الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > سورة 80 عبس > الآيات ١٧-٣٢
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 6 دقيقة قراءةقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُتِلَ الإنْسانُ ﴾ أيْ: لُعِنَ.
والمُرادُ بِالإنْسانِ هاهُنا: الكافِرُ.
وفِيمَن عَنى بِهَذا القَوْلِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ أشارَ إلى كُلِّ كافِرٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: أنَّهُ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والثّالِثُ: عُتْبَةُ بْنُ أبِي لَهَبٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما أكْفَرَهُ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: ما أشَدَّ كُفْرَهُ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
والثّانِي: أيُّ شَيْءٍ أكْفَرَهُ؟
قالَهُ السُّدِّيُّ.
فَعَلى هَذا يَكُونُ اسْتِفْهامَ تَوْبِيخٍ.
الثّالِثُ: أنَّهُ عَلى وجْهِ التَّعَجُّبِ، وهَذا التَّعَجُّبُ يُؤْمَرُ بِهِ الآدَمِيُّونَ، والمَعْنى: اعْجَبُوا أنْتُمْ مِن كُفْرِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾ ثُمَّ فَسَّرَهُ فَقالَ تَعالى: ﴿ مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ ﴾ .
وفي مَعْنى: " فَقَدَّرَهُ " ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: قَدَّرَ أعْضاءَهُ: رَأْسَهُ، وعَيْنَيْهِ، ويَدَيْهِ، ورِجْلَيْهِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والثّانِي: قَدَّرَهُ أطْوارًا: نُطْفَةً، ثُمَّ عَلَقَةً، إلى آخِرِ خَلْقِهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: فَقَدَّرَهُ عَلى الِاسْتِواءِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
﴿ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: سَهَّلَ لَهُ العِلْمَ بِطَرِيقِ الحَقِّ والباطِلِ، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ.
قالَ الفَرّاءُ: والمَعْنى: ثُمَّ يَسَّرَهُ لِلسَّبِيلِ.
والثّانِي: يَسَّرَ لَهُ السَّبِيلَ في خُرُوجِهِ مِن بَطْنِ أُمِّهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأقْبَرَهُ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: أيْ: جَعَلَهُ مَقْبُورًا، ولَمْ يَجْعَلْهُ مِمَّنْ يُلْقى لِلسِّباعِ والطَّيْرِ، فَكَأنَّ القَبْرَ مِمّا أُكْرِمَ بِهِ المُسْلِمُ.
ولَمْ يَقُلْ: قَبَّرَهُ، لِأنَّ القابِرَ هو الدّافِنُ بِيَدِهِ.
والمُقْبِرُ اللَّهُ، لِأنَّهُ صَيَّرَهُ مَقْبُورًا، فَلَيْسَ فِعْلُهُ كَفِعْلِ الآدَمِيِّ.
والعَرَبُ تَقُولُ: بَتَرْتُ ذَنَبَ البَعِيرِ، واللَّهُ أبْتَرَهُ، وعَضَبْتُ قَرْنَ الثَّوْرِ، واللَّهُ أعْضَبَهُ.
وطَرَدْتُ فُلانًا عَنِّي، واللَّهُ أطْرَدَهُ، أيْ: صَيَّرَهُ طَرِيدًا.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أقْبَرَهُ: أيْ: أمَرَ أنْ يُقْبَرَ، وجَعَلَ لَهُ قَبْرًا.
قالَتْ بَنُو تَمِيمٍ لِعُمَرَ بْنِ هُبَيْرَةَ لَمّا قَتَلَ صالِحَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أقْبَرْنا صالِحًا، فَقالَ: دُونَكُمُوهُ.
والَّذِي يَدْفِنُ بِيَدِهِ هو القابِرُ.
قالَ الأعْشى: لَوْ أسْنَدَتْ مَيْتًا إلى نَحْرِها عاشَ ولَمْ يُسْلَمْ إلى قابِرِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ إذا شاءَ أنْشَرَهُ ﴾ أيْ: بَعَثَهُ.
يُقالُ: أنْشَرَ اللَّهُ المَوْتى، فَنُشِرُوا، ونَشَرَ المَيِّتُ: حَيِيَ [هُوَ] بِنَفْسِهِ، وواحِدُهم ناشِرٌ.
قالَ الأعْشى: حَتّى يَقُولَ النّاسُ مِمّا رَأوْا ∗∗∗ يا عَجَبًا لِلْمَيِّتِ النّاشِرِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَلا ﴾ قالَ الحَسَنُ: حَقًّا ﴿ لَمّا يَقْضِ ما أمَرَهُ ﴾ بِهِ رَبُّهُ، ولَمْ يُؤَدِّ ما فُرِضَ عَلَيْهِ.
وهَلْ هَذا عامٌّ، أمْ خاصٌّ؟
فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ عامٌّ.
قالَ مُجاهِدٌ: لا يَقْضِي أحَدٌ أبَدًا كُلَّ ما افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ.
والثّانِي: أنَّهُ خاصٌّ لِلْكافِرِ لَمْ يَقْضِ ما أُمِرَ بِهِ مِنَ الإيمانِ والطّاعَةِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.
ولَمّا ذَكَرَ خَلْقَ ابْنِ آدَمَ، ذَكَرَ رِزْقَهُ لِيَعْتَبِرَ ولِيَسْتَدِلَّ بِالنَّباتِ عَلى البَعْثِ، فَقالَ تَعالى: ﴿ فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى طَعامِهِ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي بِهِ عُتْبَةَ بْنَ أبِي لَهَبٍ.
ومَعْنى الكَلامِ: فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ طَعامَهُ الَّذِي جَعَلَهُ سَبَبًا لِحَياتِهِ؟
ثُمَّ بَيَّنَ فَقالَ تَعالى: ﴿ أنّا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ " إنّا " بِالكَسْرِ.
وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ﴿ أنّا صَبَبْنا ﴾ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ في الوَصْلِ وفي الِابْتِداءِ، ووافَقَهم رُوَيْسٌ عَلى فَتْحِها في الوَصْلِ، فَإذا ابْتَدَأ كَسَرَ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَن كَسَرَ " إنّا " فَعَلى الِابْتِداءِ والِاسْتِئْنافِ، ومَن فَتَحَ، فَعَلى البَدَلِ مِنَ الطَّعامِ، المَعْنى: فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ أنّا صَبَبْنا.
قالَ المُفَسِّرُونَ: أرادَ بِصَبِّ الماءِ: المَطَرَ ﴿ ثُمَّ شَقَقْنا الأرْضَ ﴾ بِالنَّباتِ ﴿ شَقًّا ﴾ ﴿ فَأنْبَتْنا فِيها حَبًّا ﴾ يَعْنِي بِهِ جَمِيعَ الحُبُوبِ الَّتِي يُتَغَذّى بِها ﴿ وَعِنَبًا وقَضْبًا ﴾ قالَ الفَرّاءُ: هو الرَّطْبَةُ.
وأهْلُ مَكَّةَ يُسَمَّوْنَ القَتَّ: القَضْبَ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ويُقالُ: إنَّهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ، لِأنَّهُ يُقْضَبُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، أيْ: يُقْطَعُ، وكَذَلِكَ القَصِيلُ، لِأنَّهُ يُقْصَلُ، أيْ: يُقْطَعُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَزَيْتُونًا ونَخْلا ﴾ ﴿ وَحَدائِقَ غُلْبًا ﴾ قالَ الفَرّاءُ: كُلُّ بُسْتانٍ كانَ عَلَيْهِ حائِطٌ، فَهو حَدِيقَةٌ، وما لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حائِطٌ لَمْ يُقَلْ: حَدِيقَةٌ.
والغُلْبُ: ما غَلُظَ مِنَ النَّخْلِ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ: شَجَرَةٌ غَلْباءُ: إذا كانَتْ غَلِيظَةً.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الغُلْبُ: الغِلاظُ الأعْناقِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: هي المُتَكاثِفَةُ، العِظامِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَفاكِهَةً ﴾ يَعْنِي: ألْوانَ الفاكِهَةِ ﴿ وَأبًّا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ ما تَرْعاهُ البَهائِمُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، واللُّغَوِيُّونَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: هو جَمِيعُ الكَلَإ الَّتِي تَعْتَلِفُهُ الماشِيَةُ.
والثّانِي: أنَّهُ الثِّمارُ الرَّطْبَةُ، رَواهُ الوالِبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
﴿ مَتاعًا لَكم ولأنْعامِكُمْ ﴾ قَدْ بَيَّناهُ في السُّورَةِ الَّتِي قَبْلَها [النّازِعاتُ: ٣٣] .
<div class="verse-tafsir"