الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > تفسير سورة النبأ
تفسيرُ سورةِ النبأ كاملةً من زاد المسير (ابن الجوزي) (جمال الدين ابن الجوزي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 19 دقيقة قراءةسُورَةُ النَّبَإ وَيُقالُ لَها: سُورَةُ التَّساؤُلِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَمَّ يَتَساءَلُونَ ﴾ أصْلُهُ " عَنْ ما " فَأُدْغِمَتِ النُّونُ في المِيمِ، وحُذِفَتْ ألِفُ " ما " كَقَوْلِهِمْ: فِيمَ، وبِمَ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ جَعَلَ المُشْرِكُونَ يَتَساءَلُونَ بَيْنَهُمْ، فَيَقُولُونَ: ما الَّذِي أتى بِهِ؟
ويَتَجادَلُونَ، ويَخْتَصِمُونَ فِيما بُعِثَ بِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
واللَّفْظُ لَفْظُ اسْتِفْهامٍ، والمَعْنى: تَفْخِيمُ القِصَّةِ، كَما يَقُولُونَ: أيُّ شَيْءٍ زَيْدٌ؟
إذا أرَدْتَ تَعْظِيمَ شَأْنِهِ.
ثُمَّ بَيَّنَ ما الَّذِي يَتَساءَلُونَ عَنْهُ، فَقالَ تَعالى: ﴿ عَنِ النَّبَإ العَظِيمِ ﴾ يَعْنِي: عَنِ الخَبَرِ العَظِيمِ الشَّأْنِ.
وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: القُرْآنُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ، والفَرّاءُ.
قالَ الفَرّاءُ: فَلَمّا أجابَ صارَتْ " عَمَّ " كَأنَّها في مَعْنى: لِأيِّ شَيْءٍ يَتَساءَلُونَ عَنِ القُرْآنِ.
والثّانِي: البَعْثُ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: أنَّهُ أمْرُ النَّبِيِّ ، حَكاهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِي هم فِيهِ مُخْتَلِفُونَ ﴾ مَن قالَ: إنَّهُ القُرْآنُ، فَإنَّ المُشْرِكِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: هو سِحْرٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو شِعْرٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: أساطِيرُ الأوَّلِينَ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ.
وكَذَلِكَ مَن قالَ: هو أمْرُ النَّبِيِّ ، فَأمّا مَن قالَ: إنَّهُ البَعْثُ والقِيامَةُ، فَفي اخْتِلافِهِمْ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَمّا سَمِعُوا بِهِ، فَمِنهم مَن صَدَّقَ وآمَنَ، ومِنهم مَن كَذَّبَ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ قَتادَةَ.
والثّانِي: أنَّ المُسْلِمِينَ والمُشْرِكِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَصَدَّقَ بِهِ المُسْلِمُونَ، وكَذَّبَ بِهِ المُشْرِكُونَ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَلا ﴾ قالَ بَعْضُهُمْ: هي رَدْعٌ وزَجْرٌ.
وقالَ بَعْضُهُمْ: هي نَفْيٌ لِاخْتِلافِهِمْ، والمَعْنى: لَيْسَ الأمْرُ عَلى ما قالُوا ﴿ سَيَعْلَمُونَ ﴾ عاقِبَةَ تَكْذِيبِهِمْ حِينَ يَنْكَشِفُ الأمْرُ ﴿ ثُمَّ كَلا سَيَعْلَمُونَ ﴾ وعِيدٌ عَلى إثْرِ وعِيدٍ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ " سَتَعْلَمُونَ " في الحَرْفَيْنِ بِالتّاءِ.
ثُمَّ ذَكَرَ صُنْعَهُ لِيَعْرِفُوا تَوْحِيدَهُ، فَقالَ تَعالى: ﴿ ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهادًا ﴾ أيْ: فِراشًا وبِساطًا ﴿ والجِبالَ أوْتادًا ﴾ لِلْأرْضِ لِئَلّا تَمِيدَ ﴿ وَخَلَقْناكم أزْواجًا ﴾ أيْ: أصْنافًا، وأضْدادًا، ذُكُورًا، وإناثًا، سُودًا، وبِيضًا، وحُمْرًا.
﴿ وَجَعَلْنا نَوْمَكم سُباتًا ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: راحَةٌ لِأبْدانِكم.
وقَدْ شَرَحْنا هَذا في [الفُرْقانِ: ٤٧] وشَرَحْنا هُناكَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْنا اللَّيْلَ لِباسًا ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْنا النَّهارَ مَعاشًا ﴾ أيْ: سَبَبًا لِمَعاشِكم.
والمَعاشُ: العَيْشُ، وكُلُّ شَيْءٍ يُعاشُ بِهِ، فَهو مَعاشٌ.
والمَعْنى: جَعَلْنا النَّهارَ مَطْلَبًا لِلْمَعاشِ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعاشًا، أيْ: عَيْشًا، وهو مَصْدَرٌ ﴿ وَبَنَيْنا فَوْقَكم سَبْعًا شِدادًا ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: هي السَّمَواتُ، غِلْظُ كُلِّ سَماءٍ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، وبَيْنَ كُلِّ سَماءَيْنِ مِثْلُ ذَلِكَ، وهي فَوْقَكم يا بَنِي آدَمَ.
فاحْذَرُوا أنْ تَعْصُوا فَتَخِرَّ عَلَيْكم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْنا سِراجًا ﴾ يَعْنِي: الشَّمْسَ ﴿ وَهّاجًا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو المُضِيءُ.
وقالَ اللُّغَوِيُّونَ: الوَهّاجُ: الوَقّادُ.
وقِيلَ: الوَهّاجُ يَجْمَعُ النُّورَ والحَرارَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْزَلْنا مِنَ المُعْصِراتِ ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها السَّمَواتُ، قالَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْرٍ.
والثّانِي: أنَّها الرِّياحُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلٌ.
وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: هي الجَنُوبَ.
فَعَلى هَذا القَوْلِ تَكُونُ " مِن " بِمَعْنى " الباءِ " فَتَقْدِيرُهُ: بِالمُعْصِراتِ.
وإنَّما قِيلَ لِلرِّياحِ: مُعْصِراتٌ، لِأنَّها تَسْتَدِرُّ المَطَرَ.
والثّالِثُ: أنَّها السَّحابُ، رَواهُ الوالِبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ أبُو العالِيَةِ.
والضَّحّاكُ، والرَّبِيعُ.
قالَ الفَرّاءُ: السَّحابَةُ المُعْصِرُ: الَّتِي تَتَحَلَّبُ بِالمَطَرِ ولَمّا يَجْتَمِعْ، مِثْلُ الجارِيَةِ المُعْصِرِ، قَدْ كادَتْ تَحِيضُ، ولَمّا تَحِضْ.
وكَذَلِكَ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: شُبِّهَتِ السَّحابُ بِمَعاصِيرِ الجَوارِي، والمُعْصِرُ: الجارِيَةُ الَّتِي قَدْ دَنَتْ مِنَ الحَيْضِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّما قِيلَ لِلسَّحابِ: مُعْصِراتٌ، كَما قِيلَ: أجَزَّ الزَّرْعُ، فَهو مُجَزٌّ، أيْ: صارَ إلى أنْ يُجَزَّ، فَكَذَلِكَ السَّحابُ إذا صارَ إلى أنْ يُمْطِرَ، فَقَدْ أعْصَرَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ماءً ثَجّاجًا ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: أيْ: مَطَرًا كَثِيرًا مُنْصَبًّا يَتْبَعُ بَعْضُهُ بَعْضًا.
وقالَ غَيْرُهُ: يُقالُ: ثَجَّ الماءُ يَثُجُّ: إذا انْصَبَّ ﴿ لِنُخْرِجَ بِهِ ﴾ أيْ: بِذَلِكَ الماءِ ﴿ حَبًّا ونَباتًا ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ الحَبَّ: ما يَأْكُلُهُ النّاسُ، والنَّباتَ: ما تُنْبِتُهُ الأرْضُ مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ والأنْعامُ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ ما حُصِدَ حَبٌّ، وكُلُّ ما أكَلَتْهُ الماشِيَةُ مِنَ الكَلَإ، فَهو نَباتٌ.
والثّانِي: أنَّ الحَبَّ: اللُّؤْلُؤُ، والنَّباتُ: العُشْبُ.
قالَ عِكْرِمَةُ: ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ قَطْرًا، إلّا أنْبَتَ بِهِ في البَحْرِ لُؤْلُؤًا، وفي الأرْضِ عُشْبًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَنّاتٍ ﴾ يَعْنِي: بَساتِينَ ﴿ ألْفافًا ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أيْ: مُلْتَفَّةٌ مِنَ الشَّجَرِ لَيْسَ بَيْنَها خِلالٌ، الواحِدَةُ: لَفّاءٌ، وجَنّاتٌ لُفٌّ، وجَمْعُ الجَمْعِ: ألْفافٌ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: فَدَلَّ بِذِكْرِ المَخْلُوقاتِ عَلى البَعْثِ.
ثُمَّ أخْبَرَ عَنْ يَوْمِ القِيامَةِ فَقالَ تَعالى: ﴿ إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ ﴾ أيْ: يَوْمَ القَضاءِ بَيْنَ الخَلائِقِ ﴿ كانَ مِيقاتًا ﴾ لِما وعَدَ اللَّهُ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ.
﴿ يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ فَتَأْتُونَ ﴾ مِن قُبُورِكم ﴿ أفْواجًا ﴾ أيْ: زُمَرًا زُمَرًا مِن كُلِّ مَكانٍ ﴿ وَفُتِحَتِ السَّماءُ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ " وفُتِّحَتْ " بِالتَّشْدِيدِ.
وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِالتَّخْفِيفِ، وإنَّما تُفْتَحُ لِنُزُولِ المَلائِكَةِ ﴿ فَكانَتْ أبْوابًا ﴾ أيْ: ذاتُ أبْوابٍ ﴿ وَسُيِّرَتِ الجِبالُ ﴾ عَنْ أماكِنِها ﴿ فَكانَتْ سَرابًا ﴾ أيْ: كالسَّرابِ، لِأنَّها تَصِيرُ هَباءً مُنْبَثًّا فَيَراها النّاظِرُ كالسَّرابِ بَعْدَ شِدَّتِها وصَلابَتِها ﴿ إنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصادًا ﴾ قالَ المُبَرِّدُ: مِرْصادًا يَرْصُدُونَ بِهِ، أيْ: هو مُعَدٌّ لَهم يَرْصُدُ بِها خَزَنَتُها الكُفّارَ.
وقالَ الأزْهَرِيُّ: المِرْصادُ: المَكانُ الَّذِي يَرْصُدُ فِيهِ الرّاصِدُ العَدُوَّ.
ثُمَّ بَيَّنَ لِمَن هي مِرْصادٌ فَقالَ تَعالى: ﴿ لِلطّاغِينَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِلْمُشْرِكِينَ ﴿ مَآبًا ﴾ أيْ: مَرْجِعًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لابِثِينَ ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ " لَبِثِينَ " والمَعْنى: فِيهِما واحِدٌ.
يُقالُ: هو لابِثٌ بِالمَكانِ، ولَبِثٌ.
ومِثْلُهُ طامِعٌ، وطَمِعٌ، وفارِهٌ، وفَرِهٌ.
وأمّا الأحْقابُ فَجَمْعَ حِقْبٍ، وقَدْ ذَكَرْنا الِاخْتِلافَ فِيهِ في [الكَهْفِ: ٦٠] .
فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى ذِكْرِ الأحْقابِ، وخُلُودُهم في النّارِ لا نَفادَ لَهُ؟
فَعَنْهُ جَوابانِ.
أحَدُهُما: أنَّ هَذا لا يَدُلُّ عَلى غايَةٍ، لِأنَّهُ كُلَّما مَضى حِقْبٌ تَبِعَهُ حِقْبٌ.
ولَوْ أنَّهُ قالَ " لابِثِينَ فِيها عَشْرَةَ أحْقابٍ أوْ خَمْسَةً " دَلَّ عَلى غايَةٍ، هَذا قَوْلُ ابْنِ قُتَيْبَةَ، والجُمْهُورِ.
وبَيانُهُ أنَّ زَمانَ أهْلِ الجَنَّةِ والنّارِ يُتَصَوَّرُ دُخُولُهُ تَحْتَ العَدَدِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَها نِهايَةٌ.
والثّانِي: أنَّ المَعْنى: أنَّهم يَلْبَثُونَ فِيها أحْقابًا ﴿ لا يَذُوقُونَ ﴾ في الأحْقابِ ﴿ بَرْدًا ولا شَرابًا ﴾ فَأمّا خُلُودُهم في النّارِ فَدائِمٌ.
هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.
وبَيانُهُ أنَّ الأحْقابَ حَدٌّ لِعَذابِهِمْ بِالحَمِيمِ والغَسّاقِ، فَإذا انْقَضَتِ الأحْقابُ عُذِّبُوا بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ العَذابِ.
وفي المُرادِ " بِالبَرْدِ " ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ بَرْدُ الشَّرابِ.
رَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدَ الشَّرابِ، ولا الشَّرابَ.
والثّانِي: أنَّهُ الرُّوحُ والرّاحَةُ، قالَهُ الحَسَنُ، وعَطاءٌ.
والثّالِثُ: أنَّهُ النَّوْمُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ، وأبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، وأنْشَدُوا: فَإنْ شِئْتُ حَرَّمْتُ النِّساءَ سِواكُمُ وإنْ شِئْتُ لَمْ أطْعَمْ نُقاخًا ولا بَرْدًا قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: النُّقاخُ: الماءُ، والبَرْدُ: النَّوْمُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ تَبْرُدُ فِيهِ الحَرارَةُ.
وَقالَ مُقاتِلٌ: لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا يَنْفَعُهم مِن حَرِّها، ولا شَرابًا يَنْفَعُهم مِن عَطَشٍ ﴿ إلا حَمِيمًا وغَسّاقًا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ " غَساقًا " بِالتَّخْفِيفِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والمُفَضَّلُ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِالتَّشْدِيدِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الحَمِيمِ، والغَسّاقِ [ص: ٥٧] ﴿ جَزاءً وِفاقًا ﴾ قالَ الفَرّاءُ: وِفْقًا لِأعْمالِهِمْ.
وقالَ غَيْرُهُ: جُوزُوا جَزاءً وِفاقًا لِأعْمالِهِمْ عَلى مِقْدارِها فَلا ذَنْبَ أعْظَمُ مِنَ الشِّرْكِ، ولا عَذابَ أعْظَمُ مِنَ النّارِ.
﴿ إنَّهم كانُوا لا يَرْجُونَ حِسابًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: لا يَخافُونَ أنْ يُحاسَبُوا، لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ، قالَهُ الجُمْهُورُ.
والثّانِي: لا يَرْجُونَ ثَوابَ حِسابٍ، لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذّابًا ﴾ قالَ الفَرّاءُ: الكِذّابُ بِالتَّشْدِيدِ لُغَةٌ يَمانِيَّةٌ فَصِيحَةٌ، يَقُولُونَ: كَذَّبْتُ بِهِ كِذّابًا، وخَرَقْتُ القَمِيصَ خِرّاقًا، وكُّلُّ " فَعَلْتُ " فَمَصْدَرُهُ في لُغَتِهِمْ مُشَدَّدٌ.
قالَ لِي أعْرابِيٌّ مِنهم عَلى المَرْوَةِ يَسْتَفْتِينِي: الحَلْقُ أحَبُّ إلَيْكَ، أمِ القِصّارُ؟
وأنْشَدَنِي بَعْضُ بَنِي كِلابٍ: لَقَدْ طالَ ما ثَبَّطَتْنِي عَنْ صَحابَتِي ∗∗∗ وعَنْ حِوَجٍ قِضّاؤُها مِن شِفائِيا وَأمّا أهْلُ نَجْدٍ، فَيَقُولُونَ: كَذَّبْتُ بِهِ تَكْذِيبًا.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الكِذّابُ أشَدُّ مِنَ الكِذابِ، وهُما مَصْدَرُ المُكاذَبَةِ.
قالَ الأعْشى: فَصَدَقْتُها وكَذَبْتُها ∗∗∗ والمَرْءُ يَنْفَعُهُ كِذابُهْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْناهُ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: " كُلَّ " مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَفْسِيرُهُ: أحْصَيْناهُ، والمَعْنى: أحْصَيْنا كُلَّ شَيْءٍ، و ﴿ كِتابًا ﴾ تَوْكِيدٌ ِلـِ " أحْصَيْناهُ "، لِأنَّ مَعْنى " أحْصَيْناهُ " و " كَتَبْناهُ " فِيما يَحْصُلُ ويَثْبُتُ واحِدٌ.
فالمَعْنى: كَتَبْناهُ كِتابًا.
قالَ المُفَسِّرُونَ: وكُلُّ شَيْءٍ مِنَ الأعْمالِ أثْبَتْناهُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ ﴿ فَذُوقُوا ﴾ أيْ: فَيُقالُ لَهُمْ: ذُوقُوا جَزاءَ فِعالِكم ﴿ فَلَنْ نَزِيدَكم إلا عَذابًا ﴾ ﴿ إنَّ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ الَّذِينَ لَمْ يُشْرِكُوا ﴿ مَفازًا ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: مُتَنَزَّهًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ.
والثّانِي: فازُوا بِأنْ نَجَوْا مِنَ النّارِ بِالجَنَّةِ، ومِنَ العَذابِ بِالرَّحْمَةِ، قالَهُ قَتادَةُ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " مَفازًا " في مَوْضِعِ " فَوْزٍ " ﴿ حَدائِقَ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الحَدائِقُ: بَساتِينُ نَخْلٍ، واحِدُها: حَدِيقَةٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَواعِبَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الكَواعِبُ: النَّواهِدُ.
قالَ ابْنُ فارِسٍ: يُقالُ: كَعَبَتِ المَرْأةُ كَعابَةً، فَهي كاعِبٌ: إذا نَتَأ ثَدْيُها.
وقَدْ ذَكَرْنا مَعْنى " الأتْرابِ " في [ص: ٥٢] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَأْسًا دِهاقًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها المَلْأى، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ.
والثّانِي: أنَّها المُتَتابِعَةُ.
رَواهُ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ.
وعَنْ مُجاهِدٍ كالقَوْلَيْنِ.
والثّالِثُ: أنَّها الصّافِيَةُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَسْمَعُونَ فِيها ﴾ أيْ: في الجَنَّةِ إذا شَرِبُوها ﴿ لَغْوًا ﴾ وقَدْ ذَكَرْناهُ في [الطَّوْرِ: ٢٣] وغَيْرِها ﴿ وَلا كِذّابًا ﴾ أيْ: لا يُكَذِّبُ بَعْضُهم بَعْضًا، لِأنَّ أهْلَ الدُّنْيا إذا شَرِبُوا الخَمْرَ تَكَلَّمُوا بِالباطِلِ، وأهْلُ الجَنَّةِ مُنَزَّهُونَ عَنْ ذَلِكَ.
قالَ الفَرّاءُ: وقِراءَةُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " كِذابًا " بِالتَّخْفِيفِ، كَأنَّهُ -واللَّهُ أعْلَمُ- لا يَتَكاذَبُونَ فِيها.
وكانَ الكِسائِيُّ يُخَفِّفُ هَذِهِ ويُشَدِّدُ، " وكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذّابًا " لِأنَّ " كَذَّبُوا " يُقَيِّدُ " الكِذّابَ " بِالمَصْدَرِ، وهَذِهِ لَيْسَتْ مُقَيَّدَةً بِفِعْلٍ يُصَيِّرُها مَصْدَرًا.
وقَدْ ذَكَرْنا عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّ الكِذّابَ بِالتَّشْدِيدِ والتَّخْفِيفِ مَصْدَرُ المُكاذَبَةِ.
وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: " الكِذابُ " بِالتَّخْفِيفِ مَصْدَرُ " كَذَبَ "، مِثْلُ " الكِتابِ " مَصْدَرُ " كَتَبَ " .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ جَزاءً ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: جازاهم بِذَلِكَ جَزاءً، وكَذَلِكَ " عَطاءً "، لِأنَّ مَعْنًى أعْطاهم وجازاهم واحِدٌ.
و ﴿ حِسابًا ﴾ مَعْناهُ: ما يَكْفِيهِمْ، أيْ: فِيهِ كُلُّ ما يَشْتَهُونَ.
يُقالُ: أحْسَبَنِي كَذا بِمَعْنى كَفانِي.
﴿ رَبِّ السَّماواتِ ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والمُفَضَّلُ: " رَبُّ السَّمَواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما الرَّحْمَنُ " بِرَفْعِ الباءِ مِن " رَبِّ " والنُّونِ مِنَ " الرَّحْمَنِ " عَلى مَعْنى: هو رَبُّ السَّمَواتِ.
وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ بِخَفْضِ الباءِ والنُّونِ عَلى الصِّفَةِ مِن " رَبِّكَ " .
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِكَسْرِ الباءِ ورَفْعِ النُّونِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ الفَرّاءُ، ووافَقَهُ عَلى هَذا جَماعَةٌ، وعَلَّلُوا بِأنَّ الرَّبَّ قَرِيبٌ مِنَ المَخْفُوضِ، والرَّحْمَنَ بَعِيدٌ مِنهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَمْلِكُونَ مِنهُ خِطابًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إلّا بِإذْنِهِ قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والثّانِي: لا يَقْدِرُ الخَلْقُ أنْ يُكَلِّمُوا الرَّبَّ إلّا بِإذْنِهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ جُنْدٌ مِن جُنْدِ اللَّهِ تَعالى، ولَيْسُوا بِمَلائِكَةٍ، رَواهُ ابْنُ عَبّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ .
وقالَ مُجاهِدٌ: هم خَلْقٌ عَلى صُورَةِ بَنِي آدَمَ يَأْكُلُونَ ويَشْرَبُونَ.
والثّانِي: أنَّهُ مَلَكٌ أعْظَمُ مِنَ السَّمَواتِ والجِبالِ، والمَلائِكَةِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، ومُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ.
ورَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الرُّوحُ: مَلَكٌ ما خَلَقَ اللَّهُ أعْظَمَ مِنهُ، فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ قامَ هو وحْدَهُ صَفًّا، وقامَتِ المَلائِكَةُ كُلُّهم صَفًّا واحِدًا، فَيَكُونُ عِظَمُ خَلْقِهِ مِثْلَ صُفُوفِهِمْ.
والثّالِثُ: أنَّها أرْواحُ النّاسِ تَقُومُ مَعَ المَلائِكَةِ فِيما بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ قَبْلَ أنْ تُرَدَّ إلى الأجْسامِ، رَواهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والرّابِعُ: أنَّهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَهُ الشَّعْبِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكُ.
والخامِسُ: أنَّهم بَنُو آدَمَ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.
والسّادِسُ: أنَّهُ القُرْآنُ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
والسّابِعُ: أنَّهم أشْرَفُ المَلائِكَةِ، قالَهُ َمُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والمَلائِكَةُ صَفًّا ﴾ قالَ الشَّعْبِيُّ: هُما سِماطانِ، سِماطٌ مِنَ الرُّوحِ، وسِماطٌ مِنَ المَلائِكَةِ.
فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ صَفًّا، والمَلائِكَةُ صَفًّا.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ صَفًّا ﴾ صُفُوفًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَتَكَلَّمُونَ ﴾ يَعْنِي: الخَلْقَ كُلَّهم ﴿ إلا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ ﴾ في الكَلامِ ﴿ وَقالَ صَوابًا ﴾ أيْ: قالَ في الدُّنْيا صَوابًا، وهو الشَّهادَةُ بِالتَّوْحِيدِ عِنْدَ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ.
وقالَ مُجاهِدٌ: قالَ حَقًّا في الدُّنْيا، وعَمِلَ بِهِ ﴿ ذَلِكَ اليَوْمُ الحَقُّ ﴾ الكائِنُ الواقِعُ بِلا شَكٍّ ﴿ فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ مَآبًا ﴾ أيْ: مَرْجِعًا إلَيْهِ بِطاعَتِهِ.
ثُمَّ خَوَّفَ كُفّارَ مَكَّةَ، فَقالَ تَعالى: ﴿ إنّا أنْذَرْناكم عَذابًا قَرِيبًا ﴾ وهو عَذابُ الآخِرَةِ، وكُلُّ آتٍ قَرِيبٌ ﴿ يَوْمَ يَنْظُرُ المَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ ﴾ أيْ: يَرى عَمَلَهُ مُثْبَتًا في صَحِيفَتِهِ خَيْرًا كانَ أوْ شَرًّا ﴿ وَيَقُولُ الكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا ﴾ يا لَيْتَنِي لَمْ أُبْعَثْ.
وحَكى الثَّعْلَبِيُّ عَنْ بَعْضِ أشْياخِهِ أنَّهُ رَأى في بَعْضِ التَّفاسِيرِ أنَّ الكافِرَ هاهُنا: إبْلِيسُ، وذَلِكَ أنَّهُ عابَ آدَمَ، لِأنَّهُ خُلِقَ مِنَ التُّرابِ، فَتَمَنّى يَوْمَ القِيامَةِ أنَّهُ كانَ بِمَكانِ آدَمَ، فَقالَ: يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا.