زاد المسير سورة الأعلى

الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > تفسير سورة الأعلى

تفسيرُ سورةِ الأعلى كاملةً من زاد المسير (ابن الجوزي) (جمال الدين ابن الجوزي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 8 دقيقة قراءة

تفسير سورة الأعلى كاملةً (جمال الدين ابن الجوزي)

سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلْأَعْلَى ١ ٱلَّذِى خَلَقَ فَسَوَّىٰ ٢ وَٱلَّذِى قَدَّرَ فَهَدَىٰ ٣ وَٱلَّذِىٓ أَخْرَجَ ٱلْمَرْعَىٰ ٤ فَجَعَلَهُۥ غُثَآءً أَحْوَىٰ ٥ سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰٓ ٦ إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُ ۚ إِنَّهُۥ يَعْلَمُ ٱلْجَهْرَ وَمَا يَخْفَىٰ ٧ وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَىٰ ٨ فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ ٱلذِّكْرَىٰ ٩ سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَىٰ ١٠ وَيَتَجَنَّبُهَا ٱلْأَشْقَى ١١ ٱلَّذِى يَصْلَى ٱلنَّارَ ٱلْكُبْرَىٰ ١٢ ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَىٰ ١٣

سُورَةُ الأعْلى وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ وَفِي مَعْنى ﴿ سَبِّحِ ﴾ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: قُلْ: سُبْحانَ رُبِّيَ الأعْلى، قالَهُ الجُمْهُورُ.

والثّانِي: عَظِّمْ.

والثّالِثُ: صَلِّ بِأمْرِ رَبِّكَ، رُوِيَ القَوْلانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: نَزِّهْ رَبَّكَ عَنَ السُّوءِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والخامِسُ: نَزِّهِ اسْمَ رَبِّكَ وذِكْرَكَ إيّاهُ أنْ تَذْكُرَهُ وأنْتَ مُعْظِّمٌ لَهُ، خاشِعٌ لَهُ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ.

وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اسْمَ رَبِّكَ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ ذِكْرَ الِاسْمِ صِلَةٌ، كَقَوْلِ لَبِيدِ بْنِ رَبِيعَةَ: إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُما ومَن يَبْكِ حَوْلًا كامِلًا فَقَدِ اعْتَذَرْ والثّانِي: أنَّهُ أصْلِيٌّ.

وقالَ الفَرّاءُ: [سَبِّحْ رَبَّكَ، و]سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ سَواءٌ في كَلامِ العَرَبِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى ﴾ أيْ: فَعَدَلَ الخَلْقَ.

وقَدْ أشَرْنا إلى هَذا المَعْنى في [الِانْفِطارِ: ٧] ﴿ والَّذِي قَدَّرَ ﴾ قَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ " قَدَرَ " بِالتَّخْفِيفِ ﴿ فَهَدى ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: قَدَّرَ الشَّقاوَةَ والسَّعادَةَ، وهَدى لِلرُّشْدِ والضَّلالَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: جَعَلَ لِكُلِّ دابَّةٍ ما يُصْلِحُها وهَداها إلَيْهِ، قالَهُ عَطاءٌ.

والثّالِثُ: قَدَّرَ مُدَّةَ الجَنِينِ في الرَّحِمِ ثُمَّ هَداهُ لِلْخُرُوجِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والرّابِعُ: قَدَّرَهم ذُكُورًا وإناثًا، وهَدى الذَّكَرَ لِإتْيانِ الأُنْثى، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والخامِسُ: أنَّ المَعْنى: قَدَّرَ فَهَدى وأضَلَّ، فَحَذَفَ " وأضَلَّ "، لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلى ذَلِكَ، حَكاهُ الزَّجّاجُ.

والسّادِسُ: قَدَّرَ الأرْزاقَ، وهَدى إلى طَلَبِها.

والسّابِعُ: قَدَّرَ الذُّنُوبَ، وهَدى إلى التَّوْبَةِ، حَكاهُما الثَّعْلَبِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى ﴾ أيْ: أنْبَتَ العُشْبَ، وما تَرْعاهُ البَهائِمُ ﴿ فَجَعَلَهُ ﴾ بَعْدَ الخُضْرَةِ ﴿ غُثاءً ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: جَفَّفَهُ حَتّى جَعَلَهُ هَشِيمًا جافًّا كالغُثاءِ الَّذِي تَراهُ فَوْقَ ماءِ السَّيْلِ.

وقَدْ بَيَّنّا هَذا في سُورَةِ [المُؤْمِنِينَ: ٤١] فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أحْوى ﴾ فَقالَ الفَرّاءُ: الأحْوى: الَّذِي قَدِ اسْوَدَّ عَنِ القِدَمِ، والعِتْقِ، ويَكُونُ أيْضًا: أخْرَجَ المَرْعى أحَوى: أسْوَدَ مِنَ الخُضْرَةِ، فَجَعَلَهُ غُثاءً كَما قالَ تَعالى: ﴿ مُدْهامَّتانِ  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: سَنُعَلِّمُكَ القُرْآنَ، ونَجْمَعُهُ في قَلْبِكَ فَلا تَنْساهُ أبَدًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا ما شاءَ اللَّهُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَنْسَخَهُ فَتَنْساهُ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.

والثّانِي: إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ تَنْسى شَيْئًا، فَإنَّما هو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلا ما شاءَ رَبُّكَ  ﴾ ، فَلا يَشاءُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ ﴾ مِنَ القَوْلِ والفِعْلِ ﴿ وَما يَخْفى ﴾ مِنهُما ﴿ وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى ﴾ أيْ: نُسَهِّلُ عَلَيْكَ عَمَلَ الخَيْرِ ﴿ فَذَكِّرْ ﴾ أيْ: عِظْ أهْلَ مَكَّةَ ﴿ إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى ﴾ وفي " إنْ " ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها الشَّرْطِيَّةُ، وفي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ، أحَدُهُما: إنْ قُبِلَتِ الذِّكْرى، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.

والثّانِي: إنْ نَفَعَتْ وإنْ لَمْ تَنْفَعْ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ.

والثّانِي: أنَّها بِمَعْنى " قَدْ "، فَتَقْدِيرُهُ: قَدْ نَفَعَتِ الذِّكْرى، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: أنَّها بِمَعْنى " ما " فَتَقْدِيرُهُ: فَذَكِّرْ ما نَفَعَتِ الذِّكْرى، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَيَذَّكَّرُ ﴾ سَيَتَّعِظُ بِالقُرْآنِ ﴿ مَن يَخْشى ﴾ ﴿ وَيَتَجَنَّبُها ﴾ وَيَتَجَنَّبُ الذِّكْرى ﴿ الأشْقى ﴾ ﴿ الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى ﴾ أيِ: العَظِيمَةُ الفَظِيعَةُ لِأنَّها أشَدُّ مِن نارِ الدُّنْيا ﴿ ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها ﴾ فَيَسْتَرِيحُ ﴿ وَلا يَحْيا ﴾ حَياةً تَنْفَعُهُ.

وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: تَصِيرُ نَفْسُ أحَدِهِمْ في حَلْقِهِ، فَلا تَخْرُجُ فَتَفارِقُهُ فَيَمُوتُ، ولا تَرْجِعُ إلى مَوْضِعِها مِنَ الجِسْمِ فَيَحْيا.

<div class="verse-tafsir"

قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ ١٤ وَذَكَرَ ٱسْمَ رَبِّهِۦ فَصَلَّىٰ ١٥ بَلْ تُؤْثِرُونَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا ١٦ وَٱلْـَٔاخِرَةُ خَيْرٌۭ وَأَبْقَىٰٓ ١٧ إِنَّ هَـٰذَا لَفِى ٱلصُّحُفِ ٱلْأُولَىٰ ١٨ صُحُفِ إِبْرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ ١٩

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ أفْلَحَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: صادَفَ البَقاءَ الدّائِمَ، والفَوْزَ ﴿ مَن تَزَكّى ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: مِن تَطَهَّرَ [مِنَ] الشِّرْكِ بِالإيمانِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: مَن أعْطى صَدَقَةَ الفِطْرِ، قالَهُ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، وعَطاءٌ، وقَتادَةُ.

والثّالِثُ: مَن كانَ عَمَلُهُ زاكِيًا، قالَهُ الحَسَنُ، والرَّبِيعُ.

والرّابِعُ: أنَّها زَكَواتُ الأمْوالِ كُلُّها: قالَهُ أبُو الأحْوَصِ.

والخامِسُ: تَكَثَّرَ بِتَقْوى اللَّهِ.

ومَعْنى الزّاكِي: النّامِي الكَثِيرُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ ﴾ قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [الأحْزابُ: ٣١] .

وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَصَلّى ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها الصَّلَواتُ الخَمْسُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: صَلاةُ العِيدَيْنِ، قالَهُ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ.

والثّالِثُ: صَلاةُ التَّطَوُّعِ، قالَهُ أبُو الأحْوَصِ.

والقَوْلُ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَتَيْنِ، فَإنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ، ولَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ زَكاةٌ، ولا عِيدٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ قُتَيْبَةَ، وزَيْدٌ عَنْ يَعْقُوبَ: " بَلْ يُؤْثِرُونَ " بِالياءِ، والباقُونَ بِالتّاءِ، واخْتارَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ التّاءَ، لِأنَّها رُوِيَتْ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: " بَلْ أنْتُمْ تُؤْثِرُونَ " .

فَإنْ أُرِيدَ بِذَلِكَ الكَفّارُ، فالمَعْنى: أنَّهم يُؤْثِرُونَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ، لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِها، وإنْ أُرِيدَ بِهِ المُسْلِمُونَ، فالمَعْنى: يُؤْثِرُونَ الِاسْتِكْثارَ مِنَ الدُّنْيا عَلى الِاسْتِحْسانِ مِنَ الثَّوابِ.

قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إنَّ الدُّنْيا عُجِّلَتْ لَنا، وإنَّ الآخِرَةَ نُعِتَتْ لَنا، وزُوِيَتْ عَنّا، فَأخَذْنا بِالعاجِلِ [وَتَرَكْنا الآجِلَ] .

قَوْلُهُ تَعالى: ( والآخِرَة خَيْر لَك ) يَعْنِي: الجَنَّةُ أفْضَلُ ﴿ وَأبْقى ﴾ أيْ: أدْوَمُ مِنَ الدُّنْيا.

﴿ إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى ﴾ في المُشارِ إلَيْهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى ﴾ قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: هَذِهِ السُّورَةُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: أنَّهُ لَمْ يُرِدْ [أنَّ مَعْنى] السُّورَةِ [فِي الصُّحُفِ الأُولى]، ولا الألْفاظَ بِعَيْنِها، وإنَّما أرادَ أنَّ الفَلاحَ لِمَن تَزَكّى وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى، في الصُّحُفِ الأُولى، كَما هو في القُرْآنِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

والرّابِعُ: أنَّهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَأبْقى ﴾ قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

ثُمَّ بَيَّنَ الصُّحُفَ الأُولى ما هِيَ، فَقالَ: ﴿ صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى ﴾ وقَدْ فَسَّرْناها في [النَّجْمِ: ٣٦] .

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده