تفسير الألوسي سورة الواقعة

الإسلام > القرآن > تفسير > الالوسي > تفسير سورة الواقعة

تفسيرُ سورةِ الواقعة كاملةً من تفسير الألوسي (روح المعاني) (شهاب الدين الألوسي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 175 دقيقة قراءة

تفسير سورة الواقعة كاملةً (شهاب الدين الألوسي)

إِذَا وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ ١

سُورَةُ الواقِعَةِ «مَكَّيَّةٌ» كَما أخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، واسْتَثْنى بَعْضُهم قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ ﴾ ﴿ وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ  ﴾ كَما حَكاهُ في الإتْقانِ وكَذا اسْتُثْنِيَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ ﴾ إلى ﴿ تُكَذِّبُونَ  ﴾ لِما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ في سَبَبِ نُزُولِهِ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وفي مَجْمَعِ البَيانِ حِكايَةُ اسْتِثْناءِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ  ﴾ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ وعَدَدُ آياتِها تِسْعُ وتِسْعُونَ في الحِجازِيِّ والشّامِيِّ، وسَبْعٌ وتِسْعُونَ في البَصَرِيِّ، وسِتٌّ وتِسْعُونَ في الكُوفِيِّ، وتَفْصِيلُ ذَلِكَ فِيما أُعِدَّ لِمِثْلِهِ، وهي وسُورَةُ الرَّحْمَنِ مُتَواخِيَةٌ في أنَّ في كُلٍّ مِنهُما وصْفَ القِيامَةِ والجَنَّةِ والنّارِ، وقالَ في البَحْرِ: مُناسَبَتُها لِما قَبْلَها أنَّهُ تَضَمَّنَ العَذابَ لِلْمُجْرِمِينَ والنَّعِيمَ لِلْمُؤْمِنِينَ، وفاضَلَ سُبْحانَهُ بَيْنَ جَنَّتَيْ بَعْضَ المُؤْمِنِينَ وجَنَّتَيْ بَعْضَ آخَرَ مِنهم فانْقَسَمَ المُكَلَّفُونَ بِذَلِكَ إلى كافِرٍ ومُؤْمِنٍ فاضِلٍ ومُؤْمِنٍ مَفْضُولٍ وعَلى هَذا جاءَ ابْتِداءُ هَذِهِ السُّورَةِ مِن كَوْنِهِمْ أصْحابَ مَيْمَنَةٍ وأصْحابَ مَشْأمَةٍ وسابِقِينَ، وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةُ انْظُرْ إلى اتِّصالِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ  ﴾ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَإذا انْشَقَّتِ السَّماءُ  ﴾ وأنَّهُ اقْتَصَرَ في الرَّحْمَنِ عَلى ذِكْرِ انْشِقاقِ السَّماءِ، وفي الواقِعَةِ عَلى ذِكْرِ رَجِّ الأرْضِ فَكَأنَّ السُّورَتَيْنِ لِتَلازُمِهِما واتِّحادِهِما سُورَةٌ واحِدَةٌ فَذَكْرَ في كُلِّ شَيْءٍ، وقَدْ عَكَسَ التَّرْتِيبَ فَذَكَرَ في أوَّلِ هَذِهِ ما في آخِرِ تِلْكَ وفي آخِرِ هَذِهِ ما في أوَّلِ تِلْكَ فافْتَتَحَ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ بِذِكْرِ القُرْآنِ، ثُمَّ ذَكَرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ، ثُمَّ ذَكَرَ النَّباتَ، ثُمَّ خَلْقَ الإنْسانِ والجانِّ، ثُمَّ صِفَةَ يَوْمِ القِيامَةِ، ثُمَّ صِفَةَ النّارِ، ثُمَّ صِفَةَ الجَنَّةِ، وهَذِهِ ابْتِداؤُها بِذِكْرِ القِيامَةِ، ثُمَّ صِفَةَ الجَنَّةِ، ثُمَّ صِفَةَ النّارِ ثُمَّ خَلْقَ الإنْسانِ، ثُمَّ النَّباتِ، ثُمَّ الماءِ، ثُمَّ النّارِ، ثُمَّ ذَكَرَتِ النُّجُومَ ولَمْ تَذْكُرْ في الرَّحْمَنِ كَما لَمْ يُذْكُرْ هُنا الشَّمْسُ والقَمَرُ، ثُمَّ ذَكَرَ المِيزانَ فَكانَتْ هَذِهِ كالمُقابِلَةِ لِتِلْكَ وكالمُتَضَمِّنَةِ لِرَدِّ العَجْزِ عَلى الصَّدْرِ، وجاءَ في فَضْلِها آثارٌ.

أخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في فَضائِلِهِ وابْنُ الضَّرِيسِ والحارِثُ بْنُ أبِي أُسامَةَ وأبُو يُعْلى وابْنُ مَرْدُوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ««سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: مَن قَرَأ سُورَةَ الواقِعَةِ كُلَّ لَيْلَةٍ لَمْ تُصِبْهُ فاقَةٌ أبَدًا»».

وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ مَرْفُوعًا، وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أنَسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««سُورَةُ الواقِعَةِ سُورَةُ الغِنى فاقْرَؤُوها وعَلِّمُوها أوْلادَكُمْ»».

وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْهُ مَرْفُوعًا ««عَلِّمُوا نِساءَكم سُورَةَ الواقِعَةِ فَإنَّها سُورَةُ الغِنى»» .

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ ﴾ أيْ إذا حَدَثَتِ القِيامَةُ عَلى أنْ ( وقَعَتِ ) بِمَعْنى حَدَثَتْ ( والواقِعَةُ ) عَلَمٌ بِالغَلَبَةِ أوْ مَنقُولٌ لِلْقِيامَةِ، وصَرَّحَ ابْنُ عَبّاسٍ بِأنَّها مِن أسْمائِها وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِلْإيذانِ بِتَحْقِيقِ وُقُوعِها لا مَحالَةَ كَأنَّها واقِعَةٌ في نَفْسِها مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الوُقُوعِ الواقِعِ في حَيِّزِ الشَّرْطِ فَلَيْسَ الإسْنادُ كَما في - جاءَنِي جاءَ - فَإنَّهُ لَغْوٌ لِدَلالَةِ كُلِّ فِعْلٍ عَلى فاعِلٍ لَهُ غَيْرِ مُعَيَّنٍ، وقالَ الضَّحّاكُ: ( الواقِعَةُ ) الصَّيْحَةُ وهي النَّفْخَةُ في الصُّوَرِ، وقِيلَ: ( الواقِعَةُ ) صَخْرَةُ بَيْتِ المَقْدِسِ تَقَعُ يَوْمَ القِيامَةِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، ( وإذا ) ظَرْفٌ مُتَضَمِّنٌ مَعْنى الشَّرْطِ عَلى ما هو الظّاهِرُ، والعامِلُ فِيها عِنْدَ أبِي حَيّانَ الفِعْلُ بَعْدَها فَهي عِنْدُهُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ - بِوَقَعَتْ - كَسائِرِ أسْماءِ الشَّرْطِ ولَيْسَتْ مُضافَةً إلى الجُمْلَةِ، والجُمْهُورُ عَلى إضافَتِها فَقِيلَ: هي هُنا قَدْ سُلِبَتِ الظَّرْفِيَّةَ ووَقَعَتْ مَفْعُولًا بِهِ لا ذِكْرَ مَحْذُوفًا، وقِيلَ: لَمْ تُسْلَبْ ذَلِكَ وهي مَنصُوبَةٌ بِلَيَسَ، وصَنِيعُ الزَّمَخْشَرِيِّ يُشْعِرُ بِاخْتِيارِهِ.

وقِيلَ: بِمَحْذُوفٍ وهو الجَوابُ أيْ ﴿ إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ ﴾ كانَ كَيْتٌ وكَيْتٌ، قالَ في الكَشْفِ: هَذا الوَجْهُ العَرَبِيُّ الجَزْلُ فالنَّصْبُ بِإضْمارٍ اذْكُرْ إنَّما كَثُرَ في إذْ، وبِلَيَسَ إنَّما يَصِحُّ إذا جُعِلَتْ لِمُجَرَّدِ الظَّرْفِيَّةِ وإلّا لَوَجَبَ الفاءُ في لَيْسَ، وأبُو حَيّانَ تَعَقَّبَ النَّصْبَ بِلَيَسَ بِأنَّهُ لا يَذْهَبُ إلَيْهِ نَحْوِيٌّ لِأنَّ لَيْسَ في النَّفْيِ كَـ(ما) وهي لا تَعْمَلُ.

فَكَذا لَيْسَ فَإنَّها مَسْلُوبَةُ الدَّلالَةِ عَلى الحَدَثِ والزَّمانِ، والقَوْلُ: بِأنَّها فِعْلٌ عَلى سَبِيلِ المَجازِ، والعامِلُ في الظَّرْفِ إنَّما هو ما يَقَعُ فِيهِ مِنَ الحَدَثِ فَحَيْثُ لا حَدَثَ فِيها لا عَمَلَ لَها فِيهِ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ ما ذَكَرَ صاحِبَ الكَشْفِ مِن وُجُوبِ الفاءِ في لَيْسَ إذا لَمْ تُجَرَّدْ عَنِ الشَّرْطِيَّةِ واعْتَرَضَ دَعْواهُ أنَّ (ما) لا تَعْمَلُ بِأنَّهم صَرَّحُوا بِجَوازِ تَعَلُّقِ الظَّرْفِ بِها لِتَأْوِيلِها بِانْتَفى وأنَّهُ يَكْفِي لَهُ رائِحَةُ الفِعْلِ، ويُقاسُ عَلَيْها في ذَلِكَ لَيْسَ، وكَذا دَعْوى وُجُوبِ الفاءِ في لَيْسَ إذا لَمْ تُجَرَّدْ (إذا) عَنِ الشُّرْطِيَّةِ بِأنَّ لُزُومَ الفاءِ مَعَ الأفْعالِ الجامِدَةِ إنَّما هو في جَوابِ إنَّ الشَّرْطِيَّةَ لِعَمَلِها كَما صَرَّحُوا بِهِ.

وأمّا ( إذا ) فَدُخُولُ الفاءِ في جَوابِها عَلى خِلافِ الأصْلِ.

وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى فِيها قَوْلانِ آخَرانِ، وبَعْدَ القِيلِ والقالِ الأُولى كَوْنُ العامِلُ مَحْذُوفًا وهو الجَوابُ كَما سَمِعْتَ وفي إبْهامِهِ تَهْوِيلٌ وتَفْخِيمٌ لِأمْرِ الواقِعَةِ.

<div class="verse-tafsir"

لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ ٢

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ ﴾ إمّا اعْتِراضٌ يُؤَكَّدُ تَحْقِيقَ الوُقُوعِ أوْ حالٌ مِنَ الواقِعَةِ كَما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، ( وكاذِبَةٌ ) اسْمُ فاعِلٍ وقَعَ صِفَةً لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ أيْ نَفْسٍ، وقِيلَ: مُقالَةٌ والأوَّلُ أوْلى لِأنَّ وصْفَ الشَّخْصِ بِالكَذِبِ أكْثَرُ مِن وصْفِ الخَبَرِ بِهِ.

( والواقِعَةُ ) السَّقْطَةُ القَوِيَّةُ وشاعَتْ في وُقُوعِ الأمْرِ العَظِيمِ وقَدْ تُخَصُّ بِالحَرْبِ ولِذا عَبَّرَ بِها هُنا واللّامُ لِلتَّوْقِيتِ مِثْلُها في قَوْلِكَ: كَتَبْتُهُ لِخَمْسٍ خَلَوْنَ أيْ لا يَكُونُ حِينَ وُقُوعِها نَفْسٌ كاذِبَةٌ عَلى مَعْنى تَكْذِبُ عَلى اللَّهِ تَعالى وتَكْذِبُ في تَكْذِيبِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى في خَبَرِهِ بِها، وإيضاحِهِ أنَّ مُنْكِرَ السّاعَةِ الآنَ مُكَذِّبٌ لَهُ تَعالى في أنَّها تَقَعُ وهو كاذِبٌ في تَكْذِيبِهِ سُبْحانَهُ لِأنَّهُ خَبَرٌ عَلى خِلافِ الواقِعِ وحِينَ تَقَعُ لا يَبْقى كاذِبًا مُكَذِّبًا، بَلْ صادِقًا مُصَدِّقًا، وقِيلَ: عَلى مَعْنى لَيْسَ في وقْتِ وُقُوعِها نَفْسٌ كاذِبَةٌ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ، ولا يَخْفى أنَّ صِحَّتَهُ مَبْنِيَّةٌ عَلى القَوْلِ بِأنَّهُ لا يَصْدُرُ مِن أحَدٍ كَذِبٌ يَوْمَ القِيامَةِ وأنَّ قَوْلَهم: ﴿ واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ  ﴾ مُجابٌ عَنْهُ بِما هو مَذْكُورٌ في مَحَلِّهِ أوِ اللّامِ عَلى حَقِيقَتِها، و(كاذِبَةٌ ) صِفَةٌ لِذَلِكَ المَحْذُوفِ أيْضًا أيْ ﴿ لَيْسَ لِوَقْعَتِها ﴾ نَفْسٌ كاذِبَةٌ بِمَعْنى لا يُنْكِرُ وُقُوعَها أحَدٌ ولا يَقُولُ لِلسّاعَةِ لَمْ تَكُونِي لِأنَّ الكَوْنَ قَدْ تَحَقَّقَ كَما يَقُولُ لَها في الدُّنْيا بِلِسانِ القَوْلِ أوِ الفِعْلِ لِأنَّ مَنِ اغْتَرَّ بِزَخارِفِ الدُّنْيا فَقَدْ كَذَّبَ السّاعَةَ في وقْعَتِها بِلِسانِ الحالِ لَنْ تَكُونِي، وهَذا كَما تَقُولُ لِمُخاطِبِكَ لَيْسَ لَنا مَلِكٌ ولِمَعْرُوفِكَ كاذِبٌ أيْ لا يُكَذِّبُكَ أحَدٌ فَيَقُولُ: إنَّهُ غَيْرُ واقِعٍ، وفِيهِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ لِأنَّ السّاعَةَ لا تَصْلُحُ مُخاطَبًا إلّا عَلى ذَلِكَ إمّا عَلى سَبِيلِ التَّخْيْيُلِ مِن بابِ لَوْ قِيلَ لِلشَّحْمِ أيْنَ تَذْهَبُ، وهو الأظْهَرُ وإمّا عَلى التَّحْقِيقِ، وجَوَّزَ كَوَّنَ ( كاذِبَةٌ ) مِن قَوْلِهِمْ كَذَبَتْ نَفْسِي وكَذَّبَتْهُ إذا مَنَّتْهُ الأمانِي وقَرَّبَتْ لَهُ الأُمُورَ البَعِيدَةَ وشَجَّعَتْهُ عَلى مُباشَرَةِ الخَطْبِ العَظِيمِ، واللّامُ قِيلَ: عَلى حَقِيقَتِها أيْضًا أيْ لَيْسَ لَها إذا وقَعَتْ نَفْسٌ تَحَدُّثُ صاحِبَها بِإطاقَةِ شِدَّتِها واحْتِمالِها وتُغْرِيِهِ عَلَيْها.

وفِي الكَشْفِ أنَّ اللّامَ عَلى هَذا الوَجْهِ لِلتَّوْقِيتِ كَما عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، وجَوَّزَ أيْضًا كَوْنَ ( كاذِبَةٌ ) مَصْدَرًا بِمَعْنى التَّكْذِيبِ وهو التَّثْبِيطُ وأمْرُ اللّامِ ظاهِرٌ أيْ لَيْسَ لِوَقْعَتِها ارْتِدادٌ ورَجْعَةٌ كالحَمْلَةِ الصّادِقَةِ مِن ذِي سَطْوَةٍ قاهِرَةٍ ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةِ، وذُكِرَ أنَّ حَقِيقَةَ التَّكْذِيبِ بِهَذا المَعْنى راجِعَةٌ إلى تَكْذِيبِ النَّفْسِ في كَذِبِها وإغْرائِها وتَشْجِيعِها وأنْشَدَ عَلى ذَلِكَ لِزُهَيْرٍ: لَيْثٌ بَعَثَّرَ يَصْطادُ الرِّجالَ إذا ما اللَّيْثُ كَذَّبَ عَنْ أقْرانِهِ صَدَقا ويَجُوزُ جَعْلُ الكاذِبَةِ بِمَعْنى الكَذِبِ عَلى مَعْنى لَيْسَ لِلْوَقْعَةِ كَذِبٌ بَلْ هي وقْعَةٌ صادِقَةٌ لا تُطاقُ عَلى نَحْوِ - حَمْلَةٌ صادِقَةٌ، وحَمَلَةٌ لَها صادِقٌ - أوْ عَلى مَعْنى لَيْسَ هي في وقْتِ وُقُوعِها كَذِبٌ لِأنَّهُ حَقٌّ لا شُبْهَةَ فِيهِ، ولَعَلَّ ما ذُكِرَ أظْهَرٌ مِمّا تَقَدَّمَ، وإنْ رُوِيَ نَحْوُهُ عَمَّنْ سَمِعْتَ، نَعَمْ قِيلَ: عَلَيْهِما إنَّ مَجِيءَ المَصْدَرِ عَلى زِنَةِ الفاعِلِ نادِرٌ، <div class="verse-tafsir"

خَافِضَةٌۭ رَّافِعَةٌ ٣

وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ خافِضَةٌ رافِعَةٌ ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هي خافِضَةٌ لِأقْوامٍ رافِعَةٌ لِآخَرِينَ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأخْرَجَهُ عَنْهُ جَماعَةٌ، والجُمْلَةُ تَقْرِيرٌ لِعَظَمَتِها وتَهْوِيلٌ لِأمْرِها فَإنَّ الوَقائِعَ العِظامَ شَأْنُها الخَفْضُ والرَّفْعُ كَما يُشاهَدُ في تَبَدُّلِ الدُّوَلِ وظُهُورِ الفِتَنِ مِن ذُلِّ الأعِزَّةِ وعِزِّ الأذِلَّةِ، وتَقْدِيمُ الخَفْضِ عَلى الرَّفْعِ لِتَشْدِيدِ التَّهْوِيلِ، أوْ بَيانٍ لِما يَكُونُ يَوْمَئِذٍ مِن حَطِّ الأشْقِياءِ إلى الدَّرَكاتِ ورَفْعِ السُّعَداءِ إلى دَرَجاتِ الجَنّاتِ، وعَلى هَذا قَوْلُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: خَفَّضَتْ أعْداءَ اللَّهِ تَعالى إلى النّارِ ورَفَعَتْ أوْلِياءَهُ إلى الجَنَّةِ، أوْ بَيانٍ لِما يَكُونُ مِن ذَلِكَ ومِن إزالَةِ الأجْرامِ عَنْ مَقارِّها ونَثْرِ الكَواكِبِ وتَسْيِيرِ الجِبالِ في الجَوِّ كالسَّحابِ، والضَّحّاكُ بَعْدَ أنْ فَسَّرَ الواقِعَةَ بِالصَّيْحَةِ قالَ: خافِضَةٌ تُخَفِّضُ قُوَّتَها لِتُسْمَعَ الأدْنى ﴿ رافِعَةٌ ﴾ تَرْفَعُها لِتُسْمِعَ الأقْصى، ورُوِيَ ذَلِكَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةَ، وقَدَّرَ أبُو عَلِيٍّ المُبْتَدَأ مَقْرُونًا بِالفاءِ أيْ فَهي ﴿ خافِضَةٌ ﴾ وجَعَلَ الجُمْلَةَ جَوابَ إذا فَكَأنَّهُ قِيلَ: ﴿ إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ ﴾ خَفَّضَتْ قَوْمًا ورَفَعَتْ آخَرِينَ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والحَسَنُ وعِيسى وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وابْنُ مُقْسِمِ والزَّعْفَرانِيُّ واليَزِيدِيُّ في اخْتِيارِهِ «خافِضَةً رافِعَةً» بِنَصْبِهِما، ووَجْهُهُ أنْ يُجْعَلا حالَيْنِ عَنِ الواقِعَةِ عَلى أنْ ﴿ لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ ﴾ اعْتِراضٌ أوْ حالَيْنِ عَنْ وقْعَتِها، <div class="verse-tafsir"

إِذَا رُجَّتِ ٱلْأَرْضُ رَجًّۭا ٤ وَبُسَّتِ ٱلْجِبَالُ بَسًّۭا ٥ فَكَانَتْ هَبَآءًۭ مُّنۢبَثًّۭا ٦

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا ﴾ أيْ زُلْزِلَتْ وحُرِّكَتْ تَحْرِيكًا شَدِيدًا بِحَيْثُ يَنْهَدِمُ ما فَوْقَها مِن بِناءٍ وجَبَلٍ مُتَعَلِّقٍ - بِخافِضَةٍ - أوْ - بِرافِعَةٍ - عَلى أنَّهُ مِن بابِ الأعْمالِ، أوْ بَدَلٌ مِن ﴿ إذا وقَعَتِ ﴾ كَما قالَ بِهِ غَيْرُ واحِدٍ، وقالَ ابْنُ جِنِّيِّ وأبُو الفَضْلِ الرّازِّيِّ: ﴿ إذا رُجَّتِ ﴾ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ الَّذِي هو ﴿ إذا وقَعَتِ ﴾ ولَيْسَتْ واحِدَةٌ مِنهُما شَرْطِيَّةٌ بَلْ هي بِمَعْنى وقْتٍ أيْ وقْتِ وُقُوعِها وقْتِ رَجِّ الأرْضِ، وادَّعى ابْنُ مالِكٍ أنَّ ( إذا ) تَكُونُ مُبْتَدَأً، واسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: هو بَدَلٌ مِن ﴿ إذا وقَعَتِ ﴾ وجَوابُ الشَّرْطِ عِنْدِي مَلْفُوظٌ بِهِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ﴾ والمَعْنى إذا كانَ كَذا وكَذا، فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أسْعَدَهم وما أعْظَمَ ما يُجازَوْنَ بِهِ أيْ إنَّ سَعادَتَهم وعِظَمَ رُتَبِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ تَظْهَرُ في ذَلِكَ الوَقْتِ الشَّدِيدِ الصَّعْبِ عَلى العالَمِ، وفِيهِ بَعْدُ ﴿ وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا ﴾ أيْ فُتَّتْ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ حَتّى صارَتْ كالسَّوِيقِ المَلْتُوتِ مِن بَسَّ السَّوِيقَ إذا لَتَّهُ، وقِيلَ: سِيقَتْ وسُيِّرَتْ مِن أماكِنِها مِن بَسَّ الغَنَمَ إذا ساقَها فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وسُيِّرَتِ الجِبالُ  ﴾ .

وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ( رُجَّتْ، وبُسَّتْ) بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ أيِ ارْتَجَّتْ وتَفَتَّتَتْ، وفي كَلامِ هِنْدِ بِنْتِ الخَسِّ تَصِفُ ناقَةً بِما يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى حَمْلِها: - عَيْنُها هاجُ وصَلّاها راجُ، وهي تَمْشِي وتَفاجُّ - ﴿ فَكانَتْ ﴾ فَصارَتْ بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿ هَباءً ﴾ غُبارًا ﴿ مُنْبَثًّا ﴾ مُتَفَرِّقًا، والمُرادُ مُطْلَقُ الغُبارِ عِنْدَ الأكْثَرِينَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو ما يَثُورُ مَعَ شُعاعِ الشَّمْسِ إذا دَخَلَتْ مِن كُوَّةٍ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّهُ الَّذِي يَطِيرُ مِنَ النّارِ إذا اضْطَرَمَتْ.

وقَرَأ النَّخَعِيُّ - مَنبَتًّا - بِالتّاءِ المَنطُوقَةِ بِنُقْطَتَيْنِ مِن فَوْقِ مَنِ البَتِّ بِمَعْنى القَطْعِ، والمُرادُ بِهِ ما ذُكِرَ مِنَ اللَّيْثِ بِالمُثَلَّثَةِ <div class="verse-tafsir"

وَكُنتُمْ أَزْوَٰجًۭا ثَلَـٰثَةًۭ ٧

﴿ وكُنْتُمْ ﴾ خِطابٌ لِلْأُمَّةِ الحاضِرَةِ والأُمَمِ السّالِفَةِ تَغْلِيبًا كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الكَثِيرُ، وقالَ بَعْضُهم: خِطابٌ لِلْأُمَّةِ الحاضِرَةِ فَقَطْ، والظّاهِرُ أنَّ - كانَ - أيْضًا بِمَعْنى صارَ أيْ وصِرْتُمْ ﴿ أزْواجًا ﴾ أيْ أصْنافًا ﴿ ثَلاثَةً ﴾ وكُلُّ صِنْفٍ يَكُونُ مَعَ صِنْفٍ آخَرَ في الوُجُودِ أوْ في الذَّكَرِ فَهو زَوْجٌ، قالَ الرّاغِبُ: الزَّوْجُ يَكُونُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ القَرِينَيْنِ مِنَ الذَّكَرِ والأُنْثى في الحَيَواناتِ المُتَزاوِجَةِ ولِكُلِّ قَرِينَيْنِ فِيها، وفي غَيْرِها كالخُفِّ والنَّعْلِ، ولِكُلِّ ما يَقْتَرِنُ بِآخِرَ مُماثِلًا لَهُ أوْ مُضادًّا، <div class="verse-tafsir"

فَأَصْحَـٰبُ ٱلْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَـٰبُ ٱلْمَيْمَنَةِ ٨ وَأَصْحَـٰبُ ٱلْمَشْـَٔمَةِ مَآ أَصْحَـٰبُ ٱلْمَشْـَٔمَةِ ٩

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ ﴾ ﴿ وأصْحابُ المَشْأمَةِ ما أصْحابُ المَشْأمَةِ ﴾ تَفْصِيلٌ لِلْأزْواجِ الثَّلاثَةِ مَعَ الإشارَةِ الإجْمالِيَّةِ إلى أحْوالِهِمْ قَبْلَ تَفْصِيلِها، والدّائِرُ عَلى ألْسِنَتِهِمْ أنَّ أصْحابَ المَيْمَنَةِ مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ ﴾ ما فِيهِ اسْتِفْهامِيَّةٌ مُبْتَدَأٌ ثانٍ ( وأصْحابُ ) خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ الأوَّلِ والرّابِطُ الظّاهِرُ القائِمُ مَقامَ الضَّمِيرِ، وكَذا يُقالُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأصْحابُ المَشْأمَةِ ﴾ إلَخْ، والأصْلُ في المَوْضِعَيْنِ ما هم ؟

أيْ أيُّ شَيْءٍ هم في حالِهِمْ وصِفَتِهِمْ فَإنَّ (ما) وإنْ شاعَتْ في طَلَبِ مَفْهُومِ الِاسْمِ والحَقِيقَةِ لَكِنَّها قَدْ تَطْلُبُ بِها الصِّفَةَ والحالَ كَما تَقُولُ ما زَيْدُ ؟

فَيُقالُ: عالِمٌ، أوْ طَبِيبٌ فَوُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِكَوْنِهِ أدْخِلَ في المَقْصُودِ وهو التَّفْخِيمُ في الأوَّلِ والتَّفْظِيعُ في الثّانِي، والمُرادُ تَعْجِيبُ السّامِعِ مِن شَأْنِ الفَرِيقَيْنِ في الفَخامَةِ والفَظاعَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: ﴿ فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ﴾ في غايَةِ حُسْنِ الحالِ ﴿ وأصْحابُ المَشْأمَةِ ﴾ في نِهايَةِ سُوءِ الحالِ، وقِيلَ: جُمْلَةُ (ما أصْحابُ ) خَبَرٌ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ عَلى ما عُرِفَ في الجُمْلَةِ الإنْشائِيَةِ إذا وقَعَتْ خَبَرًا أيْ مَقُولٍ في حَقِّهِمْ (ما أصْحابُ ) إلَخْ فَلا حاجَةَ إلى جَعْلِهِ مِن إقامَةِ الظّاهِرِ مَقامَ الضَّمِيرِ وفِيهِ نَظَرٌ، و(المَيْمَنَةِ ) ناحِيَةُ اليَمِينِ، أوِ اليُمْنُ والبَرَكَةُ، و (المَشْأمَةِ ) ناحِيَةُ الشِّمالِ مِنَ اليَدِ الشُّؤْمى وهي الشِّمالُ، أوْ هي مِنَ الشُّؤْمِ مُقابِلِ اليَمَنِ، ورُجِّحَ إرادَةُ النّاحِيَةِ فِيهِما بِأنَّها أوْفَقُ بِما يَأْتِي في التَّفْصِيلِ، واخْتَلَفُوا في الفَرِيقَيْنِ فَقِيلَ: أصْحابُ المَيْمَنَةِ أصْحابُ المَنزِلَةِ السَّنِّيَّةِ، وأصْحابُ المَشْأمَةِ أصْحابُ المَنزِلَةِ الدَّنِيَّةِ أخْذًا مِن تَيَمُّنِهِمْ بِالمُيامِنِ وتَشَؤُّمِهِمْ بِالشَّمائِلِ كَما تَسْمَعُ في السّانِحِ والبارِحِ، وهو مَجازٌ شائِعٌ، وجُوَّزَ أنْ يَكُونَ كِنايَةً، وقِيلَ: الَّذِينَ يُؤْتُونَ صَحائِفَهم بِأيْمانِهِمْ والَّذِينَ يُؤْتُونَها بِشِمائِلِهِمْ، وقِيلَ: الَّذِينَ يُؤْخَذُ بِهِمْ ذاتُ اليَمِينِ إلى الجَنَّةِ والَّذِينَ يُؤْخَذُ بِهِمْ ذاتُ الشِّمالِ إلى النّارِ، وقِيلَ: أصْحابُ اليَمَنِ وأصْحابُ الشُّؤْمِ، فَإنَّ السُّعَداءَ مَيامِينُ عَلى أنْفُسِهِمْ بِطاعَتِهِمْ والأشْقِياءَ مَشائِيمُ عَلى أنْفُسِهِمْ بِمَعاصِيهِمْ، ورُوِيَ هَذا عَنِ الحَسَنِ والرَّبِيعِ.

<div class="verse-tafsir"

وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلسَّـٰبِقُونَ ١٠ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ ١١

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والسّابِقُونَ السّابِقُونَ ﴾ هو الصِّنْفُ الثّالِثُ مِنَ الأزْواجِ الثَّلاثَةِ، ولَعَلَّ تَأْخِيرَ ذِكْرِهِمْ مَعَ كَوْنِهِمْ أسْبَقَ الأصْنافِ وأقْدَمَهم في الفَضْلِ لِيُرْدِفَ ذِكْرَهم بِبَيانِ مَحاسِنَ أحْوالِهِمْ عَلى أنَّ إيرادَهم بِعُنْوانِ السَّبْقِ مُطْلَقًا مُعْرِضٌ عَنْ إحْرازِهِمْ قَصَبَ السَّبْقِ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ.

واخْتُلِفَ في تَعْيِينِهِمْ فَقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ سَبَقُوا إلى الإيمانِ والطّاعَةِ عِنْدَ ظُهُورِ الحَقِّ مِن غَيْرِ تَلَعْثُمٍ وتَوانٍ، ورُوِيَ هَذا عَنْ عِكْرِمَةَ ومُقاتِلٍ، وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ في حِزْقِيلَ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ وحَبِيبِ النَّجّارِ الَّذِي ذُكِرَ في يَسٍ وعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وكُلِّ رَجُلٍ مِنهم سابِقٍ أُمَّتَهُ وعَلَيٌّ أفْضَلٌهٌمْ، وقِيلَ: هُمٌ الَّذِينَ سَبَقُوا في حِيازَةِ الكَمالاتِ مِنَ العُلُومِ اليَقِينِيَّةِ ومَراتِبِ التَّقْوى الواقِعَةِ بَعْدَ الإيمانِ، وقِيلَ هُمُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِأنَّهم مُقَدَّمُو أهْلِ الأدْيانِ، وقالَ ابْنُ سَيْرَيْنَ: هُمُ الَّذِينَ صَلُّوا إلى القَبْلَتَيْنِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ  ﴾ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ هُمُ السّابِقُونَ إلى الهِجْرَةِ، وعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ هُمُ السّابِقُونَ إلى الصَّلَواتِ الخَمْسِ، وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ والدَّيْلَمِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا «أوَّلُ مَن يَهْجُرُ إلى المَسْجِدِ وآخِرُ مَن يَخْرُجُ مِنهُ» .

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عُبادَةَ بْنِ أبِي سَوْدَةَ مَوْلى عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ قالَ: بَلَغَنا أنَّهُمُ السّابِقُونَ إلى المَساجِدِ والخُرُوجِ في سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وعَنِ الضَّحّاكِ هُمُ السّابِقُونَ إلى الجِهادِ، وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ هُمُ السّابِقُونَ إلى التَّوْبَةِ وأعْمالِ البِرِّ، وقالَ كَعْبُ: هم أهْلُ القُرْآنِ، وفي البَحْرِ في الحَدِيثِ ««سُئِلَ عَنِ السّابِقَيْنِ فَقالَ: هُمُ الَّذِينَ إذا أُعْطُوا الحَقَّ قَبِلُوهُ وإذا سَألُوهُ بَذَلُوهُ وحَكَمُوا لِلنّاسِ كَحُكْمِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ»»، وقِيلَ: النّاسُ ثَلاثَةٌ فَرَجُلٌ ابْتَكَرَ الخَيْرَ في حَداثَةِ سِنِّهِ ثُمَّ دامَ عَلَيْهِ حَتّى خَرَجَ مِنَ الدُّنْيا فَهَذا هو السّابِقُ، ورَجُلٌ ابْتَكَرَ عُمْرَهُ بِالذَّنْبِ وطُولَ الغَفْلَةِ ثُمَّ تَراجَعَ بِتَوْبَتِهِ فَهَذا صاحِبُ اليَمِينِ، ورَجُلٌ ابْتَكَرَ الشَّرَّ في حَداثَةِ سِنِّهِ ثُمَّ لَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ حَتّى خَرَجَ مِنَ الدُّنْيا فَهَذا صاحِبُ الشِّمالِ، وعَنِ ابْنِ كِيسانَ أنَّهُمُ المُسارِعُونَ إلى كُلِّ ما دَعا اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ ورَجَّحَهُ بَعْضُهم بِالعُمُومِ، وجَعَلَ ما ذُكِرَ في أكْثَرِ الأقْوالِ مِن بابِ التَّمْثِيلِ، وأيًّا ما كانَ فالشّائِعُ أنَّ الجُمْلَةَ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ والمَعْنى ( والسّابِقُونَ ) هُمُ الَّذِينَ اشْتُهِرَتْ أحْوالُهم وعُرِفَتْ فَخامَتُهم كَقَوْلِهِ: ( أنا أبُو النَّجْمِ وشِعْرِي شِعْرِي ) وفِيهِ مِن تَفْخِيمِ شَأْنِهِمْ والإيذانِ بِشُيُوعِ فَضْلِهِمْ ما لا يَخْفى، وقِيلَ مُتَعَلِّقُ السَّبْقِ مُخالِفٌ لِمُتَعَلِّقِ السَّبْقِ الثّانِي أيِ السّابِقُونَ إلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى «السّابِقُونَ» إلى رَحْمَتِهِ سُبْحانَهُ، أوْ ﴿ السّابِقُونَ ﴾ إلى الخَيْرِ ﴿ السّابِقُونَ ﴾ إلى الجَنَّةِ، والتَّقْدِيرُ الأوَّلُ مَحْكِيُّ عَنْ صاحِبِ المُرْشِدِ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الحَمْلَ مُفِيدٌ بِدُونِ ذَلِكَ كَما سَمِعَتْ بَلْ هو أبْلَغُ وأنْسَبُ بِالمَقامِ وأيًّا ما كانَ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ، وقِيلَ: ﴿ السّابِقُونَ ﴾ السّابِقُ مُبْتَدَأٌ ( والسّابِقُونَ ) اللّاحِقُ تَأْكِيدٌ لَهُ وما بَعْدُ خَبَرٍ ولَيْسَ بِذاكَ أيْضًا لِفَواتِ مُقابَلَةِ ما ذُكِرَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَأصْحابُ ﴾ إلَخْ ولِأنَّ القِسْمَةَ لا تَكُونُ مُسْتَوْفاةً حِينَئِذٍ، ولِفَواتِ المُبالِغَةِ المَفْهُومَةِ مِن نَحْوِ هَذا التَّرْكِيبِ عَلى ما سَمِعْتَ مَعَ أنَّهم أعْنِي السّابِقَيْنِ أحَقُّ بِالمَدْحِ والتَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ مِنَ السّابِقَيْنِ ولِفَواتِ ما في الِاسْتِئْنافِ بِأُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ مِنَ الفَخامَةِ وإنَّما لَمْ يَقُلْ - السّابِقُونَ ما السّابِقُونَ - عَلى مِنوالِ الأُوَّلَيْنَ لِأنَّهُ جُعِلَ أمْرًا مَفْرُوغًا مُسَلَّمًا مُسْتَقِلًّا في المَدْحِ والتَّعْجِيبِ، والإشارَةُ بِأُولَئِكَ إلى السّابِقَيْنِ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ مَعَ قُرْبِ العَهْدِ بِالمُشارِ إلَيْهِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الفَضْلِ، ( والمُقَرَّبُونَ ) مِنَ القُرْبَةِ بِمَعْنى الحُظْوَةِ أيْ أُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِذَلِكَ النَّعْتِ الجَلِيلِ الَّذِينَ أُنِيلُوا حُظْوَةً ومَكانَةً عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: المُرادُ الَّذِينَ قُرِّبَتْ إلى العَرْشِ العَظِيمِ دَرَجاتُهم.

هَذا وفِيِ الإرْشادِ الَّذِي تَقْتَضِيهِ جَزالَةُ التَّنْزِيلِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وكَذا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وأصْحابُ المَشْأمَةِ ﴾ وقَوْلُهُ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿ والسّابِقُونَ ﴾ فَإنَّ المُتَرَقِّبَ عِنْدَ بَيانِ انْقِسامِ النّاسِ إلى الأقْسامِ الثَّلاثَةِ بَيانُ أنْفَسِ الأقْسامِ.

وأمّا أوْصافُها وأحْوالُها فَحَقُّها أنْ تُبَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ بِإسْنادِها إلَيْها، والتَّقْدِيرُ فَأحَدُها أصْحابُ المَيْمَنَةِ والآخَرُ أصْحابُ المَشْأمَةِ، والثّالِثُ السّابِقُونَ خَلا أنَّهُ لَمّا أخَّرَ بَيانَ أحْوالِ القِسْمَيْنِ الأوَّلَيْنِ عَقَّبَ كُلًّا مِنهُما بِجُمْلَةٍ مُعْتَرِضَةٍ بَيْنَ القَسْمَيْنِ مُنْبِئَةٍ عَنْ تَرامِي أحْوالِهِما في الخَيْرِ والشَّرِّ إنْباءً إجْمالِيًّا مُشْعِرًا بِأنَّ لِأحْوالِ كُلٍّ مِنهُما تَفْصِيلًا مُتَرَقَّبًا لَكِنْ لا عَلى أنَّ ما الِاسْتِفْهامِيَّةَ مُبْتَدَأٌ وما بَعْدُها خَبَرٌ عَلى ما رَآهُ سِيبَوَيْهُ في أمْثالِهِ بَلْ عَلى أنَّها خَبَرٌ لِما بَعْدَها فَإنَّ مَناطَ الإفادَةِ بَيانُ أنَّ أصْحابَ المَيْمَنَةِ أمْرٌ بَدِيعٌ كَما يُفِيدُهُ كَوْنُ ما خَبَرًا لا بَيانَ أنَّ أمْرًا بَدِيعًا أصْحابُ المَيْمَنَةِ كَما يُفِيدُهُ كَوْنُها مُبْتَدَأ وكَذا الحالُ فِيما ﴿ أصْحابُ المَشْأمَةِ ﴾ ، وأمّا القِسْمُ الأخِيرُ فَحَيْثُ قُرِنَ بِهِ بَيانُ مَحاسِنَ أحْوالِهِ لَمْ يَحْتَجْ فِيهِ إلى تَقْدِيمِ الأُنْمُوذَجِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ السّابِقُونَ ﴾ مُبْتَدَأٌ والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ لِلتَّفْخِيمِ ( وأُولَئِكَ ) مُبْتَدَأٌ ثانٍ، أوْ بَدَلُ مِنَ الأوَّلِ وما بَعْدَهُ خَبَرٌ لَهُ، أوْ لِلثّانِي، والجُمْلَةُ خَبَرُ لِلْأوَّلِ انْتَهى، وقِيلَ عَلَيْهِ: إنَّهُ لَيْسَ في جَعْلِ جُمْلَتَيِ الاسْتِفْهامِ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ السّابِقُونَ ﴾ إخْبارًا لِما قَبْلَها بَيانٌ لِأوْصافِ الأقْسامِ وأحْوالِها تَفْصِيلًا حَتّى يُقالَ: حَقُّها أنْ تُبَيَّنَ بَعْدَ أنْفُسِ الأقْسامِ بَلْ فِيهِ بَيانُ الأقْسامِ مَعَ إشارَةٍ إلى تَرامِي أحْوالِها في الخَيْرِ والشَّرِّ والتَّعْجِيبِ مِن ذَلِكَ.

وأيْضًا مُقْتَضى ما ذَكَرَهُ أنْ لا يَذْكُرُ ﴿ ما أصْحابُ اليَمِينِ ﴾ و ﴿ ما أصْحابُ الشِّمالِ ﴾ في التَّفْصِيلِ، وتَعَقُّبُ هَذا بِأنَّ الذَّكْرَ مُحْتاجٌ إلى بَيانِ نُكْتَةٍ عَلى الوَجْهِ الدّائِرِ عَلى ألْسِنَتِهِمْ كاحْتِياجِهِ إلَيْهِ عَلى هَذا الوَجْهِ، ولَعَلَّها عَلَيْهِ أنَّهُ لَمّا عَقَّبَ الأوَّلَيْنِ بِما يُشْعِرُ بِأنَّ لِأحْوالِ كُلٍّ تَفاصِيلُ مُتَرَقَّبَةٌ أُعِيدَ ذَلِكَ لِلْإعْلامِ بِأنَّ الأحْوالَ العَجِيبَةَ هي هَذِهِ فَلْتَسْمَعَ، والَّذِي يَتَبادَرُ لِلنَّظَرِ الجَلِيلِ ما في الإرْشادِ مِن كَوْنِ أصْحابُ المَيْمَنَةِ وكَذا كُلٌّ مِنَ الأخِيرَيْنِ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ كَما سَمِعْتَ لِأنَّ المُتَبادِرَ بَعْدَ بَيانِ الِانْقِسامِ ذَكْرُ نَفْسَ الأقْسامِ عَلى أنْ تَكُونَ هي المَقْصُودَةَ أوَّلًا وبِالذّاتِ دُونَ الحُكْمِ عَلَيْها وبَيانِ أحْوالِها مُطْلَقًا وإنْ تَضَمَّنَ ذَلِكَ ذَكْرَها لَكِنْ ما ذَكَرُوهُ أبْعَدَ مَغْزى ومَعَ هَذا لا يَتَعَيَّنُ عَلى ما ذُكِرَ كَوْنُ تِينَكَ الجُمْلَتَيْنِ الِاسْتِفْهامِيَّتَيْنِ مُعْتَرِضَتَيْنِ بَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنهُما صِفَةً لِما قَبْلَها بِتَقْدِيرِ القَوْلِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَأحَدُها أصْحابُ المَيْمَنَةِ المَقُولُ فِيهِمْ ﴿ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ ﴾ وكَذا يُقالُ في ﴿ وأصْحابُ المَشْأمَةِ ﴾ إلَخْ، ويَجْعَلُ أيْضًا ﴿ السّابِقُونَ ﴾ صِفَةً - لَلسّابِقُونَ - قَبْلَهُ، والتَّأْوِيلُ في الوَصْفِيَّةِ كالتَّأْوِيلِ في الخَبَرِيَّةِ ويَكُونُ الوَصْفُ بِذَلِكَ قائِمًا مُقامَ تِينَكَ الجُمْلَتَيْنِ في المَدْحِ، والجُمْلَةُ بَعْدُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا كَما في الوَجْهِ الشّائِعِ، وما يُقالُ: إنَّ في هَذا الوَجْهِ حَذْفُ المَوْصُولِ مَعَ بَعْضِ أجْزاءِ الصِّلَةِ يُجابُ عَنْهُ بِمَنعِ كَوْنِ - ألْ - في الوَصْفِ حَيْثُ لَمْ يَرِدْ مِنهُ الحُدُوثُ مَوْصُولَةً فَتَأمَّلْ ولا تَغْفُلْ، <div class="verse-tafsir"

فِى جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ ١٢

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿ المُقَرَّبُونَ ﴾ ، أوْ بِمُضْمَرٍ هو حالٌ مِن ضَمِيرِهِ أيْ كائِنَيْنِ في جَنّاتِ النَّعِيمِ، وعَلى الوَجْهَيْنِ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ قُرْبَهم مَحْضُ لَذَّةٍ وراحَةٍ لا كَقُرْبِ خَواصِّ المَلِكِ القائِمِينَ بِأشْغالِهِ عِنْدَهُ بَلْ كَقُرْبِ جُلَسائِهِ ونُدَمائِهِ الَّذِينَ لا شُغْلَ لَهم ولا يَرِدُ عَلَيْهِمْ أمْرٌ أوْ نَهْيٌ ولِذا قِيلَ: ﴿ فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ ﴾ دُونَ جَنّاتِ الخُلُودِ ونَحْوِهِ، وقِيلَ: خَبَرٌ ثانٍ لِاسْمِ الإشارَةِ وتُعُقِّبَ بِأنَّ الإخْبارَ بِكَوْنِهِمْ فِيها بَعْدَ الإخْبارِ بِكَوْنِهِمْ مُقَرَّبِينَ لَيْسَ فِيهِ مَزِيدُ مَزِيَّةٍ، وأُجِيبَ بِأنَّ الإخْبارَ الأوَّلَ لِلْإشارَةِ إلى اللَّذَّةِ الرُّوحانِيَّةِ والإخْبارِ الثّانِي لِلْإشارَةِ إلى اللَّذَّةِ الجُسْمانِيَّةِ.

وقَرَأ طَلْحَةُ في جَنَّةِ النَّعِيمِ بِالإفْرادِ، <div class="verse-tafsir"

ثُلَّةٌۭ مِّنَ ٱلْأَوَّلِينَ ١٣ وَقَلِيلٌۭ مِّنَ ٱلْـَٔاخِرِينَ ١٤

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مُقَدَّرِ أيْ هم ثُلَّةٌ إلَخْ، وجُوَّزَ كَوْنِهِ مُبْتَدَأ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ مِنهم، أوْ خَبَرًا أوَّلًا أوْ ثانِيًا - لِأُولَئِكَ - وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَهُ مُبْتَدَأ والخَبَرُ ﴿ عَلى سُرُرٍ ﴾ ، والثُّلَّةُ في المَشْهُورِ الجَماعَةُ كَثُرَتْ أوْ قَلَّتْ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الأُمَّةُ مِنَ النّاسِ الكَثِيرَةِ وأنْشَدَ قَوْلَهُ: وجاءَتْ إلَيْهِمْ ثُلَّةٌ خُنْدُفِيَّةٌ بِجَيْشٍ كَتَيّارٍ مِنَ السَّيْلِ مُزْبِدِ وقَوْلُهُ تَعالى بَعْدُ: ﴿ وقَلِيلٌ ﴾ إلَخْ كَفى بِهِ دَلِيلًا عَلى الكَثْرَةِ انْتَهى، والظّاهِرُ أنَّهُ أنْشَدَ البَيْتَ شاهِدًا لِمَعْنى الكَثْرَةِ في الثُّلَّةِ فَإنْ كانَتِ الباءُ تَجْرِيدِيَّةً وهو الظّاهِرُ فَنَصَّ وإلّا فالِاسْتِدْلالُ عَلَيْها مِن أنَّ المَقامَ مَقامُ مُبالَغَةٍ ومَدْحٍ، وأمّا اسْتِدْلالُهُ بِما بَعْدُ فَذَلِكَ لِأنَّ التَّقابُلَ مَطْلُوبٌ لِأنَّ الثُّلَّةَ لَمْ تُوضَعْ لِلْقَلِيلِ بِالإجْماعِ حَتّى يَحْمِلَ ما بَعْدُ عَلى التَّقَنُّنِ بَلْ هي إمّا لِلْكَثْرَةِ والِاشْتِقاقِ عَلَيْها أدُلُّ لِأنَّ الثَّلَّ بِمَعْنى الصَّبِّ وبِمَعْنى الهَدْمِ بِالكُلِّيَّةِ، والثُّلَّةِ بِالكَسْرِ الضَّأْنُ الكَثِيرَةِ وإمّا لِمُطْلَقِ الجَماعَةِ كالفِرْقَةِ والقِطْعَةِ مِنَ الثَّلِّ بِمَعْنى الكَسْرِ كَأنَّها جَماعَةٌ كُسِرَتْ مِنَ النّاسِ وقُطِعَتْ مِنهم إلّا أنَّ الاسْتِعْمالِ غَلَبَ عَلى الكَثِيرِ فِيها فالمَعْنى جَماعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الأوَّلِينَ وهُمُ النّاسُ المُتَقَدِّمُونَ مِن لَدُنْ آدَمَ إلى نَبِيِّنا عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ وعَلى مَن بَيْنِهُما مِنَ الأنْبِياءِ العِظامِ ﴿ وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ ﴾ وهُمُ النّاسُ مِن لَدُنْ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى قِيامِ السّاعَةِ ولا يُخالِفُهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««إنَّ أُمَّتِي يَكْثُرُونَ سائِرَ الأُمَمِ»» أيْ يَغْلِبُونَهم في الكَثْرَةِ لِأنَّ أكْثَرِيَّةَ سابِقِي المُتَقَدِّمِينَ مِن سابِقِي هَذِهِ الأُمَّةِ لا تَمْنَعُ أكْثَرِيَّةَ تابِعِيٍّ هَؤُلاءِ مِن تابِعِيٍّ أُولَئِكَ.

وحاصِلُ ذَلِكَ غَلَبَةُ مَجْمُوعِ هَذِهِ الأُمَّةِ كَثْرَةً عَلى مَن سِواها كَقَرْيَةٍ فِيها عَشَرَةٌ مِنَ العُلَماءِ ومِائَةٌ مِنَ العَوامِّ وأُخْرى فِيها خَمْسَةٌ مِنَ العُلَماءِ وألْفٌ مِنَ العَوامِّ فَخَواصُّ الأُولى أكْثَرُ مِن خَواصِّ الثّانِيَةِ وعَوامُّ الثّانِيَةِ ومَجْمُوعُ أهْلِها أضْعافُ أُولَئِكَ، لا يُقالُ يَأْبى أكْثَرِيَّةُ تابِعِيٍّ هَؤُلاءِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ ﴾ ﴿ وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ  ﴾ فَإنَّهُ في حَقِّ أصْحابِ اليَمِينِ وهُمُ التّابِعُونَ، وقَدْ عَبَّرَ في كُلٍّ بِالثُّلَّةِ أيِ الجَماعَةِ الكَثِيرَةِ لِأنّا نَقُولُ لا دَلالَةَ في الآيَةِ عَلى أكْثَرِ مِن وصْفِ كُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ بِالكَثْرَةِ وذَلِكَ لا يُنافِي أكْثَرِيَّةَ أحَدِهِما فَتَحْصُلُ أنَّ سابِقِي الأُمَمِ السَّوالِفِ أكْثَرُ مِن سابِقِي أُمَّتِنا.

وتابِعِيٌّ أمَتِّنا أكْثَرُ مِن تابِعِيِ الأُمَمِ، والمُرادُ بِالأُمَمِ ما يَدْخُلُ فِيهِ الأنْبِياءُ وحِينَئِذٍ لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّ كَثْرَةَ سابِقِي الأوَّلِينَ لَيْسَ إلّا بِأنْبِيائِهِمْ فَما عَلى سابِقِي هَذِهِ الأُمَّةِ بَأْسٌ إذْ أكْثَرَهم سابِقُو الأُمَمِ بِضَمٍّ لِأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وأخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: ««لَمّا نَزَلَتْ ﴿ ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ ﴾ ﴿ وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ ﴾ شَقَّ ذَلِكَ عَلى أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَنَزَلَتْ ﴿ ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ ﴾ ﴿ وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ ﴾ فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: إنِّي لِأرْجُوَ أنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أهْلِ الجَنَّةِ بَلْأنْتُمْ نِصْفُ أهْلِ الجَنَّةِ - أوْ شَطْرُ أهْلِ الجَنَّةِ - وتُقاسِمُونَهُمُ النِّصْفَ الثّانِي»» وظاهِرُهُ أنَّهُ شَقَّ عَلَيْهِمْ قِلَّةُ مَن وُصِفَ بِها وأنَّ الآيَةَ الثّانِيَةَ أزالَتْ ذَلِكَ ورَفَعَتْهُ وأبْدَلَتْهُ بِالكَثْرَةِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ما أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿ ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ ﴾ ﴿ وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ ﴾ حَزِنَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ  وقالُوا إذًا لا يَكُونُ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ  إلّا قَلِيلٌ فَنَزَلَتْ نِصْفَ النَّهارِ ﴿ ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ ﴾ ﴿ وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ ﴾ فَنَسَخَتْ ﴿ وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ ﴾ وأبى ذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيُّ فَقالَ: إنَّ الرِّوايَةَ غَيْرُ صَحِيحَةٍ لِأمْرَيْنِ: أحَدِهِما أنَّ الآيَةَ الأُولى وارِدَةٌ في السّابِقِينَ، والثّانِيَةَ في أصْحابِ اليَمِينِ، والثّانِي أنَّ النَّسْخَ في الأخْبارِ غَيْرُ جائِزٍ فَإذا أخْبَرَ تَعالى عَنْهم بِالقِلَّةِ لَمْ يَجُزْ أنْ يُخْبِرَ عَنْهم بِالكَثْرَةِ مِن ذَلِكَ الوَجْهِ وما ذَكَرَ مِن عَدَمِ جَوازِ النَّسْخِ في الأخْبارِ أيْ في مَدْلُولِها مُطْلَقًا هو المُخْتارُ.

وقِيلَ: يَجُوزُ النَّسْخُ في المُتَغَيِّرِ إنْ كانَ عَنْ مُسْتَقْبَلٍ لِجَوازِ المَحْوِ لِلَّهِ تَعالى فِيما يُقَدِّرُهُ والإخْبارُ يَتْبَعُهُ، وعَلى هَذا البَيْضاوِيِّ، وقِيلَ: يَجُوزُ عَنِ الماضِي أيْضًا وعَلَيْهِ الإمامُ الرّازِيُّ والآمَدَيُّ، وأمّا نَسْخُ مَدْلُولِ الخَبَرِ إذا كانَ مِمّا لا يَتَغَيَّرُ كَوُجُودِ الصّانِعِ وحُدُوثِ العالَمِ فَلا يَجُوزُ اتِّفاقًا فَإنْ كانَ ما نَحْنُ فِيهِ مِمّا يَتَغَيَّرُ فَنَسْخُهُ جائِزٌ عِنْدَ البَيْضاوِيِّ ويُوافِقُهُ ظَهْرُ خَبَرِ أبِي هُرَيْرَةَ الثّانِي، ولا يَجُوزُ عَلى المُخْتارِ الَّذِي عَلَيْهِ الشّافِعِيُّ وغَيْرُهُ فَقَوْلُ صاحِبِ الكَشْفِ: لا خِلافَ في عَدَمِ جَوازِ النَّسْخِ في مِثْلِ ما ذُكِرَ مِنَ الخَبَرِ إذْ لا يَتَضَمَّنُ حُكْمًا شَرْعَيًّا لا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ.

وأقُولُ: قَدْ يُتَعَقَّبُ ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِأنَّ الحَدِيثَ قَدْ صَحَّ ووُرُودُ الآيَةِ الأُولى في السّابِقِينَ والثّانِيَةِ في أصْحابِ اليَمِينِ لا يُرَدُّ مُقْتَضاهُ فَإنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ الصَّحابَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم لَمّا سَمِعُوا الآيَةَ الأُولى حَسِبُوا أنَّ الأمْرَ في هَذِهِ الأُمَّةِ يَذْهَبُ عَلى هَذا النَّهْجِ فَيَكُونُ أصْحابُ اليَمِينِ ثُلَّةً مِنَ الأوَّلِينَ وقَلِيلًا مِنهم فَيَكْثُرُهُمُ الفائِزُونَ بِالجَنَّةِ مِنَ الأُمَمِ السَّوالِفِ فَحَزِنُوا لِذَلِكَ فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى في أصْحابِ اليَمِينِ: ﴿ ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ ﴾ ﴿ وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ ﴾ وقالَ لَهُمُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ما قالَ مِمّا أذْهَبَ بِهِ حُزْنَهم ولَيْسَ في هَذا نَسْخٌ لِلْخَبَرِ كَما لا يَخْفى.

وقَوْلُ أبِي هُرَيْرَةَ فَنَسَخَتْ ﴿ وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ ﴾ إنْ صَحَّ عَنْهُ يَنْبَغِي تَأْوِيلُهُ بِأنْ يُقالَ أرادَ بِهِ فَأزالَتْ حُسْبانَ أنْ يُذْكَرَ نَحْوُهُ في الفائِزِينَ بِالجَنَّةِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ غَيْرُ السّابِقَيْنِ فَتَدَبَّرْ، وعَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها: الفِرْقَتانِ أيْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ ﴾ ﴿ وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ ﴾ في أُمَّةِ كُلِّ نَبِيٍّ في صَدْرِها ثُلَّةٌ وفي آخِرِها قَلِيلٌ، وقِيلَ: هُما مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كانُوا في صَدْرِ الدُّنْيا كَثِيرِينَ وفي آخِرِها قَلِيلِينَ.

وقالَ أبُو حَيّانَ: جاءَ في الحَدِيثِ - الفِرْقَتانِ في أُمَّتِي فَسابِقُ أوَّلِ الأُمَّةِ ثُلَّةٌ وسابِقُ سائِرِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ قَلِيلٌ - انْتَهى، وجاءَ في فِرْقَتِي أصْحابِ اليَمِينِ نَحْوَ ذَلِكَ، أخْرَجَ مُسَدَّدُ في مُسْنَدِهِ وابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أبِي بَكْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ «عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ ﴾ ﴿ وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ ﴾ قالَ: هُما جَمِيعًا مِن هَذِهِ الأُمَّةِ».

وأخْرَجَ جَماعَةٌ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا ما لَفْظُهُ هُما جَمِيعًا مِن أُمَّتِي وعَلى هَذا يَكُونُ الخِطابُ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً ﴾ لِهَذِهِ الأُمَّةِ فَقَطْ <div class="verse-tafsir"

عَلَىٰ سُرُرٍۢ مَّوْضُونَةٍۢ ١٥ مُّتَّكِـِٔينَ عَلَيْهَا مُتَقَـٰبِلِينَ ١٦

﴿ عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ ﴾ حالٌ مِنَ المُقَرَّبِينَ أوْ مِن ضَمِيرِهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ ﴾ بِناءً عَلى أنَّهُ في مَوْضِعِ الحالِ كَما تَقَدَّمَ، وقِيلَ: هو خَبَرٌ آخَرُ لِلضَّمِيرِ المَحْذُوفِ المُخْبِرِ عَنْهُ أوَّلًا - بِثُلَّةٍ - وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ أشَرْنا إلَيْهِ فِيما مَرَّ، و ﴿ مَوْضُونَةٍ ﴾ مِنَ الوَضْنِ وهو نَسْجُ الدِّرْعِ قالَ الأعْشى: ومِن نَسْجِ داوُدَ مَوْضُونَةٌ تَسِيرُ مَعَ الحَيِّ عِيرًا فَعِيرًا واسْتُعِيرَ لِمُطْلَقِ النَّسْجِ أوْ لِنَسْجٍ مُحْكَمٍ مَخْصُوصٍ، ومِن ذَلِكَ وضِينُ النّاقَةِ وهو حِزامُها لِأنَّهُ مَوْضُونٌ أيْ مَفْتُولٌ والمُرادُ هُنا عَلى ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْمُولَةٌ أيْ مَنسُوجَةٍ بِالذَّهَبِ، وفي رِوايَةٍ عَنْهُ بِقُضْبانِ الفِضَّةِ، وقالَ عِكْرِمَةُ: مُشَبَّكَةٌ بِالدُّرِّ والياقُوتِ، وقِيلَ: ﴿ مَوْضُونَةٍ ﴾ مُتَّصِلٌ بَعْضُها بِبَعْضٍ كَحِلَقِ الدِّرْعِ، والمُرادُ مُتَقارِبَةٌ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأبُو السَّمّالِ «سُرَرٍ» بِفَتْحِ الرّاءِ وهي لُغَةٌ لِبَعْضِ تَمِيمٍ، وكَلْبٌ يَفْتَحُونَ عَيْنَ فُعُلٍ جَمْعُ فَعِيلٍ المُضَعَّفُ نَحْوَ سَرِيرٍ ﴿ مُتَّكِئِينَ عَلَيْها ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَقِرِّ في الجارِّ والمَجْرُورِ أعْنِي عَلى سُرُرٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مُتَقابِلِينَ ﴾ حالٌ مِنهُ أيْضًا ولَكَ أنْ تَعْتَبِرَ الحالَيْنِ مُتَداخِلَيْنِ.

والمُرادُ كَما قالَ مُجاهِدٌ: لا يَنْظُرُ أحَدُهم في قَفا صاحِبِهِ وهو وصْفٌ لَهم بِحُسْنِ العِشْرَةِ وتَهْذِيبِ الأخْلاقِ ورِعايَةِ الآدابِ وصَفاءِ البَواطِنِ، <div class="verse-tafsir"

يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَٰنٌۭ مُّخَلَّدُونَ ١٧

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ ﴾ حالٌ أُخْرى أوِ اسْتِئْنافٌ أيْ يَدُورُ حَوْلَهم لِلْخِدْمَةِ ﴿ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ ﴾ أيْ مُبْقُونَ أبَدًا عَلى شَكْلِ الوِلْدانِ وحَدُّ الوَصّافَةِ لا يَتَحَوَّلُونَ عَنْ ذَلِكَ، وإلّا فَكَلُّ أهْلِ الجَنَّةِ مُخَلَّدٌ لا يَمُوتُ، وقالَ الفَرّاءُ وابْنُ جُبَيْرٍ: مُقْرَطُونَ بِخِلَدَةٍ وهي ضَرْبٌ مِنَ الأقْراطِ قِيلَ: هَمْ أوْلادُ أهْلِ الدُّنْيا لَمْ يَكُنْ لَهم حَسَناتٌ فَيُثابُوا عَلَيْها ولا سَيِّئاتٌ فَيُعاقِبُوا عَلَيْها، ورَوى هَذا أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وعَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ - واشْتُهِرَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قالَ: «أوْلادُ الكُفّارِ خَدَمُ أهْلِ الجَنَّةِ» - وذَكَرَ الطَّيِّبِيُّ أنَّهُ لَمْ يَصِحْ بَلْ صَحَّ ما يَدْفَعُهُ: أخْرَجَ البُخارِيُّ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ «عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: تُوُفِّيَ صَبِيٌّ فَقُلْتُ: طُوبى لَهُ عُصْفُورٌ في الجَنَّةِ فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: أوْ لا تَدْرِينَ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ الجَنَّةَ وخَلَقَ النّارَ فَخَلَقَ لِهَذِهِ أهْلًا ولِهَذِهِ أهْلًا، وفي رِوايَةٍ خَلَقَهم لَها وهم في أصْلابِ آبائِهِمْ».

وأخْرَجَ أبُو داوُدَ عَنْها أنَّها قالَتْ: «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ذَرارِيُّ المُؤْمِنِينَ فَقالَ مِن آبائِهِمْ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ بِلا عَمَلٍ قالَ: اللَّهُ أعْلَمُ بِما كانُوا عامِلِينَ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ فَذَرارِيُّ المُشْرِكِينَ قالَ: مِن آبائِهِمْ فَقُلْتُ: بِلا عَمَلٍ قالَ: اللَّهُ أعْلَمُ بِما كانُوا عامِلِينَ، وقِيلَ: إنَّهم يُمْتَحَنُونَ يَوْمَ القِيامَةِ فَتَخْرُجُ لَهم نارٌ ويُؤْمَرُونَ بِالدُّخُولِ فِيها فَمَن دَخَلَها وجَدَها بَرْدًا وسَلامًا وأُدْخِلَ الجَنَّةَ، ومَن أبى أُدْخِلَ النّارَ مَعَ سائِرِ الكُفّارِ» ويَرْوُونَ في ذَلِكَ أثَرًا.

ومِنَ الغَرِيبِ ما قِيلَ: إنَّهم بَعْدُ الإعادَةِ يَكُونُونَ تُرابًا كالبَهائِمِ، وفي الكَشْفِ الأحادِيثُ مُتَعارِضَةٌ في المَسْألَةِ وكَذَلِكَ المَذاهِبُ، والمَسْألَةُ ظَنِّيَّةُ والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وهو عَزَّ وجَلَّ أعْلَمُ انْتَهى والأكْثَرُ عَلى دُخُولِهِمُ الجَنَّةَ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى ومَزِيدِ رَحْمَتِهِ تَبارَكَ وتَعالى، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَمامُ الكَلامِ في ذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

بِأَكْوَابٍۢ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍۢ مِّن مَّعِينٍۢ ١٨

﴿ بِأكْوابٍ ﴾ بِآنِيَةٍ لا عُرًا لَها ولا خَراطِيمَ، والظّاهِرُ أنَّها الأقْداحُ وبِذَلِكَ فَسَّرَها عِكْرِمَةُ وهي جَمْعُ كُوبٍ ﴿ وأبارِيقَ ﴾ جَمْعُ إبْرِيقٍ وهو إناءٌ لَهُ خُرْطُومٌ قِيلَ: وعُرْوَةُ، وفي البَحْرِ أنَّهُ مِن أوانِي الخَمْرِ، وأنْشَدَ قَوْلَ عُدَيِّ بْنِ زَيْدٍ: ودَعَوْا بِالصَّبُوحِ يَوْمًا فَجاءَتْ قَيْنَةٌ في يَمِينِها إبْرِيقُ وفِيهِ أيْضًا أنَّهُ إفْعِيلُ مِنَ البَرِيقِ، وذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّهُ مُعَرَّبُ - آبَ رِيزايُ - صابُّ الماءِ وهو أنْسَبُ مِمّا في بَعْضِ نُسَخِ القامُوسِ أنَّهُ مُعْرَّبُ - آبَ رِي - بِلا زايٍ، وأيًّا ما كانَ فَهو لَيْسَ مَأْخُوذًا مِنَ البَرِيقِ، نَعَمِ الإبْرِيقُ بِمَعْنى المَرْأةِ الحَسَنَةِ والبَرّاقَةِ والسَّيْفِ البَرّاقِ والقَوْسِ فِيها تَلامِيعُ مَأْخُوذٌ مِن ذَلِكَ، ولَعَلَّهُ يَقُولُ بِأنَّهُ عَرَبِيٌّ لا مُعَرَّبَ، وأنَّ البَرِيقَ مِمّا فِيهِ مِنَ الخَمْرِ والشُّعَراءِ يَصِفُونَها بِذَلِكَ كَقَوْلِهِ: مُشَعْشَعَةٌ كَأنَّ الحَصَّ فِيها ∗∗∗ إذا ما الماءُ خالَطَها سَخِينًا أوْ لِأنَّهُ غالِبًا يُتَّخَذُ مِمّا لَهُ نَوْعُ بِرِيقٍ كالبَلُّورِ والفِضَّةِ ﴿ وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ ﴾ أيْ خَمْرٍ جارِيَةٍ مِنَ العُيُونِ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ أيْ لَمْ يُعْصَرْ كَخَمْرِ الدُّنْيا، وقِيلَ: خَمْرٌ ظاهِرَةٌ لِلْعُيُونِ مَرْئِيَّةٌ بِها لِأنَّها كَذَلِكَ أهْنَأُ، وأُفْرِدَ الكَأْسُ عَلى ما قِيلَ لِأنَّها لا تُسَمّى كَأْسًا إلّا إذا كانَتْ مَمْلُوءَةً <div class="verse-tafsir"

لَّا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنزِفُونَ ١٩

﴿ لا يُصَدَّعُونَ عَنْها ﴾ أيْ بِسَبَبِها وحَقِيقَتِهَ لا يَصْدُرُ صُداعُهم عَنْها، والمُرادُ أنَّهم لا يَلْحَقُ رُؤُوسَهم صُداعٌ لِأجْلِ خِمارٍ يَحْصُلُ مِنها كَما في خُمُورِ الدُّنْيا، وقِيلَ: لا يُفَرَّقُونَ عَنْها بِمَعْنى لا تُقْطَعُ عَنْهم لَذَّتُهم بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ كَما تُفَرِّقُ أهْلَ خَمْرِ الدُّنْيا بِأنْواعِ التَّفْرِيقِ.

وقَرَأ مُجاهِدٌ «لا يَصَّدَّعُونَ» بِفَتْحِ الياءِ وشَدِّ الصّادِ عَلى أنَّ أصْلَهُ يَتَصَدَّعُونَ فَأُدْغِمَ التّاءُ في الصّادِ أيْ لا يَتَفَرَّقُونَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ  ﴾ ، وقُرِئَ «لا يَصْدَعُونَ» بِفَتْحِ الياءِ والتَّخْفِيفِ أيْ لا يُصَدِّعُ بَعْضُهم بَعْضًا ولا يُفَرِّقُونَهم أيْ لا يَجْلِسُ داخِلُ مِنهم بَيْنَ اثْنَيْنِ فَيُفَرِّقُ بَيْنَ المُتَقارِبِينَ فَإنَّهُ سُوءُ الأدَبِ ولَيْسَ مِن حُسْنِ العِشْرَةِ ﴿ ولا يُنْزِفُونَ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ: لا تَذْهَبُ عُقُولُهم بِكَسْرِها مِن نَزْفِ الشّارِبِ كَعَنِيَ إذا ذَهَبَ عَقْلُهُ، ويُقالُ لِلسَّكْرانِ نَزِيفٌ ومَنزُوفٌ، وقِيلَ: وهو مِن نَزَفَ الماءَ نَزَحَهُ مِنَ البِئْرِ شَيْئًا فَشَيْئًا فَكانَ الكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ.

وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ وعَبْدُ اللَّهِ والسُّلَمِيُّ والجَحْدَرِيُّ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ وعِيسى وعاصِمُ كَما أخْرَجَ عَنْهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ «ولا يُنْزِفُونَ» بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ مِن أنْزَفَ الشّارِبُ إذا ذَهَبَ عَقْلُهُ أوْ شَرابُهُ، ومَعْناهُ صارَ ذا نَزْفٍ ونَظِيرُهُ أقْشَعَ السَّرابُ وقَشَعَتْهُ الرِّيحُ وحَقِيقَتُهُ دَخَلَ في القَشْعِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ أيْضًا «ولا يَنْزِفُونُ» بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ قالَ: في المَجْمَعِ وهو مَحْمُولٌ عَلى أنَّهُ لا يَفْنى خَمْرُهم، والتَّناسُبُ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ عَلى ما سَمِعْتَ فِيهِما أوَّلًا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ أنَّ الأُولى لِبَيانِ نَفْيِ الضَّرَرِ عَنِ الأجْسامِ، والثّانِيَةُ لِبَيانِ نَفْيِ الضَّرَرِ عَنِ العُقُولِ وتَأمَّلْ لِتَعَرُّفِهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى عَلى ما عَدا ذَلِكَ <div class="verse-tafsir"

وَفَـٰكِهَةٍۢ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ ٢٠ وَلَحْمِ طَيْرٍۢ مِّمَّا يَشْتَهُونَ ٢١

﴿ وفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ ﴾ أيْ يَأْخُذُونَ خَيْرَهُ وأفْضَلَهُ والمُرادُ مِمّا يَرْضَوْنَهُ ﴿ ولَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ ﴾ مِمّا تَمِيلُ نُفُوسُهم إلَيْهِ وتَرْغَبُ فِيهِ، والظّاهِرُ أنَّ فاكِهَةَ ولَحْمَ مَعْطُوفانِ عَلى أكْوابٍ فَتُفِيدُ الآيَةُ أنَّ الوِلْدانَ يَطُوفُونَ بِهِما عَلَيْهِمْ، واسْتُشْكِلَ بِأنَّهُ قَدْ جاءَ في الآثارِ أنَّ فاكِهَةَ الجَنَّةِ وثِمارَها يَنالُها القائِمُ والقاعِدُ والنّائِمُ، وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّها دانِيَةٌ مِن أرْبابِها فَيَتَناوَلُونَها مُتَّكِئِينَ فَإذا اضْطَجَعُوا نَزَلَتْ بِإزاءِ أفْواهِهِمْ فَيَتَناوَلُونَها مُضْطَجِعِينَ، وأنَّ الرَّجُلَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ يَشْتَهِي الطَّيْرَ مِن طُيُورِ الجَنَّةِ فَيَقَعُ في يَدِهِ مَقْلِيًّا نَضِجًا، وقَدْ أخْرَجَ هَذا ابْنُ أبِي الدُّنْيا عَنْ أبِي أُمامَةَ.

وأخْرَجَ عَنْ مَيْمُونَةَ مَرْفُوعًا «أنَّ الرَّجُلَ لِيَشْتَهِيَ الطَّيْرَ في الجَنَّةِ فَيَجِيءُ مِثْلَ البُخْتِيِّ حَتّى يَقَعَ عَلى خِوانِهِ لَمْ يُصِبْهُ دُخّانٌ ولَمْ تَمَسَّهُ نارٌ فَيَأْكُلُ مِنهُ حَتّى يَشْبَعَ ثُمَّ يَطِيرُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ»، وإذا كانَ الأمْرُ كَما ذُكِرَ اسْتُغْنِيَ عَنْ طَوافِهِمْ بِالفاكِهَةِ واللَّحْمِ، وأُجِيبَ بِأنَّ ذَلِكَ - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ - حالَةُ الِاجْتِماعِ والشُّرْبِ، ويَفْعَلُونَ ذَلِكَ لِلْإكْرامِ ومَزِيدِ المَحَبَّةِ والتَّعْظِيمِ والِاحْتِرامِ، وهَذا كَما يُناوِلُ أحَدُ الجُلَساءِ عَلى خُوانِ الآخَرِ بَعْضَ ما عَلَيْهِ مِنَ الفَواكِهِ ونَحْوَها وإنْ كانَ ذَلِكَ قَرِيبًا مِنهُ اعْتِناءً بِشَأْنِهِ وإظْهارًا لِمَحَبَّتِهِ والِاحْتِفالِ بِهِ، وجُوَّزَ أنْ يَكُونَ العَطْفُ عَلى جَنّاتِ النَّعِيمِ وهو مِن بابِ - مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحًا - أوْ مِن بابِهِ المَعْرُوفِ، وتَقْدِيمُ الفاكِهَةِ عَلى اللَّحْمِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم لَيْسُوا بِحالَةٍ تَقْتَضِي تَقْدِيمَ اللَّحْمِ كَما في الجائِعِ فَإنَّ حاجَتَهُ إلى اللَّحْمِ أشَدُّ مِن حاجَتِهِ إلى الفاكِهَةِ بَلْ هم بِحالَةٍ تَقْتَضِي تَقْدِيمَ الفاكِهَةِ واخْتِيارَها كَما في الشَّبْعانِ فَإنَّهُ إلى الفاكِهَةِ أمِيلُ مِنهُ إلى اللَّحْمِ، وجُوَّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِأنَّ عادَةً أهْلَ الدُّنْيا لا سِيَّما أهْلَ الشُّرْبِ مِنهم تَقْدِيمُ الفاكِهَةِ في الأكْلِ وهو طِبًّا مُسْتَحْسَنٌ لِأنَّها ألْطَفُ وأسْرَعُ انْحِدارًا وأقَلُّ احْتِياجًا إلى المُكْثِ في المَعِدَةِ لِلْهَضْمِ، وقَدْ ذَكَرُوا أنَّ أحَدَ أسْبابِ الهَيْضَةِ إدْخالُ اللَّطِيفِ مِنَ الطَّعامِ عَلى الكَثِيفِ مِنهُ ولِأنَّ الفاكِهَةَ تُحَرِّكُ الشَّهْوَةَ لِلْأكْلِ واللَّحْمِ يَدْفَعُها غالِبًا.

ويُعْلَمُ مِنَ الوَجْهِ الأوَّلِ وجْهَ تَخْصِيصِ التَّخَيُّرِ بِالفاكِهَةِ والِاشْتِهاءِ بِاللَّحْمِ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ الفاكِهَةَ لَمْ تَزَلْ حاضِرَةً عِنْدَهم وبِمَرْأى مِنهم دُونَ اللَّحْمِ ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّها مِمّا تَلَذُّهُ الأعْيُنُ دُونَهُ، وقِيلَ: وجْهُ التَّخْصِيصِ كَثْرَةُ أنْواعِ الفاكِهَةِ واخْتِلافُ طَعُومِها وألْوانِها وأشْكالِها وعَدَمُ كَوْنِ اللَّحْمِ كَذَلِكَ، وفي التَّعْبِيرِ بِيَتَخَيَّرُونَ دُونَ يَخْتارُونَ وإنْ تَقارَبا مَعْنًى إشارَةٌ لِمَكانِ صِيغَةِ التَّفَعُّلِ إلى أنَّهم يَأْخُذُونَ ما يَكُونُ مِنها في نِهايَةِ الكَمالِ وأنَّهم في غايَةِ الغِنى عَنْها، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِأسْرارِ كَلامِهِ <div class="verse-tafsir"

وَحُورٌ عِينٌۭ ٢٢

﴿ وحُورٌ عِينٌ ﴾ عَطْفٌ عَلى ( وِلْدانٌ ) أوْ عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في ( مُتَّكِئِينَ ) أوْ عَلى مُبْتَدَأٍ حُذِفَ هو وخَبَرُهُ أيْ لَهم هَذا كُلٌّ ﴿ وحُورٌ ﴾ أوْ مُبْتَدَأٌ حُذِفَ خَبَرُهُ أيْ لَهم، أوْ فِيها حُورٌ، وتُعُقِّبَ الوَجْهُ الأوَّلُ بِأنَّ الطَّوافَ لا يُناسِبُ حالَهُنَّ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ مِنَ الحُورِ ما لَيْسَ بِمَقْصُوراتٍ في الخِيامِ ولا مُخَدَّراتٍ هُنَّ كالخَدَمِ لَهُنَّ لا يُبالى بِطَوافِهِنَّ ولا يُنْكَرُ ذَلِكَ عَلَيْهِنَّ، وأنَّ الطَّوافَ في الخِيامِ أنْفُسِها وهو لا يُنافِي كَوْنَهم مَقْصُوراتٍ فِيها، أوْ أنَّ العَطْفَ عَلى مَعْنى لَهم ( وِلْدانٌ وحُورٌ ) والثّانِي بِأنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا، والثّالِثُ بِكَثْرَةِ الحَذْفِ، ( وعِينٌ ) جَمْعُ عَيْناءَ وأصْلُهُ عُيْنٌ عَلى فُعْلٍ كَما تَقُولُ حَمْراءُ وحُمْرٌ فَكُسِرَتِ العَيْنُ لِئَلّا تَنْقَلِبَ الياءُ واوًا، ولَيْسَ في كَلامِ العَرَبِ ياءٌ ساكِنَةٌ قَبْلَها ضَمَّةٌ كَما أنَّهُ لَيْسَ فِيهِ واوٌ ساكِنَةٌ قَبْلَها كَسْرَةٌ.

وقَرَأ السُّلَمِيُّ والحَسَنُ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ والمُفَضَّلُ وأبانٌ وعِصْمَةُ عَنْ عاصِمٍ وحَمْزَةَ والكِسائِيِّ «وحُورٍ عِينٍ» بِالجَرِّ، وقَرَأ النَّخَعِيُّ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ قَلَبَ الواوَ ياءً والضَّمَّةَ قَبْلَها كَسْرَةً في «حُورٍ» فَقالَ: وحِيرٍ عَلى الإتْباعِ - لِعِينٍ - وخُرِّجَ عَلى العَطْفِ عَلى ( جَنّاتِ النَّعِيمِ ) وفِيهِ مُضافٌ مَحْذُوفٌ كَأنَّهُ قِيلَ: هم في جَنّاتٍ وفاكِهَةٍ ولَحْمٍ ومُصاحَبَةِ حُورٍ عَلى تَشْبِيهِ مُصاحَبَةِ الحُورِ بِالظَّرْفِ عَلى نَهْجِ الِاسْتِعارَةِ المَكْنِيَّةِ، وقَرِينَتُها التَّخْيِيلِيَّةُ إثْباتُ مَعْنى الظَّرْفِيَّةِ بِكَلِمَةِ ( في ) فَهي باقِيَةٌ عَلى مَعْناها الحَقِيقِيِّ ولا جَمْعَ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ، وذَهَبَ إلى العَطْفِ المَذْكُورِ الزَّمَخْشَرِيُّ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ فَقالَ: فِيهِ بُعْدٌ وتَفْكِيكُ كَلامٍ مُرْتَبِطٍ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، وهو فَهْمٌ أعْجَمِيٌّ - ولَيْسَ كَما قالَ كَما لا يَخْفى - أوْ عَلى (أكْوابِ) ويُجْعَلُ مِن بابِ - مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحًا - كَما سَمِعْتَ آنِفًا فَكَأنَّهُ قِيلَ: يُنَعَّمُونَ بِأكْوابٍ وبِحُورٍ، وجُوِّزَ أنْ يَبْقى عَلى ظاهِرِهِ المَعْرُوفِ، وأنَّ الوِلْدانَ يَطُوفُونَ عَلَيْهِمْ بِالحُورِ أيْضًا لِعَرْضِ أنْواعِ اللَّذّاتِ عَلَيْهِمْ مِنَ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ والمَنكُوحِ كَما تَأْتِي الخُدّامُ بِالسِّرارِي لِلْمُلُوكِ ويَعْرِضُوهُنَّ عَلَيْهِمْ، وإلى هَذا ذَهَبَ أبُو عُمَرَ وقُطْرُبٌ، وأبى ذَلِكَ صاحِبُ الكَشْفِ فَقالَ: أمّا العَطْفُ عَلى الوِلْدانِ عَلى الظّاهِرِ فَلا لِأنَّ الوِلْدانَ لا يَطُوفُونَ بِهِنَّ طَوافَهم بِالأكْوابِ، والقَلْبُ إلى هَذا أمْيَلُ إلّا أنْ يَكُونَ هُناكَ أثَرٌ يَدُلُّ عَلى خِلافِهِ، وكَوْنُ الجَرِّ لِلْجِوارِ يَأْباهُ الفَصْلُ أوْ يُضَعِّفُهُ.

وقَرَأ أُبَيٌّ وعَبْدُ اللَّهِ - وحُورًا عِينًا - بِالنَّصْبِ، وخُرِّجَ عَلى العَطْفِ عَلى مَحَلِّ ﴿ بِأكْوابٍ ﴾ لِأنَّ المَعْنى يُعْطَوْنَ أكْوابًا وحُورًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لِمَحْذُوفٍ أيْ ويُعْطَوْنَ حُورًا أوْ عَلى العَطْفِ عَلى مَحْذُوفٍ وقَعَ مَفْعُولًا بِهِ لِمَحْذُوفٍ أيْضًا أيْ يُعْطَوْنَ هَذا كُلَّهُ وحُورًا، وقَرَأ قَتادَةُ «وحُورُ» بِالرَّفْعِ مُضافًا إلى «عِينٍ»، وابْنُ مُقْسِمٍ «وحُورَ» بِالنَّصْبِ مُضافًا، وعِكْرِمَةُ - وحَوْراءَ عَيْناءَ - عَلى التَّوْحِيدِ اسْمُ جِنْسٍ وبِفَتْحِ الهَمْزَةِ فِيهِما فاحْتَمَلَ الجَرَّ والنَّصْبَ <div class="verse-tafsir"

كَأَمْثَـٰلِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ ٢٣ جَزَآءًۢ بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ٢٤

﴿ كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ ﴾ أيْ في الصَّفاءِ، وقُيِّدَ بِالمَكْنُونِ أيِ المَسْتُورِ بِما يَحْفَظُهُ لِأنَّهُ أصْفى وأبْعَدُ مِنَ التَّغَيُّرِ، وفي الحَدِيثِ صَفاؤُهُنَّ كَصَفاءِ الدُّرِّ الَّذِي لا تَمَسُّهُ الأيْدِي، ووَصْفُ الحَسِناتِ بِذَلِكَ شائِعٌ في العَرَبِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: قامَتْ تَراءى بَيْنَ سِجْفَيْ كِلَّةٍ كالشَّمْسِ يَوْمَ طُلُوعِها بِالأسْعَدِ أوْ دُرَّةٌ صَدَفِيَّةٌ غَوّاصُها ∗∗∗ بَهِجٌ مَتى يَرَها يُهِلُّ ويَسْجُدُ والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِحُورٍ، أوِ الحالِ، والإتْيانُ بِالكافِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّشْبِيهِ، ولَعَلَّ الأمْرَ عَلَيْهِ نَحْوَ زَيْدٌ قَمَرٌ ﴿ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ مَفْعُولٌ لَهُ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ يُفْعَلُ بِهِمْ ذَلِكَ كُلُّهُ جَزاءً بِأعْمالِهِمْ أوْ بِالَّذِي اسْتَمَرُّوا عَلى عَمَلِهِ أوْ هو مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ أيْ يُجْزَوْنَ جَزاءً.

<div class="verse-tafsir"

لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًۭا وَلَا تَأْثِيمًا ٢٥ إِلَّا قِيلًۭا سَلَـٰمًۭا سَلَـٰمًۭا ٢٦

﴿ لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ﴾ ما لا يُعْتَدُّ بِهِ مِنَ الكَلامِ وهو الَّذِي يُورَدُ لا عَنْ رَوِيَّةٍ وفِكْرٍ فَيَجْرِي مَجْرى اللَّغا - وهو صَوْتُ العَصافِيرِ ونَحْوِها مِنَ الطَّيْرِ - وقَدْ يُسَمّى كُلُّ كَلامٍ قَبِيحٍ لَغْوًا ﴿ ولا تَأْثِيمًا ﴾ أيْ ولا نِسْبَةً إلى الإثْمِ أيْ لا يُقالُ لَهم أثِمْتُمْ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ كَما أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ تَفْسِيرَهُ بِالكَذِبِ، وأخْرَجَهُ هَنّادٌ عَنِ الضَّحّاكِ - وهو مِنَ المَجازِ كَما لا يَخْفى - والكَلامُ مِن بابِ ولا تَرى الضَّبَّ بِها يَنْجَحِرُ ﴿ إلا قِيلا ﴾ أيْ قَوْلًا فَهو مَصْدَرٌ مِثْلُهُ ﴿ سَلامًا سَلامًا ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿ قِيلا ﴾ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا إلا سَلامًا  ﴾ وقالَ الزَّجّاجُ: هو صِفَةٌ لَهُ بِتَأْوِيلِهِ بِالمُشْتَقِّ أيْ سالِمًا مِن هَذِهِ العُيُوبِ أوْ مَفْعُولُهُ، والمُرادُ لَفْظُهُ فَلِذا جازَ وُقُوعُهُ مَفْعُولًا لِلْقَوْلِ مَعَ إفْرادِهِ، والمَعْنى إلّا أنْ يَقُولَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ( سَلاما)، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ مِن لَفْظِهِ وهو مَقُولُ القَوْلِ ومَفْعُولُهُ حِينَئِذٍ أيْ نُسَلِّمُ سَلامًا، والتَّكْرِيرُ لِلدَّلالَةِ عَلى فُشُوِّ السَّلامِ وكَثْرَتِهِ فِيما بَيْنَهم لِأنَّ المُرادَ سَلامًا بَعْدَ سَلامٍ، والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ وهو مِن تَأْكِيدِ المَدْحِ بِما يُشْبِهُ الذَّمَّ مُحْتَمِلٌ لِأنْ يَكُونَ مِنَ الضَّرْبِ الأوَّلِ مِنهُ، وهو أنْ يُسْتَثْنى مِن صِفَةِ ذَمٍّ مَنفِيَّةٍ عَنِ الشَّيْءِ صِفَةَ مَدْحٍ لَهُ بِتَقْدِيرِ دُخُولِها فِيها بِأنْ يُقَدَّرَ السَّلامُ هُنا داخِلًا فِيما قِيلَ فَيُفِيدُ التَّأْكِيدَ مِن وجْهَيْنِ، وأنْ يَكُونَ مِنَ الضَّرْبِ الثّانِي مِنهُ وهو أنْ يُثْبِتَ لِشَيْءٍ صِفَةَ مَدْحٍ ويُعَقِّبَ بِأداةِ اسْتِثْناءٍ يَلِيها صِفَةُ مَدْحٍ أُخْرى بِأنْ لا يُقَدِّرَ ذَلِكَ، ويَجْعَلُ الِاسْتِثْناءَ مِن أصْلِهِ مُنْقَطِعًا فَيُفِيدُ التَّأْكِيدَ مِن وجْهٍ، ولَوْلا ذِكْرُ التَّأْثِيمِ - عَلى ما قالَهُ السَّعْدُ - جازَ جَعْلُ الِاسْتِثْناءِ مُتَّصِلًا حَقِيقَةً لِأنَّ مَعْنى السَّلامِ الدُّعاءُ بِالسَّلامَةِ وأهْلُ الجَنَّةِ أغْنِياءُ عَنْ ذَلِكَ فَكانَ ظاهِرُهُ مِن قَبِيلِ اللَّغْوِ وفُضُولِ الكَلامِ لَوْلا ما فِيهِ مِن فائِدَةِ الإكْرامِ، وإنَّما مُنِعَ التَّأْثِيمُ الَّذِي هو النِّسْبَةُ إلى الإثْمِ لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ جَعْلُ السَّلامِ مِن قَبِيلِهِ ولَيْسَ لَكَ في الكَلامِ أنْ تَذْكُرَ مُتَعَدِّدَيْنِ ثُمَّ تَأْتِي بِالِاسْتِثْناءِ المُتَّصِلِ مِنَ الأوَّلِ مِثْلَ أنْ تَقُولَ: ما جاءَ مِن رَجُلٍ ولا امْرَأةٍ إلّا زَيْدًا ولَوْ قَصَدْتَ ذَلِكَ كانَ الواجِبُ أنْ تُؤَخِّرَ ذِكْرَ الرَّجُلِ، وقُرِئَ - سَلامٌ سَلامٌ - بِالرَّفْعِ عَلى الحِكايَةِ، <div class="verse-tafsir"

وَأَصْحَـٰبُ ٱلْيَمِينِ مَآ أَصْحَـٰبُ ٱلْيَمِينِ ٢٧ فِى سِدْرٍۢ مَّخْضُودٍۢ ٢٨ وَطَلْحٍۢ مَّنضُودٍۢ ٢٩ وَظِلٍّۢ مَّمْدُودٍۢ ٣٠ وَمَآءٍۢ مَّسْكُوبٍۢ ٣١

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وأصْحابُ اليَمِينِ ﴾ إلَخْ شُرُوعٌ في بَيانِ تَفاصِيلِ شُؤُونِهِمْ بَعْدَ بَيانِ تَفاصِيلِ شُؤُونِ السّابِقِينَ «وأصْحابُ» مُبْتَدَأٌ وقَوْلُهُ: ﴿ ما أصْحابُ اليَمِينِ ﴾ جُمْلَةٌ اسْتِفْهامِيَّةٌ مُشْعِرَةٌ بِتَفْخِيمِهِمْ والتَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ وهي عَلى ما قالُوا: إمّا خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ ﴾ خَبَرٌ ثانٍ لَهُ، أوْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هم في سِدْرٍ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ ما أُبْهِمَ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ما ( أصْحابُ اليَمِينِ ) مِن عُلُوِّ الشَّأْنِ، وإمّا مُعْتَرِضَةٌ والخَبَرُ هو قَوْلُهُ تَعالى شَأْنُهُ: ﴿ فِي سِدْرٍ ﴾ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ تِلْكَ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ والخَبَرُ هو هَذا الجارُّ والمَجْرُورُ، والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى في شَرْحِ أحْوالِ السّابِقَيْنِ: ﴿ أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ ﴾ ﴿ فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ  ﴾ أيْ ﴿ وأصْحابُ اليَمِينِ ﴾ المَقُولُ فِيهِمْ ما ﴿ أصْحابُ اليَمِينِ ﴾ كائِنُونَ ﴿ فِي سِدْرٍ ﴾ إلَخْ، والظّاهِرُ أنَّ التَّعْبِيرَ بِالمَيْمَنَةِ فِيما مَرَّ، وبِاليَمِينِ هُنا لِلتَّفَنُّنِ، وكَذا يُقالُ في المَشْأمَةِ والشِّمالِ فِيما بَعْدُ، وقالَ الإمامُ: الحِكْمَةُ في ذَلِكَ أنَّ في المَيْمَنَةِ وكَذا المَشْأمَةِ دَلالَةً عَلى المَوْضِعِ والمَكانِ والأزْواجِ الثَّلاثَةِ في أوَّلِ الأمْرِ يَتَمَيَّزُ بَعْضُهم عَنْ بَعْضٍ ويَتَفَرَّقُونَ بِالمَكانِ فَلِذا جِيءَ أوَّلًا بِلَفْظٍ يَدُلُّ عَلى المَكانِ وفِيما بَعْدُ يَكُونُ التَّمَيُّزُ والتَّفَرُّقُ بِأمْرٍ فِيهِمْ فَلِذا لَمْ يُؤْتَ بِذَلِكَ اللَّفْظِ ثانِيًا، والسِّدْرُ شَجَرُ النَّبْقِ، والمَخْضُودُ الَّذِي خُضِدَ أيْ قُطِعَ شَوْكُهُ، أخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: ««كانَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ  يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يَنْفَعُنا بِالأعْرابِ ومَسائِلِهِمْ أقْبَلَ أعْرابِيٌّ يَوْمًا فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في القُرْآنِ شَجَرَةً مُؤْذِيَةً وما كُنْتُ أرى أنَّ في الجَنَّةِ شَجَرَةً تُؤْذِي صاحِبَها قالَ: وما هي ؟

قالَ: السِّدْرُ فَإنَّ لَهُ شَوْكًا فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ألَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ: ﴿ فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ ﴾ خَضَدَ اللَّهُ شَوْكَهُ فَجَعَلَ مَكانَ كُلِّ شَوْكَةٍ ثَمَرَةً وأنَّ الثَّمَرَةَ مِن ثَمَرِهِ تَفَتَّقُ عَنِ اثْنَيْنِ وسَبْعِينَ لَوْنًا مِنَ الطَّعامِ ما فِيها لَوْنٌ يُشْبِهُ الآخَرَ»».

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ وعِكْرِمَةَ والضَّحّاكِ أنَّهُ المُوقَرُ حِمْلًا عَلى أنَّهُ في خَضْدِ الغُصْنِ إذا ثَناهُ وهو رَطْبٌ فَمَخْضُودٌ مَثْنِيُّ الأغْصانِ كُنِّيَ بِهِ عَنْ كَثِيرِ الحِمْلِ.

وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ يَزِيدَ الرُّقّاشِيِّ أنَّ النَّبْقَةَ أعْظَمُ مِنَ القِلالِ والظَّرْفِيَّةُ مَجازِيَّةٌ لِلْمُبالَغَةِ في تَمَكُّنِهِمْ مِنَ التَّنَعُّمِ والِانْتِفاعِ بِما ذُكِرَ ﴿ وطَلْحٍ مَنضُودٍ ﴾ قَدْ نُضِدَ حِمْلُهُ مِن أسْفَلِهِ إلى أعْلاهُ لَيْسَتْ لَهُ ساقٌ بارِزَةٌ وهو شَجَرُ المَوْزِ كَما أخْرَجَ ذَلِكَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وهَنّادٌ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وأخْرَجَهُ جَماعَةٌ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ورَواهُ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، وأبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ، ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: لَيْسَ بِالمَوْزِ ولَكِنَّهُ شَجَرٌ ظِلُّهُ بارِدٌ رَطْبٌ، وقالَ السُّدِّيُّ: شَجَرٌ يُشْبِهُ طَلْحَ الدُّنْيا ولَكِنْ لَهُ ثَمَرٌ أحْلى مِنَ العَسَلِ، وقِيلَ: هو شَجَرٌ مِن عِظامِ العِضاهِ، وقِيلَ: شَجَرُ أمْ غِيلانَ ولَهُ نَوّارٌ كَثِيرٌ طَيِّبُ الرّائِحَةِ ﴿ وظِلٍّ مَمْدُودٍ ﴾ مُمْتَدٍّ مُنْبَسِطٍ لا يَتَقَلَّصُ ولا يَتَفاوَتُ كَظِلِّ ما بَيْنَ طُلُوعِ الفَجْرِ وطُلُوعِ الشَّمْسِ، وظاهِرُ الآثارِ يَقْتَضِي أنَّهُ ظِلُّ الأشْجارِ.

أخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ ماجَهْ وغَيْرُهم عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ  قالَ: ««إنَّ في الجَنَّةِ شَجَرَةٌ يَسِيرُ الرّاكِبُ في ظِلِّها مِائَةَ عامٍ لا يَقْطَعُها اقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ ﴿ وظِلٍّ مَمْدُودٍ ﴾ »».

وأخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: ««قالَ رَسُولُ اللَّهِ  في الجَنَّةِ شَجَرَةٌ يَسِيرُ الرّاكِبُ في ظِلِّها مِائَةَ عامٍ لا يَقْطَعُها وذَلِكَ الظِّلُّ المَمْدُودُ»».

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: الظِّلُّ المَمْدُودُ شَجَرَةٌ في الجَنَّةِ عَلى ساقٍ ظِلُّها قَدْرُ ما يَسِيرُ الرّاكِبُ في كُلِّ نَواحِيها مِائَةَ عامٍ يَخْرُجُ إلَيْها أهْلُ الجَنَّةِ وأهْلُ الغُرَفِ وغَيْرُهم فَيَتَحَدَّثُونَ في ظِلِّها فَيَشْتَهِي بَعْضُهم ويَذْكُرُ لَهْوَ الدُّنْيا فَيُرْسِلُ اللَّهُ تَعالى رِيحًا مِنَ الجَنَّةِ فَتُحَرِّكُ تِلْكَ الشَّجَرَةَ بِكُلِّ لَهْوٍ في الدُّنْيا وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: هَذا الظِّلُّ مِن سِدْرِها وطَلْحِها، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ أنَّهُ قالَ: الظِّلُّ المَمْدُودُ مَسِيرَةُ سَبْعِينَ ألْفَ سَنَةٍ ﴿ وماءٍ مَسْكُوبٍ ﴾ قالَ سُفْيانُ وغَيْرُهُ: جارٍ مِن غَيْرِ أخادِيدَ، وقِيلَ: مُنْسابٌ حَيْثُ شاؤُوا لا يَحْتاجُونَ فِيهِ إلى سانِيَةٍ ولا رِشاءٍ وذَكَرَ هَذِهِ الأشْياءَ لِما أنَّ كَثِيرًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لِبَداوَتِهِمْ تَمَنَّوْها، أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: كانُوا يُعْجَبُونَ بِوَجٍّ وظِلالِهِ مِن طَلْحِهِ وسِدْرِهِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وأصْحابُ اليَمِينِ ما أصْحابُ اليَمِينِ ﴾ ﴿ فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ ﴾ إلَخْ، وفي رِوايَةٍ عَنِ الضَّحّاكِ «نَظَرَ المُسْلِمُونَ إلى وجٍّ فَأعْجَبَهم سِدْرُهُ وقالُوا: يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ هَذا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةَ».

وقِيلَ: كَأنَّهُ لَمّا شَبَّهَ حالَ السّابِقِينَ بِأقْصى ما يُتَصَوَّرُ لِأهْلِ المُدُنِ مِن كَوْنِهِمْ عَلى سُرُرٍ تَطُوفُ عَلَيْهِمْ خُدّامُهم بِأنْواعِ المَلاذِّ شَبَّهَ حالَ أصْحابِ اليَمِينِ بِأكْمَلِ ما يُتَصَوَّرُ لِأهْلِ البَوادِي مِن نُزُولِهِمْ في أماكِنَ مُخْصِبَةٍ فِيها مِياهٌ وأشْجارٌ وظِلالٌ إيذانًا بِأنَّ التَّفاوُتَ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ كالتَّفاوُتِ بَيْنَ أهْلِ المُدُنِ والبَوادِي، وذَكَرَ الإمامُ مُدَّعِيًا أنَّهُ مِمّا وُفِّقَ لَهُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ ﴾ ﴿ وطَلْحٍ مَنضُودٍ ﴾ مِن بابِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ﴿ رَبُ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ ﴾ ) [الشُّعَراءَ: 28، المُزَّمِّلَ: 9] لِأنَّ السِّدْرَ أوْراقُهُ في غايَةِ الصِّغَرِ والطَّلْحَ يَعْنِي المَوْزَ أوْراقُهُ في غايَةِ الكِبَرِ فَوَقَعَتِ الإشارَةُ إلى الطَّرَفَيْنِ فَيُرادُ جَمِيعُ الأشْجارِ لِأنَّها نَظَرًا إلى أوْراقِها مَحْصُورَةٌ بَيْنَهُما وهو مِمّا لا بَأْسَ بِهِ، وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ وعَبْدُ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم «وطَلْعٍ» بِالعَيْنِ بَدَلَ ﴿ وطَلْحٍ ﴾ بِالحاءِ، وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ عَبّادٍ قالَ: قَرَأْتُ عَلى عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ ﴿ وطَلْحٍ مَنضُودٍ ﴾ فَقالَ: ما بالُ الطَّلْحِ ؟

أما تَقْرَأُ وطَلْعٍ، ثُمَّ قَرَأ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ  ﴾ فَقِيلَ لَهُ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ أنَحْكِها مِنَ المُصْحَفِ ؟

فَقالَ: لا يُهاجُ القُرْآنُ اليَوْمَ وهي رِوايَةٌ غَيْرُ صَحِيحَةٍ كَما نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ الطَّيِّبِيُّ، وكَيْفَ يُقِرُّ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ تَحْرِيفًا في كِتابِ اللَّهِ تَعالى المُتَداوَلِ بَيْنَ النّاسِ، أوْ كَيْفَ يُظَنُّ بِأنَّ نَقَلَةَ القُرْآنِ ورُواتِهِ وكُتّابَهُ مِن قَبْلُ تَعَمَّدُوا ذَلِكَ أوْ غَفَلُوا عَنْهُ ؟

هَذا واللَّهُ تَعالى قَدْ تَكَفَّلَ بِحِفْظِهِ سُبْحانَكَ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ.

ثُمَّ إنَّ الَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظْمُ الجَلِيلُ كَما قالَ الطَّيِّبِيُّ: حَمْلُ ﴿ فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ ﴾ إلَخْ عَلى مَعْنى التَّظْلِيلِ، وتَكاثُفِ الأشْجارِ عَلى سَبِيلِ التَّرَقِّي لِأنَّ الفَواكِهَ مُسْتَغْنى عَنْها بِما بَعْدُ ولِيُقابِلَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وأصْحابُ الشِّمالِ ما أصْحابُ الشِّمالِ ﴾ ﴿ فِي سَمُومٍ وحَمِيمٍ ﴾ ﴿ وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ  ﴾ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وأصْحابُ اليَمِينِ ﴾ إلَخْ فَإذَنْ لا مَدْخَلَ لِحَدِيثِ الطَّلْعِ في مَعْنى الظِّلِّ وما يَتَّصِلُ بِهِ لَكِنْ قالَ صاحِبُ الكَشْفِ: إنَّ وصْفَ الطَّلْحِ بِكَوْنِهِ مَنضُودًا لا يَظْهَرُ لَهُ كَثِيرُ مُلاءَمَةٍ لِكَوْنِ المَقْصُودِ مَنفَعَةَ التَّظْلِيلِ ويَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ الطَّلْحُ عَلى أنَّهُ مِن عِظامِ العِضاهِ عَلى ما ذَكَرَهُ في الصِّحاحِ فَشَجَرُ أُمِّ غِيلانَ والمَوْزِ لا ظِلَّ لَهُما يُعْتَدُّ بِهِ، ثُمَّ قالَ ولَوْ حُمِلَ الطَّلْحُ عَلى المَشْمُومِ لَكانَ وجْهًا انْتَهى، وقَدْ قَدَّمْنا لَكَ خَبَرَ سَبَبِ النُّزُولِ فَلا تَغْفُلْ <div class="verse-tafsir"

وَفَـٰكِهَةٍۢ كَثِيرَةٍۢ ٣٢ لَّا مَقْطُوعَةٍۢ وَلَا مَمْنُوعَةٍۢ ٣٣ وَفُرُشٍۢ مَّرْفُوعَةٍ ٣٤

﴿ وفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ ﴾ أيْ بِحَسَبِ الأنْواعِ والأجْناسِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ المَقامُ.

﴿ لا مَقْطُوعَةٍ ﴾ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ كَفَواكِهَ الدُّنْيا ﴿ ولا مَمْنُوعَةٍ ﴾ عَمَّنْ يُرِيدُ تَناوُلَها بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ ولا يُحْظَرُ عَلَيْها كَما يُحْظَرُ عَلى بَساتِينِ الدُّنْيا، وقُرِئَ ﴿ وفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ ﴾ ﴿ لا مَقْطُوعَةٍ ولا مَمْنُوعَةٍ ﴾ بِالرَّفْعِ في الجَمِيعِ عَلى تَقْدِيرِ وهُناكَ فاكِهَةٌ إلَخْ ﴿ وفُرُشٍ ﴾ جَمْعُ فِراشٍ كَسِراجٍ وسُرُجُ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ بِسُكُونِ الرّاءِ ﴿ مَرْفُوعَةٍ ﴾ مُنَضَّدَةٍ مُرْتَفِعَةٍ أوْ مَرْفُوعَةٍ عَلى الأسِرَّةِ فالرَّفْعُ حِسِّيٌّ كَما هو الظّاهِرُ، وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والنَّسائِيُّ وجَماعَةٌ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ «عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: ارْتِفاعُها كَما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ ومَسِيرَةُ ما بَيْنَهُما خَمْسَمِائَةِ عامٍ» ولا تَسْتَبْعِدُ ذَلِكَ مِن حَيْثُ العُرُوجُ والنُّزُولُ ونَحْوِهِما فالعالَمُ عالَمٌ آخَرُ وراءَ طَوْرِ عَقْلِكَ.

وأخْرَجَ هَنّادٌ عَنِ الحَسَنِ أنَّ ارْتِفاعَها مَسِيرَةَ ثَمانِينَ سَنَةً ولَيْسَ بِمَثابَةِ الخَبَرِ السّابِقِ، وقالَ بَعْضُهم: أيْ رَفِيعَةُ القَدْرِ عَلى أنَّ رَفْعَها مَعْنَوِيٌّ بِمَعْنى شَرَفِها وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ بِالفُرُشِ ما يُفْرَشُ لِلْجُلُوسِ عَلَيْهِ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ المُرادُ بِها النِّساءُ لِأنَّ المَرْأةَ يُكَنّى عَنْها بِالفِراشِ كَما يُكَنّى عَنْها بِاللِّباسِ ورَفْعُهُنَّ في الأقْدارِ والمَنازِلِ.

وقِيلَ: عَلى الأرائِكِ <div class="verse-tafsir"

إِنَّآ أَنشَأْنَـٰهُنَّ إِنشَآءًۭ ٣٥ فَجَعَلْنَـٰهُنَّ أَبْكَارًا ٣٦

وأُيِّدَ إرادَةُ النِّساءِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً ﴾ لِأنَّ الضَّمِيرَ في الأغْلَبِ يَعُودُ عَلى مَذْكُورٍ مُتَقَدِّمٍ ولَيْسَ إلّا الفُرُشُ ولا يُناسِبُ العَوْدُ إلَيْهِ إلّا بِهَذا المَعْنى والِاسْتِخْدامُ بَعِيدٌ هُنا، وعَلى القَوْلِ في الفُرُشِ الضَّمِيرُ لِلنِّساءِ وإنْ لَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ لِتَقَدُّمِ ما يَدُلُّ عَلَيْها فَهو تَتْمِيمٌ بَيانًا لِمُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ كَأنَّهُ قِيلَ: وفُرُشٌ مَرْفُوعَةٌ ونِساءٌ أوْ وحُورٌ عِينٌ، ثُمَّ اسْتُؤْنِفَ وصْفُهُنَّ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إنّا أنْشَأْناهُنَّ ﴾ تَتْمِيمًا لِلْبَيانِ زِيادَةً لِلتَّرْغِيبِ لا لِتَعْلِيلِ الرَّفْعِ، وقِيلَ: إنَّ المَرْجِعَ مُضْمَرٌ وتَقْدِيرُ المَنزِلِ وفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ لِأزْواجِهِمْ أوْ لِنِسائِهِمْ فَإنّا إلَخِ اسْتِئْنافُ عِلَّةٍ لِلرَّفْعِ أيْ وفُرُشٌ مَرْفُوعَةٌ لِأزْواجِهِمْ لِأنّا أنْشَأْناهُنَّ، والأوَّلُ أوْفَقُ لِبَلاغَةِ القُرْآنِ العَظِيمِ، والمُرادُ بِأنْشَأْناهُنَّ أعَدْنا إنْشاءَهُنَّ مِن غَيْرِ وِلادَةٍ لِأنَّ المُخْبَرَ عَنْهُنَّ بِذَلِكَ نِساءَكُنَّ في الدُّنْيا.

فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والتِّرْمِذِيُّ وآخَرُونَ عَنْ أنَسٍ قالَ: ««قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : في الآيَةِ إنَّ المُنْشِئاتِ اللّاتِي كُنَّ في الدُّنْيا عَجائِزَ عُمْشًا رُمْصًا»» وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وجَماعَةٌ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ الجُعْفِيِّ قالَ: ««سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً ﴾ الثَّيِّبُ والأبْكارُ اللّاتِي كُنَّ في الدُّنْيا»» وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ في الشَّمائِلِ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُما عَنِ الحَسَنِ قالَ: ««أتَتْ عَجُوزٌ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أنْ يُدْخِلَنِي الجَنَّةَ فَقالَ: يا أُمَّ فُلانٍ إنَّ الجَنَّةَ لا تَدْخُلُها عَجُوزٌ فَوَلَّتْ تَبْكِي قالَ: أخْبِرُوها أنَّها لا تَدْخُلُها وهي عَجُوزٌ إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿ إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً ﴾ إلَخْ»، وقالَ أبُو حَيّانَ: الظّاهِرُ أنَّ الإنْشاءَ هو الِاخْتِراعُ الَّذِي لَمْ يُسْبَقْ بِخَلْقٍ ويَكُونُ ذَلِكَ مَخْصُوصًا بِالحُورِ العِينِ فالمَعْنى إنّا ابْتَدَأْناهُنَّ ابْتِداءً جَدِيدًا مِن غَيْرِ وِلادَةٍ ولا خَلْقٍ أوَّلَ ﴿ فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا ﴾ تَفْسِيرٌ لِما تَقَدَّمَ، والجَعْلُ إمّا بِمَعْنى التَّصْيِيرِ، ( وأبْكارا ) مَفْعُولٌ ثانٍ، أوْ بِمَعْنى الخَلْقِ و«أبْكارًا» حالٌ أوْ مَفْعُولٌ ثانٍ، والكَلامُ مِن قَبِيلِ ضِيقِ فَمِ الرَّكِيَّةِ، وفي الحَدِيثِ ««إنَّ أهْلَ الجَنَّةِ إذا جامَعُوا نِساءَهم عُدْنَ أبْكارًا»» أخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ في الصَّغِيرِ والبَزّارُ عَنْ أبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا <div class="verse-tafsir"

عُرُبًا أَتْرَابًۭا ٣٧ لِّأَصْحَـٰبِ ٱلْيَمِينِ ٣٨

﴿ عُرُبًا ﴾ مُتَحَبِّباتٍ إلى أزْواجِهِنَّ جَمْعُ عَرُوبٍ كَصَبُورٍ وصُبُرٍ، ورُوِيَ هَذا عَنْ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ وفَسَّرَها جَماعَةٌ أُخْرى بِغَنِجاتٍ، ولا يَخْفى أنَّ الغَنَجَ ألْطَفُ أسْبابِ التَّحَبُّبِ، وعَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ العُرُوبُ الحَسَنَةُ الكَلامِ، وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وابْنِ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٍ هُنَّ العَواشِقُ لِأزْواجِهِنَّ، ومِنهُ عَلى ما قِيلَ قَوْلُ لَبِيدٍ: وفِي الخُدُورِ عُرُوبٌ غَيْرُ فاحِشَةٍ رَيّا الرَّوادِفِ يُعْشى دُونَها البَصَرُ وفِي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُنَّ الغُلُماتُ اللّاتِي يَشْتَهِينَ أزْواجَهم، وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا - «خَيْرُ نِسائِكُمُ العَفِيفَةُ الغُلْمَةُ» - وقالَ إسْحاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحارِثِ النَّوْفَلِيُّ: العُرُوبُ الخَفِرَةُ المُتَبَذِّلَةُ لِزَوْجِها، وأنْشَدَ: يَعْرِينَ عِنْدَ بُعُولِهِنَّ إذا خَلَوْا ∗∗∗ وإذا هم خَرَجُوا فَهُنَّ خِفارُ ويَرْجِعُ هَذا إلى التَّحَبُّبِ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أبِيهِ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ  في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عُرُبًا ﴾ كَلامُهُنَّ عَرَبِيٌّ»، ولا أظُنُّ لِهَذا صِحَّةً والتَّفْسِيرُ بِالمُتَحَبِّباتِ هو الَّذِي عَلَيْهِ الأكْثَرُ.

وقَرَأ حَمْزَةُ وجَماعَةٌ - مِنها عَبّاسٌ والأصْمَعِيُّ - عَنْ أبِي عَمْرو، وأُخْرى - مِنها خارِجَةُ وكَرْدَمٌ - عَنْ نافِعٍ، وأُخْرى مِنها حَمّادٌ وأبُو بَكْرٍ وأبانٌ - عَنْ عاصِمٍ «عُرْبًا» بِسُكُونِ الرّاءِ وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: هي لِلتَّخْفِيفِ كَما في عُنُقٍ وعُنْقٍ ﴿ أتْرابًا ﴾ مُسْتَوَياتٍ في سَنٍّ واحِدٍ كَما قالَ أنَسٌ وابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ والحَسَنُ وعِكْرِمَةُ وقَتادَةُ وغَيْرُهم كَأنَّهُنَّ شُبِّهْنَ في التَّساوِي بِالتَّرائِبِ الَّتِي هي ضُلُوعُ الصَّدْرِ أوْ كَأنَّهُنَّ وقَعْنَ مَعًا عَلى التُّرابِ أيِ الأرْضِ وهُنَّ بَناتُ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ سَنَةً وكَذا أزْواجُهُنَّ.

وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ مُعاذٍ مَرْفُوعًا ««يَدْخُلُ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ جُرْدًا مُرْدًا مُكَحَّلِينَ أبْناءَ ثَلاثِينَ، أوْ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ»» والمُرادُ بِذَلِكَ كَمالُ الشَّبابِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لأصْحابِ اليَمِينِ ﴾ مُتَعَلِّقٌ - بِأنْشَأْنا - أوْ بِجَعَلْنا، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ - بِأتْرابًا - كَقَوْلِكَ فُلانٌ تِرْبٌ لِفُلانٍ أيْ مُساوٍ لَهُ فَهو مُحْتاجٌ إلى التَّأْوِيلِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ مَعَ هَذا لَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ فائِدَةٍ وفِيهِ نَظَرٌ، وقِيلَ: بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ - لَأبْكارًا - أيْ كائِناتٌ لِأصْحابِ اليَمِينِ، وفِيهِ إقامَةُ الظّاهِرِ مَقامَ الضَّمِيرِ لِطُولِ العَهْدِ أوْ لِلتَّأْكِيدِ والتَّحْقِيقِ [الواقِعَةَ: 39 - 80].

<div class="verse-tafsir"

ثُلَّةٌۭ مِّنَ ٱلْأَوَّلِينَ ٣٩ وَثُلَّةٌۭ مِّنَ ٱلْـَٔاخِرِينَ ٤٠

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ ﴾ ﴿ وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هم ثُلَّةٌ، أوْ خَبَرٌ ثانٍ لَهُمُ المُقَدَّرُ مُبْتَدَأً مَعَ ﴿ فِي سِدْرٍ ﴾ أوْ ﴿ لأصْحابِ اليَمِينِ ﴾ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأصْحابُ اليَمِينِ ما أصْحابُ اليَمِينِ ﴾ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ مِنهم، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ الجارُّ والمَجْرُورُ قَبْلَهُ احْتِمالاتٌ اعْتُرِضَ الأخِيرُ مِنها بِأنَّ المَعْنى عَلَيْهِ غَيْرُ ظاهِرٍ ولا طَلاوَةَ فِيهِ، وجَعْلُ اللّامِ بِمَعْنى مِن كَما في قَوْلِهِ: ونَحْنُ لَكم يَوْمَ القِيامَةِ أفْضَلُ لا يَخْفى حالُهُ - والأوَّلُونَ والآخِرُونَ - المُتَقَدِّمُونَ والمُتَأخِّرُونَ إمّا مِنَ الأُمَمِ وهَذِهِ الأُمَّةِ، أوْ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ فَقَطْ عَلى ما سَمِعْتَ فِيما تَقَدَّمَ، هَذا ولَمْ يَقُلْ سُبْحانَهُ في حَقِّ أصْحابِ اليَمِينِ - جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ - كَما قالَهُ عَزَّ وجَلَّ في حَقِّ السّابِقِينَ رَمْزًا إلى أنَّ الفَضْلَ في حَقِّهِمْ مُتَمَحِّضٌ كَأنَّ عَمَلَهم لِقُصُورِهِ عَنْ عَمَلِ السّابِقِينَ لَمْ يُعْتَبَرِ اعْتِبارُهُ.

ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّ ما ذُكِرَ مِن حالِ أصْحابِ اليَمِينِ هو حالُهُمُ الَّذِي يَنْتَهُونَ إلَيْهِ فَلا يُنافِي أنْ يَكُونَ مِنهم مَن يُعَذَّبُ لِمَعاصٍ فَعَلَها وماتَ غَيْرَ تائِبٍ عَنْها ثُمَّ يَدْخُلُ الجَنَّةَ.

ولا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ المُؤْمِنَ العاصِيَ مِن أصْحابِ الشِّمالِ لِأنَّ صَرِيحَ أوْصافِهِمُ الآتِيَةِ يَقْتَضِي أنَّهم كانُوا كافِرِينَ ويَلْزَمُ مِن جَعْلِ هَذا قِسْمًا عَلى حِدَةٍ كَوْنُ القِسْمَةِ غَيْرَ مُسْتَوْفاةٍ فَلْيُتَأمَّلْ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

<div class="verse-tafsir"

وَأَصْحَـٰبُ ٱلشِّمَالِ مَآ أَصْحَـٰبُ ٱلشِّمَالِ ٤١ فِى سَمُومٍۢ وَحَمِيمٍۢ ٤٢ وَظِلٍّۢ مِّن يَحْمُومٍۢ ٤٣ لَّا بَارِدٍۢ وَلَا كَرِيمٍ ٤٤

والكَلامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأصْحابُ الشِّمالِ ما أصْحابُ الشِّمالِ ﴾ ﴿ فِي سَمُومٍ ﴾ عَلى نَمَطِ ما سَلَفَ في نَظِيرِهِ، والسَّمُومُ قالَ الرّاغِبُ: الرِّيحُ الحارَّةُ الَّتِي تُؤَثِّرُ تَأْثِيرَ السُّمِّ، وفي الكَشّافِ حَرُّ نارٍ يَنْفُذُ في المَسامِّ والتَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ وكَذا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وحَمِيمٍ ﴾ وهو الماءُ الشَّدِيدُ الحَرارَةِ ﴿ وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ ﴾ أيْ دُخانٌ أسْوَدُ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو مالِكٍ وابْنُ زَيْدٍ والجُمْهُورُ وهي عَلى وزْنِ يَفْعُولٍ، ولَهُ نَظائِرُ قَلِيلَةٌ مِنَ الحُمَمَةِ القِطْعَةُ مِنَ الفَحْمِ وتَسْمِيَتُهُ ﴿ ظِلا ﴾ عَلى التَّشْبِيهِ التَّهَكُّمِيِّ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا أنَّهُ سُرادِقُ النّارِ المُحِيطُ بِأهْلِها يَرْتَفِعُ مِن كُلِّ ناحِيَةٍ حَتّى يُظِلَّهم، وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: هو مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ فَإنَّها سَوْداءُ وكَذا كُلُّ ما فِيها أسْوَدُ بَهِيمٌ نَعُوذُ بِاللَّهِ تَعالى مِنها.

وقالَ ابْنُ بُرَيْدَةَ وابْنُ زَيْدٍ أيْضًا: هو جَبَلٌ مِنَ النّارِ أسْوَدُ يَفْزَعُ أهْلُ النّارِ إلى ذُراهُ فَيَجِدُونَهُ أشَدَّ شَيْءٍ، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ - لِظِلٍّ - وكَذا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ ﴾ صِفَتانِ لَهُ، وتَقْدِيمُ الصِّفَةِ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى الصِّفَةِ المُفْرَدَةِ جائِزٌ كَما صَرَّحَ بِهِ الرَّضِيُّ وغَيْرُهُ أيْ لا بارِدٌ كَسائِرِ الظِّلالِ، ولا نافِعٌ لِمَن يَأْوِي إلَيْهِ مِن أذى الحَرِّ - وذَلِكَ كَرَمُهُ - فَهُناكَ اسْتِعارَةٌ، ونَفى ذَلِكَ لِيَمْحَقَ تَوَهُّمَ ما في الظِّلِّ مِنَ الِاسْتِرْواحِ إلَيْهِ وإنْ وُصِفَ أوَّلًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِن يَحْمُومٍ ﴾ والمَعْنى أنَّهُ ظِلٌّ حارٌّ ضارٌّ إلّا أنَّ لِلنَّفْيِ شَأْنًا لَيْسَ لِلْإثْباتِ.

ومِن ذَلِكَ جاءَ التَّهَكُّمُ والتَّعْرِيضُ بِأنَّ الَّذِي يَسْتَأْهِلُ الظِّلَّ الَّذِي فِيهِ بَرْدٌ وإكْرامٌ غَيْرُ هَؤُلاءِ فَيَكُونُ أشْجى لِحُلُوقِهِمْ وأشَدَّ لِتَحَسُّرِهِمْ، وقِيلَ: الكَرَمُ بِاعْتِبارِ أنَّهُ مَرَضِيٌّ في بابِهِ، فالظِّلُّ الكَرِيمُ هو المَرْضِيُّ في بَرْدِهِ ورَوْحِهِ، وفِيهِ أنَّهُ لا يُلائِمُ ما هُنا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا بارِدٍ ﴾ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ نَفْيًا لِكَرامَةِ مَن يَسْتَرْوِحُ إلَيْهِ ونُسِبَ إلى الظِّلِّ مَجازًا، والمُرادُ أنَّهم يَسْتَظِلُّونَ بِهِ وهم مُهانُونَ، وقَدْ يَحْتَمِلُ المَجْلِسَ الرَّدِيءَ لِنَيْلِ الكَرامَةِ، وفي البَحْرِ يَجُوزُ أنْ يَكُونا صِفَتَيْنِ - لِيَحْمُومٍ - ويَلْزَمُ مِنهُ وصْفُ الظِّلِّ بِهِما، وتُعُقِّبَ بِأنَّ وصْفَ اليَحْمُومِ وهو الدُّخانُ بِذَلِكَ لَيْسَ فِيهِ كَبِيرُ فائِدَةٍ !

وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ «لا بارِدٌ ولا كَرِيمٌ» بِرَفْعِهِما أيْ لا هو بارِدٌ ولا كَرِيمٌ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: فَأبِيتُ لا حَرِجٌ ولا مَحْرُومٌ أيْ لا أنا حَرِجٌ ولا مَحْرُومٌ، <div class="verse-tafsir"

إِنَّهُمْ كَانُوا۟ قَبْلَ ذَٰلِكَ مُتْرَفِينَ ٤٥

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ ﴾ تَعْلِيلٌ لِابْتِلائِهِمْ بِما ذُكِرَ مِنَ العَذابِ، وسَلَكَ هَذا المَسْلَكَ في تَعْلِيلِ الِابْتِداءِ بِالعَذابِ اهْتِمامًا بِدَفْعِ تَوَهُّمِ الظُّلْمِ في التَّعْذِيبِ، ولَمّا كانَ إيصالُ الثَّوابِ مِمّا لَيْسَ فِيهِ تَوَهُّمٌ نَقْصٌ أصْلًا لَمْ يَسْلُكْ فِيهِ نَحْوَ هَذا، والمُتْرَفُ هُنا بِقَرِينَةِ المَقامِ هو المَتْرُوكُ يَصْنَعُ ما يَشاءُ لا يُمْنَعُ، والمَعْنى أنَّهم عُذِّبُوا لِأنَّهم كانُوا قَبْلَ ما ذُكِرَ مِنَ العَذابِ في الدُّنْيا مُتَّبِعِينَ هَوى أنْفُسِهِمْ ولَيْسَ لَهم رادِعٌ مِنها يَرْدَعُهم عَنْ مُخالَفَةِ أوامِرِهِ عَزَّ وجَلَّ وارْتِكابِ نَواهِيهِ سُبْحانَهُ كَذا قِيلَ، وقِيلَ: هو العاتِي المُسْتَكْبِرُ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ والإذْعانِ لَهُ، والمَعْنى أنَّهم عُذِّبُوا لِأنَّهم كانُوا في الدُّنْيا مُسْتَكْبِرِينَ عَنْ قَبُولِ ما جاءَتْهم بِهِ رُسُلُهم مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وما جاءَ مِنهُ سُبْحانَهُ، وقِيلَ: هو الَّذِي أتْرَفَتْهُ النِّعْمَةُ أيْ أبْطَرَتْهُ وأطْغَتْهُ، وقَرِيبٌ مِنهُ ما قِيلَ: هو المُنَعَّمُ المُنْهَمِكُ في الشَّهَواتِ، وعَلَيْهِ قَوْلُ أبِي السُّعُودِ أيْ إنَّهم كانُوا قَبْلَ ما ذُكِرَ مِن سُوءِ العَذابِ في الدُّنْيا مُنَعَّمِينَ بِأنْواعِ النِّعَمِ مِنَ المَآكِلِ والمَشارِبِ والمَساكِنِ الطَّيِّبَةِ والمَقاماتِ الكَرِيمَةِ مُنْهَمِكِينَ في الشَّهَواتِ فَلا جَرَمَ عُذِّبُوا بِنَقائِضِها، وتُعُقِّبَ بِأنَّ كَثِيرًا مِن أهْلِ الشِّمالِ لَيْسُوا مُتْرَفِينَ بِالمَعْنى الَّذِي اعْتَبَرَهُ فَكَيْفَ يَصِحُّ تَعْلِيلُ عَذابِ الكُلِّ بِذَلِكَ ولا يَرُدُّ هَذا عَلى ما قَدَّمْناهُ مِنَ القَوْلَيْنِ كَما لا يَخْفى.

ومِنَ النّاسِ مَن فَسَّرَ المُتْرَفَ بِما ذُكِرَ وتَفَصّى عَنِ الِاعْتِراضِ بِأنَّ تَعْلِيلَ عَذابِ الكُلِّ بِما ذُكِرَ في حَيِّزِ العِلَّةِ لا يَسْتَدْعِي أنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنَ المَذْكُوراتِ مَوْجُودًا في كُلٍّ مِن أصْحابِ الشِّمالِ بَلْ وُجُودُ المَجْمُوعِ في المَجْمُوعِ وهَذا لا يَضُرُّ فِيهِ اخْتِصاصُ البَعْضِ بِالبَعْضِ فَتَأمَّلْهُ، وقِيلَ: المُتْرَفُ المَجْعُولُ ذا تُرْفَةٍ أيْ نِعْمَةٍ واسِعَةٍ والكُلُّ مُتْرَفُونَ بِالنِّسْبَةِ إلى الحالَةِ الَّتِي يَكُونُونَ عَلَيْها يَوْمَ القِيامَةِ، وهو عَلى ما فِيهِ لا يَظْهَرُ أمْرُ التَّعْلِيلِ عَلَيْهِ <div class="verse-tafsir"

وَكَانُوا۟ يُصِرُّونَ عَلَى ٱلْحِنثِ ٱلْعَظِيمِ ٤٦

﴿ وكانُوا يُصِرُّونَ ﴾ يَتَشَدَّدُونَ ويَمْتَنِعُونَ مِنَ الإقْلاعِ ويُداوِمُونَ ﴿ عَلى الحِنْثِ ﴾ أيِ الذَّنْبِ ﴿ العَظِيمِ ﴾ وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الحِنْثَ بِالذَّنْبِ العَظِيمِ لا بِمُطْلَقِ الذَّنْبِ وأُيِّدَ بِأنَّهُ في الأصْلِ العَدْلُ العَظِيمُ فَوَصْفُهُ بِالعَظِيمِ لِلْمُبالَغَةِ في وصْفِهِ بِالعِظَمِ كَما وُصِفَ الطَّوْدُ وهو الجَبَلُ العَظِيمُ بِهِ أيْضًا، والمُرادُ بِهِ كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ والضَّحّاكِ وابْنِ زَيْدٍ الشِّرْكُ وهو الظّاهِرُ.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّ المُرادَ بِهِ الكَبائِرُ وكَأنَّهُ جَعَلَ المَعْنى - وكانُوا يُصِرُّونَ عَلى كُلِّ حِنْثٍ عَظِيمٍ - وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّهُ اليَمِينُ الغَمُوسُ وظاهِرُهُ الإطْلاقُ، وقالَ التّاجُ السُّبْكِيُّ في طَبَقاتِهِ: سَألْتُ الشَّيْخَ، يَعْنِي والِدَهُ تَقِيَّ الدِّينِ - ما الحِنْثُ العَظِيمُ ؟- فَقالَ: هو القَسَمُ عَلى إنْكارِ البَعْثِ المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ  ﴾ وهو تَفْسِيرٌ حَسَنٌ لِأنَّ الحِنْثَ وإنْ فُسِّرَ بِالذَّنْبِ مُطْلَقًا أوِ العَظِيمِ فالمَشْهُورُ اسْتِعْمالُهُ في عَدَمِ البِرِّ في القَسَمِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَأْباهُ <div class="verse-tafsir"

وَكَانُوا۟ يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًۭا وَعِظَـٰمًا أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ٤٧ أَوَءَابَآؤُنَا ٱلْأَوَّلُونَ ٤٨

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وكانُوا يَقُولُونَ أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا ﴾ إلى آخِرِهِ لِلُزُومِ التَّكْرارِ، وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ بِالأوَّلِ وصْفُهم بِالثَّباتِ عَلى القَسَمِ الكاذِبِ وبِالثّانِي وصْفُهم بِالِاسْتِمْرارِ عَلى الإنْكارِ والرَّمْزُ إلى اسْتِدْلالٍ ظاهِرِ الفَسادِ مَعَ أنَّهُ لا مَحْذُورَ في تَكْرارِ ما يَدُلُّ عَلى الإنْكارِ وهو تَوْطِئَةٌ وتَمْهِيدٌ لِبَيانِ فَسادِهِ، والمُرادُ بِقَوْلِهِمْ: - كُنّا تُرابًا وعِظامًا - كانَ بَعْضُ أجْزائِنا مِنَ اللَّحْمِ والجِلْدِ ونَحْوِهِما تُرابًا وبَعْضُها عِظامًا نَخِرَةً، وتَقْدِيمُ التُّرابِ لِأنَّهُ أبْعَدُ عَنِ الحَياةِ الَّتِي يَقْتَضِيها ما هم بِصَدَدِ إنْكارِهِ مِنَ البَعْثِ، - وإذا - مُتَمَحِّضَةٌ لِلظَّرْفِيَّةِ والعامِلُ فِيها ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أإنّا لَمَبْعُوثُونَ ﴾ لا مَبْعُوثُونَ نَفْسُهُ لِتَعَدُّدِ ما يَمْنَعُ مِن عَمَلِ ما بَعْدَهُ فِيما قَبْلَهُ - وهو نَبْعَثُ - وهو المَرْجِعُ لِلْإنْكارِ وتَقْيِيدُهُ بِالوَقْتِ المَذْكُورِ لَيْسَ لِتَخْصِيصِ إنْكارِهِ بِهِ فَإنَّهم مُنْكِرُونَ لِلْإحْياءِ بَعْدَ المَوْتِ وإنْ كانَ البَدَنُ عَلى حالِهِ لِتَقْوِيَةِ الإنْكارِ لِلْبَعْثِ بِتَوْجِيهِهِ إلَيْهِ في حالَةٍ مُنافِيَةٍ لَهُ بِالكُلِّيَّةِ وهَذا كالِاسْتِدْلالِ عَلى ما يَزْعُمُونَهُ، وتَكْرِيرُ الهَمْزَةِ لِتَأْكِيدِ النَّكِيرِ وتَحْلِيَةِ الجُمْلَةِ بِأنَّ لِتَأْكِيدِ الإنْكارِ لا لِإنْكارِ التَّأْكِيدِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ ﴾ عُطِفَ عَلى مَحَلِّ - إنَّ - واسْمِها أوْ عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في مَبْعُوثُونَ وحَسُنَ لِلْفَصْلِ بِالهَمْزَةِ وإنْ كانَتْ حَرْفًا واحِدًا - كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ - ولا يَضُرُّ عَمَلُ ما قَبْلَ هَذِهِ الهَمْزَةِ في المَعْطُوفِ بَعْدَها لِأنَّها مُكَرَّرَةٌ لِلتَّأْكِيدِ وقَدْ زُحْلِقَتْ عَنْ مَكانِها، وقَوْلُهم: الحَرْفُ إذا كُرِّرَ لِلتَّأْكِيدِ فَلا بُدَّ أنْ يُعادَ مَعَهُ ما اتَّصَلَ بِهِ أوَّلًا أوْ ضَمِيرٌ لا يُسَلَّمُ اطِّرادُهُ لِوُرُودِ: «ولا - لِلَمّا - بِهِمْ أبَدًا دَواءُ» وأمْثالُهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( آباؤُنا ) مُبْتَدَأً وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلُ أيْ مَبْعُوثُونَ، والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ السّابِقَةِ وهو تَكَلُّفٌ يُغْنِي عَنْهُ العَطْفُ المَذْكُورُ والمَعْنى - أيُبْعَثُ أيْضًا آباؤُنا - عَلى زِيادَةِ الِاسْتِبْعادِ يَعْنُونَ أنَّهم أقْدَمُ فَبَعْثُهم أبْعَدُ وأبْطَلُ، وقَرَأ قالُونُ وابْنُ عامِرٍ «أوْ آباؤُنا» بِإسْكانِ الواوِ وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ لا يُعْطَفُ عَلى الضَّمِيرِ إذْ لا فاصِلَ.

<div class="verse-tafsir"

قُلْ إِنَّ ٱلْأَوَّلِينَ وَٱلْـَٔاخِرِينَ ٤٩ لَمَجْمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَـٰتِ يَوْمٍۢ مَّعْلُومٍۢ ٥٠

﴿ قُلْ ﴾ رَدًّا لِإنْكارِهِمْ وتَحْقِيقًا لِلْحَقِّ ﴿ إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ ﴾ مِنَ الأُمَمِ الَّذِينَ مِن جُمْلَتِهِمْ أنْتُمْ وآباؤُكم، وتَقْدِيمُ الأوَّلِينَ لِلْمُبالَغَةِ في الرَّدِّ حَيْثُ كانَ إنْكارُهم لِبَعْثِ آبائِهِمْ أشَدَّ مِن إنْكارِهِمْ لِبَعْثِهِمْ مَعَ مُراعاةِ التَّرْتِيبِ الوُجُودِيِّ ﴿ لَمَجْمُوعُونَ ﴾ بَعْدَ البَعْثِ، وقُرِئَ «لَمُجْمَعُونَ» ﴿ إلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ﴾ وهو يَوْمُ القِيامَةِ ومَعْنى كَوْنِهِ مَعْلُومًا كَوْنُهُ مُعَيَّنًا عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، والمِيقاتُ ما وُقِّتَ بِهِ الشَّيْءُ أيْ حُدَّ، ومِنهُ مَواقِيتُ الإحْرامِ وهي الحُدُودُ الَّتِي لا يَتَجاوَزُها مَن يُرِيدُ دُخُولَ مَكَّةَ إلّا مُحْرِمًا، وإضافَتُهُ إلى ( يَوْمٍ ) بَيانِيَّةٌ كَما في خاتَمِ فِضَّةٍ، وكَوْنُ يَوْمِ القِيامَةِ مِيقاتًا لِأنَّهُ وُقِّتَتْ بِهِ الدُّنْيا، و(إلى ) لِلْغايَةِ والِانْتِهاءِ، وقِيلَ: والمَعْنى ﴿ لَمَجْمُوعُونَ ﴾ مُنْتَهِينَ إلى ذَلِكَ اليَوْمِ، وقِيلَ: ضُمِّنَ مَعْنى السَّوْقِ فَلِذا تَعَدّى بِها <div class="verse-tafsir"

ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا ٱلضَّآلُّونَ ٱلْمُكَذِّبُونَ ٥١ لَـَٔاكِلُونَ مِن شَجَرٍۢ مِّن زَقُّومٍۢ ٥٢ فَمَالِـُٔونَ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ ٥٣ فَشَـٰرِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْحَمِيمِ ٥٤

﴿ ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضّالُّونَ ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ إنَّ الأوَّلِينَ ﴾ داخِلٌ في حَيِّزِ القَوْلِ، ( وثُمَّ ) لِلتَّراخِي الزَّمانِيِّ أوِ الرُّتْبِيِّ ﴿ المُكَذِّبُونَ ﴾ بِالبَعْثِ، أوْ بِما يَعُمُّهُ وغَيْرُهُ ويَدْخُلُ هو دُخُولًا أوَّلِيًّا لِلسِّياقِ عَلى ما قِيلَ، والخِطابُ لِأهْلِ مَكَّةَ وأضْرابِهِمْ ﴿ لآكِلُونَ ﴾ بَعْدَ البَعْثِ والجَمْعِ ودُخُولِ جَهَنَّمَ ﴿ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ ﴾ مِنَ الأُولى لِابْتِداءِ الغايَةِ والثّانِيَةُ لِبَيانِ الشَّجَرِ وتَفْسِيرِهِ أيْ مُبْتَدِئُونَ لِلْأكْلِ مِن شَجَرٍ هو زَقُّومٌ، وجُوِّزَ كَوْنُ الأُولى تَبْعِيضِيَّةً ( ومِنَ ) الثّانِيَةِ عَلى حالِها، وجُوِّزَ كَوْنُ ﴿ مِن زَقُّومٍ ﴾ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِن شَجَرٍ ﴾ فَمِن تَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ، وقِيلَ: الأُولى زائِدَةٌ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ مِن شَجَرَةٍ فَوَجْهُ التَّأْنِيثِ ظاهِرٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ ﴾ أيْ بُطُونَكم مِن شِدَّةِ الجُوعِ فَإنَّهُ الَّذِي اضْطَرَّهم وقَسَرَهم عَلى أكْلِ مِثْلِها مِمّا لا يُؤْكَلُ، وأمّا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ فَوَجْهُهُ الحَمْلُ عَلى المَعْنى لِأنَّهُ بِمَعْنى الشَّجَرَةِ، أوِ الأشْجارِ إذا نُظِرَ لِصِدْقِهِ عَلى المُتَعَدِّدِ، وأمّا التَّذْكِيرُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَشارِبُونَ عَلَيْهِ ﴾ أيْ عَقِيبَ ذَلِكَ بِلا رَيْثٍ ﴿ مِنَ الحَمِيمِ ﴾ أيِ الماءِ الحارِّ في الغايَةِ لِغَلَبَةِ العَطَشِ فَظاهِرٌ لا يَحْتاجُ إلى تَأْوِيلٍ، وقالَ بَعْضُهم: التَّأْنِيثُ أوَّلًا بِاعْتِبارِ المَعْنى والتَّذْكِيرُ ثانِيًا بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ، فَقِيلَ عَلَيْهِ: إنَّ فِيهِ اعْتِبارَ اللَّفْظِ بَعْدَ اعْتِبارِ المَعْنى عَلى خِلافِ المُتَعارَفِ فَلَوْ أُعِيدَ الضَّمِيرُ المَذْكُورُ عَلى الشَّجَرِ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ مَأْكُولًا لِيَكُونَ التَّذْكِيرُ والتَّأْنِيثُ بِاعْتِبارِ المَعْنى كانَ أوْلى وفِيهِ بَحْثٌ، ووَجْهُهُ عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى الزَّقُّومِ أوْ عَلى الشَّجَرِ بِاعْتِبارِ أنَّها زَقُّومٌ أوْ بِاعْتِبارِ أنَّها مَأْكُولٌ، وقِيلَ: هو مُطْلَقًا عائِدٌ عَلى الأكْلِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ بَعِيدٌ لِأنَّ الشُّرْبَ عَلَيْهِ لا عَلى تَناوُلِهِ مَعَ ما فِيهِ مِن تَفْكِيكِ الضَّمائِرِ وكَوْنُهُ مَجازًا شائِعًا وغَيْرَ مُلْبِسٍ لا يَدْفَعُ البُعْدَ فَتَأمَّلْ.

<div class="verse-tafsir"

فَشَـٰرِبُونَ شُرْبَ ٱلْهِيمِ ٥٥

﴿ فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ جَمْعُ أهْيَمَ وهو الجَمَلُ الَّذِي أصابَهُ الهُيامُ بِضَمِّ الهاءِ وهو داءٌ يُشْبِهُ الِاسْتِسْقاءَ يُصِيبُ الإبِلَ فَتَشْرَبُ حَتّى تَمُوتَ، أوْ تَسْقَمُ سَقَمًا شَدِيدًا، ويُقالُ إبِلٌ هَيْماءُ وناقَةٌ هَيْماءُ كَما يُقالُ: جَمَلٌ أهْيَمُ قالَ الشّاعِرُ: فَأصْبَحْتُ كالهَيْماءِ لا الماءُ مُبْرِدٌ صَداها ولا يَقْضِي عَلَيْها هُيامُها وجَعَلَ بَعْضُهم ﴿ الهِيمِ ﴾ هُنا جَمْعَ الهَيْماءِ، وقِيلَ: هو جَمْعُ هائِمٍ أوْ هائِمَةٍ، وجَمْعُ فاعِلٍ عَلى فُعْلٍ كَبازِلٍ وبُزْلٍ شاذٌّ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا وسُفْيانَ ﴿ الهِيمِ ﴾ الرِّمالُ الَّتِي لا تُرْوى مِنَ الماءِ لِتَخَلْخُلِها ومُفْرَدُهُ هَيامٌ بِفَتْحِ الهاءِ عَلى المَشْهُورِ كَسَحابٍ وسُحُبٍ ثُمَّ خُفِّفَ وفُعِلَ بِهِ ما فُعِلَ بِجَمْعِ أبْيَضَ مِن قَلْبِ الضَّمَّةِ كَسْرَةً لِتَسْلَمَ بِالياءِ ويُخَفَّفُ اللَّفْظُ فَكُسِرَتِ الهاءُ لِأجْلِ الياءِ وهو قِياسٌ مُطَّرِدٌ في بابِهِ، وقالَ ثَعْلَبٌ: هو بِالضَّمِّ كَقُرادٍ وقِرْدٍ ثُمَّ خُفِّفَ وفُعِلَ بِهِ ما فُعِلَ مِمّا سَمِعْتَ والعَطْفُ بِالفاءِ قِيلَ: لِأنَّ الإفْراطَ بَعْدَ الأصْلِيِّ، وقِيلَ: لِأنَّ كُلًّا مِنَ المُتَعاطِفَيْنِ أخَصُّ مِنَ الآخَرِ فَإنَّ شارِبَ الحَمِيمِ قَدْ لا يَكُونُ بِهِ داءُ الهُيامِ ومَن بِهِ داءُ الهُيامِ قَدْ يَشْرَبُ غَيْرَ الحَمِيمِ، والشُّرْبُ الَّذِي لا يَحْصُلُ الرِّيُّ ناشِئٌ عَنْ شُرْبِ الحَمِيمِ لِأنَّهُ لا يَبُلُّ الغَلِيلَ، والَّذِي اخْتارَهُ ما قالَهُ مُفْتِي الدِّيارِ الرُّومِيَّةِ: إنَّ ذَلِكَ كالتَّفْسِيرِ لِما قَبْلَهُ أيْ لا يَكُونُ شُرْبُكم شُرْبًا مُعْتادًا بَلْ يَكُونُ مِثْلَ شُرْبِ الهِيمِ، والشُّرْبُ بِالضَّمِّ مَصْدَرٌ، وقِيلَ: اسْمٌ لِما يُشْرَبُ، وقَرَأ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - كَما رَوى جَماعَةٌ مِنهُمُ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما «شَرْبَ» بِفَتْحِ الشِّينِ وهو مَصْدَرُ شَرِبَ المَقِيسُ، وبِذَلِكَ قَرَأ جَمْعٌ مِنَ السَّبْعَةِ والأعْرَجُ وابْنُ المُسَيَّبِ وشُعَيْبٌ ومالِكُ بْنُ دِينارٍ وابْنُ جُرَيْجٍ، وقَرَأ مُجاهِدٌ وأبُو عُثْمانَ النَّهْدِيُّ بِكَسْرِ الشِّينِ وهو اسْمٌ بِمَعْنى المَشْرُوبِ لا مَصْدَرٌ كالطَّحْنِ والرَّعْيِ <div class="verse-tafsir"

هَـٰذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ ٱلدِّينِ ٥٦

﴿ هَذا ﴾ الَّذِي ذُكِرَ مِن ألْوانِ العَذابِ ﴿ نُزُلُهم يَوْمَ الدِّينِ ﴾ يَوْمَ الجَزاءِ فَإذا كانَ ذَلِكَ نُزُلَهم وهو ما يُقَدَّمُ لِلنّازِلِ مِمّا حَضَرَ فَما ظَنُّكَ بِما لَهم بَعْدَ ما اسْتَقَرَّ لَهُمُ القَرارُ واطْمَأنَّتْ لَهُمُ الدّارُ في النّارِ، وفي جَعْلِهِ نُزُلًا مَعَ أنَّهُ مِمّا يُكْرَمُ بِهِ النّازِلُ مِنَ التَّهَكُّمِ ما لا يَخْفى، ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: وكُنّا إذا الجَبّارُ بِالجَيْشِ ضافَنا جَعَلْنا القَنا والمُرْهَفاتِ لَهُ نُزُلا وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وخارِجَةُ عَنْ نافِعٍ ونُعَيْمٌ ومَحْبُوبٌ وأبُو زَيْدٍ وهارُونُ وعِصْمَةُ وعَبّاسٌ كُلُّهم عَنْ أبِي عَمْرو نُزْلُهم بِتَسْكِينِ الزّايِ المَضْمُومَةِ لِلتَّخْفِيفِ كَما في البَيْتِ، والجُمْلَةُ مَسُوقَةٌ مِن جِهَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِطَرِيقِ الفَذْلَكَةِ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ الكَلامِ المُلَقَّنِ غَيْرَ داخِلَةٍ تَحْتَ القَوْلِ.

<div class="verse-tafsir"

نَحْنُ خَلَقْنَـٰكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ ٥٧

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نَحْنُ خَلَقْناكم فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ ﴾ تَلْوِينٌ لِلْخِطابِ وتَوْجِيهٌ لَهُ إلى الكَفَرَةِ بِطَرِيقِ الإلْزامِ والتَّبْكِيتِ والفاءُ لِتَرْتِيبِ التَّحْضِيضِ عَلى ما قَبْلَها أيْ فَهَلّا تُصَدِّقُونَ بِالخَلْقِ بِقَرِينَةِ ( نَحْنُ خَلَقْناكم ) ولَمّا لَمْ يُحَقِّقْ تَصْدِيقُهُمُ المُشْعِرُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ( ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ) [لُقْمانَ: 25، الزُّمُرَ: 38] عَمَلَهم حَيْثُ لَمْ يَقْتَرِنْ بِالطّاعَةِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ بَلِ اقْتَرَنَ بِما يُنْبِئُ عَنْ خِلافِهِ مِنَ الشِّرْكِ والعِصْيانِ نُزِّلَ مَنزِلَةَ العَدَمِ والإنْكارِ فَحُضُّوا عَلى التَّصْدِيقِ بِذَلِكَ، وقِيلَ: المُرادُ فَهَلّا تُصَدِّقُونَ بِالبَعْثِ لِتَقَدُّمِهِ وتَقَدُّمِ إنْكارِهِ في قَوْلِهِمْ ( أإنّا لَمَبْعُوثُونَ ) [الإسْراءَ: 49، 98، المُؤْمِنُونَ: 82، الصّافّاتِ: 16، الواقِعَةَ: 47] فَيَكُونُ الكَلامُ إشارَةً إلى الِاسْتِدْلالِ بِالإبْداءِ عَلى الإعادَةِ فَإنَّ مَن قَدَرَ عَلَيْهِ قَدَرَ عَلَيْها حَتْمًا، والأوَّلُ هو الوَجْهُ كَما يَظْهَرُ مِمّا بَعْدُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

<div class="verse-tafsir"

أَفَرَءَيْتُم مَّا تُمْنُونَ ٥٨

﴿ أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ ﴾ أيْ ما تَقْذِفُونَهُ في الأرْحامِ مِنَ النُّطَفِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو الثِّمالِ «تَمْنُونَ» بِفَتْحِ التّاءِ مِن مَنِيَ النُّطْفَةَ بِمَعْنى أمْناها أيْ أزالَها بِدَفْعِ الطَّبِيعَةِ.

<div class="verse-tafsir"

ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُۥٓ أَمْ نَحْنُ ٱلْخَـٰلِقُونَ ٥٩

﴿ أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ ﴾ أيْ تُقَدِّرُونَهُ وتُصَوِّرُونَهُ بَشَرًا سَوِيًّا تامَّ الخِلْقَةِ، فالمُرادُ خَلْقُ ما يَحْصُلُ مِنهُ عَلى أنَّ في الكَلامِ تَقْدِيرًا أوْ تَجَوُّزًا، وجُوِّزَ إبْقاءُ ذَلِكَ عَلى ظاهِرِهِ أيْ ﴿ أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ ﴾ وتُنْشِئُونَ نَفْسَ ذاتِ ما تُمْنُونَهُ ﴿ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ ﴾ لَهُ مِن غَيْرِ دَخْلِ شَيْءٍ فِيهِ - وأرَأيْتُمْ - قَدْ مَرَّ الكَلامُ غَيْرَ مَرَّةٍ فِيهِ، ويُقالُ هُنا: إنَّ اسْمَ المَوْصُولِ مَفْعُولُهُ الأوَّلُ والجُمْلَةَ الِاسْتِفْهامِيَّةَ مَفْعُولُهُ الثّانِي، وكَذا يُقالُ فِيمَ بَعْدُ مِن نَظائِرِهِ وما يُعْتَبَرُ فِيهِ الرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ تَكُونُ الجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ فِيهِ مُسْتَأْنَفَةً لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، وجُوِّزَ في - أنْتُمْ - أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، والجُمْلَةُ بَعْدَهُ خَبَرُهُ، وأنْ يَكُونَ فاعِلًا لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ والأصْلُ أتَخْلُقُونَ فَلَمّا حُذِفَ الفِعْلُ انْفَصَلَ الضَّمِيرُ، واخْتارَهُ أبُو حَيّانَ.

( وأمْ ) قِيلَ: مُنْقَطِعَةٌ لِأنَّ ما بَعْدَها جُمْلَةٌ فالمَعْنى - بَلْ أنَحْنُ الخالِقُونَ - عَلى أنَّ الِاسْتِفْهامَ لِلتَّقْرِيرِ، وقالَ قَوْمٌ مِنَ النُّحاةِ: مُتَّصِلَةٌ مُعادِلَةٌ لِلْهَمْزَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: ﴿ أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ ﴾ ثُمَّ جِيءَ - بِالخالِقُونَ - بَعْدُ بِطَرِيقِ التَّأْكِيدِ لا بِطَرِيقِ الخَبَرِيَّةِ أصالَةً <div class="verse-tafsir"

نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ٦٠ عَلَىٰٓ أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَـٰلَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِى مَا لَا تَعْلَمُونَ ٦١

﴿ نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ ﴾ قَسَّمْناهُ عَلَيْكم ووَقَّتْنا مَوْتَ كُلِّ أحَدٍ بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُنا المَبْنِيَّةُ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ «قَدَرْنا» بِالتَّخْفِيفِ ﴿ وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ﴾ أيْ لا يَغْلِبُنا أحَدٌ ﴿ عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ ﴾ أيْ عَلى أنْ نُذْهِبَكم ونَأْتِيَ مَكانَكم أشْباهَكم مِنَ الخَلْقِ فالسَّبْقُ مَجازٌ عَنِ الغَلَبَةِ اسْتِعارَةً تَصْرِيحِيَّةً أوْ مَجازٌ مُرْسَلٌ عَنْ لازِمِهِ، وظاهِرُ كَلامِ بَعْضِ الأجِلَّةِ أنَّهُ حَقِيقَةٌ في ذَلِكَ إذا تَعَدّى بِعَلى، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ( قَدَّرْنا ) وكَأنَّ المُرادَ: قَدَّرْنا ذَلِكَ ونَحْنُ قادِرُونَ عَلى أنْ نُمِيتَكم دُفْعَةً واحِدَةً ونَخْلُقَ أشْباهَكم.

﴿ ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ مِنَ الخَلْقِ والأطْوارِ الَّتِي لا تَعْهَدُونَها، وقالَ الحَسَنُ: مِن كَوْنِكم قِرَدَةً وخَنازِيرَ، ولَعَلَّ اخْتِيارَ ذَلِكَ لِأنَّ الآيَةَ تَنْحُو إلى الوَعِيدِ، والمُرادُ ونَحْنُ قادِرُونَ عَلى هَذا أيْضًا وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ أمْثالُكم جَمْعَ مَثَلٍ بِفَتْحَتَيْنِ بِمَعْنى الصِّفَةِ لا جَمْعَ مِثْلٍ بِالسُّكُونِ بِمَعْنى الشَّبَهِ كَما في الوَجْهِ الأوَّلِ أيْ ونَحْنُ نَقْدِرُ عَلى أنْ نُغَيِّرَ صِفاتِكُمُ الَّتِي أنْتُمْ عَلَيْهِ خَلْقًا وخُلُقًا ونُنْشِئَكم في صِفاتٍ لا تَعْلَمُونَها، وقِيلَ: المَعْنى ونُنْشِئُكم في البَعْثِ عَلى غَيْرِ صُوَرِكم في الدُّنْيا، وقِيلَ: المَعْنى وما يَسْبِقُنا أحَدٌ فَيَهْرُبُ مِنَ المَوْتِ أوْ يُغَيِّرُ وقْتَهُ الَّذِي وقَّتْناهُ، عَلى أنَّ المُرادَ تَمْثِيلُ حالِ مَن سَلِمَ مِنَ المَوْتِ أوْ تَأخَّرَ أجْلُهُ عَنِ الوَقْتِ المُعَيَّنِ لَهُ بِحالِ مَن طَلَبَهُ طالِبٌ فَلَمْ يَلْحَقْهُ وسَبَقَهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلى أنْ نُبَدِّلَ ﴾ إلَخْ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في مَسْبُوقِينَ أيْ حالَ كَوْنِنا قادِرِينَ أوْ عازِمِينَ عَلى تَبْدِيلِ أمْثالِكم، والجُمْلَةُ السّابِقَةُ عَلى حالِها، وقالَ الطَّبَرِيُّ: ( عَلى أنْ نُبَدِّلَ ) مُتَعَلِّقٌ بـ ( بقدّرنا) وعِلَّةٌ لَهُ وجُمْلَةُ ( وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ) اعْتِراضٌ، والمَعْنى نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ لِأنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم أيْ نُمِيتُ طائِفَةً ونُبَدِّلُها بِطائِفَةٍ هَكَذا قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ <div class="verse-tafsir"

وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلْأُولَىٰ فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ ٦٢

﴿ ولَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى ﴾ مِن خَلْقِكم مِن نُطْفَةٍ، ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ، ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ وقالَ قَتادَةُ: هي فِطْرَةُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ التُّرابِ ولا يُنْكِرُها أحَدٌ مِن ولَدِهِ ﴿ فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ ﴾ فَهَلّا تَتَذَكَّرُونَ أنَّ مَن قَدَرَ عَلَيْها فَهو عَلى النَّشْأةِ الأُخْرى أقْدَرُ وأقْدَرُ فَإنَّها أقَلُّ صُنْعًا لِحُصُولِ المَوادِّ وتَخْصِيصِ الأجْزاءِ وسَبْقِ المِثالِ، وهَذا - عَلى ما قالُوا - دَلِيلٌ عَلى صِحَّةِ القِياسِ لَكِنْ قِيلَ: لا يَدُلُّ إلّا عَلى قِياسِ الأوْلى لِأنَّهُ الَّذِي في الآيَةِ، وفي الخَبَرِ عَجَبًا كُلَّ العَجَبِ لِلْمُكَذِّبِ بِالنَّشْأةِ الآخِرَةِ وهو يَرى النَّشْأةَ الأُولى، وعَجَبًا لِلْمُصَدِّقِ بِالنَّشْأةِ الآخِرَةِ وهو يَسْعى لِدارِ الغُرُورِ.

وقَرَأ طَلْحَةُ تَذْكُرُونَ بِالتَّخْفِيفِ وضَمِّ الكافِ <div class="verse-tafsir"

أَفَرَءَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ ٦٣ ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُۥٓ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّٰرِعُونَ ٦٤

﴿ أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ ﴾ ما تَبْذُرُونَ حَبَّهُ وتَعْمَلُونَ في أرْضِهِ ﴿ أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ ﴾ تُنْبِتُونَهُ وتَرُدُّونَهُ نَباتًا يَرِفُّ ويَنْمى إلى أنْ يَبْلُغَ الغايَةَ ﴿ أمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ ﴾ أيِ المُنْبِتُونَ لا أنْتُمْ والكَلامُ في ( أنْتُمْ ) و(أمْ ) كَما مَرَّ آنِفًا، وأخْرَجَ البَزّارُ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ - وضَعَّفَهُ - وابْنُ حِبّانَ - كَما قالَ الخَفاجِيُّ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««لا يَقُولَنَّ أحَدُكم زَرَعْتُ ولَكِنْ لِيَقُلْ حَرَثْتُ، ثُمَّ قالَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ألَمْ تَسْمَعُوا اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿ أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ ﴾ ﴿ أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ ﴾ »» يُشِيرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أخَذَ النَّهْيَ مِن هَذِهِ الآيَةِ فَإنَّهُ أسْنَدَ الحَرْثَ إلى المُخاطَبِينَ دُونَ الزَّرْعِ، وقالَ القُرْطُبِيُّ: إنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلزّارِعِ أنَّ يَقُولَ بَعْدَ الِاسْتِعاذَةِ وتِلاوَةِ هَذِهِ الآيَةِ اللَّهُ تَعالى الزّارِعُ والمُنْبِتُ والمُبَلِّغُ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وارْزُقْنا ثَمَرَهُ وجَنِّبْنا ضَرَرَهُ واجْعَلْنا لِأنْعُمِكَ مِنَ الشّاكِرِينَ، وقِيلَ: وقَدْ جَرَّبَ هَذا الدُّعاءَ لِدَفْعِ آفاتِ الزَّرْعِ كُلِّها وإنْتاجِهِ <div class="verse-tafsir"

لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَـٰهُ حُطَـٰمًۭا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ ٦٥

﴿ لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا ﴾ هَشِيمًا مُتَكَسِّرًا مُتَفَتِّتًا لِشِدَّةِ يَبْسِهِ بَعْدَ ما أنْبَتْناهُ وصارَ بِحَيْثُ طَمِعْتُمْ في حِيازَةِ غِلالِهِ ﴿ فَظَلْتُمْ ﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿ تَفَكَّهُونَ ﴾ تَتَعَجَّبُونَ مِن سُوءِ حالِهِ إثْرَ ما شاهَدْتُمُوهُ عَلى أحْسَنِ ما يَكُونُ مِنَ الحالِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ، وقالَ الحَسَنُ: تَنْدَمُونَ أيْ عَلى ما تَعِبْتُمْ فِيهِ، وأنْفَقْتُمْ عَلَيْهِ مِن غَيْرِ حُصُولِ نَفْعٍ، أوْ عَلى ما اقْتَرَفْتُمْ لِأجْلِهِ مِنَ المَعاصِي، وقالَ عِكْرِمَةُ: تُلاوَمُونَ عَلى ما فَعَلْتُمْ، وأصْلُ التَّفَكُّهِ التَّنَقُّلُ بِصُنُوفِ الفاكِهَةِ واسْتُعِيرَ لِلتَّنَقُّلِ بِالحَدِيثِ وهو هُنا ما يَكُونُ بَعْدَ هَلاكِ الزَّرْعِ وقَدْ كُنِّيَ بِهِ في الآيَةِ عَنِ التَّعَجُّبِ، أوِ النَّدَمِ أوِ التَّلاوُمِ عَلى اخْتِلافِ التَّفاسِيرِ، وفي البَحْرِ كُلُّ ذَلِكَ تَفْسِيرٌ بِاللّازِمِ، ومَعْنى ( تَفَكَّهُونَ ) تَطْرَحُونَ الفُكاهَةَ عَنْ أنْفُسِكم وهي المَسَرَّةُ، ورَجُلٌ فَكِهٌ مُنْبَسِطُ النَّفْسِ غَيْرُ مُكْتَرِثٍ بِشَيْءٍ وتَفَكَّهَ مِن أخَواتٍ تَحَرَّجَ وتَحَوَّبَ أيْ إنَّ التَّفَعُّلَ فِيهِ لِلسَّلْبِ.

وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وأبُو بَكْرٍ في رِوايَةِ العُتْكِيِّ عَنْهُ «فَظِلْتُمْ» بِكَسْرِ الظّاءِ كَما قالُوا: مِسْتُ بِالكَسْرِ ومَسْتُ بِالفَتْحِ، وحَكاها الثَّوْرِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وجاءَتْ عَنِ الأعْمَشِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ والجَحْدَرِيُّ - فَظَلِلْتُمْ - بِلامَيْنِ أُولاهُما مَكْسُورَةٌ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ أيْضًا كَذَلِكَ مَعَ فَتْحِ اللّامِ والمَشْهُورُ ظَلِلْتُ بِالكَسْرِ، وقَرَأ أبُو حِزامٍ «تَفَكَّنُونَ» بِالنُّونِ بَدَلَ الهاءِ، قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: تَفَكَّهَ بِالهاءِ تَعَجَّبَ، وتَفَكَّنَ بِالنُّونِ تَنَدَّمَ.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّا لَمُغْرَمُونَ ٦٦ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ ٦٧

﴿ إنّا لَمُغْرَمُونَ ﴾ أيْ مُعَذَّبُونَ مُهْلَكُونَ مِنَ الغَرامِ وهو الهَلاكُ قالَ الشّاعِرُ: إنْ يُعَذِّبْ يَكُنْ غَرامًا وإنْ يُعْ طِ جَزِيلًا فَإنَّهُ لا يُبالِي والمُرادُ مُهْلَكُونَ بِهَلاكِ رِزْقِنا، وقِيلَ: بِالمَعاصِي أوْ مُلْزَمُونَ غَرامَةً بِنَقْصِ رِزْقِنا، وقَرَأ الأعْمَشُ والجَحْدَرِيُّ وأبُو بَكْرٍ - أإنّا بِالِاسْتِفْهامِ والتَّحْقِيقِ، والجُمْلَةُ عَلى القِراءَتَيْنِ بِتَقْدِيرِ قَوْلٍ هو في حَيِّزِ النَّصْبِ عَلى الحالِيَّةِ مِن فاعِلِ تَفَكَّهُونَ أيْ قائِلِينَ، أوْ تَقُولُونَ ذَلِكَ ﴿ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ ﴾ مَحْدُودُونَ لا مَجْدُودُونَ أوْ مَحْرُومُونَ الرِّزْقَ كَأنَّهم لَمّا قالُوا: إنّا مُهْلَكُونَ لِهَلاكِ رِزْقِنا أضْرَبُوا عَنْهُ وقالُوا: بَلْ هَذا أمْرٌ قُدِّرَ عَلَيْنا لِنُحُوسَةِ طالِعِنا وعَدَمِ بَخْتِنا، أوْ لَمّا قالُوا: إنّا مُلْزَمُونَ غَرامَةً بِنَقْصِ أرْزاقِنا أضْرَبُوا فَقالُوا: بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ الرِّزْقَ بِالكُلِّيَّةِ <div class="verse-tafsir"

أَفَرَءَيْتُمُ ٱلْمَآءَ ٱلَّذِى تَشْرَبُونَ ٦٨ ءَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ ٱلْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنزِلُونَ ٦٩

﴿ أفَرَأيْتُمُ الماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ ﴾ عَذْبًا فُراتًا، وتَخْصِيصُ هَذا الوَصْفِ بِالذِّكْرِ مَعَ كَثْرَةِ مَنافِعِهِ لِأنَّ الشُّرْبَ أهَمُّ المَقاصِدِ المَنُوطَةِ بِهِ ﴿ أأنْتُمْ أنْزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ ﴾ أيِ السَّحابِ واحِدَتُهُ مُزْنَةٌ، قالَ الشّاعِرُ: فَلا مُزْنَةٌ ودَقَتْ ودْقَها ولا أرْضٌ أبَقَلَ إبْقالُها وقِيلَ: هو السَّحابُ الأبْيَضُ وماؤُهُ أعْذَبُ ﴿ أمْ نَحْنُ المُنْزِلُونَ ﴾ لَهُ بِقُدْرَتِنا.

<div class="verse-tafsir"

لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَـٰهُ أُجَاجًۭا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ ٧٠

﴿ لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا ﴾ مِلْحًا ذُعاقًا لا يُمْكِنُ شُرْبُهُ مِنَ الأجِيجِ وهو تَلَهُّبُ النّارِ.

وقِيلَ: الأُجاجُ كُلُّ ما يَلْذَعُ الفَمَ ولا يُمْكِنُ شُرْبُهُ فَيَشْمَلُ المِلْحَ والمُرَّ والحارَّ، فَإمّا أنْ يُرادَ ذَلِكَ، أوِ المِلْحُ بِقَرِينَةِ المَقامِ وحُذِفَتِ اللّامُ مِن جَوابِ لَوْ ها هُنا لِلْقَرِينَةِ اللَّفْظِيَّةِ والحالِيَّةِ ومَتى جازَ حَذْفٌ - لَمْ أرَ - في قَوْلِ أوْسٍ: حَتّى إذا الكِلابُ قالَ لَها كاليَوْمِ مَطْلُوبًا ولا طَلَبا والقَرِينَةُ حالِيَّةٌ فَأوْلى أنْ يَجُوزَ حَذْفُها وحْدَها لِذَلِكَ عَلى ما قَرَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقَرَّرَ وجْهًا آخَرَ حاصِلُهُ أنَّ اللّامَ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ فَتُناسِبُ مَقامَ التَّأْكِيدِ فَأُدْخِلَتْ في آيَةِ المَطْعُومِ دُونَ المَشْرُوبِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ أمْرَهُ مُقَدَّمٌ عَلى أمْرِهِ، وأنَّ الوَعِيدَ بِفَقْدِهِ أشَدُّ وأصْعَبُ مِن قَبْلِ أنَّ المَشْرُوبَ تَبَعٌ لَهُ ألا يَرى أنَّ الضَّيْفَ يُسْقى بَعْدَ أنْ يُطْعَمَ، وقَدْ ذَكَرَ الأطِبّاءُ أنَّ الماءَ مُبَذْرَقٌ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ تَقْدِيمُهُ عَلى المَشْرُوبِ في النَّظْمِ الجَلِيلِ، ولِلْإمامِ في هَذا المَقامِ كَلامٌ طَوِيلٌ اعْتَرَضَ بِهِ عَلى الزَّمَخْشَرِيِّ وبَيَّنَ فِيهِ وجْهَ الذِّكْرِ أوَّلًا والحَذْفِ ثانِيًا، ولَمْ أرَهُ أتى بِما يَشْرَحُ الصَّدْرَ، وخَيْرٌ مِنهُ عِنْدِي قَوْلُ ابْنِ الأثِيرِ في المَثَلِ السّائِرِ: إنَّ اللّامَ أُدْخِلَتْ في المَطْعُومِ دُونَ المَشْرُوبِ لِأنَّ جَعْلَ الماءِ العَذْبِ مِلْحًا أسْهَلَ إمْكانًا في العُرْفِ والعادَةِ والمَوْجُودُ مِنَ الماءِ المِلْحِ أكْثَرُ مِنَ الماءِ العَذْبِ، وكَثِيرًا ما إذا جَرَتِ المِياهُ العَذْبَةُ عَلى الأراضِي المُتَغَيِّرَةِ التُّرْبَةِ أحالَتْها إلى المُلُوحَةِ فَلَمْ يَحْتَجْ في جَعْلِ الماءِ العَذْبِ مِلْحًا إلى زِيادَةِ تَأْكِيدٍ فَلِذا لَمْ تَدْخُلْ لامُ التَّأْكِيدِ المُفِيدَةُ لِزِيادَةِ التَّحْقِيقِ، وأمّا المَطْعُومُ فَإنَّ جَعْلَهُ حُطامًا مِنَ الأشْياءِ الخارِجَةِ عَنِ المُعْتادِ وإذا وقَعَ يَكُونُ عَنْ سُخْطٍ شَدِيدٍ، فَلِذا قُرِنَ بِاللّامِ لِتَقْرِيرِ إيجادِهِ وتَحْقِيقِ أمْرِهِ انْتَهى.

﴿ فَلَوْلا تَشْكُرُونَ ﴾ تَحْضِيضٌ عَلى شُكْرِ الكُلِّ لِأنَّهُ أفْيَدُ دُونَ عُذُوبَةِ الماءِ فَقَطْ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ البَعْضُ.

نَعْمَ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ««أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ إذا شَرِبَ الماءَ قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي سَقانا عَذْبًا فُراتًا بِرَحْمَتِهِ ولَمْ يَجْعَلْهُ مِلْحًا أُجاجًا بِذُنُوبِنا»» <div class="verse-tafsir"

أَفَرَءَيْتُمُ ٱلنَّارَ ٱلَّتِى تُورُونَ ٧١ ءَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنشِـُٔونَ ٧٢

﴿ أفَرَأيْتُمُ النّارَ الَّتِي تُورُونَ ﴾ أيْ تَقْدَحُونَها وتَسْتَخْرِجُونَها مِنَ الزِّنادِ ﴿ أأنْتُمْ أنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها ﴾ الَّتِي مِنها الزِّنادُ وهي المَرْخُ والعِفارُ، وقِيلَ: المُرادُ بِالشَّجَرَةِ نَفْسُ النّارِ كَأنَّهُ قِيلَ: نَوْعُها أوْ جِنْسُها فاسْتُعِيرَ الشَّجَرَةُ لِذَلِكَ وهو قَوْلٌ مُتَكَلَّفٌ بِلا حاجَةٍ.

﴿ أمْ نَحْنُ المُنْشِئُونَ ﴾ لَها بِقُدْرَتِنا والتَّعْبِيرُ عَنْ خَلْقِها بِالإنْشاءِ المُنْبِئِ عَنْ بَدِيعِ الصُّنْعِ المُعْرِبِ عَنْ كَمالِ القُدْرَةِ والحِكْمَةِ لِما فِيهِ مِنَ الغَرابَةِ الفارِقَةِ بَيْنَها وبَيْنَ سائِرِ الأشْجارِ الَّتِي لا تَخْلُو عَنِ النّارِ حَتّى قِيلَ - في كُلِّ شَجَرٍ نارٌ، واسْتُمْجِدَ المَرْخُ والعِفارُ - كَما أنَّ التَّعْبِيرَ عَنْ نَفْخِ الرُّوحِ بِالإنْشاءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ  ﴾ لِذَلِكَ <div class="verse-tafsir"

نَحْنُ جَعَلْنَـٰهَا تَذْكِرَةًۭ وَمَتَـٰعًۭا لِّلْمُقْوِينَ ٧٣

﴿ نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً ﴾ اسْتِئْنافٌ مُعَيَّنٌ لِمَنافِعِها أيْ جَعَلْناها تَذْكِيرًا لِنارِ جَهَنَّمَ حَيْثُ عَلَّقْنا بِها أسْبابَ المَعاشِ لِيَنْظُرُوا إلَيْها ويَذْكُرُوا بِها ما أُوعِدُوا بِهِ، أوْ جَعَلْناها تَذْكِرَةً وأُنْمُوذَجًا مِن جَهَنَّمَ لِما في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ««نارُكم هَذِهِ الَّتِي تُوقِدُونَ جُزْءٌ مِن سَبْعِينَ جُزْءًا مِن نارِ جَهَنَّمَ»» وعَلى الوَجْهَيْنِ التَّذْكِرَةُ مِنَ الذِّكْرِ المُقابِلِ لِلنِّسْيانِ ولَمْ يُنْظَرْ في الأوَّلِ إلى أنَّها مِن جِنْسِ نارِ جَهَنَّمَ أوَّلًا وفي الثّانِي نُظِرَ إلى ذَلِكَ، وقِيلَ: تَبْصِرَةً في أمْرِ البَعْثِ لِأنَّ مَن أخْرَجَ النّارَ مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ المُضادِّ لَها قادِرٌ عَلى إعادَةِ ما تَفَرَّقَتْ مَوادُّهُ، وقِيلَ: تَبْصِرَةً في الظَّلامِ يُبْصَرُ بِضَوْئِها، وفِيهِ أنَّ التَّذْكِرَةَ لا تَكُونُ بِمَعْنى التَّبْصِرَةِ المَأْخُوذَةِ مِنَ البَصَرِ وكَوْنُ المُرادِ تَذْكِرَةً لِنارِ جَهَنَّمَ هو المَأْثُورُ عَنِ الكَثِيرِينَ، ومِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ ﴿ ومَتاعًا ﴾ ومَنفَعَةً ﴿ لِلْمُقْوِينَ ﴾ لِلَّذِينِ يَنْزِلُونَ القِواءَ وهي القَفْرُ مِن أقْوى دَخَلَ القِواءَ كَأصْحَرَ دَخَلَ الصَّحْراءَ وتَخْصِيصُ المُقْوِينَ بِذَلِكَ لِأنَّهم أحْوَجُ إلَيْها فَإنَّ المُقِيمِينَ، أوِ النّازِلِينَ بِقُرْبٍ مِنهم لَيْسُوا بِمُضْطَرِّينَ إلى الِاقْتِداحِ بِالزِّنادِ.

وقِيلَ: ﴿ لِلْمُقْوِينَ ﴾ أيِ المُسافِرِينَ، ورَواهُ جَمْعٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ، وهو وابْنُ جَرِيرٍ وعَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ قَتادَةَ بِزِيادَةِ كَمْ مِن قَوْمٍ قَدْ سافَرُوا ثُمَّ أرْمَلُوا فَأجَّجُوا نارًا فاسْتَدْفَئُوا وانْتَفَعُوا بِها، وكانَ إطْلاقُ المُقْوِينَ عَلى المُسافِرِينَ لِأنَّهم كَثِيرًا ما يَسْلُكُونَ القَفْراءَ والمَفاوِزَ، وقِيلَ: ﴿ لِلْمُقْوِينَ ﴾ لِلْفُقَراءِ يَسْتَضِيئُونَ بِها في الظُّلْمَةِ ويَصْطَلُونَ مِنَ البَرْدِ كَأنَّهُ تَصَوَّرَ مِن حالِ الحاصِلِ في القَفْرِ الفَقْرَ، فَقِيلَ: - أقْوى - فُلانٌ أيِ افْتَقَرَ كَقَوْلِهِمْ أتْرَبَ وأرْمَلَ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لِلْجائِعِينَ لِأنَّهم أقْوَتْ أيْ خَلَتْ بُطُونُهم ومَزاوِدُهم مِنَ الطَّعامِ فَهم يَحْتاجُونَ إلَيْها لِطَبْخِ ما يَأْكُلُونَ وخُصُّوا - عَلى ما قِيلَ - لِأنَّ غَيْرَهم يَتَنَعَّمُ بِها لا يَجْعَلُها مَتاعًا، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ بَعِيدٌ لِعَدَمِ انْحِصارِ ما يُهِمُّهم ويَسُدُّ خَلَّتَهم فِيما لا يُؤْكَلُ إلّا بِالطَّبْخِ، وقالَ عِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ: المُقْوِينَ المُسْتَمْتِعِينَ بِها مِنَ النّاسِ أجْمَعِينَ المُسافِرِينَ والحاضِرِينَ يَسْتَضِيئُونَ بِها ويَصْطَلُونَ مِنَ البَرْدِ ويَنْتَفِعُونَ بِها في الطَّبْخِ والخَبْزِ، قالَ العَلّامَةُ الطَّيِّبِيُّ والطَّبَرْسِيُّ: وعَلى هَذا القَوْلِ - المُقْوِي - مِنَ الأضْدادِ يُقالُ لِلْفَقِيرِ: مُقْوٍ لِخُلُوِّهِ مِنَ المالِ، ولِلْغَنِيِّ مُقْوٍ لِقُوَّتِهِ عَلى ما يُرِيدُ يُقالُ: أقْوى الرَّجُلُ إذا صارَ إلى حالِ القُوَّةِ والمَعْنى مَتاعًا لِلْأغْنِياءِ والفُقَراءِ لِأنَّهُ لا غِنى لِأحَدٍ عَنْها انْتَهى.

وفِيهِ بَحْثٌ لا يَخْفى، ولَعَلَّ الأقْرَبَ عَلَيْهِ أنَّهُ أُرِيدَ بِالإقْواءِ الِاحْتِياجُ والمُسْتَمْتِعُ بِها مُحْتاجٌ إلَيْها فَتَدَبَّرْ، وتَأْخِيرُ هَذِهِ المَنفَعَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الأهَمَّ هو النَّفْعُ الأُخْرَوِيُّ وتَقْدِيمُ أمْرِ الماءِ عَلى أمْرِ النّارِ لِأنَّ الِاحْتِياجَ إلَيْهِ أشَدُّ وأكْثَرُ والِانْتِفاعُ بِهِ أعَمُّ وأوْفَرُ، وقالَ بَعْضُهم: قُدِّمَ أمْرُ خَلْقِ الإنْسانِ مِن نُطْفَةٍ لِأنَّ النِّعْمَةَ في ذَلِكَ قَبْلَ النِّعْمَةِ في الثَّلاثَةِ بَعْدُ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ ما بِهِ قَوامُ الإنْسانِ مِن فائِدَةِ الحَرْثِ وهو الطَّعامُ الَّذِي لا يَسْتَغْنِي عَنْهُ الجَسَدُ الحَيُّ وذَلِكَ الحَبُّ الَّذِي يَخْتَبِزُ فَيَحْتاجُ بَعْدَ حُصُولِهِ إلى حُصُولِ الماءِ لِيَعْجِنَ بِهِ فَلِذا ذُكِرَ بَعْدَهُ ثُمَّ إلى النّارِ لِتُصَيِّرَهُ خُبْزًا فَلِذا ذُكِرَتْ بَعْدَ الماءِ وهو كَما تَرى، واسْتَحْسَنَ بَعْضُهم مِنَ القارِئِ أنْ يَقُولَ بَعْدَ كُلِّ جُمْلَةٍ اسْتِفْهامِيَّةٍ مِنَ الجُمَلِ السّابِقَةِ: بَلْ أنْتَ يا رَبِّ، فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ حَجَرٍ المَرْوِيِّ قالَ: بِتُّ عِنْدَ عَلِيٍّ كَرَّمَ تَعالى وجْهَهُ فَسَمِعْتُهُ وهو يُصَلِّي بِاللَّيْلِ يَقْرَأُ فَمَرَّ بِهَذِهِ الآيَةِ ﴿ أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ ﴾ ﴿ أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ ﴾ فَقالَ: بَلْ أنْتَ يا رَبِّ ثَلاثًا، ثُمَّ قَرَأ ﴿ أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ ﴾ فَقالَ: بَلْ أنْتَ يا رَبِّ ثَلاثًا، ثُمَّ قَرَأ ﴿ أأنْتُمْ أنْزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أمْ نَحْنُ المُنْزِلُونَ ﴾ فَقالَ: بَلْ أنْتَ يا رَبِّ ثَلاثًا، ثُمَّ قَرَأ ﴿ أأنْتُمْ أنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أمْ نَحْنُ المُنْشِئُونَ ﴾ فَقالَ: بَلْ أنْتَ يا رَبِّ ثَلاثًا، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ في اسْتِحْسانِ قَوْلِ مِثْلِ ذَلِكَ في الصَّلاةِ اخْتِلافًا بَيْنَ العُلَماءِ.

<div class="verse-tafsir"

فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ ٧٤

﴿ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ ﴾ مُرَتَّبٌ عَلى ما عُدِّدَ مِن بَدائِعِ صُنْعِهِ عَزَّ وجَلَّ ووَدائِعِ نِعَمِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، والمُرادُ عَلى ما قِيلَ: أحْدَثَ التَّسْبِيحُ تَنْزِيلًا لِلْفِعْلِ المُتَعَدِّي مَنزِلَةَ اللّازِمِ وأُرِيدَ مِن إحْداثِهِ اسْتِمْرارُهُ لا إيجادُهُ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ غَيْرُ مُعْرِضٍ عَنْهُ، وتَعَقَّبَهُ الطَّيِّبِيُّ بِأنَّ هَذا عَكْسُ ما يَقْتَضِيهِ لَفْظُ الإحْداثِ، فالمُرادُ تَجْدِيدُ التَّسْبِيحِ، وفي الكَلامِ إضْمارٌ أيْ سَبِّحْ بِذِكْرِ اسْمِ رَبِّكَ، أوِ الِاسْمُ مَجازٌ عَنِ الذِّكْرِ فَإنَّ إطْلاقَ الِاسْمِ لِلشَّيْءِ ذِكْرُهُ، والباءُ لِلِاسْتِعانَةِ أوِ المُلابَسَةِ وكَوْنُها لِلتَّعْدِيَةِ كَما هو ظاهِرُ كَلامِ أبِي حَيّانَ لَيْسَ بِشَيْءٍ، والعَظِيمُ صِفَةٌ لِلِاسْمِ، أوْ لِلرَّبِّ، وتَعْقِيبُ الأمْرِ بِالتَّسْبِيحِ لِما عُدِّدَ إمّا لِتَنْزِيهِهِ تَعالى عَمّا يَقُولُهُ الجاحِدُونَ لِوَحْدانِيَّتِهِ عَزَّ وجَلَّ الكافِرُونَ بِنِعَمِهِ سُبْحانَهُ مَعَ عِظَمِها وكَثْرَتِها، أوْ لِلشُّكْرِ عَلى تِلْكَ النِّعَمِ السّابِقَةِ لِأنَّ تَنْزِيهَهُ تَعالى وتَعْظِيمَهُ جَلَّ وعَلا بَعْدَ ذِكْرِ نِعَمِهِ سُبْحانَهُ مَدْحٌ عَلَيْها فَهو شُكْرٌ لِلْمُنْعِمِ في الحَقِيقَةِ، أوْ لِلتَّعَجُّبِ مِن أمْرِ الكَفَرَةِ في غَمْطِ تِلْكَ النِّعَمِ الباهِرَةِ مَعَ جَلالَةِ قَدْرِها وظُهُورِ أمْرِها وسُبْحانَ تَرِدُ لِلتَّعَجُّبِ مَجازًا مَشْهُورًا فَسَبَّحَ بِمَعْنى تَعَجَّبَ، وأصْلُهُ فَقُلْ سُبْحانَ اللَّهِ لِلتَّعَجُّبِ وفِيهِ بُعْدٌ وما تَقَدَّمَ أظْهَرُ.

هَذا وجُوِّزَ أنْ لا يَكُونَ في ( بِاسْمِ رَبِّكَ ) إضْمارٌ ولا مَجازٌ بَلْ يَبْقى عَلى ظاهِرِهِ فَقَدْ قالُوا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى  ﴾ : كَما يَجِبُ تَنْزِيهُ ذاتِهِ تَعالى وصِفاتِهِ سُبْحانَهُ عَنِ النَّقائِصِ يَجِبُ تَنْزِيهُ الألْفاظِ المَوْضُوعَةِ لَها عَنْ سُوءِ الأدَبِ وهو أبْلَغُ لِأنَّهُ يَلْزَمُهُ تَقْدِيسُ ذاتِهِ عَزَّ وجَلَّ بِالطَّرِيقِ الأوْلى عَلى طَرِيقِ الكِنايَةِ الرَّمْزِيَّةِ، وفِيهِ أنَّهُ إنَّما يَتَأتّى لَوْ لَمْ تُذْكَرِ الباءُ، وجَعْلُها زائِدَةً خِلافُ الظّاهِرِ، وحالَ كَوْنِها لِلتَّعْدِيَةِ قَدْ سَمِعْتَهُ، وجَعَلَ بَعْضُهم عَلى هَذا الخِطابَ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ فَقالَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ ما ذَكَرَ مِنَ الأُمُورِ وكانَ الكُلُّ مُعْتَرِفِينَ بِأنَّها مِنَ اللَّهِ تَعالى وكانَ الكُفّارُ إذا طُولِبُوا بِالوَحْدانِيَّةِ قالُوا: نَحْنُ لا نُشْرِكُ في المَعْنى وإنَّما نَتَّخِذُ أصْنامًا آلِهَةً وذَلِكَ إشْراكٌ في الِاسْمِ، والَّذِي خَلَقَنا وخَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ هو اللَّهُ تَعالى فَنَحْنُ نُنَزِّهُهُ في الحَقِيقَةِ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ ﴾ عَلى مَعْنى كَما أنَّكَ أيُّها الغافِلُ اعْتَرَفْتَ بِعَدَمِ اشْتِراكِها في الحَقِيقَةِ اعْتَرِفْ بِعَدَمِ اشْتِراكِها في الِاسْمِ ولا تَقُلْ لِغَيْرِهِ تَعالى إلَهًا فَإنَّ الِاسْمَ يَتْبَعُ المَعْنى والحَقِيقَةَ، فالخِطابُ كالخِطابِ في قَوْلِ الواعِظِ يا مِسْكِينُ أفْنَيْتَ عُمْرَكَ وما أصْلَحْتَ أمْرَكَ لا يُرِيدُ بِهِ أحَدًا بِعَيْنِهِ، وإنَّما يُرِيدُ أيُّها المِسْكِينُ السّامِعُ وهو كَما تَرى، نَعَمِ احْتِمالُ عُمُومِ الخِطابِ مِمّا لا يُنْكَرُ لَكِنْ لا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ هَذا التَّقْرِيرُ، ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِذِكْرِ الرَّبِّ أوْ ذِكْرِ اسْمِهِ سُبْحانَهُ عَلى ما تَقَرَّرَ سابِقًا ما هو المُتَبادَرُ المَعْرُوفُ.

وفِي الكَشْفِ إنَّ المُرادَ بِذَلِكَ تِلاوَتُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِلْقُرْآنِ أوْ لِهَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ المُتَضَمِّنَةِ لِإثْباتِ البَعْثِ والجَزاءِ ومَراتِبِ أهْلِهِ لِيَنْطَبِقَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى بَعْدُ: ﴿ فَلا أُقْسِمُ ﴾ وعَلى الأوَّلِ لا بُدَّ مِن إضْمارٍ - أيْ فَسَبِّحْ باسِمِ رَبِّكَ وامْتَثِلْ ما أُمِرْتَ بِهِ - فَأُقْسِمُ إنَّهُ لَقُرْآنٌ، والغَرَضُ تَأْكِيدُ الأمْرِ بِالتَّسْبِيحِ، وأنا أقُولُ يَتَأتّى الِانْطِباقُ عَلى الظّاهِرِ أيْضًا سِوى أنَّهُ يُعْتَبَرُ في الكَلامِ إضْمارٌ ولا بَأْسَ بِأنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ ما ذَكَرَ مِنَ النِّعَمِ الجَلِيلَةِ الدّاعِيَةِ لِتَوْحِيدِهِ سُبْحانَهُ ووَصْفِهِ بِما يَلِيقُ بِهِ عَزَّ وجَلَّ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ ﴾ أيْ فَنَزِّهْهُ تَعالى عَمّا يَقُولُونَ في وصْفِهِ سُبْحانَهُ، وأقْبِلْ عَلى إنْذارِهِمْ بِالقُرْآنِ والِاحْتِجاجِ عَلَيْهِ بِهِ بَعْدَ الِاحْتِجاجِ بِما ذَكَرْنا فَأُقْسِمُ إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَيْتَ وكَيْتَ <div class="verse-tafsir"

۞ فَلَآ أُقْسِمُ بِمَوَٰقِعِ ٱلنُّجُومِ ٧٥

فَلا في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَلا أُقْسِمُ ﴾ مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ مِثْلُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِئَلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ  ﴾ أوْ هي لامُ القَسَمِ أُشْبِعَتْ فَتْحَتُها فَتَوَلَّدَتْ مِنها ألِفٌ نَظِيرَ ما في قَوْلِهِ: أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ العَقْرابِ واخْتارَهُ أبُو حَيّانَ ثُمَّ قالَ: وهو وإنْ كانَ قَلِيلًا فَقَدْ جاءَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ  ﴾ بِياءٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ وذَلِكَ في قِراءَةِ هِشامٍ.

ويُؤَيِّدُ قِراءَةَ الحَسَنِ وعِيسى فَلا قَسَمَ - وهو مَبْنِيٌّ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ تَبَعًا لِبَعْضِ النَّحْوِيِّينَ مِن أنَّ فِعْلَ الحالِ يَجُوزُ القَسَمُ عَلَيْهِ فَيُقالُ: واللَّهِ تَعالى لَيَخْرُجْ زَيْدٌ وعَلَيْهِ قَوْلُ الشّاعِرِ: لِيَعْلَمْ رَبِّي أنَّ بَيْتِيَ واسِعٌ وحِينَئِذٍ لا يَصِحُّ أنْ يُقْرَنَ الفِعْلُ بِالنُّونِ المُؤَكِّدَةِ لِأنَّها تُخَلِّصُهُ لِلِاسْتِقْبالِ وهو خِلافُ المُرادِ، والَّذِي اخْتارَهُ ابْنُ عُصْفُورٍ والبَصْرِيُّونَ أنَّ فِعْلَ الحالِ كَما هُنا لا يَجُوزُ أنْ يُقْسَمَ عَلَيْهِ ومَتى أُرِيدَ مِنَ الفِعْلِ الِاسْتِقْبالُ لَزِمَتْ فِيهِ النُّونُ المُؤَكِّدَةُ فَقِيلَ: لَأُقْسِمَنَّ وحَذْفُها ضَعِيفٌ جِدًّا، ومِن هُنا خَرَّجُوا قِراءَةَ الحَسَنِ وعِيسى عَلى أنَّ اللّامَ لامُ الِابْتِداءِ والمُبْتَدَأُ مَحْذُوفٌ لِأنَّها لا تَدْخُلُ عَلى الفِعْلِ والتَّقْدِيرُ فَلَأنا أُقْسِمَ، وقِيلَ: نَحْوُهُ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ عَلى أنَّ الألِفَ قَدْ تَوَلَّدَتْ مِنَ الإشْباعِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ المُبْتَدَأ إذْ دَخَلَ عَلَيْهِ لامُ الِابْتِداءِ يَمْتَنِعُ أوْ يَقْبُحُ حَذْفُهُ لِأنَّ دُخُولَها لِتَأْكِيدِهِ وهو يَقْتَضِي الِاعْتِناءَ بِهِ وحَذْفُهُ يَدُلُّ عَلى خِلافِهِ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وبَعْضُ النُّحاةِ: - لا - نَفْيٌ ورَدٌّ لِما يَقُولُهُ الكُفّارُ في القُرْآنِ مِن أنَّهُ سِحْرٌ وشِعْرٌ وكِهانَةٌ كَأنَّهُ قِيلَ: فَلا صِحَّةَ لِما يَقُولُونَ فِيهِ ثُمَّ اسْتُؤْنِفَ فَقِيلَ: ( أُقْسِمُ ) إلَخْ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ لا يَجُوزُ لِما فِيهِ مِن حَذْفِ اسْمِ - لا - وخَبَرِها في غَيْرِ جَوابِ سُؤالٍ نَحْوَ - لا - في جَوابِ هَلْ مِن رَجُلٍ في الدّارِ، وقِيلَ: الأوْلى فِيما إذا قُصِدَ بِلا نَفْيٌ لِمَحْذُوفٍ واسْتِئْنافٌ لِما بَعْدَها في اللَّفْظِ الإتْيانُ بِالواوِ نَحْوَ - لا - وأطالَ اللَّهُ تَعالى بَقاءَكَ، وقالَ بَعْضُهم إنَّ - لا - كَثِيرًا ما يُؤْتى بِها قَبْلَ القَسَمِ عَلى نَحْوِ الِاسْتِفْتاحِ كَما في قَوْلِهِ: لا وأبِيكِ ابْنَةَ العامِرِيِّ ∗∗∗ لا يَدَّعِي القَوْمُ أنِّي أفِرُّ وقالَ أبُو مُسْلِمٍ وجَمْعٌ: إنَّ الكَلامَ عَلى ظاهِرِهِ المُتَبادَرِ مِنهُ، والمَعْنى لا أُقْسِمُ إذِ الأمْرُ أوْضَحُ مِن أنْ يَحْتاجَ إلى قَسَمٍ أيْ لا يَحْتاجُ إلى قَسَمٍ ما فَضْلًا عَنْ أنَّ هَذا القَسَمَ العَظِيمَ، فَقَوْلُ مُفْتِي الدِّيارِ الرُّومِيَّةِ أنَّهُ يَأْباهُ تَعْيِينُ المُقْسَمِ بِهِ وتَفْخِيمُهُ ناشِئٌ عَنِ الغَفْلَةِ عَلى ما لا يَخْفى عَلى فَطِنٍ ﴿ بِمَواقِعِ النُّجُومِ ﴾ أيْ بِمَساقِطِ كَواكِبِ السَّماءِ ومَغارِبِها كَما جاءَ في رِوايَةٍ عَنْ قَتادَةَ والحَسَنِ عَلى أنَّ الوُقُوعَ بِمَعْنى السُّقُوطِ والغُرُوبِ وتَخْصِيصُها بِالقَسَمِ لِما في غُرُوبِها مِن زَوالِ أثَرِها، والدَّلالَةِ عَلى وُجُودِ مُؤَثِّرٍ دائِمٍ لا يَتَغَيَّرُ، ولِذا اسْتَدَلَّ الخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالأُفُولِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ جَلَّ وعَلا، أوْ لِأنَّ ذَلِكَ وقْتُ قِيامِ المُتَهَجِّدِينَ والمُبْتَهِلِينَ إلَيْهِ تَعالى وأوانُ نُزُولِ الرَّحْمَةِ والرِّضْوانِ عَلَيْهِمْ.

وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا ««يَنْزِلُ رَبُّنا كُلَّ لَيْلَةٍ إلى سَماءِ الدُّنْيا حِينَ يَبْقى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرِ فَيَقُولُ مَن يَدْعُونِي فَأسْتَجِيبَ لَهُ مَن يَسْألُنِي فَأُعْطِيَهُ مَن يَسْتَغْفِرُنِي فَأغْفِرَ لَهُ»» وعَنِ الحَسَنِ أيْضًا المُرادُ مَواقِعُها عِنْدَ الِانْكِدارِ يَوْمَ القِيامَةِ قِيلَ: ومَوْقِعٌ عَلَيْهِ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ أوِ اسْمُ زَمانٍ ولَعَلَّ وُقُوعَها ذَلِكَ اليَوْمَ لَيْسَ دُفْعَةً واحِدَةً والتَّخْصِيصُ لِما في ذَلِكَ مِن ظُهُورِ عَظَمَتِهِ عَزَّ وجَلَّ وتَحَقُّقِ ما يُنْكِرُهُ الكُفّارُ مِنَ البَعْثِ، وعَنْ أبِي جَعْفَرٍ وأبِي عَبْدِ اللَّهِ عَلى آبائِهِما وعَلَيْهِما السَّلامُ المُرادُ مَواقِعُها عِنْدَ الِانْقِضاضِ إثْرَ المُسْتَرِقِينَ السَّمْعَ مِنَ الشَّياطِينِ، وقَدْ مَرَّ لَكَ تَحْقِيقُ أمْرِ هَذا الِانْقِضاضِ فَلا تَغْفُلْ، وقِيلَ: مَواقِعُ النُّجُومِ هي الأنْواءُ الَّتِي يَزْعُمُ الجاهِلِيَّةُ أنَّهم يُمْطَرُونَ بِها، ولَعَلَّهُ مَأْخُوذٌ مِن بَعْضِ الآثارِ الوارِدَةِ في سَبَبِ النُّزُولِ وسَنَذْكُرُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ولَيْسَ نَصًّا في إرادَةِ الأنْواءِ بَلْ يَجُوزُ عَلَيْهِ أنْ يُرادَ المَغارِبُ مُطْلَقًا.

وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّها مَنازِلُها ومَجارِيها عَلى أنَّ الوُقُوعَ النُّزُولُ كَما يُقالُ: عَلى الخَبِيرِ سَقَطْتَ وهو شائِعٌ والتَّخْصِيصُ لِأنَّ لَهُ تَعالى في ذَلِكَ مِنَ الدَّلِيلِ عَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ وكَمالِ حِكْمَتِهِ ما لا يُحِيطُ بِهِ نِطاقُ البَيانِ، وقالَ جَماعَةٌ مِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ: النُّجُومُ نُجُومُ القُرْآنِ ومَواقِعُها أوْقاتُ نُزُولِها.

وأخْرَجَ النَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْهُ أنْ قالَ: ««أُنْزِلَ القُرْآنُ في لَيْلَةِ القَدْرِ مِنَ السَّماءِ العُلْيا إلى السَّماءِ الدُّنْيا جُمْلَةً واحِدَةً ثُمَّ فُرِّقَ في السِّنِينَ»» وفي لَفْظٍ ««ثُمَّ نَزَلَ مِنَ السَّماءِ الدُّنْيا إلى الأرْضِ نُجُومًا ثُمَّ قَرَأ فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ»» وأُيِّدَ هَذا القَوْلُ بِأنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ تَعالى بَعْدَ: ﴿ إنَّهُ لَقُرْآنٌ ﴾ يَعُودُ حِينَئِذٍ عَلى ما يُفْهَمُ مِن مَواقِعِ النُّجُومِ حَتّى يَكادَ يُعَدُّ كالمَذْكُورِ صَرِيحًا ولا يَحْتاجُ إلى أنْ يُقالَ يُفَسِّرُهُ السِّياقُ كَما في سائِرِ الأقْوالِ، ووَجْهُ التَّخْصِيصِ أظْهَرُ مِن أنْ يَخْفى، ولَعَلَّ الكَلامَ عَلَيْهِ مِن بابِ «وثَناياكَ إنَّها إغْرِيضٌ».

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وأهْلُ المَدِينَةِ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ «بِمَوْقِعِ» مُفْرَدًا مُرادًا بِهِ الجَمْعُ.

<div class="verse-tafsir"

وَإِنَّهُۥ لَقَسَمٌۭ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ٧٦ إِنَّهُۥ لَقُرْءَانٌۭ كَرِيمٌۭ ٧٧

﴿ وإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ﴾ مُشْتَمِلٌ عَلى اعْتِراضٍ في ضِمْنِ آخَرَ فَقَوْلُهُ تَعالى: ( إنَّهُ لَقَسَمٌ عَظِيمٌ ) مُعْتَرِضٌ بَيْنَ القَسَمِ والمُقْسَمِ عَلَيْهِ وهو قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ﴾ وهو تَعْظِيمٌ لِلْقَسَمِ مُقَرِّرٌ مُؤَكِّدٌ لَهُ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ لَوْ تَعْلَمُونَ ﴾ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ وهو تَأْكِيدٌ لِذَلِكَ التَّعْظِيمِ وجَوابُ ( لَوْ ) إمّا مَتْرُوكٌ أُرِيدَ بِهِ نَفْيُ عِلْمِهِمْ أوْ مَحْذُوفٌ ثِقَةً بِظُهُورِهِ أيْ لَعَظَّمْتُمُوهُ أوْ لَعَمِلْتُمْ بِمُوجِبِهِ، ووَجْهُ كَوْنِ ذَلِكَ القَسَمِ عَظِيمًا قَدْ أُشِيرَ إلَيْهِ فِيما مَرَّ، أوْ هو ظاهِرٌ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ ﴿ بِمَواقِعِ النُّجُومِ ﴾ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والجَماعَةِ، ومَعْنى كَوْنِ القُرْآنِ كَرِيمًا أنَّهُ حَسَنٌ مَرْضِيٌّ في جِنْسِهِ مِنَ الكُتُبِ أوْ نَفّاعٌ جَمُّ المَنافِعِ، وكَيْفَ لا وقَدِ اشْتَمَلَ عَلى أُصُولِ العُلُومِ المُهِمَّةِ في إصْلاحِ المَعاشِ، والمَعادِ، والكَرَمُ عَلى هَذا مُسْتَعارٌ - كَما قالَ الطَّيِّبِيُّ - مِنَ الكَرَمِ المَعْرُوفِ.

وقِيلَ: الكَرَمُ أعَمُّ مِن كَثْرَةِ البَذْلِ والإحْسانِ والِاتِّصافِ بِما يُحْمَدُ مِنَ الأوْصافِ كَكَثْرَةِ النَّفْعِ فَإنَّهُ وصْفٌ مَحْمُودٌ فَكَوْنُهُ كَرَمًا حَقِيقَةٌ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ كَرِيمٌ عَلى اللَّهِ تَعالى قِيلَ: هو يَرْجِعُ لِما تَقَدَّمَ، وفِيهِ تَقْدِيرٌ مِن غَيْرِ حاجَةٍ وأيًّا ما كانَ فَمَحَطُّ الفائِدَةِ الوَصْفُ المَذْكُورُ قِيلَ: إنَّ مَرْجِعَ الضَّمِيرِ هو القُرْآنُ لا مِن حَيْثُ عُنْوانُ كَوْنِهِ قُرْآنًا فَبِمُجَرَّدِ الإخْبارِ عَنْهُ بِأنَّهُ قُرْآنٌ تَحْصُلُ الفائِدَةُ أيْ إنَّهُ لَمَقْرُوءٍ عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لا أنَّهُ أنْشَأهُ كَما زَعَمَهُ الكُفّارُ، <div class="verse-tafsir"

فِى كِتَـٰبٍۢ مَّكْنُونٍۢ ٧٨

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ ﴾ وصْفٌ آخَرُ لِلْقُرْآنِ أيْ كائِنٌ في كِتابٍ مَصُونٍ عَنْ غَيْرِ المُقَرَّبِينَ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ مَن سِواهم، فالمُرادُ بِهِ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ كَما رُوِيَ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ وغَيْرِهِ، وقِيلَ: أيْ في كِتابٍ مَصُونٍ عَنِ التَّبْدِيلِ والتَّغْيِيرِ وهو المُصْحَفُ الَّذِي بِأيْدِي المُسْلِمِينَ ويَتَضَمَّنُ ذَلِكَ الإخْبارَ بِالغَيْبِ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ إذْ ذاكَ مَصاحِفُ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ قالَ: في كِتابٍ أيِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، وحُكِيَ ذَلِكَ في البَحْرِ ثُمَّ قالَ: كَأنَّهُ قالَ: ذُكِرَ في كِتابٍ مَكْنُونٍ كَرَمُهُ وشَرَفُهُ، فالمَعْنى عَلى هَذا الِاسْتِشْهادُ بِالكُتُبِ المُنَزَّلَةِ انْتَهى.

والظّاهِرُ أنَّهُ أُرِيدَ عَلى هَذا بِالكِتابِ الجِنْسُ لِتَصِحَّ إرادَةُ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وفي وصْفِ ذَلِكَ بِالمَكْنُونِ خَفاءٌ ولَعَلَّهُ أُرِيدَ بِهِ جَلِيلُ الشَّأْنِ عَظِيمُ القَدْرِ فَإنَّ السَّتْرَ كاللّازِمِ لِلشَّيْءِ الجَلِيلِ، وجُوِّزَ إرادَةُ هَذا المَعْنى المَجازِيِّ عَلى غَيْرِ هَذا القَوْلِ مِنَ الأقْوالِ، وقِيلَ: الكِتابُ المَكْنُونُ قَلْبُ المُؤْمِنِ وهو كَما تَرى.

وقِيلَ: المُرادُ مِن كَوْنِهِ في كِتابٍ مَكْنُونٍ كَوْنُهُ مَحْفُوظًا مِنَ التَّغْيِيرِ والتَّبْدِيلِ لَيْسَ إلّا كَما قالَ تَعالى: ﴿ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ  ﴾ والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ، وجُوِّزَ تَعَلُّقُ الجارِّ بِكَرِيمٍ كَما يُقالُ زَيْدٌ كَرِيمٌ في نَفْسِهِ، والمَعْنى إنَّهُ كَرِيمٌ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ وإنْ لَمْ يَكُنْ كَرِيمًا عِنْدَ الكُفّارِ، والوَصْفِيَّةُ أبْلَغُ كَما لا يَخْفى، <div class="verse-tafsir"

لَّا يَمَسُّهُۥٓ إِلَّا ٱلْمُطَهَّرُونَ ٧٩

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ ﴾ إمّا صِفَةٌ بَعْدَ صِفَةٍ لِكِتابٍ مُرادًا بِهِ اللَّوْحُ، فالمُرادُ بِالمُطَهَّرُونَ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أيِ المُطَهَّرُونَ المُنَزَّهُونَ عَنْ كَدَرِ الطَّبِيعَةِ ودَنَسِ الحُظُوظِ النَّفْسِيَّةِ، وقِيلَ: عَنْ كَدَرِ الأجْسامِ ودَنَسِ الهَيُولى والطَّهارَةُ عَلَيْهِما طَهارَةٌ مَعْنَوِيَّةٌ، ونَفْيُ مَسِّهِ كِنايَةٌ عَنْ لازِمِهِ وهو نَفْيُ الِاطِّلاعِ عَلَيْهِ وعَلى ما فِيهِ، وإمّا صِفَةٌ أُخْرى لِقُرْآنٍ.

والمُرادُ بِالمُطَهَّرُونَ المُطَهَّرُونَ عَنِ الحَدَثِ الأصْغَرِ والحَدَثِ الأكْبَرِ بِحِمْلِ الطَّهارَةِ عَلى الشَّرْعِيَّةِ، والمَعْنى لا يَنْبَغِي أنْ يَمَسَّ القُرْآنَ إلّا مَن هو عَلى طَهارَةٍ مِنَ النّاسِ فالنَّفْيُ هَنا نَظِيرُ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الزّانِي لا يَنْكِحُ إلا زانِيَةً  ﴾ وقَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««المُسْلِمُ أخُو المُسْلِمِ لا يَظْلِمُهُ»» الحَدِيثَ وهو بِمَعْنى النَّهْيِ بَلْ أبْلَغُ مِنَ النَّهْيِ الصَّرِيحِ، وهَذا أحَدُ أوْجُهٍ ذَكَرُوها لِلْعُدُولِ عَنْ جَعْلِ - لا - ناهِيَةً، وثانِيها أنَّ المُتَبادَرَ كَوْنُ الجُمْلَةِ صِفَةً والأصْلُ فِيها أنْ تَكُونَ خَبَرِيَّةً ولا داعِيَ لِاعْتِبارِ الإنْشائِيَّةِ وارْتِكابِ التَّأْوِيلِ، وثالِثُها أنَّ المُتَبادَرَ مِنَ الضَّمَّةِ أنَّها إعْرابٌ فالحَمْلُ عَلى غَيْرِهِ فِيهِ إلْباسٌ، ورابِعُها أنَّ عَبْدَ اللَّهِ قَرَأ ما يَمَسُّهُ وهي تُؤَيِّدُ أنَّ لا نافِيَةٌ وكَوْنُ المُرادِ بِالمُطَهَّرِينَ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مَرْوِيٌّ مِن عِدَّةِ طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وكَذا أخْرَجَهُ جَماعَةٌ عَنْ أنَسٍ وقَتادَةَ وابْنِ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٍ وأبِي العالِيَةِ وغَيْرِهِمْ إلّا أنَّ في بَعْضِ الآثارِ عَنْ بَعْضِ هَؤُلاءِ ما هو ظاهِرٌ في أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿ لا يَمَسُّهُ ﴾ مَعَ كَوْنِ المُرادِ بِالمُطَهَّرِينَ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ راجِعٌ إلى القُرْآنِ.

أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: في الآيَةِ ذاكَ عِنْدَ رَبِّ العالَمِينَ لا يَمَسُّهُ إلّا المُطَهَّرُونَ مِنَ المَلائِكَةِ فَأمّا عِنْدَكم فَيَمَسُّهُ المُشْرِكُ والنَّجِسُ، والمُنافِقُ الرَّجِسُ، وأخْرَجاهُما وابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ في المَعْرِفَةِ عَنِ الحَبْرِ قالَ: في الآيَةِ الكِتابُ المُنَزَّلُ في السَّماءِ لا يَمَسُّهُ إلّا المَلائِكَةُ، ويُشِيرُ إلَيْهِ ما أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ النُّعَيْمِيِّ قالَ: قالَ مالِكٌ: أحْسَنُ ما سَمِعْتُ في هَذِهِ الآيَةِ ﴿ لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ ﴾ أنَّها بِمَنزِلَةِ الآيَةِ الَّتِي في عَبَسَ ﴿ كَلا إنَّها تَذْكِرَةٌ ﴾ ﴿ فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ ﴾ ﴿ فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ ﴾ ﴿ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ ﴾ ﴿ بِأيْدِي سَفَرَةٍ ﴾ ﴿ كِرامٍ بَرَرَةٍ  ﴾ وكَوْنُ المُرادِ بِهِمُ المُطَهَّرِينَ مِنَ الأحْداثِ مَرْوِيٌّ عَنْ مُحَمَّدٍ الباقِرِ عَلى آبائِهِ وعَلَيْهِ السَّلامُ وعَطاءٍ وطاوُسٍ وسالِمٍ.

وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ قالَ: كُنّا مَعَ سَلْمانَ - يَعْنِي الفارِسِيَّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فانْطَلَقَ إلى حاجَةٍ فَتَوارى عَنّا فَخَرَجَ إلَيْنا فَقُلْنا لَوْ تَوَضَّأْتَ فَسَألْناكَ عَنْ أشْياءَ مِنَ القُرْآنِ ؟

فَقالَ: سَلُونِي فَإنِّي لَسْتُ أمَسُّهُ إنَّما يَمَسُّهُ المُطَهَّرُونَ ثُمَّ تَلا ﴿ لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ ﴾ ، وقِيلَ: الجُمْلَةُ صِفَةٌ لِقُرْآنٍ، والمُرادُ - بِالمُطَهَّرُونَ - المُطَهَّرُونَ مِنَ الكُفْرِ، والمَسُّ مَجازٌ عَنِ الطَّلَبِ كاللَّمْسِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأنّا لَمَسْنا السَّماءَ  ﴾ أيْ لا يَطْلُبُهُ إلّا المُطَهَّرُونَ مِنَ الكُفْرِ، ولَمْ أرَ هَذا مَرْوِيًّا عَنْ أحَدٍ مِنَ السَّلَفِ، والنَّفْيُ عَلَيْهِ عَلى ظاهِرِهِ، ورَجَّحَ جَمْعٌ جَعْلَ الجُمْلَةِ وصْفًا لِلْقُرْآنِ لِأنَّ الكَلامَ مَسُوقٌ لِحُرْمَتِهِ وتَعْظِيمِهِ لا لِشَأْنِ الكِتابِ المَكْنُونِ، وإنْ كانَ في تَعْظِيمِهِ تَعْظِيمُهُ.

وصَحَّحَ الإمامُ جَعْلَها وصْفًا لِلْكِتابِ - وفِيهِ نَظَرٌ - وعَلى الوَصْفِيَّةِ لِلْقُرْآنِ ذَهَبَ مَن ذَهَبَ إلى اخْتِيارِ تَفْسِيرِ المُطَهَّرِينَ بِالمُطَهَّرِينَ عَنِ الحَدَثِ الأكْبَرِ والأصْغَرِ.

وفِي الأحْكامِ لِلْجَلالِ السُّيُوطِيِّ اسْتَدَلَّ الشّافِعِيُّ بِالآيَةِ عَلى مَنعِ المُحْدِثِ مِن مَسِّ المُصْحَفِ وهو ظاهِرٌ في اخْتِيارِ ذَلِكَ، والِاحْتِمالُ جَعْلُ الجُمْلَةِ صِفَةً لِلْكِتابِ المَكْنُونِ أوْ لِلْقُرْآنِ، وكَوْنُ المُرادِ بِالمُطَهَّرِينَ المَلائِكَةَ المُقَرَّبِينَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى ما سَمِعْتَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ عَدَلَ الأكْثَرُونَ عَنِ الِاسْتِدْلالِ بِها عَلى ذَلِكَ إلى الِاسْتِدْلالِ بِالإخْبارِ، فَقَدْ أخْرَجَ الإمامُ مالِكٌ وعَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي داوُدَ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي بَكْرٍ عَنْ أبِيهِ قالَ «فِي كِتابِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ «ولا تَمَسَّ القُرْآنَ إلّا عَلى طُهُورٍ»».

وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: ««قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : لا يَمَسُّ القُرْآنَ إلّا طاهِرٌ»» إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وقالَ بَعْضُهم: يَجُوزُ أنْ يُؤْخَذَ مَنعُ مَسِّ غَيْرِ الطّاهِرِ القُرْآنَ مِنَ الآيَةِ عَلى الِاحْتِمالَيْنِ الآخَرَيْنِ أيْضًا، وذَلِكَ لِأنَّها أفادَتْ تَعْظِيمَ شَأْنِ القُرْآنِ وكَوْنُهُ كَرِيمًا، والمَسُّ بِغَيْرِ طُهْرٍ مُخِلٌّ بِتَعْظِيمِهِ فَتَأْباهُ الآيَةُ وهو كَما تَرى، وأطالَ الإمامُ الكَلامَ في هَذا المَقامِ بِما لا يَخْفى حالُهُ عَلى مَن راجَعَهُ، نَعَمْ لا شَكَّ في دَلالَةِ الآيَةِ عَلى عِظَمِ شَأْنِ القُرْآنِ ومُقْتَضى ذَلِكَ الِاعْتِناءُ بِشَأْنِهِ ولا يَنْحَصِرُ الِاعْتِناءُ بِمَنعِ غَيْرِ الطّاهِرِ عَنْ مَسِّهِ بَلْ يَكُونُ بِأشْياءَ كَثِيرَةٍ كالإكْثارِ مِن تِلاوَتِهِ والوُضُوءِ لَها وأنْ لا يَقْرَأهُ الشَّخْصُ وهو مُتَنَجِّسُ الفَمِ فَإنَّهُ مَكْرُوهٌ.

وقِيلَ: حَرامٌ كالمَسِّ بِاليَدِ المُتَنَجِّسَةِ، وكَوْنُ القِراءَةِ في مَكانٍ نَظِيفٍ، والقارِئُ مُسْتَقْبِلٌ القِبْلَةَ مُتَخَشِّعًا بِسَكِينَةٍ ووَقارٍ مُطْرِقًا رَأْسَهُ، والِاسْتِياكُ لِقِراءَتِهِ، والتَّرْتِيلُ، والتَّدَبُّرُ، والبُكاءُ، أوِ التَّباكِي، وتَحْسِينُ الصَّوْتِ بِالقِراءَةِ وأنْ لا يَتَّخِذَهُ مَعِيشَةً، وأنْ يُحافِظَ عَلى أنْ لا يَنْسى آيَةً أُوتِيَها مِنهُ، فَقَدْ أخْرَجَ أبُو داوُدَ وغَيْرُهُ ««عُرِضَتْ عَلَيَّ ذُنُوبُ أُمَّتِي فَلَمْ أرَ ذَنْبًا أعْظَمَ مِن سُورَةِ القُرْآنِ أوْ آيَةٍ أُوتِيَها رَجُلٌ ثُمَّ نَسِيَها»، وأنْ لا يُجامِعَ بِحَضْرَتِهِ فَإنْ أرادَ سَتَرَهُ، وأنْ لا يَضَعَ غَيْرَهُ مِنَ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ وغَيْرِها فَوْقَهُ، وأنْ لا يُقَلِّبَ أوْراقَهُ بِأُصْبُعٍ عَلَيْها بُزاقٌ يَنْفَصِلُ مِنهُ شَيْءٌ فَقَدْ قِيلَ بِكُفْرِ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ إلى أُمُورٍ أُخَرَ مَذْكُورَةٍ في مَحالِّها، وفي وُجُوبِ كَوْنِ القارِئِ طاهِرًا مِنَ الأحْداثِ خِلافٌ، فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ أنَّهُ يَجُوزُ لِلْجُنُبِ قِراءَةُ القُرْآنِ، ورُوِيَ ذَلِكَ أيْضًا عَنِ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ، وعَنِ ابْنِ عُمَرَ أحَبُّ إلَيَّ أنْ لا يَقْرَأ إلّا طاهِرٌ وكَأنَّهُمُ اعْتَبَرُوهُ كَسائِرِ الأذْكارِ والفَرْقُ مِثْلُ الشَّمْسِ ظاهِرٌ.

وقَرَأ عِيسى «المُطْهَرُونَ» اسْمَ مَفْعُولٍ مُخَفَّفًا مِن أطْهَرَ، ورُوِيَتْ عَنْ نافِعٍ وأبِي عَمْرو، وقَرَأ سَلْمانُ الفارِسِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ «المُطَهِّرُونَ» بِتَخْفِيفِ الطّاءِ وتَشْدِيدِ الهاءِ وكَسْرِها اسْمُ فاعِلٍ مِن طَهَّرَ أيْ ( المُطَهِّرُونَ ) أنْفُسَهم، أوْ غَيْرَهم بِالِاسْتِغْفارِ لَهم والإلْهامِ، وعَنْهُ أيْضًا «المُطَّهِّرُونَ» بِتَشْدِيدِهِما وأصْلُهُ المُتَطَهِّرُونَ فَأُدْغِمَ التّاءُ بَعْدَ إبْدالِها في الطّاءِ ورُوِيَتْ عَنِ الحَسَنِ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ، وقُرِئَ المُتَطَهِّرُونَ عَلى الأصْلِ.

<div class="verse-tafsir"

تَنزِيلٌۭ مِّن رَّبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ٨٠

﴿ تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ ﴾ صِفَةٌ أُخْرى لِلْقُرْآنِ أيْ مُنَزَّلٌ، أوْ وصْفٌ بِالمَصْدَرِ لِأنَّهُ يَنْزِلُ نُجُومًا مِن بَيْنِ سائِرِ كُتُبِ اللَّهِ تَعالى فَكَأنَّهُ في نَفْسِهِ تَنْزِيلٌ ولِذَلِكَ أُجْرِيَ مَجْرى بَعْضِ أسْمائِهِ فَقِيلَ جاءَ في التَّنْزِيلِ كَذا ونَطَقَ بِهِ التَّنْزِيلُ.

وجُوِّزَ كَوْنُهُ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو تَنْزِيلٌ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقُرِئَ تَنْزِيلًا بِالنَّصْبِ عَلى نُزِّلَ تَنْزِيلًا.

<div class="verse-tafsir"

أَفَبِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَنتُم مُّدْهِنُونَ ٨١

﴿ أفَبِهَذا الحَدِيثِ ﴾ أيْ أتُعْرِضُونَ فَبِهَذا الحَدِيثِ الَّذِي ذُكِرَتْ نُعُوتُهُ الجَلِيلَةُ المُوجِبَةُ لِإعْظامِهِ وإجْلالِهِ والإيمانِ بِما تَضَمَّنَهُ وأرْشَدَ إلَيْهِ وهو القُرْآنُ الكَرِيمُ ﴿ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ ﴾ مُتَهاوِنُونَ بِهِ كَمَن يَدْهُنُ في الأمْرِ أيْ يَلِينُ جانِبُهُ ولا يَتَصَلَّبُ فِيهِ تَهاوُنًا بِهِ، وأصْلُ الِإدْهانِ كَما قِيلَ: جَعْلُ الأدِيمِ ونَحْوِهِ مَدْهُونًا بِشَيْءٍ مِنَ الدُّهْنِ ولَمّا كانَ ذَلِكَ مُلَيِّنًا لَيِّنًا مَحْسُوسًا يُرادُ بِهِ اللِّينُ المَعْنَوِيُّ عَلى أنَّهُ تَجُوزُ بِهِ عَنْ مُطْلَقِ اللِّينِ أوِ اسْتُعِيرَ لَهُ، ولِذا سُمِّيَتِ المُداراةُ مُداهَنَةً وهَذا مَجازٌ مَعْرُوفٌ ولِشُهْرَتِهِ صارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً، ولِذا تَجَوَّزَ بِهِ هُنا عَنِ التَّهاوُنِ أيْضًا لِأنَّ المُتَهاوِنَ بِالأمْرِ لا يَتَصَلَّبُ فِيهِ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والزَّجّاجِ ﴿ مُدْهِنُونَ ﴾ أيْ مُكَذِّبُونَ وتَفْسِيرُهُ بِذَلِكَ لِأنَّ التَّكْذِيبَ مِن فُرُوعِ التَّهاوُنِ.

وعَنْ مُجاهِدٍ أيْ مُنافِقُونَ في التَّصْدِيقِ بِهِ تَقُولُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ آمَنّا بِهِ وإذا خَلَوْتُمْ إلى إخْوانِكم قُلْتُمْ: إنّا مَعَكم والخِطابُ عَلَيْهِ لِلْمُنافِقِينَ وما قَدَّمْناهُ أوْلى، والخِطابُ عَلَيْهِ لِلْكُفّارِ كَما يَقْتَضِيهِ السِّياقُ.

وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِهَذا الحَدِيثِ ما تَحَدَّثُوا بِهِ مِن قَبْلُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: وكانُوا يَقُولُونَ ﴿ أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ ﴾ ﴿ أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ  ﴾ فالكَلامُ عَوْدٌ إلى ذَلِكَ بَعْدَ رَدِّهِ كَأنَّهُ قِيلَ: أفَبِهَذا الحَدِيثِ الَّذِي تَتَحَدَّثُونَ بِهِ في إنْكارِ البَعْثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ أصْحابَكم أيْ تَعْلَمُونَ خِلافَهُ وتَقُولُونَهُ مُداهَنَةً أمْ أنْتُمْ بِهِ جازِمُونَ وعَلى الإصْرارِ عَلَيْهِ عازِمُونَ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ، وفِيهِ مُخالَفَةٌ لِسَبَبِ النُّزُولِ وسَتَعْلَمُهُ قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى <div class="verse-tafsir"

وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ٨٢

﴿ وتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ ﴾ شُكْرَكم ﴿ أنَّكم تُكَذِّبُونَ ﴾ تَقُولُونَ مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا وكَذا وبِنَجْمِ كَذا وكَذا، أخْرَجَ ذَلِكَ الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ وجَماعَةٌ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ هو إمّا إشارَةٌ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى أنَّ في الكَلامِ مُضافًا مُقَدَّرًا أيْ شُكْرُ رِزْقِكم أوْ إشارَةٌ إلى أنَّ الرِّزْقَ مَجازٌ عَنْ لازِمِهِ وهو الشُّكْرُ، وحَكى الهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ أنَّ مِن لُغَةِ أزْدِشَنُوءَةَ ما رُزِقَ فُلانٌ فُلانًا بِمَعْنى شَكَرَهُ، ونُقِلَ عَنِ الكَرْمانِيِّ أنَّهُ نَقَلَ في شَرْحِ البُخارِيِّ أنَّ الرِّزْقَ مِن أسْماءِ الشُّكْرِ واسْتَبْعَدَ ذَلِكَ ولَعَلَّهُ هو ما حَكاهُ الهَيْثَمُ، وفي البَحْرِ وغَيْرِهِ أنَّ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنَ عَبّاسٍ قَرَآ - شُكْرَكم - بَدَلَ ( رِزْقَكم ) وحَمَلَهُ بَعْضُ شُرّاحِ البُخارِيِّ عَلى التَّفْسِيرِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ لِلتِّلاوَةِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ، وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ قالَ: «قَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ «الواقِعَةَ» في الفَجْرِ فَقالَ: «وتَجْعَلُونَ - شُكْرَكم - أنَّكم تُكَذِّبُونَ» فَلَمّا انْصَرَفَ قالَ: إنِّي قَدْ عَرَفْتُ أنَّهُ سَيَقُولُ قائِلٌ لِمَ قَرَأها هَكَذا إنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقْرَأُ كَذَلِكَ كانُوا إذا أُمْطِرُوا قالُوا: أُمْطِرْنا بِنَوْءِ كَذا وكَذا فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى - وتَجْعَلُونَ - شُكْرَكم أنَّكم إذا مُطِرْتُمْ تُكَذِّبُونَ -» ومَعْنى جَعْلِ شُكْرِهِمِ التَّكْذِيبَ جَعْلُ التَّكْذِيبِ مَكانَ الشُّكْرِ فَكَأنَّهُ عَيَّنَهُ عِنْدَهم فَهو مِن بابِ: تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعٌ ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ: وكانَ شُكْرُ القَوْمِ عِنْدَ المِنَنِ كَيُّ الصَّحِيحاتِ وفَقْءُ الأعْيُنِ وأكْثَرُ الرِّواياتِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ( وتَجْعَلُونَ ) إلَخْ نَزَلَ في القائِلِينَ: مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِما قَبْلُ.

وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ««مُطِرَ النّاسُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ  فَقالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: أصْبَحَ مِنَ النّاسِ شاكِرٌ ومِنهم كافِرٌ قالُوا: هَذِهِ رَحْمَةٌ وضَعَها اللَّهُ وقالَ بَعْضُهم: لَقَدْ صَدَقَ نَوْءُ كَذا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ  ﴾ حَتّى بَلَغَ ﴿ وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ ﴾ » .

وأخْرَجَ نَحْوَهُ ابْنُ عَساكِرَ في تارِيخِهِ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها وكانَ ذَلِكَ عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ «عَنْ أبِي عُرْوَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في غَزْوَةِ تَبُوكَ نَزَلُوا الحِجْرَ فَأمَرَهم  أنْ لا يَحْمِلُوا مِن مائِهِ شَيْئًا ثُمَّ ارْتَحَلُوا ونَزَلُوا مَنزِلًا آخَرَ ولَيْسَ مَعَهم ماءٌ فَشَكَوْا ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقامَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَصَلّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ دَعا فَأُمْطِرُوا وسَقَوْا فَقالَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ يُتَّهَمُ بِالنِّفاقِ: إنَّما مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا فَنَزَلَ ما نَزَلَ»، ولَعَلَّ جَمْعًا مِنَ الكُفّارِ قالُوا نَحْوَ ذَلِكَ أيْضًا بَلْ هم لَمْ يَزالُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ، والأخْبارُ مُتَضافِرَةٌ عَلى أنَّ الآيَةَ في القائِلِينَ بِالأنْواءِ، بَلْ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّها تَوْبِيخٌ لِأُولَئِكَ، وظاهِرُ مُقابَلَةِ الشُّكْرِ بِالكُفْرِ في الحَدِيثِ السّابِقِ أنَّ المُرادَ بِالكُفْرِ كُفْرانُ النِّعْمَةِ إذا أُضِيفَتْ لِغَيْرِ مُوجِدِها جَلَّ جَلالُهُ وقَدْ صَحَّ ذِكْرُهُ مَعَ الإيمانِ، أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم عَنْ زَيْدِ بْنِ خالِدٍ الجَهْنِيِّ قالَ: «صَلّى بِنا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الصُّبْحَ بِالحُدَيْبِيَةِ في إثْرِ سَماءٍ كانَتْ مِنَ اللَّيْلِ فَلَمّا سَلَّمَ أقْبَلَ عَلَيْنا فَقالَ: هَلْ تَدْرُونَ ما قالَ رَبُّكم في هَذِهِ اللَّيْلَةِ ؟

قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ فَقالَ: قالَ: ما أنْعَمْتُ عَلى عِبادِي نِعْمَةً إلّا أصْبَحَ فَرِيقٌ مِنهم بِها كافِرِينَ فَأمّا مَن آمَنَ بِي وحَمِدَنِي عَلى سُقْيايَ فَذَلِكَ الَّذِي آمَنَ بِي وكَفَرَ بِالكَواكِبِ وأمّا مَن قالَ مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا وكَذا فَذَلِكَ الَّذِي آمَنَ بِالكَوْكَبِ وكَفَرَ بِي»» والآيَةُ عَلى القَوْلِ بِنُزُولِها في قائِلِي ذَلِكَ ظاهِرَةٌ في كُفْرِهِمِ المُقابِلِ لِلْإيمانِ فَكَأنَّهم كانُوا يَقُولُونَهُ عَنِ اعْتِقادِ أنَّ الكَواكِبَ مُؤَثِّرَةٌ حَقِيقَةً مُوجِدَةٌ لِلْمَطَرِ وهو كُفْرٌ بِلا رَيْبٍ بِخِلافِ قَوْلِهِ مَعَ اعْتِقادِ أنَّهُ مِن فَضْلِ اللَّهِ تَعالى، والنَّوْءُ مِيقاتٌ وعَلامَةٌ لَهُ فَإنَّهُ لَيْسَ بِكُفْرٍ، وقِيلَ: تَسْمِيَتُهُ كُفْرًا لِأنَّهُ يُفْضِي إلَيْهِ إذا اعْتَقَدَ أنَّهُ مُؤَثِّرٌ حَقِيقَةً.

هَذا وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ - وتَجْعَلُونَ شُكْرَكم - لِنِعْمَةِ القُرْآنِ - أنَّكم تُكَذِّبُونَ - بِهِ، ويُشِيرُ إلى ذَلِكَ ما رَواهُ قَتادَةُ عَنِ الحَسَنِ: بِئْسَ ما أخَذَ القَوْمُ لِأنْفُسِهِمْ لَمْ يُرْزَقُوا مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى إلّا التَّكْذِيبَ.

وفِي الإرْشادِ أنَّهُ الأوْفَقُ لِسِياقِ النَّظْمِ الكَرِيمِ وسِباقِهِ، وأقُولُ ما قَدَّمْناهُ تَفْسِيرٌ مَأْثُورٌ نَطَقَتْ بِهِ السُّنَّةُ المَقْبُولَةُ، وذَهَبَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ ولَيْسَ فِيهِ ما يَأْبى إرادَةَ مَعْنى مُطابِقٍ لِسَبَبِ النُّزُولِ ومُوافِقٌ لِسِياقِ النَّظْمِ الكَرِيمِ وسِباقِهِ، وذَلِكَ بِأنْ يُقالَ: إنَّهُ عَزَّ وجَلَّ بَعْدَ أنْ وصَفَ القُرْآنَ بِما دَلَّ عَلى جَلالَةِ شَأْنِهِ وعِزَّةِ مَكانِهِ وأشْعَرَ بِاشْتِمالِهِ عَلى ما فِيهِ تَزْكِيَةُ النُّفُوسِ وتَحْلِيَتُها بِما يُوجِبُ كَمالَها مِنَ العَقائِدِ الحَقَّةِ ونَحْوِها حَيْثُ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ ﴾ فَعَبَّرَ جَلَّ وعَلا عَنْ ذاتِهِ سُبْحانَهُ بِلَفْظِ الرَّبِّ الدّالِّ عَلى التَّرْبِيَةِ وهي تَبْلِيغُ الشَّيْءِ إلى كَمالِهِ شَيْئًا فَشَيْئًا.

وقَدْ يُسْتَفادُ ذَلِكَ مِن وصْفِهِ بِكَرِيمٍ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ نَفّاعٌ جَمُّ المَنافِعِ فَإنَّهُ لا مَنفَعَةَ أجَلَّ مِمّا ذُكِرَ وكانَ قَدْ ذَكَرَ عَزَّ وجَلَّ غَيْرَ بَعِيدٍ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى هو المُنَزِّلُ لِماءِ المَطَرِ لا غَيْرُهُ سُبْحانَهُ اسْتِقْلالًا ولا اشْتِراكًا قالَ عَزَّ قائِلًا: أفَبِهَذا القُرْآنِ الجَلِيلِ الشَّأْنِ المُشْتَمِلِ عَلى العَقائِدِ الحَقَّةِ المُرْشِدِ إلى ما فِيهِ نَفْعُكم أنْتُمْ مُتَهاوِنُونَ فَلا تَشْكُرُونَ اللَّهَ تَعالى عَلَيْهِ وتَجْعَلُونَ بَدَلَ شُكْرِكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ بِهِ، ومِن ذَلِكَ أنَّكم تَقُولُونَ إذا مُطِرْتُمْ مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا وكَذا فَتُسْنِدُونَ إنْزالَ المَطَرِ إلى الكَواكِبِ وقَدْ أرْشَدَكم غَيْرَ مَرَّةٍ إلى ما يَأْبى ذَلِكَ مِنَ العَقائِدِ وهَداكم إلى أنَّهُ تَعالى هو المُنَزِّلُ لِلْمَطَرِ لا الكَواكِبُ ولا غَيْرُها أصْلًا - فَما جاءَ مِن تَفْسِيرِ تُكَذِّبُونَ بِتَقُولُونَ مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا وكَذا لَيْسَ المُرادُ مِنهُ إلّا بَيانَ نَوْعٍ اقْتَضاهُ الحالُ مِنَ التَّكْذِيبِ بِالقُرْآنِ المَنعُوتِ بِتِلْكَ النُّعُوتِ الجَلِيلَةِ وكَوْنُ ذَلِكَ عَلى الوَجْهِ الَّذِي يَزْعُمُهُ الكُفّارُ تَكْذِيبًا بِهِ مِمّا لا يَنْتَطِحُ فِيهِ كَبْشانِ، وهَذا لا تَمَحُّلَ فِيهِ، وقَدْ يُقالُ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ بِالرِّزْقِ المَطَرُ وكَوْنُ ( تُكَذِّبُونَ ) عَلى مَعْنى تُكَذِّبُونَ بِكَوْنِهِ - أيِ المَطَرِ - مِنَ اللَّهِ تَعالى حَيْثُ تَنْسُبُونَهُ إلى الأنْواءِ وإنْ لَمْ أقِفْ عَلى التَّصْرِيحِ بِهِ في أثَرٍ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، المَعْنى أفَبِهَذا القُرْآنِ الجَلِيلِ المُرْشِدِ إلى أنَّ كُلَّ نِعْمَةٍ مِنهُ تَعالى لا غَيْرُ المُصَرِّحِ عَنْ قَرِيبٍ بِأنَّهُ المُنَزِّلُ لِلْمَطَرِ وحْدَهُ ﴿ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ ﴾ أيْ تُكَذِّبُونَ عَلى ما سَمِعْتَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والزَّجّاجِ ومِن ذَلِكَ أنَّكم تَجْعَلُونَ مَوْضِعَ شُكْرِ ما يَرْزُقُكم مِنَ المَطَرِ ويُنَزِّلُهُ لَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ بِكَوْنِهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى وتَنْسُبُونَهُ إلى الأنْواءِ، والتَّبْكِيتُ الآتِي مَبْنِيٌّ عَلى تَكْذِيبِهِمْ بِالقُرْآنِ المَفْهُومِ مِن ( تُكَذِّبُونَ ) أوْ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ ﴾ لَكِنَّ التَّكْذِيبَ بِهِ بِاعْتِبارِ التَّكْذِيبِ بِبَعْضِ ما نَطَقَ بِهِ بِما سَبَقَ وتَوَقُّفُ المُرادِ بِالآيَةِ عَلى الخَبَرِ غَيْرُ بِدْعٍ في القُرْآنِ الكَرِيمِ، وحالُ عَطْفِ ( تَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ ) عَلى ما قَبْلَهُ لا يَخْفى عَلى نَبِيِّهِ، فَتَأمَّلْ واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ لِفَهْمِ كِتابِهِ الكَرِيمِ.

وقَرَأ المُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ «تَكْذِبُونَ» بِالتَّخْفِيفِ مِنَ الكَذِبِ وهو قَوْلُهم في القُرْآنِ إنَّهُ - وحاشاهُ - افْتِراءٌ ويَرْجِعُ إلى هَذا قَوْلُهم في المَطَرِ: إنَّهُ مِنَ الأنْواءِ لِأنَّ القُرْآنَ ناطِقٌ بِخِلافِهِ، <div class="verse-tafsir"

فَلَوْلَآ إِذَا بَلَغَتِ ٱلْحُلْقُومَ ٨٣ وَأَنتُمْ حِينَئِذٍۢ تَنظُرُونَ ٨٤ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَـٰكِن لَّا تُبْصِرُونَ ٨٥

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ ﴾ إلَخْ تَبْكِيتٌ كَما سَمِعْتَ وذَلِكَ بِاعْتِبارِ تَكْذِيبِهِمْ بِما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نَحْنُ خَلَقْناكُمْ ﴾ إلَخْ أعْنِي الآياتِ الدّالَّةَ عَلى كَوْنِهِمْ تَحْتَ مَلَكُوتِهِ تَعالى مِن حَيْثُ ذَواتِهِمْ ومِن حَيْثُ طَعامِهِمْ وشَرابِهِمْ وسائِرِ أسْبابِ مَعايِشِهِمْ - ولَوْلا - لِلتَّحْضِيضِ بِإظْهارِ عَجْزِهِمْ، ( وإذا ) ظَرْفِيَّةٌ، ( والحُلْقُومَ ) مَجْرى الطَّعامِ وضَمِيرُ ( بَلَغَتِ ) لِلنَّفْسِ لِانْفِهامِها مِنَ الكَلامِ وإنْ لَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ قَبْلُ، والمُرادُ بِها الرُّوحُ بِمَعْنى البُخارِ المُنْبَعِثِ عَنِ القَلْبِ دُونَ النَّفْسِ النّاطِقَةِ فَإنَّها لا تُوصَفُ بِما ذُكِرَ وكَأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى القَوْلِ بِتَجَرُّدِ النَّفْسِ النّاطِقَةِ وهي المُسَمّاةُ بِالرُّوحِ الأمْرِيَّةِ، وأنَّها لا داخِلَ البَدَنِ ولا خارِجَهُ ولا تَتَّصِفُ بِصِفاتِ الأجْسامِ كالصُّعُودِ والنُّزُولِ وغَيْرِهِما عَلى ما اخْتارَهُ حُجَّةُ الإسْلامِ الغَزالِيُّ وجَماعَةٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ، ومَذْهَبُ السَّلَفِ أنَّ النَّفْسَ النّاطِقَةَ وهي الرُّوحُ المُشارُ إلَيْها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ويَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحِ مِن أمْرِ رَبِّي  ﴾ جِسْمٌ لَطِيفٌ جِدًّا سارَ في البَدَنِ سَرَيانَ ماءِ الوَرْدِ في الوَرْدِ وهو حَيٌّ بِنَفْسِهِ يَتَّصِفُ بِالخُرُوجِ والدُّخُولِ وغَيْرِهِما مِن صِفاتِ الأجْسامِ وقَدْ رَدَّ العَلّامَةُ ابْنُ القَيِّمِ قَوْلَ الغَزالِيِّ ومَن وافَقَهُ بِأدِلَّةٍ كَثِيرَةٍ ذَكَرَها في كِتابِهِ الرُّوحِ، ووَصْفُها بِبُلُوغِ الحُلْقُومِ عَلَيْهِ ظاهِرٌ.

وأمّا عَلى القَوْلِ بِالتَّجَرُّدِ وعَدَمِ التَّحَيُّزِ فَقِيلَ: المُرادُ بِهِ ضَعْفُ التَّعَلُّقِ بِالبَدَنِ وقُرْبُ انْقِطاعِهِ عَنْهُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَلَوْلا إذا حانَ انْقِطاعُ تَعَلُّقِ الرُّوحِ بِالبَدَنِ ﴿ وأنْتُمْ ﴾ أيُّها الخاسِرُونَ حَوْلَ صاحِبِها ﴿ حِينَئِذٍ ﴾ أيْ حِينَ إذْ بَلَغَتِ الحُلْقُومُ ووَصَلَتْ إلَيْهِ أوْ حانَ انْقِطاعُ تَعَلُّقِها ﴿ تَنْظُرُونَ ﴾ إلى ما يُقاسِيهِ مِنَ الغَمَراتِ، وقِيلَ: ( تَنْظُرُونَ ) حالَكم ووَجْهُهُ أنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّ ما جَرى عَلَيْهِ يَجْرِي عَلَيْهِمْ فَكَأنَّهم شاهَدُوا حالَ أنْفُسِهِمْ ولَيْسَ بِذاكَ.

وقَرَأ عِيسى حِينِئِذٍ بِكَسْرِ النُّونِ إتْباعًا لِحَرَكَةِ الهَمْزَةِ في إذْ ﴿ ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ ﴾ أيِ المُحْتَضَرِ المَفْهُومِ مِنَ الكَلامِ ﴿ مِنكُمْ ﴾ والمُرادُ بِالقُرْبِ العِلْمُ وهو مِن إطْلاقِ السَّبَبِ وإرادَةِ المُسَبَّبِ فَإنَّ القُرْبَ أقْوى سَبَبٍ لِلِاطِّلاعِ والعِلْمِ، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: المُرادُ القُرْبُ عِلْمًا وقُدْرَةً أيْ نَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن كُلِّ ذَلِكَ مِنكم حَيْثُ لا تَعْرِفُونَ مِن حالِهِ إلّا ما تُشاهِدُونَهُ مِن آثارِ الشِّدَّةِ مِن غَيْرِ أنْ تَقِفُوا عَلى كُنْهِها وكَيْفِيَّتِها وأسْبابِها الحَقِيقِيَّةِ ولا أنْ تَقْدِرُوا عَلى مُباشَرَةِ دَفْعِها إلّا بِما لا يُنْجِعُ شَيْئًا ونَحْنُ المُسْتَوْلُونَ لِتَفاصِيلِ أحْوالِهِ بِعِلْمِنا وقُدْرَتِنا أوْ بِمَلائِكَةِ المَوْتِ ﴿ ولَكِنْ لا تُبْصِرُونَ ﴾ لا تُدْرِكُونَ كَوْنَنا أقْرَبَ إلَيْهِ مِنكم لِجَهْلِكم بِشُؤُونِنا وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ الخِطابَ لِلْكُفّارِ، وقِيلَ: لا تُدْرِكُونَ كُنْهَ ما يَجْرِي عَلَيْهِ عَلى أنَّ الِاسْتِدْراكَ مِن تَنْظُرُونَ والإبْصارُ مِنَ البَصَرِ بِالعَيْنِ تَجَوُّزٌ بِهِ عَنِ الإدْراكِ أوْ هو مِنَ البَصِيرَةِ بِالقَلْبِ وقِيلَ: أُرِيدَ بِأقْرَبِيَّتِهِ تَعالى إلَيْهِ مِنهم أقْرَبِيَّةُ رُسُلِهِ عَزَّ وجَلَّ أيْ ورُسُلُنا الَّذِينَ يَقْبِضُونَ رُوحَهُ ويُعالِجُونَ إخْراجَها أقْرَبُ إلَيْهِ مِنهم ولَكِنْ لا تُبْصِرُونَهُمْ <div class="verse-tafsir"

فَلَوْلَآ إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ ٨٦

﴿ فَلَوْلا إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ ﴾ أيْ غَيْرَ مَرْبُوبِينَ مِن دانَ السُّلْطانُ الرَّعِيَّةَ إذا ساسَهم وتَعَبَّدَهم، ومِنهُ قِيلَ لِلْعَبْدِ: مَدِينٌ ولِلْأمَةِ مَدِينَةٌ قالالأخْطَلُ: رَبَتْ ورَبا في حَجْرِها ابْنُ مَدِينَةٍ تَراهُ عَلى مِسْحاتِهِ يَتَرَكَّلُ والكَلامُ ناظِرٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ نَحْنُ خَلَقْناكم فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ  ﴾ ، وقِيلَ: هو مِن دانَ بِمَعْنى انْقادَ وخَضَعَ، وتُجُوِّزَ بِهِ عَنِ الجَزاءِ كَما في قَوْلِهِمْ - كَما تَدِينُ تُدانُ - أيْ فَلَوْلا إنَّ كُنْتُمْ غَيْرَ مَجْزِيِّينَ وجُعِلَ ناظِرًا لِإنْكارِهِمِ البَعْثَ ولَيْسَ بِشَيْءٍ <div class="verse-tafsir"

تَرْجِعُونَهَآ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ ٨٧

﴿ تَرْجِعُونَها ﴾ أيِ الرُّوحَ إلى مَقَرِّها والقائِلُونَ بِالتَّجَرُّدِ يَقُولُونَ أيْ تُرْجِعُونَ تَعَلُّقَها كَما كانَ أوَّلًا.

﴿ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ في اعْتِقادِكم عَدَمَ خالِقِيَّتِهِ تَعالى فَإنَّ عَدَمَ تَصْدِيقِهِمْ بِخالِقِيَّتِهِ سُبْحانَهُ لَهم عِبارَةٌ عَنْ تَصْدِيقِهِمْ بِعَدَمِها عَلى مَذْهَبِهِمْ، وفي البَحْرِ وغَيْرِهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في تَعْطِيلِكم وكُفْرِكم بِالمُحْيِي المُمِيتِ المُبْدِئِ المُعِيدِ ونِسْبَتِكم إنْزالَ المَطَرِ إلى الأنْواءِ دُونَهُ عَزَّ وجَلَّ، وتَرْجِعُونَ المَذْكُورُ هو العامِلُ - بِإذا - الظَّرْفِيَّةِ في ﴿ إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ ﴾ وهو المُحَضَّضُ عَلَيْهِ - بِلَوْلا - الأُولى، ولَوْلا الثّانِيَةُ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ، ولَوْلا الأُولى مَعَ ما في حَيِّزِها دَلِيلُ جَوابِ الشَّرْطِ الأوَّلِ أعْنِي ﴿ إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ ﴾ والشَّرْطُ الثّانِي مُؤَكِّدٌ لِلْأوَّلِ مُبَيِّنٌ لَهُ، وقُدِّمَ أحَدُ الشَّرْطَيْنِ عَلى ﴿ تَرْجِعُونَها ﴾ لِلِاهْتِمامِ والتَّقْدِيرُ - فَلَوْلا تَرْجِعُونَها إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَرْبُوبِينَ صادِقِينَ فِيما تَزْعُمُونَهُ مِنَ الِاعْتِقادِ الباطِلِ فَلَوْلا تَرْجِعُونَها إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ - وحاصِلُ المَعْنى أنَّكم إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَرْبُوبِينَ كَما تَقْتَضِيهِ أقْوالُكم وأفْعالُكم فَما لَكَمَ لا تُرْجِعُونَ الرُّوحَ إلى البَدَنِ إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ وتَرُدُّونَها كَما كانَتْ بِقُدْرَتِكم أوْ بِواسِطَةِ عِلاجٍ لِلطَّبِيعَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وأنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مِن فاعِلِ ( بَلَغَتِ ) والِاسْمِيَّةُ المُقْتَرِنَةُ بِالواوِ لا تَحْتاجُ في الرَّبْطِ لِلضَّمِيرِ لِكِفايَةِ الواوِ فَلا حاجَةَ إلى القَوْلِ بِأنَّ العائِدَ ما تَضَمَّنَهُ حِينَئِذٍ لِأنَّ التَّنْوِينَ عِوَضٌ عَنْ جُمْلَةٍ أيْ فَلَوْلا تَرْجِعُونَها زَمانَ بُلُوغِها الحُلْقُومَ حالَ نَظَرِكم إلَيْهِ وما يُقاسِيهِ مِن هَوْلِ النَّزْعِ مَعَ تَعَطُّفِكم عَلَيْهِ وتَوَفُّرِكم عَلى إنْجائِهِ مِنَ المَهالِكِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ونَحْنُ أقْرَبُ ﴾ إلَخِ اعْتِراضٌ يُؤَكِّدُ ما سِيقَ لَهُ الكَلامُ مِن تَوْبِيخِهِمْ عَلى صُدُورِ ما يَدُلُّ عَلى سُوءِ اعْتِقادِهِمْ بِرَبِّهِمْ سُبْحانَهُ مِنهم، وفي جَوازِ جَعْلِهِ حالًا مَقالٌ.

وقالَ أبُو البَقاءِ: ﴿ تَرْجِعُونَها ﴾ جَوابُ لَوْلا الأُولى، وأغْنى ذَلِكَ عَنْ جَوابِ الثّانِيَةِ، وقِيلَ: عَكْسُ ذَلِكَ.

وقِيلَ: ﴿ إنْ كُنْتُمْ ﴾ شَرْطٌ دَخَلَ عَلى شَرْطٍ فَيَكُونُ الثّانِي مُقَدَّمًا في التَّقْدِيرِ - أيْ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَرْبُوبِينَ فارْجِعُوا الأرْواحَ إلى الأبْدانِ - وما ذَكَرْناهُ سابِقًا اخْتِيارُ جارِ اللَّهِ وأيًّا ما كانَ فَقَوْلُهُ تَعالى: <div class="verse-tafsir"

فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ ٨٨ فَرَوْحٌۭ وَرَيْحَانٌۭ وَجَنَّتُ نَعِيمٍۢ ٨٩

﴿ فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ ﴾ إلى آخِرِهِ شُرُوعٌ في بَيانِ حالِ المُتَوَفّى بَعْدَ المَماتِ إثْرَ بَيانِ حالِهِ عِنْدَ الوَفاةِ وضَمِيرُ ( كانَ ) لِلْمُتَوَفّى المَفْهُومِ مِمّا مَرَّ أيْ فَأمّا إنْ كانَ المُتَوَفّى الَّذِي بُيِّنَ حالُهُ مِنَ السّابِقِينَ مِنَ الأزْواجِ الثَّلاثَةِ عُبِّرَ عَنْهم بِأجَلِّ أوْصافِهِمْ ﴿ فَرَوْحٌ ﴾ أيْ فَلَهُ رَوْحٌ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ لِأنَّهُ نَكِرَةٌ، وقِيلَ: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ فَجَزاؤُهُ رَوْحٌ أيِ اسْتِراحَةٌ، والفاءُ واقِعَةٌ في جَوابِ أمّا، قالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: تَقْدِيرُ هَذا الكَلامِ مَهْما يَكُنْ مِن شَيْءٍ فَرَوْحٌ إلَخْ إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ فَحُذِفَ مَهْما يَكُنْ مِن شَيْءٍ، وأُقِيمَ أمّا مَقامَهُ ولَمْ يَحْسُنْ أنْ يَلِيَ الفاءَ أمّا، فَأُوقِعَ الفَصْلُ بَيْنَ أمّا والفاءِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ ﴾ لِتَحْسِينِ اللَّفْظِ كَما يَقَعُ الفَصْلُ بَيْنَهُما بِالظَّرْفِ والمَفْعُولِ، والفاءُ في ﴿ فَرَوْحٌ ﴾ وأخَوَيْهِ جَوابُ أمّا دُونَ ( إنْ)، وقالَ أبُو البَقاءِ: جَوابُ أمّا ﴿ فَرَوْحٌ ﴾ ، وأمّا ( إنْ ) فاسْتَغْنى بِجَوابِ أمّا عَنْ جَوابِها لِأنَّهُ يُحْذَفُ كَثِيرًا، وفي البَحْرِ أنَّهُ إذا اجْتَمَعَ شَرْطانِ فالجَوابُ لِلسّابِقِ مِنهُما، وجَوابُ الثّانِي مَحْذُوفٌ، فالجَوابُ ها هُنا لَأمّا، وهَذا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ.

وذَهَبَ الفارِسِيُّ إلى أنَّ المَذْكُورَ جَوابُ ( إنْ ) وجَوابُ أمّا مَحْذُوفٌ، ولَهُ قَوْلٌ آخَرُ مُوافِقٌ لِمَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ.

وذَهَبَ الأخْفَشُ إلى أنَّ المَذْكُورَ جَوابٌ لَهُما مَعًا، وقَدْ أبْطَلْنا المَذْهَبَيْنِ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ انْتَهى، والمَشْهُورُ أنَّهُ لا بُدَّ مِن لُصُوقِ الِاسْمِ - لَأمّا - وهو عِنْدَ الرَّضِيِّ وجَماعَةٍ أكْثَرِيٌّ لِهَذِهِ الآيَةِ، والذّاهِبُونَ إلى الأوَّلِ قالُوا: هي بِتَقْدِيرِ فَأمّا المُتَوَفّى إنْ كانَ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يَخْفى أنَّ التَّقْدِيرَ مُسْتَغْنى عَنْهُ ولا دَلِيلَ عَلَيْهِ إلّا اطِّرادَ الحُكْمِ، ثُمَّ إنَّ كَوْنَ - أمّا - قائِمَةً مَقامَ مَهْما يَكُنْ أغْلَبِيٌّ إذْ لا يَطَّرِدُ في نَحْوِ أمّا قُرَيْشًا فَأنا أفْضَلُها إذِ التَّقْدِيرُ مَهْما ذَكَرْتَ قُرَيْشًا فَأنا أفْضَلُها، وتَمامُ الكَلامِ في هَذا المَقامِ يُطْلَبُ مِن كُتُبِ العَرَبِيَّةِ.

وأخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ والبُخارِيُّ في تارِيخِهِ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وآخَرُونَ «عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها أنَّها سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقْرَأُ «فَرُوحٌ»» بِضَمِّ الرّاءِ، وبِهِ قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ ونُوحٌ القارِي والضَّحّاكُ والأشْهَبُ وشُعَيْبٌ وسُلَيْمانُ التَّيْمِيُّ والرَّبِيعُ بْنُ خَيْثَمٍ ومُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ والكَلِبِيُّ وفَيّاضٌ وعُبَيْدٌ وعَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرو ويَعْقُوبُ بْنُ حَسّانَ وزَيْدٌ ورُوَيْسٌ عَنْهُ والحَسَنُ وقالَ: «الرُّوحُ» الرَّحْمَةُ لِأنَّها كالحَياةِ لِلْمَرْحُومِ، أوْ سَبَبٌ لِحَياتِهِ الدّائِمَةِ فَإطْلاقُهُ عَلَيْها مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ أوِ المَجازِ المُرْسَلِ، ورُوِيَ هَذا عَنْ قَتادَةَ أيْضًا.

وقالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: مَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ يَرْجِعُ إلى مَعْنى الرُّوحِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَلَهُ مُمْسِكُ رُوحٍ ومُمْسِكُها هو الرُّوحُ كَما تَقُولُ: الهَواءُ هو الحَياةُ وهَذا السَّماعُ هو العَيْشُ، وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الرَّوْحَ بِالفَتْحِ بِالرَّحْمَةِ أيْضًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا تَيْأسُوا مِن رَوْحِ اللَّهِ  ﴾ وقِيلَ: هو بِالضَّمِّ البَقاءُ ﴿ ورَيْحانٌ ﴾ أيْ ورِزْقٌ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ والضَّحّاكِ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُ الِاسْتِراحَةُ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: هو هَذا الرَّيْحانُ أيِ المَعْرُوفُ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: تَخْرُجُ رُوحُ المُؤْمِنِ مِن جَسَدِهِ في رَيْحانَةٍ: ثُمَّ قَرَأ ﴿ فَأمّا إنْ كانَ ﴾ إلَخْ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: لَمْ يَكُنْ أحَدٌ مِنَ المُقَرَّبِينَ يُفارِقُ الدُّنْيا حَتّى يُؤْتى بِغُصْنَيْنِ مِن رَيْحانِ الجَنَّةِ فَيَشُمُّهُما ثُمَّ يُقْبَضُ ﴿ وجَنَّتُ نَعِيمٍ ﴾ أيْ ذاتُ تَنَعُّمٍ فالإضافَةُ لامِيَّةٌ أوْ لِأدْنى مُلابَسَةٍ، وهَذا إشارَةٌ إلى مَكانِ المُقَرَّبِينَ بِحَيْثُ يَلْزَمُ مِنهُ أنْ يَكُونُوا أصْحابَ نَعِيمٍ.

وأخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ في الزُّهْدِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ خَيْثَمٍ قالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ ﴾ ﴿ فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ ﴾ : هَذا لَهُ عِنْدَ المَوْتِ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وجَنَّتُ نَعِيمٍ ﴾ تُخَبَّأُ لَهُ الجَنَّةُ إلى يَوْمِ يُبْعَثُ ولْيُنْظُرْ ما المُرادُ بِالرَّيْحانِ عَلى هَذا، وعَنْ بَعْضِ السَّلَفِ ما يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الكُلُّ في الآخِرَةِ.

<div class="verse-tafsir"

وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلْيَمِينِ ٩٠ فَسَلَـٰمٌۭ لَّكَ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلْيَمِينِ ٩١

﴿ وأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ ﴾ عُبِّرَ عَنْهم بِالعُنْوانِ السّابِقِ إذْ لَمْ يُذْكَرْ لَهم فِيما سَبَقَ وصْفٌ يُنْبِئُ عَنْ شَأْنِهِمْ سِواهُ كَما ذُكِرَ لِلْفَرِيقَيْنِ الأخِيرَيْنِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ ﴾ قِيلَ: هو عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ فَيُقالُ لِذَلِكَ المُتَوَفّى مِنهم سَلامٌ لَكَ يا صاحِبَ اليَمِينِ مِن إخْوانِكَ أصْحابِ اليَمِينِ أيْ يُسَلِّمُونَ عَلَيْكَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا ﴾ ﴿ إلا قِيلا سَلامًا سَلامًا  ﴾ فالخِطابُ لِصاحِبِ اليَمِينِ ولا التِفاتَ فِيهِ مَعَ تَقْدِيرِ القَوْلِ، ( ومِن ) لِلِابْتِداءِ كَما تَقُولُ سَلامٌ مِن فُلانٍ عَلى فُلانٍ وسَلامٌ لِفُلانٍ مِنهُ.

وقالَ الطَّبَرِيُّ: مَعْناهُ فَسَلامٌ لَكَ أنْتَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ، فَمِن أصْحابِ اليَمِينِ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ والكَلامُ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ أيْضًا، وكَأنَّ هَذا التَّفْسِيرَ مَأْخُوذٌ مِن كَلامِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما.

أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أنَّهُ قالَ في ذَلِكَ: تَأْتِيهِ المَلائِكَةُ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى تُسَلِّمُ عَلَيْهِ وتُخْبِرُهُ أنَّهُ مِن أصْحابِ اليَمِينِ، والظّاهِرُ أنَّ هَذا عَلى هَذا المَعْنى عِنْدَ المَوْتِ، وأنَّهُ عَلى المَعْنى السّابِقِ في الجَنَّةِ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى فَسَلامَةٌ لَكَ عَمّا يَشْغَلُ القَلْبَ مِن جِهَتِهِمْ فَإنَّهم في خَيْرٍ أيْ كُنْ فارِغَ البالِ عَنْهم لا يُهِمُّكَ أمْرُهم، وهَذا كَما تَقُولُ لِمَن عَلِقَ قَلْبُهُ بِوَلَدِهِ الغائِبِ وتَشَوَّشَ فِكْرُهُ لا يَدْرِي ما حالُهُ كُنْ فارِغَ البالِ مِن ولَدِكَ فَإنَّهُ في راحَةٍ ودَعَةٍ، والخِطابُ لِمَن يَصْلُحُ لَهُ أوْ لِسَيِّدِ المُخاطَبِينَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وعَلَيْهِ قِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَسْلِيَةً لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى مَعْنى أنَّهم غَيْرُ مُحْتاجِينَ إلى شَفاعَةٍ وغَيْرِها، ولا يَخْفى أنَّ كَوْنَ جَمِيعِ أصْحابِ اليَمِينِ غَيْرَ مُحْتاجِينَ إلى ما ذُكِرَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ فالشَّفاعَةُ لِأهْلِ الكَبائِرِ أمْرٌ ثابِتٌ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ ولا جائِزَ أنْ يَكُونُوا مِن أصْحابِ الشِّمالِ فَصَرائِحُ الآياتِ أنَّهم كُفّارٌ «وما لَهم مِن ولِيٍّ ولا شَفِيعٍ يُطاعُ» وكَوْنُهم مِن أصْحابِ اليَمِينِ أقْرَبُ مِن كَوْنِهِمْ مِنَ السّابِقِينَ وجَعْلُهم قِسْمًا عَلى حِدَةٍ قَدْ عَلِمْتَ حالَهُ فَتَذَكَّرْ فَما في العَهْدِ مِن قِدَمٍ.

وذَكَرَ بَعْضُ الأجِلَّةِ أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ كَلامٌ يُفِيدُ عَظَمَةَ حالِهِمْ كَما يُقالُ فُلانٌ ناهِيكَ بِهِ وحَسْبُكَ أنَّهُ فُلانٌ إشارَةً إلى أنَّهُ مَمْدُوحٌ فَوْقَ حَدِّ التَّفْصِيلِ، وكَأنِّي بِكَ تَخْتارُ ذَلِكَ فَإنَّهُ حَسَنٌ لَطِيفٌ.

<div class="verse-tafsir"

وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُكَذِّبِينَ ٱلضَّآلِّينَ ٩٢

﴿ وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ ﴾ وهم أصْحابُ الشِّمالِ عُبِّرَ عَنْهم بِذَلِكَ حَسْبَما وُصِفُوا بِهِ عِنْدَ بَيانِ أحْوالِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ  ﴾ ذَمًّا لَهم بِذَلِكَ وإشْعارًا بِسَبَبِ ما ابْتُلُوا بِهِ مِنَ العَذابِ، ولَمّا وقَعَ هَذا الكَلامُ بَعْدَ تَحَقُّقِ تَكْذِيبِهِمْ ورَدِّهِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ ولَمْ يَقَعِ الكَلامُ السّابِقُ كَذَلِكَ قُدِّمَ وصْفُ التَّكْذِيبِ هُنا عَلى عَكْسِ ما تَقَدَّمَ، ويَجُوزُ أنْ يُقالَ في ذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ عُمُومِ مُتَعَلِّقِ التَّكْذِيبِ بِحَيْثُ يَشْمَلُ تَكْذِيبَهُ  في دَعْوى الرِّسالَةِ إنَّ هَذا الكَلامَ إخْبارٌ مِن جِهَتِهِ سُبْحانَهُ بِأحْوالِ الأزْواجِ الثَّلاثَةِ لَمْ يُؤْمَرْ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأنْ يُشافِهَ بِكُلِّ جُمْلَةٍ مِنهُ مَن هي فِيهِ فَقُدِّمَ فِيهِ وصْفُ التَّكْذِيبِ الشّامِلِ لِتَكْذِيبِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ المُشْعِرِ بِسَبَبِ الِابْتِلاءِ بِالعَذابِ كَرامَةً لَهُ  وتَنْوِيهًا بِعُلُوِّ شَأْنِهِ، ولَمّا كانَ الكَلامُ السّابِقُ داخِلًا في حَيِّزِ القَوْلِ المَأْمُورِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأنْ يُشافِهَ بِهِ أُولَئِكَ الكَفَرَةَ لَمْ يَحْسُنِ التَّقْدِيمُ لِلْكَرامَةِ إذْ يَكُونُ حِينَئِذٍ مِن بابِ مادِحُ نَفْسِهِ يُقْرِئُكَ السَّلامَ، ويَجُوزُ أنْ يُقالَ أيْضًا إنَّ الكَلامَ في حالِ الكافِرِ المُحْتَضَرِ والتَّكْذِيبُ لِكَوْنِهِ مُقابِلَ التَّصْدِيقِ لا يَكُونُ إلّا بِالقَلْبِ وهو لَمْ يَتَعَطَّلْ مِنهُ تَعَطُّلَ سائِرِ أعْضائِهِ فَلِذا قُدِّمَ هُنا، ويُرْشِدُ إلى هَذا ما قالُوهُ في دُعاءِ صَلاةِ الجِنازَةِ اللَّهُمَّ مَن أحْيَيْتَهُ مِنّا فَأحْيِهِ عَلى الإسْلامِ ومَن تَوَفَّيْتَهُ مِنّا فَتَوَفَّهُ عَلى الإيمانِ مِن وجْهِ تَخْصِيصِ الإسْلامِ بِالإحْياءِ والإيمانِ بِالإماتَةِ.

وقالَ الإمامُ في ذَلِكَ: إنَّ المُرادَ مِنَ الضَّلالِ هُناكَ ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ الإصْرارِ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ فَضَلُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى ولَمْ يَصِلُوا إلَيْهِ ثُمَّ كَذَّبُوا رُسُلَهُ، ﴿ قالُوا أإذا مِتْنا  ﴾ إلَخْ فَكَذَّبُوا بِالحَشْرِ فَقالَ تَعالى: ﴿ أيُّها الضّالُّونَ ﴾ الَّذِينَ أشْرَكْتُمُ المُكَذِّبُونَ الَّذِينَ أنْكَرْتُمُ الحَشْرَ لَآكِلُونَ ما تَكْرَهُونَ، وأمّا هُنا فَقالَ سُبْحانَهُ لَهم: أيُّها المُكَذِّبُونَ الَّذِينَ كَذَّبْتُمْ بِالحَشْرِ الضّالُّونَ مِن طَرِيقِ الخَلاصِ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ إلى النَّعِيمِ، وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ الخِطابَ هُناكَ مَعَ الكُفّارِ فَقالَ سُبْحانَهُ: أيُّها الَّذِينَ أشْرَكْتُمْ أوَّلًا وكَذَّبْتُمْ ثانِيًا، والخِطابُ هُنا مَعَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُبَيِّنُ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حالَ الأرْواحِ الثَّلاثَةِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ.

فَسَلامٌ لَكَ فَقالَ سُبْحانَهُ: المُقَرَّبُونَ في رَوْحٍ ورَيْحانٍ وجَنَّةٍ ونَعِيمٍ وأصْحابُ اليَمِينِ في سَلامَةٍ، وأمّا المُكَذِّبُونَ الَّذِينَ كَذَّبُوكَ وضَلُّوا فَقَدَّمَ تَكْذِيبَهم إشارَةً إلى كَرامَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَيْثُ بَيَّنَ أنَّ أقْوى سَبَبٍ في عِقابِهِمْ تَكْذِيبُهُمُ انْتَهى.

وعَلَيْكَ بِالتَّأمُّلِ والإنْصافِ والنَّظَرِ لِما قالَ دُونَ النَّظَرِ لِمَن قالَ، <div class="verse-tafsir"

فَنُزُلٌۭ مِّنْ حَمِيمٍۢ ٩٣ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ ٩٤

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَنُزُلٌ ﴾ بِتَقْدِيرِ فَلَهُ نُزُلٌ أوْ فَجَزاؤُهُ نُزُلٌ كائِنٌ ﴿ مِن حَمِيمٍ ﴾ قِيلَ: يَشْرَبُ بَعْدَ أكْلِ الزَّقُّومِ كَما فُصِّلَ فِيما قَبْلُ ﴿ وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ ﴾ أيْ إدْخالٌ في النّارِ، وقِيلَ: إقامَةٌ فِيها ومُقاساةٌ لِألْوانِ عَذابِها وكُلُّ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ المُرادَ بَيانُ ما لَهم يَوْمَ القِيامَةِ، وقِيلَ: هَذا مَحْمُولٌ عَلى ما يَجِدُهُ في القَبْرِ مِن حَرارَةِ النّارِ ودُخانِها لِأنَّ الكَلامَ في حالِ التَّوَفِّي وعَقِبَ قَبْضِ الأرْواحِ والأنْسَبُ بِذَلِكَ كَوْنُ ما ذُكِرَ في البَرْزَخِ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: لا يَخْرُجُ الكافِرُ حَتّى يَشْرَبَ كَأْسًا مِن حَمِيمٍ، وقَرَأ أحْمَدُ بْنُ مُوسى والمُنْقِرِيُّ واللُّؤْلُؤِيُّ عَنْ أبِي عَمْرو «وتَصْلِيَةِ» بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى ( حَمِيمٍ ) <div class="verse-tafsir"

إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ حَقُّ ٱلْيَقِينِ ٩٥

﴿ إنَّ هَذا ﴾ أيِ الَّذِي ذُكِرَ في السُّورَةِ الكَرِيمَةِ كَما أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ لَهُوَ حَقُّ اليَقِينِ ﴾ اليَقِينُ عَلى ما يُفْهَمُ مِن كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ في الجاثِيَةِ اسْمٌ لِلْعَلَمِ الَّذِي زالَ عَنْهُ اللَّبْسُ وبِذَلِكَ صَرَّحَ صاحِبُ المَطْلَعِ وذَكَرَ أنَّهُ تَفْسِيرٌ بِحَسَبِ المَعْنى وهو مَأْخُوذٌ مِنَ المَقامِ وإلّا فَهو العَلَمُ المُتَيَقَّنُ مُطْلَقًا والإضافَةُ بِمَعْنى اللّامِ والمَعْنى - لَهو عَيْنُ اليَقِينِ - فَهو عَلى نَحْوِ عَيْنِ الشَّيْءِ ونَفْسِهِ ولا يَخْفى أنَّ الإضافَةَ مِن إضافَةِ العامِّ إلى الخاصِّ وكَوْنُها بِمَعْنى اللّامِ قَوْلٌ لِبَعْضِهِمْ، وقالَ بَعْضٌ آخَرُ: إنَّها بَيانِيَّةٌ عَلى مَعْنى مِن، وقَدَّرَ بَعْضُهم هُنا مَوْصُوفًا أيْ لَهو حَقُّ الخَبَرِ اليَقِينِ وكَوْنُهُ لا يُناسِبُ المَقامَ غَيْرُ مُتَوَجِّهٍ، وفي البَحْرِ قِيلَ: إنَّ الإضافَةَ مِن إضافَةِ المُتَرادِفَيْنِ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ كَما تَقُولُ هَذا يَقِينُ اليَقِينِ وصَوابُ الصَّوابِ بِمَعْنى أنَّهُ نِهايَةٌ في ذَلِكَ فَهُما بِمَعْنى أُضِيفَ أحَدُهُما إلى الآخَرِ لِلْمُبالَغَةِ وفِيهِ نَظَرٌ.

<div class="verse-tafsir"

فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ ٩٦

والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ ﴾ لِتَرْتِيبِ التَّسْبِيحِ أوِ الأمْرِ بِهِ، فَإنَّ حَقِّيَّةَ ما فُصِّلَ في تَضاعِيفِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ مِمّا يُوجِبُ التَّسْبِيحَ عَمّا لا يَلِيقُ مِمّا يَنْسُبُهُ الكَفَرَةُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ قالًا أوْ حالًا تَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا وأخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وغَيْرُهم عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ الجَهْنِيِّ قالَ: ««لَمّا نَزَلَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ ﴾ قالَ: اجْعَلُوها في رُكُوعِكم ولَمّا نَزَلَتْ ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى ﴾ قالَ: اجْعَلُوها في سُجُودِكم»».

«ومِمّا قالَهُ السّادَةُ أرْبابُ الإشارَةِ» مُتَعَلِّقًا بِبَعْضِ هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ «الواقِعَةَ» اسْمٌ لِقِيامَةِ الرُّوحِ كَما أنَّ «الآزِفَةَ» اسْمٌ لِقِيامَةِ الخَفِيِّ، و«الحاقَّةَ» اسْمٌ لِقِيامَةِ السِّرِّ، و«السّاعَةَ» اسْمٌ لِقِيامَةِ القَلْبِ، وقالُوا: إنَّ الواقِعَةَ إذا وقَعَتْ تَرْفَعُ صاحِبَها طَوْرًا وتُخْفِضُهُ طَوْرًا وتُشْعِلُ نِيرانَ الغَيْرَةِ وتُفَجِّرُ أنْهارَ المَعْرِفَةِ وتَحْصُلُ لِلسّالِكِ إذا اشْتَغَلَ بِالسُّلُوكِ والتَّصْفِيَةِ ووَصَلَ ذِكْرُهُ إلى الرُّوحِ وهي في البِدايَةِ مِثْلُ سِتْرٍ أسْوَدَ يَجِيءُ مِن فَوْقِ الرَّأْسِ عِنْدَ غَلَبَةِ الذِّكْرِ وكُلَّما زادَ في النُّزُولِ يَقَعُ عَلى الذّاكِرِ هَيْبَةٌ وسَكِينَةٌ ورُبَّما يُغْمى عَلَيْهِ في البِدايَةِ ويُشاهِدُ إذا وقَعَ عَلى عَيْنَيْهِ عَوالِمُ الغَيْبِ فَيَرى ما شاءَ اللَّهُ تَعالى أنْ يَرى وتُكْشَفَ لَهُ العُلُومُ الرُّوحانِيَّةُ ويَرى عَجائِبَ وغَرائِبَ لا تُحْصى، وإذا أفاقَ فَلْيَعْرِضْ ما حَصَلَ لَهُ لِمَسْلَكِهِ لِيُرْشِدَهُ إلى ما فِيهِ مَصْلَحَةُ وقْتِهِ ويُعَبِّرُ لَهُ ما هو مُناسِبٌ لِحَوْصَلَتِهِ ويَقْوى قَلْبُهُ ويَأْمُرُهُ بِالذِّكْرِ والتَّوَجُّهِ الكُلِّيِّ حَتّى يَكْمُلَ بِصَفْوِ سِرِّ الواقِعَةِ فَيَكُونُ سِرًّا مُنَوَّرًا فَرُبَّما يَصِيرُ السّالِكُ بِحَيْثُ إذا فَتَحَ عَيْنَيْهِ بَعْدَ نُزُولِها في عالَمِ الشَّهادَةِ يُشاهِدُ ما كانَ مُشاهِدًا لَهُ فِيها وهي حالَةٌ سَنِيَّةٌ مُعْتَبَرَةٌ عِنْدَ أرْبابِ السُّلُوكِ - فَلَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ - بَلْ هي صادِقَةٌ لِأنَّ الشَّيْطانَ يَفِرُّ عِنْدَها والنَّفْسَ لا تَقْدِرُ أنْ تُلَبِّسَ عَلى صاحِبِها وهي اليَقَظَةُ الحَقِيقِيَّةُ وما يَعُدُّهُ النّاسُ يَقَظَةً هو النَّوْمُ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: النّاسُ نِيامٌ فَإذا ماتُوا انْتَبَهُوا، ثُمَّ إنَّهم تَكَلَّمُوا عَلى أكْثَرِ ما في السُّورَةِ الجَلِيلَةِ بِما يَتَعَلَّقُ بِالأنْفُسِ، وقالُوا في مَواقِعِ النُّجُومِ: إنَّها إشارَةٌ إلى اللَّطائِفِ المُطَهَّرَةِ لِأنَّها مَواقِعُ نُجُومِ الوارِداتِ القُدُسِيَّةِ الخَفِيَّةِ مِنَ السَّماءِ الجَبَرُوتِيَّةِ اللّاهُوتِيَّةِ، وقِيلَ: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ ﴾ إنَّ فِيهِ إشارَةً إلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي لِمَن لَمْ يَكُنْ طاهِرَ النَّفْسِ مِن حَدَثَ المَيْلِ إلى صَغائِرِ الشَّهَواتِ - وهو الحَدَثُ الأصْغَرُ - ومِن حَدَثِ المَيْلِ إلى كَبائِرِ الشَّهَواتِ - وهو الحَدَثُ الأكْبَرُ - أنْ يَمَسَّ بِيَدِ نَفْسِهِ وفِكْرِهِ مَعانِيَ القُرْآنِ الكَرِيمِ كَما لا يَنْبَغِي لِمَن لَمْ يَكُنْ طاهِرَ البَدَنِ مِنَ الحَدَثَيْنِ المَعْرُوفَيْنِ في البَدَنِ أنْ يَمَسَّ بِيَدِ بَدَنِهِ وجَسَدِهِ ألْفاظَهُ المَكْتُوبَةَ، وقِيلَ: أيْضًا يَجُوزُ أنْ يُقالَ المَعْنى لا يَصِلُ إلى أدْنى حَقائِقِ أسْرارِ القُرْآنِ الكَرِيمِ إلّا المُطَهَّرُونَ مِن أرْجاسِ الشَّهَواتِ وأنْجاسِ المُخالَفاتِ.

وإذا كانَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ صِفَةً لِلْكِتابِ المَكْنُونِ المُرادُ مِنهُ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ وأُرِيدَ بِالمُطَهَّرِينَ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وكانَ المَعْنى لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ إلّا المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كانَ في ذَلِكَ رَدٌّ عَلى مَن يَزْعُمُ أنَّ الأوْلِياءَ يَرَوْنَ اللَّوْحَ المَحْفُوظَ ويَطَّلِعُونَ عَلى ما فِيهِ، وحَمْلُ المُطَهَّرِينَ عَلى ما يَعُمُّ المَلائِكَةَ والأوْلِياءَ الَّذِينَ طَهُرَتْ نُفُوسُهم وقُدِّسَتْ ذَواتُهم حَتّى التَحَقُوا بِالمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لا يَنْفَعُ في البَحْثِ مَعَ أهْلِ الشَّرْعِ فَإنَّ مَدارَ اسْتِدْلالاتِهِمْ عَلى الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ الظَّواهِرُ عَلى أنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهو هو أنَّهُ نَظَرَ يَوْمًا وهو بَيْنَ أصْحابِهِ إلى اللَّوْحِ المَحْفُوظِ واطَّلَعَ عَلى شَيْءٍ مِمّا فِيهِ.

وقالَ لَهم: إنِّي رَأيْتُ اللَّوْحَ المَحْفُوظَ واطَّلَعْتُ عَلى كَذا وكَذا فِيهِ، وكَذَلِكَ لَمْ يُسْمَعْ عَنْ أجِلَّةِ أصْحابِهِ الخُلَفاءِ الرّاشِدِينَ أنَّهُ وقَعَ لَهم ذَلِكَ، وقَدْ وقَعَتْ بَيْنَهم مَسائِلُ اخْتَلَفُوا فِيها وطالَ نِزاعُهم في تَحْقِيقِها إلى أنْ كادَ يَغُمُّ هِلالُ الحَقِّ فِيها ولَمْ يُراجَعْ أحَدٌ مِنهم لِكَشْفِها اللَّوْحَ المَحْفُوظَ.

وذَكَرَ بَعْضُ العُلَماءِ أنَّ سِدْرَةَ المُنْتَهى يَنْتَهِي عِلْمُ مَن تَحْتَها إلَيْها وأنَّ اللَّوْحَ فَوْقَها بِكَثِيرٍ، وبِكُلٍّ مِن ذَلِكَ نَطَقَتِ الآثارُ، وهو يُشْعِرُ بِعَدَمِ اطِّلاعِ الأوْلِياءِ عَلى اللَّوْحِ، ومَعَ هَذا كُلِّهِ مَنِ ادَّعى وُقُوعَ الِاطِّلاعِ فَعَلَيْهِ البَيانُ وأنّى بِهِ، وهَذا الَّذِي سَمِعْتَ مَبْنِيٌّ عَلى ما نَطَقَتْ بِهِ الأخْبارُ في صِفَةِ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ وأنَّهُ جِسْمٌ كُتِبَ فِيهِ ما كانَ وما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وأمّا إذا قِيلَ فِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ انْجَرَّ البَحْثُ إلى وراءِ ما سَمِعْتَ، واتَّسَعَتِ الدّائِرَةُ.

ومِن ذَلِكَ قَوْلُهم: إنَّ الألْواحَ أرْبَعَةٌ، لَوْحُ القَضاءِ السّابِقِ عَلى المَحْوِ والإثْباتِ وهو لَوْحُ العَقْلِ الأوَّلِ، ولَوْحُ القَدَرِ أيْ لَوْحُ النَّفْسِ النّاطِقَةِ الكُلِّيَّةِ الَّتِي يُفَصَّلُ فِيها كُلِّيّاتُ اللَّوْحِ الأوَّلِ وهو المُسَمّى بِاللَّوْحِ المَحْفُوظِ، ولَوْحُ النَّفْسِ الجُزْئِيَّةِ السَّماوِيَّةِ الَّتِي يُنْتَقَشُ فِيها كُلُّ ما في هَذا العالَمِ شَكْلُهُ وهَيْئَتُهُ ومِقْدارُهُ - وهو المُسَمّى بِالسَّماءِ الدُّنْيا - وهو بِمَثابَةِ خَيالِ العالَمِ كَما أنَّ الأوَّلَ بِمَثابَةِ رُوحِهِ والثّانِي بِمَثابَةِ قَلْبِهِ ولَوْحُ الهَيُولى القابِلُ لِلصُّورَةِ في عالَمِ الشَّهادَةِ ويَقُولُونَ أيْضًا ما يَقُولُونَ ويُنْشِدُ المُنْتَصِرُ لَهُ قَوْلَهُ: وإذا لَمْ تَرَ الهِلالَ فَسَلِّمْ لِأُناسٍ رَأوْهُ بِالأبْصارِ هَذا ولا تَظُنَّنَّ أنَّ نَفْيَ رُؤْيَتِهِمْ لِلَّوْحِ المَحْفُوظِ نَفْيٌ لِكَراماتِهِمُ الكَشْفِيَّةِ وإلْهاماتِهِمُ الغَيْبِيَّةِ مَعاذَ اللَّهِ تَعالى مِن ذَلِكَ، وطُرُقُ إطْلاعِ اللَّهِ تَعالى مَن شاءَ مِن أوْلِيائِهِ عَلى مَن شاءَ مِن عِلْمِهِ غَيْرُ مُنْحَصِرٍ بِإراءَتِهِ اللَّوْحَ المَحْفُوظَ ثُمَّ إنَّ الإمْكانَ مِمّا لا نِزاعَ فِيهِ ولَيْسَ الكَلامُ إلّا في الوُقُوعِ، ووُرُودِ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ  وأجِلَّةِ أصْحابِهِ كالصِّدِّيقِ والفارُوقِ وذِي النُّورَيْنِ وبابِ مَدِينَةِ العِلْمِ والنُّقْطَةِ الَّتِي تَحْتَ الباءِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أجْمَعِينَ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

وقالُوا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكم ولَكِنْ لا تُبْصِرُونَ ﴾ ما بَنَوْهُ عَلى القَوْلِ بِوَحْدَةِ الوُجُودِ والكَلامُ فِيها شائِعٌ - وقَدْ أشَرْنا إلَيْهِ في هَذا الكِتابِ غَيْرَ مَرَّةٍ - ولَهم في اليَقِينِ وعَيْنِ اليَقِينِ وحَقِّ اليَقِينِ عِباراتٌ شَتّى، مِنها اليَقِينُ رُؤْيَةُ العِيانِ بِقُوَّةِ الإيمانِ لا بِالحُجَّةِ والبُرْهانِ وقِيلَ: مُشاهَدَةُ الغُيُوبِ بِصَفاءِ القُلُوبِ ومُلاحَظَةُ الأسْرارِ بِمُحافَظَةِ الأفْكارِ، وقِيلَ: طُمَأْنِينَةُ القَلْبِ عَلى حَقِيقَةِ الشَّيْءِ مِن يَقَنَ الماءُ في الحَوْضِ إذا اسْتَقَرَّ، وحَقُّ اليَقِينِ فَناءُ العَبْدِ في الحَقِّ والبَقاءُ بِهِ عِلْمًا وشُهُودًا وحالًا لا عِلْمًا فَقَطْ فَعِلْمُ كُلِّ عاقِلٍ المَوْتَ عِلْمُ اليَقِينِ فَإذا عايَنَ المَلائِكَةَ فَهو عَيْنُ اليَقِينِ، وإذا ذاقَ المَوْتَ فَهو حَقُّ اليَقِينِ، وقِيلَ: عِلْمُ اليَقِينِ ظاهِرُ الشَّرِيعَةِ، وعَيْنُ اليَقِينِ الإخْلاصُ فِيها، وحَقُّ اليَقِينِ المُشاهَدَةُ فِيها، «وقِيلَ: وقِيلَ:» ونَحْنُ نَسْألُ اللَّهَ تَعالى الهِدايَةَ إلى أقْوَمِ سَبِيلٍ، وأنْ يَشْرَحَ صُدُورَنا بِأنْوارِ عُلُومِ كِتابِهِ الكَرِيمِ الجَلِيلِ وهو سُبْحانَهُ حَسَبُنا في الدّارَيْنِ ونِعْمَ الوَكِيلُ.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل