعني: سلام الله لهم.

ويقال: يسلمون عليك من الجنة.

ويقال: سلام عليك منهم.

ويقال: ترى منهم ما تحب من السلام.

ويقال: فَسَلامٌ لَكَ يعني: يقال له ثوابه عند الموت، وفي القبر، وعلى الصراط، وعند الميزان، بشارة لك إنك من أهل الجنة.

ثم قال عز وجل: وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ يعني: إن كان الميت مِنَ الْمُكَذِّبِينَ بالبعث الضَّالِّينَ عن الهدى فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ يعني: جزاؤهم، وثوابهم، من حميم وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ يعني: يدخلون الجحيم وهي ما عظم من النار إِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ يعني: إن هذا الذي قصصنا عليك في هذه السورة من الأقاصيص، وما أعد الله لأوليائه وأعدائه، وما ذكر مما يدل على وحدانيته، لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ يعني: اذكر اسم ربك بالتوحيد.

ويقال: نزه الله تعالى عن السوء.

يعني: قل سبحان الله.

ويقال: أثن على الله تعالى.

ويقال: صلى الله تعالى.

وروي عن عبد الله بن مسعود (  ) أنه قال: سمعت رسول الله  قال: «من قرأ سورة الوَاقِعَةِ فِي كُلِّ يَوْمٍ لَمْ تُصِبْهُ فَاقَةٌ» .

والله أعلم بالصواب.

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ: / يعني القرآن المتضمن البعث، ومُدْهِنُونَ معناه: يلاينُ بعضُكم بعضاً، ويتبعه في الكفر مأخوذ من الدُّهْنِ للينه واملاسِّه، وقال ابن عباس «١» : المُدَاهَنَةُ: هي المهاودة فيما لا يَحِلُّ، والمُدَارَاةُ: هي المهاودة فيما يَحِلُّ، ونقل الثعلبيُّ أَنَّ أدهن وداهن بمعنى واحد، وأصله من الدُّهْنِ، انتهى.

وقوله سبحانه: وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ: أجمع المفسرون على أَنَّ الآيةَ توبيخ للقائلين في المطر الذي ينزله اللَّه تعالى رزقاً للعباد: هذا بِنَوْءِ كذا، والمعنى:

وتجعلون شُكْرَ رزقكم، وحكى الهيثم بن عدي أَنَّ من لغة أزد شنوءة: ما رزق فلان بمعنى ما شكر، وكان عليٌّ يقرأ «٢» : «وَتَجْعَلُونَ شُكْرَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ» وكذلك قرأ ابن عباس «٣» ، ورويت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم وقد أخبر اللَّه سبحانه فقال: وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ مَاءً مُبارَكاً فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ.

وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ رِزْقاً لِلْعِبادِ [ق: ٩، ١٠، ١١] فهذا معنى قوله: أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ أي: بهذا الخبر، قال ع «٤» : والمنهيُّ عنه هو أَنْ يعتقد أَنَّ للنجوم تأثيراً في المطر.

وقوله سبحانه: فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ يعني: بلغت نفسُ الإنسان، والحُلْقُومُ:

مجرى الطعام، وهذه الحال هي نزع المرء للموت.

وقوله: وَأَنْتُمْ إشارة إلى جميع البشر حينئذ، أي: وقتَ النزع تَنْظُرُونَ: إليه، وقال الثعلبيُّ: وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ إلى أمري وسلطاني، يعني: تصريفه سبحانه في الميت، انتهى، والأَوَّلُ عندي أحسن، وعزاه الثعلبيّ لابن عبّاس.

وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ (٨٥) فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٨٧)

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

أحَدُهُما: أنَّها دَخَلَتْ تَوْكِيدًا.

والمَعْنى: فَأُقْسِمُ، ومِثْلُهُ ﴿ لِئَلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ  ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: وهو مَذْهَبُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.

والثّانِي: أنَّها عَلى أصْلِها.

ثُمَّ في مَعْناها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى ما تَقَدَّمَ، ومَعْناها: النَّهْيُ، تَقْدِيرُ الكَلامِ: فَلا تَكْذِبُوا، ولا تَجْحَدُوا ما ذَكَرْتُهُ مِنَ النِّعَمِ والحُجَجِ، قالَهُ الماوَرْدِيُّ.

والثّانِي: أنَّ "لا" رَدٌّ لِما يَقُولُهُ الكُفّارُ في القُرْآنِ: إنَّهُ سِحْرٌ، وشِعْرٌ، وكِهانَةٌ.

ثُمَّ اسْتَأْنَفَ القَسَمَ عَلى أنَّهُ قُرْآنٌ كَرِيمٌ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ: وقَرَأ الحَسَنُ: " فَلَأُقْسِمُ" بِغَيْرِ ألِفٍ بَيْنَ اللّامِ والهَمْزَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِمَواقِعِ ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "بِمَوْقِعِ" عَلى التَّوْحِيدِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَواقِعُها مَساقِطُها.

ومَن أفْرَدَ، فَلِأنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ.

ومَن جَمَعَ، فَلِاخْتِلافِ ذَلِكَ.

وفي "النُّجُومِ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: نُجُومُ السَّماءِ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.

فَعَلى هَذا في مَواقِعِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: انْكِدارُها وانْتِثارُها يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: مَنازِلُها، قالَهُ عَطاءٌ، وقَتادَةُ.

والثّالِثُ: مَغِيبُها في المَغْرِبِ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

والثّانِي: أنَّها نُجُومُ القُرْآنِ، رَواهُ ابْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

فَعَلى هَذا سُمِّيَتْ نُجُومًا لِنُزُولِها مُتَفَرِّقَةً، ومَواقِعُها: نُزُولُها "وَإنَّهُ لَقَسَمٌ" الهاءُ كِنايَةٌ عَنِ القَسَمِ.

وَفِي الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: وإنَّهُ لَقَسَمٌ عَظِيمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عِظَمَهُ.

ثُمَّ ذَكَرَ المُقْسَمَ عَلَيْهِ فَقالَ تَعالى: ﴿ إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ﴾ والكَرِيمُ: اسْمٌ جامِعٌ لِما يُحْمَدُ، وذَلِكَ أنَّ فِيهِ البَيانَ، والهُدى، والحِكْمَةَ، وهو مُعْظَّمٌ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي كِتابٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ المُصْحَفُ الَّذِي بِأيْدِينا، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.

وَفِي "المَكْنُونِ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: مَسْتُورٌ عَنِ الخَلْقِ، قالَهُ مُقاتِلٌ، وهَذا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ.

والثّانِي: مَصُونٌ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ ﴾ مِن قالَ: إنَّهُ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ.

فالمُطَهَّرُونَ عِنْدَهُ: المَلائِكَةُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةَ، ومُجاهِدٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.

فَعَلى هَذا يَكُونُ الكَلامُ خَبَرًا.

ومَن قالَ: هو المُصْحَفُ، فَفي المُطَهَّرِينَ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُمُ المُطَهَّرُونَ مِنَ الأحْداثِ، قالَهُ الجُمْهُورُ.

فَيَكُونُ ظاهِرُ الكَلامِ النَّفْيُ، ومَعْناهُ النَّهْيُ.

والثّانِي: المُطَهَّرُونَ مِنَ الشِّرْكِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والثّالِثُ: المُطَهَّرُونَ مِنَ الذُّنُوبِ والخَطايا، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.

والرّابِعُ: أنَّ مَعْنى الكَلامِ: لا يَجِدُ طَعْمَهُ ونَفْعَهُ إلّا مَن آمَنَ بِهِ، حَكاهُ الفَرّاءُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَنْزِيلٌ ﴾ أيْ: هو تَنْزِيلُ.

والمَعْنى: هو مُنَزَّلٌ، فَسُمِّيَ المُنَزَّلُ تَنْزِيلًا في اتِّساعِ اللُّغَةِ، كَما تَقُولُ لِلْمَقْدُورِ: قَدَرٌ، ولِلْمَخْلُوقِ: خَلْقٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَبِهَذا الحَدِيثِ ﴾ يَعْنِي: القُرْآنَ ﴿ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: مُكَذِّبُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، والفَرّاءُ.

والثّانِي: مُمالِئُونَ الكَفّارَ عَلى الكُفْرِ بِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المَدْهِنُ: المُداهِنُ، وكَذَلِكَ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ "مُدْهِنُونَ" أيْ: مُداهِنُونَ.

يُقالُ: أدْهَنَ في دِينِهِ، وداهَنَ ﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ ﴾ رَوى مُسْلِمٌ في "صَحِيحِهِ" مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «مُطِرَ النّاسُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ  ، فَقالَ النَّبِيُّ  : "أصْبَحَ مِنَ النّاسِ شاكِرٌ، ومِنهم كافِرٌ" .

قالُوا: هَذِهِ رَحْمَةٌ وضَعَها اللَّهُ حَيْثُ شاءَ.

وقالَ بَعْضُهُمْ: لَقَدْ صَدَقَ نَوْءُ كَذا، وكَذا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ ﴾ حَتّى بَلَغَ ﴿ أنَّكم تُكَذِّبُونَ ﴾ .» ورَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خالِدٍ الجُهَنِيِّ، قالَ: «صَلّى بِنا رَسُولُ اللَّهِ  صَلاةً بِالحُدَيْبِيَةِ عَلى إثْرِ سَماءٍ كانَتْ مِنَ اللَّيْلِ.

فَلَمّا انْصَرَفَ أقْبَلَ عَلى النّاسِ، فَقالَ: "هَلْ تَدْرُونَ ماذا قالَ رَبُّكُمْ"؟

قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ.

"قالَ: قالَ أصْبَحَ مِن عِبادِي مُؤْمِنٌ بِي وكافِرٌ.

فَأمّا المُؤْمِنُ فَقالَ: مُطِرْنا بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي، كافِرٌ بِالكَواكِبِ.

وأمّا مَن قالَ: مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا وكَذا، فَذاكَ كافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالكَواكِبِ" .» وَلِلْمُفَسِّرِينَ في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ الرِّزْقَ ها هُنا بِمَعْنى الشُّكْرِ.

رَوَتْ عائِشَةُ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  أنَّهُ قالَ: ﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ ﴾ قالَ: "شُكْرَكُمْ"،» وهَذا قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، وابْنِ عَبّاسٍ.

وكانَ عَلِيٌّ يَقْرَأُ "وَتَجْعَلُونَ شُكْرَكُمْ" .

والثّانِي: أنَّ المَعْنى: وتَجْعَلُونَ شُكْرَ رِزْقِكم تَكْذِيبَكُمْ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.

وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يُمْطَرُونَ، فَيَقُولُونَ: مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا.

والثّالِثُ: أنَّ الرِّزْقَ بِمَعْنى الحَظِّ.

فالمَعْنى: وتَجْعَلُونَ حَظَّكم ونَصِيبَكم مِنَ القُرْآنِ أنَّكم تُكَذِّبُونَ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ "تَكْذِبُونَ" بِفَتْحِ التّاءِ، وإسْكانِ الكافِ، مُخَفَّفَةَ الذّالِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُجُومِ ﴾ ﴿ وَإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ﴾ ﴿ إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ﴾ ﴿ فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ ﴾ ﴿ لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ ﴾ ﴿ تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ ﴾ ﴿ أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ ﴾ ﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ ﴾ ﴿ فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ ﴾ ﴿ وَأنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ ﴾ ﴿ وَنَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكم ولَكِنْ لا تُبْصِرُونَ ﴾ ﴿ فَلَوْلا إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ ﴾ ﴿ تَرْجِعُونَها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ اخْتَلَفَ الناسُ في "لا" مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُجُومِ ﴾ - فَقالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: هي زائِدَةٌ، والمَعْنى: فَأُقْسِمُ، وزِيادَتُها في بَعْضِ المَواضِعِ مَعْرُوفٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِئَلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ  ﴾ ، وغَيْرُ ذَلِكَ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وبَعْضُ النَحْوِيِّينَ: هي نافِيَةٌ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: فَلا صِحَّةَ لِما يَقُولُهُ الكُفّارُ، ثُمَّ ابْتَدَأ تَبارَكَ وتَعالى فَقالَ: "أُقْسِمُ"، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: هي مُؤَكَّدَةٌ تُعْطِي في القِسْمِ مُبالِغَةً، وهي كاسْتِفْتاحِ كَلامٍ يُشْبِهُ في القَسَمِ ألّا في شائِعِ الكَلامِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: فَلا وأبِي...........

لا أخُونُها المَعْنى: "فَوَأبِي"، أعْدائِها، ولِهَذا نَظائِرُ، وقَرَأ الحَسَنُ والثَقَفِيُّ: "فَلْأُ قْسِمُ" بِغَيْرِ ألْفٍ، قالَ أبُو الفَتْحِ: التَقْدِيرُ: فَلَأنا أُقْسِمُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ القُرّاءِ: "بِمَواقِعَ" عَلى الجَمْعِ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُمْ- وأهْلُ الكُوفَةِ: حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ "بِمَوْقِعٍ" عَلى الإفْرادِ، وهو مُرادٌ بِهِ الجَمْعُ، ونَظِيرُ هَذا كَثِيرٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ أنْكَرَ الأصْواتِ لَصَوْتُ الحَمِيرِ  ﴾ ، جَمْعٌ مِن حَيْثُ لِكُلِّ حِمارٍ صَوْتٌ مُخْتَصٌّ، وأفْرَدَ مِن حَيْثُ الأصْواتُ كُلُّها نَوْعٌ.

واخْتَلَفَ الناسُ في "النُجُومِ" هُنا- فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُمْ: هي نُجُومُ القُرْآنِ الَّتِي نَزَلَتْ عَلى مُحَمَّدٍ  ، وذَلِكَ أنَّهُ رُوِيَ أنَّ القُرْآنَ نَزَلَ مِن عِنْدِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ في لَيْلَةِ القَدْرِ إلى السَماءِ الدُنْيا- وقِيلَ: إلى البَيْتِ المَعْمُورِ - جُمْلَةً واحِدَةً، ثُمَّ نَزَلَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلى مُحَمَّدٍ  نُجُومًا مُقَطَّعَةً في مُدَّةٍ مِن عِشْرِينَ سَنَةً، ويُؤَيِّدُ هَذا القَوْلَ عَوْدُ الضَمِيرِ عَلى القُرْآنِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ﴾ ، وذَلِكَ أنَّ ذِكْرَهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ إلّا عَلى هَذا التَأْوِيلِ، ومَن لا يَتَأوَّلُ هَذا التَأْوِيلَ يَقُولُ: إنَّ الضَمِيرَ يَعُودُ عَلى القُرْآنِ وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرٌ لِشُهْرَةِ الأمْرِ ووُضُوحِ المَعْنى، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ  ﴾ ، و ﴿ كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ  ﴾ ، وغَيْرِ ذَلِكَ.

وقالَ جُمْهُورٌ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: النُجُومُ هُنا الكَواكِبُ المَعْرُوفَةُ، واخْتُلِفَ في مَوْقِعِها، فَقالَ مُجاهِدٌ وأبُو عُبَيْدَةَ: هي مَواقِعُها عِنْدَ غُرُوبِها وطُلُوعُها، وقالَ قَتادَةُ: مَواقِعُها هي مَواضِعُها مِنَ السَماءِ، وقِيلَ: مَواقِعُها عِنْدَ الِانْقِضاضِ إثْرَ العَفارِيتِ، وقالَ الحَسَنُ: مَواقِعُها عِنْدَ انْكِدارِ النُجُومِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "وَإنَّهُ لَقَسَمٌ" تَأْكِيدٌ لِلْأمْرِ وتَنْبِيهٌ مِنَ المَقْسِمِ بِهِ، ولَيْسَ هَذا بِاعْتِراضٍ بَيْنَ الكَلامَيْنِ، بَلْ هَذا مَعْنًى قُصِدَ التَهَمُّمُ بِهِ، وإنَّما الِاعْتِراضُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَوْ تَعْلَمُونَ ﴾ ، وقَدْ قالَ قَوْمٌ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "وَإنَّهُ لَقَسَمٌ" اعْتِراضٌ، وإنَّ "لَوْ تَعْلَمُونَ" اعْتِراضٌ في اعْتِراضٍ، والتَحْرِيرُ هو الَّذِي ذَكَرْناهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "إنَّهُ لَقُرْآنٌ" هو الَّذِي وقَعَ القَسَمُ عَلَيْهِ، ووَصَفَهُ بِالكَرَمِ عَلى مَعْنى إثْباتِ صِفاتِ المَدْحِ لَهُ ودَفْعِ صِفاتِ الحَطِيطَةِ عنهُ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ ﴾ بَعْدَ اتِّفاقِهِمْ عَلى أنَّ "المَكْنُونَ": المَصُونُ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ: أرادَ الكِتابَ الَّذِي في السَماءِ، وقالَ عِكْرِمَةُ: أرادَ التَوْراةَ والإنْجِيلَ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: إنَّهُ لِكِتابٌ كَرِيمٌ ذَكَرَ كَرَمَهُ وشَرَفَهُ في كِتابٍ مَكْنُونٍ، فَمَعْنى الآيَةِ -عَلى هَذا- الِاسْتِشْهادُ بِالكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، وهَذا كَقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ عِدَّةَ الشُهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا في كِتابِ اللهِ  ﴾ ، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: أرادَ مَصاحِفَ المُسْلِمِينَ، وكانَتْ يَوْمَ نَزَلَتِ الآيَةُ لَمْ تَكُنْ، فَهي -عَلى هَذا- إخْبارٌ بِغَيْبٍ، وكَذَلِكَ هو في كِتابٍ مَصُونٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ويُؤَيِّدُ هَذا لَفْظَةَ "المَسِّ" فَإنَّها تُشِيرُ إلى المَصاحِفِ، وهي مُسْتَعارَةٌ مِن مَسِّ المَلائِكَةِ.

واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ ﴾ وفي حُكْمِهِ- فَقالَ بَعْضُ مَن قالَ إنَّ الكِتابَ المَكْنُونَ هو الَّذِي في السَماءِ، قالَ: المُطَهَّرُونَ هُنا: المَلائِكَةُ، قالَ قَتادَةُ: فَأمّا عِنْدَكم فَيَمَسُّهُ المُشْرِكُ المُنَجَّسُ والمُنافِقُ، قالَ الطَبَرِيُّ: المُطَهَّرُونَ: المَلائِكَةُ والأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَلامُ ومَن لا ذَنْبَ لَهُ، ولَيْسَ في الآيَةِ -عَلى هَذا القَوْلِ- حُكْمُ مَسِّ المُصْحَفِ لِسائِرِ بَنِي آدَمَ، ومَن قالَ بِأنَّها مَصاحِفُ المُسْلِمِينَ قالَ: إنَّ قَوْلُهُ تَعالى: "لا يَمَسُّهُ" إخْبارٌ مُضَمِّنُهُ النَهْيُ، وضَمَّةُ السِينِ -عَلى هَذا- ضَمَّةُ إعْرابٍ وقالَ بَعْضُ هَذِهِ الفِرْقَةِ: الكَلامُ نَهْيٌ، وضَمَّةُ السِينِ ضَمَّةُ بِناءٍ، قالَ جَمِيعُهُمْ: فَلا يَمَسُّ المُصْحَفَ مِن بَنِي آدَمَ إلّا الطاهِرُ مِنَ الكُفْرِ والجَنابَةِ والحَدَثِ الأصْغَرِ، قالَ مالِكٌ: لا يَحْمِلُهُ غَيْرُ طاهِرٍ بِعَلاقَتِهِ ولا عَلى وِسادَةٍ، وفي كِتابِ رَسُولِ اللهِ  لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: « "وَلا يَمَسُّ القُرْآنَ إلّا الطاهِرُ"»، وقَدْ رَخَّصَ أبُو حَنِيفَةَ وقَوْمٌ بِأنْ يَمَسَّهُ الجُنُبُ والحائِضُ عَلى حائِلٍ، غُلافٌ ونَحْوُهُ، ورَخَّصَ بَعْضُ العُلَماءِ في مَسِّهِ في الحَدَثِ الأصْغَرِ وفي قِراءَتِهِ عن ظَهْرِ قَلْبٍ، مِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ وعامِرٌ الشَعْبِيُّ، ولا سِيَّما لِلْمُعَلِّمِ والصِبْيانِ، وقَدْ رَخَّصَ بَعْضُهم لِلْجُنُبِ في قِراءَتِهِ، وهَذا التَرْخِيصُ كُلُّهُ إنَّما هو عَلى القَوْلِ الَّذِي ذَكَرْناهُ مِن أنْ "المُطَهَّرِينَ" هُمُ المَلائِكَةُ، أو عَلى مُراعاةِ لِفْظِ المَسِّ، فَقَدْ قالَ سَلْمانُ رَضِيَ اللهُ عنهُ لا أمَسُّ المُصْحَفَ ولَكِنْ أقْرَأُ القُرْآنَ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "المُطَهَّرُونَ" بِفَتْحِ الطاءِ والهاءِ المُشَدَّدَةِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ عنهُما-: "المُطَهَّرُونَ" بِسُكُونِ الطاءِ وفَتْحِ الهاءِ خَفِيفَةً، وهي قِراءَةُ عِيسى الثَقَفِيِّ.

وقَرَأ سَلْمانُ الفارِسِيُّ: "المُطَهَّرُونَ" بِفَتْحِ الطاءِ خَفِيفَةً وكَسْرِ الهاءِ وشَدِّها، عَلى مَعْنى الَّذِينَ يُطَهِّرُونَ أنْفُسَهُمْ، ورُوِيَتْ عنهُ بِشَدِّ الطاءِ والهاءِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ عَوْنٍ، وسَلْمانُ الفارِسِيُّ -بِخِلافٍ عنهُ-: "المُطَهَّرُونَ" بِمَعْنى: المُتَطَهِّرِينَ، والقَوْلُ بِأنَّ "لا يَمَسُّهُ" نَهْيٌ، قَوْلٌ فِيهِ ضَعْفٌ، وذَلِكَ أنَّهُ إذا كانَ خَبَرًا فَهو في مَوْضِعِ الصِفَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ: "تَنْزِيلٌ" صِفَةٌ أيْضًا، فَإذْ جَعَلْناهُ نَهْيًا جاءَ مَعْنًى أجْنَبِيًّا مُعْتَرِضًا بَيْنَ الصِفاتِ، وذَلِكَ لا يَحْسُنُ في رَصْفِ الكَلامِ فَتُدَبِّرُهُ، وفي حِرَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "ما يَمَسُّهُ" وهَذا يُقَوِّي ما رَجَّحْتُهُ مِنَ الخَبَرِ الَّذِي مَعْناهُ: حَقُّهُ وقَدْرُهُ أنْ ألّا يَمَسَّهُ إلّا طاهِرٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ ﴾ مُخاطَبَةٌ لِلْكُفّارِ، و"الحَدِيثِ" المُشارِ إلَيْهِ هو القُرْآنُ المُتَضَمِّنُ البَعْثَ، وإنَّ اللهَ تَعالى هو خالِقُ الكُلِّ، وإنَّ ابْنَ آدَمَ مَصَرَّفٌ بِقَدَرِهِ وقَضائِهِ، وغَيْرِ ذَلِكَ، و"مُدْهِنُونَ" مَعْناهُ: يُلايِنُ بَعْضُكم بَعْضًا ويَتْبَعُهُ في الكُفْرِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الدُهْنِ لِلِينِهِ وإمْلاسِهِ، وقالَ أبُو قَيْسِ بْنِ الأسْلَتِ: الحَزْمُ والقُوَّةُ خَيْرٌ مِنَ الـ ∗∗∗ إدْهانِ والفَهَّةِ والهاعِ وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هو المُهاوَدَةُ فِيما لا يَحِلُّ، والمُداراةُ هي المُهاوَدَةُ فِيما يَحِلُّ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "مُدْهِنُونَ": مُكَذِّبُونَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ ﴾ ، أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ الآيَةَ تَوْبِيخٌ لِلْقائِلِينَ في المَطَرِ الَّذِي نَزَّلَهُ اللهُ تَعالى رِزْقًا لِلْعِبادِ: هَذا بِنَوْءِ كَذا وكَذا وهَذا بِنَوْءِ الأسَدِ، وهَذا بِنَوْءِ الجَوْزاءِ وغَيْرِ ذَلِكَ، والمَعْنى: وتَجْعَلُونَ شُكْرَ رِزْقِكُمْ، كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ: جَعَلْتَ يا فُلانُ إحْسانِي إلَيْكَ أنْ سَبَبْتَنِي، فالمَعْنى: جَعَلْتُ شَكَرَ إحْسانِي، وحَكى الهَيْثَمُ بْنُ عُدَيٍّ أنَّ مِن لُغَةِ أزِدْ شَنُوءَةَ: ما رِزْقُ فُلانٍ؟

بِمَعْنى: ما شُكْرُهُ؟

وكانَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ يَقْرَؤُها: "وَتَجْعَلُونَ شُكْرَكم أنَّكم تَكْذِبُونَ"، وكَذَلِكَ قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ورُوِيَتْ عَنِ النَبِيِّ  إلّا أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما ضَمَّ التاءِ وفَتَحَ الكافَ، وعَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ فَتَحَ التاءَ وسَكَّنَ الكافَ وخَفَّفَ الذالَ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ الشاعِرِ: وكانَ شُكْرُ القَوْمِ عِنْدَ المِنَنِ ∗∗∗ كَيُّ الصَحِيحاتِ وفَقْءُ الأعْيُنِ وقَدْ أخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّهُ أنْزَلَ مِنَ السَماءِ ماءً مُبارَكًا فَأنْشَأ بِهِ جَنّاتٍ وحَبَّ الحَصِيدِ، والنَخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ، رِزْقًا لِلْعِبادِ، فَهَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أنَّكم تُكَذِّبُونَ ﴾ ، أيْ: بِهَذا الخَبَرِ، وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ المُفَضَّلِ عنهُ: "تُكَذِّبُونَ" بِفَتْحِ التاءِ وسُكُونِ الكافِ وتَخْفِيفِ الذالِ كَقِراءَةِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وكَذِبُهم في مَقالِهِمْ بَيِّنٌ لِأنَّهم يَقُولُونَ: هَذا بِنَوْءِ كَذا، وذَلِكَ كَذِبٌ مِنهم وتَخَرُّصٌ.

وذَكَرَ الطَبَرِيُّ «أنَّ النَبِيَّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلام سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: مُطِرْنا بِبَعْضِ عُثانَيْنِ الأسَدِ، فَقالَ لَهُ: "كَذَبْتَ بَلْ هو رِزْقُ اللهِ"،» والمَنهِيُّ عنهُ المَكْرُوهُ هو أنْ يَعْتَقِدَ أنَّ لِلطّالِعِ مِنَ النُجُومِ تَأْثِيرًا في المَطَرِ، وأمّا مُراعاةُ بَعْضِ الطَوالِعِ عَلى مُقْتَضى العادَةِ فَقَدْ قالَ عُمَرُ لِلْعَبّاسِ رَضِيَ اللهُ عنهُما وهُما في الِاسْتِسْقاءِ: يا عَبّاسُ، يا عَمَّ النَبِيِّ  : كَمْ بَقِيَ مِن نَوْءِ الثُرَيّا؟

فَقالَ العَبّاسُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: العُلَماءُ يَقُولُونَ إنَّها تَعْتَرِضُ الأُفُقَ بَعْدَ سُقُوطِها سَبْعًا، قالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: فَما مَضَتْ سَبْعٌ حَتّى مُطِرُوا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ ﴾ تَوْقِيفٌ عَلى مَوْضِعِ عَجْزٍ يَقْتَضِي النَظَرُ فِيهِ أنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى مالِكُ كُلِّ شَيْءٍ، والضَمِيرُ في "بَلَغَتِ الحُلْقُومَ" لِنَفْسِ الإنْسانِ، والمَعْنى يَقْتَضِيها وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَها ذِكْرٌ، "والحُلْقُومَ" مَجْرى الطَعامِ، وهَذِهِ الحالُ هي نِزاعُ المَرْءِ لِلْمَوْتِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "أنْتُمْ" إشارَةٌ إلى جَمِيعِ البَشَرِ، وهَذا مِنَ الِاقْتِضابِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ  ﴾ .

وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "حِينَئِذٍ" بِكَسْرِ النُونِ، و"تَنْظُرُونَ" مَعْناهُ: إلى المُنازِعِ في المَوْتِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكُمْ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ مَلائِكَتَهُ ورُسُلَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: بِقُدْرَتِنا وغَلَبَتِنا، فَعَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ يَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ ﴾ مِنَ النَظَرِ بِالعَيْنِ، وعَلى التَأْوِيلِ الثانِي يَجِيءُ مِنَ النَظَرِ بِالقَلْبِ.

وقالَ عامِرُ بْنُ عَبْدِ قَيْسٍ: ما نَظَرْتُ إلى شَيْءٍ إلّا رَأيْتُ اللهَ تَعالى أقْرَبَ إلَيْهِ مِنِّي.

ثُمَّ عادَ التَوْقِيفُ والتَقْرِيرُ ثانِيَةً بِلَفْظِ التَحْضِيضِ، و"المَدِينُ": المَمْلُوكُ، هَذا أصَحُّ ما يُقالُ في مَعْنى اللَفْظَةِ هُنا، ومَن عَبَّرَ عنها بِالمُجازى أوِ المُحاسَبِ فَذَلِكَ هُنا قَلَقٌ، والمَمْلُوكُ يُقَلِّبُ كَيْفَ يَشاءُ المالِكَ، ومِن هَذا المِلْكِ قَوْلُ الأخْطَلِ: رَبَتْ فَرَبّى في حِجْرِها ابْنُ مَدِينَةَ ∗∗∗ تَراهُ عَلى مِسْحاتِهِ يَتَرَكَّلُ أرادَ: ابْنُ أُمَّةٍ مَمْلُوكَةٍ، وهو عَبْدٌ يَخْدِمُ الكَرَمَ، وقَدْ قِيلَ في مَعْنى هَذا البَيْتِ: أرادَ أكّارًا حَضَرِيًّا لِأنَّ الأعْرابَ في البادِيَةِ لا يَعْرِفُونَ الفِلاحَةَ وعَمَلَ الكَرْمِ، فَنَسَبَهُ إلى المَدِينَةِ لِما كانَ مِن أهْلِها، فَمَعْنى الآيَةِ: فَلَوْلا تَرْجِعُونَ النَفْسَ البالِغَةَ الحُلْقُومَ إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَمْلُوكِينَ ولا مَقْهُورِينَ، ودِينُ المَلِكِ حُكْمُهُ وسُلْطانُهُ، وقَدْ نَحا إلى هَذا المَعْنى الفَرّاءُ، وذَكَرَهُ مُسْتَوْعِبًا النَقّاشَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "تَرْجِعُونَها" سَدَّتْ مَسَدَّ الأجْوِبَةِ والبَياناتِ الَّتِي تَقْتَضِيها التَخْصِيصاتُ، وإذا مِن قَوْلِهِ تَعالى: "فَلَوْلا إذا" و"إنْ" المُتَكَرِّرَةُ، وحَمَلَ بَعْضُ القَوْلِ بَعْضًا إيجازًا واقْتِضابًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الفاء تفريع على ما سِيق لأجله الكلام الذي قبلها في غرضه من التنويه بشأن القرآن، وهو الذي بِحذو الفاء، أو من إثبات البعث والجزاء وهو الذي حواه معظم السورة، وكان التنويهُ بالقرآن من مسبَّبَاته.

وأطبق المفسرون عدا الفخر على أن اسم الإشارة وبيانه بقوله: ﴿ فبهذا الحديث ﴾ مشير إلى القرآن لمناسبة الانتقال من التنويه بشأنه إلى الإِنكار على المكذبين به.

فالتفريع على قوله: ﴿ إنه لقرآن كريم ﴾ [الواقعة: 77] الآية.

والمراد ب ﴿ الحديث ﴾ إخبار الله تعالى بالقرآن وإرادة القرآن من مثل قوله: ﴿ أفبهذا الحديث ﴾ واردة في القرآن، أي في قوله في سورة القلم (44) ﴿ فذرني ومن يكذب بهذا الحديث ﴾ وقوله في سورة النجم (59) ﴿ أفمن هذا الحديث تعجبون ﴾ ويكون العدول عن الإضمار إلى اسم الإشارة بقوله: ﴿ أفبهذا الحديث ﴾ دون أن يقول: أفَبِهِ أنتم مُدْهنون، إخراجاً للكلام على خلاف مقتضى الظاهر لتحصل باسم الإشارة زيادة التنويه بالقرآن.

وأما الفخر فجعل الإِشارة من قوله: ﴿ أفبهذا الحديث ﴾ إشارة إلى ما تحدثوا به من قبل في قوله تعالى: ﴿ وكانوا يقولون أئذا متنا وكنا تراباً وعظاماً إنا لمبعوثون أو آباؤنا الأولون ﴾ [الواقعة: 47، 48]، فإن الله رد عليهم ذلك بقوله: ﴿ قل إن الأولين والآخرين ﴾ [الواقعة: 49] الآية.

وبين أن ذلك كله إخبار من الله بقوله: ﴿ إنه لقرآن كريم ﴾ [الواقعة: 77] ثم عاد إلى كلامهم فقال: أفبهذا الحديث الذي تتحدثون به أنتم مدهنون لأصحابكم اه، أي على معنى قوله تعالى: ﴿ وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثاناً مودة بينكم في الحياة الدنيا ﴾ [العنكبوت: 25].

وإنه لكلام جيّد ولو جَعل المراد من (هذا الحديث) جميع ما تقدم من أول السورة أصلاً وتفريعاً، أي من هذا الكلام الذي قرع أسماعكم، لكان أجود.

وإطلاق الحديث على خبر البعث أوضح لأن الحديث يراد به الخبر الذي صار حديثاً للقوم.

والتعريف في ﴿ الحديث ﴾ على كلا التفسيرين تعريف العهد.

والمُدهِن: الذي يُظهر خلاف ما يبطن، يقال: أدهن، ويقال: دَاهنَ، وفسر أيضاً بالتهاون وعدم الأخذ بالحزم، وفسر بالتكذيب.

والاستفهام على كل التفاسير مستعمل في التوبيخ، أي كلامكم لا ينبغي إلا أن يكون مداهنة كما يقال لأحد قال كلاماً باطلاً: أتهزأ، أي قد نهض برهان صدق القرآن بحيث لا يكذب به مكذب إلا وهو لا يعتقد أنه كذب لأن حصول العلم بما قام عليه البرهان لا يستطيع صاحبُه دفعه عن نفسه، فليس إصراركم على التكذيب بعد ذلك إلا مداهنة لقومكم تخشون إن صدّقتم بهذا الحديث أن تزول رئاستكم فيكون في معنى قوله تعالى: ﴿ فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون ﴾ [الأنعام: 33].

وعلى تفسير ﴿ مدهنون ﴾ بمعنى الإِلانة، فالمعنى: لا تتراخوا في هذا الحديث وتدبروه وخذوا بالفور في اتباعه.

وإن فسر ﴿ مدهنون ﴾ بمعنى: تكذبون، فالمعنى واضح.

وتقديم المجرور للاهتمام، وصوغ الجملة الاسمية في ﴿ أنتم مدهنون ﴾ لأن المقرّر عليه إدْهان ثابت مستمرّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ إنْكارٌ أنْ يُقْسِمَ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِن مَخْلُوقاتِهِ، قالَ الضَّحّاكُ: إنَّ اللَّهَ لا يُقْسِمُ بِشَيْءٍ مِن خَلْقِهِ ولَكِنَّهُ اسْتِفْتاحٌ يَفْتَتِحُ بِهِ كَلامَهُ.

الثّانِي: أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقْسِمَ الخالِقُ بِالمَخْلُوقاتِ تَعْظِيمًا مِنَ الخالِقِ لِما أقْسَمَ بِهِ مِن مَخْلُوقاتِهِ.

فَعَلى هَذا في قَوْلِهِ: ﴿ فَلا أُقْسِمُ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ (لا) صِلَةٌ زائِدَةٌ، ومَعْناهُ أُقْسِمُ.

الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ ﴿ فَلا ﴾ راجِعٌ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، ومَعْناهُ فَلا تُكَذِّبُوا ولا تَجْحَدُوا ما ذَكَرْتُهُ مِن نِعْمَةٍ وأظْهَرْتُهُ مِن حُجَّةٍ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ كَلامَهُ فَقالَ ﴿ أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ ﴾ وفِيها سِتَّةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها مَطالِعُها ومَساقِطُها، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: انْتِشارُها يَوْمَ القِيامَةِ وانْكِدارُها، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّالِثُ: أنَّ مَواقِعَ النُّجُومِ السَّماءُ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

الرّابِعُ: أنَّ مَواقِعَ النُّجُومِ الأنْواءُ الَّتِي كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ إذا مُطِرُوا قالُوا: مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا، قالَهُ الضَّحّاكُ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ فَلا أُقْسِمُ ﴾ مُسْتَعْمَلًا عَلى حَقِيقَتِهِ في نَفْيِ القَسَمِ بِها.

الخامِسُ: أنَّها نَجُومُ القُرْآنِ أنْزَلَها اللَّهُ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ مِنَ السَّماءِ العُلْيا إلى السَّفَرَةِ الكِرامِ الكاتِبِينَ في السَّماءِ الدُّنْيا، فَنَجَّمَهُ السَّفَرَةُ عَلى جِبْرِيلَ عِشْرِينَ لَيْلَةً، ونَجَّمَهُ جِبْرِيلُ عَلى مُحَمَّدٍ  عِشْرِينَ سَنَةً، فَهو يُنْزِلُهُ عَلى الأحْداثِ في أُمَّتِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ.

السّادِسُ: أنَّ مَواقِعَ النُّجُومِ هو مُحْكَمُ القُرْآنِ، حَكاهُ الفَرّاءُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.

﴿ وَإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ القُرْآنَ قَسَمٌ عَظِيمٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّ الشِّرْكَ بِآياتِهِ جُرْمٌ عَظِيمٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّ ما أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ عَظِيمٌ.

﴿ إنَّهُ لَقُرْآنٌ ﴾ يَعْنِي أنَّ هَذا القُرْآنَ كَرِيمٌ، وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: كَرِيمٌ عِنْدَ اللَّهِ.

الثّانِي: عَظِيمُ النَّفْعِ لِلنّاسِ.

الثّالِثُ: كَرِيمٌ بِما فِيهِ مِن كَرائِمِ الأخْلاقِ ومَعالِي الأُمُورِ.

وَيَحْتَمِلُ أيْضًا رابِعًا: لِأنَّهُ يُكْرِمُ حافِظَهُ ويُعَظِّمُ قارِئَهُ.

﴿ فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ ﴾ وفِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ كِتابٌ في السَّماءِ وهو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: التَّوْراةُ والإنْجِيلُ فِيهِما ذِكْرُ القُرْآنِ وذِكْرُ مَن يَنْزِلُ عَلَيْهِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ الزَّبُورُ.

الرّابِعُ: أنَّهُ المُصْحَفُ الَّذِي في أيْدِينا، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.

وَفِي ﴿ مَكْنُونٍ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَصُونٌ، وهو مَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ.

الثّانِي: مَحْفُوظٌ عَنِ الباطِلِ، قالَهُ يَعْقُوبُ بْنُ مُجاهِدٍ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّ مَعانِيَهِ مَكْنُونَةٌ فِيهِ.

﴿ لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ ﴾ تَأْوِيلُهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الكِتابِ، فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ كِتابٌ في السَّماءِ فَفي تَأْوِيلِهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لا يَمَسُّهُ في السَّماءِ إلّا المَلائِكَةُ المُطَهَّرُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

الثّانِي: لا يُنْزِلُهُ إلّا الرُّسُلُ مِنَ المَلائِكَةِ إلى الرُّسُلِ مِنَ الأنْبِياءِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

وَإنْ قِيلَ إنَّهُ المُصْحَفُ الَّذِي في أيْدِينا فَفي تَأْوِيلِهِ سِتَّةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: لا يَمَسُّهُ بِيَدِهِ إلّا المُطَهَّرُونَ مِنَ الشِّرْكِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: إلّا المُطَهَّرُونَ مِنَ الذُّنُوبِ والخَطايا قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.

الثّالِثُ: إلّا المُطَهَّرُونَ مِنَ الأحْداثِ والأنْجاسِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الرّابِعُ: لا يَجِدُ طَعْمَ نَفْعِهِ إلّا المُطَهَّرُونَ أيِ المُؤْمِنُونَ بِالقُرْآنِ، حَكاهُ الفَرّاءُ.

الخامِسُ: لا يَمَسُّ ثَوابَهُ إلّا المُؤْمِنُونَ، رَواهُ مُعاذٌ عَنِ النَّبِيِّ  .

السّادِسُ: لا يَلْتَمِسْهُ إلّا المُؤْمِنُونَ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

﴿ أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ ﴾ يَعْنِي بِهَذا الحَدِيثِ القُرْآنَ الَّذِي لا يَمَسُّهُ إلّا المُطَهَّرُونَ.

وَفي قَوْلِهِ مُدْهِنُونَ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مُكَذِّبُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: مُعْرِضُونَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّالِثُ: مُمالِئُونَ الكُفّارَ عَلى الكُفْرِ بِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الرّابِعُ: مُنافِقُونَ في التَّصْدِيقِ بِهِ حَكاهُ ابْنُ عِيسى، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ لَبَعْضُ الغُشْمِ أبْلَغُ في أُمُورٍ تَنُوبُكَ مِن مُداهَنَةِ العَدُوِّ ﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ الِاسْتِسْقاءُ بِالأنْواءِ وهو قَوْلُ العَرَبِ مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ورَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ عَنِ النَّبِيِّ  .

الثّانِي: الِاكْتِسابُ بِالسِّحْرِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الثّالِثُ: هو أنْ يَجْعَلُوا شُكْرَ اللَّهِ عَلى ما رَزَقَهم تَكْذِيبُ رُسُلِهِ والكُفْرُ بِهِ، فَيَكُونُ الرِّزْقُ الشُّكْرُ، وقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ «أنَّ النَّبِيَّ  قَرَأ ( وتَجْعَلُونَ شُكْرَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ)» ويَحْتَمِلُ رابِعًا: أنَّهُ ما يَأْخُذُهُ الأتْباعُ مِنَ الرُّؤَساءِ عَلى تَكْذِيبِ النَّبِيِّ  والصَّدِّ عَنْهُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد عن عاصم رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ فلا أقسم ﴾ ممدودة مرفوعة الألف ﴿ بمواقع النجوم ﴾ على الجماع.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فلا أقسم بمواقع النجوم ﴾ على الجماع.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فلا أقسم بمواقع النجوم ﴾ قال: نجوم السماء.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ﴿ فلا أقسم بمواقع النجوم ﴾ قال: بمساقطها، قال: وقال الحسن رضي الله عنه: مواقع النجوم انكدارها وانتثارها يوم القيامة.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه ﴿ فلا أقسم بمواقع النجوم ﴾ قال: بمغايبها.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فلا أقسم بمواقع النجوم ﴾ قال: بمنازل النجوم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير ومحمد بن نصر وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فلا أقسم بمواقع النجوم ﴾ قال: القرآن ﴿ وإنه لقسم لو تعلمون عظيم ﴾ قال: القرآن.

وأخرج النسائي وابن جرير ومحمد بن نصر والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أنزل القرآن في ليلة القدر من السماء العليا إلى السماء الدنيا جملة واحدة ثم فرق في السنين، وفي لفظ: ثم نزل من السماء الدنيا إلى الأرض نجوماً، ثم قرأ ﴿ فلا أقسم بمواقع النجوم ﴾ .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ فلا أقسم بمواقع النجوم ﴾ بألف، قال: نجوم القرآن حين ينزل.

وأخرج ابن المنذر وابن الأنباري في كتاب المصاحف وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أنزل القرآن إلى السماء الدنيا جملة واحدة، ثم أنزل إلى الأرض نجوماً ثلاث آيات وخمس آيات وأقل وأكثر، فقال: ﴿ فلا أقسم بمواقع النجوم ﴾ .

وأخرج الفريابي بسند صحيح عن المنهال بن عمرو رضي الله عنه قال: قرأ عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ﴿ فلا أقسم بمواقع النجوم ﴾ قال: بمحكم القرآن، فكان ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم نجوماً.

وأخرج ابن نصر وابن الضريس عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ فلا أقسم بمواقع النجوم ﴾ قال: بمحكم القرآن.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ فلا أقسم بمواقع النجوم ﴾ قال: مستقر الكتاب أوله وآخره.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الربيع بن أنس رضي الله عنه في قوله: ﴿ إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون ﴾ قال: القرآن الكريم، والكتاب المكنون هو اللوح المحفوظ ﴿ لا يمسه إلا المطهرون ﴾ قال: الملائكة عليهم السلام هم المطهرون من الذنوب.

وأخرج آدم ابن أبي إياس وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في المعرفة عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون ﴾ قال: القرآن في كتابه والمكنون الذي لا يمسه شيء من تراب ولا غبار ﴿ لا يمسه إلا المطهرون ﴾ قال: الملائكة عليهم السلام.

وأخرج عبد حميد وابن جرير عن عكرمة رضي الله عنه ﴿ في كتاب مكنون ﴾ قال: التوراة والإِنجيل ﴿ لا يمسه إلا المطهرون ﴾ قال: حملة التوراة والإِنجيل.

وأخرج ابن جرير عن قتادة قال: في قراءة ابن مسعود رضي الله عنه: ﴿ ما يمسه إلا المطهرون ﴾ .

وأخرج آدم وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في المعرفة من طرق عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ لا يمسه إلا المطهرون ﴾ قال: الكتاب المنزل في السماء لا يمسه إلا الملائكة.

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن أنس رضي الله عنه ﴿ لا يمسه إلا المطهرون ﴾ قال: الملائكة عليهم السلام.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ﴿ لا يمسه إلا المطهرون ﴾ قال: ذاكم عند رب العالمين ﴿ لا يمسه إلا المطهرون ﴾ من الملائكة فاما عندكم فيمسه المشرك والنجس والمنافق الرجس.

وأخرج ابن مردويه بسند رواه عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون ﴾ قال: عند الله في صحف مطهرة ﴿ لا يمسه إلا المطهرون ﴾ قال: المقربون.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن علقمة رضي الله عنه قال: أتينا سلمان الفارسي رضي الله عنه فخرج علينا من كن له فقلنا له: لو توضأت يا أبا عبدالله ثم قرأت علينا سورة كذا وكذا قال: إنما قال الله: ﴿ في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون ﴾ وهو الذي في السماء لا يمسه إلا الملائكة عليهم السلام، ثم قرأ علينا من القرآن ما شئنا.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي داود في المصاحف وابن المنذر عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ في كتاب مكنون ﴾ قال: في السماء ﴿ لا يمسه إلا المطهرون ﴾ قال: الملائكة عليهم السلام.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن أبي العالية رضي الله عنه في قوله: ﴿ لا يمسه إلا المطهرون ﴾ قال: الملائكة عليهم السلام ليس أنتم يا أصحاب الذنوب.

وأخرج ابن المنذر عن النعيمي رضي الله عنه قال: قال مالك رضي الله عنه: أحسن ما سمعت في هذه الآية ﴿ لا يمسه إلا المطهرون ﴾ أنها بمنزلة الآية التي في عبس ﴿ في صحف مكرمة ﴾ [ عبس: 13] إلى قوله: ﴿ كرام بررة ﴾ [ عبس: 16] .

وأخرج ابن المنذر عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان لا يمس المصحف إلا متوضئاً.

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي داود وابن المنذر عن عبدالله بن أبي بكر عن أبيه قال: «في كتاب النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم: لا تمس القرآن إلا على طهور» .

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة في المصنف وابن المنذر والحاكم وصححه عن عبد الرحمن بن زيد قال: كنا مع سلمان فانطلق إلى حاجة فتوارى عنا، فخرج إلينا فقلنا: لو توضأت فسألناك عن أشياء من القرآن، فقال: سلوني فإني لست أمسّه إنما يمسه المطهرون، ثم تلا ﴿ لا يمسه إلا المطهرون ﴾ .

وأخرج الطبراني وابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يمس القرآن إلا طاهر» .

وأخرج ابن مردويه عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعثه إلى اليمن كتب له في عهده «أن لا يمس القرآن إلا طاهر» .

وأخرج ابن مردويه عن ابن حزم الأنصاري عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إليه: «لا يمس القرآن إلا طاهر» .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ أفبهذا الحديث أنتم مدهنون ﴾ قال: مكذبون.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ أفبهذا الحديث أنتم مدهنون ﴾ قال: تريدون أن تمالئوا فيه وتركنوا إليهم.

قوله تعالى: ﴿ وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون ﴾ .

أخرج مسلم وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: مطر الناس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أصبح من الناس شاكر، ومنهم كافر، قالوا: هذه رحمة وضعها الله وقال بعضهم: لقد صدق نوء كذا، فنزلت هذه الآية ﴿ فلا أقسم بمواقع النجوم ﴾ حتى بلغ ﴿ وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون ﴾ » .

وأخرج أبو عبيد في فضائله وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يقرأ ﴿ وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون ﴾ قال: يعني الأنواء وما مطر قوم إلا أصبح بعضهم كافرًا وكانوا يقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا، فأنزل الله تعالى ﴿ وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون ﴾ .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون ﴾ قال: «بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سافر في حر شديد، فنزل الناس على غير ماء فعطشوا، فاستسقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم: فلعلّي لو فعلت فسقيتم قلتم هذا بنوء كذا وكذا» ، قالوا: يا نبيّ الله ما هذا بحين أنواء، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بماء فتوضأ ثم قام فصلى، فدعا الله تعالى، فهاجت ريح وثاب سحاب، فمطروا، حتى سال كل واد، فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر برجل يغرف بقدحه ويقول: هذا نوء فلان، فنزل ﴿ وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي حزرة رضي الله عنه قال: نزلت الآية في رجل من الأنصار في غزوة تبوك، ونزلوا بالحجر فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يحملوا من مائها شيئاً ثم ارتحل ثم نزل منزلاً آخر، وليس معهم ماء، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام يصلي ركعتين، ثم دعا فأرسل سحابة فأمطرت عليهم حتى استقوا منها، فقال رجل من الأنصار لآخر من قومه يتهم بالنفاق: ويحك قد ترى ما دعا النبي صلى الله عليه وسلم فأمطر الله علينا السماء فقال: إنما مطرنا بنوء كذا وكذا، فأنزل الله: ﴿ وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون ﴾ .

وأخرج أحمد وابن منيع وعبد بن حميد والترمذي وحسنه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والخرائطي في مساوي الأخلاق وابن مردويه والضياء في المختارة عن عليّ رضي الله عنه «عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون ﴾ قال: شكركم تقولون مطرنا بنوء كذا وكذا، وبنجم كذا وكذا» .

وأخرج ابن جرير عن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما مطر قوم من ليلة إلا أصبح قوم بها كافرين، ثم قال: ﴿ وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون ﴾ يقول قائل: مطرنا بنجم كذا وكذا» .

وأخرج ابن عساكر في تاريخه عن عائشة رضي الله عنها قالت: مطر الناس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أصبح من الناس شاكر ومنهم كافر، قالوا هذه رحمة وضعها الله، وقال بعضهم: لقد صدق نوء كذا فنزلت هذه الآية ﴿ فلا أقسم بمواقع النجوم ﴾ حتى بلغ ﴿ وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون ﴾ » .

وأخرج أبو عبيد في فضائله وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يقرأ ﴿ وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون ﴾ قال: يعني الأنواء، وما مطر قوم إلا أصبح بعضهم كافراً، وكانوا يقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا، فأنزل الله: ﴿ وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون ﴾ .

وأخرج ابن مردويه قال: «ما فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم من القرآن إلا آيات يسيرة قوله: ﴿ وتجعلون رزقكم ﴾ قال: شكركم» .

وأخرج ابن مردويه عن عليّ رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ ﴿ وتجعلون شكركم ﴾ .

وأخرج ابن مردويه عن أبي عبد الرحمن السلمي رضي الله عنه قال: قرأ عليّ رضي الله عنه الواقعات في الفجر، فقال: ﴿ وتجعلون شكركم أنكم تكذبون ﴾ فلما انصرف قال: إني قد عرفت أنه سيقول قائل: لم قرأها هكذا؟

إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها كذلك، كانوا إذا مطروا قالوا: مطرنا بنوء كذا وكذا، فأنزل الله ﴿ وتجعلون شكركم أنكم إذ مطرتم تكذبون ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن أبي عبد الرحمن رضي الله عنه قال: كان عليّ رضي الله عنه يقرأ ﴿ وتجعلون شكركم أنكم تكذبون ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه ﴿ وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون ﴾ فقال: أما الحسن فقال: بئس ما أخذ القوم لأنفسهم لم يرزقوا من كتاب الله إلا التكذيب، قال: وذكر لنا أن الناس أمحلوا على عهد نبي الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا يا نبي الله: لو استسقيت لنا؟

فقال: عسى قوم إن سقوا أن يقولوا سقينا بنوء كذا وكذا، فاستسقى نبي الله، فمطروا، فقال رجل: إنه قد كان بقي من الأنواء كذا وكذا، فأنزل الله: ﴿ وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون ﴾ قال: قولهم: في الأنواء مطرنا بنوء كذا وكذا، فيقول: قولوا: هو من عند الله تعالى وهو رزقه.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون ﴾ قال: الاستسقاء بالأنواء.

وأخرج عبد بن حميد عن عوف عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون ﴾ قال: تجعلون حظكم منه أنكم تكذبون، قال عوف رضي الله عنه: وبلغني أن مشركي العرب كانوا إذا مطروا في الجاهلية قالوا مطرنا بنوء كذا وكذا.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والدارمي والنسائي وأبو يعلى وابن حبان عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو أمسك الله المطر عن الناس ثم أرسله لأصبحت طائفة كافرين، قالوا: هذا بنوء الذبح يعني الدبران» .

وأخرج مالك وعبد الرزاق وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي والبيهقي في الأسماء والصفات عن زيد بن خالد الجهني قال: «صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح زمن الحديبية في أثر سماء، فلما أقبل علينا فقال: ألم تسمعوا ما قال ربكم في هذه الآية: ما أنعمت على عبادي نعمة إلا أصبح فريق منهم بها كافرين.

فأما من آمن بي وحمدني على سقياي فذلك الذي آمن بي، وكفر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك الذي آمن بالكوكب وكفر بي» .

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوماً لأصحابه: «هل تدرون ماذا قال ربكم؟

قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: إنه يقول: إن الذين يقولون نسقى بنجم كذا وكذا فقد كفر بالله وآمن بذلك النجم، والذين يقولون سقانا الله فقد آمن بالله وكفر بذلك النجم» .

وأخرج عبد بن حميد عن عبد الله بن محيريز أن سليمان بن عبد الملك دعاه فقال: لو تعلمت علم النجوم فازددت إلى علمك، فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أخوف ما أخاف على أمتي ثلاث: حيف الأئمة وتكذيب بالقدر وإيمان بالنجوم» .

وأخرج عبد بن حميد عن رجاء بن حيوة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مما أخاف على أمتي التصديق بالنجوم والتكذيب بالقدر وظلم الأئمة» .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن جابر السوائي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أخاف على أمتي ثلاثاً استسقاء بالأنواء وحيف السلطان وتكذيباً بالقدر» .

وأخرج أحمد عن معاوية الليثي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يكون الناس مجدبين، فينزل الله عليهم رزقاً من رزقه فيصبحون مشركين، قيل له: كيف ذاك يا رسول الله؟

قال: يقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا» .

وأخرج ابن جرير عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله ليصبح القوم بالنعمة أو يمسيهم بها فيصبح بها قوم كافرين يقولون مطرنا بنوء كذا وكذا» .

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وتجعلون شكركم ﴾ يقول: على ما أنزلت عليكم من الغيث والرحمة، يقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا، وكان ذلك منهم كفراً بما أنعم الله عليهم.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ما مطر قوم إلا أصبح بعضهم كافراً يقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا، وقرأ ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ وتجعلون شكركم أنكم تكذبون ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن عطاء الخراساني رضي الله عنه في قوله: ﴿ وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون ﴾ قال: كان ناس يمطرون فيقولون مطرنا بنوء كذا وكذا.

قوله تعالى: ﴿ فلولا إذا بلغت الحلقوم ﴾ الآيات.

أخرج ابن ماجة عن أبي موسى رضي الله عنه قال: «سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: متى تنقطع معرفة العبد من الناس قال: إذا عاين» .

وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب المحتضرين عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: احضروا موتاكم وذكروهم فإنهم يرون ما لا ترون.

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وأبو بكر المروزي في كتاب الجنائز عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: احضروا موتاكم ولقنوهم لا إله إلا الله فإنهم يرون ويقال لهم.

وأخرج سعيد بن منصور والمروزي عن عمر رضي الله عنه قال: لقنوا موتاكم لا إله إلا الله، واعقلوا ما تسمعون من المطيعين منكم، فإنه يجلي لهم أمور صادقة.

وأخرج ابن أبي الدنيا في ذكر الموت وأبو يعلى من طريق أبي يزيد الرقاشي عن تميم الداري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يقول الله لملك الموت: انطلق إلى وليي فائتني به فإني قد جربته بالسراء والضراء فوجدته حيث أحب، فائتني به لأريحه من هموم الدنيا وغمومها.

فينطلق إليه ملك الموت ومعه خمسمائة من الملائكة معهم أكفان وحنوط من حنوط الجنة ومعهم ضبائر الريحان، أصل الريحانة واحد وفي رأسها عشرون لوناً، لكل لون منها ريح سوى ريح صاحبه، ومعهم الحرير الأبيض فيه المسك الأذفر، فيجلس ملك الموت عند رأسه، وتحتوشه الملائكة ويضع كل ملك منهم يده على عضو من أعضائه، ويبسط ذلك الحرير الأبيض والمسك الأذفر تحت ذقنه، ويفتح له باب إلى الجنة، فإن نفسه لتعلل عنده ذلك بطرف الجنة مرة بأزواجها ومرة بكسوتها ومرة بثمارها، كما يعلل الصبيّ أهله إذا بكى، وإن أزواجه ليبتهشن عند ذلك ابتهاشاً، وتنزو الروح نزواً، ويقول ملك الموت: أخرجي أيتها الروح الطيبة إلى سدر مخضود وطلح ممدود وماء مسكوب، وملك الموت أشد تلطفاً به من الوالدة بولدها، يعرف أن ذلك الروح حبيب إلى ربه، كريم على الله فهو يلتمس بلطفه تلك الروح رضا الله عنه، فسلّ روحه كما تسل الشعرة من العجين، وإن روحه لتخرج والملائكة حوله يقولون: ﴿ سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون ﴾ [ النحل: 32] وذلك قوله: ﴿ الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ﴾ [ النحل: 32] قال: فأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم، قال: روح من جهد الموت وروح يؤتى به عند خروج نفسه وجنة نعيم أمامه.

فإذا قبض ملك الموت روحه يقول الروح للجسد: لقد كنت بي سريعاً إلى طاعة الله بطيئاً عن معصيته، فهنيئاً لك اليوم فقد نجوت وأنجيت، ويقول الجسد للروح: مثل ذلك، وتبكي عليه بقاع الأرض التي كان يطيع الله عليها، كل باب من السماء كان يصعد منه عمله وينزل منه رزقه أربعين ليلة، فإذا اقبضت الملائكة روحه أقامت الخمسمائة ملك عند جسده لا يقلبه بنو آدم لشق إلا قلبته الملائكة عليهم السلام قبلهم، وعلته بأكفان قبل أكفانهم وحنوط قبل حنوطهم، ويقوم من باب بيته إلى باب قبره صفان من الملائكة يستقبلونه بالاستغفار، ويصيح إبليس عند ذلك صيحة يتصرع منها بعض أعظام جسده، ويقول لجنوده: الوليل لكم كيف خلص هذا العبد منكم؟

فيقولون: إن هذا كان معصوماً.

فإذا صعد ملك الموت بروحه إلى السماء يستقبله جبريل في سبعين ألفاً من الملائكة كلهم يأتيه من ربه، فإذا انتهى ملك الموت إلى العرش خرت الورح ساجدة لربها، فيقول الله لملك الموت: انطلق بروح عبدي فضعه ﴿ في سدر مخضود وطلح منضود وظل ممدود وماء مسكوب ﴾ [ الواقعة: 28] فإذا وضع في قبره جاءت الصلاة فكانت عن يمينه، وجاء الصيام فكان عن يساره، وجاء القرآن والذكر فكانا عند رأسه، وجاء مشيه إلى الصلاة فكان عند رجليه، وجاء الصبر فكان ناحية القبر، ويبعث الله عتقاً من العذاب فيأتيه عن يمينه، فتقول الصلاة: وراءك والله ما زال دائباً عمره كله وإنما استراح الآن حين وضع في قبره، فيأتيه عن يساره فيقول الصيام مثل ذلك.، فيأتيه من قبل رأسه فيقول له مثل ذلك، فلا يأتيه العذاب من ناحية فيلتمس هل يجد لها مساغاً إلا وجد ولي الله قد أحرزته الطاعة، فيخرج عنه العذاب عندما يرى، ويقول الصبر لسائر الأعمال: أما إنه لم يمنعني أن أباشره بنفسي إلا أني نظرت ما عندكم، فلو عجزتم كنت أنا صاحبه، فأما إذا أجزأتم عنه فأنا ذخر له عند الصراط وذخر له عند الميزان، ويبعث الله ملكين أبصارهما كالبرق الخاطف وأصواتهما كالرعد القاصف وأنيابهما كالصياصي وأنفاسهما كاللهب يطآن في أشعارهما بين منكبي كل واحد منهما مسيرة كذا وكذا، قد نزعت منهما الرأفة والرحمة إلا بالمؤمنين، يقال لهما: منكر ونكير، وفي يد كل واحد منهما مطرقة لو اجتمع عليها الثقلان لم يقلوها.

فيقولان له: اجلس فيستوي جالساً في قبره فتسقط أكفانه في حقويه.

فيقولان له: من ربك؟

وما دينك؟

ومن نبيك؟

فيقول: ربي الله وحده لا شريك له، والإِسلام ديني، ومحمد نبي، وهو خاتم النبيين.

فيقولان له: صدقت، فيدفعان القبر فيوسعانه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن يساره ومن قبل رأسه ومن قبل رجليه، ثم يقولان له: أنظر فوقك، فينظر، فإذا هو مفتوح إلى الجنة، فيقولان له: هذا منزلك يا وليّ الله، لم أطعت الله فوالذي نفس محمد بيده إنه لتصل إلى قلبه فرحة لا ترتد أبداً، فيقال له: أنظر تحتك فينظر تحته فإذا هو مفتوح إلى النار، فيقولان: يا ولي الله نجوت من هذا فوالذي نفسي بيده إنه لتصل إلى قلبه عند ذلك فرحة لا ترتد أبداً، ويفتح له سبعة وسبعون باباً إلى الجنة يأتيه ريحها وبردها حتى يبعثه الله تعالى من قبره إلى الجنة وأما الكافر فيقول الله لملك الموت: ويفتح الله لملك الموت انطلق إلى عبدي فائتني به فإني قد بسطت له رزقي وسربلته نعمتي فأبى إلا معصيتي فأئتني به لأنتقم منه اليوم، فينطلق إليه ملك الموت في أكره صورة رآها أحد من الناس قط، له اثنتا عشرة عيناً ومعه سفود من النار كثير الشوك، ومعه خمسمائة من الملائكة معهم نحاس وجمر من جمر جهنم، ومعهم سياط من النار تأجج فيضربه ملك الموت بذلك السفود ضربة يغيب أصل كل شوكة من ذلك السفود في أصل كل شعرة وعرق من عروقه، ثم يلويه ليّاً شديداً، فينزع روحه من أظفار قدميه، فيلقيها في عقبيه، فيسكر عدوّ الله عند ذلك سكرة وتضرب الملائكة وجهه ودبره بتلك السياط، ثم كذلك إلى حقويه، ثم كذلك إلى صدره، ثم كذلك إلى حلقه، ثم تبسط الملائكة ذلك النحاس وجمر جهنم تحت ذقنه، ثم يقول ملك الموت: أخرجي أيتها النفس اللعينة الملعونة إلى ﴿ سموم وحميم وظل من يحموم لا بارد ولا كريم ﴾ [ الواقعة: 43] فإذا قبض ملك الموت روحه قالت الروح للجسد: جزاك الله عني شرّاً فقد كنت بي سريعاً إلى معصية الله بطيئاً بي عن طاعة الله، فقد هلكت وأهلكت، ويقول الجسد للروح مثل ذلك، وتلعنه بقاع الأرض التي كان يعصي الله تعالى عليها، وتنطلق جنود إبليس إليه يبشرونه بأنهم قد أوردوا عبداً من بني آدم النار، فإذا وضع في قبره ضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه فتدخل اليمنى في اليسرى واليسرى في اليمنى ويبعث الله إليه حيات دهماء تأخذ بأرنبته وإبهام قدميه، فتغوصه حتى تلتقي في وسطه، ويبعث الله إليه الملكين فيقولان له: من ربك؟

وما دينك؟

فيقول: لا أدري فيقال له: لا دريت ولا تليت، فيضربانه ضربة يتطاير الشرار في قبره، ثم يعود، فيقولان له: انظر فوقك، فينظر، فإذا باب مفتوح إلى الجنة فيقولان له عدو الله لو كنت أطعت الله تعالى، هذا منزلك فوالذي نفسي بيده إنه ليصل إلى قلبه حسرة لا ترتد أبداً، ويفتح له باب إلى النار، فيقال: عدوّ الله هذا منزلك لما عصيت الله، ويفتح له سبعة وسبعون باباً إلى النار يأتيه حرها وسمومها حتى يبعثه من قبره يوم القيامة إلى النار» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ ﴾ قال ابن عباس: يريد ﴿ أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ ﴾ القرآن يا أهل مكة ﴿ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ ﴾ قال تكفرون وتكذبون (١) وقال مقاتل: تكفرون (٢) وقال الكلبي: تكذبون أنه ليس كما قال لكم وأنه لا جنة ولا نار ولا بعث (٣) قال أبو عبيدة: المدهن والمداهن واحد (٤) (٥) وقال الزجاج: أي أفبالقرآن تكذبون، قال: والمدهن والمداهن الكذاب المنافق (٦) وقال ابن الأعرابي: ﴿ مُدْهِنُونَ ﴾ منافقون والإدهان والمداهنة اللين والمصانعة، وهو أن يسر خلاف ما يظهر، والمدهن الذي يجري في الباطن على خلاف الظاهر (٧) ثم قيل للمكذب مدهن، وإن صرح بالتكذيب والكفر، ويجوز أن يكون هذا خطابًا لمن آمن بالقرآن ظاهرًا وأسر الكفر به، وهذا معنى الإدهان والمداهنة.

قال المؤرج: المدهن المنافق الذي يلين جانبه ليخفي كفره (٨) (١) انظر: "الوسيط" 4/ 240، و"معالم التنزيل" 4/ 290.

(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 139 ب، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 227.

(٣) انظر: "تنوير المقباس" 5/ 341.

(٤) انظر: "مجاز القرآن" 2/ 252.

(٥) انظر: "معاني القرآن" 3/ 130.

(٦) انظر: "معاني القرآن" 5/ 116.

(٧) انظر: "اللسان" 1/ 1028 (دهن).

(٨) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 227، و"فتح القدير" 5/ 161.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أفبهذا الحديث أَنتُمْ مُّدْهِنُونَ ﴾ هذا خطاب للكفار، والحديث المشار إليه هو القرآن، ومدهنون معناه متهاونون، وأصله من المداهنة وهي لين الجانب والموافقة بالظاهر لا بالباطن قال ابن عباس معناه مكذبون ﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ﴾ قال ابن عطية: أجمع المفسرون على أن الآية توبيخ للقائلين في المطر إنه نزل بنوء كذا وكذا، والمعنى تجعلون شكر رزقكم التكذيب، فحذف شكر أنكم تَكْذِبون وكذلك قرأ ابن عباس إلا أنه قرأ تكذِّبون بضم التاء والتشديد كقراءة الجماعة وقراءة علي بفتح التاء وإسكان الكاف من الكذب أي يكذبون في قولهم: نزل الطر بنوء كذا ومن هذا المعنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى يقول أصبح من عبادي مؤمن بي كافر بالكواكب وكافر بي مؤمن بالكواكب فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكواكب واما من قال مطرنا بنوء كذا وكوكب كذا فذلك كافر بي مؤمن بالكواكب» والمنهي عنه في هذا الباب أن يعتقد أن للكواكب تأثيراً في المطر، وأما مراعة العوائد التي أجراها الله تعالى فلا بأس به لقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا أنشأت بحرية ثم تشاءمت فتلك عين غديقة» ، وقد قال عمر للعباس وهما في الاستسقاء: كم بقي من نوء الثريا فقال العباس: العلماء يقولون إنها تعترض في الأوفق بعد سقوطها سبعاً، قال ابن الطيب: فما مضت سبع حتى مطروا، وقيل: إن معنى الآية تجعلون سبب رزقكم تكذيبكم للنبي صلى الله عليه سلم فإنهم كانوا يقولون: إن آمنا به حرمنا الله الرزق، كقولهم: ﴿ إِن نَّتَّبِعِ الهدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَآ ﴾ [القصص: 57] فأنكر الله عليهم ذلك.

وإعراب أنكم على هذا القول مفعول بتجعلون على حذف مضاف تقديره: تجعلون سبب رزقكم التكذيب، ويحتمل أن يكون معفولاً من أجله تقديره: تجعلون رزقكم حاصلاً من أجل أنكم تكذبون، وأما على القول الأول فإعراب أنكم تكذبون مفعول لا غيره.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ينزفون ﴾ من باب الأفعال: عاصم وحمزة وخلف.

الباقون: بفتح الزاء ﴿ حور عين ﴾ بجرهما: يزيد وعلي وحمزة ﴿ عرباً ﴾ بالسكون: حمزة وخلف ويحيى وحماد وإسماعيل ﴿ أئذا أئنا ﴾ كما في "الرعد" إلا ابن عامر فإنه تابع عاصماً، وإلا يزيد فإنه تابع قالون ﴿ شرب ﴾ بضم الشين: أبو جعفر نافع وعاصم وحمزة وسهل.

الباقون: بالفتح وكلاهما مصدر ﴿ قدرنا ﴾ بالتخفيف: ابن كثير ﴿ أئنا لمغرمون ﴾ بهمزتين: أبو بكر وحماد.

الآخرون: بهمزة واحدة مكسورة على الخبر.

﴿ بموقع ﴾ على الوحدة: حمزة وعلي وخلف.

﴿ تكذبون ﴾ بالتخفيف: المفضل ﴿ فروح ﴾ بضم الراء: قتيبة ويعقوب.

الوقوف: ﴿ الواقعة ﴾ ه لا بناء على أن العامل في الظرف هو ليس ولو كان منصوباً بإضمار "أذكر" أو كان الجواب محذوفاً أي إذا وقعت الواقعة كان كيت وكيت صح الوقف ﴿ كاذبة ﴾ ه م لئلا يصير ما بعدها صفة ﴿ رافعة ﴾ ه لا لتعلق الظرف بخافضة أو لكونه بدلاً من الأول ﴿ رجاً ﴾ ه لا ﴿ بساً ﴾ ه ﴿ منبثاً ﴾ ه ﴿ ثلاثة ﴾ ه ط ﴿ ما أصحاب الميمنة ﴾ ه ط لتناهي استفهام التعجب ﴿ ما أصحاب المشأمة ﴾ ه ط ﴿ السابقون ﴾ ه لا بناء على أن ﴿ السابقون ﴾ تأكيد والجملة بعده خبر ﴿ المقربون ﴾ ه ج لاحتمال أن ما بعده خبر مبتدأ محذوف أي هم ﴿ جنات النعيم ﴾ ه ﴿ الأولين ﴾ ه لا ﴿ الآخرين ﴾ ه لا ﴿ موضونة ﴾ ه لا ﴿ متقابلين ﴾ ه ﴿ مخلدون ﴾ ه لا ﴿ معين ﴾ ه لا ﴿ ولا ينزفون ﴾ ه لا ﴿ يتخيرون ﴾ ه لا ﴿ يشتهون ﴾ ه ط لمن قرأ ﴿ وحور عين ﴾ بالرفع ﴿ المكنون ﴾ ه ج ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ تأثيماً ﴾ ه لا ﴿ سلاماً ﴾ ه ط ﴿ وما أصحاب اليمين ﴾ ه ط ﴿ مخضود ﴾ ه لا ﴿ منضود ﴾ ه لا ﴿ ممدود ﴾ ه لا ﴿ مسكوب ﴾ ه لا ﴿ كثيرة ﴾ ه لا ﴿ ممنوعة ﴾ ه لا ﴿ مرفوعة ﴾ ه ط ﴿ إنشاء ﴾ ه لا ﴿ أبكاراً ﴾ ه لا ﴿ أتراباً ﴾ ه لا ﴿ اليمين ﴾ ه ط ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ الآخرين ﴾ ه ط ﴿ ما أصحاب الشمال ﴾ ه ط ﴿ وحميم ﴾ ه لا ﴿ يحموم ﴾ ه لا ﴿ ولا كريم ﴾ ه ﴿ مترفين ﴾ ه ج ﴿ العظيم ﴾ ه ج ﴿ لمبعوثون ﴾ ه لا ﴿ الأولون ﴾ ه ﴿ والآخرين ﴾ ه لا ﴿ معلوم ﴾ ه ﴿ المكذبون ﴾ ه لا ﴿ زقوم ﴾ ه لا ﴿ البطون ﴾ ه ج والوقف أجوز ﴿ الحميم ﴾ ه ج ﴿ الهيم ﴾ ه ط ﴿ الدين ﴾ ه ﴿ تصدقون ﴾ ه ﴿ تمنون ﴾ ه ط ﴿ الخالقون ﴾ ه ﴿ بمسبوقين ﴾ ه لا ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ تذكرون ﴾ ه ﴿ تحرثون ﴾ ه ط ﴿ الزارعون ﴾ ه ﴿ تفكهون ﴾ ه ﴿ لمغرمون ﴾ ه لا ﴿ محرومون ﴾ ه ﴿ تشربون ﴾ ه ﴿ المنزلون ﴾ ه ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ تورون ﴾ ه ط ﴿ المنشؤن ﴾ ه ﴿ للمقوين ﴾ ه ج ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ النجوم ﴾ ه لا ﴿ عظيم ﴾ ه لا ﴿ كريم ﴾ ه لا ﴿ مكنون ﴾ ه ﴿ المطهرون ﴾ ه ط ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ مدهنون ﴾ ه ﴿ تكذبون ﴾ ه ﴿ الحلقوم ﴾ ه لا ﴿ تنظرون ﴾ ه لا ﴿ تبصرون ﴾ ه ﴿ مدينين ﴾ ه لا ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ المقربين ﴾ ه لا ﴿ نعيم ﴾ ه ﴿ اليمين ﴾ ه لا ﴿ اليمين ﴾ ه لا ﴿ الظالين ﴾ ه لا ﴿ حميم ﴾ ه لا ﴿ جحيم ﴾ ه ﴿ اليقين ﴾ ه ﴿ ألعظيم ﴾ ه.

التفسير: ﴿ إذا وقعت الواقعة ﴾ نظير قولك حدثت الحادثة "وكانت الكائنة" وهي القيامة التي تقع لا محالة.

يقال: وقع ما كنت أتوقعه أي نزل ما كنت أترقب نزوله.

واللام في ﴿ لوقعتها ﴾ للوقت أي لا يكون حين تقع نفس تكذب على الله لأن الإيمان حينئذ بما هو غائب الآن ضروري إلا أنه غير نافع لأنه إيمان اليأس.

ويجوز أن يراد ليس لها وقتئذ نفس تكذبها وتقول لها لم تكوني لأن إنكار المحسوس غير معقول.

وجوز جار الله أن يكون من قولهم "كذبت فلاناً نفسه في الخطب العظيم" إذا شجعته على مباشرته.

وقالت له: إنك تطيقه.

فيكون المراد أن القيامة واقعة لا تطاق شدة وفظاعة وأن الأنفس حينئذ تحدث صاحبها بما تحدثه به عند عظائم الأمور.

وقيل: هي مصدر كالعافية فيؤل المعنى إلى الأول.

وقال في الكشاف: هو بمعنى التكذيب من قولهم "حمل على قرنه فما كذب" أي فما جبن وما تثبط، وحقيقته فما كذب نفسه فيما حدثته به من طاقته له.

والحال من هذا التوجيه أنها إذا وقعت لم تكن لها رجعة ولا ارتداد ﴿ خافضة رافعة ﴾ أي هي تخفض أقواماً وترفع آخرين إما لأن الواقعات العظام تكون كذلك كما قال: وما إن طبنا جبن ولكن *** منايات ودولة آخرينا وإما لإن للأشقياء الدركات وللسعداء الدرجات وإما لأن زلزلة الساعة تزيل الأشياء عن مقارها فتنثر الكواكب وتسير الجبال في الجو يؤيده قوله ﴿ إذا رجت الأرض ﴾ أي حركت تحريكاً عنيفاً حتى ينهدم كل بناء عليها ﴿ وبست الجبال بساً ﴾ أي فتتت حتى تعود كالسويق أو سيقت من بس الغنم إذا ساقها ﴿ فكانت ﴾ أي صارت غباراً متفرقاً.

ثم ذكر أحوال الناس يومئذ قائلاً ﴿ وكنتم ﴾ لفظ الماضي لتحقق الوقوع ﴿ أزواجاً ﴾ أي أصنافاً ﴿ ثلاثة ﴾ ثم فصلها فقال ﴿ فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة ﴾ وهو تعجب من شأنهم كقولك "زيد ما زيد" سموا بذلك لأنهم يؤتون صحائفهم بأيمانهم، أو لأنهم أهل المنزلة السنية من قولهم "فلان مني باليمين" إذا وصفته بالرفعة عندك وذلك لتيمنهم بالميامن دون الشمائل وتبركهم بالسانح دون البارح، ولعل اشتقاق اليمين من اليمن والشمال من الشؤم، والسعداء ميامين على أنفسهم والأشقياء مشائيهم عليها.

روي أهل الجنة يؤخذ بهم إلى جانب اليمين وأهل النار يؤخذ بهمفي الشمال ﴿ والسابقون ﴾ عرف الخبر للمبالغة كقوله الذين سبقوا إلى ما دعاهم الله إليه من التوحيد والإخلاص والطاعة ﴿ هم السابقون ﴾ عرف الخبر للمبالغة كقوله "وشعري شعري" يريد والسابقون من عرف حالهم وبلغك وصفهم، وعلى هذا يحسن الوقف ﴿ السابقون ﴾ ﴿ أولئك المقربون ﴾ إلى مقامات لا يكشف المقال عنها من الجمال والعارفون يقولون لهم إنهم أهل الله، وفي لفظ السبق إشار إلى ذلك ﴿ في جنات النعيم ﴾ إخفاء حالهم وبيان محل إجسادهم أو هي الجنة الروحانية النورانية ﴿ ثلة من الأولين ﴾ أي جماعة كثيرة من لدن آدم إلى أول زمان نبينا  .

قال أهل الاشتقاق: أصل الثلة من الثل وهو الكسر كما أن الأمة من الأم وهو الشج كأنها جماعة كسرت من الناس وقطعت منهم، ثم اشتق الإمام منه إذ به يحصل الأمة المقتدية به.

﴿ وقليل من الآخرين ﴾ أي من هذه الأمة.

قال الزجاج: الذين عاينوا جميع النبيين وصدقوا بهم أكثر ممن عاين النبي  وههنا سؤال وهو أنه كيف قال ههنا ﴿ وقليل من الآخرين ﴾ وفيما بعده قال ﴿ وثلة من الآخرين ﴾ والجواب أن الثلتين في آية أصحاب اليمين هما جميعاً من أمة محمد  .

جواب آخر وهو أن يقال: الخطاب في قوله ﴿ وكنتم أزواجاً ﴾ لأمة محمد  والأولون منهم هم الصحابة والتابعون كقوله { ﴿ والسابقون الأولون  ﴾ والآخرون منهم هم الذين يلونهم إلى يوم الدين، ولا ريب أن السابقين يكونون في الأولين أكثر منهم في الآخرين.

وأما أصحاب اليمين فيوجدون في كلا القبيلين كثيراً وعلى هذا يكون الترتيب المذكور ساقطاً ولا نسخ لإمكان اجتماع مضموني الخبرين في الواقع.

قال الزجاج وهو قول مجاهد والضحاك يعني جماعة ممن تبع النبي  وعاينه وجماعة ممن آمن به وكان بعده.

وروى الواحدي في تفسيره بإسناده عن ابن عباس أن النبي  قال " " جميع الثلتين من أمتي " " وأجاب بعضهم بأنه لما نزلت الآية الأولى شق على المسلمين فمازال رسول الله  يراجع ربه حتى نزلت ﴿ ثلة من الأولين وثلة من الآخرين ﴾ وزيفت هذه الرواية بظهور ورود الآية الأولى في السابقين والثانية في أصحاب اليمين، وبأن النسخ لا يتضح بل لا يصح في الأخبار، وبأن الآية الأولى لا توجب الحزن ولكنها تقتضي الفرح من حيث إنه إذا كان السابقون في هذه الأمة موجودين وإن كانوا قليلين وقد صح أنه لا نبي بعد محمد رسول الله  لزم أن يكون بعض الأمة مع محمد  سابقين فيكونون في درجة الأنبياء والرسل الماضين، ولعل في قوله "علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل" إشارة إلى هذا.

وأقول: عندي أن الجواب الصحيح هو أن السابقين في الأمم الماضية يجب أن يكونوا أكثر لأن فيض الله  المقدر للنوع الإنساني إذا وزع على أشخاص أقل يكون نصيب كل منهم أوفر مما لو قسم على أشخاص أكثر، ولعلنا قد كتبنا في هذا المعنى رسالة وعسى أن يكون هذا سبباً لخاتمة نبينا  أما أصحاب اليمين وهم أهل الجنة كما قلنا فإنهم كثيرون من هذه الأمة لأنهم كل من آمن بالله ورسوله وعمل صالحاً هذا ما سنح في الوقت والله  أعلم بمراده.

ثم وصف حال المقربين بقوله ﴿ على سرر موضونة ﴾ قال المفسرون: أي منسوجة بقضبان الذهب مشبكة بالدر والياقوت وقد دوخل بعضها في بعض كما توضن حلق الدرع أي استقروا على السرر ﴿ متكئين ﴾ وقوله ﴿ ولدان مخلدون ﴾ أي غلمان لا يهرمون ولا يغيرون قال الفراء: والعرب تقول للرجل إذا كبر ولم يشمط إنه لمخلد.

قال: ويقال مخلدون مقرطون من الخلدة وهو القرط.

وقيل: هم أولاد أهل الدنيا لم يكن لهم حسنات فيثابوا عليها، ولا سيئات فيعاقبوا عليها.

قال جار الله: روي هذا عن علي  .

والحسن قال الحديث "أولاد الكفار خدام أهل الجنة" " والأكواب الأقداح المستديرة الأفواه ولا آذان لها ولا عري، والأباريق ذوات الخراطيم الواحد إبريق وهو الذي يبرق لونه من صفائه.

والباقي مفسر في "الصافات" إلى قوله ﴿ مما يتخيرون ﴾ أي يختارون تخيرت الشيء أخذت خيره، قال ابن عباس: يخطر على قلبه الطير فيصير ممثلاً بين يديه على ما اشتهى.

ومن قرأ ﴿ وحور عين ﴾ بالرفع فمعناه ولهم أو عندهم حور.

ومن خفضهما فعلى العطف المعنوي أي يكرمون أو يتنعمون بأكواب وبكذا وكذا.

والكاف في قوله ﴿ كأمثال ﴾ للمبالغة في التشبيه.

قوله ﴿ جزاء ﴾ مفعول له أي يفعل بهم ذلك لأجل الجزاء.

قوله ﴿ ولا تأثيماً ﴾ أي لا يقول بعضهم لبعض أثمت لأنهم لا يتكلمون بما فيه إثم.

وانتصب ﴿ سلاماً ﴾ على البدل من ﴿ قليلاً ﴾ أو على أنه مفعول به أي لا يسمعون يها إلا أن يقولوا سلاماً عقيبه سلام.

ثم عجب من شأن أصحاب اليمين.

والسدر شجر النبق والمخضود الذي لا شوك له كأنه خضد شوكه.

وقال مجاهد: هو من خضد الغصن إذا ثناه وهو رطب كأنه من كثرة ثمره ثنى أغصانه والطلح شجر الموز أو أم غيلان كثير النور طيب الرائحة وعن السدي: شجر يشبه طلح الدنيا ولكن له ثمر أحلى من العسل.

وفي الكشاف أن علياً  أنكره وقال: ما شأن الطلح إنما هو طلع وقرأ قوله ﴿ لها طلع نضيد ﴾ فقيل: أو نحولها؟

قال: آي القرآن لا تهاج اليوم ولا تحول قال: وعن ابن عباس نحوه.

قلت: وفي هذه الرواية نظر لا يخفى.

والمنضود الذي نضد بالحمل من أوله إلى آخره فليست له ساق بارزة ﴿ وظل ممدود ﴾ أي ممتد منبسط كظلي الطلوع والغروب لا يتقلص.

ويحتمل أن يراد أنه دائم باقٍ لا يزول ولا تنسخه الشمس، والعرب تقول لكل شيء طويل لا ينقطع إنه ممدود.

والمسكوب المصبوب يسكب لهم أين شاؤا وكيف شاؤا، أو يسكبه الله في مجاريه من غير انقطاع، أو أراد أنه يجري على الأرض في خير أخدود ﴿ لا مقطوعة ﴾ في بعض الأوقات ﴿ ولا ممنوعة ﴾ عن طالبيها بنحو حظيرة أو لبذل ثمن كما هو شأن البساتين والفواكه في الدنيا ﴿ مرفوعة ﴾ أي نضدت حتى ارتفعت أو مرفوعة على الأسرة قاله علي  .

وقيل: هي النساء المرفوعة على الأرائك.

والمرأة يكنى عنها بالفراش يدل على هذا قوله ﴿ إنا أنشأناهن ﴾ وعلى التفسير الأول جعل ذكر الفرش وهي المضاجع دليلاً عليهن.

ومعنى الإنشاء أنه ابتدأ خلقهن من غير ولادة أو أعاد خلقهن إنشاء.

روى الضحاك عن ابن عباس أنهن نساؤنا العجز الشمط يخلقهن الله بعد الكبر والهرم ﴿ أبكاراً عرباً ﴾ جمع عروب وهي المتحببة إلى زوجها الحسنة التبعل ﴿ أتراباً ﴾ مستويات في السن بنات ثلاث وثلاثين كأزواجهن كلما أتاهن أزواجهن وجدوهن أبكاراً من غير وجع.

وقوله ﴿ لأصحاب اليمين ﴾ متعلق بأنشأنا وجعلنا.

ثم عجب من أصحاب الشمال.

ومعنى ﴿ في سموم ﴾ في حر نار ينفذ في المسام.

والحميم الماء الكثير الحرارة.

واليحموم الدخان الأسود "يفعول" من الأحم وهو الأسود.

ثم نعت الظل بأنه حار ضار لا منفعة فيه ولا روح لمن يأوي إليه.

قال ابن عباس: لا بارد المدخل ولا كريم المنظر.

قال الفراء: العرب تجعل الكريم تابعاً لكل شيء ينوي به المدح في الإثبات أو الذم في النفي تقول: هو سمين كريم وما هذه الدار بواسعة ولا بكريمة.

ثم ذكر أعمالهم الموجبة لهذا العقاب فقال ﴿ إنهم كانوا قبل ذلك ﴾ أي في الدنيا ﴿ مترفين ﴾ متنعمين متكبرين عن التوحيد والطاعة والإخلاص ﴿ وكانوا يصرون على الحنث ﴾ وهو الذنب الكبير ووصفه بالعظم مبالغة على مبالغة تقول: بلغ الغلام الخنث أي الحلم ووقت المؤاخذة بالمآثم وحنث في يمينه خلاف بر فيها.

وخص جمع من المفسرين فقالوا.أعني به الشرك.

وعن الشعبي: هو اليمين الغموس وذلك أنهم كانوا يحلفون أنهم لا يبعثون يدل عليه ما بعده وقد مر مثله في "الصافات".

واعلم أنه  ذكر في تفصيل الأزواج الثلاثة نسقاً عجيباً وأسلوباً غريباً.

وذلك أنه لم يورد في التفصيل إلا ذكر صنفين.

أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة.

ثم بعدما عجب منهما بين حال الثلاثة السابقين وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال فأقول وبالله التوفيق: هذا كلام موجز معجز فيه لطائف خلت التفاسير عنها منها: أنه طوى ذكر السابقين في أصحاب الميمنة لأن كلاً من السابقين ومن أصحاب اليمين أصحاب اليمن والبركة كما أن أصحاب الشمال أهل الشؤم والنكد، وكأن في هذا الطي إشارة إلى الحديث القدسي "أوليائي تحت قبابي لا يعرفهم غيري" ومنها أن ذكر السابقين وقع في الوسط باعتبار وخير الأمور أوسطها، وفي الأول باعتبار والأشراف بالتقديم أولى، وفي الآخر باعتبار ليكون إشارة إلى قوله  " "نحن الآخرون السابقون " ومنها أن مفهوم السابق متعلق بمسبوق، فما لم يعرف ذات المسبوق لم يحسن ذكر السابق من حيث هو سابق.

فهذا ما سنح للخاطر وسمح به والله  أعلم بمراده.

ثم أمر نبيه  بأن يقرر لهم ما شكوا فيه فقال ﴿ قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات ﴾ أي ينتهي أمر جميعهم إلى وقت ﴿ يوم معلوم ﴾ عند الله وفيه رجوع إلى أول السورة.

ولما كرر ذكر المعاد بعبارات شتى ذكر طرفاً من حال المكذبين المعاصرين ومن ضاهاهم فقال ﴿ ثم إنكم أيها الضالون ﴾ عن الهدى ﴿ المكذبون ﴾ بالبعث ﴿ لآكلون ﴾ أي في السموم المذكور ﴿ من شجر ﴾ هو للابتداء ﴿ من زقوم ﴾ هو للبيان ﴿ فمالئون منها البطون ﴾ آنت الضمير بتأويل الشجرة قال جار الله: عطف الشاربين على الشاربين لاختلافهما اعتباراً وذلك أن شرب الماء المتناهي الحرارة عجيب وشربه كشرب الهيم أعجب.

والهيم الإبل التي بها الهيام وإذا شربت فلا تروى واحدها أهيم والمؤنث هيماء وزنه "فعل" كبيض.

وجوز أن يكون جمع الهيام بفتح الهاء وهو الرمل الذي لا يتماسك كسحاب وسحب.

ثم خفف وفعل به ما فعل بنحو جمع أبيض والمعنى أنه يسلط عليهم الجوع حتى يضطروا إلى أكل الزقوم.

ثم يسلط عليهم العطش إلى أن يضطروا إلى شرب الحمم كالإبل الهيم ﴿ نحن خلقناكم فلولا تصدقون ﴾ بالبعث بعد الخلق فإن من قدر على البدء كان على الإعادة أقدر.

ثم برهن أنه لا خالق إلا هو فقال ﴿ أفرأيتم ما تمنون ﴾ أي تقذفونه في الأرحام.

يقال: أمنى النطفة ومناها وقد مر في قوله ﴿ من نطفة إذا تمنى  ﴾ ﴿ أءنتم تخلقونه ﴾ تقدّرونه وتصورونه.

ووجه الاستدلال أن المني إنما يحصل من فضلة الهضم الرابع وهو كالطل المنبث في جميع الأعضاء ولهذا تشترك كل الأعضاء في لذة الوقاع ويجب اغتسال كلها لحصول الانحلال عنها جميعاً.

فالذي قدر على جمع تلك الأغذية في بدن الإنسان ثم على جمع تلك الأجزاء الطلية في أوعيتها ثم على تمكينها في الرحم إلى أن تتكون إنساناً كاملاً يقدر على جمعها بعد تفريقها بالموت المقدر بينهم بحيث لا يفوته شيء منها وإلى هذا أشار بقوله ﴿ وما نحن بمسبوقين على أن نبدل ﴾ أي نحن قادرون على ذلك لا يغلبنا عليه أحد.

يقال: سبقته على الشيء إذا أعجزته عنه وغلبته عليه.

والأمثال جمع المثل أي على أن نبدل مكانكم أشباهكم من الخلق و ﴿ فيما لا تعلمون ﴾ أي في خلق ما لا تعلمونها وما عهدتم بمثلها، يريد بيان قدرته على إنشائنا في جملة خلق تماثلنا أو خلق لا تماثلنا.

وجوز جار الله أن يكون جمع مثل بفتحتين والمعنى إنا قادرون على تغيير صفاتكم التي أنتم عليها وإنشاء صفات لا تعلمونها.

ثم ذكرهم النشأة الأولى ليكون تذكيراً بعد تذكير فقال ﴿ ولقد علمتم ﴾ الآية.

ثم دل على كمال عنايته ورحمته ببريته مع دليل آخر على قدرته قائلاً ﴿ أفرأيتم ما تحرثون ﴾ من الطعام أي تبذرون حبه ﴿ أءنتم تزرعونه ﴾ أي تجعلونه بحيث يكون نباتاً كاملاً يستحق اسم الزرع.

وفي الكشاف عن رسول الله  " لا يقولن أحد زرعت وليقل حرثت " والحطام ما تحطم وتكسر من الحشيش اليابس.

وقوله ﴿ فظلتم ﴾ أصله فظللتم حذفت إحدى اللامين للتخفيف وهو مما جاء مستعملاً غير مقس عليه.

ومعنى ﴿ تفكهون ﴾ تعجبون كأنه تكلف الفكاهة.

وعن الحسن: تندمون على الإنفاق عليه التعب فيه أو على المعاصي التي تكون سبباً لذلك.

من قرأ ﴿ أنا ﴾ بالخبر فواضح ويحسن تقدير القول أو لا بد منه، ومن قرأ بالاستفهام فللتعجب ولا بد من تقدير القول أيضاً.

ومعنى ﴿ لمغرمون ﴾ لمهلكون من الغرام الهلاك لهلاك الرزق، أو من الغرامة أي لملزمون غرامة ما أنفقنا ﴿ بل نحن ﴾ قوم ﴿ محرومون ﴾ لا حظ لنا ولو كنا مجدودين لما جرى علينا ما جرى ورفضوا العجب من حالهم، ثم أسندوا ذلك إلى ما كتب عليهم في الأزل من الإدبار وسوء القضاء نعوذ الله منهما.

ثم ذكر دليلاً آخر مع كونه نعمة أخرى وهو إنزال الماء من المزن وهو السحاب الأبيض خاصة.

والأجاج الماء الملح اكتفى باللام الأولى في جواب "لو" عن إشاعة الثانية وهي ثابتة في المعنى لأن "لو" شرطية غير واضحة ليس إلا أن الثاني امتنع لامتناع الأول وهذا أمر وهمي فاحتيج في الربط إلى اللام التوكيدي.

ويمكن أن يقال: إن المطعوم مقدم على أمر المشروب والوعيد بفقده أشد وأصعب فلهذا خصت آية المطعوم باللام المفيدة للتأكيد.

وإنما ختم الآية بقوله ﴿ فلولا تشكرون ﴾ لأنه وصف الماء بقوله ﴿ الذي تشربون ﴾ ولم يصف المطعوم بالأكل أو لأنه قال ﴿ أءنتم أنزلتموه من المزن ﴾ وهذا لا عمل للآدمي فيه أصلاً بخلاف الحرث أو لأن الشرب من تمام الأكل فيعود الشكر إلى النعمتين جميعاً ثم عد نعمة أخرى من قبيل ما مر.

ومعنى ﴿ تورون ﴾ تقدحونها وتستخرجونها من الشجر وقد سبق ذكرها في آخر "يس".

وأعلم أنه  بدأ في هذه الدلائل بذكر خلق الإنسان لأن النعمة فيه سابقة على جميع النعم.

ثم أعقبه بذكر ما فيه قوام الناس وقيام معايشهم وهو الحب، ثم أتبعه الماء الذي به يتم العجين، ثم ختم بالنار التي بها يحصل الخبز، وذكر عقيب كل واحد ما يأتي عليه ويفسده فقال في الأولى ﴿ نحن قدرنا بينكم الموت ﴾ وفي الثانية ﴿ لو نشاء لجعلناه حطاماً ﴾ وفي الثالثة ﴿ لو نشاء جعلناه أجاجاً ﴾ ولم يقل في الرابعة ما يفسدها بل قال ﴿ نحن جعلناها تذكرة ﴾ تتعظون بها ولا تنسون نار جهنم كما روي عن رسول الله  "ناركم هذه التي يوقدها بنو آدم جزء من سبعين جزءاً من جهنم " ﴿ ومتاعاً ﴾ وسبب تمتع ومنفعة ﴿ للمقوين ﴾ للذين ينزلون القواء وهي القفر أو للذين خلت بطونهم أو مزاودهم من الطعام في السفر من أقوى الرجل إذا لم يأكل شيئاً من أيام.

وفي نسق هذه الآيات بشارة للمؤمنين وذلك أنه  بدأ بالوعيد الشديد وهو تغيير ذات الإنسان بالكلية في قوله ﴿ وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم ﴾ ثم ترك ذلك المقام إلى أسهل منه وهو تغير قوته ذاتاً فقال ﴿ لو نشاء لجعلناه حطاماً ﴾ ثم عقبه بأسهل وهو تغيير مشروبه نعتاً لا ذاتاً ولهذا حذف اللام في قوله ﴿ لو نشاء جعلناه أجاجاً ﴾ ويحتمل عندي أن يكون سبب حذف اللام هو كون "لو" بمعنى "أن" وذلك أن الماء باقٍ ههنا فيكون التعليق حقيقة بخلاف الزرع فإنه بعد أن حصد صار التعليق المذكور وهمياً فافهم.

ثم ختم بتذكير النار وفيه وعد من وجه ووعيد من وجه.

أما الأول فلأنه لم يبين ما يفسدها كما قلنا يدل على أن الختم وقع على الرأفة والرحمة.

وأما الثاني فلأن عدم ذكر مفسدها يدل على بقائها في الآخرة.

وفي قوله ﴿ تذكرة ﴾ إشارة إلى ما قلنا.

ثم أمر بإحداث التسبيح بذكره أو بذكر اسمه العظيم تنزيهاً له عما يقول الكافرون به وبنعمته وبقدرته على البعث، ثم عظم شأن القرآن بقوله ﴿ فلا أقسم ﴾ أي فأقسم والعرب تزيد لا قبل فعل أقسم كأنه ينفي ما سوى المقسم عليه فيفيد التأكيد.

ومواقع النجوم مساقطعها ومغاربها ولا ريب أن لأواخر الليل خواص شريفة ولهذا قال  ﴿ والمستغفرين بالأسحار  ﴾ وعن سفيان الثوري: إن لله  ريحاً تهب وقت الأسحار وتحمل الأذكار والاستغفار إلى الملك الجبار.

وقوله ﴿ وأنه لقسم لو تعلمون عظيم ﴾ اعتراض فيه اعتراض.

ومواقعها منازلها ومسايرها في أبراجها أو هي أوقات نزول نجوم القرآن الكريم الحسن المرضي من بين جنس الكتب.

أو كرمه نفعه للمكلفين.

أو هو كرامته على الله عز وجل ﴿ في كتاب مكنون ﴾ مستوراً على من أراد الله تعالى اطلاعه على أسراره من ملائكته المقربين وهو اللوح ﴿ لا يمسه ﴾ إن كان الضمير للكتاب فالمعنى أنه لا يصل إلى ما فيه ﴿ إلا ﴾ عبيده ﴿ المطهرون ﴾ من الأدناس الجسمية وهم الكروبيون، وإن كان للقرآن فالمراد أنه لا ينبغي أن يمسه إلا من هو على الطهارة الباطنة والظاهرة، فلا يمسه كافر ولا جنب ولا محدث.

ومن الناس من حرم قراءة القرآن عند الحدث الأصغر أيضاً.

وعن ابن عباس في رواية وهو مذهب الإمامية إباحة قراءته في الجناية إلا في أربع سور فيها سجدة التلاوة لأن سجدتها واجبة عندهم.

ثم وبخ المتهاونين بشأن القرآن فقال ﴿ أفبهذا الحديث ﴾ أي بالقرآن أو بهذا الكلام الدال على حقيقة القرآن ﴿ أنتم مدهنون ﴾ متهاونون من أدهن في الأمر إذا لان جانبه ولا يتصلب فيه ﴿ وتجعلون رزقكم ﴾ أي شكر رزقكم ﴿ أنكم تكذبون ﴾ بالبعث وبما دل عليه القرآن، ومن أظلم ممن وضع التكذيب موضع الشكر كأنه عاد إلى ما انجر منه الكلام وهو ذكر تعداد النعم من قوله ﴿ أفرأيتم ما تحرثون ﴾ إلى قوله ﴿ للمقوين ﴾ وقيل: نزلت في الأنواء ونسبتهم الأمطار إليها يعني وتجعلون شكر ما يرزقكم الله من الغيث أنكم تكذبون بكونه من الله عز وجل وتنسبونه إلى النجوم.

ثم زاد في توبيخ الإنسان على جحد أفعال الله وآياته.

وترتيب الآية بالنظر إلى أصل المعنى هو أن يقال: فلولا ترجعون الأرواح إلى الأبدان إذا بلغت الحلقوم إن كنتم غير مدينين فزاد في الكلام توكيدات منها تكرير ﴿ فلولا ﴾ التحضيضية لطول الفصل كما كرر قوله ﴿ فلا تحسبنهم ﴾ بعد قوله ﴿ لا تحسبن الذين يفرحون  ﴾ ومنها تقديم الظرف وهو قوله ﴿ إذا بلغت الحلقوم ﴾ أي النفس.

وإنما أضمرت للعلم بها كقوله ﴿ ما ترك على ظهرها  ﴾ وإنما قدم الظرف للعناية فإنه لا وقت لكون الإنسان أحوج إلى التصرف والتدبير منه، ولأنه أراد أن يرتب الاعتراضات عليه.

ومنها زيادة الجمل المعترضة وهي قوله ﴿ وأنتم ﴾ يا أهل الميت ﴿ حينئذ تنظرون ﴾ إليه ﴿ ونحن أقرب إليه منكم ﴾ بالقدرة والعلم أو بملائكة الموت ﴿ ولكن لا تبصرون ﴾ لا بالبصر ولا بالبصيرة.

ومعنى مدينين مربوبين مملوكين مقهورين من دان السلطان الرعية إذا ساسهم.

ومنها قوله ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ فإنه شرط زائد على شرط أي إن كنتم صادقين إن كنتم غير مدينين فارجعوا أرواحكم إلى أبدانكم متمنعين عن الموت، والحلقوم الحلق وهو مجرى النفس، والواو والميم زائدان، ووزنه "فعلوم" ويمكن أن يقال: إن فعل ﴿ فلولا ﴾ الأول محذوف يدل عليه ما قبله والمعنى تكذبون مدة حياتكم جاعلين التكذيب رزقكم ومعاشكم.

فلولا تكذبون وقت الموت وأنتم في ذلك الوقت تعلمون الأحوال وتشاهدونها؟

ويحتمل أن يكون معنى مدينين مقيمين من مدن إذا أقام، والمعنى إن كنتم على ما تزعمون من أنكم لا تبقون في العذاب إلا أياماً معدودة فلم لا ترجعون أنفسكم إلى الدنيا إن لم تكن الآخرة دار الإقامة.

ويجوز أن يكون من الدين بمعنى الجزاء والمعنى يؤول إلى الأول لأن الجزاء نوع من القهر والتسخير.

ويحتمل عندي أن يكون الضمير في ﴿ ترجعونها ﴾ عائداً إلى ملائكة الموت بدليل قوله ﴿ ونحن أقرب ﴾ والمعنى فلولا تردون عن ميتكم ملائكة الموت إن كنتم غير مقهورين تحت قدرتنا وإرادتنا.

وحين بين أن لا قدرة لهم على رجع الحياة والنفس إلى البدن وأنهم مجزيون في دار الإقامة فصل حال المكلف بعد الموت قائلاً ﴿ فأما إن كان ﴾ المتوفى ﴿ من المقربين ﴾ أي من السابقين من الأزواج الثلاثة ﴿ فروح ﴾ أي فله استراحة وهذا أمر يعم الروح والبدن ﴿ وريحان ﴾ أي رزق وهذا للبدن ﴿ وجنة نعيم ﴾ وهذا للروح يتنعم بلقاء المليك المقتدر.

ويروى أن المؤمن لا يخرج من الدنيا إلا ويؤتى إليه بريحان من الجنة يشمه ﴿ وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك ﴾ أيها النبي ﴿ من أصحاب اليمين ﴾ أي أنت سالم من شفاعتهم.

هذا قول كثير من المفسرين.

وقال جار الله: فسلام لك يا صاحب اليمين من إخوانك أصحاب اليمين كقوله ﴿ وتحيتهم فيها سلام  ﴾ ﴿ إن هذا ﴾ القرآن أو الذي أنزل في هذه السورة ﴿ لهو حق اليقين ﴾ أي الحق الثابت من اليقين وهو علم يحصل به ثلج الصدر ويسمى ببرد اليقين.

وقد يسمى العلم الحاصل بالبرهان فالإضافة بمعنى "من" كقولك "خاتم فضة" وهذا في الحقيقة لا يفيد سوى التأكيد كقولك "حق الحق".

"وصواب الصواب" أي غايته ونهايته التي لا وصول فوقه.

أو المراد هذا هو اليقين حقاً لا اليقين الذي يظن أنه يقين ولا يكون كذلك في نفس الأمر.

هذا ما قاله أكثر المفسرين.

وقيل: الإضافة كما في قولنا "جانب الغربي" و "مسجد الجامع" أي حق الأمر اليقين.

ويحتمل أن تكون الإضافة كما في قولنا "حق النبي أن يصلي عليه" و "حق المال أن تؤدى زكاته" ومنه قوله  " "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها " أي إلا بحق هذه الكلمة.

ومن حقها أداء الزكاة والصلاة فكذلك حق اليقين الاعتراف بما قال الله  في شأن الأزواج الثلاثة.

وعلى هذا يحتمل أن يكون اليقين بمعنى الموت كقوله ﴿ واعبد ربك حتى يأتيك اليقين  ﴾ وقال أهل اليقين: للعلم ثلاث مراتب: أولها علم اليقين وهو مرتبة البرهان، وثانيها عين اليقين وهو أن يرى المعلوم عياناً فليس الخبر كالمعاينة، وثالثها حق اليقين وهو أن يصير العالم والمعلوم والعلم واحداً.

ولعله لا يعرف حق هذه المرتبة إلا من وصل إليها كما أن طعم العسل لا يعرفه إلأ من ذاقه بشرط أن لا يكون مزاجه ومذاقه فاسدين.

روى جمع من المفسرين أن عثمان بن عفان دخل على ابن مسعود في مرضه الذي مات فيه فقال له: ما تشتكي؟

قال: ذنوبي.

قال: ما تشتهي؟

قال:رحمة ربي.

قال: أفلا ندعو الطبيب؟

قال: الطبيب أمرضني.

قال: افلا نأمر بعطائك؟

قال: لا حاجة لي فيه.

قال: تدفعه إلى بناتك.

قال: لا حاجة لهن فيه قد أمرتهن أن يقرأن سورة الواقعة فإني سمعت رسول الله  يقول "من قرأ سورة الواقعة كل يوم لم تصبه فاقة أبداً"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ﴾ عن ابن مسعود وإبراهيم أنهما قرآ: (بموقع النجوم)، على الوحدان.

وعن الحسن: أنه قرأها بمواقع على الجمع، وربه أخذ أبو عبيد، وقال إن بعض أهل التأويل يتأولونها على منازل القرآن، وبعضهم على مغايب الكواكب ومساقطها، وأي: الوجهين كان، فالجمع فيه أولى من الوجدان.

ثم اختلف في قوله: ﴿ فَلاَ أُقْسِمُ ﴾ : منهم من قال: إن حرف (لا) هاهنا صلة؛ كأنه قال: أقسم بمواقع النجوم، وذلك جائز في اللغة، كقوله: ﴿ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ  ﴾ ونحوه، يكون لى الصلة والزيادة على التوكيد.

ومنهم من قال: على إثبات حرف (لا)، لكنه جعل ذكره لرد قول كان من أولئك الكفرة، ولدفع منازعة كانت منهم، لكن لم يكذر ذلك؛ لما كنت معروفة بينهم، فرد ذلك بقوله: ﴿ فَلاَ ﴾ ثم ابتدأ القسم بقوله: ﴿ أُقْسِمُ ﴾ ، كأنه قال: أقسم قسما بمواقع النجوم.

ثم اختلف في تأويل قوله: ﴿ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ ﴾ على الوجهين اللذين ذكرناهما.

وقال بعضههم: ﴿ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ ﴾ أي: بمواقع نزول القرآن نجوماً؛ دليله: ما ذكر على أثره: ﴿ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ ﴾ .

والثاني: ﴿ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ ﴾ النجوم المعروفة؛ على ما قال بعضهم.

ثم ن كان المراد منه: الكواكب، فالقسم بها يكون على وجوه.

أحدها: لعظم موقع النجوم ومحلها في القلوب، وجليل قدرها عند الناس حتى يجعلها بعض الملحدة مدبرة العالم.

أو لكثرة منافع الخلق بها من معرفة الطرق بها والسبل، ومعرفة كثرة الأنواء والمياه، ومعرفة الأوقات والأزمنة، وغيرها مما يكثر ذكرها.

أو ﴿ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ ﴾ أي: مساقطها، وفي ذلك إخبار وإنباء عن شدة طاعة النجوم وتسخيره إياها للخلق؛ حيث تملك قطع مسيرة خمسمائة يوم في ليلة واحدة ما لا يتوهم قطع ذلك من سواها من ذوي الأرواح والأجنحة التي هي أسرع لقطع المسافات والوصول إلى مقاصدها، والله أعلم.

ثم قال أهل التأويل بأجمعهم بأن القسم بها من الله  .

وجائز أن يكون القسم من الرسول  ، لكن أضافه إلى نفسه؛ تعليما منه لرسول الله  أن يقسم برب هذه الأشياء؛ وكذلك تعليما لغيره من الرسل القسم برب هذه الأشياء؛ إذ لا تنازع بينهم وبين الله  ؛ ليقسم وإنما وضع القسم لتأكيد الخبر عند الإنكار والتنازع، ولكن التنازع فيما بينهم وبين الرسل، وكذلك ما ذك: ﴿ فَلآ أُقْسِمُ بِرَبِّ ٱلْمَشَٰرِقِ  ﴾ ، ليس من الله  ، ولكن من الرسول؛ إلا يحتمل أن يكن الرب - عز وجل - هو المقسم، ويقول: ﴿ بِرَبِّ ٱلْمَشَٰرِقِ  ﴾ ؛ فظاهره أن يكون الرسول هو المقسم بها، فعلى ذلك الأول، والله أعلم.

ومن الناس من قال: إن الأقسام التي جرى ذكرها في القرآن بالأشياء التي ذكرها لو لم يكن القسم بها، لكانت تلك الأشياء تؤكد وتوجب القسم، وتؤكد أو لو وقع بها القسم؛ لأن الأقسام فيه إنما جرى أكثرها في إيجاب البعث والتوحيد، وإثبات الرسالة، ونحوها، وما جرى ذكرها لو لم يكن القسم بها، لكانت توجب ما يوجب القسم؛ لأن في هذه الأشياء دلالات على البعث والتوحيد والرسالة، والله الموفق.

وقوله: ﴿ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ﴾ على قول من يجعل القسم بالقرآن، فهو ظاهر: أن يقول: ﴿ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ﴾ ، أي: الذي أقسم به وأنزله نجوماً هو كريم.

وعلى التأويل الذي يجعل القسم بالنجوم المعروفة، يجعل قوله: ﴿ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ﴾ ابتداء ذكر منه له.

ثم تسميته القرآن: كريما، يخرج على وجوه: أحدها: وصفه بالكرم؛ لما هو محل لقضاء الحوائج الدنيوية والأخروية، وفي العرف: الكريم: من نصب نفسه وأعدها لقضاء حوائج الخلق والقيام لإنجازها.

أو وصفه بالكرم؛ لأن من اتبعه، كرم وشرف.

أو كريم عند الله عظيم: لذلك وصفه بالكرم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ ﴾ قال أهل التأويل: في اللوح المحفوظ؛ سماه مكنون: لأنه مستور على خلقه عند الله.

وقال - عز وجل -: ﴿ لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ ﴾ يقول: لا يمس ذلك إلا المطهرون.

وقال بعضهم: هم الملائكة الذين يجري ذلك على أيديهمه؛ كقوله  : ﴿ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ  كِرَامٍ بَرَرَةٍ  ﴾ طهروا من الذنوب والآثام، وكأنه ذكر هذا ليأمنوا عن تحريف هذا الكتاب وتبديله، وهو ما قال على أثره: ﴿ تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ ، أي: أنه مكنون عمن يحرفه ويبدله، وأنه لا يمسه إلا المطهرون من الذنوب، والتحريف: إثم وذنب من رب العالمين، وهو كما ذكر في آية أخرى: ﴿ نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ  عَلَىٰ قَلْبِكَ  ﴾ ، وقال: ﴿ عَلَّمَهُ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ  ﴾ ، أخبر أن الذي نزل به من السماء أمين، لا يكون منه التحريف ولا التبديل، وأنه قوي، لا يقدر أحد من جني وإنسي أخذه من يده، ولا تحريفه، ثم تمام الأمن بقوله: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ  ﴾ ، وكل حفظة إلى نفسه؛ لا إلى من خلقه؛ فصار محفوظا عن التبديل والتحريف، والله أعلم.

وقوله: ﴿ أَفَبِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَنتُمْ مُّدْهِنُونَ ﴾ قال بعضهم: أفبهذا القرآن أنت كافرون؟

﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ﴾ الله  جعل هذا القرآن حياة الدين وقوامه، والرزق حياة الأبدان وما به قوامها، فكذبوا الأمرين جميعا، ما به حياة الدين والأبدان جميعا.

ثم يخرج ما ذكر من تكذيب الرزق على وجوه: أحدها: ما ذكر بعض الناس أهل التأويل: أنهم كانوا يقولون: رزقنا بنوء كذا؛ كانوا ينسبون الرزق لذلك النوء؛ فهذايخرج على قول المنجمة: إن النجوم هي مدبرة العالم ورازقتهمه؛ لا يجعلون لله  في ذلك تدبيرا.

فأما من نسب الرزق إلى الله  ، ويقول: رزقنا الله بنوء كذا، فليس في ذلك تكذيبه؛ إنما يخرج ذكر النوء ذكر سبب من الأسباب التي يرزق الله  بها، وكذلك من رأى الرزق من الأسباب خاصة، وأما من يقول: رزقنا  بسبب كذا، فذلك جائز القول به.

وقال بعضهم: ﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ﴾ أي: تجعلون شكر الرزق التكذيب؛ وبه قال أبو عبيدة.

وجائز أن يكون تكذيبهم الرزق: صرف تسمية الألوهية إلى غير الذي رزقهم، والعبادة لغير المستحق لها، والله أعلم.

وقال الحسن: ﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ﴾ بئسما أخذ القوم لأنفسهم؛ حتى لم يرزقوا من كتاب الله  إلا التكذيب؛ يقول: صار حظكم من القرآن التكذيب، ويجعل هذه الآية مع الآية الأولى: ﴿ أَفَبِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَنتُمْ مُّدْهِنُونَ ﴾ .

وقال أبو بكر الأصم في هذه الآية: ﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ ﴾ ، وهو هذا القرآن الذي خصكم به دون آبائكم، ورزقتم به ما لم يرزق آباؤكم منه، ثم جعلتم تكذبون بذلك الرزق الذي خصصتم به ورزقتم، أو كلام من نحوه، وهو كقوله  : ﴿ وَعُلِّمْتُمْ مَّا لَمْ تَعْلَمُوۤاْ أَنتُمْ وَلاَ ءَابَآؤُكُمْ  ﴾ .

وقال في قوله  : ﴿ أَفَبِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَنتُمْ مُّدْهِنُونَ ﴾ : هو الذي يرى الموافقة، ويحتال في دفع حجة ما يلزمه ويرد عليه، أو كلام يشبه معناه هذا، والله أعلم.

وقال أبو معاذ: مُدَّهِن وَمُدْهِن لغتان، ثم أصل المداهنة؛ لطمع له فيه مخادعة حتى يصل إلى ما يطمع، والمداراة الشفقة، يداريه إشفاقاً عليه ليتحقق له عليه الحق؛ ليسلم له دينه، وإلا هما الظاهر واحد، وهما الملاينة وخفض الجناح، لكن الفرق بينهما ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ ٱلْحُلْقُومَ * وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ ﴾ ، ليس هذا الكلام صلة ما تقدم من الكلام.

ثم يشبه أن يكون صلة ما قال أولئك للمؤمنين: ﴿ لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ  ﴾ ، يقول - والله أعلم -: لو كانوا عندكم لم يموتوا ولم يقتلوا على ما زعمتم، فهلا إذا كانوا عندكم؛ وقد بلغت الأرواح الحلقوم أن ترجعوها، وتردوها إلى الأجساد التي كانت لو كنتم صادقين في قولكم: ﴿ لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ...

﴾ الآية [آل عمران: 156]، على هذا جائز أن يخرج تأويل الآية، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: ﴿ تَنظُرُونَ ﴾ أي: تنتظرون خروج الروح أنها متى تخرج؟

لا تملكون ردها إلى حيث كانت، ولكن تنتظرون خروجها متى تخرج؟

والثاني: ﴿ وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ ﴾ على حقيقة النظر؛ أي: تنظرون إلى سلطاني وقدرتي.

وقيل: هو من الانتظار؛ أي: تنتظرون أن يحل بكم الموت، [و]هو ما ذكرنا.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ ﴾ ؛ لأنهم كانوا يعبدون الأصنام رجاء أن تشفع لهم في ضيق الحال، وإنما يضيق الحال عليهم الأمر عند حلول الموت؛ إذ لا بعث عندهم، فيقول: فلولا إذا بلغت الأرواح الحلقوم فتنفع لهم الأصنام التي يعبدونها، وترد الأرواح إلى المكان الذي كانت، فإذا لم تملك ذلك فكيف عبدتموها؟

والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَـٰكِن لاَّ تُبْصِرُونَ ﴾ ، قال بعض اهل التأويل: ﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ ﴾ أي: ملائكتي ورسلي في ذلك الوقت أقرب إليه منكم ﴿ وَلَـٰكِن لاَّ تُبْصِرُونَ ﴾ الملائكة، لكن أضاف إلى نفسه؛ لما أن الملائكة بأمره وتسليطه يعملون.

وقيل: نحن أقرب إ ليه منكم، أي: أولى به في ذلك الوقت؛ لما يعلم هو خطأه، ويتبين له الحق في ذلك الوقت من الباطل: ﴿ وَلَـٰكِن لاَّ تُبْصِرُونَ ﴾ أنتم، أي: لا تعلمون ذلك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَآ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ ، قال بعضهم: ﴿ غَيْرَ مَدِينِينَ ﴾ أي: لو كنتم غير مملوكين لله  على ما زعمتم، ترجعون الأرواح، وتردونها إلى الأجساد التي كانت فيها؛ إن كنتم صادقين: أنكم غير مملوكين، فإذا كنتم عندكم غير مملوكين، تكونون مالكين؛ إذ ليس إلا المملوك والمالك، فإذا لم تكونوا مملوكين تكونون مالكين فتملكون ردها إلى ما فيها، فإذا لم تملكوا كتنم مملوكين، والله أعلم.

وقال بعضهم: ﴿ غَيْرَ مَدِينِينَ ﴾ أي: غير محاسبين ولا مجزيين، فردوا النشأة الأولى، واجعلوها بأنفسكم حتى تكون النشأة الأولى الحكمة؛ إذ لم تملكوا رد هذه الأرواح إلى الأنفس، أو اجعلوا النشأة الأولى حكمة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ...

﴾ إلى آخره، اختلف في وقت ما ذكر [و]لمن ذكر ذلك؟

قال بعضهم: إن ذلك يقال لهم عند الموت؛ بشارة لهم بما يكومن لهم في الجنة.

ومنهم من يقول: إنما يقال ذلك إذا دخل هؤلاء الجنة، وأولئك النار؛ أعني: الكافرين، وهو ما ذكر، ﴿ وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُكَذِّبِينَ ٱلضَّآلِّينَ * فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ * إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ حَقُّ ٱلْيَقِينِ ﴾ .

وجائز أن يكون يقال ذلك لهم عند رسول الله  في الجنة، وصفاً لرسول الله  عنده في الجنة، ومكانهم لديه، على ما كانوا عنده في الدنيا السابقين كانوا في الدنيا المقربين عنده، ومكانهم لديه أقرب من مكان غيرهم من المؤمنين؛ فعلى ذلك يخبر أن السابقين في الإجابة يكونون في الآخرة عنده أقرب، ويكون قوله: ﴿ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ ﴾ أي: يستأنس هو بهم ويستأنسون به، لا يفارقونه ولا يفارقهم، على ما كانوا في الدنيا، وسائ المؤمنين يسلمون عليه في أوقات، وهو ما ذكر: و ﴿ فَسَلاَمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ ﴾ على ما كانوا يفعلون في الدنيا، وهو أقرب من الوجهين اللذين ذكرناهما.

ويحتمل ما ذكروا من البشارة عند الموت - أعني للمؤمنين والكافرين - في حق المؤمنين: ﴿ فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ ﴾ ، ﴿ وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ...

﴾ كذا، وفي حق الكفرة: ﴿ وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُكَذِّبِينَ ٱلضَّآلِّينَ * فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ...

﴾ الآية.

ويحتمل [ما] ذكر بعضهم: أن ذلك يقال لهم بعدما دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، والله أعلم.

قوله - عز وجل -: ﴿ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ ﴾ اختلف في تأويله وتلاوته: أما تلاوته: روي عن عائشة -  ا - قالت: كان رسول الله  يقرأ هذا الحرف ﴿ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ ﴾ تعني: بضم الراء.

وعن الحسن: أنه قرأها بالضم أيضا.

وعن الضحاك: بفتح الراء، [و]عليه جميع القراء.

وقال أبو عبيد: لولا كراهة خلاف الأمة، وإلا ما قرأتها إلا الضم، ولكن لا أجد أحداً عليها، فأستوحش من مفارقة الناس، ولا يجمع الله  أمة محمد  على الضلالة.

وأما تأويله: فعلى قراءة الرفع، عن الحسن قال: الروح: الرحمة، والريحان: ريحاننا.

وعن أبي عبيد قال:ِ بالرفع: هو الحياة والبقاء.

وعن الضحاك: بالفتح: الروح: الاستراحة، والريحان: الرزق.

وقال بعضهم: الروح: كناية عن دوام النعمة والسعة، يقال: فلان في روح؛ إذا كان في سعة ونعمة، والريحان: كناية عن الشرف والمنزلة، يقل: فلان ريحاني؛ وذلك لشرفه ومنزلته عنده.

ومنهم من قال: الروح: الراحة، والريحان: الرزق في الجنة.

وقال بعضهم: الورح - بالرفع -: من الرحمة، وبالنصب: الراحة.

ونحن نقول: جائز أن يكونا جميعا بالنصب والرفع من الرحمة؛ لقوله: ﴿ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْكَافِرُونَ  ﴾ ، أي: من رحمته، وقال في موضع آخر: ﴿ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ  ﴾ أي: برحمة منه، يخبر الله  أن المقربين يكونون في الجنة في رحمة الله ونعمته، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ * فَسَلاَمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ ﴾ يحتمل ما وصفنا أن أصحاب اليمين يسلمون على النبي  ، ويحيي بضعهم بعضا بالسلام.

ويحتمل ﴿ فَسَلاَمٌ لَّكَ ﴾ أي: السلامة لك منهم من جميع الآفات والأذى.

وذكر في حرف ابن مسعود -  - (فسلام إنك من أصحاب اليمين)، فهذا إن ثبت فهو يخرج على البشارة له عند الموت، والله أعلم.

وقيلأ: يسلم عليهم الملائكة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ حَقُّ ٱلْيَقِينِ ﴾ يقول: هذا الذي ذكرنا للمقربين، ولأصحاب اليمين، وللمكذبين هو حق اليقين؛ أي كائن لا محالة، لا شك فيه؛ مثل هذا يقال على التأكيد وتحقيق ما سبق ذكره ووصفه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ ﴾ يقول - والله أعلم - فسبح ربك باسم لا سيمى به غيره؛ أي: نزهه عن جميع ما قالت الملاحدة فيه من الولد والشريك، وتسمية من دونه: إلها وغير ذلك، والله الموفق للسداد وإليه المرجع والمآب.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

أفبهذا الحديث أنتم - أيها المشركون - مكذبون غير مصدقين؟!

<div class="verse-tafsir" id="91.1vLG3"

مزيد من التفاسير لسورة الواقعة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد