الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > تفسير سورة النازعات
تفسيرُ سورةِ النازعات كاملةً من زاد المسير (ابن الجوزي) (جمال الدين ابن الجوزي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 20 دقيقة قراءةسُورَةُ النّازِعاتِ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والنّازِعاتِ ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها المَلائِكَةُ تَنْزِعُ أرْواحَ الكُفّارِ، قالَهُ عَلَيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ.
ورَوى عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: هي المَلائِكَةُ تَنْزِعُ نُفُوسَ بَنِي آدَمَ، وبِهِ قالَ مَسْرُوقٌ.
والثّانِي: أنَّهُ المَوْتُ يَنْزِعُ النُّفُوسَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: أنَّها النَّفْسُ حِينَ تَنْزِعُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والرّابِعُ: أنَّها النُّجُومُ تَنْزِعُ مِن أُفُقٍ إلى أُفُقٍ تَطْلُعُ ثُمَّ تَغِيبُ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وأبُو عُبَيْدَةَ، والأخْفَشُ، وابْنُ كَيْسانَ.
والخامِسُ: أنَّها القِسِيُّ تَنْزِعُ بِالسَّهْمِ، قالَهُ عَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ.
والسّادِسُ: أنَّها الوُحُوشُ تَنْزِعُ وتَنْفِرُ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
والسّابِعُ: أنَّها الرُّماةُ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ غَرْقًا ﴾ اسْمٌ أُقِيمَ مَقامَ الإغْراقِ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والمَعْنى: والنّازِعاتِ إغْراقًا، كَما يَغْرَقُ النّازِعُ في القَوْسِ، يَعْنِي: أنَّهُ يَبْلُغُ بِهِ غايَةَ المَدِّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والنّاشِطاتِ نَشْطًا ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها المَلائِكَةُ.
ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها حِينَ تَنْشَطُ أرْواحُ الكُفّارِ حَتّى تُخْرِجَها بِالكَرْبِ والغَمِّ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
قالَ مُقاتِلٌ: يَنْزِعُ مَلَكُ المَوْتِ رُوحَ الكافِرِ، فَإذا بَلَغَتْ تُرْقُوَتَهُ غَرَّقَّها في حَلْقِهِ، فَيَعُذِّبُهُ في حَياتِهِ، ثُمَّ يَنْشِطُها مِن حَلْقِهِ أيْ: يَجْذِبُها- كَما يَنْشَطُ السَّفُّودُ مِنَ الصُّوفِ المُبْتَلِّ.
والثّانِي: أنَّها تَنْشَطُ أرْواحُ المُؤْمِنِينَ بِسُرْعَةٍ، كَما يَنْشَطُ العِقالُ مِن يَدِ البَعِيرِ إذا حَلَّ عَنْها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
وقالَ الفَرّاءُ: الَّذِي سَمِعْتُهُ مِنَ العَرَبِ: كَما أُنْشِطَ مِن عِقالٍ بِألْفٍ.
تَقُولُ: إذا رَبَطْتَ الحَبْلَ في يَدِ البَعِيرِ: نَشَطْتُهُ، فَإذا حَلَلْتَهُ قُلْتَ: أنْشَطْتُهُ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها أنْفُسُ المُؤْمِنِينَ تَنْشَطُ عِنْدَ المَوْتِ لِلْخُرُوجِ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.
وبَيانُهُ أنَّ المُؤْمِنَ يَرى مَنزِلَهُ مِنَ الجَنَّةِ قَبْلَ المَوْتِ فَتَنْشَطُ نَفْسُهُ لِذَلِكَ.
والثّالِثُ: أنَّ النّاشِطاتِ: المَوْتُ يُنْشِطُ نَفْسَ الإنْسانِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والرّابِعُ: النُّجُومُ تَنْشَطُ مِن أُفُقٍ إلى أُفُقٍ، أيْ: تَذْهَبُ، قالَهُ قَتادَةُ، وأبُو عُبَيْدَةَ، والأخْفَشُ.
ويُقالُ لِبَقْرِ الوَحْشِ: نَواشِطُ، لِأنَّها تَذْهَبُ مِن مَوْضِعٍ إلى مَوْضِعٍ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: والهُمُومُ تَنْشَطُ بِصاحِبِها.
قالَ هِمْيانُ بْنُ قُحافَةَ: أمْسَتْ هُمُومِي تَنْشَطُ المَناشِطا الشّامَ بِي طَوْرًا وطَوْرًا واسِطا والخامِسُ: أنَّها النَّفْسُ حِينَ تَنْشَطُ بِالمَوْتِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والسّابِحاتِ سَبْحًا ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها المَلائِكَةُ تَسْبَحُ بِأرْواحِ المُؤْمِنِينَ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
قالَ ابْنُ السّائِبِ: يَقْبِضُونَ أرْواحَ المُؤْمِنِينَ كالَّذِي يَسْبَحُ في الماءِ.
فَأحْيانًا يَنْغَمِسُ، وأحْيانًا يَرْتَفِعُ، يَسُلُّونَها سَلًّا رَفِيقًا، ثُمَّ يَدَعُونَها حَتّى تَسْتَرِيحَ.
والثّانِي: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ يَنْزِلُونَ مِنَ السَّماءِ مُسْرِعِينَ، كَما يُقالُ لِلْفَرَسِ الجَوادِ: سابِحٌ: إذا أسْرَعَ في جَرْيِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وأبُو صالِحٍ، والفَرّاءُ.
والثّالِثُ: أنَّهُ المَوْتُ يَسْبَحُ في نُفُوسِ بَنِي آدَمَ، رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا.
والرّابِعُ: أنَّها السُّفُنُ تَسْبَحُ في الماءِ، قالَهُ عَطاءٌ.
والخامِسُ: أنَّها النُّجُومُ، والشَّمْسُ، والقَمَرُ، كُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ، قالَهُ قَتادَةُ، وأبُو عُبَيْدَةَ.
والسّادِسُ: أنَّها الخَيْلُ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فالسّابِقاتِ سَبْقًا ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها المَلائِكَةُ.
ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحُدُّها: أنَّها تَسْبِقُ الشَّياطِينَ بِالوَحْيِ إلى الأنْبِياءِ، قالَهُ عَلِيٌّ، ومَسْرُوقٌ.
والثّانِي: أنَّها تَسْبِقُ بِأرْواحِ المُؤْمِنِينَ إلى الجَنَّةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وأبُو رَوْقٍ.
والثّالِثُ: أنَّها سَبَقَتْ بَنِي آدَمَ إلى الإيمانِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها أنْفُسُ المُؤْمِنِينَ تَسْبِقُ المَلائِكَةَ شَوْقًا إلى لِقاءِ اللَّهِ، فَيَقْبِضُونَها وقَدْ عايَنَتِ السُّرُورَ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ المَوْتُ يَسْبِقُ إلى النُّفُوسِ، رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا.
والرّابِعُ: أنَّها الخَيْلُ، قالَهُ عَطاءٌ.
والخامِسُ: أنَّها النُّجُومُ يَسْبِقُ بَعْضُها بَعْضًا في السَّيْرِ، قالَهُ قَتادَةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فالمُدَبِّراتِ أمْرًا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي المَلائِكَةُ.
قالَ عَطاءٌ: وُكِّلَتْ بِأُمُورٍ عَرَّفَهُمُ اللَّهُ العَمَلَ بِها.
وقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سابِطٍ: يُدَبِّرُ أمْرَ الدُّنْيا أرْبَعَةُ أمْلاكٍ: جِبْرِيلُ، وهو مُوَكَّلٌ بِالرِّياحِ والجُنُودِ.
ومِيكائِيلُ، وهو مُوَكَّلٌ بِالقَطْرِ والنَباتِ.
ومَلَكُ المَوْتِ، وهو مُوَكَّلٌ بِقَبْضِ الأنْفُسِ.
وإسْرافِيلُ، وهو يَنْزِلُ بِالأمْرِ عَلَيْهِمْ.
وقِيلَ: بَلْ جِبْرِيلُ لِلْوَحْيِ، وإسْرافِيلُ لِلصُّورِ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: فالمُدَبِّراتُ أمْرًا: تَنْزِلُ بِالحَلالِ والحَرامِ.
فَإنْ قِيلَ: أيْنَ جَوابُ هَذِهِ الأقْسامِ، فَعَنْهُ جَوابانِ.
أحَدُهُما: أنَّ الجَوابَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَن يَخْشى ﴾ ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّانِي: أنَّ الجَوابَ مُضْمَرٌ، تَقْدِيرُهُ: لَتُبْعَثُنَّ، ولَتُحاسَبُنَّ، ويَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أإذا كُنّا عِظامًا نَخِرَةً ﴾ قالَهُ الفَرّاءُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ تَرْجُفُ الرّاجِفَةُ ﴾ ، وهي النَّفْخَةُ الأوْلى الَّتِي يَمُوتُ مِنها جَمِيعُ الخَلائِقِ.
و " الرّاجِفَةُ " صَيْحَةٌ عَظِيمَةٌ فِيها تَرَدُّدٌ واضْطِرابٌ كالرَّعْدِ إذا تَمَحَّضَ.
و " تَرْجُفُ " بِمَعْنى: تَتَحَرَّكُ حَرَكَةً شَدِيدَةً ﴿ تَتْبَعُها الرّادِفَةُ ﴾ وهِيَ: النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ رَدِفَتِ الأُولى، أيْ: جاءَتْ بَعْدَها.
وكُلُّ شَيْءٍ جاءَ بَعْدَ شَيْءٍ فَهو يُرْدِفُهُ ﴿ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ ﴾ أيْ: شَدِيدَةُ الِاضْطِرابِ لِما عايَنَتْ مِن أهْوالِ القِيامَةِ ﴿ أبْصارُها خاشِعَةٌ ﴾ أيْ: ذَلِيلَةٌ لِمُعايَنَةِ النّارِ.
قالَ عَطاءٌ: وهَذِهِ أبْصارُ مَن لَمْ يَمُتْ عَلى الإسْلامِ.
ويَدُلُّ عَلى هَذا أنَّهُ ذَكَرَ مُنْكِرِي البَعْثِ، فَقالَ تَعالى: ﴿ يَقُولُونَ أإنّا لَمَرْدُودُونَ في الحافِرَةِ ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأهْلُ الكُوفَةِ " أئِنّا " بِهَمْزَتَيْنِ مُخَفَّفَتَيْنِ عَلى الِاسْتِفْهامِ، وقَرَأ الباقُونَ بِتَخْفِيفِ الأوْلى وتَلْيِينِ الثّانِيَةِ، وفَصَلَ بَيْنِهِما بِألِفٍ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو.
وَفِي مَعْنى الكَلامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ الحافِرَةَ: الحَياةُ بَعْدَ المَوْتِ.
فالمَعْنى: أنَرْجِعُ أحْياءً بَعْدَ مَوْتِنا؟!
وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَطِيَّةَ، والسُّدِّيِّ.
قالَ الفَرّاءُ: يَعْنُونَ: أنُرَدُّ إلى أمْرِنا الأوَّلِ إلى الحَياةِ؟!
والعَرَبُ تَقُولُ: أتَيْتُ فُلانًا، ثُمَّ رَجَعْتُ عَلى حافِرَتِي، أيْ: رَجَعْتُ مِن حَيْثُ جِئْتُ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ: رَجَعَ فُلانٌ في حافِرَتِهِ، وعَلى حافِرَتِهِ: إذا رَجَعَ مِن حَيْثُ جاءَ، وهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.
والثّانِي: أنَّها الأرْضُ الَّتِي تُحْفَرُ فِيها قُبُورُهُمْ، فَسُمِّيَتْ حافِرَةً، والمَعْنى: مَحْفُورَةً، كَما يُقالُ: ﴿ ماءٍ دافِقٍ ﴾ و ﴿ عِيشَةٍ راضِيَةٍ ﴾ وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، والخَلِيلِ.
فَيَكُونُ المَعْنى: أئِنّا لَمَرْدُودُونَ إلى الأرْضِ خَلْقًا جَدِيدًا؟!
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ﴿ فِي الحافِرَةِ ﴾ أيْ: إلى أوَّلِ أمْرِنا.
ومَن فَسَّرَها بِالأرْضِ، فَإلى هَذا يَذْهَبُ، لِأنّا مِنها بُدِئْنا.
قالَ الشّاعِرُ: أحافِرَةٌ عَلى صَلَعٍ وشَيْبٍ ∗∗∗ مَعاذَ اللَّهِ مِن سَفَهٍ وعارِ [كَأنَّهُ قالَ: أأرْجِعُ إلى ما كُنْتُ عَلَيْهِ في شَبابِي مِنَ الغَزَلِ والصِّبا " بَعْدَ ما شِبْتُ وصَلَعْتُ؟!
" .
والثّالِثُ: أنَّ الحافِرَةَ: النّارُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أإذا كُنّا عِظامًا نَخِرَةً ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ " ناخِرَةً " .
قالَ الفَرّاءُ: وهُما بِمَعْنًى واحِدٍ في اللُّغَةِ.
مِثْلُ طَمِعٍ، وطامِعٍ.
وحَذِرٍ، وحاذِرٍ.
وقالَ الأخْفَشُ: هُما لُغَتانِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: نَخِرَ العَظْمُ يَنْخَرُ، فَهو نَخِرٌ.
مِثْلُ عَفِنَ الشَّيْءُ يَعْفَنُ، فَهو عَفِنٌ.
وناخِرَةٌ عَلى مَعْنى: عِظامًا فارِغَةً، يَجِيءُ فِيها مِن هُبُوبِ الرِّيحِ كالنَّخِيرِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: والمُرادُ أنَّهم أنْكَرُوا البَعْثَ، وقالُوا: نُرَدُّ أحْياءً إذا مِتْنا وبَلِيَتْ عِظامُنا؟!
﴿ تِلْكَ إذًا كَرَّةٌ خاسِرَةٌ ﴾ أيْ: إنْ رُدِدْنا بَعْدَ المَوْتِ لَنَخْسَرَنَّ بِما يُصِيبُنا مِمّا يَعِدُنا بِهِ مُحَمَّدٌ، فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ بِسُهُولَةِ البَعْثِ عَلَيْهِ، فَقالَ تَعالى: ﴿ فَإنَّما هِيَ ﴾ يَعْنِي النَّفْخَةَ الأخِيرَةَ ﴿ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ ﴾ أيْ: صَيْحَةٌ في الصُّورِ يَسْمَعُونَها مِن إسْرافِيلَ وهم في الأرْضِ فَيَخْرُجُونَ ﴿ فَإذا هم بِالسّاهِرَةِ ﴾ وفِيها أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ السّاهِرَةَ: وجْهُ الأرْضِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ، واللُّغَوِيُّونَ.
قالَ الفَرّاءُ: كَأنَّها سُمِّيَتْ بِهَذا الِاسْمِ، لِأنَّ فِيها نَوْمَ الحَيَوانِ وسَهَرَهم.
والثّانِي: أنَّهُ جَبَلٌ عِنْدَ بَيْتِ المَقْدِسِ، قالَهُ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ.
والثّالِثُ: أنَّها جَهَنَّمُ، قالَهُ قَتادَةُ.
والرّابِعُ: أنَّها أرْضُ الشّامِ، قالَهُ سُفْيانُ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى ﴾ أيْ: قَدْ جاءَكَ.
وقَدْ بَيَّنّا هَذا في [طَهَ: ٩] وما بَعْدَهُ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ طُوًى ﴾ ﴿ اذْهَبْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: " طَوى اذْهَبْ " غَيْرَ مُجْراةٍ.
وقَرَأ الباقُونَ " طَوًى " مُنَوَّنَةً ﴿ فَقُلْ هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى ﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ: " تَزَكّى " بِتَشْدِيدِ الزّايِ، أيْ: تُطَهَّرُ مِنَ الشِّرْكِ ﴿ وَأهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ ﴾ أيْ: أدْعُوكَ إلى تَوْحِيدِهِ، وعِبادَتِهِ ﴿ فَتَخْشى ﴾ عَذابَهُ ﴿ فَأراهُ الآيَةَ الكُبْرى ﴾ وفِيها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها اليَدُ والعَصا، قالَهُ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ.
والثّانِي: أنَّها اليَدُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَكَذَّبَ ﴾ أيْ بِأنَّها مِنَ اللَّهِ، ﴿ وَعَصى ﴾ نَبِيَّهُ ﴿ ثُمَّ أدْبَرَ ﴾ أيْ: أعْرَضَ عَنِ الإيمانِ ﴿ يَسْعى ﴾ أيْ: يَعْمَلُ بِالفَسادِ في الأرْضِ ﴿ فَحَشَرَ ﴾ أيْ: فَجَمَعَ قَوْمَهُ وجُنُودَهُ ﴿ فَنادى ﴾ لَمّا اجْتَمَعُوا ﴿ فَقالَ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى ﴾ أيْ: لا رَبَّ فَوْقِي.
وقِيلَ: أرادَ أنَّ الأصْنامَ أرْبابٌ، وأنا رَبُّها ورَبُّكم.
وقِيلَ: أرادَ: أنا رَبُّ السّادَةِ والقادَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الآخِرَةِ والأُولى ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ الأُولى قَوْلُهُ: " ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي " [القَصَصُ: ٣٨] والآخِرَةُ قَوْلُهُ: ﴿ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى ﴾ ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، والشَّعْبِيُّ، ومُقاتِلٌ، والفَرّاءُ.
ورَواهُ ابْنُ أبِي نُجَيْحٍ عَنْ مُجاهِدٍ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وكانَ بَيْنَهُما أرْبَعُونَ سَنَةً.
قالَ السُّدِّيُّ: فَبَقِيَ بَعْدَ الآخِرَةِ ثَلاثِينَ سَنَةً.
قالَ الفَرّاءُ: فالمَعْنى: أخَذَهُ اللَّهُ أخَذًا نَكالًا لِلْآخِرَةِ والأُولى.
والثّانِي: المَعْنى: جَعَلَهُ اللَّهُ نَكالَ الدُّنْيا والآخِرَةِ، أغْرَقَهُ في الدُّنْيا، وعَذَّبَهُ في الآخِرَةِ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.
وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: عَذَّبَهُ اللَّهُ في أوَّلِ النَّهارِ بِالغَرَقِ، وفي آخِرِهِ بِالنّارِ.
والثّالِثُ: أنَّ الأُولى: تَكْذِيبُهُ وعِصْيانُهُ.
والآخِرَةَ قَوْلُهُ: ﴿ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى ﴾ ، قالَهُ أبُو رَزِينٍ.
والرّابِعُ: أنَّها أوَّلُ أعْمالِهِ وآخِرُها، رَواهُ مَنصُورٌ عَنْ مُجاهِدٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: النَّكالُ: مَنصُوبٌ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ، لِأنَّ مَعْنًى أخَذَهُ اللَّهُ: نَكَّلَ اللَّهُ بِهِ نَكالَ الآخِرَةِ والأُولى: فَأغْرَقَهُ في الدُّنْيا ويُعَذِّبُهُ في الآخِرَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ في ذَلِكَ ﴾ الَّذِي فُعِلَ بِفِرْعَوْنَ ﴿ لَعِبْرَةً ﴾ أيْ: لَعِظَةٌ ﴿ لِمَن يَخْشى ﴾ اللَّهَ.
ثُمَّ خاطَبَ مُنْكِرِي البَعْثِ، فَقالَ تَعالى: ﴿ أأنْتُمْ أشَدُّ خَلْقًا أمِ السَّماءُ بَناها ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ذَهَبَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ إلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ بَناها ﴾ مِن صِفَةِ السَّماءِ، فَيَكُونُ المَعْنى: أمِ السَّماءُ الَّتِي بَناها.
وقالَ قَوْمٌ: السَّماءُ لَيْسَ مِمّا تُوصَلُ، ولَكِنَّ المَعْنى: أأنْتُمْ أشَدُّ خَلْقًا، أمِ السَّماءُ أشَدُّ خَلْقًا.
ثُمَّ بَيَّنَ كَيْفَ خَلَقَها، فَقالَ تَعالى: ﴿ بَناها ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: أخَلْقُكم بَعْدَ المَوْتِ أشَدُّ عِنْدَكُمْ، أمِ السَّماءُ في تَقْدِيرِكُمْ؟
وهُما في قُدْرَةِ اللَّهِ واحِدٌ.
ومَعْنى: " بَناها " رَفَعَها.
وكُلُّ شَيْءٍ ارْتَفَعَ فَوْقَ شَيْءٍ فَهو بِناءٌ.
ومَعْنى: ﴿ رَفَعَ سَمْكَها ﴾ رَفْعَ ارْتِفاعَها وعُلُوَّها في الهَواءِ ﴿ فَسَوّاها ﴾ بِلا شُقُوقٍ، ولا فُطُورٍ، ولا تَفاوُتٍ، يَرْتَفِعُ فِيهِ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ ﴿ وَأغْطَشَ لَيْلَها ﴾ أيْ: أظْلَمَهُ فَجَعَلَهُ مُظْلِمًا.
قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: غَطَشَ اللَّيْلُ وأغْطَشَ، وغَبَشَ وأغْبَشَ، وغَسَقَ وأغْسَقَ، وغَشِيَ وأغْشى، كُلُّهُ بِمَعْنى أظْلَمَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأخْرَجَ ضُحاها ﴾ أيْ: أبْرَزَ نَهارَها.
والمَعْنى: أظْهَرَ نُورَها بِالشَّمْسِ.
وإنَّما أضافَ النُّورَ والظُّلْمَةَ إلى السَّماءِ لِأنَّهُما عَنْها يَصْدُرانِ ﴿ والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ أيْ: بَعْدَ خَلْقِ السَّماءِ ﴿ دَحاها ﴾ أيْ: بَسَطَها.
وبَعْضُ مَن يَقُولُ: إنَّ الأرْضَ خُلِقَتْ قَبْلَ السَّماءِ يَزْعُمُ أنَّ " بَعْدَ " هاهُنا بِمَعْنى " قَبْلَ " كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ ﴾ .
وبَعْضُهم يَقُولُ: هي بِمَعْنى " مَعَ " كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ ﴾ ، ولا يَمْتَنِعُ أنْ تَكُونَ الأرْضُ خُلِقَتْ قَبْلَ السَّماءِ، ثُمَّ دُحِيَتْ بَعْدَ كَمالِ السَّماءِ، وهَذا مَذْهَبُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ.
وقَدْ أشَرْنا إلى هَذا الخِلافِ في [البَقَرَةِ: ٢٩] .
ونُصِبَتِ الأرْضُ بِمُضْمَرٍ تَفْسِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ دَحاها ﴾ .
﴿ أخْرَجَ مِنها ماءَها ﴾ أيْ: فَجَّرَ العُيُونَ مِنها ﴿ وَمَرْعاها ﴾ وهو ما يَأْكُلُهُ النّاسُ والأنْعامُ ﴿ والجِبالَ أرْساها ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: أثْبَتَها ﴿ مَتاعًا لَكُمْ ﴾ أيْ: لِلْإمْتاعِ، لِأنَّ مَعْنى أخْرَجَ مِنها ماءَها ومَرْعاها: أمْتَعَ بِذَلِكَ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " مَتاعًا لَكم " أيْ: مَنفَعَةً [لَكُمْ] .
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا جاءَتِ الطّامَّةُ الكُبْرى ﴾ والطّامَّةُ: الحادِثَةُ الَّتِي تَطِمُّ عَلى ما سِواها، أيْ: تَعْلُو فَوْقَهُ.
وفي المُرادِ بِها هاهُنا ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ الَّتِي فِيها البَعْثُ.
والثّانِي: أنَّها حِينَ يُقالُ لِأهْلِ النّارِ؛ قُومُوا إلى النّارِ.
والثّالِثُ: أنَّها حِينَ يُساقُ أهْلُ الجَنَّةِ إلى الجَنَّةِ، وأهْلُ النّارِ إلى النّارِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ ما سَعى ﴾ أيْ: ما عَمِلَ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ ﴿ وَبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِمَن يَرى ﴾ أيْ: لِأبْصارِ النّاظِرِينَ.
قالَ مُقاتِلٌ: يُكْشَفُ عَنْها الغِطاءُ فَيَنْظُرُ إلَيْها الخَلْقُ.
وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ " لِمَن تَرى " بِالتّاءِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُعاذٌ القارِيءُ " لِمَن رَأى " بِهَمْزَةٍ بَيْنَ الرّاءِ والألِفِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأمّا مَن طَغى ﴾ في كُفْرِهِ ﴿ وَآثَرَ الحَياةَ الدُّنْيا ﴾ عَلى الآخِرَةِ ﴿ فَإنَّ الجَحِيمَ هي المَأْوى ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ هي المَأْوى لَهُ.
وهَذا جَوابُ ﴿ فَإذا جاءَتِ الطّامَّةُ ﴾ فَإنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأمّا مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ ﴾ قَدْ ذَكَرْناهُ في سُورَةِ [الرَّحْمَنِ: ٤٦] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنَهى النَّفْسَ عَنِ الهَوى ﴾ أيْ: عَمّا تَهْوى مِنَ المَحارِمِ.
قالَ مُقاتِلٌ: هو الرَّجُلُ يَهُمُّ بِالمَعْصِيَةِ، فَيَذْكُرُ مَقامَهُ لِلْحِسابِ، فَيَتْرُكُها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أيّانَ مُرْساها ﴾ قَدْ سَبَقَ في [الأعْرافِ: ١٨٧] ﴿ فِيمَ أنْتَ مِن ذِكْراها ﴾ أيْ: لَسْتَ في شَيْءٍ مِن عِلْمِها وذِكْرِها.
والمَعْنى: أنَّكَ لا تَعْلَمُها ﴿ إلى رَبِّكَ مُنْتَهاها ﴾ أيْ: مُنْتَهى عِلْمِها ﴿ إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها ﴾ وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ " مُنْذِرٌ " بِالتَّنْوِينِ.
ومَعْنى الكَلامِ: إنَّما أنْتَ مُخَوِّفٌ مَن يَخافُها.
والمَعْنى: إنَّما يَنْفَعُ إنْذارُكَ مَن يَخافُها، وهو المُؤْمِنُ بِها.
وأمّا مَن لا يَخافُها فَكَأنَّهُ لَمْ يُنْذَرْ ﴿ كَأنَّهُمْ ﴾ يَعْنِي: كُفّارَ قُرَيْشٍ ﴿ يَوْمَ يَرَوْنَها ﴾ أيْ: يُعايِنُونَ القِيامَةَ ﴿ لَمْ يَلْبَثُوا ﴾ في الدُّنْيا.
وقِيلَ: في قُبُورِهِمْ ﴿ إلا عَشِيَّةً أوْ ضُحاها ﴾ أيْ: قَدْرُ آخِرِ النَّهارِ مِن بَعْدِ العَصْرِ، أوْ أوَّلِهِ إلى أنْ تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ.
قالَ الزَّجّاجُ: والهاءُ والألِفِ في " ضُحاها " عائِدانِ إلى العَشِيَّةِ.
والمَعْنى: إلّا عَشِيَّةً، أوْ ضُحى العَشِيَّةِ.
قالَ الفَرّاءُ: فَإنْ قِيلَ: لِلْعَشِيَّةِ ضُحًى، إنَّما الضُّحى لِصَدْرِ النَّهارِ؟
فالجَوابُ: أنَّ هَذا ظاهِرٌ في كَلامِ العَرَبِ أنْ يَقُولُوا: آتِيكَ العَشِيَّةَ، أوْ غَداتَها، أوْ آتِيكَ الغَداةَ، أوْ عَشِيَّتَها، فَتَكُونُ العَشِيَّةُ في مَعْنى " آخِرٍ "، والغَداةُ في مَعْنى " أوَّلَ " .
أنْشَدَنِي بَعْضُ بَنِي عُقَيْلٍ: نَحْنُ صَبَحْنا عامِرًا في دارِها عَشِيَّةَ الهِلالِ أوْ سِرارِها أرادَ: عَشِيَّةَ الهِلالِ، أوْ عَشِيَّةَ سِرارِ العَشِيَّةِ، فَهَذا أشَدُّ مِن قَوْلِهِمْ: آتِيكَ الغَداةَ أوْ عَشِيَّتَها.