تفسير سورة الفاتحة الآيات ١-٧ عند محمد عبده

الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > سورة 1 الفاتحة > الآيات ١-٧

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ ١ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ٢ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ ٣ مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ ٤ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ٥ ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ ٦ صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ ٧

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 49 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

سميت الفاتحة فاتحة لأنها أول القرآن في هذا الترتيب، وتسمى أم الكتاب، وقالوا: إن حديث النهي عن تسميتها هذا الاسم موضوع.

..

ويتكلمون عند الكلام عن السور على المكي والمدني، وهو يفيد في معرفة الناسخ والمنسوخ، وليس في الفاتحة ناسخ ولا منسوخ، وهي مكية خلافًا لمجاهد، فالإجماع على أن الصلاة كانت بالفاتحة لأول فريضتها، ولا ريب أن ذلك كان في مكة.

وقالوا: هي المراد بالسبع المثاني في قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنْ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ  ﴾ ، وهو مكي بالنص.

وقال بعضهم: إنها نزلت مرتين، مرة بمكة عند فريضة الصلاة، وأخرى بالمدينة حين حولت القبلة، وكأن صاحب هذا القول أراد الجمع بين القولين، وليس بشيء.

وقال كثيرون: إنها أول سورة أنزلت بتمامها.

والراجح عندي أنها أول ما نزل من القرآن على الإطلاق..

ولا أستثني من ذلك قوله تعالى: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ  خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ  اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ  الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ  عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ  ﴾ .

ومن آية ذلك أن السنة الإلهية في هذا الكون، سواء كان كون إيجاد أو كون تشريع أن يظهر سبحانه الشيء مجملًا، ثم يتبعه التفصيل بعد ذلك تدريجًا، وما مثل الهدايات الإلهية إلا مثل البذرة والشجرة العظيمة، فهي في بدايتها مادة حياة تحتوي على جميع أصولها ثم تنمو بالتدريج حتى تسبق فروعها، بعد أن تعظم دوحتها، ثم تجود عليك بثمرها.

والفاتحة مشتملة على مجمل ما ورد في القرآن، وكل ما فيه تفصيل للأصول التي وضعت فيها، ولست أعني بهذا ما يعبرون عنه بالإشارة ودلالة الحروف، كقولهم: إن أسرار القرآن في الفاتحة، وأسرار الفاتحة في البسملة، وأسرار البسملة في الباء، وأسرار الباء في نقطتها.

فإن هذا لم يثبت عن النبي  وأصحابه عليهم الرضوان، ولا هو معقول في نفسه، وإنما هو من مخترعات الغلاة الذين ذهب بهم الغلو إلى إعدام القرآن خاصته، وهي البيان.

وبيان ما أريد هو: أن ما نزل القرآن لأجله أمور: أحدها:التوحيد، لأن الناس كانوا كلهم وثنيين، وإن كان بعضهم يدعي التوحيد.

ثانيها:وعد من أخذ به وتبشيره بحسن المثوبة، ووعيد من لم يأخذ به وإنذاره بسوء العقوبة، والوعد يشمل ما للأمة وما للأفراد، فيعم نعم الدنيا والآخرة وسعادتهما، والوعيد كذلك يشمل نقمهما وشقاءهما فقد وعد الله المؤمنين بالاستخلاف في الأرض والعزة والسلطان والسيادة، وأوعد المخالفين بالخزي والشقاء في الدنيا، كما وعد في الآخرة بالجنة والنعيم وأوعد بنار الجحيم.

ثالثها:العبادة التي تحيي التوحيد في القلوب وتثبته في النفوس.

رابعها:بيان سبيل السعادة، وكيفية السير فيه، الموصل إلى نعم الدنيا والآخرة.

خامسها:قصص من وقف عند حدود الله تعالى، وأخذ بأحكام دينه، وأخبار الذين تعدوا حدوده، ونبذوا أحكام دينه ظهريًا، لأجل الاعتبار واختبار طريق المحسنين، ومعرفة سنن الله في البشر.

هذه هي الأمور التي احتوى عليها القرآن، وفيها حياة الناس وسعادتهم الدنيوية والأخروية، والفاتحة مشتملة عليها إجمالًا بغير ما شك ولا ريب.

فأما التوحيد: ففي قوله تعالى: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ  ﴾ ، لأنه ناطق بأن كل حمد وثناء يصدر عن نعمة ما فهو له تعالى، ولا يصح ذلك إلا إذا كان سبحانه مصدر كل نعمة في الكون تستوجب الحمد، ومنها نعمة الخلق والإيجاد والتربية والتنمية، ولم يكتف باستلزام العبارة لهذا المعنى، فصرح به بقوله: ﴿ رَبِّ الْعَالَمِينَ  ﴾ ، ولفظ ﴿ رَبِّ  ﴾ ليس معناه المالك والسيد فقط، بل فيه معنى التربية والإنماء، وهو صريح بأن كل نعمة يراها الإنسان في نفسه وفي الآفاق منه  فليس في الكون متصرف بالإيجاد والإشقاء والإسعاد سواه.

التوحيد أهم ما جاء لأجله الدين، ولذلك لم يكتف في الفاتحة بمجرد الإشارة إليه، بل استكمله بقوله: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ  ﴾ ، فاجتث بذلك جذور الشرك والوثنية التي كانت فاشية في جميع الأمم، وهي اتخاذ أولياء من دون الله، يستعان بهم على قضاء الحوائج في الدنيا، ويتقرب بهم إلى الله زلفى، وجميع ما في القرآن من آيات التوحيد ومقارعة المشركين هو تفصيل لهذا الإجمال.

وأما الوعد والوعيد: فالأول منهما مطوي في ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم  ﴾ ، فذكر الرحمة في أول الكتاب، وهي التي وسعت كل شيء - بالإحسان، لا سيما وقد كررها مرة ثانية تنبيهًا لنا على أمره إيانا بتوحيده وعبادته، رحمة منه سبحانه بنا، لأنه لمصلحتنا ومنفعتنا.

وقوله تعالى: ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ  ﴾ يتضمن الوعد والوعيد معًا، لأن معنى الدين الخضوع، أي أن له تعالى، في ذلك اليوم، السلطان المطلق والسيادة التي لا نزاع فيها، لا حقيقة ولا ادعاء، وأن العالم كله يكون فيه خاضعًا لعظمته ظاهرًا وباطنًا، يرجو رحمته ويخشى عذابه، وهذا يتضمن الوعد والوعيد.

أو معنى ﴿ الدِّينِ  ﴾ الجزاء وهو إما ثواب، للمحسن، وإما عقاب، للمسيء، وذلك وعد ووعيد.

وزد على ذلك أنه ذكر بعد ذلك ﴿ الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ  ﴾ .

وهو الذي من سلكه فاز ومن تنكبه هلك، وذلك يستلزم الوعد والوعيد.

وأما العبادة: فبعد أن ذكرت في مقام التوحيد بقوله.

﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ  ﴾ ، أوضح معناها بعض الإيضاح في بيان الأمر الرابع الذي يشملها ويشمل أحكام المعاملات وسياسة الأمة بقوله تعالى: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ  ﴾ ، أي أنه قد وضع لنا صراطًا سيبينه ويحدده وتكون السعادة في الاستقامة عليه هي روح العبادة.

ويشبه هذا قوله تعالى: ﴿ وَالْعَصْرِ  إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ  إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ  ﴾ ، فالتواصي بالحق والصبر هو كمال العبادة بعد التوحيد.

والفاتحة بجملتها تنفخ روح العبادة في المتدبر لها، وروح العبادة هي إشراب القلوب خشية الله وهيبته والرجاء لفضله، لا الأعمال المعروفة من فعل وكف وحركات اللسان والأعضاء، فقد ذكرت العبادة في الفاتحة قبل ذكر الصلاة وأحكامها والصيام وأيامه، وكانت هذه الروح في المسلمين قبل أن يكلفوا بهذه الأعمال البدنية، وقبل نزول أحكامها التي فصلت في القرآن تفصيلًا ما، وإنما الحركات والأعمال مما يتوسل به إلى حقيقة العبادة، ومخ العبادة والفكر والعبرة.

وأما الأخبار والقصص: ففي قوله تعالى: ﴿ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ  ﴾ ..

تصريح بأن هنالك قومًا تقدموا وقد شرع الله شرائع لهدايتهم، وصائح يصيح ألا فانظروا في الشؤون العامة التي كانوا عليها واعتبروا بها.

كما قال الله تعالى لنبيه يدعوه إلى الاقتداء بمن كان قبله من الأنبياء ﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ  ﴾ ، حيث بين أن القصص إنما هو للعظة والاعتبار.

وفي قوله تعالى: ﴿ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ  ﴾ تصريح بأن من دون المنعم عليهم فريقين: فريق ضل عن صراط الله وفريق جاحده وعاند من يدعو إليه فكان محفوفًا بالغضب الإلهي والخزي في الحياة الدنيا.

وباقي القرآن يفصل لنا في أخبار الأمم هذا الإجمال على الوجه الذي يفيد العبرة فيشرح حال الظالمين الذين قاوموا الحق عنادًا، والذين ضلوا فيه ضلالًا، وحال الذين حافظوا عليه وصبروا على ما أصابهم في سبيله.

فتبين من مجموع ما تقدم أن الفاتحة قد اشتملت إجمالًا على الأصول التي يفصلها القرآن تفصيلًا، فكان إنزالها أولًا موافقًا لسنة الله تعالى في الإبداع.

وعلى هذا تكون الفاتحة جديرة بأن تسمى (أم الكتاب)، كما نقول: إن النواة أم النخلة، فإن النواة مشتملة على شجرة النخلة كلها حقيقة لا كما قال بعضهم إن المعنى في ذلك أن الأم تكون أولًا ويأتي بعدها الأولاد.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ...

إنهاعلى كل حال من القرآن، فنتكلم عليها كسائر الآيات.

القرآن إمامنا وقدوتنا، فافتتاحه بهذه الكلمة إرشاد لنا بأن نفتتح أعمالنا بها، فما معنى هذا؟

ليس معناه أن نفتتح أعمالنا باسم من أسماء الله تعالى، بأن نذكره على سبيل التبرك أو الاستعانة به، بل أن نقول هذه العبارة: ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم  ﴾ ، فإنها مطلوبة لذاتها.

عندما تقول: إنني أذكر اسم الله تعالى كالعزيز والحكيم، لا تعني أنك تذكر لفظ"اسم"، فلو كان قولهم إن المراد من الابتداء بالكلمة"بسم الله"التبرك باسم الله هو الصواب لكان ينبغي أن يكون قولك"بالله الرحمن الرحيم"مثل (بسم الله الرحمن الرحيم)، وقوله تعالى ﴿ بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا  ﴾ ، وقد قال بعضهم: إن الإضافة ها هنا للبيان، أي أفتتح كلامي باسم هو الله ولكن هذا يقتضي أن يكون لفظ"الرحمن الرحيم"واردًا على اللفظ، وهو غير صحيح وإرادة أن الأسماء الثلاثة هي المبينة للفظ الاسم تَمَحُّلٌ ظاهر، فما المقصود إذًا من هذا التعبير؟

مثل هذا التعبير مألوف عند جميع الأمم، ومنهم العرب، وهو أن الواحد منهم إذا أراد أن يفعل أمْرًا ما لأجل أمير أو عظيم، بحيث يكون متجردًا من نسبته إليه ومنسلخًا عنه، يقول: عمله باسم فلان ويذكر اسم ذلك الأمير أو السلطان، لأن اسم الشيء دليل وعنوان عليه، فإذا كنت أعمل عملًا لا يكون له وجود ولا عنه أثر، لولا السلطان الذي به أمر، أقول..

إن عملي هو باسم السلطان، أي أنه معنون باسمه، ولولاه لما عملته، فمعنى ابتدئ عملي (باسم الله الرحمن الرحيم) أنني أعمل بأمره وله لا لي ولا أعمله باسمي مستقلًا به على أنني فلان، فكأني أقول: إن هذا العمل لله لا لحظ نفسي.

وفيه وجه آخر: وهو أن القدرة التي أنشأت بها العمل هي من الله تعالى، فلولا ما منحني منها لم أعمل شيئًا، فلم يصدر عني هذا العمل إلا باسم الله، ولم يكن باسمي، إذ لولا ما آتاني من القوة عليه لم أستطع أن آتيه، وقد تم هذا المعنى بلفظ (الرحمن الرحيم) كما هو ظاهر.

وحاصل المعنى أنني أعمل متبرئًا من أن يكون باسمي، بل هو باسمه تعالى، لأنني أستمد القوة والعناية منه، وأرجو إحسانه عليه، فلولاه لم اقدر عليه ولم أعمله، بل وما كنت عاملًا له على تقدير القدرة عليه لولا أمره ورجاء فضله، فلفظ الاسم معناه مراد، ومعنى لفظ الجلالة مراد أيضًا وكذلك كل من لفظ الرحمن والرحيم.

وهذا الاستعمال معروف مألوف في كل اللغات، وأقربه إليكم اليوم ما ترون في المحاكم النظامية حيث يبتدئون الأحكام قولًا وكناية باسم السلطان فلان أو الخديوي فلان.

ومعنى البسملة في الفاتحة أن جميع ما يقرر في القرآن من الأحكام والآيات وغيرها هو لله ومنه ليس لأحد غير الله فيه شيء.

والرحمن الرحيم: مشتقان من الرحمة، وهي معنى يلم بالقلب، فيبعث صاحبه ويحمله على الإحسان إلى غيره، وهو محال على الله تعالى بالمعنى المعروف عند البشر، لأنه في البشر ألم في النفس شفاؤه الإحسان، والله تعالى منزه عن الآلام والانفعالات، فالمعنى المقصود بالنسبة إليه من الرحمة أثرها وهو الإحسان.

وقد مشى"الجلال"في تفسيره، وتبعه"الصبان"على أن الرحمن والرحيم بمعنى واحد، وأن الثاني تأكيد للأول ومن العجيب أن يصدر مثل هذا القول عن عالم مسلم وما هي إلا غفلة نسأل الله أن يسامح صاحبها.

وأنا لا أجيز لمسلم أن يقول في نفسه أو بلسانه: إن في القرآن كلمة تغاير أخرى، ثم تأتي لمجرد تأكيد غيرها بدون أن يكون لها في نفسها معنى تستقل به.

نعم..

قد يكون في معنى الكلمة ما يزيد معنى الأخرى تقريرًا أو إيضاحًا، ولكن الذي لا أجيزه هو أن يكون معنى الكلمة هو عين معنى الأخرى بدون زيادة ثم يؤتى بها لمجرد التأكيد لا غير بحيث تكون مما يسمى بالمترادف في عرف أهل اللغة، فإن ذلك لا يقع إلا في كلام من يرمي في لفظه إلى مجرد التنميق والتزويق، وفي العربية طرق للتأكيد ليس هذا منها.

وأما ما يسمونه بالحرف الزائد الذي يأتي للتأكيد فهو حرف وضع لذلك، ومعناه هو التأكيد، وليس معناه معنى الكلمة التي يؤكدها، فالباء في قوله تعالى: ﴿ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا  ﴾ تؤكد معنى اتصال الكفاية بجانب الله جل شأنه بذاتها ومعناها الذي وضعت له، ومعنى وصفها بالزيادة أنها كذلك في الإعراب، وكذلك معنى"من"في قوله ﴿ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ  ﴾ ونحو ذلك.

أما التكرار للتأكيد أو التقريع أو التهويل فأمر سائغ في أبلغ الكلام عندما يظهر ذلك القصد منه كتكرار جملة ﴿ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ  ﴾ ونحوها عقيب ذكر كل نعمة، وهي عند التأمل ليست مكررة، فإن معناها: أفبهذه النعمة تكذبان، وهكذا كل ما جاء في القرآن على هذا النحو.

والجمهور على أن معنى الرحمن: المنعم بجلائل النعم، ومعنى الرحيم: المنعم بدقائقها.

وبعضهم يقول: إن الرحمن: هو المنعم بنعم عامة تشمل الكافرين مع غيرهم، والرحيم: المنعم بالنعم الخاصة بالمؤمنين.

وكل هذا تحكم في اللغة مبني على أن زيادة المبني تدل على زيادة المعنى.

ولكن الزيادة تدل على زيادة الوصل مطلقًا، فصفة الرحمن تدل على كثرة الإحسان الذي يعطيه، سواء كان جليلًا أو دقيقًا، وأما كون أفراد الإحسان التي يدل عليها اللفظ الأكثر حروفًا أعظم من أفراد الإحسان التي يدل عليها اللفظ الأقل حروفًا، فهو غير مَعْنيِّ ولا مراد.

وقد قارب من قال: إن معنى الرحمن: المحسن بالإحسان العام، ولكنه أخطأ في تخصيص مدلول الرحيم بالمؤمنين.

ولهل الذي حمل من قال: إن الثاني مؤكد للأول على قوله هذا هو عدم الاقتناع بما قالوه من التفرقة مع عدم التفطن لما هو أحسن منه.

والذي أقول: إن صيغة فَعْلَان تدل على وصف فعلي فيه معنى المبالغة كَفَعَّال، وهو في استعمال اللغة للصفت العارضة كعطشان وغرثان وغضبان، وأما صيغة فَعِيل فإنها تدل في الاستعمال على المعاني الثابتة كالأخلاق والسجايا في الناس كعليم وحكيم وجميل.

والقرآن لا يخرج عن الأسلوب العربي البليغ في الحكاية عن صفات الله  ، التي تعلو عن مماثلة صفات المخلوقين، فلفظ الرحمن يدل على من تصدر عنه آثار الرحمة بالفعل، وهي إفاضة النعم والإحسان، ولفظ الرحيم يدل على منشأ هذه الرحمة والإحسان وعلى أنها من الصفات الثابتة الواجبة، وبهذا المعنى لا يستغني بأحد الوصفين عن الآخر، ولا يكون الثاني مؤكدًا للأول، فإذا سمع العربي وصف الله جل ثناؤه بالرحمن وفهم منه أنه المفيض بالنعم فعلًا، لا يعتقد منه أن الرحمن من الصفات الواجبة له دائمًا لأن الفعل قد ينقطع إذا كان لم يكن عن صفة لازمة ثابتة، وإن كان كثيرًا، فعندما يسمع لفظ الرحيم يكمل اعتقاده على الوجه الذي يليق بالله تعالى ويرضيه سبحانه ويعلم أن لله صفة ثابتة هي صفة الرحمن التي عنها يكون أثرها، وإن كانت تلك الصفة على غير مثال صفات المخلوقين، ويكون ذكرها بعد الرحمن كذكر الدليل بعد المدلول ليقوم برهانًا عليه.

رسالة إلى أحد العلماء حضرة الأستاذ الفاضل..

أثابك الله على صدق مودتك، ونفعني بإخلاص الصادقين أمثالك، ووفقني الله وإياك للعمل فيما يفيد هذه الأمة، التي نهكتها البدع، وقتلها الزيغ عن الطريق المتبع، وإني أحمد الله على هذه البقية في المسلمين - بقية صالحة في نفوس مستعدة تنشد الحق وتتلمسه فإذا عثرت عليه حَنّت إليه- أمدها الله بالسعي الدائب، والغذاء الصالح، حتى تنمو وتكون شجرة طيبة، أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، لا أزيدك وصية بمزاولة البحث فيما يُنقِّي العقائد من شُبَه الإشراك، وغرور اليأس والأمل، وجراثيم التواكل والكسل، ثم نشر ذلك بكل وسيلة تمكن منه، ثم بالصبر على ما يقول المقلدون، ويهذي به المتكبرون، ممن يلقبون"بالعلماء"وهم لا يعلمون، ففي مثلهم يقول الله: ﴿ سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا  ﴾ ولا يكون كِبْرٌ في الأرض بغير الحق مثل هذا الكِبْر الذي ترتديه هذه النصب، وتظهر في سرابيله هذه التماثيل التي ينحلها الناس ما ليس لها، ويسمونها بأسماء لم ينزل الله بها من سلطان، وما هؤلاء القوم إلا أولئك السادات الذين سيقول المغترون بهم: ﴿ رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا  ﴾ .

أسأل الله أن يعينك على من يليك، ويوفقك لتأييد كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

أما مسألة التأكيد فالأمر فيها سهل، وتعلم أنني ممن يكتب، ويقال إن لي حظًا من معرفة دقائق البلاغة، وإن كنت لا أحسب لنفسي في ذلك حسابًا، ولا أزال أستعمل التوكيد في كلامي، وأذوق لذته، وأعرف موقعه من كلام غيري، وأنكر العبارة تخلو منه وهي محتاجة إليه، وهو معنى من المعاني المقصودة التي وضعت لها في اللغة ألفاظ خاصة كلفظ"إنّ"و"اللام"ونحوهما.

ثم من الألفاظ ما يكون فيه شيء من معنى الآخر، فيؤتي باللفظين ليؤكد أحدهما الآخر بما فيه من المعنى المشترك، ثم يزيد بما انفرد به، كالسيف والصارم، كل هذا لا أنكر شيئًا منه ولكني أنكر الذي يلجأون إليه بدون بيان صحيح، فيقال كلمة كذا توكيد بدون بيان وجه التوكيد، أو لفظ كذا زائد كما يقول"الجلال" في قوله تعالى ﴿ فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ فَقَدْ اهْتَدَوا  ﴾ إن لفظ"مثل"زائد، تعالى الكتاب عن ذلك،"فالجلال"و"الصبان" قالا إن ﴿ الرحيم  ﴾ توكيد، لظنهما أن لا معنى في ﴿ الرحيم  ﴾ سوى ما في ﴿ الرحمن  ﴾ ، وإني أنزه القرآن عما ظنا، حتى لو قصد التوكيد فإنه يكون بمنزلة الرحمن الرحيم، وإنما غاير اللفظ للتحلية وهذا ما أبرئ القرآن منه.

والذي صرحت به في هذا المعنى سبقني إليه"ابن جرير الطبري".

فقد صرح بأنه لا يوجد في القرآن كلمة زائدة لغير معنى مقصود، وهو الذي عنيته.

أما احتمال التوكيد، والوجه الذي ذكرته، فإني لا أراه لأنه لا علاقة بين التوحيد ومعنى الرحمة، ولو ذكر جميع الألفاظ المترادفة في هذا المعنى لم يفد شيئًا في نفي التعدد، ولم يسبق في التاريخ أن أحدًا ذهب إلى أن الرحمن معبود والرحيم معبود آخر حتى يرد عليه بأنهما شيء واحد، ولكن الذي عُرف هو قول النصارى: في ابتداء شؤونهم: باسم الآب والابن والروح القدس، وهو في زعمهم ثلاثة مختلفة الآحاد مع أنها واحد، فأراد الله أن يجعل للمسلمين فاتحة أعمال تحتوي على ثلاثة معان: الأول ذات والآخران صفتان، فلفظ الجلالة هو الذات وهو يقابل الآب عندهم والرحمن: وصف الفعل المتجدد الصادر من فيض الكرم، وهو يقابل الابن، لزعمهم أنه منبثق من الذات، والرحيم: يدل على الصفة الثابتة للذات الأقدس، وهي التي يرجع إليها الفعل المتجدد، وباعتبارها يصدر ويتجدد، وهو يقابل روح القدس، فإنه عندهم الصلة بين الآب والابن، وإن حاولوا ستر ذلك بضروب من العبارات، فأراد الكتاب أن يعلمنا كيف نضع التوحيد مكان التثليث، ونستبدل بألفاظ التشبيه خيرًا منها من ألفاظ التنزيه، ولا يفوتنا المعنى الذي يحتج بقصده من الآب والابن والروح القدس وهو معنى الرحمة وإفاضة النعمة، وهذا هو وجه تكرير هذه الفاتحة الكريمة في كل سورة، والندب إلى الافتتاح بها في كل عمل ذي بال، ولكن غفل كثير من المسلمين عن مرامي إشارات الكتاب فأتوا من عند أنفسهم بما ليس من معناه في شيء.

لا أجد وقتًا لإطالة البحث فيما ذكرت عن"السعد" وغيره وأظن أن فيما كتبته كفاية لذكر مثلك، وأرجو أن لا تنقطع عن مراسلتي، والسلام.

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ  ﴾ ..

قالوا: إن معنى الحمد: الثناء باللسان، وقيدوه بالجميل، لأن كلمة"ثناء"تستعمل في المدح والذم جميعًا، يقال أثنى عليه شرًا كما يقال: أثنى عليه خيرًا...

ويقولون: إن"أل"التي في"الحمد"هي للجنس في أي فرد من أفراده لا للاستغراق ولا للعهد المخصوص، لأنه لا يصار إلى كل منهما في فهم الكلام إلا بدليل، وهو غير موجود في الآية، ومعنى كون الحمد لله تعالى بأي نوع من أنواعه هو أن أي شيء يصح الحمد عليه فهو مصدره وإليه مرجعه، فالحمد لله على كل حال.

وهذه الجملة خبرية، ولكنها استعملت لإنشاء الحمد، فأما معنى الخبرية فهو إثبات أن الثناء الجميل في أي أنواعه تحقق فهو ثابت له تعالى وراجع إليه، لأنه متصف بكل ما يحمد عليه الحامدون، فصفاته أجمل الصفات، وإحسانه عم جميع الكائنات، ولأن جميع ما يصح أن يتوجه غليه الحمد مما سواه فهو منه جل ثناؤه، إذ هو مصدر الكون كله، فيكون له ذلك الحمد أولًا وبالذات.

والخلاصة: أن أي حمد يتوجه إلى محمود ما فهو لله تعالى، سواء لاحظه الحامد أو لم يلاحظه، وأما معنى الإنشائية فهو أن الحامد جعلها عبارة عما وجهه من الثناء إلى الله تعالى في الحال.

﴿ رَبِّ الْعَالَمِين  ﴾ : يشعر هذا الوصف ببيان وجه الثناء المطلق، ومعنى الرب: السيد المربي الذي يسوس مسوده ويربيه ويدبره، و ﴿ الْعَالَمِينَ  ﴾ جمع عالم، جمعه جمع المذكر العاقل تغليبًا، وأراد به جميع الكائنات الممكنة، أي أنه رب كل ما يدخل في مفهوم لفظ العالم.

وما جمعت العرب لفظ العالم هذا الجمع إلا لنكتة تلاحظها فيه، وهي أن هذا اللفظ لا يطلق عندهم على كل كائن وموجود كالحجر والتراب وإنما يطلقونه على كل جملة متمايزة لأفرادها صفات تقربها من العاقل الذي جمعت جمعه إن لم تكن منه، فيقال، عالم الإنسان وعالم الحيوان وعالم النبات.

ونحن نرى أن هذه الأشياء هي التي يظهر فيها معنى التربية الذي يعطيه لفظ"رب"لأن فيها مبدأها، وهو الحياة والتغذي والتوالد، وهذا ظاهر في الحيوان.

ولقد كان"السيد" رحمه الله تعالى يقول: الحيوان شجرة قطعت رجلها من الأرض، فهي تمشي، والشجرة حيوان ساخت رجلاه في الأرض، فهو قائم في مكانه يأكل ويشرب وإن كان لا ينام ولا يغفل.

﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ  ﴾ ..

تقدم معناهما، وبقي الكلام في إعادتهما والنكتة فيها ظاهرة، وهي أن تربيته للعالمين ليست لحاجة به إليهم كجلب منفعة أو دفع مضرة وإنما هي لعموم رحمته وشمول إحسانه.

وثم نكتة أخرى، وهي أن البعض يفهم من معنى"الرب"الجبروت والقهر فأراد الله تعالى أن يذكرهم برحمته وإحسانه ليجمعوا بين اعتقاد الجلال والجمال فذكر الرحمن وهو المفيض للنعم بسعة وتجدد لا منتهى لهما، والرحيم الثابت له وصف الرحمة لا يزايله أبدًا، فكأن الله تعالى أراد أن يتحبب إلى عباده فعرفهم أن ربوبيته ربوبية رحمة وإحسان ليعلموا أن هذه الصفة هي التي ربما يرجع إليها معنى الصفات، وليتعلقوا به ويقبلوا على اكتساب مرضاته منشرحة صدورهم مطمئنة قلوبهم.

ولا ينافي عموم الرحمة وسبقها ما شرعه الله من العقوبات في الدنيا وما أعده من العذاب في الآخرة للذين يتعدون الحدود وينتهكون الحرمات، فإنه وإن سمي قهرًا بالنسبة لصورته ومظهره فهو في حقيقته وغايته من الرحمة لأن فيه تربية للناس وزجرًا لهم عن الوقوع فيما يخرج عن حدود الشريعة الإلهية وفي الانحراف عنها شقاؤهم وبلاؤهم، وفي الوقوف عندها سعادتهم ونعيمهم، والوالد الرؤوف يربي ولده بالترغيب فيما ينفعه والإحسان عليه إذا قام به وربما لجأ إلى الترهيب والعقوبة إذا اقتضت ذلك الحال.

ولله المثل الأعلى لا إله إلا هو وإليه يرجعون.

﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ  ﴾ ..

قرأ عاصم والكسائي ويعقوب:"مالك"والباقون"مَلِك"، وعليها أهل الحجاز، والفرق بينهما أن المالك ذو المِلْك (بكسر الميم) والمَلِك ذو المُلْك (بضمها)، والقرآن يشهد للأولى بمثل قوله ﴿ يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا  ﴾ وللثانية بقوله ﴿ لِمَنْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ  ﴾ .

قال بعضهم: إن قراءة مَلِك أبلغ، لأن هذا اللفظ يفهم منه معنى السلطان والقوة والتدبير، وقال آخرون: إن القراءة الأخرى أبلغ لأن المالك هو الذي يدبر أعمال رعيته العامة ولا تصرف له بشيء من شؤونهم الخاصة، وإنما تظهر هذه التفرقة في عبد مملوك في مملكة لها سلطان، ولا ريب أن مالكه هو الذي يتولى جميع شؤونه دون سلطانه.

و ﴿ الدِّينِ  ﴾ يطلق في اللغة على المكافأة، وورد"كما تدين تدان"وقال الشاعر: ولم يبق سوى العدوا ن دناهم كما دانوا وعلى الجزاء وهو قريب من معنى المكافأة، وعلى الطاعة وعلى الإخضاع وعلى السياسة، يقال دَيَّنَ فلان فلانًا أي تولى سياسته، وهو قريب من معنى الإخضاع، وعلى الشريعة، وما يؤخذ العباد به من التكاليف.

والمناسب هنا من هذه المعاني الجزاء والخضوع، وإنما قال ﴿ يَوْمِ الدِّينِ  ﴾ ولم يقل"الدين"لتعريفنا بأن للدين يومًا ممتازًا عن سائر الأيام وهو اليوم الذي يلقى فيه كل عامل عمله ويوفى جزاءه.

ولسائل أن يسأل: أليست كل الأيام جزاء، وكل ما يلاقيه الناس في هذه الحياة من البؤس هو جزاء على تفريطهم في أداء الحقوق، والقيام بالواجبات عليهم؟

والجواب: بلى، إن أيامنا التي نحن فيها قد يقع فيها الجزاء على أعمالنا، ولكن ربما لا يظهر لأربابه إلا على بعضها دون جميعها.

والجزاء على التفريط في العمل الواجب إنما يظهر في الدنيا ظهورًا تامًا بالنسبة لمجموع الأمة لا لكل فرد من الأفراد، فما من أمة انحرفت عن صراط الله المستقيم، ولم تراع سننه في خليقته إلا وأحل بها العدل الإلهي ما تستحق من الجزاء، كالفقر والذل وفقد العزة والسلطة.

وأما الأفراد فإنا نرى كثيرًا من المسرفين الظالمين يقضون أعمارهم منغمسين في الشهوات واللذات نعم، إن ضمائرهم توبخهم أحيانًا، وإنهم لا يسلمون من المنغصات، وقد يصيبهم النقص في أموالهم وعافية أبدانهم وقوة عقولهم، ولكن هذا كله لم يقابل بعض أعمالهم القبيحة، لا سيما الملوك والأمراء الذين تشقى بأعمالهم السيئة أمم وشعوب.

كذلك نرى من المحسنين في أنفسهم وللناس من يبتلى بهضم الحقوق ولا ينال من الجزاء على عمله شيئًا مما يستحقه، وإن كان قد ينال من الجزاء رضى نفسه، وسلامة أخلاقه، وصحة ملكاته، ولكن ذلك ليس كل ما يستحق، وفي ذلك اليوم يوفى كل فرد من أفراد العاملين جزاءه كاملًا لا يظلم شيئًا منه، كما قال تعالى: ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه  وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه  ﴾ .

علمنا الله أنه رحمن رحيم، ليجذب قلوبنا إليه، ولكن..

هل يشعر كل عباده بهذه المنة فينجذبوا إليه الانجذاب المطلوب؟

..

كلا ..!!

..

أليس فينا من يسلك كل سبيل؟

لا يبالي بمستقيم ومعوج؟

..

بلى!

ولهذا أعقب سبحانه ذكر الرحمة بذكر الدين، فعرفنا أنه يدين العباد ويجازيهم على أعمالهم، فكان من رحمته بعباده أن رباهم بنوعي التربية كليهما -الترغيب والترهيب- كما تشهد بذلك آيات القرآن الكثيرة.

﴿ نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ  وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ  ﴾ .

﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ  ﴾ ما هي العبادة؟

يقولون: هي الطاعة مع غاية الخضوع.

وما كل عبارة تمثل المعنى تمام التمثيل، وتجليه للأفهام واضحًا لا يقبل التأويل، فكثيرًا ما يفسرون الشيء ببعض لوازمه، ويعرفون الحقيقة برسومها، بل يكتفون أحيانًا بالتعريف اللفظي ويبينون الكلمة بما يقرب من معناها، ومن ذلك هذه العبارة التي شرحوا بها معنى العبادة، فإن فيها إجمالًا وتساهلًا.

وإننا إذا تتبعنا آي القرآن وأساليب اللغة واستعمال العرب"لعبد"وما يماثلها ويقاربها في المعنى كخضع وخنع وأطاع وذل، نجد أنه لا شيء من هذه الألفاظ يضاهي"عبد"ويحل محلها ويقع موقعها، ولذلك قالوا: إن لفظ"العباد"مأخوذ من"العبادة"، فتكثر إضافته إلى الله تعالى ولفظ (العبيد) تكثر إضافته إلى غير الله تعالى، لأنه مأخوذ من العبودية بمعنى الرق، وفرق بين العبادة والعبودية بذلك المعنى.

ومن هنا قال بعض العلماء: إن العبادة لا تكون في اللغة إلا لله تعالى.

ولكن استعمال القرآن يخالفه.

يغلو العاشق في تعظيم معشوقه والخضوع له غلوًا كبيرًا حتى يفنى في هواه وتذوب إرادته في إرادته، ومع ذلك لا يسمى خضوعه هذا عبادة بالحقيقة، ويبالغ كثير من الناس في تعظيم الرؤساء والملوك والأمراء، فترى من خضوعهم لهم وتحريهم مرضاتهم ما لا تراه من المتحنثين القانتين، فضلًا عن سائر العابدين، ولم يكن العرب يسمون شيئًا من هذا الخضوع عبادة.

فما هي العبادة إذن؟

تدل الأساليب الصحيحة، والاستعمال العربي الصراح على أن العبادة ضرب من الخضوع بالغ حد النهاية، ناشيء عن استشعار القلب عظمة للمعبود لا يعرف منشأها، واعتقاده بسلطة لا يدرك كنهها، وماهيتها، وقصارى ما يعرفه منها أنها محيطة به ولكنها فوق إدراكه، فمن ينتهي إلى أقصى الذل لملك من الملوك لا يقال إنه عبده، وإن قبل مواطئ أقدامه، ما دام سبب الذل والخضوع معروفًا وهو الخوف من ظلمه المعهود، أو الرجاء بكرمه المحدود، اللهم إلا بالنسبة للذين يعتقدون أن المُلْك قوة غيبية سماوية أفيضت على الملوك من الملأ الأعلى، واختارتهم للاستعلاء على سائر أهل الدنيا، لأنهم أطيب الناس عنصرًا وأكرمهم جوهرًا، وهؤلاء هم الذين انتهى بهم هذا الاعتقاد إلى الكفر والإلحاد، فاتخذوا الملوك آلهة وأربابًا وعبدوهم عبادة حقيقية.

للعبادة صور كثيرة في كل دين من الأديان، شرعت لتذكير الإنسان بذلك الشعور بالسلطان الإلهي الأعلى الذي هو روح العبادة وسرها، ولكل عبادة من العبادات الصحيحة أثر في تقويم أخلاق القائم بها وتهذيب نفسه، والأثر إنما يكون على ذلك الروح والشعور الذي قلنا إنه منشأ التعظيم والخضوع، فإذا وجدت صورة العبادة خالية من هذا المعنى لم تكن عبادة، كما أن صورة الإنسان وتمثاله ليس إنسانًا.

خذ إليك عبادة الصلاة مثلًا، وانظر كيف أمر الله بإقامتها دون مجرد الإتيان بها، وإقامة الشيء هي الإتيان به مقومًا كاملًا يصدر عن علته وتصدر عنه آثاره.

وآثار الصلاة ونتائجها هي ما أنبأنا الله تعالى بها بقوله: ﴿ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ  ﴾ وقوله  : ﴿ إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا  إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا  وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا  إِلاَّ الْمُصَلِّينَ  ﴾ ، وقد توعد الذين يأتون بصورة الصلاة من الحركات والألفاظ مع السهو عن معنى العبادة وسرها فيها، المؤدي إلى غايتها بقوله: ﴿ فويل للمصلين  الذين هم عن صلاتهم ساهون  الذين هم يرآءون  ويمنعون الماعون  ﴾ ، فسماهم مصلين لأنهم أتوا بصورة الصلاة ووصفهم بالسهو عن الصلاة الحقيقية التي هي توجه القلب إلى الله تعالى المذكر بخشيته، والمشعر للقلوب بعظيم سلطانه، ثم وصفهم بأثر هذا السهو وهو الرياء ومنع الماعون.

والرياء ضربان: رياء النفاق، وهو العمل لأجل رؤية الناس، ورياء العادة، وهو العمل بحكمها من غير ملاحظة معنى العمل وسره وفائدته وملاحظة من يعمل له ويتقرب إليه به.

وهو ما عليه أكثر الناس فإن صلاة أحدهم في طور الرشد والعقل هي عين ما كان يحاكي به أباه في طور الطفولية عندما يراه يصلي يستمر على ذلك بحكم العادة من غير فهم ولا عقل وليس لله شيء في هذه الصلاة: وقد ورد في أحاديث كثيرة أن من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعدًا، وأنها تلف كما يلف الثوب البالي ويضرب بها وجهه.

وأما الماعون فهو المعونة والخير الذي تقدم في الآية الأخرى أن من شأن الإنسان أن يكون منوعًا له، إلا المصلين.

والاستعانة هي طلب المعونة، والمعونة هي سد العجز والمساعدة على إتمام العمل الذي يعجز عنه المستعين بنفسه.

أمرنا الله تعالى بأن لا نعبد غيره، لأن السلطة الغيبية التي هي وراء الأسباب ليست إلا له، دون غيره، فلا يشاركه فيها أحد فيعظم تعظيم العبادة، وأمرنا بأن لا نستعين بغيره أيضًا.

وهذا يحتاج إلى البيان لأنه أمرنا أيضًا في آيات أخرى بالتعاون فقال: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى  ﴾ ، فما معنى حصر الاستعانة به مع ذلك؟

الجواب: أن كل عمل يعمله الإنسان تتوقف ثمرته ونجاحه على حصول الأسباب التي اقتضت الحكمة الإلهية أن تكون مؤدية إليه، وانتفاء الموانع التي من شأنها، بمقتضى الحكمة، أن تحول دونه، وقد مكن الله تعالى الإنسان بما أعطاه من العلم والقوة من دفع بعض الموانع وكسب بعض الأسباب وحجب عنه البعض الآخر، فيجب علينا أن نقوم بما في استطاعتنا من ذلك ونبذل في إتقان أعمالنا كل ما نستطيع من حول وقوة، وأن نتعاون، ويساعد بعضنا بعضًا على ذلك، ونفوض الأمر فيما وراء كسبنا إلى القادر على كل شيء ونلجأ إليه وحده ونطلب المعونة المتممة للعمل والموصلة لثمرته منه سبحانه دون سواه، إذ لا يقدر على ما وراء الأسباب الممنوحة لكل البشر على السواء إلا سبب الأسباب ورب الأرباب، فقوله تعالى: ﴿ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ  ﴾ متمم لمعنى قوله: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ  ﴾ لأن الاستعانة بهذا المعنى فزع من القلب إلى الله وتعلق من النفس به، وذلك من مخ العبادة، فإذا توجه العبد بها إلى غير الله تعالى كانت ضربًا من ضروب العبادة الوثنية التي كانت ذائعة في زمن التنزيل وقبله وخصت بالذكر لئلا يتوهم الجهلاء أن الاستعانة بمن اتخذوه أولياء من دون الله واستعانوا بهم فيما وراء الأسباب المكتسبة لعامة الناس هي كالاستعانة بسائر الناس في الأسباب العامة فأراد الحق جل شأنه أن يرفع هذا اللبس عن عباده ببيان أن الاستعانة فيما هو في استطاعة الناس بالناس إنما هي ضرب من استعمال الأسباب المسنونة، وما منزلتها إلا كمنزلة الآلات فيما هي آلات له، بخلاف الاستعانة في شؤون تفوت الْقُدَرَ والقوى المعروفة في متناول الفهم، كالاستعانة على شفاء المرض بما وراء الدواء، وعلى غلبة العدو بما وراء العِدَّة والعُدَّة، فإن ذلك مما لا يجوز الفزع به لغير الله تعالى صاحب السلطان الأعظم على ما لا يصل إليه سلطان أحد من العالم.

فالزارع يبذل جهده في الحرث والعذق وتسميد الأرض وريها ويستعين بالله تعالى على إتمام ذلك بمنع الآفات والجوائح السماوية أو الأرضية، والتاجر يحذق في اختيار الأصناف، ويمهر في صناعة الترويج، ثم يتكل على الله فيما بعد ذلك.

ومن هنا تعلمون أن الذين يستعينون بأصحاب الأضرحة والقبور على قضاء حوائجهم وتيسير أمورهم وشفاء أمراضهم ونماء حرثهم وزرعهم وهلاك أعدائهم وغير ذلك من المصالح، عن صراط التوحيد ناكبون، وعن ذكر الله معرضون.

أرشدتنا هذه الكلمة الوجيزة ﴿ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ  ﴾ إلى أمرين عظيمين هما معراج السعادة في الدنيا والآخرة: أحدهما: أن نعمل الأعمال النافعة ونجتهد في إتقانها ما استطعنا، لأن طلب المعونة لا يكون إلا على عمل بذل فيه المرء طاقته فلم يوفه حقه أو يخشى أن لا ينجح فيه، فطلب المعونة على إتمامه وكماله.

ومن وقع من يده القلم على المكتب لا يطلب المعونة من أحد على إمساكه، ومن وقع تحت عبء ثقيل يعجز عن النهوض به وحده يطلب المعونة من غيره على رفعه، بعد استفراغ القوة في الاستقلال به، وهذا الأمر هو مرقاة السعادة الدنيوية وركن من أركان السعادة الأخروية.

وثانيهما: ما أفاده الحصر من وجوب تخصيص الاستعانة بالله تعالى وحده فيما وراء ذلك، وهو روح الدين وكمال التوحيد الخالص الذي يرفع نفوس معتقديه ويخلصها من رق الأغيار ويفك إرادتهم من أسر الرؤساء الروحانيين، والشيوخ الدجالين، ويطلق عزائمهم من قيد المهيمنين الكاذبين، من الأحياء والميتين، فيكون المؤمن مع الناس حرًا خالصًا وسيدًا كريمًا، ومع الله عبدًا خاضعًا ﴿ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا  ﴾ .

﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ  ﴾ الهداية في اللغة: الدلالة بلطف على ما يوصل إلى المطلوب.

منح الله تعالى الإنسان أربع هدايات يتوصل بها إلى سعادته: أولاها: هداية الوجدان الطبيعي والإلهام الفطري، وتكون للأطفال منذ ولادتهم فإن الطفل بعدما يولد يشعر بألم الحاجة إلى الغذاء فيصرخ طالبًا له بفطرته وعندما يصل الثدي إلى فيه يلهم التقامه وامتصاصه.

الثانية: هداية الحواس والمشاعر، وهي متمة للهداية الأولى في الحياة الحيوانية ويشارك الإنسان فيهما الحيوان الأعجم بل هو فيهما أكمل من الإنسان، فإن حواس الحيوان وإلهامه يكملان له بعد ولادته بقليل بخلاف الإنسان فإن ذلك يكمل فيه بالتدريج في زمن غير قصير، ألا تراه عقب الولادة لا تظهر عليه علامات إدراك الأصوات والمرئيات، ثم بعد مدة يبصر ولكنه لقصر نظره يجهل تحديد المسافات فيحسب البعيد قريبًا فيمد يديه إليه ليتناوله وإن كان قمر السماء ولا يزال يغلط حسه حتى في طور الكمال؟

الثالثة: هداية العقل.

خلق الإنسان ليعيش مجتمعًا ولم يعط من الإلهام والوجدان ما يكفي مع الحس الظاهر لهذه الحياة الاجتماعية كما أُعطي النحل والنمل، فإن الله قد منحها من الإلهام ما يكفيها لأن تعيش مجتمعة يؤدي كل واحد منها وظيفة العمل لجميعها، ويؤدي الجميع وظيفة العمل للواحد، وبذلك قامت حياة أنواعها كما هو مشاهد.

أما الإنسان فلم يكن من خاصة نوعه أن يتوفر له مثل ذلك الإلهام فحباه الله هداية هي أعلى من هداية الحس والإلهام وهي العقل الذي يصحح غلط الحواس والمشاعر ويبين أسبابه، وذلك أن البصر يرى الكبير على البعد صغيرًا ويرى العود المستقيم في الماء معوجًا والصفراوي يذوق الحلو مرًا والعقل هو الذي يحكم بفساد هذا الإدراك.

الرابعة: هداية الدين.

يغلط العقل في إدراكه كما تغلط الحواس وقد يهمل الإنسان استخدام حواسه وعقله فيما فيه سعادته الشخصية والنوعية، ويسلك بهذه الهدايات مسالك الضلال، فيجعلها مسخرة لشهواته ولذاته حتى تورده مورد الهلكة.

فإذا وقعت المشاعر في مزالق الذلل، واسترقت الحظوظ والأهواء العقل، فصار يستنبط لها ضروب الحيل، فكيف يتسنى للإنسان مع ذلك أن يعيش سعيدًا؟.

وهذه الحظوظ والأهواء ليس لها حد يقف الإنسان عنده، وما هو بعائش وحده، وكثيرًا ما تتطاول به إلى ما في يد غيره فهي لهذا تقضي أن يعدو بعض أفراده على بعض فيتنازعون ويتدافعون ويتجادلون ويتجالدون، ويتواثبون ويتناهبون، حتى يفني بعضهم بعضًا ولا تغني عنهم تلك الهدايات شيئًا، فاحتاجوا إلى هداية ترشدهم في ظلمات أهوائهم، إذا هي غلبت على عقولهم، وتبين لهم حدود أعمالهم ليقفوا عندها، ويكفوا أيديهم عما وراءها.

ثم إن مما أودع في غرائز الإنسان الشعور بسلطة غيبية متسلطة على الأكوان، ينسب إليها كل ما لا يعرف له سببًا، لأنها هي الواهبة كل موجود ما به قوام وجوده، وبأن له حياة وراء هذه الحياة المحدودة.

فهل يستطيع أن يصل بتلك الهدايات الثلاث إلى تحديد ما يجب عليه لصاحب تلك السلطة الذي خلقه وسواه ووهبه هذه الهدايات وغيرها وما فيه سعادته في تلك الحياة الثانية؟

كلا!

إنه في أشد الحاجة إلى هذه الهداية الرابعة -الدين- وقد منحه الله تعالى إياها.

أشار القرآن إلى أنواع الهداية التي وهبها الله تعالى للإنسان في آيات كثيرة منها قوله تعالى ﴿ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ  ﴾ أي طريق السعادة والشقاوة والخير والشر ..

وهذه تشمل هداية الحواس الظاهرة والباطنة وهداية العقل وهداية الدين.

ومنها قوله تعالى: ﴿ وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى  ﴾ أي دللناهم على طريق الخير والشر فسلكوا سبيل الشر المعبر عنه بالعمى.

ولكن ..

بقي معنا هداية أخرى، وهي المعبر عنها بقوله تعالى: ﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ  ﴾ ، فليس المراد من هذه الهداية ما سبق ذكره، فالهداية في الآيات السابقة بمعنى الدلالة، وهي بمنزلة إيقاف الإنسان على رأس الطريقين -المهلك والمنجي- مع بيان ما يؤدي إليه كل منهما وهي ما تفضل الله به على جميع أفراد البشر.

أما هذه الهداية فهي أخص من تلك، والمراد بها إعانتهم وتوفيقهم للسير في طريق الخير والنجاة مع الدلالة، وهي لم تكن ممنوحة لكل أحد كالحواس والعقل وشرع الدين.

ولما كان الإنسان عرضة للخطأ والضلال في فهم الدين وفي استعمال الحواس والعقل -على ما قدمنا- كان محتاجًا إلى المعونة الخاصة فأمرنا الله بطلبها منه في قوله: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ  ﴾ ، فمعنى ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ  ﴾ : دلنا دلالة تصحبها معونة غيبية من لدنك تحفظنا بها من الضلال والخطأ.

وما كان هذا أول داء علمنا الله تعالى إياه، إلا لأن حاجتنا إليه أشد من حاجتنا إلى كل شيء سواه.

والصراط: هو الطريق..

والمستقيم: هو ضد المعوج.

وليس المراد بمقابل المستقيم المعوج ذا التمعج والتعاريج، بل المراد كل ما فيه انحراف عن الغاية التي يجب أن ينتهي إليها، والمستقيم في عرف الهندسة أقرب موصل بين الطرفين، وهذا المعنى لازم للمعنى اللغوي، كما هو ظاهر بالبداهة، وإنما قلنا: إن المراد بمقابل المستقيم كل ما فيه انحراف لأن كل من يميل وينحرف عن الجادة يكون أضل عن الغاية ممن يسير عليها في خط ذي تعاريج، لأن هذا الأخير قد يصل إلى الغاية بعد زمن طويل، ولكن الأول لا يصل إليها قط، بل يزداد بعدًا كلما أوغل في السير وانهمك فيه، وقد قالوا: إن المراد بالصراط المستقيم: الدين أو الحق أو العدل والحدود.

ونحن نقول: إنه جملة ما يوصلنا إلى سعادتي الدنيا والآخرة من عقائد وآداب وأحكام وتعاليم.

لِمَ سمي الموصل إلى السعادة من ذلك صراطًا وطريقًا؟..

خذ الحق مثلًا، وهو الاعتقاد الصحيح بالله وبالنبوة وبأحوال الكون والناس تر معنى الصراط فيه واضحًا لأن السبيل أو الصراط هو ما أسلكه وأسير فيه لبلوغ الغاية التي أقصدها.

كذلك الحق الذي يبين لي الواقع في العقيدة الصحيحة هو كالجادة بين السبل المتفرقة المضلة، فالطريق الواضح للحس يشبهه الحق للعقل وللنفس، سير حسي، وسير معنوي، كذلك إذا اعتبرت المعنى في الحدود والأحكام تجده واضحًا..

قسمت أحكام الأعمال إلى واجب ومندوب ومباح ومحرم ومكروه، فكان هذا مريحًا لنا من تمييز الخير من الشر بأنفسنا واجتهادنا، فبيان الأحكام بالهداية الكبرى وهي الدين كالطريق الواضح يسلك بالعمل.

ومع هذا نجد الشهوات تتلاعب بالأحكام وترجعها إلى أهوائها كما يصرف السفهاء عقولهم وحواسهم فيما يرديهم، وهذا التلاعب بالدين إنما يصدر من علمائه .

واستحلال المحرمات بمثل هذا التأويل ليس بقليل، ولذلك كان الإنسان محتاجًا أشد الاحتياج إلى العناية الإلهية الخاصة لأجل الاستقامة والسير في تلك الهدايات الأربع سيرًا مستقيمًا يوصل إلى السعادة، لهذا نبهنا الله جل شأنه أن نلجأ إليه ونسأله الهداية ليكون عونًا لنا ينصرنا على أهوائنا وشهواتنا وأن تكون استعانتنا في ذلك به لا بسواه، بعد أن نبذل ما نستطيع من الفكر والجهاد في معرفة ما أنزل إلينا من الشرعية والأحكام وأخذ أنفسنا بما نعلم من ذلك.

وهذا أفضل ما نطلب فيه المعونة منه جل شأنه لاشتماله على خيري الدنيا والآخرة، فهو بهذه الآية يعلمنا كيف نستعين بعد أن علمنا اختصاصه بالاستعانة فيقوله ﴿ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ  ﴾ .

﴿ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ  ﴾ الصراط المستقيم: هو الموصل إلى الحق، ولكنه ما بينه بذلك كما بينه في نحو سورة العصر، وإنما بينه بإضافته إلى من سلك هذا الصراط كما قال في سورة الأنعام ﴿ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ  ﴾ ، وقد قلنا: إن الفاتحة مشتملة على إجمال ما فصل في القرآن حتى من الأخبار التي هي مثل الذكرى والاعتبار، وينبوع العظة والاستبصار، وأخبار القرآن كلها تنطوي في إجمال هذه الآية.

فسر بعضهم المنعم عليهم بالمسلمين والمغضوب عليهم باليهود والضالين بالنصارى.

ونحن نقول: إن الفاتحة أول سورة نزلت، كما قال الإمام على  وهو أعلم بهذا من غيره لأنه تربى في حجر النبي  ، وأول من آمن به، وإن لم تكن أول سورة على الإطلاق، فلا خلاف في أنها من أوائل السور.

ولم يكن المسلمون في أول نزول الوحي بحيث يطلب الاهتداء بهداهم وما هداهم إلا من الوحي، ثم هم المأمورون بأن يسألوا الله أن يهديهم هذه السبيل، سبيل من أنعم الله عليهم فأولئك غيرهم، وإنما المراد بهذا ما جاء في قوله تعالى: ﴿ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ  ﴾ وهم الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين من الأمم السالفة.

فقد أحال على معلوم أجمله في الفاتحة وفصله في سائر القرآن بقدر الحاجة.

فثلاثة أرباع القرآن تقريبًا قصص وتوجيه للأنظار إلى الاعتبار بأحوال الأمم في كفرهم وإيمانهم وشقاوتهم وسعادتهم، ولا شيء يهدي الإنسان كالمثلات والوقائع، فإذا امتثلنا الأمر والإرشاد ونظرنا في أحوال الأمم السالفة وأسباب علمهم وجهلهم وقوتهم وضعفهم وعزهم وذلهم وغير ذلك مما يعرض للأمم كان لهذا النظر أثر في نفوسنا يحملنا على حسن الأسوة والاقتداء بأخبار تلك الأمم فيما كان سبب السعادة والتمكن في الأرض واجتناب ما كان سبب الشقاوة أو الهلاك والدمار.

ومن هنا ينجلي للعاقل شأن علم التاريخ وما فيه من الفوائد والثمرات، وتأخذه الدهشة والحيرة إذا سمع أن كثيرًا من رجال الدين من أمة هذا كتابها يعادون التاريخ باسم الدين ويرغبون عنه ويقولون إنه لا حاجة إليه ولا فائدة له.

وكيف لا يدهش ويحار والقرآن ينادي بأن معرفة أحوال الأمم من أهم ما يدعو إليه هذا الدين؟

﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ الْمَثُلاتُ  ﴾ .

ههنا سؤال، وهو كيف يأمرنا الله تعالى باتباع صراط من تقدمنا وعندنا أحكام وإرشادات لم تكن عندهم، وبذلك كانت شريعتنا أكمل من شرائعهم وأصلح لزماننا وما بعده؟

والقرآن يبين لنا الجواب وهو أنه يصرح بأن دين الله في جميع الأمم واحد وإنما تختلف الأحكام بالفروع التي تختلف باختلاف الزمان وأما الأصول فلا خلاف فيها.

قال تعالى: ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ  ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿ إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ  ﴾ الآية، فالاعتقادات بالله وبالنبوة وبترك الشر وبعمل البر والتخلق بالأخلاق الفاضلة مستوفى الجميع، وقد أمرنا الله بالنظر فيما كانوا عليه والاعتبار بما صاروا إليه، فنقتدي بهم في القيام على أصول الخير وهو أمر يتضمن الدليل على أن في ذلك الخير والسعادة على حسب طريقة القرآن في قرن الدليل بالمدلول والعلة بالمعلول والجمع بين السبب والمسبب.

وتفصيل الأحكام التي هذه كلياتها بالإجمال تعرفه من شرعنا ونبينا  .

وأما قوله تعالى: ﴿ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ  ﴾ ، فالمغضوب عليهم هم الذين خرجوا من الحق بعد علمهم به والذين بلغهم شرع الله تعالى ودينه فرفضوه ولم يتقبلوه انصرافًا عن الدليل، ورضى بما ورثوه من القيل، ووقوفًا عند التقليد وعكوفًا على هوى غير رشيد، وغضب الله عقوبته وانتقامه.

وقوله: ﴿ وَلا الضَّالِّينَ  ﴾ قرن المعطوف فيه"بلا"، لما في"غير"من معنى النفي، أو: غير الضالين، ففيه تأكيد للنفي.

وهو يدل على أن الطوائف ثلاث: المنعم عليهم، والمغضوب عليهم، والضالون.

ولا شك أن المغضوب عليهم ضالون أيضًا، لأنهم بنبذهم الحق وراء ظهورهم قد استدبروا الغاية واستقبلوا غير وجهتها، فلا يصلون إلى مطلوب، ولا يهتدون إلى مرغوب.

ولكن فرقًا بين من عرف الحق فأعرض عنه على علم وبين من لم يظهر له الحق فهو تائه بين الطرق لا يهتدي إلى الجادة فيها وهم من لم تبلغهم الرسالة أو بلغتهم على وجه لم يتبين لهم فيه الحق، فهؤلاء هم أحق باسم الضالين، فإن الضال حقيقة هو التائه الواقع في عماية لا يهتدي معها إلى المطلوب، والعماية في الدين هي الشبهات التي تلبس الحق بالباطل وتشبه الصواب الخطأ.

الضالون على أقسام: القسم الأول: من لم تبلغهم الدعوة إلى الرسالة أو بلغتهم على وجه لا يسوق إلى النظر، فهؤلاء لم يتوفر لهم من أنواع الهداية سوى ما يحصل بالحس والعقل وحرموا رشد الدين فإن لم يضلوا في شؤونهم الدنيوية ضلوا لا محالة فيما تطَلْب به نجاة الأرواح وسعادتها في الحياة الأخرى، على أن من شأن الدين الصحيح أن يفيض على أهله من روح الحياة ما به يسعدون في الدنيا والآخرة معًا، فمن حرم الدين حرم السعادتين، وظهر أثر التخبط والاضطراب في أعماله المعاشية، وحل به من الرزايا ما يتبع الضلال والخبط عادة، سنة الله في هذا العالم ولن تجد لسنته تبديلًا.

أما أمرهم في الآخرة فعلى أنهم لن يساووا المهتدين في منازلهم، وقد يعفو الله عنهم، وهو الفعال لما يريد.

وأزيد في إيضاح هذا أن الذين حرموا هداية الدين لا يعقل أن يؤاخذوا في الآخرة على ترك شيء مما يعرف بهذه الهداية، وهذا معنى كونهم غير مكلفين، وعليه جمهور المتكلمين، لقوله تعالى في سورة الإسراء ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا  ﴾ ومن قال إنهم مكلفون بالعقل لا يظهر وجه لقوله إلا إذا أراد أن حالهم في الآخرة تكون على حسب ارتقاء أرواحهم بهداية العقل وسلامة الفطرة، إذ لا شك أن من لم يبعث فيهم رسول يتفاوتون في إدراكهم بتفاوت استعدادهم الفطري وما يصادفون من حسن التربية وقبحها.

وبهذا يجمع بين القولين في تكليفهم وعدمه أو يفصل بينهما، وما يعطيهم الله تعالى إياه في الآخرة على حسب حالهم في الخير والشر والفضيلة والرذيلة يكون جزاءً عادلًا على أعمالهم الاختيارية ويزيدهم من فضله إن شاء.

القسم الثاني:من بلغته الدعوة على وجه يبعث على النظر فساق همته إليه، واستفرغ جهده فيه، ولكن لم يوفق إلى الاعتقاد بما دعي إليه، وانقضى عمره وهو في الطلب، وهذا القسم لا يكون إلا أفرادًا متفرقة في الأمم ولا يعم حاله شعبًا من الشعوب فلا يظهر له أثر في أحوالها العامة وما يكون لها من سعادة وشقاء في حياتهم الدنيا.

أما صاحب هذه الحالة فقد ذهب بعض الأشاعرة إلى إنه ممن ترجى له رحمة الله تعالى، وينقل صاحب هذا الرأي قوله عن أبي الحسن الشعري، وعلى رأي الجمهور فلا ريب أن مؤاخذته أخف من مؤاخذة الجاحد الذي استعصى على الدليل وكفر بنعمة العقل أو رضي بحظه من الجهل.

القسم الثالث: من بلغتهم الرسالة وصدقوا بها بدون نظر في أدلتها ولا وقوف على أصولها، فاتبعوا أهواءهم في فهم ما جاءت به من أصول العقائد، وهؤلاء هم المبتدعة في كل دين، ومنهم المبتدعون في دين الإسلام، وهم المنحرفون في اعتقادهم عما تدل عليه جملة القرآن وما كان عليه السلف الصالح وأهل الصدر الأول، ففرقوا الأمة إلى مشارب، يغص بمائها الوارد، ولا يرتوي منها الشارب.

وإني أشير إلى طرف من آثارهم في الناس: يأتي الرجل دوائر القضاء فيستحلف بالله العلي العظيم أو بالمصحف الكريم، وهو كلام الله القديم، إنه ما فعل كذا، فيحلف، وعلامة الكذب بادية على وجهه، فيأتيه المستحلف من طريق آخر، ويحمله على الحلف بشيخ من المشايخ الذين يعتقد بهم الولاية، فيتغير لونه، وتضطرب أركانه، ثم يرجع في أليَّتِه ويقول الحق ويقر بأنه فعل ما حلف عليه أولًا أنه لم يفعله، تكريمًا لاسم ذلك الشيخ وخوفًا منه أن يسلب عنه نعمة أو يحل به نقمة إذا حلف باسمه كاذبًا، فهذا ضلال في أصول العقيدة يرجع إلى الضلال في الاعتقاد بالله وما يجب له من الوحدانية في الأفعال.

ولو أردنا أن نسرد ما وقع فيه المسلمون من الضلال في العقائد الأصلية بسبب البدع التي عرضت على دين الإسلام لطال المقال، واحتيج إلى وضع مجلدات في وجوه الضلال، ومن أشنعها أثرًا وأشدها ضررًا خوض رؤساء الفرق منهم في مسائل القضاء والقدر، والاختيار والجبر، وتحقيق الوعد والوعيد، وتهوين مخالفة الله على نفوس العبيد.

إذا وزنا في أدمغتنا من الاعتقادات بكتاب الله تعالى من غير أن ندخلها فيه أولًا يظهر لنا كوننا مهتدين أو ضالين، وأما إذا أدخلنا ما في أدمغتنا في القرآن، وحشرناها فيه أولًا، فلا يمكننا أن نعرف الهداية من الضلال، لاختلاط الموزون بالميزان، فلا يدري ما هو الموزون من الموزون به..

أريد أنه يجب أن يكون القرآن أصلًا تحمل عليه المذاهب والآراء في الدين، لا أن تكون المذاهب أصلًا والقرآن هو الذي يحمل عليها ويرجع بالتأويل أو التحريف إليها، كما جرى عليه المخذولون، وتاه فيه الضالون.

القسم الرابع:ضلال في الأعمال وتحريف للأحكام عما وضعت له، كالخطأ في فهم معنى الصلاة والصيام وجميع العبادات، والخطأ في فهم الأحكام التي جاءت في المعاملات.

ولنضرب لذلك مثلًا: الاحتيال في الزكاة بتحويل المال إلى ملك الغير قبل حلول الحول ثم استرداده بعد مضي قليل من الحول الثاني، حتى لا تجب الزكاة فيه، ظن المحتال أنه بحيلته قد خلص من أداء الفريضة، ونجا من غضب من لا تخفى عليه خافية، ولا يعلم أنه بذلك قد هدم ركنًا من أهم أركان دينه، وجاء بعمل من يعتقد أن الله قد فرض فرضًا، وشرع بجانب ذلك الفرض ما يذهب به، ويمحو أثره، وهو محال عليه، جل شأنه.

ثلاثة أقسام من هذا الضلال: أولها، وثالثها، ورابعها يظهر أثرها في الأمم فتختل قوى الإدراك فيها، وتفسد الأخلاق وتضطرب الأعمال، ويحل بها الشقاء، عقوبة من الله لا بد من نزولها بهم.

سنة الله في خلقه ولن تجد لسنته تحويلًا.

ويعد حلول الضعف ونزول البلاء بأمة من الأمم من العلامات والدلائل على غضب الله تعالى عليها لما أحدثته في عقائدها وأعمالها مما يخالف سننه ولا يتبع فيه سنته.

لهذا علمنا الله تعالى كيف ندعوه بأن يهدينا طريق الذين ظهرت نعمته عليهم بالوقوف عند حدوده، وتقويم العقول والأعمال بفهم ما هدانا إليه، وأن يجنبنا طرق الذين ظهرت فيهم آثار نعمته بالانحراف عن شرائعه، سواء كان ذلك عمدًا وعنادًا أو غواية وجهلًا.

إذا ضلت الأمة سبيل الحق، ولعب الباطل بأهوائها، ففسدت أخلاقها واعتلت أعمالها، وقعت في الشقاء لا محالة، وسلط الله عليها من يستذلها ويستأثر بشؤونها، ولا يؤخر لها العذاب إلى يوم الحساب -وإن كانت ستلاقي نصيبها منه أيضًا- فإذا تمادى بها الغي، وصل بها إلى الهلاك، ومحي أثرها من الوجود، لهذا علمنا الله تعالى كيف ننظر في أحوال من سبقنا، ومن بقيت آثارهم بين أيدينا من الأمم، لنعتبر ونميز بين ما به تسعد الأقوام وما به تشقى.

أما في الأفراد فلم تجر سنة الله بلزوم العقوبة لكل ضال في هذه الحياة الدنيا، فقد يستدرج الضال من حيث لا يعلم، ويدركه الموت قبل أن تزول النعمة عنه، وإنما يلقى جزاءه ﴿ يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ  ﴾ .

-٢-

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.6 / 29.5
الإضاءة 32%
البدر بعد 9 يوم
أستغفر الله