زاد المسير سورة المجادلة

الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > تفسير سورة المجادلة

تفسيرُ سورةِ المجادلة كاملةً من زاد المسير (ابن الجوزي) (جمال الدين ابن الجوزي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 36 دقيقة قراءة

تفسير سورة المجادلة كاملةً (جمال الدين ابن الجوزي)

قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِى تُجَـٰدِلُكَ فِى زَوْجِهَا وَتَشْتَكِىٓ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَآ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌۢ بَصِيرٌ ١

سُورَةُ المُجادَلَةِ وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ، والجُمْهُورِ.

ورُوِيَ عَنْ عَطاءٍ أنَّهُ قالَ: العَشْرُ الأُوَلُ مِنها مَدَنِيٌّ، والباقِي مَكِّيٌّ.

وعَنِ ابْنِ السّائِبِ: أنَّها مَدَنِيَّةٌ سِوى آيَةٍ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها ﴾ أمّا سَبَبُ نُزُولِها، فَرُوِيَ «عَنْ عائِشَةَ أنَّها قالَتْ: تَبارَكَ الَّذِي وسِعَ سَمْعُهُ الأصْواتَ، لَقَدْ جاءَتِ المُجادِلَةُ فَكَلَّمَتْ رَسُولَ اللَّهِ  ، وأنا في جانِبِ البَيْتِ أسْمَعُ كَلامَها، ويَخْفى عَلَيَّ بَعْضُهُ، وهي تَشْتَكِي زَوْجَها وتَقُولُ: يا رَسُولَ اللَّهِ: أبْلى شَبابِي، ونَثَرْتُ لَهُ بَطْنِي، حَتّى إذا كَبُرَ سِنِّي، وانْقَطَعَ ولَدِي، ظاهَرَ مِنِّي، اللَّهُمَّ إنِّي أشْكُو إلَيْكَ، قالَتْ: فَما بَرِحَتْ حَتّى نَزَلَ جِبْرِيلُ بِهَذِهِ الآياتِ.» فَأمّا تَفْسِيرُها، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: إدْغامُ الدّالِ في السِّينِ حَسَنٌ لِقُرْبِ المَخْرَجَيْنِ، لِأنَّهُما مِن حُرُوفِ طَرَفِ اللِّسانِ، وإظْهارُ الدّالِ جائِزٌ، لِأنَّهُ وإنْ قَرُبَ مِن مَخْرَجِ السِّينِ، فَلَهُ حَيِّزٌ عَلى حِدَةٍ، ومِن مَوْضِعِ الدّالِ الطّاءُ والتّاءُ، فَهَذِهِ الأحْرُفُ الثَّلاثَةُ مَوْضِعُها واحِدٌ، والسِّينُ والزّايُ والصّادُ مِن مَوْضِعٍ واحِدٍ، وهي تُسَمّى: حُرُوفَ الصَّفِيرِ.

وفي اسْمِ هَذِهِ المُجادِلَةِ ونَسَبَتِها أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: خَوْلَةُ بِنْتُ ثَعْلَبَةَ، رَواهُ مُجاهِدٌ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، والقُرَظِيُّ.

والثّانِي: خَوْلَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: خَوْلَةُ بِنْتُ الصّامِتِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: خَوْلَةُ بِنْتُ الدَّلِيجِ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.

واسْمُ زَوْجِها: أوْسُ بْنُ الصّامِتِ، وكانا مِنَ الأنْصارِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «كانَ الرَّجُلُ إذا قالَ لِامْرَأتِهِ في الجاهِلِيَّةِ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، حَرُمَتْ عَلَيْهِ، فَكانَ أوَّلَ مَن ظاهَرَ في الإسْلامِ أوْسٌ، ثُمَّ نَدِمَ، وقالَ لِامْرَأتِهِ: انْطَلِقِي إلى رَسُولِ اللَّهِ  فَسَلِيهِ، فَأتَتْهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ.» فَأمّا مُجادَلَتُها رَسُولَ اللَّهِ  ، فَإنَّهُ كانَ كُلَّما قالَ لَها: قَدْ حَرُمْتِ عَلَيْهِ تَقُولُ: واللَّهِ ما ذَكَرَ طَلاقًا، فَقالَ: ما أُوحِيَ إلَيَّ في هَذا شَيْءٌ، فَجَعَلَتْ تَشْتَكِي إلى اللَّهِ.

وتَشْتَكِي بِمَعْنى: تَشْكُو.

يُقالُ: اشْتَكَيْتُ ما بِي، وشَكَوْتُهُ.

وقالَتْ: إنَّ لِي صِبْيَةً صِغارًا، إنْ ضَمَمْتُهم إلَيْهِ ضاعُوا، وإنْ ضَمَمْتُهم إلَيَّ جاعُوا.

فَأمّا التَّحاوُرُ، فَهو مُراجَعَةُ الكَلامِ.

قالَ عَنْتَرَةُ في فَرَسِهِ: ؎ لَوْ كانَ يَدْرِي ما المُحاوَرَةُ اشْتَكى ولَكانَ لَوْ عِلَمَ الكَلامَ مُكَلِّمِي <div class="verse-tafsir"

ٱلَّذِينَ يُظَـٰهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَآئِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَـٰتِهِمْ ۖ إِنْ أُمَّهَـٰتُهُمْ إِلَّا ٱلَّـٰٓـِٔى وَلَدْنَهُمْ ۚ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًۭا مِّنَ ٱلْقَوْلِ وَزُورًۭا ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌۭ ٢ وَٱلَّذِينَ يُظَـٰهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا۟ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍۢ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا ۚ ذَٰلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِۦ ۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌۭ ٣ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا ۖ فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًۭا ۚ ذَٰلِكَ لِتُؤْمِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ۚ وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ ۗ وَلِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ٤

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنكم مِن نِسائِهِمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو "يَظَّهَّرُونَ" بِفَتْحِ الياءِ، وتَشْدِيدِ الظّاءِ والهاءِ وفَتْحِهِما مِن غَيْرِ ألِفٍ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِفَتْحِ الياءِ، وتَشْدِيدِ الظّاءِ، وبِألِفٍ، وتَخْفِيفِ الهاءِ.

وقَرَأ عاصِمٌ "يُظاهِرُونَ" بِضَمِّ الياءِ، وتَخْفِيفِ الظّاءِ والهاءِ، وكَسْرِ الهاءِ في المَوْضِعَيْنِ مَعَ إثْباتِ الألِفِ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ "يَتَظاهَرُونَ" بِياءٍ، وتاءٍ، وألِفٍ.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ "يَتَظَهَّرُونَ" بِياءٍ، وتاءٍ، وتَخْفِيفِ الياءِ، وتَشْدِيدِ الهاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ.

وقَرَأ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ "يَظَهِّرُونَ" بِفَتْحِ الياءِ، وفَتْحِ الظّاءِ، مُخَفَّفَةً، مَكْسُورَةَ الهاءِ مُشَدَّدَةً.

والمَعْنى: تَقُولُونَ لَهُنَّ: أنْتُنَّ كَظُهُورِ أُمَّهاتِنا ﴿ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ ﴾ قَرَأ الأكْثَرُونَ بِكَسْرِ التّاءِ.

ورَوى المُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ رَفَعَها.

والمَعْنى: ما اللَّواتِي تُجْعَلْنَ كالأُمَّهاتِ بِأُمَّهاتٍ لَهم ﴿ إنْ أُمَّهاتُهُمْ ﴾ أيْ: ما أُمَّهاتُهم ﴿ إلا اللائِي ولَدْنَهُمْ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: وانْتِصابُ "الأُمَّهاتِ" ها هُنا بِإلْقاءِ الباءِ، وهي قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ "ما هُنَّ بِأُمَّهاتِهِمْ"، ومِثْلُهُ: ﴿ ما هَذا بَشَرًا  ﴾ ، المَعْنى: ما هَذا بِبَشَرٍ، فَلَمّا أُلْقِيَتِ الباءُ أُبْقِيَ أثَرُها، وهُوَ: النَّصْبُ، وعَلى هَذا كَلامُ أهْلِ الحِجازِ.

فَأمّا أهْلُ نَجْدٍ، فَإنَّهم إذا ألْقَوُا الباءَ رَفَعُوا، وقالُوا: "ما هُنَّ أُمَّهاتُهُمْ" و"ما هَذا بَشَرٌ" أنْشَدَنِي بَعْضُ العَرَبِ: رِكابٌ حُسَيْلٍ آخِرَ الصَّيْفِ بُدَّنٌ وناقَةُ عَمْرٍو ما يُحَلُّ لَها رَحْلُ ويَزْعُمُ حَسْلٌ أنَّهُ فَرْعُ قَوْمِهِ ∗∗∗ وما أنْتَ فَرْعٌ يا حُسَيْلُ ولا أصْلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّهُمْ ﴾ يَعْنِي: المُظاهِرِينَ ﴿ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ القَوْلِ ﴾ لِتَشْبِيهِهِمُ الزَّوْجاتِ بِالأُمَّهاتِ، والأُمَّهاتُ مُحَرَّماتٌ عَلى التَّأْبِيدِ، بِخِلافِ الزَّوْجاتِ.

﴿ وَزُورًا ﴾ أيْ: كَذِبًا ﴿ وَإنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ ﴾ إذْ شَرَعَ الكَفّارَةَ لِذَلِكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا ﴾ اللّامُ في "لِما" بِمَعْنى "إلى" والمَعْنى: ثُمَّ يَعُودُونَ إلى تَحْلِيلِ ما حَرَّمُوا عَلى أنْفُسِهِمْ مِن وطْءِ الزَّوْجَةِ بِالعَزْمِ عَلى الوَطْءِ.

قالَ الفَرّاءُ: مَعْنى الآيَةِ: يَرْجِعُونَ عَمّا قالُوا، وفي نَقْضِ ما قالُوا.

وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: المَعْنى: يُرِيدُونَ أنْ يَعُودُوا إلى الجِماعِ الَّذِي قَدْ حَرَّمُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ.

وقالَ الحَسَنُ، وطاوُوسٌ، والزُّهْرِيُّ: العَوْدُ: هو الوَطْءُ.

وهَذا يَرْجِعُ إلى ما قُلْناهُ.

وقالَ الشّافِعِيُّ: هو أنْ يُمْسِكَها بَعْدَ الظِّهارِ مُدَّةً يُمْكِنُهُ طَلاقُها فِيهِ فَلا يُطَلِّقُها.

فَإذا وُجِدَ هَذا، اسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ الكَفّارَةُ، لِأنَّهُ قَصَدَ بِالظِّهارِ تَحْرِيمَها، فَإنْ وصَلَ ذَلِكَ بِالطَّلاقِ فَقَدْ جَرى عَلى ما ابْتَدَأهُ، وإنْ سَكَتَ عَنِ الطَّلاقِ، فَقَدْ نَدِمَ عَلى ما ابْتَدَأ بِهِ، فَهو عَوْدٌ إلى ما كانَ عَلَيْهِ، فَحِينَئِذٍ تَجِبُ الكَفّارَةُ.

وقالَ داوُدُ: هو إعادَةُ اللَّفْظِ ثانِيًا، لِأنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ تَعالى: " يُعَوِّدُونَ " يَدُلُّ عَلى تَكْرِيرِ اللَّفْظِ.

قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا قَوْلُ مَن لا يَدْرِي اللُّغَةَ.

وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: لَيْسَ في هَذا كَما ادَّعَوْا، لِأنَّ العَوْدَ قَدْ يَكُونُ إلى شَيْءٍ لَمْ يَكُنِ الإنْسانُ عَلَيْهِ قَبْلُ، وسُمِّيَتِ الآخِرَةُ مَعادًا، ولَمْ يَكُنْ فِيها أحَدٌ ثُمَّ عادَ إلَيْها قالَ الهُذَلِيُّ: وعادَ الفَتى كالكَهْلِ لَيْسَ بِقائِلٍ ∗∗∗ سِوى الحَقِّ شَيْئًا واسْتَراحَ العَواذِلُ وَقَدْ شَرَحْنا هَذا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ  ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَن تَوَهَّمَ أنَّ الظِّهارَ لا يَقَعُ حَتّى يُلْفَظَ بِهِ ثانِيَةً، فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّ النّاسَ قَدْ أجْمَعُوا أنَّ الظِّهارَ يَقَعُ بِلَفْظٍ واحِدٍ.

وإنَّما تَأْوِيلُ الآيَةِ: أنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ كانُوا يُطَلِّقُونَ بِالظِّهارِ، فَجَعَلَ اللَّهُ حُكْمَ الظِّهارِ في الإسْلامِ خِلافَ حُكْمِهِ عِنْدَهم في الجاهِلِيَّةِ، وأنْزَلَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِن نِسائِهِمْ ﴾ يُرِيدُ في الجاهِلِيَّةِ ﴿ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا ﴾ في الإسْلامِ، أيْ: يَعُودُونَ لِما كانُوا يَقُولُونَهُ مِن هَذا الكَلامِ، ﴿ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى: فَعَلَيْهِمْ، أوْ فَكَفّارَتُهم تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ، أيْ: عِتْقُها.

وهَلْ يُشْتَرَطُ أنْ تَكُونَ مُؤْمِنَةً؟

فِيهِ عَنْ أحْمَدَ رِوايَتانِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا ﴾ وهو كِنايَةٌ عَنِ الجِماعِ عَلى أنَّ العُلَماءَ قَدِ اخْتَلَفُوا: هَلْ يُباحُ لِلْمَظاهِرِ الِاسْتِمْتاعُ بِاللَّمْسِ والقُبْلَةِ؟

وعَنْ أحْمَدَ رِوايَتانِ.

وقالَ أبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ " والَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِن نِسائِهِمْ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ لِما قالُوا ثُمَّ يَعُودُونَ إلى نِسائِهِمْ " .

* فَصْلٌ إذا وطِئَ المَظاهِرُ قَبْلَ أنْ يُكَفِّرَ أثِمَ، واسْتَقَرَّتِ الكَفّارَةُ.

وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: يَسْقُطُ الظِّهارُ والكَفّارَةُ.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ فِيما يَجِبُ عَلَيْهِ إذا فَعَلَ ذَلِكَ، فَقالَ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، وطاوُوسٌ، ومُجاهِدٌ، وإبْراهِيمُ، وابْنُ سِيرِينَ: عَلَيْهِ كَفارَّةٌ واحِدَةٌ، وقالَ الزُّهْرِيُّ، وقَتادَةُ في آخَرِينَ: عَلَيْهِ كَفّارَتانِ.

فَإنْ قالَ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي اليَوْمَ، بَطَلَ الظِّهارُ بِمُضِيِّ اليَوْمِ، هَذا قَوْلُ أصْحابِنا، وأبِي حَنِيفَةَ، والثَّوْرِيِّ، والشّافِعِيِّ.

وقالَ ابْنُ أبِي لَيْلى، ومالِكٌ، والحَسَنُ بْنُ صالِحٍ: هو مَظاهِرٌ أبَدًا.

واخْتَلَفُوا في الظِّهارِ مِنَ الأمَةِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَيْسَ مِن أمَةٍ ظِهارٌ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، والشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ، وأبُو حَنِيفَةَ، والشّافِعِيُّ.

وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وطاوُوسٌ، وعَطاءٌ، والأوْزاعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، ومالِكٌ: هو ظِهارٌ.

ونَقَلَ أبُو طالِبٍ عَنْ أحْمَدَ أنَّهُ قالَ: لا يَكُونُ مُظاهِرًا مِن أمَتِهِ، لَكِنْ تَلْزَمُهُ كَفّارَةُ الظِّهارِ، كَما قالَ في المَرْأةِ إذا ظاهَرَتْ مِن زَوْجِها لَمْ تَكُنْ مُظاهِرَةً، وتَلْزَمُها كَفّارَةُ الظِّهارِ.

واخْتَلَفُوا فِيمَن ظاهَرَ مِرارًا، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ، والشّافِعِيُّ: إنْ كانَ في مَجالِسَ، فَكَفّاراتٌ، وإنْ كانَ في مَجْلِسٍ واحِدٍ، فَكَفّارَةٌ: قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: وعَلى قَوْلِ أصْحابِنا: يَلْزَمُهُ كَفارَّةٌ واحِدَةٌ سَواءٌ كانَ في مَجْلِسٍ، أوْ في مَجالِسَ، ما لَمْ يُكَفِّرْ، وهَذا قَوْلُ مالِكٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكم تُوعَظُونَ بِهِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ذَلِكُمُ التَّغْلِيظُ تُوعَظُونَ بِهِ.

والمَعْنى: أنَّ غِلَظَ الكَفّارَةِ وعْظٌ لَكم حَتّى تَتْرُكُوا الظِّهارَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَن لَمْ يَجِدْ ﴾ يَعْنِي: الرَّقَبَةَ ﴿ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ ﴾ أيْ: فَعَلَيْهِ صِيامُ شَهْرَيْنِ ( مُتَتابِعِينَ فَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ ) الصِّيامَ "فَـ" كَفّارَتُهُ " إطْعام سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ " أيِ: الفَرْضُ ذَلِكَ الَّذِي وصَفْنا ﴿ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ﴾ أيْ: تُصَدِّقُوا بِأنَّ اللَّهَ أمَرَ بِذَلِكَ، وتُصَدِّقُوا بِما أتى بِهِ الرَّسُولُ ﴿ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ﴾ يَعْنِي: ما وصَفَهُ اللَّهُ مِنَ الكَفّاراتِ في الظِّهارِ ﴿ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِمَن جَحَدَ هَذا وكَذَّبَ بِهِ.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ كُبِتُوا۟ كَمَا كُبِتَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ وَقَدْ أَنزَلْنَآ ءَايَـٰتٍۭ بَيِّنَـٰتٍۢ ۚ وَلِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابٌۭ مُّهِينٌۭ ٥ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعًۭا فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوٓا۟ ۚ أَحْصَىٰهُ ٱللَّهُ وَنَسُوهُ ۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ شَهِيدٌ ٦ أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۖ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَـٰثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَآ أَدْنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا۟ ۖ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا۟ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ٧

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يُحادُّونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ ﴾ قَدْ ذَكَرْنا مَعْنى المُحادَّةِ في [التَّوْبَةِ: ٦٣] ومَعْنى ﴿ كُبِتُوا ﴾ في "آلِ عِمْرانَ" عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أوْ يَكْبِتَهُمْ  ﴾ .

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أخْزُوا يَوْمَ الخَنْدَقِ بِالهَزِيمَةِ كَما أُخْزِيَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِمَّنْ قاتَلَ الرُّسُلَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا ﴾ أيْ: مِن قُبُورِهِمْ ﴿ فَيُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا ﴾ مِن مَعاصِيهِ، وتَضْيِيعِ فَرائِضِهِ "أحْصاهُ اللَّهُ" أيْ: حَفِظَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ "وَنَسُوهُ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ" مِن أعْمالِهِمْ في السِّرِّ والعَلانِيَةِ "شَهِيدٌ" ﴿ ألَمْ تَرَ ﴾ أيْ: ألَمْ تَعْلَمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ ﴾ وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ "ما تَكُونُ" بِالتّاءِ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: النَّجْوى: السِّرارُ.

وقالَ الزَّجّاجُ: ما يَكُونُ مِن خَلْوَةِ ثَلاثَةٍ يُسِرُّونَ شَيْئًا، ويَتَناجَوْنَ بِهِ "إلّا هو رابِعُهُمْ" أيْ: عالِمٌ بِهِ.

"وَنَجْوى" مُشْتَقٌّ مِنَ النَّجْوَةِ، وهو ما ارْتَفَعَ.

وقَرَأ يَعْقُوبُ "وَلا أكْثَرُ" بِالرَّفْعِ.

وقالَ الضَّحّاكُ: ﴿ إلا هو مَعَهُمْ ﴾ أيْ: عِلْمُهُ مَعَهم.

<div class="verse-tafsir"

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نُهُوا۟ عَنِ ٱلنَّجْوَىٰ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا۟ عَنْهُ وَيَتَنَـٰجَوْنَ بِٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ وَمَعْصِيَتِ ٱلرَّسُولِ وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ ٱللَّهُ وَيَقُولُونَ فِىٓ أَنفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا ٱللَّهُ بِمَا نَقُولُ ۚ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا ۖ فَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ ٨ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا تَنَـٰجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَـٰجَوْا۟ بِٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ وَمَعْصِيَتِ ٱلرَّسُولِ وَتَنَـٰجَوْا۟ بِٱلْبِرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِىٓ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ٩ إِنَّمَا ٱلنَّجْوَىٰ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ لِيَحْزُنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَلَيْسَ بِضَآرِّهِمْ شَيْـًٔا إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ١٠

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: نَزَلَتْ في اليَهُودِ والمُنافِقِينَ، وذَلِكَ «أنَّهم كانُوا يَتَناجَوْنَ فِيما بَيْنَهم دُونَ المُؤْمِنِينَ، ويَنْظُرُونَ إلى المُؤْمِنِينَ، ويَتَغامَزُونَ بِأعْيُنِهِمْ، فَإذا رَأى المُؤْمِنُونَ نَجْواهم قالُوا: ما نَراهم إلّا قَدْ بَلَغَهم عَنْ أقْرِبائِنا وإخْوانِنا الَّذِينَ خَرَجُوا في السَّرايا، قَتْلٌ أوْ مَوْتٌ، أوْ مُصِيبَةٌ، فَيَقَعُ ذَلِكَ في قُلُوبِهِمْ، ويُحْزِنُهُمْ، فَلا يَزالُونَ كَذَلِكَ حَتّى تُقْدِمَ أصْحابُهم.

فَلَمّا طالَ ذَلِكَ وكَثُرَ، شَكا المُؤْمِنُونَ إلى رَسُولِ اللَّهِ  ، فَأمَرَهم أنْ لا يَتَناجَوْا دُونَ المُسْلِمِينَ، فَلَمْ يَنْتَهُوا عَنْ ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: نَزَلَتْ في اليَهُودِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

قالَ مُقاتِلٌ: «وَكانَ بَيْنَ اليَهُودِ وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ مُوادَعَةٌ، فَإذا رَأوْا رَجُلًا مِنَ المُسْلِمِينَ وحْدَهُ تَناجَوْا بَيْنَهُمْ، فَيَظُنُّ المُسْلِمُ أنَّهم يَتَناجَوْنَ بِقَتْلِهِ، أوْ بِما يَكْرَهُ، فَيَتْرُكُ الطَّرِيقَ مِنَ المَخافَةِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ  ، فَنَهاهم عَنِ النَّجْوى، فَلَمْ يَنْتَهُوا، وعادُوا إلَيْها، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.» وقالَ ابْنُ السّائِبِ: نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ.

والنَّجْوى: بِمَعْنى المُناجاةِ "ثُمَّ يَعُودُونَ" إلى المُناجاةِ الَّتِي نُهُوا عَنْها "وَيَتَناجَوْنَ" قَرَأ حَمْزَةُ، ويَعْقُوبُ إلّا زَيْدًا، ورُوحًا "وَيَتَنَجَّوْنَ" وقَرَأ الباقُونَ "وَيَتَناجَوْنَ" بِألِفٍ.

وفي مَعْنى تَناجِيهِمْ "بِالإثْمِ والعُدْوانِ" وجْهانِ.

أحَدُهُما: يَتَناجَوْنَ بِما يَسُوءُ المُسْلِمِينَ، فَذَلِكَ الإثْمُ والعُدْوانُ، ويُوصِي بَعْضُهم بَعْضًا بِمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ.

والثّانِي: يَتَناجَوْنَ بَعْدَ نَهْيِ الرَّسُولِ، ذَلِكَ هو الإثْمُ والعُدْوانُ ومَعْصِيَةُ الرَّسُولِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا جاءُوكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: نَزَلَتْ في اليَهُودِ.

قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: «جاءَ ناسٌ مِنَ اليَهُودِ إلى رَسُولِ اللَّهِ  ، فَقالُوا: السّامُ عَلَيْكَ يا أبا القاسِمِ، فَقُلْتُ: السّامُ عَلَيْكُمْ، وفَعَلَ اللَّهُ بِكُمْ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : مَهْ يا عائِشَةُ، فَإنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفُحْشَ، ولا التَّفَحُّشَ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ: تَرى ما يَقُولُونَ؟

فَقالَ: ألَسْتِ تَرَيْنِي أرُدُّ عَلَيْهِمْ ما يَقُولُونَ.

وأقُولُ: وعَلَيْكُمْ، قالَتْ: فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في ذَلِكَ.» قالَ الزَّجّاجُ: والسّامُ: المَوْتُ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ، رَواهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: ومَعْنى "حَيَّوْكَ" سَلَّمُوا عَلَيْكَ بِغَيْرِ سَلامِ اللَّهِ عَلَيْكَ، وكانُوا يَقُولُونَ: سامٌ عَلَيْكَ.

فَإذا خَرَجُوا يَقُولُونَ في أنْفُسِهِمْ، أوْ يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: لَوْ كانَ نَبِيًّا عُذِّبْنا بِقَوْلِنا لَهُ ما نَقُولُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا تَناجَيْتُمْ ﴾ فِيها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ، فالمَعْنى: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا بِزَعْمِهِمْ، وهَذا قَوْلُ عَطاءٍ ومُقاتِلٍ.

والثّانِي: أنَّها في المُؤْمِنِينَ، والمَعْنى: أنَّهُ نَهاهم عَنْ فِعْلِ المُنافِقِينَ واليَهُودِ، وهَذا مَذْهَبُ جَماعَةٍ، مِنهُمُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَتَناجَوْا ﴾ هَكَذا قَرَأ الجَماعَةُ بِألِفٍ.

وقَرَأ يَعْقُوبُ وحْدَهُ "فَلا تَتَنَجَّوْا" .

فَأمّا "البِرُّ" فَقالَ مُقاتِلٌ: هو الطّاعَةُ، "والتَّقْوى" تَرْكُ المَعْصِيَةِ.

وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ" "البِرُّ" الصِّدْقُ، و"التَّقْوى" تَرْكُ الكَذِبِ.

ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ ما يَفْعَلُهُ اليَهُودُ والمُنافِقُونَ، مِنَ الشَّيْطانِ، فَقالَ تَعالى: ﴿ إنَّما النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ ﴾ أيْ: مِن تَزْيِينِهِ، والمَعْنى: إنَّما يُزَيِّنُ لَهم ذَلِكَ ﴿ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ وقَدْ بَيَّنّا اتِّقاءَ ما كانَ يُحْزِنُ المُؤْمِنِينَ مِن هَذِهِ النَّجْوى ﴿ وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئًا ﴾ أيْ: ولَيْسَ الشَّيْطانُ بِضارِّ المُؤْمِنِينَ شَيْئًا إلّا ﴿ بِإذْنِ اللَّهِ ﴾ أيْ: بِإرادَتِهِ ﴿ وَعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ ﴾ أيْ: فَلْيَكِلُوا أُمُورَهم إلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا۟ فِى ٱلْمَجَـٰلِسِ فَٱفْسَحُوا۟ يَفْسَحِ ٱللَّهُ لَكُمْ ۖ وَإِذَا قِيلَ ٱنشُزُوا۟ فَٱنشُزُوا۟ يَرْفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنكُمْ وَٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ دَرَجَـٰتٍۢ ۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌۭ ١١

قَوْلُهُ تَعالى: ( إذا قِيلَ لَكم تُفْسِحُوا في المَجْلِسِ ) وقَرَأ عاصِمٌ في "المَجالِسِ" عَلى الجَمْعِ، وذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ جالِسٍ لَهُ مَجْلِسٌ، فالمَعْنى: لِيُفْسِحْ كُلُّ رَجُلٍ مِنكم في مَجْلِسِهِ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: نَزَلَتْ في «نَفَرٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ كانُوا يُسابِقُونَ إلى مَجْلِسِ رَسُولِ اللَّهِ  ، فَإذا أقْبَلَ المُهاجِرُونَ وأهْلُ السّابِقَةِ، لَمْ يَجِدُوا مَوْضِعًا، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ  يُحِبُّ أنْ يَلِيَهُ أُولُو الفَضْلِ لِيَحْفَظُوا عَنْهُ، فَبَيْنَما رَسُولُ اللَّهِ  يَوْمَ جُمْعَةٍ جالِسٌ في صُفَّةٍ ضَيِّقَةٍ في المَسْجِدِ، جاءَ نَفَرٌ مِن أهْلِ بَدْرٍ فِيهِمْ ثابِتُ بْنُ قَيْسِ ابْنِ شَمّاسٍ، فَسَلَّمُوا وانْتَظَرُوا أنْ يُوَسِّعُوا لَهُمْ، فَأوْسَعُوا لِبَعْضِهِمْ، وبَقِيَ بَعْضُهُمْ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ  ، فَقالَ: قُمْ يا فُلانُ، قُمْ يا فُلانُ، حَتّى أقامَ مِنَ المَجْلِسِ عَلى عِدَّةِ مَن هو قائِمٌ مِن أهْلِ السّابِقَةِ، فَرَأى رَسُولُ اللَّهِ  في وُجُوهِ مَن أقامَهُمُ الكَراهَةَ، وتَكَلَّمَ المُنافِقُونَ في ذَلِكَ وقالُوا: واللَّهِ ما عَدَلَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.» وقالَ قَتادَةُ: كانُوا يَتَنافَسُونَ في مَجْلِسِ رَسُولِ اللَّهِ  ، فَإذا أقْبَلَ مُقْبِلٌ ضَنُّوا بِمَجْلِسِهِمْ، فَأمَرَهُمُ اللَّهُ أنْ يُفْسِحَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: ومَعْنى ﴿ تَفَسَّحُوا ﴾ تَوَسَّعُوا وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَجْلِسُونَ مُتَضايِقِينَ حَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ  فَلا يَجِدُ غَيْرُهم مَجْلِسًا عِنْدَهُ، فَأمَرَهم أنْ يُوَسِّعُوا لِغَيْرِهِمْ لِيَتَساوى النّاسُ في الحَظِّ مِنهُ، ويُظْهِرَ فَضِيلَةَ المُقَرَّبِينَ إلَيْهِ مِن أهْلِ بَدْرٍ وغَيْرِهِمْ.

وَفِي المُرادِ "بِالمَجْلِسِ" ها هُنا ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ مَجْلِسُ الحَرْبِ، ومَقاعِدُ القِتالِ، كانَ الرَّجُلُ يَأْتِي القَوْمَ في الصَّفِّ، فَيَقُولُ لَهُمْ: تَوَسَّعُوا، فَيَأْبَوْنَ عَلَيْهِ لِحِرْصِهِمْ عَلى القِتالِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وأبِي العالِيَةِ، والقُرَظِيِّ.

والثّانِي: أنَّهُ مَجْلِسُ رَسُولِ اللَّهِ  ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وقالَ قَتادَةُ: كانَ هَذا لِلنَّبِيِّ  ومَن حَوْلَهُ خاصَّةً.

والثّالِثُ: مَجالِسُ الذِّكْرِ كُلُّها، رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ أيْضًا.

وقَرَأ عَلِيُّ ابْنُ أبِي طالِبٍ، وأبُو رَزِينٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، والأعْمَشُ: "تَفَسَّحُوا في المَجالِسِ" بِألِفٍ عَلى الجَمْعِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ أيْ: يُوَسِّعِ اللَّهُ لَكُمُ الجَنَّةَ، والمَجالِسَ فِيها.

﴿ وَإذا قِيلَ انْشُزُوا ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ "انْشُزُوا فانْشُزُوا" بِرَفْعِ الشِّينِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِكَسْرِ الشِّينِ فِيهِما.

ومَعْنى "انْشُزُوا" قُومُوا.

قالَ الفَرّاءُ: وهُما لُغَتانِ.

وفي المُرادِ بِهَذا القِيامِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ القِيامُ إلى الصَّلاةِ، وكانَ رِجالٌ يَتَثاقَلُونَ عَنْها، فَقِيلَ لَهُمْ: إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ فانْهَضُوا، هَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ، والضَّحّاكِ.

والثّانِي: أنَّهُ القِيامُ إلى قِتالِ العَدُوِّ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ القِيامُ إلى كُلِّ خَيْرٍ، مِن قِتالٍ أوْ أمْرٍ بِمَعْرُوفٍ، ونَحْوِ ذَلِكَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والرّابِعُ: أنَّهُ الخُرُوجُ مِن بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ  ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا إذا جَلَسُوا في بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ  أطالُوا لِيَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم آخِرَهم عَهْدًا بِهِ، فَأُمِرُوا أنْ يَنْشُزُوا إذا قِيلَ لَهُمً: انْشُزُوا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والخامِسُ: أنَّ المَعْنى: قُومُوا وتَحَرَّكُوا وتَوَسَّعُوا لِإخْوانِكُمْ، قالَهُ الثَّعْلَبِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ ﴾ أيْ: يَرْفَعُهم بِإيمانِهِمْ عَلى مَن لَيْسَ بِمَنزِلَتِهِمْ مِنَ الإيمانِ "وَ"يَرْفَعِ "الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ" عَلى مَن لَيْسَ بِعالِمٍ.

وهَلْ هَذا الرَّفْعُ في الدُّنْيا.

أمْ في الآخِرَةِ؟

فِيهِ وجْهانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ إخْبارٌ عَنِ ارْتِفاعِ دَرَجاتِهِمْ في الجَنَّةِ.

والثّانِي: أنَّهُ ارْتِفاعُ مَجالِسِهِمْ في الدُّنْيا، فَيَكُونُ تَرْتِيبُهم فِيها بِحَسَبَ فَضائِلِهِمْ في الدِّينِ والعِلْمِ.

وكانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَقُولُ: أيُّها النّاسُ: افْهَمُوا هَذِهِ الآيَةَ ولِتُرَغِّبَكم في العِلْمِ، فَإنَّ اللَّهَ يَرْفَعُ المُؤْمِنَ العالِمَ فَوْقَ مَن لا يَعْلَمُ دَرَجاتٍ.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا نَـٰجَيْتُمُ ٱلرَّسُولَ فَقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَىٰكُمْ صَدَقَةًۭ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌۭ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ ۚ فَإِن لَّمْ تَجِدُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌ ١٢ ءَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَىٰكُمْ صَدَقَـٰتٍۢ ۚ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا۟ وَتَابَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ ۚ وَٱللَّهُ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ ١٣

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: «أنَّ النّاسَ سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ  حَتّى شَقُّوا عَلَيْهِ، فَأرادَ اللَّهُ أنَّ يُخَفِّفَ عَنْ نَبِيِّهِ، فَأنْزَلَ هَذِهِ الآيَةَ،» قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في الأغْنِياءِ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يُكْثِرُونَ مُناجاةَ رَسُولِ اللَّهِ  ، ويَغْلِبُونَ الفُقَراءَ عَلى المَجالِسِ، حَتّى كَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ  ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَأمّا أهْلُ العُسْرَةِ فَلَمْ يَجِدُوا شَيْئًا، وأمّا أهْلُ المَيْسَرَةِ فَبَخِلُوا، واشْتَدَّ ذَلِكَ عَلى أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ  ، فَنَزَلَتِ الرُّخْصَةُ، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ، وإلى نَحْوِهِ ذَهَبَ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ، إلّا أنَّهُ قالَ: فَقَدَرَ الفُقَراءُ حِينَئِذٍ عَلى مُناجاةِ رَسُولِ اللَّهِ  ، ولَمْ يُقَدِّمْ أحَدٌ مِن أهْلِ المَيْسَرَةِ صَدَقَةً غَيْرُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ.

وَرَوى مُجاهِدٌ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: آيَةٌ في كِتابِ اللَّهِ لَمْ يَعْمَلْ بِها أحَدٌ قَبَلِي، ولَنْ يَعْمَلَ بِها أحَدٌ بَعْدِي آيَةُ النَّجْوى.

كانَ لِي دِينارٌ، فَبِعْتُهُ بِعَشَرَةِ دَراهِمَ، فَكُلَّما أرَدْتُ أنْ أُناجِيَ رَسُولَ اللَّهِ  قَدَّمْتُ دِرْهَمًا، فَنَسَخَتْها الآيَةُ الأُخْرى ﴿ أأشْفَقْتُمْ أنْ تُقَدِّمُوا.

.

.

﴾ الآيَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ خَيْرٌ لَكم وأطْهَرُ ﴾ أيْ: تَقْدِيمُ الصَّدَقَةِ عَلى المُناجاةِ خَيْرٌ لَكم لِما فِيهِ مِن طاعَةِ اللَّهِ، وأطْهَرُ لِذُنُوبِكم ﴿ فَإنْ لَمْ تَجِدُوا ﴾ يَعْنِي: الفُقَراءَ ﴿ فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ إذْ عَفا عَمَّنْ لا يَجِدُ.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ أأشْفَقْتُمْ ﴾ أيْ: خِفْتُمْ بِالصَّدَقَةِ الفاقَةَ ﴿ وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ﴾ أيْ: فَتَجاوَزَ عَنْكُمْ، وخَفَّفَ بِنَسْخِ إيجابِ الصَّدَقَةِ.

قالَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ: إنَّما كانَ ذَلِكَ عَشْرَ لَيالٍ.

قالَ قَتادَةُ: ما كانَ إلّا ساعَةً مِن نَهارٍ.

<div class="verse-tafsir"

۞ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْا۟ قَوْمًا غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مَّا هُم مِّنكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى ٱلْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ١٤ أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ عَذَابًۭا شَدِيدًا ۖ إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ١٥ ٱتَّخَذُوٓا۟ أَيْمَـٰنَهُمْ جُنَّةًۭ فَصَدُّوا۟ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌۭ مُّهِينٌۭ ١٦ لَّن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَٰلُهُمْ وَلَآ أَوْلَـٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ ١٧ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعًۭا فَيَحْلِفُونَ لَهُۥ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ ۖ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَىٰ شَىْءٍ ۚ أَلَآ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْكَـٰذِبُونَ ١٨ ٱسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ فَأَنسَىٰهُمْ ذِكْرَ ٱللَّهِ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ حِزْبُ ٱلشَّيْطَـٰنِ ۚ أَلَآ إِنَّ حِزْبَ ٱلشَّيْطَـٰنِ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ ١٩

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ﴾ نَزَلَتْ في المَنافِقِينَ الَّذِينَ تَوَلَّوُا اليَهُودَ، ونَقَلُوا إلَيْهِمْ أسْرارَ المُؤْمِنِينَ.

وقالَ السُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَبْتَلَ المُنافِقِ، وذَلِكَ «أنَّهُ كانَ يُجالِسُ رَسُولَ اللَّهِ  ، ويَرْفَعُ حَدِيثَهُ إلى اليَهُودِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ يَوْمًا، وكانَ أزْرَقَ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ  : عَلامَ تَشْتُمُنِي أنْتَ وأصْحابُكَ؟

فَحَلَفَ بِاللَّهِ ما فَعَلَ، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ  : "فَعَلْتَ" فانْطَلَقَ فَجاءَ بِأصْحابِهِ، فَحَلَفُوا بِاللَّهِ ما سَبُّوهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآياتِ.» ورَوى الحاكِمُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ في "صَحِيحِهِ" مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  كانَ في ظِلِّ حُجْرَةٍ مِن حُجَرِهِ، وعِنْدَهُ نَفَرٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَقالَ: إنَّهُ سَيَأْتِيكم إنْسانٌ يَنْظُرُ إلَيْكم بِعَيْنَيْ شَيْطانٍ، فَإذا أتاكم فَلا تُكَلِّمُوهُ، فَجاءَ رَجُلٌ أزْرَقُ، فَدَعاهُ رَسُولُ اللَّهِ  ، فَقالَ: عَلامَ تَشْتُمُنِي أنْتَ وفُلانٌ وفُلانٌ؟

فانْطَلَقَ الرَّجُلُ فَدَعاهُمْ، فَحَلَفُوا بِاللَّهِ، واعْتَذَرُوا إلَيْهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ.

.

.

﴾ الآيَةُ.» فَأمّا التَّفْسِيرُ، فالَّذِينَ تَوَلَّوْا: هُمُ المُنافِقُونَ، والمَغْضُوبُ عَلَيْهِمْ: هُمُ اليَهُودُ ﴿ ما هم مِنكُمْ ﴾ يَعْنِي: المَنافِقِينَ لَيْسُوا مِنَ المُسْلِمِينَ، ولا مِنَ اليَهُودِ ﴿ وَيَحْلِفُونَ عَلى الكَذِبِ ﴾ وهو ما ذَكَرْنا في سَبَبِ نُزُولِها.

وقالَ بَعْضُهُمْ: حَلَفُوا أنَّهم ما سَبُّوا رَسُولَ اللَّهِ  ، ولا تَوَلَّوُا اليَهُودَ ﴿ وَهم يَعْلَمُونَ ﴾ أنَّهم كَذَبَةٌ ﴿ اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً ﴾ أيْ: سُتْرَةً يَتَّقُونَ بِها القَتْلَ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَعْنى: اسْتَتَرُوا بِالحَلِفِ، فَكُلَّما ظَهَرَ لَهم شَيْءٌ يُوجِبُ مُعاقَبَتَهم حَلَفُوا كاذِبِينَ، ﴿ فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: صَدُّوا النّاسَ عَنْ دِينِ الإسْلامِ قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّانِي: صَدُّوا عَنْ جِهادِهِمْ بِالقَتْلِ وأخْذِ مالِهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَيَحْلِفُونَ لَهُ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ، وقَتادَةُ: يَحْلِفُونَ لِلَّهِ في الآخِرَةِ أنَّهم كانُوا مُؤْمِنِينَ، كَما حَلَفُوا لِأوْلِيائِهِ في الدُّنْيا ﴿ وَيَحْسَبُونَ أنَّهم عَلى شَيْءٍ ﴾ مِن أيْمانِهِمُ الكاذِبَةِ ﴿ ألا إنَّهم هُمُ الكاذِبُونَ ﴾ في قَوْلِهِمْ وأيْمانِهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: غَلَبَ عَلَيْهِمْ، وحاذَهُمْ، وقَدْ بَيَّنّا هَذا في سُورَةِ [النِّساءِ] عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ  ﴾ ، وما بَعْدَ هَذا ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ في الأذَلِّينَ ﴾ أيْ: في المَغْلُوبِينَ، فَلَهم في الدُّنْيا ذُلٌّ، وفي الآخِرَةِ خِزْيٌ.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ أُو۟لَـٰٓئِكَ فِى ٱلْأَذَلِّينَ ٢٠ كَتَبَ ٱللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا۠ وَرُسُلِىٓ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِىٌّ عَزِيزٌۭ ٢١ لَّا تَجِدُ قَوْمًۭا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَوْ كَانُوٓا۟ ءَابَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَٰنَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلْإِيمَـٰنَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍۢ مِّنْهُ ۖ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّـٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۚ رَضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا۟ عَنْهُ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ حِزْبُ ٱللَّهِ ۚ أَلَآ إِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ٢٢

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَتَبَ اللَّهُ ﴾ أيْ: قَضى اللَّهُ ﴿ لأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي ﴾ وفَتَحَ الياءَ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: مَن بُعِثَ مِنَ الرُّسُلِ بِالحَرْبِ، فَعاقِبَةُ الأمْرِ لَهُ، ومَن لَمْ يُبْعَثْ بِالحَرْبِ، فَهو غالِبٌ بِالحُجَّةِ ﴿ إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ أيْ: مانِعٌ حِزْبَهُ مِن أنْ يُذَلَّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تَجِدُ قَوْمًا.

.

.

﴾ الآيَةُ.

اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: نَزَلَتْ في أبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرّاحِ، قَتَلَ أباهُ يَوْمَ أُحُدٍ، وفي أبِي بَكْرٍ «دَعا ابْنَهُ يَوْمَ بَدْرٍ إلى البِرازِ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ دَعْنِي أكُونُ في الرَّعْلَةِ الأُولى، فَقالَ: مَتِّعْنا بِنَفْسِكَ يا أبا بَكْرٍ،» وفي مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ، قَتَلَ أخاهُ عُبَيْدَ بْنَ حِمْنَةَ يَوْمَ أُحُدٍ، وفي عَمْرٍو قَتَلَ خالَهُ العاصَ بْنَ هِشامٍ يَوْمَ بَدْرٍ.

وفي عَلِيٍّ وحَمْزَةَ قَتَلا عُتْبَةَ وشَيْبَةَ يَوْمَ بَدْرٍ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وذَلِكَ «أنَّ أبا قُحافَةَ سَبَّ رَسُولَ اللَّهِ  ، فَصَكَّهُ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ صَكَّةً شَدِيدَةً سَقَطَ مِنها، ثُمَّ ذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ  ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ  : "أوَ فَعَلْتَهُ"؟

قالَ: نَعَمْ.

قالَ: فَلا تَعُدْ إلَيْهِ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: واللَّهِ لَوْ كانَ السَّيْفُ قَرِيبًا مِنِّي لَقَتَلْتُهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

والثّالِثُ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، وذَلِكَ «أنَّهُ كانَ جالِسًا إلى جَنْبِ رَسُولِ اللَّهِ، فَشَرِبَ رَسُولُ اللَّهِ ماءً، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: يا رَسُولَ اللَّهِ أبْقِ فَضْلَةً مِن شَرابِكَ، قالَ وما تَصْنَعُ بِها؟

قالَ: أسْقِيها أبِي، لَعَلَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يُطَهِّرُ قَلْبَهُ، فَفَعَلَ، فَأتى بِها أباهُ، فَقالَ: ما هَذا؟

قالَ: فَضْلَةٌ مِن شَرابِ رَسُولِ اللَّهِ جِئْتُكَ بِها لِتَشْرَبَها، لَعَلَّ اللَّهَ يُطَهِّرُ قَلْبَكَ، فَقالَ: هَلّا جِئْتَنِي بِبَوْلِ أُمِّكَ!

فَرَجَعَ إلى رَسُولِ اللَّهِ  ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ: ائْذَنْ لِي في قَتْلِ أبِي، قالَ: فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : ارْفُقْ بِهِ، وأحْسِنْ إلَيْهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» قالَهُ السُّدِّيُّ.

والرّابِعُ: أنَّها نَزَلَتْ في حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ حِينَ كَتَبَ إلى أهْلِ مَكَّةَ يُخْبِرُهم أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قَدْ عَزَمَ عَلى قَصْدِهِمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ.

وَهَذِهِ الآيَةُ قَدْ بَيَّنَتْ أنَّ مَوَدَّةَ الكُفّارِ تَقْدَحُ في صِحَّةِ الإيمانِ، وأنَّ مَن كانَ مُؤْمِنًا لَمْ يُوالِ كافِرًا وإنْ كانَ أباهُ أوِ ابْنَهُ أوْ أحَدًا مِن عَشِيرَتِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ ﴾ الَّذِينَ، يَعْنِي: الَّذِينَ لا يُوادُّونَ مَن حادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ ﴿ كَتَبَ في قُلُوبِهِمُ الإيمانَ ﴾ وقَرَأ المُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ "كُتِبَ" بِرَفْعِ الكافِ والنُّونِ مِنَ "الإيمانَ" .

وفي مَعْنى "كَتَبَ" خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أثْبَتَ في قُلُوبِهِمُ الإيمانَ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.

والثّانِي: جَعَلَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: كَتَبَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ أنَّ في قُلُوبِهِمُ الإيمانَ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

والرّابِعُ: حَكَمَ لَهم بِالإيمانِ.

وإنَّما ذَكَرَ القُلُوبَ، لِأنَّها مَوْضِعُ الإيمانِ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ.

والخامِسُ: جَمَعَ في قُلُوبِهِمُ الإيمانَ حَتّى اسْتَكْمَلُوهُ، قالَهُ الواحِدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأيَّدَهُمْ ﴾ أيْ: قَوّاهم ﴿ بِرُوحٍ مِنهُ ﴾ وفي المُرادِ ﴿ بِالرُّوحِ ﴾ ها هُنا خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ النَّصْرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ.

فَعَلى هَذا سُمِّيَ النَّصْرُ رُوحًا، لِأنَّ أمْرَهم يَحْيا بِهِ.

والثّانِي: الإيمانُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: القُرْآنُ، قالَهُ الرَّبِيعُ.

والرّابِعُ: الرَّحْمَةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والخامِسُ: جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ أيَّدَهم بِهِ يَوْمَ بَدْرٍ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

فَأمّا ﴿ حِزْبُ اللَّهِ ﴾ فَقالَ الزَّجّاجُ: هُمُ الدّاخِلُونَ في الجَمْعِ الَّذِينَ اصْطَفاهم وارْتَضاهُمْ، و"ألا" كَلِمَةُ تَنْبِيهٍ وتَوْكِيدٍ لِلْقِصَّةِ.

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.6 / 29.5
الإضاءة 31%
البدر بعد 9 يوم
الله أكبر