تفسير سورة عبس الآيات ١-١٦ عند زاد المسير

الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > سورة 80 عبس > الآيات ١-١٦

عَبَسَ وَتَوَلَّىٰٓ ١ أَن جَآءَهُ ٱلْأَعْمَىٰ ٢ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُۥ يَزَّكَّىٰٓ ٣ أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ ٱلذِّكْرَىٰٓ ٤ أَمَّا مَنِ ٱسْتَغْنَىٰ ٥ فَأَنتَ لَهُۥ تَصَدَّىٰ ٦ وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّىٰ ٧ وَأَمَّا مَن جَآءَكَ يَسْعَىٰ ٨ وَهُوَ يَخْشَىٰ ٩ فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّىٰ ١٠ كَلَّآ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌۭ ١١ فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُۥ ١٢ فِى صُحُفٍۢ مُّكَرَّمَةٍۢ ١٣ مَّرْفُوعَةٍۢ مُّطَهَّرَةٍۭ ١٤ بِأَيْدِى سَفَرَةٍۢ ١٥ كِرَامٍۭ بَرَرَةٍۢ ١٦

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 7 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

سُورَةُ عَبَسَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَبَسَ وتَوَلّى ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ  يَوْمًا يُناجِي عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وأبا جَهْلِ بْنِ هِشامٍ، وأُمَيَّةَ وأُبَيًّا ابْنَيْ خَلَفٍ، ويَدْعُوهم إلى اللَّهِ تَعالى، ويَرْجُو إسْلامَهُمْ، فَجاءَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ الأعْمى، فَقالَ: عَلِّمْنِي يا رَسُولَ اللَّهِ مِمّا عَلَّمَكَ اللَّهُ، وجَعَلَ يُنادِيهِ، ويُكَرِّرُ النِّداءَ، ولا يَدْرِي أنَّهُ مُشْتَغِلٌ بِكَلامِ غَيْرِهِ، حَتّى ظَهَرَتِ الكَراهِيَةُ في وجْهِهِ  لِقَطْعِهِ كَلامَهُ، فَأعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ  ، وأقْبَلَ عَلى القَوْمِ يُكَلِّمُهُمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ، فَكانَ رَسُولُ اللَّهِ  يُكْرِمُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، ويَقُولُ: مَرْحَبًا بِمَن عاتَبَنِي فِيهِ رَبِّي.» وذَهَبَ قَوْمٌ، مِنهم مُقاتِلٌ، إلى أنَّهُ إنَّما جاءَ لِيُؤْمِنَ، فَأعْرَضَ عَنْهُ النَّبِيُّ  اشْتِغالًا بِالرُّؤَساءِ، فَنَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآياتُ.

وَمَعْنى ﴿ عَبَسَ ﴾ قَطَّبَ وكَلَحَ ﴿ وَتَوَلّى ﴾ أعْرَضَ بِوَجْهِهِ ﴿ أنْ جاءَهُ ﴾ أيْ: لِأنْ جاءَهُ.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والحَسَنُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو عِمْرانَ: " أنْ جاءَهُ " بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ مَفْتُوحَةٍ مَمْدُودَةٍ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ " أأنْ " بِهَمْزَتَيْنِ مَقْصُورَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ.

و ﴿ الأعْمى ﴾ هو ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، واسْمُهُ عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ.

وقِيلَ: اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ﴿ وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّى ﴾ أيْ: يَتَطَهَّرُ مِنَ الذُّنُوبِ بِالعَمَلِ الصّالِحِ، وما يَتَعَلَّمُهُ مِنكَ.

وقالَ مُقاتِلٌ: لَعَلَّهُ يُؤْمِنُ ﴿ أوْ يَذَّكَّرُ ﴾ أيْ: يَتَّعِظُ بِما يَتَعَلَّمُهُ مِن مَواعِظِ القُرْآنِ ﴿ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى ﴾ قَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ﴿ فَتَنْفَعَهُ ﴾ بِفَتْحِ العَيْنِ، والباقُونَ بِرَفْعِها.

قالَ الزَّجّاجُ: مَن نَصَبَ، فَعَلى جَوابِ " لَعَلَّ "، ومَن رَفَعَ، فَعَلى العَطْفِ عَلى ﴿ يَزَّكّى ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمّا مَنِ اسْتَغْنى ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اسْتَغْنى عَنِ اللَّهِ وعَنِ الإيمانِ بِمالِهِ.

قالَ مُجاهِدٌ: ﴿ أمّا مَنِ اسْتَغْنى ﴾ عُتْبَةُ، وشَيْبَةُ، ﴿ فَأنْتَ لَهُ تَصَدّى ﴾ .

قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ: " تَصَّدّى " بِتَشْدِيدِ الصّادِ.

وقَرَأ عاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " تَصَدّى " بِفَتْحِ التّاءِ، والصّادِ وتَخْفِيفِها، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو الجَوْزاءِ، وعَمْرُو بْنُ دِينارٍ: " تَتَصَدّى " بِتاءَيْنِ مَعَ تَخْفِيفِ الصّادِ.

قالَ الزَّجّاجُ: الأصْلُ: تَتَصَدّى، ولَكِنْ حُذِفَتِ التّاءُ الثّانِيَةُ لِاجْتِماعِ تاءَيْنِ.

ومَن قَرَأ: " تَصَدّى " بِإدْغامِ التّاءِ، فالمَعْنى أيْضًا: تَتَصَدّى، إلّا أنَّ التّاءَ أُدْغِمَتْ في الصّادِ لِقُرْبِ مَخْرَجِ التّاءِ مِنَ الصّادِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: " تَصَدّى " تُقْبِلُ عَلَيْهِ بِوَجْهِكَ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: تَتَعَرَّضُ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، والجَحْدَرِيُّ: " تُصْدى " بِتاءٍ واحِدَةٍ مَضْمُومَةٍ، وتَخْفِيفِ الصّادِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما عَلَيْكَ ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ عَلَيْكَ في أنْ لا يُسْلِمَ مَن تَدْعُوهُ إلى الإسْلامِ؟

يَعْنِي: أنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ إلّا البَلاغُ.

﴿ وَأمّا مَن جاءَكَ يَسْعى ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: يَمْشِي.

والثّانِي: يَعْمَلُ في الخَيْرِ، وهو ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ ﴿ وَهُوَ يَخْشى ﴾ اللَّهَ ﴿ فَأنْتَ عَنْهُ تَلَهّى ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وأبُو الجَوْزاءِ " تَتَلَهّى " بِتاءَيْنِ.

وَقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، والجَحْدَرِيُّ " تُلَهّى " بِتاءٍ واحِدَةٍ خَفِيفَةٍ مَرْفُوعَةٍ.

قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: تَتَشاغَلُ عَنْهُ.

يُقالُ: لُهِيتُ عَنِ الشَّيْءِ أُلْهى عَنْهُ: إذا تَشاغَلْتُ عَنْهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَلا ﴾ أيْ: لا تَفْعَلْ ذَلِكَ.

﴿ إنَّها ﴾ في المَكْنِّي عَنْها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: آياتُ القُرْآنِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: هَذِهِ السُّورَةُ، قالَهُ الفَرّاءُ " والتَّذْكِرَةُ " بِمَعْنى التَّذْكِيرِ ﴿ فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ ﴾ مُفَسَّرٌ في آخِرِ [المُدَّثِّرِ: ٥٥] .

ثُمَّ أخْبَرَ بِجَلالَةِ القُرْآنِ عِنْدَهُ، فَقالَ تَعالى: ﴿ فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ ﴾ أيْ: هو في صُحُفٍ، أيْ: في كُتُبٍ مُكَرَّمَةٍ، وفِيها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: كُتُبِ الأنْبِياءِ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ.

فَعَلى هَذا يَكُونُ مَعْنى " مَرْفُوعَةٍ " عالِيَةَ القَدْرِ.

وعَلى الأوَّلِ يَكُونُ رَفْعُها كَوْنُها في السَّماءِ.

وَفِي مَعْنى " المُطَهَّرَةِ " أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: مُطَهَّرَةٌ مِن أنْ تَنْزِلَ عَلى المُشْرِكِينَ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: مُطَهَّرَةٌ مِنَ الشِّرْكِ والكُفْرِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: لِأنَّهُ لا يَمَسُّها إلّا المُطَهَّرُونَ، قالَهُ الفَرّاءُ.

والرّابِعُ: مُطَهَّرَةٌ مِنَ الدَّنَسِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِأيْدِي سَفَرَةٍ ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ، قالَهُ الجُمْهُورُ.

والثّانِي: أصْحابُ مُحَمَّدٍ  ، قالَهُ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ.

وَفِي مَعْنى ﴿ سَفَرَةٍ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُمُ الكَتَبَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وأبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ.

قالَ الزَّجّاجُ: واحِدُهُمْ: سافِرٌ، وسَفَرَةٌ، مِثْلُ كاتِبٍ، وكَتَبَةٍ، وكافِرٍ، وكَفَرَةٍ.

وإنَّما قِيلَ لِلْكِتابِ: سِفْرٌ، ولِلْكاتِبِ: سافِرٌ، لِأنَّ مَعْناهُ أنَّهُ يُبَيِّنُ الشَّيْءَ ويُوَضِّحُهُ.

يُقالُ: أسْفَرَ الصُّبْحُ: إذا أضاءَ.

وسَفَرَتِ المَرْأةُ: إذا كَشَفَتِ النِّقابَ عَنْ وجْهِها.

ومِنهُ: سَفَرْتُ بَيْنَ القَوْمِ، أيْ: كَشَفْتُ ما في قَلْبِ هَذا، وقَلْبِ هَذا، لِأُصْلِحَ بَيْنَهم.

والثّانِي: أنَّهُمُ القُرّاءُ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: أنَّهُمُ السُّفَراءُ، وهُمُ المُصْلِحُونَ.

قالَ الفَرّاءُ: تَقُولُ العَرَبُ: سَفَرْتُ بَيْنَ القَوْمِ، أيْ: أصْلَحْتُ بَيْنَهُمْ، فَجُعِلَتِ المَلائِكَةُ إذا نَزَلَتْ بِوَحْيِ اللَّهِ، كالسَّفِيرِ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ القَوْمِ.

قالَ الشّاعِرُ: وما أدَعُ السِّفارَةَ بَيْنَ قَوْمِي وما أمْشِي بِغِشٍّ إنْ مَشَيْتُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كِرامٍ ﴾ أيْ: عَلى رَبِّهِمْ ﴿ بَرَرَةٍ ﴾ أيْ: مُطِيعِينَ.

قالَ الفَرّاءُ: واحِدُ " البَرَرَةِ " في قِياسِ العَرَبِيَّةِ: بارٌّ، لِأنَّ العَرَبَ لا تَقُولُ: فَعْلَةً يَنْوُونَ بِهِ الجَمْعَ إلّا والواحِدُ مِنهُ فاعِلٌ، مِثْلُ كافِرٍ، وكَفَرَةٍ، وفاجِرٍ، وفَجَرَةٍ.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.3 / 29.5
الإضاءة 28%
البدر بعد 9 يوم
الحمد لله