الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > تفسير سورة عبس
تفسيرُ سورةِ عبس كاملةً من زاد المسير (ابن الجوزي) (جمال الدين ابن الجوزي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 17 دقيقة قراءةسُورَةُ عَبَسَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَبَسَ وتَوَلّى ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ يَوْمًا يُناجِي عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وأبا جَهْلِ بْنِ هِشامٍ، وأُمَيَّةَ وأُبَيًّا ابْنَيْ خَلَفٍ، ويَدْعُوهم إلى اللَّهِ تَعالى، ويَرْجُو إسْلامَهُمْ، فَجاءَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ الأعْمى، فَقالَ: عَلِّمْنِي يا رَسُولَ اللَّهِ مِمّا عَلَّمَكَ اللَّهُ، وجَعَلَ يُنادِيهِ، ويُكَرِّرُ النِّداءَ، ولا يَدْرِي أنَّهُ مُشْتَغِلٌ بِكَلامِ غَيْرِهِ، حَتّى ظَهَرَتِ الكَراهِيَةُ في وجْهِهِ لِقَطْعِهِ كَلامَهُ، فَأعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ، وأقْبَلَ عَلى القَوْمِ يُكَلِّمُهُمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ، فَكانَ رَسُولُ اللَّهِ يُكْرِمُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، ويَقُولُ: مَرْحَبًا بِمَن عاتَبَنِي فِيهِ رَبِّي.» وذَهَبَ قَوْمٌ، مِنهم مُقاتِلٌ، إلى أنَّهُ إنَّما جاءَ لِيُؤْمِنَ، فَأعْرَضَ عَنْهُ النَّبِيُّ اشْتِغالًا بِالرُّؤَساءِ، فَنَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآياتُ.
وَمَعْنى ﴿ عَبَسَ ﴾ قَطَّبَ وكَلَحَ ﴿ وَتَوَلّى ﴾ أعْرَضَ بِوَجْهِهِ ﴿ أنْ جاءَهُ ﴾ أيْ: لِأنْ جاءَهُ.
وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والحَسَنُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو عِمْرانَ: " أنْ جاءَهُ " بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ مَفْتُوحَةٍ مَمْدُودَةٍ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ " أأنْ " بِهَمْزَتَيْنِ مَقْصُورَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ.
و ﴿ الأعْمى ﴾ هو ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، واسْمُهُ عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ.
وقِيلَ: اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ﴿ وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّى ﴾ أيْ: يَتَطَهَّرُ مِنَ الذُّنُوبِ بِالعَمَلِ الصّالِحِ، وما يَتَعَلَّمُهُ مِنكَ.
وقالَ مُقاتِلٌ: لَعَلَّهُ يُؤْمِنُ ﴿ أوْ يَذَّكَّرُ ﴾ أيْ: يَتَّعِظُ بِما يَتَعَلَّمُهُ مِن مَواعِظِ القُرْآنِ ﴿ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى ﴾ قَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ﴿ فَتَنْفَعَهُ ﴾ بِفَتْحِ العَيْنِ، والباقُونَ بِرَفْعِها.
قالَ الزَّجّاجُ: مَن نَصَبَ، فَعَلى جَوابِ " لَعَلَّ "، ومَن رَفَعَ، فَعَلى العَطْفِ عَلى ﴿ يَزَّكّى ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمّا مَنِ اسْتَغْنى ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اسْتَغْنى عَنِ اللَّهِ وعَنِ الإيمانِ بِمالِهِ.
قالَ مُجاهِدٌ: ﴿ أمّا مَنِ اسْتَغْنى ﴾ عُتْبَةُ، وشَيْبَةُ، ﴿ فَأنْتَ لَهُ تَصَدّى ﴾ .
قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ: " تَصَّدّى " بِتَشْدِيدِ الصّادِ.
وقَرَأ عاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " تَصَدّى " بِفَتْحِ التّاءِ، والصّادِ وتَخْفِيفِها، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو الجَوْزاءِ، وعَمْرُو بْنُ دِينارٍ: " تَتَصَدّى " بِتاءَيْنِ مَعَ تَخْفِيفِ الصّادِ.
قالَ الزَّجّاجُ: الأصْلُ: تَتَصَدّى، ولَكِنْ حُذِفَتِ التّاءُ الثّانِيَةُ لِاجْتِماعِ تاءَيْنِ.
ومَن قَرَأ: " تَصَدّى " بِإدْغامِ التّاءِ، فالمَعْنى أيْضًا: تَتَصَدّى، إلّا أنَّ التّاءَ أُدْغِمَتْ في الصّادِ لِقُرْبِ مَخْرَجِ التّاءِ مِنَ الصّادِ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: " تَصَدّى " تُقْبِلُ عَلَيْهِ بِوَجْهِكَ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: تَتَعَرَّضُ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، والجَحْدَرِيُّ: " تُصْدى " بِتاءٍ واحِدَةٍ مَضْمُومَةٍ، وتَخْفِيفِ الصّادِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما عَلَيْكَ ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ عَلَيْكَ في أنْ لا يُسْلِمَ مَن تَدْعُوهُ إلى الإسْلامِ؟
يَعْنِي: أنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ إلّا البَلاغُ.
﴿ وَأمّا مَن جاءَكَ يَسْعى ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: يَمْشِي.
والثّانِي: يَعْمَلُ في الخَيْرِ، وهو ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ ﴿ وَهُوَ يَخْشى ﴾ اللَّهَ ﴿ فَأنْتَ عَنْهُ تَلَهّى ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وأبُو الجَوْزاءِ " تَتَلَهّى " بِتاءَيْنِ.
وَقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، والجَحْدَرِيُّ " تُلَهّى " بِتاءٍ واحِدَةٍ خَفِيفَةٍ مَرْفُوعَةٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: تَتَشاغَلُ عَنْهُ.
يُقالُ: لُهِيتُ عَنِ الشَّيْءِ أُلْهى عَنْهُ: إذا تَشاغَلْتُ عَنْهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَلا ﴾ أيْ: لا تَفْعَلْ ذَلِكَ.
﴿ إنَّها ﴾ في المَكْنِّي عَنْها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: آياتُ القُرْآنِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّانِي: هَذِهِ السُّورَةُ، قالَهُ الفَرّاءُ " والتَّذْكِرَةُ " بِمَعْنى التَّذْكِيرِ ﴿ فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ ﴾ مُفَسَّرٌ في آخِرِ [المُدَّثِّرِ: ٥٥] .
ثُمَّ أخْبَرَ بِجَلالَةِ القُرْآنِ عِنْدَهُ، فَقالَ تَعالى: ﴿ فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ ﴾ أيْ: هو في صُحُفٍ، أيْ: في كُتُبٍ مُكَرَّمَةٍ، وفِيها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّانِي: كُتُبِ الأنْبِياءِ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ.
فَعَلى هَذا يَكُونُ مَعْنى " مَرْفُوعَةٍ " عالِيَةَ القَدْرِ.
وعَلى الأوَّلِ يَكُونُ رَفْعُها كَوْنُها في السَّماءِ.
وَفِي مَعْنى " المُطَهَّرَةِ " أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: مُطَهَّرَةٌ مِن أنْ تَنْزِلَ عَلى المُشْرِكِينَ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: مُطَهَّرَةٌ مِنَ الشِّرْكِ والكُفْرِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: لِأنَّهُ لا يَمَسُّها إلّا المُطَهَّرُونَ، قالَهُ الفَرّاءُ.
والرّابِعُ: مُطَهَّرَةٌ مِنَ الدَّنَسِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِأيْدِي سَفَرَةٍ ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ، قالَهُ الجُمْهُورُ.
والثّانِي: أصْحابُ مُحَمَّدٍ ، قالَهُ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ.
وَفِي مَعْنى ﴿ سَفَرَةٍ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُمُ الكَتَبَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وأبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ.
قالَ الزَّجّاجُ: واحِدُهُمْ: سافِرٌ، وسَفَرَةٌ، مِثْلُ كاتِبٍ، وكَتَبَةٍ، وكافِرٍ، وكَفَرَةٍ.
وإنَّما قِيلَ لِلْكِتابِ: سِفْرٌ، ولِلْكاتِبِ: سافِرٌ، لِأنَّ مَعْناهُ أنَّهُ يُبَيِّنُ الشَّيْءَ ويُوَضِّحُهُ.
يُقالُ: أسْفَرَ الصُّبْحُ: إذا أضاءَ.
وسَفَرَتِ المَرْأةُ: إذا كَشَفَتِ النِّقابَ عَنْ وجْهِها.
ومِنهُ: سَفَرْتُ بَيْنَ القَوْمِ، أيْ: كَشَفْتُ ما في قَلْبِ هَذا، وقَلْبِ هَذا، لِأُصْلِحَ بَيْنَهم.
والثّانِي: أنَّهُمُ القُرّاءُ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: أنَّهُمُ السُّفَراءُ، وهُمُ المُصْلِحُونَ.
قالَ الفَرّاءُ: تَقُولُ العَرَبُ: سَفَرْتُ بَيْنَ القَوْمِ، أيْ: أصْلَحْتُ بَيْنَهُمْ، فَجُعِلَتِ المَلائِكَةُ إذا نَزَلَتْ بِوَحْيِ اللَّهِ، كالسَّفِيرِ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ القَوْمِ.
قالَ الشّاعِرُ: وما أدَعُ السِّفارَةَ بَيْنَ قَوْمِي وما أمْشِي بِغِشٍّ إنْ مَشَيْتُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كِرامٍ ﴾ أيْ: عَلى رَبِّهِمْ ﴿ بَرَرَةٍ ﴾ أيْ: مُطِيعِينَ.
قالَ الفَرّاءُ: واحِدُ " البَرَرَةِ " في قِياسِ العَرَبِيَّةِ: بارٌّ، لِأنَّ العَرَبَ لا تَقُولُ: فَعْلَةً يَنْوُونَ بِهِ الجَمْعَ إلّا والواحِدُ مِنهُ فاعِلٌ، مِثْلُ كافِرٍ، وكَفَرَةٍ، وفاجِرٍ، وفَجَرَةٍ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُتِلَ الإنْسانُ ﴾ أيْ: لُعِنَ.
والمُرادُ بِالإنْسانِ هاهُنا: الكافِرُ.
وفِيمَن عَنى بِهَذا القَوْلِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ أشارَ إلى كُلِّ كافِرٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: أنَّهُ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والثّالِثُ: عُتْبَةُ بْنُ أبِي لَهَبٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما أكْفَرَهُ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: ما أشَدَّ كُفْرَهُ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
والثّانِي: أيُّ شَيْءٍ أكْفَرَهُ؟
قالَهُ السُّدِّيُّ.
فَعَلى هَذا يَكُونُ اسْتِفْهامَ تَوْبِيخٍ.
الثّالِثُ: أنَّهُ عَلى وجْهِ التَّعَجُّبِ، وهَذا التَّعَجُّبُ يُؤْمَرُ بِهِ الآدَمِيُّونَ، والمَعْنى: اعْجَبُوا أنْتُمْ مِن كُفْرِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾ ثُمَّ فَسَّرَهُ فَقالَ تَعالى: ﴿ مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ ﴾ .
وفي مَعْنى: " فَقَدَّرَهُ " ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: قَدَّرَ أعْضاءَهُ: رَأْسَهُ، وعَيْنَيْهِ، ويَدَيْهِ، ورِجْلَيْهِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والثّانِي: قَدَّرَهُ أطْوارًا: نُطْفَةً، ثُمَّ عَلَقَةً، إلى آخِرِ خَلْقِهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: فَقَدَّرَهُ عَلى الِاسْتِواءِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
﴿ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: سَهَّلَ لَهُ العِلْمَ بِطَرِيقِ الحَقِّ والباطِلِ، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ.
قالَ الفَرّاءُ: والمَعْنى: ثُمَّ يَسَّرَهُ لِلسَّبِيلِ.
والثّانِي: يَسَّرَ لَهُ السَّبِيلَ في خُرُوجِهِ مِن بَطْنِ أُمِّهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأقْبَرَهُ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: أيْ: جَعَلَهُ مَقْبُورًا، ولَمْ يَجْعَلْهُ مِمَّنْ يُلْقى لِلسِّباعِ والطَّيْرِ، فَكَأنَّ القَبْرَ مِمّا أُكْرِمَ بِهِ المُسْلِمُ.
ولَمْ يَقُلْ: قَبَّرَهُ، لِأنَّ القابِرَ هو الدّافِنُ بِيَدِهِ.
والمُقْبِرُ اللَّهُ، لِأنَّهُ صَيَّرَهُ مَقْبُورًا، فَلَيْسَ فِعْلُهُ كَفِعْلِ الآدَمِيِّ.
والعَرَبُ تَقُولُ: بَتَرْتُ ذَنَبَ البَعِيرِ، واللَّهُ أبْتَرَهُ، وعَضَبْتُ قَرْنَ الثَّوْرِ، واللَّهُ أعْضَبَهُ.
وطَرَدْتُ فُلانًا عَنِّي، واللَّهُ أطْرَدَهُ، أيْ: صَيَّرَهُ طَرِيدًا.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أقْبَرَهُ: أيْ: أمَرَ أنْ يُقْبَرَ، وجَعَلَ لَهُ قَبْرًا.
قالَتْ بَنُو تَمِيمٍ لِعُمَرَ بْنِ هُبَيْرَةَ لَمّا قَتَلَ صالِحَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أقْبَرْنا صالِحًا، فَقالَ: دُونَكُمُوهُ.
والَّذِي يَدْفِنُ بِيَدِهِ هو القابِرُ.
قالَ الأعْشى: لَوْ أسْنَدَتْ مَيْتًا إلى نَحْرِها عاشَ ولَمْ يُسْلَمْ إلى قابِرِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ إذا شاءَ أنْشَرَهُ ﴾ أيْ: بَعَثَهُ.
يُقالُ: أنْشَرَ اللَّهُ المَوْتى، فَنُشِرُوا، ونَشَرَ المَيِّتُ: حَيِيَ [هُوَ] بِنَفْسِهِ، وواحِدُهم ناشِرٌ.
قالَ الأعْشى: حَتّى يَقُولَ النّاسُ مِمّا رَأوْا ∗∗∗ يا عَجَبًا لِلْمَيِّتِ النّاشِرِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَلا ﴾ قالَ الحَسَنُ: حَقًّا ﴿ لَمّا يَقْضِ ما أمَرَهُ ﴾ بِهِ رَبُّهُ، ولَمْ يُؤَدِّ ما فُرِضَ عَلَيْهِ.
وهَلْ هَذا عامٌّ، أمْ خاصٌّ؟
فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ عامٌّ.
قالَ مُجاهِدٌ: لا يَقْضِي أحَدٌ أبَدًا كُلَّ ما افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ.
والثّانِي: أنَّهُ خاصٌّ لِلْكافِرِ لَمْ يَقْضِ ما أُمِرَ بِهِ مِنَ الإيمانِ والطّاعَةِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.
ولَمّا ذَكَرَ خَلْقَ ابْنِ آدَمَ، ذَكَرَ رِزْقَهُ لِيَعْتَبِرَ ولِيَسْتَدِلَّ بِالنَّباتِ عَلى البَعْثِ، فَقالَ تَعالى: ﴿ فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى طَعامِهِ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي بِهِ عُتْبَةَ بْنَ أبِي لَهَبٍ.
ومَعْنى الكَلامِ: فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ طَعامَهُ الَّذِي جَعَلَهُ سَبَبًا لِحَياتِهِ؟
ثُمَّ بَيَّنَ فَقالَ تَعالى: ﴿ أنّا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ " إنّا " بِالكَسْرِ.
وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ﴿ أنّا صَبَبْنا ﴾ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ في الوَصْلِ وفي الِابْتِداءِ، ووافَقَهم رُوَيْسٌ عَلى فَتْحِها في الوَصْلِ، فَإذا ابْتَدَأ كَسَرَ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَن كَسَرَ " إنّا " فَعَلى الِابْتِداءِ والِاسْتِئْنافِ، ومَن فَتَحَ، فَعَلى البَدَلِ مِنَ الطَّعامِ، المَعْنى: فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ أنّا صَبَبْنا.
قالَ المُفَسِّرُونَ: أرادَ بِصَبِّ الماءِ: المَطَرَ ﴿ ثُمَّ شَقَقْنا الأرْضَ ﴾ بِالنَّباتِ ﴿ شَقًّا ﴾ ﴿ فَأنْبَتْنا فِيها حَبًّا ﴾ يَعْنِي بِهِ جَمِيعَ الحُبُوبِ الَّتِي يُتَغَذّى بِها ﴿ وَعِنَبًا وقَضْبًا ﴾ قالَ الفَرّاءُ: هو الرَّطْبَةُ.
وأهْلُ مَكَّةَ يُسَمَّوْنَ القَتَّ: القَضْبَ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ويُقالُ: إنَّهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ، لِأنَّهُ يُقْضَبُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، أيْ: يُقْطَعُ، وكَذَلِكَ القَصِيلُ، لِأنَّهُ يُقْصَلُ، أيْ: يُقْطَعُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَزَيْتُونًا ونَخْلا ﴾ ﴿ وَحَدائِقَ غُلْبًا ﴾ قالَ الفَرّاءُ: كُلُّ بُسْتانٍ كانَ عَلَيْهِ حائِطٌ، فَهو حَدِيقَةٌ، وما لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حائِطٌ لَمْ يُقَلْ: حَدِيقَةٌ.
والغُلْبُ: ما غَلُظَ مِنَ النَّخْلِ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ: شَجَرَةٌ غَلْباءُ: إذا كانَتْ غَلِيظَةً.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الغُلْبُ: الغِلاظُ الأعْناقِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: هي المُتَكاثِفَةُ، العِظامِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَفاكِهَةً ﴾ يَعْنِي: ألْوانَ الفاكِهَةِ ﴿ وَأبًّا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ ما تَرْعاهُ البَهائِمُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، واللُّغَوِيُّونَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: هو جَمِيعُ الكَلَإ الَّتِي تَعْتَلِفُهُ الماشِيَةُ.
والثّانِي: أنَّهُ الثِّمارُ الرَّطْبَةُ، رَواهُ الوالِبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
﴿ مَتاعًا لَكم ولأنْعامِكُمْ ﴾ قَدْ بَيَّناهُ في السُّورَةِ الَّتِي قَبْلَها [النّازِعاتُ: ٣٣] .
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا جاءَتِ الصّاخَّةُ ﴾ وهي الصَّيْحَةُ الثّانِيَةُ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الصّاخَّةُ تَصُخُّ صَخًّا، أيْ: تُصِمُّ.
يُقالُ: رَجُلٌ أصَخُّ، وأصْلَخُ: إذا كانَ لا يَسْمَعُ.
والدّاهِيَةُ صاخَّةٌ أيْضًا.
وقالَ الزَّجّاجُ: هي الصَّيْحَةُ الَّتِي تَكُونُ عَلَيْها القِيامَةُ، تَصُخُّ الأسْماعَ، أيْ: تُصِمُّها، فَلا تَسْمَعُ إلّا ما تُدْعى بِهِ لِإحْيائِها.
ثُمَّ فَسَّرَ في أيِّ وقْتٍ تَجِيءُ، فَقالَ تَعالى: ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى: لا يَلْتَفِتُ الإنْسانُ إلى أحَدٍ مِن أقارِبِهِ، لِعِظَمِ ما هو فِيهِ.
قالَ الحَسَنُ: أوَّلُ مَن يَفِرُّ مِن أخِيهِ هابِيلُ، ومِن أمِّهِ وأبِيهِ إبْراهِيمُ، ومِن صاحِبَتِهِ نُوحٌ ولُوطٌ، ومِنِ ابْنِهِ نُوحٌ.
وقالَ قَتادَةُ: يَفِرُّ هابِيلُ مِن قابِيلَ، والنَّبِيُّ مِن أمِّهِ، وإبْراهِيمُ مِن أبِيهِ، ولُوطٌ مِن صاحِبَتِهِ، ونُوحٌ مِنِ ابْنِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: أيْ: يَشْغَلُهُ عَنْ قَرابَتِهِ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: يَصْرِفُهُ ويَصُدُّهُ عَنْ قَرابَتِهِ، يُقالُ: اغْنِ عَنِّي وجْهَكَ، أيِ: اصْرِفْهُ، واغْنِ عَنِّي السَّفِيهَ.
وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، والزُّهْرِيُّ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " يَعْنِيهِ " بِفَتْحِ الياءِ والعَيْنُ غَيْرُ مُعْجَمَةٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى الآيَةِ: لَهُ شَأْنٌ لا يَقْدِرُ مَعَ الِاهْتِمامِ بِهِ عَلى الِاهْتِمامِ بِغَيْرِهِ.
وكَذَلِكَ قِراءَةُ مَن قَرَأ: " يُغْنِيهِ " بِالغَيْنِ، مَعْناهُ: لَهُ شَأْنٌ لا يُهِمُّهُ مَعَهُ غَيْرُهُ.
وَقَدْ رَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ قالَ: «قالَتْ عائِشَةُ لِلنَّبِيِّ : أنُحْشَرُ عُراةً؟
قالَ: نَعَمْ.
قالَتْ: واسَوْءَتاهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ﴾ » .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ﴾ أيْ: مُضِيئَةٌ قَدْ عَلِمَتْ ما لَها مِنَ الخَيْرِ ﴿ ضاحِكَةٌ ﴾ لِسُرُورِها ﴿ مُسْتَبْشِرَةٌ ﴾ أيْ: فَرِحَةٌ بِما نالَها مِن كَرامَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ ﴾ أيْ: غُبارٌ.
وقالَ مُقاتِلٌ: أيْ: سَوادٌ وكَآبَةٌ ﴿ تَرْهَقُها ﴾ أيْ: تَغْشاها ﴿ قَتَرَةٌ ﴾ أيْ: ظُلْمَةٌ.
وقالَ الزَّجّاجُ: يَعْلُوها سَوادٌ كالدُّخانِ.
ثُمَّ بَيَّنَ مَن أهْلُ هَذِهِ الحالِ؟، فَقالَ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الكَفَرَةُ الفَجَرَةُ ﴾ وهو جَمْعُ كافِرٍ وفاجِرٍ.