الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > سورة 8 الأنفال > الآية ٣٣
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 5 دقيقة قراءةقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ ﴾ في المُشارِ إلَيْهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أهْلُ مَكَّةَ.
وفي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: وما كانَ اللَّهُ لَيُعَذِّبَهم وأنْتَ مُقِيمٌ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمْ تُعَذَّبْ قَرْيَةٌ حَتّى يَخْرُجَ نَبِيُّها والمُؤْمِنُونَ مَعَهُ.
والثّانِي: وما كانَ اللَّهُ لَيُعَذِّبَهم وأنْتَ حَيٌّ؛ قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ.
والثّانِي: أنَّ المُشارَ إلَيْهِمُ المُؤْمِنُونَ، والمَعْنى وما كانَ اللَّهُ لَيُعَذِّبَ المُؤْمِنِينَ بِضَرْبٍ مِنَ العَذابِ الَّذِي أهْلَكَ بِهِ مَن قَبْلَهم وأنْتَ حَيٌّ؛ ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
* فَصْلٌ قالَ الحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ: هَذِهِ الآَيَةُ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَما لَهم ألا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ ﴾ ، وفِيهِ بُعْدٌ، لِأنَّ النَّسَخَ لا يَدْخُلُ عَلى الأخْبارِ.
وقالَ ابْنُ أبْزى: كانَ النَّبِيُّ بِمَكَّةَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ ﴾ فَخَرَجَ إلى المَدِينَةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ وكانَ أُولَئِكَ البَقِيَّةُ مِنَ المُسْلِمِينَ بِمَكَّةَ يَسْتَغْفِرُونَ، فَلَمّا خَرَجُوا أنْزَلَ اللَّهُ ﴿ وَما لَهم ألا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ ﴾ .
وجَمِيعُ أقْوالِ المُفَسِّرِينَ تَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْلُهُ: ﴿ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ ، كَلامٌ مُبْتَدَأٌ مِن إخْبارِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
وقَدْ رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ أنَّهُ قالَ: هَذِهِ الآَيَةُ مِن قَوْلِ المُشْرِكِينَ، قالُوا: واللَّهِ إنَّ اللَّهَ لا يُعَذِّبُنا ونَحْنُ نَسْتَغْفِرُ.
فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَما لَهم ألا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ وفي مَعْنى هَذا الكَلامِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَ المُشْرِكِينَ، وفِيهِمْ مَن قَدْ سَبَقَ لَهُ أنْ يُؤْمِنَ؛ رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ والثّانِي: وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ، فَإنَّهم كانُوا يُلَبُّونَ ويَقُولُونَ: غُفْرانَكَ؛ وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وفِيهِ ضَعْفٌ، لِأنَّ اسْتِغْفارَ المُشْرِكِ لا أثَرَ لَهُ في القَبُولِ.
والثّالِثُ: وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم، يَعْنِي المُشْرِكِينَ، وهُمْ- يَعْنِي المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ بَيْنَهُمْ- يَسْتَغْفِرُونَ؛ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ، وأبُو مالِكٍ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وُصِفُوا بِصِفَةِ بَعْضِهِمْ، لِأنَّ المُؤْمِنِينَ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ، فَأُوقَعَ العُمُومَ عَلى الخُصُوصِ، كَما يُقالُ: قَتَلَ أهْلُ المَسْجِدِ رَجُلًا، وأخَذَ أهْلُ البَصْرَةِ فَلانًا، ولَعَلَّهُ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ إلّا رَجُلٌ واحِدٌ.
والرّابِعُ: وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وفي أصْلابِهِمْ مَن يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: فَيَكُونُ مَعْنى تَعْذِيبِهِمْ: إهْلاكُهُمْ؛ فالمَعْنى: وما كانَ اللَّهُ مُهْلِكَهم، وقَدْ سَبَقَ في عِلْمِهِ أنَّهُ يَكُونُ لَهم أوْلادٌ يُؤْمِنُونَ بِهِ ويَسْتَغْفِرُونَهُ؛ فَوَصَفَهم بِصِفَةِ ذَرارِيهِمْ، وغَلَبُوا عَلَيْهِمْ كَما غَلَبَ بَعْضُهم عَلى كُلِّهِمْ في الجَوابِ الَّذِي قَبْلَهُ.
والخامِسُ: أنَّ المَعْنى: لَوِ اسْتَغْفَرُوا لَما عَذَّبَهُمُ اللهُ، ولَكِنَّهم لَمْ يَسْتَغْفِرُوا فاسْتَحَقُّوا العَذابَ؛ وهَذا كَما تَقُولُالعَرَبُ: ما كُنْتَ لِأُهِينَكَ وأنْتَ تُكْرِمُنِي؛ يُرِيدُونَ: ما كُنْتُ لِأُهِينَكَ لَوْ أكْرَمْتَنِي؛ فَأمّا إذا لَسْتَ تُكْرِمُنِي، فَإنَّكَ مُسْتَحِقٌّ لِإهانَتِي، وإلى هَذا القَوْلِ ذَهَبَ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وهو اخْتِيارُ اللُّغَوِيِّينَ.
وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى هَذا الِاسْتِغْفارِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الِاسْتِغْفارُ المَعْرُوفُ؛ وقَدْ ذَكَرْناهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ بِمَعْنى الصَّلاةِ؛ رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومَنصُورٌ عَنْ مُجاهِدٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ.
والثّالِثُ: أنَّهُ بِمَعْنى الإسْلامِ رَواهُ ابْنُ أبِي نَجِيح عَنْ مُجاهِدٌ وبِهِ قالَ عِكْرِمَة.
<div class="verse-tafsir"