الآية ١ من سورة الفاتحة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 1 الفاتحة > الآية ١ من سورة الفاتحة

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ ١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 524 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١ من سورة الفاتحة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١ من سورة الفاتحة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( بسم الله الرحمن الرحيم ) يقال لها : الفاتحة ، أي فاتحة الكتاب خطا ، وبها تفتح القراءة في الصلاة ، ويقال لها أيضا : أم الكتاب عند الجمهور ، وكره أنس ، والحسن وابن سيرين كرها تسميتها بذلك ، قال الحسن وابن سيرين : إنما ذلك اللوح المحفوظ ، وقال الحسن : الآيات المحكمات : هن أم الكتاب ، ولذا كرها - أيضا - أن يقال لها أم القرآن وقد ثبت في [ الحديث ] الصحيح عند الترمذي وصححه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الحمد لله أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني والقرآن العظيم ويقال لها : الحمد ، ويقال لها : الصلاة ، لقوله عليه السلام عن ربه : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ، فإذا قال العبد : الحمد لله رب العالمين ، قال الله : حمدني عبدي الحديث .

فسميت الفاتحة صلاة ؛ لأنها شرط فيها .

ويقال لها : الشفاء ؛ لما رواه الدارمي عن أبي سعيد مرفوعا : فاتحة الكتاب شفاء من كل سم .

ويقال لها : الرقية ؛ لحديث أبي سعيد في الصحيح حين رقى بها الرجل السليم ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : وما يدريك أنها رقية ؟

.

وروى الشعبي عن ابن عباس أنه سماها : أساس القرآن ، قال : فأساسها بسم الله الرحمن الرحيم ، وسماها سفيان بن عيينة : الواقية .

وسماها يحيى بن أبي كثير : الكافية ؛ لأنها تكفي عما عداها ولا يكفي ما سواها عنها ، كما جاء في بعض الأحاديث المرسلة : أم القرآن عوض من غيرها ، وليس غيرها عوضا عنها .

ويقال لها : سورة الصلاة والكنز ، ذكرهما الزمخشري في كشافه .

وهي مكية ، قاله ابن عباس وقتادة وأبو العالية ، وقيل مدنية ، قاله أبو هريرة ومجاهد وعطاء بن يسار والزهري .

ويقال : نزلت مرتين : مرة بمكة ، ومرة بالمدينة ، والأول أشبه لقوله تعالى : ( ولقد آتيناك سبعا من المثاني ) [ الحجر : 87 ] ، والله أعلم .

وحكى أبو الليث السمرقندي أن نصفها نزل بمكة ونصفها الآخر نزل بالمدينة ، وهو غريب جدا ، نقله القرطبي عنه .

وهي سبع آيات بلا خلاف ، [ وقال عمرو بن عبيد : ثمان ، وقال حسين الجعفي : ستة وهذان شاذان ] .

وإنما اختلفوا في البسملة : هل هي آية مستقلة من أولها كما هو عند جمهور قراء الكوفة وقول الجماعة من الصحابة والتابعين وخلق من الخلف ، أو بعض آية أو لا تعد من أولها بالكلية ، كما هو قول أهل المدينة من القراء والفقهاء ؟

على ثلاثة أقوال ، سيأتي تقريره في موضعه إن شاء الله تعالى ، وبه الثقة .

قالوا : وكلماتها خمس وعشرون كلمة ، وحروفها مائة وثلاثة عشر حرفا .

قال البخاري في أول كتاب التفسير : وسميت أم الكتاب سورة الفاتحة ، لأنه يبدأ بكتابتها في المصاحف ، ويبدأ بقراءتها في الصلاة وقيل : إنما سميت بذلك لرجوع معاني القرآن كله إلى ما تضمنته .

قال ابن جرير : والعرب تسمي كل جامع أمر أو مقدم لأمر - إذا كانت له توابع تتبعه هو لها إمام جامع - أما ، فتقول للجلدة التي تجمع الدماغ ، أم الرأس ، ويسمون لواء الجيش ورايتهم التي يجتمعون تحتها أما ، واستشهد بقول ذي الرمة : على رأسه أم لنا نقتدي بها جماع أمور ليس نعصي لها أمرا يعني : الرمح .

قال : وسميت مكة : أم القرى لتقدمها أمام جميعها وجمعها ما سواها ، وقيل : لأن الأرض دحيت منها .

ويقال لها أيضا : الفاتحة ؛ لأنها تفتتح بها القراءة ، وافتتحت الصحابة بها كتابة المصحف الإمام ، وصح تسميتها بالسبع المثاني ، قالوا : لأنها تثنى في الصلاة ، فتقرأ في كل ركعة ، وإن كان للمثاني معنى آخر غير هذا ، كما سيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله .

قال الإمام أحمد : حدثنا يزيد بن هارون ، أنبأنا ابن أبي ذئب وهاشم بن هاشم عن ابن أبي ذئب ، عن المقبري ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لأم القرآن : هي أم القرآن ، وهي السبع المثاني ، وهي القرآن العظيم .

ثم رواه عن إسماعيل بن عمر عن ابن أبي ذئب به ، وقال أبو جعفر محمد بن جرير الطبري : حدثني يونس بن عبد الأعلى ، أنا ابن وهب ، أخبرني ابن أبي ذئب ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : هي أم القرآن ، وهي فاتحة الكتاب ، وهي السبع المثاني .

وقال الحافظ أبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه في تفسيره : حدثنا أحمد بن محمد بن زياد ، ثنا محمد بن غالب بن حارث ، ثنا إسحاق بن عبد الواحد الموصلي ، ثنا المعافى بن عمران ، عن عبد الحميد بن جعفر ، عن نوح بن أبي بلال ، عن المقبري ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الحمد لله رب العالمين سبع آيات : بسم الله الرحمن الرحيم إحداهن ، وهي السبع المثاني والقرآن العظيم ، وهي أم الكتاب .

وقد رواه الدارقطني أيضا عن أبي هريرة مرفوعا بنحوه أو مثله ، وقال : كلهم ثقات .

وروى البيهقي عن علي وابن عباس وأبي هريرة أنهم فسروا قوله تعالى : ( سبعا من المثاني ) [ الحجر : 87 ] بالفاتحة ، وأن البسملة هي الآية السابعة منها ، وسيأتي تمام هذا عند البسملة .

وقد روى الأعمش عن إبراهيم قال : قيل لابن مسعود : لم لم تكتب الفاتحة في مصحفك ؟

قال : لو كتبتها لكتبتها في أول كل سورة .

قال أبو بكر بن أبي داود : يعني حيث يقرأ في الصلاة ، قال : واكتفيت بحفظ المسلمين لها عن كتابتها .

وقد قيل : إن الفاتحة أول شيء نزل من القرآن ، كما ورد في حديث رواه البيهقي في دلائل النبوة ونقله الباقلاني أحد أقوال ثلاثة هذا [ أحدها ] وقيل : ( يا أيها المدثر كما في حديث جابر في الصحيح .

وقيل : ( اقرأ باسم ربك الذي خلق ) [ العلق : 1 ] وهذا هو الصحيح ، كما سيأتي تقريره في موضعه ، والله المستعان.

ذكر ما ورد في فضل الفاتحة قال الإمام أحمد بن محمد بن حنبل - رحمه الله - في مسنده : حدثنا يحيى بن سعيد ، عن شعبة ، حدثني خبيب بن عبد الرحمن ، عن حفص بن عاصم ، عن أبي سعيد بن المعلى - رضي الله عنه - قال : كنت أصلي فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلم أجبه حتى صليت وأتيته ، فقال : ما منعك أن تأتيني ؟

.

قال : قلت : يا رسول الله ، إني كنت أصلي .

قال : ألم يقل الله : ( يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ) [ الأنفال : 24 ] ثم قال : لأعلمنك أعظم سورة في القرآن قبل أن تخرج من المسجد .

قال : فأخذ بيدي ، فلما أراد أن يخرج من المسجد قلت : يا رسول الله إنك قلت : لأعلمنك أعظم سورة في القرآن .

قال : نعم ، الحمد لله رب العالمين هي : السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته .

وهكذا رواه البخاري عن مسدد ، وعلي بن المديني ، كلاهما عن يحيى بن سعيد القطان ، به .

ورواه في موضع آخر من التفسير ، وأبو داود ، والنسائي ، وابن ماجه من طرق عن شعبة ، به .

ورواه الواقدي عن محمد بن معاذ الأنصاري ، عن خبيب بن عبد الرحمن ، عن حفص بن عاصم ، عن أبي سعيد بن المعلى ، عن أبي بن كعب ، فذكر نحوه .

وقد وقع في الموطأ للإمام مالك بن أنس ، ما ينبغي التنبيه عليه ، فإنه رواه مالك عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب الحرقي : أن أبا سعيد مولى عامر بن كريز أخبرهم ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نادى أبي بن كعب ، وهو يصلي في المسجد ، فلما فرغ من صلاته لحقه ، قال : فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على يدي ، وهو يريد أن يخرج من باب المسجد ، ثم قال : إني لأرجو ألا تخرج من باب المسجد حتى تعلم سورة ما أنزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الفرقان مثلها .

قال أبي : فجعلت أبطئ في المشي رجاء ذلك ، ثم قلت : يا رسول الله ، ما السورة التي وعدتني ؟

قال : كيف تقرأ إذا افتتحت الصلاة ؟

قال : فقرأت عليه : ( الحمد لله رب العالمين حتى أتيت على آخرها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هي هذه السورة ، وهي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أعطيت .

فأبو سعيد هذا ليس بأبي سعيد بن المعلى ، كما اعتقده ابن الأثير في جامع الأصول ومن تبعه ، فإن ابن المعلى صحابي أنصاري ، وهذا تابعي من موالي خزاعة ، وذاك الحديث متصل صحيح ، وهذا ظاهره أنه منقطع ، إن لم يكن سمعه أبو سعيد هذا من أبي بن كعب ، فإن كان قد سمعه منه فهو على شرط مسلم ، والله أعلم .

على أنه قد روي عن أبي بن كعب من غير وجه كما قال الإمام أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم ، حدثنا العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبي هريرة قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي بن كعب ، وهو يصلي ، فقال : يا أبي ، فالتفت ثم لم يجبه ، ثم قال : أبي ، فخفف .

ثم انصرف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : السلام عليك أي رسول الله .

فقال : وعليك السلام [ قال ] : ما منعك أي أبي إذ دعوتك أن تجيبني ؟

.

قال : أي رسول الله ، كنت في الصلاة ، قال : أولست تجد فيما أوحى الله إلي استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ) [ الأنفال : 24 ] .

قال : بلى يا رسول الله ، لا أعود ، قال : أتحب أن أعلمك سورة لم تنزل لا في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها ؟

قلت : نعم ، أي رسول الله ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إني لأرجو ألا أخرج من هذا الباب حتى تعلمها قال : فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي يحدثني ، وأنا أتبطأ ، مخافة أن يبلغ قبل أن يقضي الحديث ، فلما دنونا من الباب قلت : أي رسول الله ، ما السورة التي وعدتني قال : ما تقرأ في الصلاة ؟

.

قال : فقرأت عليه أم القرآن ، قال : والذي نفسي بيده ما أنزل الله في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ، ولا في الفرقان مثلها ؛ إنها السبع المثاني .

ورواه الترمذي ، عن قتيبة ، عن الدراوردي ، عن العلاء ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، فذكره ، وعنده : إنها من السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أعطيته ، ثم قال : هذا حديث حسن صحيح .

وفي الباب ، عن أنس بن مالك ، ورواه عبد الله بن [ الإمام ] أحمد ، عن إسماعيل بن أبي معمر ، عن أبي أسامة ، عن عبد الحميد بن جعفر ، عن العلاء ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن أبي بن كعب ، فذكره مطولا بنحوه ، أو قريبا منه .

وقد رواه الترمذي والنسائي جميعا عن أبي عمار حسين بن حريث ، عن الفضل بن موسى ، عن عبد الحميد بن جعفر ، عن العلاء ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن أبي بن كعب ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما أنزل الله في التوراة ولا في الإنجيل مثل أم القرآن ، وهي السبع المثاني ، وهي مقسومة بيني وبين عبدي ، هذا لفظ النسائي .

وقال الترمذي : حسن غريب .

وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن عبيد ، حدثنا هاشم ، يعني ابن البريد حدثنا عبد الله بن محمد بن عقيل ، عن ابن جابر ، قال : انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أهراق الماء ، فقلت : السلام عليك يا رسول الله .

فلم يرد علي ، قال : فقلت : السلام عليك يا رسول الله .

فلم يرد علي ، قال : فقلت : السلام عليك يا رسول الله ، فلم يرد علي .

قال : فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي ، وأنا خلفه حتى دخل رحله ، ودخلت أنا المسجد ، فجلست كئيبا حزينا ، فخرج علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد تطهر ، فقال : عليك السلام ورحمة الله ، وعليك السلام ورحمة الله ، وعليك السلام ورحمة الله ، ثم قال : ألا أخبرك يا عبد الله بن جابر بأخير سورة في القرآن ؟

قلت : بلى يا رسول الله .

قال : اقرأ : الحمد لله رب العالمين ، حتى تختمها .

هذا إسناد جيد ، وابن عقيل تحتج به الأئمة الكبار ، وعبد الله بن جابر هذا هو الصحابي ، ذكر ابن الجوزي أنه هو العبدي ، والله أعلم .

ويقال : إنه عبد الله بن جابر الأنصاري البياضي ، فيما ذكره الحافظ ابن عساكر .

واستدلوا بهذا الحديث وأمثاله على تفاضل بعض الآيات والسور على بعض ، كما هو المحكي عن كثير من العلماء ، منهم : إسحاق بن راهويه ، وأبو بكر بن العربي ، وابن الحصار من المالكية .

وذهبت طائفة أخرى إلى أنه لا تفاضل في ذلك ؛ لأن الجميع كلام الله ، ولئلا يوهم التفضيل نقص المفضل عليه ، وإن كان الجميع فاضلا ، نقله القرطبي عن الأشعري ، وأبي بكر الباقلاني ، وأبي حاتم بن حبان البستي ، ويحيى بن يحيى ، ورواية عن الإمام مالك [ أيضا ] .

حديث آخر : قال البخاري في فضائل القرآن : حدثنا محمد بن المثنى ، حدثنا وهب ، حدثنا هشام ، عن محمد بن معبد ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : كنا في مسير لنا ، فنزلنا ، فجاءت جارية فقالت : إن سيد الحي سليم ، وإن نفرنا غيب ، فهل منكم راق ؟

فقام معها رجل ما كنا نأبنه برقية ، فرقاه ، فبرئ ، فأمر له بثلاثين شاة ، وسقانا لبنا ، فلما رجع قلنا له : أكنت تحسن رقية ، أو كنت ترقي ؟

قال : لا ما رقيت إلا بأم الكتاب ، قلنا : لا تحدثوا شيئا حتى نأتي ، أو نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما قدمنا المدينة ذكرناه للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : وما كان يدريه أنها رقية ، اقسموا واضربوا لي بسهم .

وقال أبو معمر : حدثنا عبد الوارث ، حدثنا هشام ، حدثنا محمد بن سيرين ، حدثني معبد بن سيرين ، عن أبي سعيد الخدري بهذا .

وهكذا رواه مسلم ، وأبو داود من رواية هشام ، وهو ابن حسان ، عن ابن سيرين ، به .

وفي بعض روايات مسلم لهذا الحديث : أن أبا سعيد هو الذي رقى ذلك السليم ، يعني : اللديغ ، يسمونه بذلك تفاؤلا .

حديث آخر : روى مسلم في صحيحه ، والنسائي في سننه ، من حديث أبي الأحوص سلام بن سليم ، عن عمار بن رزيق ، عن عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده جبريل ، إذ سمع نقيضا فوقه ، فرفع جبريل بصره إلى السماء ، فقال : هذا باب قد فتح من السماء ، ما فتح قط .

قال : فنزل منه ملك ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أبشر بنورين قد أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك : فاتحة الكتاب ، وخواتيم سورة البقرة ، ولن تقرأ حرفا منهما إلا أوتيته .

وهذا لفظ النسائي .

ولمسلم نحوه حديث آخر : قال مسلم : حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي ، هو ابن راهويه ، حدثنا سفيان بن عيينة ، عن العلاء ، يعني ابن عبد الرحمن بن يعقوب الحرقي عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : من صلى صلاة لم يقرأ فيها أم القرآن فهي خداج - ثلاثا - غير تمام .

فقيل لأبي هريرة : إنا نكون وراء الإمام ، قال : اقرأ بها في نفسك ؛ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : قال الله عز وجل : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ، ولعبدي ما سأل فإذا قال العبد : ( الحمد لله رب العالمين ) [ الفاتحة : 2 ] ، قال الله : حمدني عبدي ، وإذا قال : ( الرحمن الرحيم [ الفاتحة : 3 ] ، قال الله : أثنى علي عبدي ، فإذا قال : ( مالك يوم الدين ) [ الفاتحة : 4 ] ، قال مجدني عبدي - وقال مرة : فوض إلي عبدي - فإذا قال : ( إياك نعبد وإياك نستعين ) [ الفاتحة : 5 ] ، قال : هذا بيني وبين عبدي ، ولعبدي ما سأل ، فإذا قال : ( اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ) [ الفاتحة : 6 ، 7 ] ، قال هذا لعبدي ولعبدي ما سأل .

وهكذا رواه النسائي ، عن إسحاق بن راهويه .

وقد روياه - أيضا - عن قتيبة ، عن مالك ، عن العلاء ، عن أبي السائب مولى هشام بن زهرة ، عن أبي هريرة ، به وفي هذا السياق : فنصفها لي ونصفها لعبدي ، ولعبدي ما سأل .

وكذا رواه ابن إسحاق ، عن العلاء ، وقد رواه مسلم من حديث ابن جريج ، عن العلاء ، عن أبي السائب هكذا .

ورواه - أيضا - من حديث ابن أبي أويس ، عن العلاء ، عن أبيه وأبي السائب ، كلاهما عن أبي هريرة .

وقال الترمذي : هذا حديث حسن ، وسألت أبا زرعة عنه فقال : كلا الحديثين صحيح ، من قال : عن العلاء ، عن أبيه ، وعن العلاء عن أبي السائب .

وقد روى هذا الحديث عبد الله ابن الإمام أحمد ، من حديث العلاء ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن أبي بن كعب مطولا .

قال ابن جرير : حدثنا صالح بن مسمار المروزي ، حدثنا زيد بن الحباب ، حدثنا عنبسة بن سعيد ، عن مطرف بن طريف ، عن سعيد بن إسحاق بن كعب بن عجرة ، عن جابر بن عبد الله ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قال الله تعالى : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ، وله ما سأل ، فإذا قال العبد : ( الحمد لله رب العالمين قال : حمدني عبدي ، وإذا قال : ( الرحمن الرحيم قال : أثنى علي عبدي .

ثم قال : هذا لي ، وله ما بقي وهذا غريب من هذا الوجه .

ثم الكلام على ما يتعلق بهذا الحديث مما يختص بالفاتحة من وجوه : أحدها : أنه قد أطلق فيه لفظ الصلاة ، والمراد القراءة كقوله تعالى : ( ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا ) [ الإسراء : 110 ] ، أي : بقراءتك كما جاء مصرحا به في الصحيح ، عن ابن عباس وهكذا قال في هذا الحديث : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ، فنصفها لي ونصفها لعبدي ، ولعبدي ما سأل ثم بين تفصيل هذه القسمة في قراءة الفاتحة في الصلاة فدل على عظم القراءة في الصلاة ، وأنها من أكبر أركانها ، إذ أطلقت العبادة وأريد بها جزء واحد منها وهو القراءة ؛ كما أطلق لفظ القراءة والمراد به الصلاة في قوله : ( وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا ) [ الإسراء : 78 ] ، والمراد صلاة الفجر ، كما جاء مصرحا به في الصحيحين : من أنه يشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار ، فدل هذا كله على أنه لا بد من القراءة في الصلاة ، وهو اتفاق من العلماء .

ولكن اختلفوا في مسألة نذكرها في الوجه الثاني ، وذلك أنه هل يتعين للقراءة في الصلاة فاتحة الكتاب ، أم تجزئ هي أو غيرها ؟

على قولين مشهورين ، فعند أبي حنيفة ومن وافقه من أصحابه وغيرهم أنها لا تتعين ، بل مهما قرأ به من القرآن أجزأه في الصلاة ، واحتجوا بعموم قوله تعالى : ( فاقرءوا ما تيسر من القرآن ) [ المزمل : 20 ] ، وبما ثبت في الصحيحين ، من حديث أبي هريرة في قصة المسيء صلاته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له : إذا قمت إلى الصلاة فكبر ، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن قالوا : فأمره بقراءة ما تيسر ، ولم يعين له الفاتحة ولا غيرها ، فدل على ما قلناه .

والقول الثاني : أنه تتعين قراءة الفاتحة في الصلاة ، ولا تجزئ الصلاة بدونها ، وهو قول بقية الأئمة : مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وأصحابهم وجمهور العلماء ؛ واحتجوا على ذلك بهذا الحديث المذكور ، حيث قال - صلوات الله وسلامه عليه - : من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج والخداج هو : الناقص كما فسر به في الحديث : غير تمام .

واحتجوا - أيضا - بما ثبت في الصحيحين من حديث الزهري ، عن محمود بن الربيع ، عن عبادة بن الصامت ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب .

وفي صحيح ابن خزيمة وابن حبان ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن والأحاديث في هذا الباب كثيرة ، ووجه المناظرة هاهنا يطول ذكره ، وقد أشرنا إلى مأخذهم في ذلك ، رحمهم الله .

ثم إن مذهب الشافعي وجماعة من أهل العلم : أنه تجب قراءتها في كل ركعة .

وقال آخرون : إنما تجب قراءتها في معظم الركعات ، وقال الحسن وأكثر البصريين : إنما تجب قراءتها في ركعة واحدة من الصلوات ، أخذا بمطلق الحديث : لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب .

وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي : لا تتعين قراءتها ، بل لو قرأ بغيرها أجزأه لقوله : ( فاقرءوا ما تيسر من القرآن ) [ المزمل : 20 ] ، [ كما تقدم ] والله أعلم .

وقد روى ابن ماجه من حديث أبي سفيان السعدي ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد مرفوعا : لا صلاة لمن لم يقرأ في كل ركعة بالحمد وسورة في فريضة أو غيرها .

وفي صحة هذا نظر ، وموضح تحرير هذا كله في كتاب الأحكام الكبير ، والله أعلم .

الوجه الثالث : هل تجب قراءة الفاتحة على المأموم ؟

فيه ثلاثة أقوال للعلماء : أحدها : أنه تجب عليه قراءتها ، كما تجب على إمامه ؛ لعموم الأحاديث المتقدمة .

والثاني : لا تجب على المأموم قراءة بالكلية لا الفاتحة ولا غيرها ، لا في الصلاة الجهرية ولا السرية ، لما رواه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده ، عن جابر بن عبد الله ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة ولكن في إسناده ضعف .

ورواه مالك ، عن وهب بن كيسان ، عن جابر من كلامه .

وقد روي هذا الحديث من طرق ، ولا يصح شيء منها عن النبي صلى الله عليه وسلم ، والله أعلم .

والقول الثالث : أنه تجب القراءة على المأموم في السرية ، لما تقدم ، ولا تجب في الجهرية لما ثبت في صحيح مسلم ، عن أبي موسى الأشعري ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما جعل الإمام ليؤتم به ، فإذا كبر فكبروا ، وإذا قرأ فأنصتوا وذكر بقية الحديث .

وهكذا رواه أهل السنن ؛ أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : وإذا قرأ فأنصتوا .

وقد صححه مسلم بن الحجاج أيضا ، فدل هذان الحديثان على صحة هذا القول وهو قول قديم للشافعي ، رحمه الله ، ورواية عن الإمام أحمد بن حنبل .

والغرض من ذكر هذه المسائل هاهنا بيان اختصاص سورة الفاتحة بأحكام لا تتعلق بغيرها من السور ، والله أعلم .

وقال الحافظ أبو بكر البزار : حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري ، حدثنا غسان بن عبيد ، عن أبي عمران الجوني ، عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا وضعت جنبك على الفراش ، وقرأت فاتحة الكتاب و قل هو الله أحد فقد أمنت من كل شيء إلا الموت الكلام على تفسير الاستعاذة قال الله تعالى : ( خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم ) [ الأعراف : 199 ، 200 ] ، وقال تعالى : ( ادفع بالتي هي أحسن السيئة نحن أعلم بما يصفون وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون ) [ المؤمنون : 96 - 98 ] وقال تعالى : ( ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم ) [ فصلت : 34 - 36 ] .

فهذه ثلاث آيات ليس لهن رابعة في معناها ، وهو أن الله يأمر بمصانعة العدو الإنسي والإحسان إليه ، ليرده عنه طبعه الطيب الأصل إلى الموادة والمصافاة ، ويأمر بالاستعاذة به من العدو الشيطاني لا محالة ؛ إذ لا يقبل مصانعة ولا إحسانا ولا يبتغي غير هلاك ابن آدم ، لشدة العداوة بينه وبين أبيه آدم من قبل ؛ كما قال تعالى : ( يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ) [ الأعراف : 27 ] وقال : ( إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير ) [ فاطر : 6 ] وقال أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا ) [ الكهف : 50 ] ، وقد أقسم للوالد إنه لمن الناصحين ، وكذب ، فكيف معاملته لنا وقد قال : ( فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين ) ، وقال تعالى : ( فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون ) [ النحل : 98 ، 99 ] قالت طائفة من القراء وغيرهم : نتعوذ بعد القراءة ، واعتمدوا على ظاهر سياق الآية ، ولدفع الإعجاب بعد فراغ العبادة ؛ وممن ذهب إلى ذلك حمزة فيما ذكره ابن قلوقا عنه ، وأبو حاتم السجستاني ، حكى ذلك أبو القاسم يوسف بن علي بن جبارة الهذلي المغربي في كتاب الكامل .

وروي عن أبي هريرة - أيضا - وهو غريب .

[ ونقله فخر الدين محمد بن عمر الرازي في تفسيره عن ابن سيرين في رواية عنه قال : وهو قول إبراهيم النخعي وداود بن علي الأصبهاني الظاهري ، وحكى القرطبي عن أبي بكر بن العربي عن المجموعة ، عن مالك ، رحمه الله تعالى ، أن القارئ يتعوذ بعد الفاتحة ، واستغربه ابن العربي .

وحكى قولا ثالثا وهو الاستعاذة أولا وآخرا جمعا بين الدليلين ، نقله فخر الدين ] .

والمشهور الذي عليه الجمهور أن الاستعاذة لدفع الوسواس فيها ، إنما تكون قبل التلاوة ، ومعنى الآية عندهم : ( فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ) [ النحل : 98 ] أي : إذا أردت القراءة كقوله : ( إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم الآية [ المائدة : 6 ] أي : إذا أردتم القيام .

والدليل على ذلك الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك ؛ قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله : حدثنا محمد بن الحسن بن آتش حدثنا جعفر بن سليمان ، عن علي بن علي الرفاعي اليشكري ، عن أبي المتوكل الناجي ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل فاستفتح صلاته وكبر قال : سبحانك اللهم وبحمدك ، وتبارك اسمك ، وتعالى جدك ، ولا إله غيرك .

ويقول : لا إله إلا الله ثلاثا ، ثم يقول : أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ، من همزه ونفخه ونفثه .

وقد رواه أهل السنن الأربعة من رواية جعفر بن سليمان ، عن علي بن علي ، وهو الرفاعي ، وقال الترمذي : هو أشهر حديث في هذا الباب .

وقد فسر الهمز بالموتة وهي الخنق ، والنفخ بالكبر ، والنفث بالشعر .

كما رواه أبو داود وابن ماجه من حديث شعبة ، عن عمرو بن مرة ، عن عاصم العنزي ، عن نافع بن جبير بن مطعم ، عن أبيه قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخل في الصلاة ، قال : الله أكبر كبيرا ، ثلاثا ، الحمد لله كثيرا ، ثلاثا ، سبحان الله بكرة وأصيلا ثلاثا ، اللهم إني أعوذ بك من الشيطان من همزه ونفخه ونفثه .

قال عمرو : وهمزه : الموتة ، ونفخه : الكبر ، ونفثه : الشعر .

وقال ابن ماجه : حدثنا علي بن المنذر ، حدثنا ابن فضيل ، حدثنا عطاء بن السائب ، عن أبي عبد الرحمن السلمي ، عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم ، وهمزه ونفخه ونفثه .

قال : همزه : الموتة ، ونفثه : الشعر ، ونفخه : الكبر .

وقال الإمام أحمد : حدثنا إسحاق بن يوسف ، حدثنا شريك ، عن يعلى بن عطاء ، عن رجل حدثه : أنه سمع أبا أمامة الباهلي يقول : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة كبر ثلاثا ، ثم قال : لا إله إلا الله - ثلاث مرات ، وسبحان الله وبحمده ، ثلاث مرات .

ثم قال : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، من همزه ونفخه ونفثه .

وقال الحافظ أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى الموصلي في مسنده : حدثنا عبد الله بن عمر بن أبان الكوفي ، حدثنا علي بن هشام بن البريد عن يزيد بن زياد ، عن عبد الملك بن عمير ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن أبي بن كعب ، قال : تلاحى رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم ، فتمزع أنف أحدهما غضبا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إني لأعلم شيئا لو قاله ذهب عنه ما يجد : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم .

وكذا رواه النسائي في " اليوم والليلة " ، عن يوسف بن عيسى المروزي ، عن الفضل بن موسى ، عن يزيد بن زياد بن أبي الجعد ، به .

وقد روى هذا الحديث أحمد بن حنبل ، عن أبي سعيد ، عن زائدة ، وأبو داود عن يوسف بن موسى ، عن جرير بن عبد الحميد ، والترمذي ، والنسائي في " اليوم والليلة " عن بندار ، عن ابن مهدي ، عن الثوري ، والنسائي - أيضا - من حديث زائدة بن قدامة ، ثلاثتهم عن عبد الملك بن عمير ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن معاذ بن جبل ، قال : استب رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم ، فغضب أحدهما غضبا شديدا حتى خيل إلي أن أحدهما يتمزع أنفه من شدة غضبه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد من الغضب ، قال : ما هي يا رسول الله ؟

قال : يقول : اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم .

قال : فجعل معاذ يأمره ، فأبى [ ومحك ] ، وجعل يزداد غضبا .

وهذا لفظ أبي داود .

وقال الترمذي : مرسل ، يعني أن عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يلق معاذ بن جبل ، فإنه مات قبل سنة عشرين .

قلت : وقد يكون عبد الرحمن بن أبي ليلى سمعه من أبي بن كعب ، كما تقدم وبلغه عن معاذ بن جبل ، فإن هذه القصة شهدها غير واحد من الصحابة ، رضي الله عنهم .

قال البخاري : حدثنا عثمان بن أبي شيبة ، حدثنا جرير ، عن الأعمش ، عن عدي بن ثابت ، قال : قال سليمان بن صرد : استب رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم ، ونحن عنده جلوس ، فأحدهما يسب صاحبه مغضبا قد احمر وجهه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد ، لو قال : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، فقالوا للرجل : ألا تسمع ما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إني لست بمجنون .

وقد رواه - أيضا - مع مسلم ، وأبي داود ، والنسائي ، من طرق متعددة ، عن الأعمش ، به .

وقد جاء في الاستعاذة أحاديث كثيرة يطول ذكرها هاهنا ، وموطنها كتاب الأذكار وفضائل الأعمال ، والله أعلم .

وقد روي أن جبريل - عليه السلام - أول ما نزل بالقرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره بالاستعاذة ، كما قال الإمام أبو جعفر بن جرير : حدثنا أبو كريب ، حدثنا عثمان بن سعيد ، حدثنا بشر بن عمارة ، حدثنا أبو روق ، عن الضحاك ، عن عبد الله بن عباس ، قال : أول ما نزل جبريل على محمد صلى الله عليه وسلم قال : يا محمد ، استعذ .

قال : أستعيذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ، ثم قال : قل : بسم الله الرحمن الرحيم .

ثم قال : ( اقرأ باسم ربك الذي خلق قال عبد الله : وهي أول سورة أنزلها الله على محمد صلى الله عليه وسلم ، بلسان جبريل .

وهذا الأثر غريب ، وإنما ذكرناه ليعرف ، فإن في إسناده ضعفا وانقطاعا ، والله أعلم .

مسألة : وجمهور العلماء على أن الاستعاذة مستحبة ليست بمتحتمة يأثم تاركها ، وحكى فخر الدين عن عطاء بن أبي رباح وجوبها في الصلاة وخارجها كلما أراد القراءة قال : وقال ابن سيرين : إذا تعوذ مرة واحدة في عمره فقد كفى في إسقاط الوجوب ، واحتج فخر الدين لعطاء بظاهر الآية : فاستعذ وهو أمر ظاهره الوجوب وبمواظبة النبي صلى الله عليه وسلم عليها ، ولأنها تدرأ شر الشيطان وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، ولأن الاستعاذة أحوط وهو أحد مسالك الوجوب .

وقال بعضهم : كانت واجبة على النبي صلى الله عليه وسلم دون أمته ، وحكي عن مالك أنه لا يتعوذ في المكتوبة ويتعوذ لقيام شهر رمضان في أول ليلة منه .

مسألة : وقال الشافعي في الإملاء ، يجهر بالتعوذ حكم الجهر بالاستعاذة ، وإن أسر فلا يضر ، وقال في الأم بالتخيير لأنه أسر ابن عمر وجهر أبو هريرة ، واختلف قول الشافعي فيما عدا الركعة الأولى : هل يستحب التعوذ فيها ؟

على قولين ، ورجح عدم الاستحباب ، والله أعلم .

فإذا قال المستعيذ : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم كفى ذلك عند الشافعي وأبي حنيفة وزاد بعضهم : أعوذ بالله السميع العليم ، وقال آخرون : بل يقول : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، إن الله هو السميع العليم ، قاله الثوري والأوزاعي وحكي عن بعضهم أنه يقول : أستعيذ بالله من الشيطان الرجيم ؛ لمطابقة أمر الآية ، ولحديث الضحاك عن ابن عباس المذكور ، والأحاديث الصحيحة - كما تقدم - أولى بالاتباع من هذا ، والله أعلم .

مسألة : ثم الاستعاذة في الصلاة إنما هي للتلاوة وهو قول أبي حنيفة ومحمد .

وقال أبو يوسف : بل للصلاة ، فعلى هذا يتعوذ المأموم وإن كان لا يقرأ ، ويتعوذ في العيد بعد الإحرام وقبل تكبيرات العيد ، والجمهور بعدها قبل القراءة .

ومن لطائف الاستعاذة أنها طهارة للفم مما كان يتعاطاه من اللغو والرفث ، وتطييب له وتهيؤ لتلاوة كلام الله وهي استعانة بالله واعتراف له بالقدرة وللعبد بالضعف والعجز عن مقاومة هذا العدو المبين الباطني الذي لا يقدر على منعه ودفعه إلا الله الذي خلقه ، ولا يقبل مصانعة ، ولا يدارى بالإحسان ، بخلاف العدو من نوع الإنسان كما دلت على ذلك آيات القرآن في ثلاث من المثاني ، وقال تعالى : ( إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا ) [ الإسراء : 65 ] ، وقد نزلت الملائكة لمقاتلة العدو البشري يوم بدر ، ومن قتله العدو البشري كان شهيدا ، ومن قتله العدو الباطني كان طريدا ، ومن غلبه العدو الظاهر كان مأجورا ، ومن قهره العدو الباطن كان مفتونا أو موزورا ، ولما كان الشيطان يرى الإنسان من حيث لا يراه استعاذ منه بالذي يراه ولا يراه الشيطان .

فصل : والاستعاذة معناها : هي الالتجاء إلى الله والالتصاق بجنابه من شر كل ذي شر ، والعياذة تكون لدفع الشر ، واللياذ يكون لطلب جلب الخير كما قال المتنبي : يا من ألوذ به فيما أؤمله ومن أعوذ به ممن أحاذره لا يجبر الناس عظما أنت كاسره ولا يهيضون عظما أنت جابره فصل معنى الاستعاذة ومعنى أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، أي : أستجير بجناب الله من الشيطان الرجيم أن يضرني في ديني أو دنياي ، أو يصدني عن فعل ما أمرت به ، أو يحثني على فعل ما نهيت عنه ؛ فإن الشيطان لا يكفه عن الإنسان إلا الله ؛ ولهذا أمر الله تعالى بمصانعة شيطان الإنس ومداراته بإسداء الجميل إليه ، ليرده طبعه عما هو فيه من الأذى ، وأمر بالاستعاذة به من شيطان الجن لأنه لا يقبل رشوة ولا يؤثر فيه جميل ؛ لأنه شرير بالطبع ولا يكفه عنك إلا الذي خلقه ، وهذا المعنى في ثلاث آيات من القرآن لا أعلم لهن رابعة ، قوله في الأعراف : ( خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين ) [ الأعراف : 199 ] ، فهذا فيما يتعلق بمعاملة الأعداء من البشر ، ثم قال : ( وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم ) [ الأعراف : 200 ] ، وقال تعالى في سورة " قد أفلح المؤمنون " : ( ادفع بالتي هي أحسن السيئة نحن أعلم بما يصفون وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون ) [ المؤمنون : 96 - 98 ] ، وقال تعالى في سورة حم السجدة : ( ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم ) [ فصلت : 34 - 36 ] .

والشيطان معناه في لغة العرب مشتق من شطن إذا بعد ، فهو بعيد بطبعه عن طباع البشر ، وبعيد بفسقه عن كل خير ، وقيل : مشتق من شاط لأنه مخلوق من نار ، ومنهم من يقول : كلاهما صحيح في المعنى ، ولكن الأول أصح ، وعليه يدل كلام العرب ؛ قال أمية بن أبي الصلت في ذكر ما أوتي سليمان ، عليه السلام : أيما شاطن عصاه عكاه ثم يلقى في السجن والأغلال فقال : أيما شاطن ، ولم يقل : أيما شائط .

وقال النابغة الذبياني - وهو : زياد بن عمرو بن معاوية بن جابر بن ضباب بن يربوع بن مرة بن سعد بن ذبيان - : نأت بسعاد عنك نوى شطون فبانت والفؤاد بها رهين يقول : بعدت بها طريق بعيدة .

[ وقال سيبويه : العرب تقول : تشيطن فلان إذا فعل فعل الشيطان ولو كان من شاط ، لقالوا : تشيط ] .

والشيطان مشتق من البعد على الصحيح ؛ ولهذا يسمون كل ما تمرد من جني وإنسي وحيوان شيطانا ، قال الله تعالى : ( وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ) [ الأنعام : 112 ] .

وفي مسند الإمام أحمد ، عن أبي ذر - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا أبا ذر ، تعوذ بالله من شياطين الإنس والجن ، فقلت : أوللإنس شياطين ؟

قال : نعم .

وفي صحيح مسلم عن أبي ذر - أيضا - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب الأسود .

فقلت : يا رسول الله ، ما بال الكلب الأسود من الأحمر والأصفر فقال : الكلب الأسود شيطان .

وقال ابن وهب : أخبرني هشام بن سعد ، عن زيد بن أسلم ، عن أبيه ، أن عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، ركب برذونا ، فجعل يتبختر به ، فجعل يضربه فلا يزداد إلا تبخترا ، فنزل عنه ، وقال : ما حملتموني إلا على شيطان ، ما نزلت عنه حتى أنكرت نفسي .

إسناده صحيح .

والرجيم معناه : فعيل بمعنى مفعول ، أي : أنه مرجوم مطرود عن الخير كله ، كما قال تعالى : ( ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين ) [ الملك : 5 ] ، وقال تعالى : ( إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب وحفظا من كل شيطان مارد لا يسمعون إلى الملإ الأعلى ويقذفون من كل جانب دحورا ولهم عذاب واصب إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب ) [ الصافات : 6 - 10 ] ، وقال تعالى : ( ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين وحفظناها من كل شيطان رجيم إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين ) [ الحجر : 16 - 18 ] ، إلى غير ذلك من الآيات .

[ وقيل : رجيم بمعنى راجم ؛ لأنه يرجم الناس بالوساوس والربائث والأول أشهر ] .

" بسم الله الرحمن الرحيم " افتتح بها الصحابة كتاب الله ، واتفق العلماء على أنها بعض آية من سورة النمل ، ثم اختلفوا : هل هي آية مستقلة بسم الله الرحمن الرحيم في أول كل سورة ، أو من أول كل سورة كتبت في أولها ، أو أنها بعض آية من أول كل سورة ، أو أنها كذلك في الفاتحة دون غيرها ، أو أنها [ إنما ] كتبت للفصل ، لا أنها آية ؟

على أقوال للعلماء سلفا وخلفا ، وذلك مبسوط في غير هذا الموضع .

وفي سنن أبي داود بإسناد صحيح ، عن ابن عباس ، رضي الله عنهما ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يعرف فصل السورة حتى ينزل عليه بسم الله الرحمن الرحيم وأخرجه الحاكم أبو عبد الله النيسابوري في مستدركه أيضا ، وروي مرسلا عن سعيد بن جبير .

وفي صحيح ابن خزيمة ، عن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ البسملة في أول الفاتحة في الصلاة وعدها آية ، لكنه من رواية عمر بن هارون البلخي ، وفيه ضعف ، عن ابن جريج ، عن ابن أبي مليكة ، عنها .

وروى له الدارقطني متابعا ، عن أبي هريرة مرفوعا .

وروى مثله عن علي وابن عباس وغيرهما .

وممن حكي عنه أنها آية من كل سورة إلا " براءة " : ابن عباس ، وابن عمر ، وابن الزبير ، وأبو هريرة ، وعلي .

ومن التابعين : عطاء ، وطاوس ، وسعيد بن جبير ، ومكحول ، والزهري ، وبه يقول عبد الله بن المبارك ، والشافعي ، وأحمد بن حنبل ، في رواية عنه ، وإسحاق بن راهويه ، وأبو عبيد القاسم بن سلام ، رحمهم الله .

وقال مالك وأبو حنيفة وأصحابهما : ليست آية من الفاتحة ولا من غيرها من السور ، وقال الشافعي في قول ، في بعض طرق مذهبه : هي آية من الفاتحة وليست من غيرها ، وعنه أنها بعض آية من أول كل سورة ، وهما غريبان .

وقال داود : هي آية مستقلة في أول كل سورة لا منها ، وهذه رواية عن الإمام أحمد بن حنبل .

وحكاه أبو بكر الرازي ، عن أبي الحسن الكرخي ، وهما من أكابر أصحاب أبي حنيفة ، رحمهم الله .

هذا ما يتعلق بكونها من الفاتحة أم لا .

فأما ما يتعلق بالجهر بها بسم الله الرحمن الرحيم ، فمفرع على هذا ؛ فمن رأى أنها ليست من الفاتحة فلا يجهر بها ، وكذا من قال : إنها آية من أولها ، وأما من قال بأنها من أوائل السور فاختلفوا ؛ فذهب الشافعي ، رحمه الله ، إلى أنه يجهر بها مع الفاتحة والسورة ، وهو مذهب طوائف من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين سلفا وخلفا ، فجهر بها من الصحابة أبو هريرة ، وابن عمر ، وابن عباس ، ومعاوية ، وحكاه ابن عبد البر ، والبيهقي عن عمر وعلي ، ونقله الخطيب عن الخلفاء الأربعة ، وهم : أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ، وهو غريب .

ومن التابعين : عن سعيد بن جبير ، وعكرمة ، وأبي قلابة ، والزهري ، وعلي بن الحسين ، وابنه محمد ، وسعيد بن المسيب ، وعطاء ، وطاوس ، ومجاهد ، وسالم ، ومحمد بن كعب القرظي ، وأبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، وأبي وائل ، وابن سيرين ، ومحمد بن المنكدر ، وعلي بن عبد الله بن عباس ، وابنه محمد ، ونافع مولى ابن عمر ، وزيد بن أسلم ، وعمر بن عبد العزيز ، والأزرق بن قيس ، وحبيب بن أبي ثابت ، وأبي الشعثاء ، ومكحول ، وعبد الله بن معقل بن مقرن .

زاد البيهقي : وعبد الله بن صفوان ، ومحمد ابن الحنفية .

زاد ابن عبد البر : وعمرو بن دينار .

والحجة في ذلك أنها بعض الفاتحة ، فيجهر بها كسائر أبعاضها ، وأيضا فقد روى النسائي في سننه وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما ، والحاكم في مستدركه ، عن أبي هريرة أنه صلى فجهر في قراءته بالبسملة ، وقال بعد أن فرغ : إني لأشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم .

وصححه الدارقطني والخطيب والبيهقي وغيرهم .

وروى أبو داود والترمذي ، عن ابن عباس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفتتح الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم .

ثم قال الترمذي : وليس إسناده بذاك .

وقد رواه الحاكم في مستدركه ، عن ابن عباس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ، ثم قال : صحيح وفي صحيح البخاري ، عن أنس بن مالك أنه سئل عن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : كانت قراءته مدا ، ثم قرأ " بسم الله الرحمن الرحيم " ، يمد " بسم الله " ، ويمد " الرحمن " ، ويمد " الرحيم .

وفي مسند الإمام أحمد ، وسنن أبي داود ، وصحيح ابن خزيمة ، ومستدرك الحاكم ، عن أم سلمة ، قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقطع قراءته : ( بسم الله الرحمن الرحيم .

الحمد لله رب العالمين .

الرحمن الرحيم .

مالك يوم الدين .

وقال الدارقطني : إسناده صحيح .

وروى الشافعي ، رحمه الله ، والحاكم في مستدركه ، عن أنس : أن معاوية صلى بالمدينة ، فترك البسملة ، فأنكر عليه من حضره من المهاجرين ذلك ، فلما صلى المرة الثانية بسمل .

وفي هذه الأحاديث ، والآثار التي أوردناها كفاية ومقنع في الاحتجاج لهذا القول عما عداها ، فأما المعارضات والروايات الغريبة ، وتطريقها ، وتعليلها وتضعيفها ، وتقريرها ، فله موضع آخر .

وذهب آخرون إلى أنه لا يجهر بالبسملة في الصلاة ، وهذا هو الثابت عن الخلفاء الأربعة وعبد الله بن مغفل ، وطوائف من سلف التابعين والخلف ، وهو مذهب أبي حنيفة ، والثوري ، وأحمد بن حنبل .

وعند الإمام مالك : أنه لا يقرأ البسملة بالكلية ، لا جهرا ولا سرا ، واحتجوا بما في صحيح مسلم ، عن عائشة ، رضي الله عنها ، قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتتح الصلاة بالتكبير ، والقراءة ب الحمد لله رب العالمين .

وبما في الصحيحين ، عن أنس بن مالك ، قال : صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم ، وأبي بكر وعمر وعثمان ، فكانوا يستفتحون ب الحمد لله رب العالمين .

ولمسلم : لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا في آخرها .

ونحوه في السنن عن عبد الله بن مغفل ، رضي الله عنه .

فهذه مآخذ الأئمة - رحمهم الله - في هذه المسألة وهي قريبة ؛ لأنهم أجمعوا على صحة صلاة من جهر بالبسملة ومن أسر ، ولله الحمد والمنة .

قال الإمام العالم الحبر العابد أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم ، رحمه الله ، في تفسيره : حدثنا أبي ، حدثنا جعفر بن مسافر ، حدثنا زيد بن المبارك الصنعاني ، حدثنا سلام بن وهب الجندي ، حدثنا أبي ، عن طاوس ، عن ابن عباس ؛ أن عثمان بن عفان سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بسم الله الرحمن الرحيم .

فقال : هو اسم من أسماء الله ، وما بينه وبين اسم الله الأكبر ، إلا كما بين سواد العينين وبياضهما من القرب .

وهكذا رواه أبو بكر بن مردويه ، عن سليمان بن أحمد ، عن علي بن المبارك ، عن زيد بن المبارك ، به .

وقد روى الحافظ ابن مردويه من طريقين ، عن إسماعيل بن عياش ، عن إسماعيل بن يحيى ، عن مسعر ، عن عطية ، عن أبي سعيد ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن عيسى ابن مريم أسلمته أمه إلى الكتاب ليعلمه ، فقال المعلم : اكتب ، قال ما أكتب ؟

قال : باسم الله ، قال له عيسى : وما باسم الله ؟

قال المعلم : ما أدري .

قال له عيسى : الباء بهاء الله ، والسين سناؤه ، والميم مملكته ، والله إله الآلهة ، والرحمن رحمن الدنيا والآخرة ، والرحيم رحيم الآخرة وقد رواه ابن جرير من حديث إبراهيم بن العلاء الملقب : زبريق ، عن إسماعيل بن عياش ، عن إسماعيل بن يحيى ، عن ابن أبي مليكة ، عمن حدثه ، عن ابن مسعود ، ومسعر ، عن عطية ، عن أبي سعيد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فذكره .

وهذا غريب جدا ، وقد يكون صحيحا إلى من دون رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويكون من الإسرائيليات لا من المرفوعات ، والله أعلم .

وقد روى جويبر ، عن الضحاك ، نحوه من قبله .

وقد روى ابن مردويه ، من حديث يزيد بن خالد ، عن سليمان بن بريدة ، وفي رواية عن عبد الكريم أبي أمية ، عن ابن بريدة ، عن أبيه ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أنزلت علي آية لم تنزل على نبي غير سليمان بن داود وغيري ، وهي بسم الله الرحمن الرحيم .

وروى بإسناده عن عبد الكبير بن المعافى بن عمران ، عن أبيه ، عن عمر بن ذر ، عن عطاء بن أبي رباح ، عن جابر بن عبد الله ، قال : لما نزل بسم الله الرحمن الرحيم هرب الغيم إلى المشرق ، وسكنت الرياح ، وهاج البحر ، وأصغت البهائم بآذانها ، ورجمت الشياطين من السماء ، وحلف الله تعالى بعزته وجلاله ألا يسمى اسمه على شيء إلا بارك فيه .

[ وقال وكيع عن الأعمش عن أبي وائل عن ابن مسعود قال : من أراد أن ينجيه الله من الزبانية التسعة عشر فليقرأ : بسم الله الرحمن الرحيم ، ليجعل الله له من كل حرف منها جنة من كل واحد ، ذكره ابن عطية والقرطبي ووجهه ابن عطية ونصره بحديث : فقد رأيت بضعة وثلاثين ملكا يبتدرونها لقول الرجل : ربنا ولك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه ، من أجل أنها بضعة وثلاثون حرفا وغير ذلك ] .

وقال الإمام أحمد بن حنبل في مسنده : حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن عاصم ، قال : سمعت أبا تميمة يحدث ، عن رديف النبي صلى الله عليه وسلم قال : عثر بالنبي صلى الله عليه وسلم ، فقلت : تعس الشيطان .

فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لا تقل تعس الشيطان .

فإنك إذا قلت : تعس الشيطان تعاظم ، وقال : بقوتي صرعته ، وإذا قلت : باسم الله ، تصاغر حتى يصير مثل الذباب .

هكذا وقع في رواية الإمام أحمد وقد روى النسائي في

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل الاستعاذة تأويل قوله : ( أعوذ ) .

قال أبو جعفر : والاستعاذة : الاستجارة .

وتأويل قول القائل : ( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ) أستجير بالله - دون غيره من سائر خلقه - من الشيطان أن يضرني في ديني ، أو يصدني عن حق يلزمني لربي .

تأويل قوله : ( من الشيطان ) قال أبو جعفر : والشيطان ، في كلام العرب : كل متمرد من الجن والإنس والدواب وكل شيء .

وكذلك قال ربنا جل ثناؤه : ( وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن ) [ سورة الأنعام : 112 ] ، فجعل من الإنس شياطين ، مثل الذي جعل من الجن .

وقال عمر بن الخطاب رحمة الله عليه ، وركب برذونا فجعل يتبختر به ، فجعل يضربه فلا يزداد إلا تبخترا ، فنزل عنه ، وقال : ما حملتموني إلا على شيطان!

ما نزلت عنه حتى أنكرت نفسي .

136 - حدثنا بذلك يونس بن عبد الأعلى ، قال : أنبأنا ابن وهب ، قال : أخبرني هشام بن سعد ، عن زيد بن أسلم ، عن أبيه ، عن عمر .

قال أبو جعفر : وإنما سمي المتمرد من كل شيء شيطانا ، لمفارقة أخلاقه وأفعاله أخلاق سائر جنسه وأفعاله ، وبعده من الخير .

وقد قيل : إنه أخذ من [ ص: 112 ] قول القائل : شطنت داري من دارك - يريد بذلك : بعدت .

ومن ذلك قول نابغة بني ذبيان : نأت بسعاد عنك نوى شطون فبانت والفؤاد بها رهين والنوى : الوجه الذي نوته وقصدته .

والشطون : البعيد .

فكأن الشيطان - على هذا التأويل - فيعال من شطن .

ومما يدل على أن ذلك كذلك ، قول أمية بن أبي الصلت : أيما شاطن عصاه عكاه ثم يلقى في السجن والأكبال ولو كان فعلان ، من شاط يشيط ، لقال : أيما شائط ، ولكنه قال : أيما شاطن ، لأنه من "شطن يشطن ، فهو شاطن" .

تأويل قوله : ( الرجيم ) .

وأما الرجيم فهو : فعيل بمعنى مفعول ، كقول القائل : كف خضيب ، ولحية دهين ، ورجل لعين ، يريد بذلك : مخضوبة ومدهونة وملعون .

وتأويل الرجيم : الملعون المشتوم .

وكل مشتوم بقول رديء أو سب فهو مرجوم .

وأصل الرجم الرمي ، بقول كان أو بفعل .

ومن الرجم بالقول قول أبي إبراهيم لإبراهيم صلوات الله عليه : ( لئن لم تنته لأرجمنك ) [ سورة مريم : 46 ] .

وقد يجوز أن يكون قيل للشيطان رجيم ، لأن الله جل ثناؤه طرده من سماواته ، ورجمه بالشهب الثواقب [ ص: 113 ] وقد روي عن ابن عباس ، أن أول ما نزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم علمه الاستعاذة .

137 - حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا بشر بن عمارة ، قال : حدثنا أبو روق ، عن الضحاك ، عن عبد الله بن عباس ، قال : أول ما نزل جبريل على محمد قال : "يا محمد استعذ ، قل : أستعيذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم " ، ثم قال : قل : "بسم الله الرحمن الرحيم " ، ثم قال : ( اقرأ باسم ربك الذي خلق ) [ العلق : 1 ] .

قال عبد الله : وهي أول سورة أنزلها الله على محمد بلسان جبريل .

فأمره أن يتعوذ بالله دون خلقه .

القول في تأويل بسم الله الرحمن الرحيم القول في تأويل قوله : ( بسم ) قال أبو جعفر : إن الله تعالى ذكره وتقدست أسماؤه أدب نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بتعليمه تقديم ذكر أسمائه الحسنى أمام جميع أفعاله ، ، وتقدم إليه في وصفه بها قبل جميع مهماته ، وجعل ما أدبه به من ذلك وعلمه إياه ، منه لجميع خلقه سنة يستنون بها ، وسبيلا يتبعونه عليها ، فبه افتتاح أوائل منطقهم ، وصدور رسائلهم وكتبهم وحاجاتهم ، حتى أغنت دلالة ما ظهر من قول القائل : "بسم الله " ، على ما بطن من مراده الذي هو محذوف .

وذلك أن الباء من "بسم الله " مقتضية فعلا يكون لها جالبا ، ولا فعل معها ظاهر ، فأغنت سامع القائل "بسم الله " معرفته بمراد قائله ، عن إظهار قائل ذلك مراده قولا إذ كان كل ناطق به عند افتتاحه أمرا ، قد أحضر منطقه به - إما معه ، وإما قبله بلا فصل - ما قد أغنى سامعه عن دلالة شاهدة على الذي من أجله افتتح قيله به .

فصار استغناء سامع ذلك منه عن إظهار ما حذف منه ، نظير استغنائه - إذا سمع قائلا قيل له : ما أكلت اليوم ؟

فقال : "طعاما " - عن أن يكرر المسئول مع قوله "طعاما " ، أكلت ، لما قد ظهر لديه من الدلالة على أن ذلك معناه ، بتقدم مسألة السائل إياه عما أكل .

فمعقول إذا أن قول [ ص: 115 ] القائل إذا قال : "بسم الله الرحمن الرحيم " ثم افتتح تاليا سورة ، أن إتباعه "بسم الله الرحمن الرحيم " تلاوة السورة ، ينبئ عن معنى قوله : "بسم الله الرحمن الرحيم " ومفهوم به أنه مريد بذلك : أقرأ بسم الله الرحمن الرحيم .

وكذلك قوله : "بسم الله " عند نهوضه للقيام أو عند قعوده وسائر أفعاله ، ينبئ عن معنى مراده بقوله "بسم الله " ، وأنه أراد بقيله "بسم الله " ، أقوم باسم الله ، وأقعد باسم الله .

وكذلك سائر الأفعال .

وهذا الذي قلنا في تأويل ذلك ، هو معنى قول ابن عباس الذي : - 138 - حدثنا به أبو كريب ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا بشر بن عمارة ، قال : حدثنا أبو روق ، عن الضحاك ، عن عبد الله بن عباس ، قال : إن أول ما نزل به جبريل على محمد ، قال : "يا محمد ، قل : أستعيذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم " ثم قال : "قل بسم الله الرحمن الرحيم " .

قال : قال له جبريل : قل بسم الله يا محمد ، يقول : اقرأ بذكر الله ربك ، وقم واقعد بذكر الله .

قال أبو جعفر : فإن قال لنا قائل : فإن كان تأويل قوله "بسم الله " ما وصفت ، والجالب الباء في "بسم الله " ما ذكرت ، فكيف قيل "بسم الله " ، بمعنى أقرأ باسم الله " ، أو أقوم أو أقعد باسم الله ؟

وقد علمت أن كل قارئ كتاب الله ، فبعون الله وتوفيقه قراءته ، وأن كل قائم أو قاعد أو فاعل فعلا فبالله قيامه وقعوده وفعله .

وهلا - إذ كان ذلك كذلك - قيل " بالله الرحمن الرحيم " ولم يقل "بسم الله " ؟

فإن قول القائل : أقوم وأقعد بالله الرحمن الرحيم ، أو أقرأ بالله - أوضح معنى لسامعه من قوله "بسم الله " ، إذ كان قوله أقوم "أقوم أو أقعد باسم الله " ، يوهم سامعه أن قيامه وقعوده بمعنى غير الله .

قيل له ، وبالله التوفيق : إن المقصود إليه من معنى ذلك غير ما توهمته في نفسك .

وإنما معنى قوله "باسم الله " : أبدأ بتسمية الله وذكره قبل كل شيء ، [ ص: 116 ] أو أقرأ بتسميتي الله ، أو أقوم وأقعد بتسميتي الله وذكره - لا أنه يعني بقيله "بسم الله " : أقوم بالله ، أو أقرأ بالله ، فيكون قول القائل : أقرأ بالله ، أو أقوم أو أقعد بالله - أولى بوجه الصواب في ذلك من قوله "بسم الله " .

فإن قال : فإن كان الأمر في ذلك على ما وصفت ، فكيف قيل : "بسم الله " وقد علمت أن الاسم اسم ، وأن التسمية مصدر من قولك سميت ؟

قيل : إن العرب قد تخرج المصادر مبهمة على أسماء مختلفة ، كقولهم : أكرمت فلانا كرامة ، وإنما بناء مصدر "أفعلت " - إذا أخرج على فعله - "الإفعال " .

وكقولهم : أهنت فلانا هوانا ، وكلمته كلاما .

وبناء مصدر : "فعلت " التفعيل .

ومن ذلك قول الشاعر : أكفرا بعد رد الموت عني وبعد عطائك المائة الرتاعا يريد : إعطائك .

ومنه قول الآخر : وإن كان هذا البخل منك سجية لقد كنت في طولي رجاءك أشعبا يريد : في إطالتي رجاءك .

ومنه قول الآخر : أظليم إن مصابكم رجلا أهدى السلام تحية ظلم يريد : إصابتكم .

والشواهد في هذا المعنى تكثر ، وفيما ذكرنا كفاية ، لمن وفق لفهمه .

[ ص: 117 ] فإذ كان الأمر - على ما وصفنا ، من إخراج العرب مصادر الأفعال على غير بناء أفعالها - كثيرا ، وكان تصديرها إياها على مخارج الأسماء موجودا فاشيا ، فبين بذلك صواب ما قلنا من التأويل في قول القائل "بسم الله " ، أن معناه في ذلك عند ابتدائه في فعل أو قول : أبدأ بتسمية الله ، قبل فعلي ، أو قبل قولي .

وكذلك معنى قول القائل عند ابتدائه بتلاوة القرآن : "بسم الله الرحمن الرحيم " ، إنما معناه : أقرأ مبتدئا بتسمية الله ، أو أبتدئ قراءتي بتسمية الله .

فجعل "الاسم " مكان التسمية ، كما جعل الكلام مكان التكليم ، والعطاء مكان الإعطاء .

وبمثل الذي قلنا من التأويل في ذلك ، روي الخبر عن عبد الله بن عباس .

139 - حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا بشر بن عمارة ، قال : حدثنا أبو روق ، عن الضحاك ، عن عبد الله بن عباس ، قال : أول ما نزل جبريل على محمد صلى الله عليه وسلم قال : "يا محمد ، قل : أستعيذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم " ، ثم قال : "قل : بسم الله الرحمن الرحيم " .

قال ابن عباس : "بسم الله " ، يقول له جبريل : يا محمد ، اقرأ بذكر الله ربك ، وقم واقعد بذكر الله .

وهذا التأويل من ابن عباس ينبئ عن صحة ما قلنا - من أنه يراد بقول القائل مفتتحا قراءته : "بسم الله الرحمن الرحيم " : أقرأ بتسمية الله وذكره ، وأفتتح القراءة بتسمية الله ، بأسمائه الحسنى وصفاته العلى - ويوضح فساد قول من زعم أن معنى ذلك من قائله : بالله الرحمن الرحيم أول كل شيء ، مع أن العباد [ ص: 118 ] إنما أمروا أن يبتدئوا عند فواتح أمورهم بتسمية الله ، لا بالخبر عن عظمته وصفاته ، كالذي أمروا به من التسمية على الذبائح والصيد ، وعند المطعم والمشرب ، وسائر أفعالهم .

وكذلك الذي أمروا به من تسميته عند افتتاح تلاوة تنزيل الله ، وصدور رسائلهم وكتبهم .

ولا خلاف بين الجميع من علماء الأمة ، أن قائلا لو قال عند تذكيته بعض بهائم الأنعام "بالله " ، ولم يقل "بسم الله " ، أنه مخالف - بتركه قيل : "بسم الله " ما سن له عند التذكية من القول .

وقد علم بذلك أنه لم يرد بقوله "بسم الله " "بالله " ، كما قال الزاعم أن اسم الله في قول الله : "بسم الله الرحمن الرحيم " هو الله .

لأن ذلك لو كان كما زعم ، لوجب أن يكون القائل عند تذكيته ذبيحته "بالله " ، قائلا ما سن له من القول على الذبيحة .

وفي إجماع الجميع على أن قائل ذلك تارك ما سن له من القول على ذبيحته - إذ لم يقل "بسم الله " - دليل واضح على فساد ما ادعى من التأويل في قول القائل : "بسم الله " ، أنه مراد به "بالله " ، وأن اسم الله هو الله .

وليس هذا الموضع من مواضع الإكثار في الإبانة عن الاسم : أهو المسمى ، أم غيره ، أم هو صفة له ؟

فنطيل الكتاب به ، وإنما هذا موضع من مواضع الإبانة عن الاسم المضاف إلى الله : أهو اسم ، أم مصدر بمعنى التسمية ؟

[ ص: 119 ] فإن قال قائل : فما أنت قائل في بيت لبيد بن ربيعة : إلى الحول ، ثم اسم السلام عليكما ، ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر فقد تأوله مقدم في العلم بلغة العرب ، أنه معني به : ثم السلام عليكما ، وأن اسم السلام هو السلام ؟

قيل له : لو جاز ذلك وصح تأويله فيه على ما تأول ، لجاز أن يقال : رأيت اسم زيد ، وأكلت اسم الطعام ، وشربت اسم الشراب; وفي إجماع جميع العرب على إحالة ذلك ما ينبئ عن فساد تأويل من تأول قول لبيد : "ثم اسم السلام [ ص: 120 ] عليكما " ، أنه أراد : ثم السلام عليكما ، وادعائه أن إدخال الاسم في ذلك وإضافته إلى السلام إنما جاز ، إذ كان اسم المسمى هو المسمى بعينه .

ويسأل القائلون قول من حكينا قوله هذا ، فيقال لهم : أتستجيزون في العربية أن يقال : "أكلت اسم العسل " ، يعني بذلك : أكلت العسل ، كما جاز عندكم : اسم السلام عليك ، وأنتم تريدون : السلام عليك ؟

فإن قالوا : نعم !

خرجوا من لسان العرب ، وأجازوا في لغتها ما تخطئه جميع العرب في لغتها .

وإن قالوا : لا ؛ سئلوا الفرق بينهما .

فلن يقولوا في أحدهما قولا إلا ألزموا في الآخر مثله .

فإن قال لنا قائل : فما معنى قول لبيد هذا عندك ؟

قيل له : يحتمل ذلك وجهين ، كلاهما غير الذي قاله من حكينا قوله .

أحدهما : أن "السلام " اسم من أسماء الله ، فجائز أن يكون لبيد عنى بقوله : "ثم اسم السلام عليكما " ، ثم الزما اسم الله وذكره بعد ذلك ، ودعا ذكري والبكاء علي; على وجه الإغراء .

فرفع الاسم ، إذ أخر الحرف الذي يأتي بمعنى الإغراء .

وقد تفعل العرب ذلك ، إذا أخرت الإغراء وقدمت المغرى به ، وإن كانت قد تنصب به وهو مؤخر .

ومن ذلك قول الشاعر : يا أيها المائح دلوي دونكا!

إني رأيت الناس يحمدونكا!

فأغرى ب "دونك " ، وهي مؤخرة ، وإنما معناه : دونك دلوي .

فذلك قول لبيد : إلى الحول ثم اسم السلام عليكما يعني : عليكما اسم السلام ، أي : الزما ذكر الله ودعا ذكري والوجد بي ، لأن من بكى حولا على امرئ ميت فقد اعتذر .

فهذا أحد وجهيه .

[ ص: 121 ] والوجه الآخر منهما : ثم تسميتي الله عليكما ، كما يقول القائل للشيء يراه فيعجبه : "اسم الله عليك " يعوذه بذلك من السوء ، فكأنه قال : ثم اسم الله عليكما من السوء ، وكأن الوجه الأول أشبه المعنيين بقول لبيد .

ويقال لمن وجه بيت لبيد هذا إلى أن معناه : ثم السلام عليكما ، أترى ما قلنا - من هذين الوجهين - جائزا ، أو أحدهما ، أو غير ما قلت فيه ؟

فإن قال : لا !

أبان مقداره من العلم بتصاريف وجوه كلام العرب ، وأغنى خصمه عن مناظرته .

وإن قال : بلى !

قيل له : فما برهانك على صحة ما ادعيت من التأويل أنه الصواب ، دون الذي ذكرت أنه محتمله - من الوجه الذي يلزمنا تسليمه لك ؟

ولا سبيل إلى ذلك .

وأما الخبر الذي : - 140 - حدثنا به إسماعيل بن الفضل ، قال : حدثنا إبراهيم بن العلاء بن الضحاك وهو يلقب بزبريق قال : حدثنا إسماعيل بن عياش ، عن إسماعيل بن يحيى ، عن ابن أبي مليكة ، عمن حدثه ، عن ابن مسعود - ومسعر بن كدام ، عن عطية ، عن أبي سعيد - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن عيسى ابن مريم أسلمته أمه إلى الكتاب ليعلمه ، فقال له المعلم : اكتب "بسم " فقال له عيسى : وما "بسم " ؟

فقال له المعلم : ما أدري !

فقال عيسى : الباء بهاء الله ، والسين : سناؤه ، والميم : مملكته .

[ ص: 122 ] فأخشى أن يكون غلطا من المحدث ، وأن يكون أراد ب س م ، على سبيل ما يعلم المبتدئ من الصبيان في الكتاب حروف أبي جاد ، فغلط بذلك ، فوصله ، فقال : "بسم " ، لأنه لا معنى لهذا التأويل إذا تلي "بسم الله الرحمن الرحيم " ، على ما يتلوه القارئ في كتاب الله ، لاستحالة معناه على المفهوم به عند جميع العرب وأهل لسانها ، إذا حمل تأويله على ذلك .

القول في تأويل قوله جل ثناؤه : ( الله ) .

قال أبو جعفر : وأما تأويل قول الله تعالى ذكره "الله " ، فإنه على معنى ما روي لنا عن عبد الله بن عباس - : هو الذي يألهه كل شيء ، ويعبده كل خلق .

[ ص: 123 ] 141 - وذلك أن أبا كريب حدثنا ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا بشر بن عمارة ، قال : حدثنا أبو روق ، عن الضحاك ، عن عبد الله بن عباس ، قال : "الله " ذو الألوهية والمعبودية على خلقه أجمعين .

فإن قال لنا قائل : فهل لذلك في "فعل ويفعل " أصل كان منه بناء هذا الاسم ؟

قيل : أما سماعا من العرب فلا ولكن استدلالا .

فإن قال : وما دل على أن الألوهية هي العبادة ، وأن الإله هو المعبود ، وأن له أصلا في "فعل ويفعل " .

قيل : لا تمانع بين العرب في الحكم لقول القائل - يصف رجلا بعبادة ، وبطلب ما عند الله جل ذكره : "تأله فلان " - بالصحة ولا خلاف .

ومن ذلك قول رؤبة بن العجاج : لله در الغانيات المده سبحن واسترجعن من تألهي يعني : من تعبدي وطلبي الله بعملي .

ولا شك أن "التأله " ، التفعل من : "أله يأله " ، وأن معنى "أله " - إذا نطق به : - عبد الله .

وقد جاء منه مصدر يدل على أن العرب قد نطقت منه ب "فعل يفعل " بغير زيادة .

142 - وذلك ما حدثنا به سفيان بن وكيع ، قال حدثنا أبي ، عن نافع بن عمر ، عن عمرو بن دينار ، عن ابن عباس : أنه قرأ " ويذرك وآلهتك " سورة الأعراف : 127 قال : عبادتك ، ويقال : إنه كان يعبد ولا يعبد .

[ ص: 124 ] 143 - حدثنا سفيان ، قال : حدثنا ابن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن محمد بن عمرو بن الحسن ، عن ابن عباس : ( ويذرك وآلهتك ) ، قال : إنما كان فرعون يعبد ولا يعبد وكذلك كان عبد الله يقرؤها ومجاهد .

144 - حدثنا القاسم قال : حدثنا الحسين بن داود ، قال : أخبرني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد : قوله " ويذرك وآلهتك " قال : وعبادتك ولا شك أن الإلاهة - على ما فسره ابن عباس ومجاهد - مصدر من قول القائل : أله الله فلان إلاهة ، كما يقال : عبد الله فلان عبادة ، وعبر الرؤيا عبارة .

فقد بين قول ابن عباس ومجاهد هذا : أن "أله " عبد ، وأن "الإلاهة " مصدره .

فإن قال : فإن كان جائزا أن يقال لمن عبد الله : ألهه - على تأويل قول ابن عباس ومجاهد - فكيف الواجب في ذلك أن يقال ، إذا أراد المخبر الخبر عن استيجاب الله ذلك على عبده ؟

[ ص: 125 ] قيل : أما الرواية فلا رواية فيه عندنا ، ولكن الواجب - على قياس ما جاء به الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي : - 145 - حدثنا به إسماعيل بن الفضل ، حدثنا إبراهيم بن العلاء ، قال : حدثنا إسماعيل بن عياش ، عن إسماعيل بن يحيى ، عن ابن أبي مليكة ، عمن حدثه عن ابن مسعود - ومسعر بن كدام ، عن عطية العوفي ، عن أبي سعيد - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن عيسى أسلمته أمه إلى الكتاب ليعلمه فقال له المعلم اكتب "الله " فقال له عيسى : "أتدري ما الله ؟

الله إله الآلهة " .

- أن يقال ، الله جل جلاله أله العبد ، والعبد ألهه .

وأن يكون قول القائل "الله " - من كلام العرب أصله "الإله " .

فإن قال : وكيف يجوز أن يكون ذلك كذلك ، مع اختلاف لفظيهما ؟

قيل : كما جاز أن يكون قوله : ( لكنا هو الله ربي ) [ سورة الكهف : 38 ] أصله : لكن أنا ، هو الله ربي ، كما قال الشاعر : وترمينني بالطرف ، أي أنت مذنب وتقلينني ، لكن إياك لا أقلي يريد : لكن أنا إياك لا أقلي ، فحذف الهمزة من "أنا " فالتقت نون "أنا " "ونون "لكن " وهي ساكنة ، فأدغمت في نون "أنا " فصارتا نونا مشددة .

فكذلك "الله " أصله "الإله " ، أسقطت الهمزة التي هي فاء الاسم ، فالتقت اللام التي هي عين الاسم ، واللام الزائدة التي دخلت مع الألف الزائدة وهي ساكنة ، فأدغمت في [ ص: 126 ] الأخرى التي هي عين الاسم ، فصارتا في اللفظ لاما واحدة مشددة ، كما وصفنا من قول الله ( لكنا هو الله ربي ) .

القول في تأويل قوله جل ثناؤه : ( الرحمن الرحيم ) .

قال أبو جعفر : وأما " الرحمن " ، فهو فعلان ، من رحم ، و "الرحيم " فعيل منه .

والعرب كثيرا ما تبني الأسماء من "فعل يفعل " على "فعلان " ، كقولهم من غضب : غضبان ، ومن سكر : سكران ، ومن عطش : عطشان .

فكذلك قولهم "رحمن " من رحم ، لأن "فعل " منه : رحم يرحم .

وقيل "رحيم " ، وإن كانت عين "فعل " منها مكسورة ، لأنه مدح .

ومن شأن العرب أن يحملوا أبنية الأسماء - إذا كان فيها مدح أو ذم - على "فعيل " ، وإن كانت عين "فعل " منها مكسورة أو مفتوحة ، كما قالوا من "علم " عالم وعليم ، ومن "قدر " قادر وقدير .

وليس ذلك منها بناء على أفعالها ، لأن البناء من "فعل يفعل " و "فعل يفعل " فاعل .

فلو كان "الرحمن والرحيم " خارجين على بناء أفعالهما لكانت صورتهما "الراحم " .

فإن قال قائل : فإذا كان الرحمن والرحيم اسمين مشتقين من الرحمة ، فما وجه تكرير ذلك ، وأحدهما مؤد عن معنى الآخر ؟

قيل له : ليس الأمر في ذلك على ما ظننت ، بل لكل كلمة منهما معنى لا تؤدي الأخرى منهما عنها .

فإن قال : وما المعنى الذي انفردت به كل واحدة منهما ، فصارت إحداهما غير مؤدية المعنى عن الأخرى ؟

قيل : أما من جهة العربية ، فلا تمانع بين أهل المعرفة بلغات العرب ، أن قول القائل : "الرحمن " - عن أبنية الأسماء [ ص: 127 ] من "فعل يفعل " - أشد عدولا من قوله "الرحيم " .

ولا خلاف مع ذلك بينهم ، أن كل اسم كان له أصل في "فعل يفعل " - ثم كان عن أصله من "فعل يفعل " أشد عدولا - أن الموصوف به مفضل على الموصوف بالاسم المبني على أصله من "فعل يفعل " ، إذا كانت التسمية به مدحا أو ذما .

فهذا ما في قول القائل "الرحمن " ، من زيادة المعنى على قوله "الرحيم " في اللغة .

وأما من جهة الأثر والخبر ، ففيه بين أهل التأويل اختلاف : - 146 - فحدثني السري بن يحيى التميمي ، قال : حدثنا عثمان بن زفر ، قال : سمعت العرزمي يقول : "الرحمن الرحيم " ، قال : الرحمن بجميع الخلق ، "الرحيم" قال : بالمؤمنين .

147 - حدثنا إسماعيل بن الفضل ، قال : حدثنا إبراهيم بن العلاء ، قال : حدثنا إسماعيل بن عياش ، عن إسماعيل بن يحيى ، عن ابن أبي مليكة ، عمن حدثه ، عن ابن مسعود - ومسعر بن كدام ، عن عطية العوفي ، عن أبي سعيد - يعني الخدري - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن عيسى ابن مريم قال : الرحمن رحمن الآخرة والدنيا ، والرحيم رحيم الآخرة " .

فهذان الخبران قد أنبآ عن فرق ما بين تسمية الله جل ثناؤه باسمه الذي هو "رحمن " ، وتسميته باسمه الذي هو "رحيم " ، واختلاف معنى الكلمتين - وإن اختلفا في معنى ذلك الفرق ، فدل أحدهما على أن ذلك في الدنيا ، ودل الآخر على أنه في الآخرة .

فإن قال : فأي هذين التأويلين أولى عندك بالصحة ؟

[ ص: 128 ] قيل : لجميعهما عندنا في الصحة مخرج ، فلا وجه لقول قائل : أيهما أولى بالصحة ؟

وذلك أن المعنى الذي في تسمية الله بالرحمن ، دون الذي في تسميته بالرحيم : هو أنه بالتسمية بالرحمن موصوف بعموم الرحمة جميع خلقه ، وأنه بالتسمية بالرحيم موصوف بخصوص الرحمة بعض خلقه ، إما في كل الأحوال ، وإما في بعض الأحوال .

فلا شك - إذا كان ذلك كذلك - أن ذلك الخصوص الذي في وصفه بالرحيم لا يستحيل عن معناه ، في الدنيا كان ذلك أو في الآخرة ، أو فيهما جميعا .

فإذا كان صحيحا ما قلنا من ذلك - وكان الله جل ثناؤه قد خص عباده المؤمنين في عاجل الدنيا بما لطف بهم من توفيقه إياهم لطاعته ، والإيمان به وبرسله ، واتباع أمره واجتناب معاصيه ، مما خذل عنه من أشرك به ، وكفر وخالف ما أمره به ، وركب معاصيه; وكان مع ذلك قد جعل ، جل ثناؤه ، ما أعد في آجل الآخرة في جناته من النعيم المقيم والفوز المبين ، لمن آمن به ، وصدق رسله ، وعمل بطاعته ، خالصا ، دون من أشرك وكفر به - كان بينا أن الله قد خص المؤمنين من رحمته في الدنيا والآخرة ، مع ما قد عمهم به والكفار في الدنيا من الإفضال والإحسان إلى جميعهم ، في البسط في الرزق ، وتسخير السحاب بالغيث ، وإخراج النبات من الأرض ، وصحة الأجسام والعقول ، وسائر النعم التي لا تحصى ، التي يشترك فيها المؤمنون والكافرون .

فربنا جل ثناؤه رحمن جميع خلقه في الدنيا والآخرة ، ورحيم المؤمنين خاصة في الدنيا والآخرة .

فأما الذي عم جميعهم به في الدنيا من رحمته فكان رحمانا لهم به ، فما ذكرنا مع نظائره التي لا سبيل إلى إحصائها لأحد من خلقه ، كما قال جل ثناؤه : ( وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ) [ سورة إبراهيم : 34 ، وسورة النحل : 18 ] .

وأما في الآخرة ، فالذي عم جميعهم به فيها من رحمته ، فكان لهم رحمانا ، تسويته [ ص: 129 ] بين جميعهم جل ذكره في عدله وقضائه ، فلا يظلم أحدا منهم مثقال ذرة ، وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما ، وتوفى كل نفس ما كسبت .

فذلك معنى عمومه في الآخرة جميعهم برحمته ، الذي كان به رحمانا في الآخرة .

وأما ما خص به المؤمنين في عاجل الدنيا من رحمته ، الذي كان به رحيما لهم فيها ، كما قال جل ذكره : ( وكان بالمؤمنين رحيما ) [ سورة الأحزاب : 43 ] فما وصفنا من اللطف لهم في دينهم ، فخصهم به ، دون من خذله من أهل الكفر به .

وأما ما خصهم به في الآخرة ، فكان به رحيما لهم دون الكافرين ، فما وصفنا آنفا مما أعد لهم دون غيرهم من النعيم ، والكرامة التي تقصر عنها الأماني .

وأما القول الآخر في تأويله فهو ما : - 148 - حدثنا به أبو كريب ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا بشر بن عمارة ، قال : حدثنا أبو روق ، عن الضحاك ، عن عبد الله بن عباس ، قال : الرحمن ، الفعلان من الرحمة ، وهو من كلام العرب .

قال : الرحمن الرحيم : الرقيق الرفيق بمن أحب أن يرحمه ، والبعيد الشديد على من أحب أن يعنف عليه .

وكذلك أسماؤه كلها .

وهذا التأويل من ابن عباس ، يدل على أن الذي به ربنا رحمن ، هو الذي به رحيم ، وإن كان لقوله "الرحمن " من المعنى ، ما ليس لقوله "الرحيم " .

لأنه جعل معنى "الرحمن " بمعنى الرقيق على من رق عليه ، ومعنى "الرحيم " بمعنى الرفيق بمن رفق به .

والقول الذي رويناه في تأويل ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم وذكرناه عن العرزمي ، أشبه بتأويله من هذا القول الذي رويناه عن ابن عباس .

وإن [ ص: 130 ] كان هذا القول موافقا معناه معنى ذلك ، في أن للرحمن من المعنى ما ليس للرحيم ، وأن للرحيم تأويلا غير تأويل الرحمن .

والقول الثالث في تأويل ذلك ما : - 149 - حدثني به عمران بن بكار الكلاعي ، قال : حدثنا يحيى بن صالح ، قال : حدثنا أبو الأزهر نصر بن عمرو اللخمي من أهل فلسطين ، قال : سمعت عطاء الخراساني يقول : كان الرحمن ، فلما اختزل الرحمن من اسمه كان الرحمن الرحيم .

والذي أراد ، إن شاء الله ، عطاء بقوله هذا : أن الرحمن كان من أسماء الله التي لا يتسمى بها أحد من خلقه ، فلما تسمى به الكذاب مسيلمة - وهو اختزاله إياه ، يعني اقتطاعه من أسمائه لنفسه - أخبر الله جل ثناؤه أن اسمه "الرحمن الرحيم " ليفصل بذلك لعباده اسمه من اسم من قد تسمى بأسمائه ، إذ كان لا يسمى أحد "الرحمن الرحيم " ، فيجمع له هذان الاسمان ، غيره جل ذكره .

وإنما يتسمى بعض خلقه إما رحيما ، أو يتسمى رحمن .

فأما "رحمن رحيم " ، فلم يجتمعا قط لأحد سواه ، ولا يجمعان لأحد غيره .

فكأن معنى قول عطاء هذا : أن الله جل ثناؤه إنما فصل بتكرير الرحيم على الرحمن ، بين اسمه واسم غيره من خلقه ، اختلف معناهما أو اتفقا .

والذي قال عطاء من ذلك غير فاسد المعنى ، بل جائز أن يكون جل ثناؤه خص نفسه بالتسمية بهما معا مجتمعين ، إبانة لها من خلقه ، ليعرف عباده بذكرهما مجموعين أنه المقصود بذكرهما دون من سواه من خلقه ، مع ما في تأويل كل واحد منهما من المعنى الذي ليس في الآخر منهما .

[ ص: 131 ] وقد زعم بعض أهل الغباء أن العرب كانت لا تعرف "الرحمن " ، ولم يكن ذلك في لغتها ولذلك قال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم : ( وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا ) [ سورة الفرقان : 60 ] ، إنكارا منهم لهذا الاسم ، كأنه كان محالا عنده أن ينكر أهل الشرك ما كانوا عالمين بصحته ، أو : لا ، وكأنه لم يتل من كتاب الله قول الله ( الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه ) - يعني محمدا - ( كما يعرفون أبناءهم ) [ سورة البقرة : 146 ] وهم مع ذلك به مكذبون ، ولنبوته جاحدون!

فيعلم بذلك أنهم قد كانوا يدافعون حقيقة ما قد ثبت عندهم صحته ، واستحكمت لديهم معرفته .

وقد أنشد لبعض الجاهلية الجهلاء : ألا ضربت تلك الفتاة هجينها ألا قضب الرحمن ربي يمينها وقال سلامة بن جندل السعدي : عجلتم علينا عجلتينا عليكم وما يشأ الرحمن يعقد ويطلق [ ص: 132 ] وقد زعم أيضا بعض من ضعفت معرفته بتأويل أهل التأويل ، وقلت روايته لأقوال السلف من أهل التفسير ، أن "الرحمن " مجازه : ذو الرحمة ، و "الرحيم " مجازه : الراحم ، ثم قال : قد يقدرون اللفظين من لفظ والمعنى واحد ، وذلك لاتساع الكلام عندهم .

قال : وقد فعلوا مثل ذلك فقالوا : ندمان ونديم ، ثم استشهد ببيت برج بن مسهر الطائي : وندمان يزيد الكأس طيبا ، سقيت وقد تغورت النجوم واستشهد بأبيات نظائره في النديم والندمان ، ففرق بين معنى الرحمن والرحيم في التأويل لقوله : الرحمن ذو الرحمة ، والرحيم الراحم ، وإن كان قد ترك بيان تأويل معنييهما على صحته .

ثم مثل ذلك باللفظين يأتيان بمعنى واحد ، فعاد إلى ما قد جعله بمعنيين ، فجعله مثال ما هو بمعنى واحد مع اختلاف الألفاظ .

ولا شك أن ذا الرحمة هو الذي ثبت أن له الرحمة ، وصح أنها له صفة; وأن الراحم هو الموصوف بأنه سيرحم ، أو قد رحم فانقضى ذلك منه ، أو هو فيه .

ولا دلالة له فيه حينئذ أن الرحمة له صفة ، كالدلالة على أنها له صفة ، إذا وصف بأنه ذو الرحمة .

فأين معنى "الرحمن الرحيم " على تأويله ، من معنى الكلمتين تأتيان مقدرتين من لفظ واحد باختلاف الألفاظ واتفاق المعاني ؟

ولكن القول إذا كان غير أصل معتمد عليه ، كان واضحا عواره .

وإن قال لنا قائل : ولم قدم اسم الله الذي هو "الله " ، على اسمه الذي هو "الرحمن " ، واسمه الذي هو "الرحمن " ، على اسمه الذي هو "الرحيم " ؟

قيل : لأن من شأن العرب ، إذا أرادوا الخبر عن مخبر عنه ، أن يقدموا اسمه ، ثم يتبعوه صفاته ونعوته .

وهذا هو الواجب في الحكم : أن يكون الاسم مقدما قبل نعته وصفته ، ليعلم السامع الخبر ، عمن الخبر .

فإذا كان ذلك كذلك - [ ص: 133 ] وكان لله جل ذكره أسماء قد حرم على خلقه أن يتسموا بها ، خص بها نفسه دونهم ، وذلك مثل "الله " و "الرحمن " و "الخالق "; وأسماء أباح لهم أن يسمي بعضهم بعضا بها ، وذلك : كالرحيم والسميع والبصير والكريم ، وما أشبه ذلك من الأسماء - كان الواجب أن تقدم أسماؤه التي هي له خاصة دون جميع خلقه ، ليعرف السامع ذلك من توجه إليه الحمد والتمجيد ، ثم يتبع ذلك بأسمائه التي قد تسمى بها غيره ، بعد علم المخاطب أو السامع من توجه إليه ما يتلو ذلك من المعاني .

فبدأ الله جل ذكره باسمه لأن الألوهية ليست لغيره جل ثناؤه من وجه من الوجوه ، لا من جهة التسمي به ، ولا من جهة المعنى .

وذلك أنا قد بينا أن معنى "الله " تعالى ذكره المعبود ، ولا معبود غيره جل جلاله ، وأن التسمي به قد حرمه الله جل ثناؤه ، وإن قصد المتسمي به ما يقصد المتسمي بسعيد وهو شقي ، وبحسن وهو قبيح .

أولا ترى أن الله جل جلاله قال في غير آية من كتابه : ( أإله مع الله ) فاستكبر ذلك من المقر به ، وقال تعالى في خصوصه نفسه بالله وبالرحمن : ( قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى ) [ سورة الإسراء : 110 ] .

ثم ثنى باسمه ، الذي هو الرحمن ، إذ كان قد منع أيضا خلقه التسمي به ، وإن كان من خلقه من قد يستحق تسميته ببعض معانيه .

وذلك أنه قد يجوز وصف كثير ممن هو دون الله من خلقه ، ببعض صفات الرحمة .

وغير جائز أن يستحق بعض الألوهية أحد دونه .

فلذلك جاء الرحمن ثانيا لاسمه الذي هو "الله " .

وأما اسمه الذي هو "الرحيم " فقد ذكرنا أنه مما هو جائز وصف غيره به .

والرحمة من صفاته جل ذكره ، فكان - إذ كان الأمر على ما وصفنا - واقعا مواقع نعوت الأسماء اللواتي هن توابعها ، بعد تقدم الأسماء عليها .

فهذا وجه تقديم اسم الله [ ص: 133 ] الذي هو "الله " ، على اسمه الذي هو "الرحمن " ، واسمه الذي هو "الرحمن " على اسمه الذي هو "الرحيم " .

وقد كان الحسن البصري يقول في "الرحمن " مثل ما قلنا ، أنه من أسماء الله التي منع التسمي بها العباد .

150 - حدثنا محمد بن بشار ، قال : حدثنا حماد بن مسعدة ، عن عوف ، عن الحسن ، قال : "الرحمن " اسم ممنوع .

مع أن في إجماع الأمة من منع التسمي به جميع الناس ، ما يغني عن الاستشهاد على صحة ما قلنا في ذلك بقول الحسن وغيره

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

القول في الاستعاذةوفيها اثنتا عشرة مسألة :الأولى : أمر الله تعالى بالاستعاذة عند أول كل قراءة فقال تعالى : فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم [ النحل : 98 ] أي إذا أردت أن تقرأ ; فأوقع الماضي موقع المستقبل كما قال الشاعر :وإني لآتيكم لذكري الذي مضى من الود واستئناف ما كان في غدأراد ما يكون في غد ; وقيل : في الكلام تقديم وتأخير ، وأن كل فعلين تقاربا في المعنى جاز تقديم أيهما شئت ; كما قال تعالى : ثم دنا فتدلى [ النجم : 8 ] المعنى فتدلى ثم دنا ; ومثله : اقتربت الساعة وانشق القمر [ القمر : 1 ] وهو كثير .الثانية : هذا الأمر على الندب في قول الجمهور في كل قراءة في غير الصلاة .

واختلفوا فيه في الصلاة .

حكى النقاش عن عطاء : أن الاستعاذة واجبة ، وكان ابن سيرين والنخعي وقوم يتعوذون في الصلاة كل ركعة ، ويمتثلون أمر الله في الاستعاذة على العموم ، وأبو حنيفة والشافعي يتعوذان في الركعة الأولى من الصلاة ويريان قراءة الصلاة كلها كقراءة واحدة ; ومالك لا يرى التعوذ في الصلاة المفروضة ويراه في قيام رمضان .الثالثة : أجمع العلماء على أن التعوذ ليس من القرآن ولا آية منه ، وهو قول القارئ : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم .

وهذا اللفظ هو الذي عليه الجمهور من العلماء في التعوذ لأنه لفظ كتاب الله تعالى .

وروي عن ابن مسعود أنه قال : قلت أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ; فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم : يا ابن أم عبد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم هكذا أقرأني جبريل عن اللوح المحفوظ عن القلم .الرابعة : روى أبو داود وابن ماجه في سننهما عن جبير بن مطعم أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي صلاة فقال عمرو : لا أدري أي صلاة هي ؟

فقال : " الله أكبر كبيرا الله أكبر كبيرا - ثلاثا - الحمد لله كثيرا الحمد لله كثيرا - ثلاثا - وسبحان الله بكرة وأصيلا - ثلاثا - أعوذ بالله من الشيطان من نفخه ونفثه وهمزه .

قال عمرو : همزه المؤتة ، ونفثه الشعر ، ونفخه الكبر .

وقال ابن ماجه : [ ص: 84 ] المؤتة يعني الجنون .

والنفث : نفخ الرجل من فيه من غير أن يخرج ريقه .

والكبر : التيه .

وروى أبو داود عن أبي سعيد الخدري قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل كبر ثم يقول : سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك - ثم يقول : لا إله إلا الله - ثلاثا ثم يقول : - الله أكبر كبيرا - ثلاثا - أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه ثم يقرأ .

وروى سليمان بن سالم عن ابن القاسم رحمه الله أن الاستعاذة : أعوذ بالله العظيم من الشيطان الرجيم إن الله هو السميع العليم بسم الله الرحمن الرحيم .

قال ابن عطية : " وأما المقرئون فأكثروا في هذا من تبديل الصفة في اسم الله تعالى وفي الجهة الأخرى ، كقول بعضهم : أعوذ بالله المجيد ، من الشيطان المريد ; ونحو هذا مما لا أقول فيه : نعمت البدعة ، ولا أقول : إنه لا يجوز " .الخامسة : قال المهدوي : أجمع القراء على إظهار الاستعاذة في أول قراءة سورة " الحمد " إلا حمزة فإنه أسرها .

وروى السدي عن أهل المدينة أنهم كانوا يفتتحون القراءة بالبسملة .

وذكر أبو الليث السمرقندي عن بعض المفسرين أن التعوذ فرض ، فإذا نسيه القارئ وذكره في بعض الحزب قطع وتعوذ ، ثم ابتدأ من أوله .

وبعضهم يقول : يستعيذ ثم يرجع إلى موضعه الذي وقف فيه ; وبالأول قال أسانيد الحجاز والعراق ; وبالثاني قال أسانيد الشام ومصر .السادسة : حكى الزهراوي قال : نزلت الآية في الصلاة وندبنا إلى الاستعاذة في غير الصلاة وليس بفرض .

قال غيره : كانت فرضا على النبي صلى الله عليه وسلم وحده ، ثم تأسينا به .السابعة : روي عن أبي هريرة أن الاستعاذة بعد القراءة ; وقاله داود .

قال أبو بكر بن العربي : انتهى العي بقوم إلى أن قالوا : إذا فرغ القارئ من قراءة القرآن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم .

وقد روى أبو سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ في صلاته قبل القراءة ، وهذا نص .

فإن قيل : فما الفائدة في الاستعاذة من الشيطان الرجيم وقت القراءة ؟

قلنا : فائدتها امتثال الأمر ، وليس للشرعيات فائدة إلا القيام بحق الوفاء لها في امتثالها أمرا أو اجتنابها نهيا ; وقد قيل : فائدتها امتثال الأمر [ ص: 85 ] بالاستعاذة من وسوسة الشيطان عند القراءة ; كما قال تعالى وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته [ الحج : 52 ] .

قال ابن العربي : ومن أغرب ما وجدناه قول مالك في المجموعة في تفسير هذه الآية : فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم [ النحل : 98 ] قال : ذلك بعد قراءة أم القرآن لمن قرأ في الصلاة ، وهذا قول لم يرد به أثر ، ولا يعضده نظر ; فإن كان هذا كما قال بعض الناس : إن الاستعاذة بعد القراءة ، كان تخصيص ذلك بقراءة أم القرآن في الصلاة دعوى عريضة ، ولا تشبه أصل مالك ولا فهمه ; فالله أعلم بسر هذه الرواية .الثامنة : في فضل التعوذ .

روى مسلم عن سليمان بن صرد قال : استب رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم فجعل أحدهما يغضب ويحمر وجهه فنظر إليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب ذا عنه ، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم .

فقام إلى الرجل رجل ممن سمع النبي صلى الله عليه وسلم فقال : هل تدري ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم آنفا ؟

قال : إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب ذا عنه أعوذ بالله من الشيطان الرجيم فقال له الرجل : أمجنونا تراني !

أخرجه البخاري أيضا .

وروى مسلم أيضا عن عثمان بن أبي العاص الثقفي أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي يلبسها علي ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ذاك شيطان يقال له خنزب فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه واتفل عن يسارك ثلاثا قال : ففعلت فأذهبه الله عني .

وروى أبو داود عن ابن عمر قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سافر فأقبل عليه الليل قال : يا أرض ربي وربك الله أعوذ بالله من شرك [ وشر ما فيك ] [ و ] شر ما خلق فيك ومن شر ما يدب عليك [ وأعوذ بالله ] من أسد وأسود ومن الحية والعقرب ومن [ ساكن ] البلد ووالد وما ولد وروت خولة بنت حكيم قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من نزل منزلا ثم قال أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره شيء حتى يرتحل .

أخرجه الموطأ ومسلم والترمذي وقال : حديث حسن غريب صحيح .

وما يتعوذ منه كثير ثابت في الأخبار ، والله المستعان .[ ص: 86 ]التاسعة : معنى الاستعاذة في كلام العرب : الاستجارة والتحيز إلى الشيء ، على معنى الامتناع به من المكروه ; يقال : عذت بفلان واستعذت به ; أي لجأت إليه .

وهو عياذي ; أي ملجئي .

وأعذت غيري به وعوذته بمعنى .

ويقال : عوذ بالله منك ; أي أعوذ بالله منك ; قال الراجزقالت وفيها حيدة وذعر عوذ بربي منكم وحجروالعرب تقول عند الأمر تنكره : حجرا له ، بالضم ، أي دفعا ، وهو استعاذة من الأمر .

والعوذة والمعاذة والتعويذ كله بمعنى .

وأصل أعوذ : أعوذ نقلت الضمة إلى العين لاستثقالها على الواو فسكنت .العاشرة : الشيطان واحد الشياطين ; على التكسير والنون أصلية ; لأنه من شطن إذا بعد عن الخير .

وشطنت داره أي بعدت ; قال الشاعر [ النابغة الذبياني ] :نأت بسعاد عنك نوى شطون فبانت والفؤاد بها رهينوبئر شطون أي بعيدة القعر .

والشطن : الحبل ; سمي به لبعد طرفيه وامتداده .

ووصف أعرابي فرسا لا يحفى فقال : كأنه شيطان في أشطان .

وسمي الشيطان شيطانا لبعده عن الحق وتمرده ; وذلك أن كل عات متمرد من الجن والإنس والدواب شيطان ; قال جرير :أيام يدعونني الشيطان من غزل وهن يهوينني إذ كنت شيطاناوقيل : إن شيطانا مأخوذ من شاط يشيط إذا هلك ، فالنون زائدة .

وشاط إذا احترق وشيطت اللحم إذا دخنته ولم تنضجه .

واشتاط الرجل إذا احتد غضبا .

وناقة مشياط التي يطير فيها السمن .

واشتاط إذا هلك ; قال الأعشى :قد نخضب العير من مكنون فائله وقد يشيط على أرماحنا البطلأي يهلك .

ويرد على هذه الفرقة أن سيبويه حكى أن العرب تقول : تشيطن فلان إذا فعل أفعال الشياطين ، فهذا بين أنه تفيعل من شطن ، ولو كان من شاط لقالوا : تشيط ، ويرد عليهم أيضا بيت أمية بن أبي الصلت :أيما شاطن عصاه عكاه ورماه في السجن والأغلالفهذا شاطن من شطن لا شك فيه .الحادية عشرة : الرجيم أي المبعد من الخير المهان .

وأصل الرجم : الرمي بالحجارة ، وقد رجمته أرجمه ، فهو رجيم ومرجوم .

والرجم : القتل واللعن والطرد والشتم ، وقد قيل هذا كله في [ ص: 87 ] قوله تعالى : لئن لم تنته يانوح لتكونن من المرجومين [ الشعراء : 116 ] .

وقول أبي إبراهيم : لئن لم تنته لأرجمنك [ مريم : 46 ] .

وسيأتي إن شاء الله تعالى .الثانية عشرة : روى الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله قال : قال علي بن أبي طالب عليه السلام : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم عند الصفا وهو مقبل على شخص في صورة الفيل وهو يلعنه ، قلت : ومن هذا الذي تلعنه يا رسول الله ؟

قال هذا الشيطان الرجيم فقلت : يا عدو الله ، والله لأقتلنك والله لأقتلنك ولأريحن الأمة منك ; قال : ما هذا جزائي منك ; قلت : وما جزاؤك مني يا عدو الله ؟

قال : والله ما أبغضك أحد قط إلا شركت أباه في رحم أمه .وفيها سبع وعشرون مسألة :الأولى : قال العلماء : ( بسم الله الرحمن الرحيم ) قسم من ربنا أنزله عند رأس كل سورة ، يقسم لعباده إن هذا الذي وضعت لكم يا عبادي في هذه السورة حق ، وإني أفي لكم بجميع ما ضمنت في هذه السورة من وعدي ولطفي وبري .

و ( بسم الله الرحمن الرحيم ) مما أنزله الله تعالى في كتابنا وعلى هذه الأمة خصوصا بعد سليمان عليه السلام .

وقال بعض العلماء : إن بسم الله الرحمن الرحيم تضمنت جميع الشرع ، لأنها تدل على الذات وعلى الصفات ; وهذا صحيح .الثانية : قال سعيد بن أبي سكينة : بلغني أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه نظر إلى رجل يكتب : ( بسم الله الرحمن الرحيم ) فقال له : جودها فإن رجلا جودها فغفر له .

قال سعيد : وبلغني أن رجلا نظر إلى قرطاس فيه ( بسم الله الرحمن الرحيم ) فقبله ووضعه على عينيه فغفر له .

ومن هذا المعنى قصة بشر الحافي ، فإنه لما رفع الرقعة التي فيها اسم الله وطيبها طيب اسمه ، ذكره القشيري .

وروى النسائي عن أبي المليح عن ردف رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا عثرت بك الدابة فلا تقل تعس الشيطان فإنه يتعاظم حتى يصير مثل البيت ويقول بقوته صرعته ولكن قل بسم الله الرحمن الرحيم فإنه يتصاغر حتى يصير مثل الذباب .

وقال علي بن الحسين في تفسير قوله تعالى : وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا [ الإسراء : 46 ] قال معناه : إذا قلت : بسم الله الرحمن الرحيم .

وروى وكيع عن الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود قال : من أراد أن ينجيه الله من الزبانية التسعة عشر فليقرأ : بسم الله الرحمن الرحيم ليجعل الله تعالى له بكل حرف منها جنة من كل واحد .

فالبسملة تسعة عشر حرفا على عدد ملائكة أهل النار الذين قال الله فيهم : عليها تسعة عشر [ المدثر : 30 ] وهم يقولون في كل أفعالهم : ( بسم الله الرحمن الرحيم ) فمن هنالك هي قوتهم ، [ ص: 89 ] وببسم الله استضلعوا .

قال ابن عطية : ونظير هذا قولهم في ليلة القدر : إنها ليلة سبع وعشرين ، مراعاة للفظة ( هي ) من كلمات سورة : إنا أنزلناه [ القدر : 1 ] .

ونظيره أيضا قولهم في عدد الملائكة الذين ابتدروا قول القائل : ربنا ولك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه ، فإنها بضعة وثلاثون حرفا ; فلذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : لقد رأيت بضعا وثلاثين ملكا يبتدرونها أيهم يكتبها أول .

قال ابن عطية : وهذا من ملح التفسير وليس من متين العلم .الثالثة : روى الشعبي والأعمش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكتب ( باسمك اللهم ) حتى أمر أن يكتب ( بسم الله ) فكتبها ; فلما نزلت : قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن [ الإسراء : 110 ] كتب ( بسم الله الرحمن ) فلما نزلت : إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم [ النمل : 30 ] كتبها .

وفي مصنف أبي داود قال الشعبي وأبو مالك وقتادة وثابت بن عمارة : إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكتب بسم الله حتى نزلت سورة " النمل " .الرابعة : روي عن جعفر الصادق رضي الله عنه أنه قال : البسملة تيجان السور .قلت : وهذا يدل على أنها ليست بآية من الفاتحة ولا غيرها .

وقد اختلف العلماء في هذا المعنى على ثلاثة أقوال :( الأول ) ليست بآية من الفاتحة ولا غيرها ; وهو قول مالك .

( الثاني ) أنها آية من كل سورة ; وهو قول عبد الله بن المبارك .

( الثالث ) قال الشافعي : هي آية في الفاتحة ; وتردد قوله في سائر السور ; فمرة قال : هي آية من كل سورة ، ومرة قال : ليست بآية إلا في الفاتحة وحدها .

ولا خلاف بينهم في أنها آية من القرآن في سورة النمل .واحتج الشافعي بما رواه الدارقطني من حديث أبي بكر الحنفي عن عبد الحميد بن جعفر عن نوح بن أبي بلال عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : [ ص: 90 ] إذا قرأتم " الحمد لله رب العالمين " فاقرءوا " بسم الله الرحمن الرحيم " إنها أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني و " بسم الله الرحمن الرحيم " ، إحداها .

رفع هذا الحديث عبد الحميد بن جعفر وعبد الحميد هذا وثقه أحمد بن حنبل ويحيى بن سعيد ويحيى بن معين ; وأبو حاتم يقول فيه : محله الصدق ; وكان سفيان الثوري يضعفه ويحمل عليه .

ونوح بن أبي بلال ثقة مشهور .وحجة ابن المبارك وأحد قولي الشافعي ما رواه مسلم عن أنس قال : بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه متبسما ; فقلنا : ما أضحكك يا رسول الله ؟

قال : أنزلت علي آنفا سورة فقرأ : بسم الله الرحمن الرحيم إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك وانحر إن شانئك هو الأبتر وذكر الحديث ، وسيأتي بكماله في سورة الكوثر إن شاء الله تعالى .الخامسة : الصحيح من هذه الأقوال قول مالك ; لأن القرآن لا يثبت بأخبار الآحاد وإنما طريقه التواتر القطعي الذي لا يختلف فيه .

قال ابن العربي : ويكفيك أنها ليست من القرآن اختلاف الناس فيها ، والقرآن لا يختلف فيه .

والأخبار الصحاح التي لا مطعن فيها دالة على أن البسملة ليست بآية من الفاتحة ولا غيرها إلا في النمل وحدها .

روى مسلم عن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : قال [ تعالى ] : " قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل فإذا قال العبد : ( الحمد لله رب العالمين ) قال الله تعالى حمدني عبدي وإذا قال : ( الرحمن الرحيم ) قال الله تعالى : أثنى علي عبدي وإذا قال : ( مالك يوم الدين ) قال مجدني عبدي - وقال مرة : فوض إلى عبدي - فإذا قال : ( إياك نعبد وإياك نستعين ) قال : هذا بيني وبين عبدي ، ولعبدي ما سأل ، فإذا قال : ( اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ) قال : هذا لعبدي ولعبدي ما سأل .

فقوله سبحانه : " قسمت الصلاة " يريد الفاتحة ، وسماها صلاة لأن الصلاة لا تصح إلا بها ; فجعل الثلاث الآيات الأول لنفسه ، واختص بها تبارك اسمه ، ولم يختلف المسلمون فيها .

ثم الآية الرابعة جعلها بينه وبين عبده ; لأنها تضمنت تذلل العبد وطلب الاستعانة منه ، وذلك يتضمن تعظيم الله تعالى ، ثم ثلاث آيات تتمة سبع آيات .

ومما يدل على أنها ثلاث قوله : " هؤلاء [ ص: 91 ] لعبدي " أخرجه مالك ; ولم يقل : هاتان ; فهذا يدل على أن ( أنعمت عليهم ) آية .

قال ابن بكير قال مالك : " أنعمت عليهم " آية ، ثم الآية السابعة إلى آخرها .

فثبت بهذه القسمة التي قسمها الله تعالى وبقوله عليه السلام لأبي : كيف تقرأ إذا افتتحت الصلاة قال : فقرأت : الحمد لله رب العالمين حتى أتيت على آخرها - أن البسملة ليست بآية منها ، وكذا عد أهل المدينة وأهل الشام وأهل البصرة ; وأكثر القراء عدوا : ( أنعمت عليهم ) آية ، وكذا روى قتادة عن أبي نضرة عن أبي هريرة قال : الآية السادسة : ( أنعمت عليهم ) .

وأما أهل الكوفة من القراء والفقهاء فإنهم عدوا فيها ( بسم الله الرحمن الرحيم ) ولم يعدوا ( أنعمت عليهم ) .فإن قيل : فإنها ثبتت في المصحف وهي مكتوبة بخطه ونقلت نقله ، كما نقلت في النمل ، وذلك متواتر عنهم .

قلنا : ما ذكرتموه صحيح ; ولكن لكونها قرآنا ، أو لكونها فاصلة بين السور - كما روي عن الصحابة : كنا لا نعرف انقضاء السورة حتى تنزل " بسم الله الرحمن الرحيم " أخرجه أبو داود - أو تبركا بها ، كما قد اتفقت الأمة على كتبها في أوائل الكتب والرسائل ؟

كل ذلك محتمل .

وقد قال الجريري : سئل الحسن عن ( بسم الله الرحمن الرحيم ) قال : في صدور الرسائل .

وقال الحسن أيضا : لم تنزل ( بسم الله الرحمن الرحيم ) في شيء من القرآن إلا في " طس " إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم .

والفيصل أن القرآن لا يثبت بالنظر والاستدلال ، وإنما يثبت بالنقل المتواتر القطعي الاضطراري .

ثم قد اضطرب قول الشافعي فيها في أول كل سورة فدل على أنها ليست بآية من كل سورة ; والحمد لله .فإن قيل : فقد روى جماعة قرآنيتها ، وقد تولى الدارقطني جمع ذلك في جزء صححه .

قلنا : لسنا ننكر الرواية بذلك وقد أشرنا إليها ، ولنا أخبار ثابتة في مقابلتها ، رواها الأئمة الثقات والفقهاء الأثبات .

روت عائشة في صحيح مسلم قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستفتح الصلاة بالتكبير ، والقراءة ب " الحمد لله رب العالمين " ، الحديث .

وسيأتي بكماله .

وروى مسلم أيضا عن أنس بن مالك قال : صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان ، فكانوا يستفتحون [ ص: 92 ] بالحمد لله رب العالمين ; لا يذكرون " بسم الله الرحمن الرحيم " في أول قراءة ولا في آخرها .ثم إن مذهبنا يترجح في ذلك بوجه عظيم ، وهو المعقول ; وذلك أن مسجد النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة انقضت عليه العصور ، ومرت عليه الأزمنة والدهور ، من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى زمان مالك ، ولم يقرأ أحد فيه قط " بسم الله الرحمن الرحيم " ؛ اتباعا للسنة ، وهذا يرد أحاديثكم .بيد أن أصحابنا استحبوا قراءتها في النفل ; وعليه تحمل الآثار الواردة في قراءتها أو على السعة في ذلك .

قال مالك : ولا بأس أن يقرأ بها في النافلة ومن يعرض القرآن عرضا .وجملة مذهب مالك وأصحابه : أنها ليست عندهم آية من فاتحة الكتاب ولا غيرها ، ولا يقرأ بها المصلي في المكتوبة ولا في غيرها سرا ولا جهرا ; ويجوز أن يقرأها في النوافل .

هذا هو المشهور من مذهبه عند أصحابه .

وعنه رواية أخرى أنها تقرأ أول السورة في النوافل ، ولا تقرأ أول أم القرآن .

وروى عنه ابن نافع ابتداء القراءة بها في الصلاة الفرض والنفل ولا تترك بحال .

ومن أهل المدينة من يقول : إنه لابد فيها من ( بسم الله الرحمن الرحيم ) منهم ابن عمر ، وابن شهاب ; وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد .

وهذا يدل على أن المسألة مسألة اجتهادية لا قطعية ، كما ظنه بعض الجهال من المتفقهة الذي يلزم على قوله تكفير المسلمين ; وليس كما ظن لوجود الاختلاف المذكور ; والحمد لله .وقد ذهب جمع من العلماء إلى الإسرار بها مع الفاتحة ; منهم : أبو حنيفة والثوري ; وروى ذلك عن عمر وعلي وابن مسعود وعمار وابن الزبير ; وهو قول الحكم وحماد ; وبه قال أحمد بن حنبل وأبو عبيد ; وروي عن الأوزاعي مثل ذلك ; حكاه أبو عمر بن عبد البر في ( الاستذكار ) .

واحتجوا من الأثر في ذلك بما رواه منصور بن زاذان عن أنس بن مالك قال : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يسمعنا قراءة ( بسم الله الرحمن الرحيم ) .

وما رواه عمار بن زريق عن الأعمش عن شعبة عن ثابت عن أنس قال : صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع أحدا منهم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم .[ ص: 93 ] قلت : هذا قول حسن ، وعليه تتفق الآثار عن أنس ولا تتضاد ويخرج به من الخلاف في قراءة البسملة .

وقد روي عن سعيد بن جبير قال : كان المشركون يحضرون بالمسجد ; فإذا قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( بسم الله الرحمن الرحيم ) قالوا : هذا محمد يذكر رحمان اليمامة - يعنون مسيلمة - فأمر أن يخافت ب " بسم الله الرحمن الرحيم " ، ونزل : ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها .

قال الترمذي الحكيم أبو عبد الله : فبقي ذلك إلى يومنا هذا على ذلك الرسم وإن زالت العلة ، كما بقي الرمل في الطواف وإن زالت العلة ، وبقيت المخافتة في صلاة النهار وإن زالت العلة .السادسة : اتفقت الأمة على جواز كتبها في أول كل كتاب من كتب العلم والرسائل ; فإن كان الكتاب ديوان شعر فروى مجالد عن الشعبي قال : أجمعوا ألا يكتبوا أمام الشعر : بسم الله الرحمن الرحيم .

وقال الزهري : مضت السنة ألا يكتبوا في الشعر : ( بسم الله الرحمن الرحيم ) .

وذهب إلى رسم التسمية في أول كتب الشعر سعيد بن جبير ، وتابعه على ذلك أكثر المتأخرين .

قال أبو بكر الخطيب : وهو الذي نختاره ونستحبه .السابعة : قال الماوردي ويقال لمن قال بسم الله : مبسمل ، وهي لغة مولدة ، وقد جاءت في الشعر ; قال عمر بن أبي ربيعة :لقد بسملت ليلى غداة لقيتها فيا حبذا ذاك الحبيب المبسملقلت : المشهور عن أهل اللغة بسمل .

قال يعقوب بن السكيت والمطرز والثعالبي وغيرهم من أهل اللغة : بسمل الرجل ، إذا قال : بسم الله .

يقال : قد أكثرت من البسملة ; أي من قول بسم الله ، ومثله : حوقل الرجل ، إذا قال : لا حول ولا قوة إلا بالله ، وهلل ، إذا قال : لا إله إلا الله ، وسبحل ، إذا قال : سبحان الله ، وحمدل ، إذا قال : الحمد لله ، وحيصل ، إذا قال : حي على الصلاة ، وجعفل ، إذا قال : جعلت فداك .

وطبقل ، إذا قال : أطال الله بقاءك .

ودمعز ، إذا قال أدام الله عزك .

وحيفل ، إذا قال : حي على الفلاح .

ولم يذكر المطرز : الحيصلة ، إذا قال : حي على الصلاة .

وجعفل ، إذا قال : جعلت فداك .

وطبقل ، إذا قال أطال الله بقاءك .

ودمعز إذا قال : أدام الله عزك .الثامنة : ندب الشرع إلى ذكر البسملة في أول كل فعل ; كالأكل والشرب والنحر ; والجماع والطهارة وركوب البحر ، إلى غير ذلك من الأفعال ; قال الله تعالى : فكلوا مما ذكر اسم الله عليه .

وقال اركبوا فيها بسم الله مجريها ومرساها .

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أغلق بابك واذكر اسم الله وأطفئ مصباحك واذكر اسم الله وخمر إناءك واذكر اسم الله وأوك سقاءك واذكر اسم الله .

وقال لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله قال : بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره شيطان أبدا .

وقال لعمر بن أبي سلمة يا غلام سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك وقال : إن الشيطان يستحل الطعام أن لا يذكر اسم الله عليه وقال : من لم يذبح فليذبح باسم الله .

وشكا إليه عثمان بن أبي العاص وجعا يجده في جسده منذ أسلم ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ضع يدك على الذي تألم من جسدك وقل بسم الله ثلاثا وقل سبع مرات أعوذ بعزة [ بالله ] وقدرته من شر ما أجد وأحاذر .

هذا كله ثابت في الصحيح .

وروى ابن ماجه والترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ستر ما بين الجن وعورات بني آدم إذا دخل الكنيف أن يقول : [ ص: 95 ] بسم الله .

وروى الدارقطني عن عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مس طهوره سمى الله تعالى ، ثم يفرغ الماء على يديه .التاسعة : قال علماؤنا : وفيها رد على القدرية وغيرهم ممن يقول : إن أفعالهم مقدورة لهم ، وموضع الاحتجاج عليهم من ذلك أن الله سبحانه أمرنا عند الابتداء بكل فعل أن نفتتح بذلك ، كما ذكرنا .فمعنى بسم الله ، أي بالله .

ومعنى ( بالله ) أي بخلقه وتقديره يوصل إلى ما يوصل إليه .

وسيأتي لهذا مزيد بيان إن شاء الله تعالى .

وقال بعضهم : معنى قوله ( بسم الله ) يعني بدأت بعون الله وتوفيقه وبركته ; وهذا تعليم من الله تعالى عباده ، ليذكروا اسمه عند افتتاح القراءة وغيرها ، حتى يكون الافتتاح ببركة الله جل وعز .العاشرة : ذهب أبو عبيدة معمر بن المثنى إلى أن ( اسم ) صلة زائدة ، واستشهد بقول لبيد :إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذرفذكر ( اسم ) زيادة ، وإنما أراد : ثم السلام عليكما .وقد استدل علماؤنا بقول لبيد هذا على أن الاسم هو المسمى .

وسيأتي الكلام فيه في هذا الباب وغيره ، إن شاء الله تعالى .الحادية عشرة : اختلف في معنى زيادة : " اسم " ; فقال قطرب : زيدت لإجلال ذكره تعالى وتعظيمه .

وقال الأخفش : زيدت ليخرج بذكرها من حكم القسم إلى قصد التبرك ; لأن أصل الكلام : بالله .الثانية عشرة : اختلفوا أيضا في معنى دخول الباء عليه ، هل دخلت على معنى الأمر ؟

والتقدير : ابدأ بسم الله .

أو على معنى الخبر ؟

والتقدير : ابتدأت بسم الله ; قولان : الأول [ ص: 96 ] للفراء ، والثاني للزجاج .

ف ( باسم ) في موضع نصب على التأويلين .

وقيل : المعنى ابتدائي بسم الله ; ف ( بسم الله ) في موضع رفع خبر الابتداء .

وقيل : الخبر محذوف ; أي ابتدائي مستقر أو ثابت بسم الله ; فإذا أظهرته كان " بسم الله " في موضع نصب بثابت أو مستقر ، وكان بمنزلة قولك : زيد في الدار .

وفي التنزيل : فلما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي ف ( عنده ) في موضع نصب ; روي هذا عن نحاة أهل البصرة .

وقيل : التقدير ابتدائي ببسم الله موجود أو ثابت ، ف ( باسم ) في موضع نصب بالمصدر الذي هو ابتدائي .الثالثة عشرة : بسم الله ، تكتب بغير ألف استغناء عنها بباء الإلصاق في اللفظ والخط لكثرة الاستعمال ، بخلاف قوله : اقرأ باسم ربك فإنها لم تحذف ؛ لقلة الاستعمال .

واختلفوا في حذفها مع الرحمن والقاهر ; فقال الكسائي وسعيد الأخفش : تحذف الألف .

وقال يحيى بن وثاب : لا تحذف إلا مع بسم الله فقط ، لأن الاستعمال إنما كثر فيه .الرابعة عشر : واختلف في تخصيص باء الجر بالكسر على ثلاثة معان ; فقيل : ليناسب لفظها عملها .

وقيل : لما كانت الباء لا تدخل إلا على الأسماء خصت بالخفض الذي لا يكون إلا في الأسماء .

الثالث : ليفرق بينهما وبين ما قد يكون من الحروف اسما ; نحو الكاف في قول الشاعر :ورحنا بكابن الماء يجنب وسطناأي بمثل ابن الماء أو ما كان مثله .الخامسة عشرة : اسم ، وزنه افع ، والذاهب منه الواو ; لأنه من سموت ، وجمعه أسماء ، وتصغيره سمي .

واختلف في تقدير أصله ، فقيل : فعل ، وقيل : فعل .

قال الجوهري : وأسماء يكون جمعا لهذا الوزن ، وهو مثل جذع وأجذاع ، وقفل وأقفال ; وهذا لا تدرك صيغته إلا بالسماع .

وفيه أربع لغات : إسم بالكسر ، وأسم بالضم .

قال أحمد بن يحيى : من ضم الألف أخذه من سموت أسمو ، ومن كسر أخذه من سميت أسمي .

ويقال : سم وسم ، وينشد :والله أسماك سما مباركا آثرك الله به إيثاركا[ ص: 97 ] وقال آخر :وعامنا أعجبنا مقدمه يدعى أبا السمح وقرضاب سمهمبتركا كل عظم يلحمهقرضب الرجل : إذا أكل شيئا يابسا ، فهو قرضاب .

( سمه ) بالضم والكسر جميعا .ومنه قول الآخر :باسم الذي في كل سورة سمهوسكنت السين من ( باسم ) اعتلالا على غير قياس ، وألفه ألف وصل ، وربما جعلها الشاعر ألف قطع للضرورة ; كقول الأحوص :وما أنا بالمخسوس في جذم مالك ولا من تسمى ثم يلتزم الإسماالسادسة عشرة : تقول العرب في النسب إلى الاسم : سموي ، وإن شئت " اسمي " ، تركته على حاله ، وجمعه أسماء ، وجمع الأسماء أسام .

وحكى الفراء : أعيذك بأسماوات الله .السابعة عشرة : اختلفوا في اشتقاق الاسم على وجهين : فقال البصريون : هو مشتق من السمو وهو العلو والرفعة ، فقيل : اسم لأن صاحبه بمنزلة المرتفع به .

وقيل : لأن الاسم يسموا بالمسمى فيرفعه عن غيره .

وقيل : إنما سمي الاسم اسما لأنه علا بقوته على قسمي الكلام : الحرف والفعل ; والاسم أقوى منهما بالإجماع لأنه الأصل ; فلعلوه عليهما سمي اسما ; فهذه ثلاثة أقوال .وقال الكوفيون : إنه مشتق من السمة وهي العلامة ; لأن الاسم علامة لمن وضع له ; فأصل اسم على هذا ( وسم ) .

والأول أصح ; لأنه يقال في التصغير سمي وفي الجمع أسماء ; والجمع والتصغير يردان الأشياء إلى أصولها ; فلا يقال : وسيم ولا أوسام .

ويدل على صحته أيضا فائدة الخلاف وهي :الثامنة عشرة : فإن من قال الاسم مشتق من العلو يقول : لم يزل الله سبحانه موصوفا قبل وجود الخلق وبعد وجودهم وعند فنائهم ، ولا تأثير لهم في أسمائه ولا صفاته ; وهذا قول أهل السنة .

ومن قال الاسم مشتق من السمة يقول : كان الله في الأزل بلا اسم ولا صفة ، فلما خلق الخلق جعلوا له أسماء وصفات ، فإذا أفناهم بقي بلا اسم ولا صفة ; وهذا قول المعتزلة وهو خلاف ما أجمعت عليه الأمة ، وهو أعظم في الخطأ من قولهم : إن كلامه مخلوق ، تعالى الله عن ذلك !

وعلى هذا الخلاف وقع الكلام في الاسم والمسمى وهي :[ ص: 98 ]التاسعة عشرة : فذهب أهل الحق - فيما نقل القاضي أبو بكر بن الطيب - إلى أن الاسم هو المسمى ، وارتضاه ابن فورك ; وهو قول أبي عبيدة وسيبويه .

فإذا قال قائل : الله عالم ; فقوله دال على الذات الموصوفة بكونه عالما ، فالاسم لكونه عالما وهو المسمى بعينه .

وكذلك إذا قال : الله خالق ; فالخالق هو الرب ، وهو بعينه الاسم .

فالاسم عندهم هو المسمى بعينه من غير تفصيل .قال ابن الحصار : من ينفي الصفات من المبتدعة يزعم أن لا مدلول للتسميات إلا الذات ، ولذلك يقولون : الاسم غير المسمى ، ومن يثبت الصفات يثبت للتسميات مدلولات هي أوصاف الذات وهي غير العبارات وهي الأسماء عندهم .

وسيأتي لهذه مزيد بيان في ( البقرة ) و ( الأعراف ) إن شاء الله تعالى .الموفية عشرين - قوله : ( الله ) هذا الاسم أكبر أسمائه سبحانه وأجمعها ، حتى قال بعض العلماء : إنه اسم الله الأعظم ولم يتسم به غيره ; ولذلك لم يثن ولم يجمع ، وهو أحد تأويلي قوله تعالى : هل تعلم له سميا أي من تسمى باسمه الذي هو ( الله ) .

فالله اسم للموجود الحق الجامع لصفات الإلهية ، المنعوت بنعوت الربوبية ، المنفرد بالوجود الحقيقي ، لا إله إلا هو سبحانه .

وقيل : معناه الذي يستحق أن يعبد .

وقيل : معناه واجب الوجود الذي لم يزل ولا يزال ; والمعنى واحد .الحادية والعشرون : واختلفوا في هذا الاسم هل هو مشتق أو موضوع للذات علم ؟

فذهب إلى الأول كثير من أهل العلم .

واختلفوا في اشتقاقه وأصله ; فروى سيبويه عن الخليل أن أصله إلاه ، مثل فعال ; فأدخلت الألف واللام بدلا من الهمزة .

قال سيبويه : مثل الناس أصله أناس .

وقيل : أصل الكلمة ( لاه ) وعليه دخلت الألف واللام للتعظيم ، وهذا اختيار سيبويه .

وأنشد :لاه ابن عمك لا أفضلت في حسب عني ولا أنت دياني فتخزونيكذا الرواية : فتخزوني ، بالخاء المعجمة ومعناه : تسوسني .وقال الكسائي والفراء : معنى " بسم الله " بسم الإله ; فحذفوا الهمزة وأدغموا اللام الأولى في الثانية فصارتا لاما مشددة ; كما قال عز وجل : لكنا هو الله ربي ومعناه : لكن أنا ، كذلك قرأها الحسن .

ثم قيل : هو مشتق من ( وله ) إذا تحير ; والوله : ذهاب العقل .

يقال : [ ص: 99 ] رجل واله وامرأة والهة وواله ، وماء موله : أرسل في الصحاري .

فالله سبحانه تتحير الألباب وتذهب في حقائق صفاته والفكر في معرفته .

فعلى هذا أصل : ( إلاه ) ، ( ولاه ) وأن الهمزة مبدلة من واو كما أبدلت في إشاح ووشاح ، وإسادة ووسادة ، وروي عن الخليل .

وروي عن الضحاك أنه قال : إنما سمي : ( الله ) إلها ، لأن الخلق يتألهون إليه في حوائجهم ، ويتضرعون إليه عند شدائدهم ، وذكر عن الخليل بن أحمد أنه قال : لأن الخلق يألهون إليه ( بنصب اللام ) ويألهون أيضا ( بكسرها ) وهما لغتان .

وقيل : إنه مشتق من الارتفاع ، فكانت العرب تقول لكل شيء مرتفع لاها ، فكانوا يقولون إذا طلعت الشمس : لاهت .

وقيل : هو مشتق من أله الرجل إذا تعبد .

وتأله إذا تنسك ، ومن ذلك قوله تعالى : ( ويذرك وإلاهتك ) على هذه القراءة ; فإن ابن عباس وغيره قالوا : وعبادتك .قالوا : فاسم الله مشتق من هذا ، فالله سبحانه معناه المقصود بالعبادة ، ومنه قول الموحدين : لا إله إلا الله ، معناه لا معبود غير الله .

و ( إلا ) في الكلمة بمعنى غير ، لا بمعنى الاستثناء .

وزعم بعضهم أن الأصل فيه ( الهاء ) التي هي الكناية عن الغائب ، وذلك أنهم أثبتوه موجودا في فطر عقولهم فأشاروا إليه بحرف الكناية ثم زيدت فيه لام الملك إذ قد علموا أنه خالق الأشياء ومالكها فصار ( له ) ثم زيدت فيه الألف واللام تعظيما وتفخيما .القول الثاني : ذهب إليه جماعة من العلماء أيضا منهم الشافعي وأبو المعالي والخطابي والغزالي والمفضل وغيرهم ، وروي عن الخليل وسيبويه : أن الألف واللام لازمة له لا يجوز حذفهما منه .

قال الخطابي : والدليل على أن الألف واللام من بنية هذا الاسم ، ولم يدخلا للتعريف : دخول حرف النداء عليه ; كقولك : يا الله ، وحروف النداء لا تجتمع مع الألف واللام للتعريف ; ألا ترى أنك لا تقول : يا الرحمن ولا : يا الرحيم ، كما تقول : يا الله ، فدل على أنهما من بنية الاسم .

والله أعلم .الثانية والعشرون : واختلفوا أيضا في اشتقاق اسمه الرحمن ; فقال بعضهم : لا اشتقاق له لأنه من الأسماء المختصة به سبحانه ، ولأنه لو كان مشتقا من الرحمة لاتصل بذكر المرحوم ، فجاز أن يقال : الله رحمن بعباده ، كما يقال : رحيم بعباده .

وأيضا لو كان مشتقا من الرحمة لم تنكره العرب حين سمعوه ، إذ كانوا لا ينكرون رحمة ربهم ، وقد قال الله عز وجل : وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن الآية .

ولما كتب علي رضي الله عنه في صلح الحديبية بأمر النبي صلى الله عليه وسلم : بسم الله الرحمن الرحيم قال سهيل بن عمرو : أما ( بسم الله [ ص: 100 ] الرحمن الرحيم ) فما ندري ما ( بسم الله الرحمن الرحيم ) !

ولكن اكتب ما نعرف : باسمك اللهم ، الحديث .

قال ابن العربي‏ : إنما جهلوا الصفة دون الموصوف ، واستدل على ذلك بقولهم : وما الرحمن ؟

ولم يقولوا : ومن الرحمن ؟

قال ابن الحصار : وكأنه رحمه الله لم يقرأ الآية الأخرى : " وهم يكفرون بالرحمن " .

وذهب الجمهور من الناس إلى أن ( الرحمن ) مشتق من الرحمة مبني على المبالغة ; ومعناه ذو الرحمة الذي لا نظير له فيها ؛ فلذلك لا يثنى ولا يجمع كما يثنى ( الرحيم ) ويجمع .قال ابن الحصار : ومما يدل على الاشتقاق ما خرجه الترمذي وصححه عن عبد الرحمن بن عوف أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : قال الله عز وجل أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسما من اسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته .

وهذا نص في الاشتقاق ، فلا معنى للمخالفة والشقاق ، وإنكار العرب له لجهلهم بالله وبما وجب له .الثالثة والعشرون : زعم المبرد فيما ذكر ابن الأنباري في كتاب ( الزاهر ) له : أن ( الرحمن ) اسم عبراني فجاء معه ب ( الرحيم ) وأنشد :لن تدركوا المجد أو تشروا عباءكم بالخز أو تجعلوا الينبوت ضمرانا أو تتركون إلى القسين هجرتكمومسحكم صلبهم رحمان قرباناقال أبو إسحاق الزجاج في ( معاني القرآن ) : وقال أحمد بن يحيى : " الرحيم " عربي و " الرحمان " عبراني ، فلهذا جمع بينهما .

وهذا القول مرغوب عنه .وقال أبو العباس : النعت قد يقع للمدح ; كما تقول : قال جرير الشاعر : وروى مطرف عن قتادة في قول الله عز وجل ( بسم الله الرحمن الرحيم ) قال : مدح نفسه .

قال أبو [ ص: 101 ] إسحاق : وهذا قول حسن .

وقال قطرب : يجوز أن يكون جمع بينهما للتوكيد .

قال أبو إسحاق : وهذا قول حسن ، وفي التوكيد أعظم الفائدة ، وهو كثير في كلام العرب ، ويستغنى عن الاستشهاد ; والفائدة في ذلك ما قاله محمد بن يزيد : إنه تفضل بعد تفضل ، وإنعام بعد إنعام ، وتقوية لمطامع الراغبين ، ووعد لا يخيب آمله .الرابعة والعشرون : واختلفوا هل هما بمعنى واحد أو بمعنيين ؟

فقيل : هما بمعنى واحد ; كندمان ونديم .

قالهأبو عبيدة .

وقيل : ليس بناء فعلان كفعيل ، فإن فعلان لا يقع إلا على مبالغة الفعل ; نحو قولك : رجل غضبان ، للممتلئ غضبا .

وفعيل قد يكون بمعنى الفاعل والمفعول .

قال عملس :فأما إذا عضت بك الحرب عضة فإنك معطوف عليك رحيمف ( الرحمن ) خاص الاسم عام الفعل .

و ( الرحيم ) عام الاسم خاص الفعل .

هذا قول الجمهور .قال أبو علي الفارسي : ( الرحمن ) اسم عام في جميع أنواع الرحمة ، يختص به الله .

( والرحيم ) إنما هو في جهة المؤمنين ; كما قال تعالى : وكان بالمؤمنين رحيما .

وقال العرزمي ( الرحمن ) بجميع خلقه في الأمطار ونعم الحواس والنعم العامة ، و ( الرحيم ) بالمؤمنين في الهداية لهم ، واللطف بهم .

وقال ابن المبارك : ( الرحمن ) إذا سئل أعطى ، و ( الرحيم ) إذا لم يسأل غضب .

وروى ابن ماجه في سننه والترمذي في جامعه عن أبي صالح عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من لم يسأل الله يغضب عليه لفظ الترمذي .

وقال ابن ماجه : من لم يدع الله سبحانه غضب عليه .

وقال : سألت أبا زرعة عن أبي صالح هذا ، فقال : هو الذي يقال له : الفارسي وهو خوزي ولا أعرف اسمه .

وقد أخذ بعض الشعراء هذا المعنى فقال :الله يغضب إن تركت سؤاله وبني آدم حين يسأل يغضبوقال ابن عباس : هما اسمان رقيقان ، أحدهما أرق من الآخر ، أي أكثر رحمة .قال الخطابي : وهذا مشكل ; لأن الرقة لا مدخل لها في شيء من صفات الله تعالى .[ ص: 102 ] وقال الحسين بن الفضل البجلي : هذا وهم من الراوي ، لأن الرقة ليست من صفات الله تعالى في شيء ، وإنما هما اسمان رفيقان أحدهما أرفق من الآخر ، والرفق من صفات الله عز وجل ; قال النبي صلى الله عليه وسلم : إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف .الخامسة والعشرون : أكثر العلماء على أن ( الرحمن ) مختص بالله عز وجل ، لا يجوز أن يسمى به غيره ، ألا تراه قال : قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن فعادل الاسم الذي لا يشركه فيه غيره .

وقال : واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون فأخبر أن الرحمن هو المستحق للعبادة جل وعز .

وقد تجاسر مسيلمة الكذاب - لعنه الله - فتسمى برحمان اليمامة ، ولم يتسم به حتى قرع مسامعه نعت الكذاب فألزمه الله تعالى نعت الكذاب لذلك ، وإن كان كل كافر كاذبا ، فقد صار هذا الوصف لمسيلمة علما يعرف به ، ألزمه الله إياه .

وقد قيل في اسمه " الرحمن " : إنه اسم الله الأعظم ذكره ابن العربي .السادسة والعشرون : الرحيم صفة مطلقة للمخلوقين ، ولما في الرحمن من العموم قدم في كلامنا على الرحيم مع موافقة التنزيل ; قاله المهدوي .

وقيل : إن معنى الرحيم أي بالرحيم وصلتم إلى الله وإلى الرحمن ، ف ( الرحيم ) نعت محمد صلى الله عليه وسلم ، وقد نعته تعالى بذلك فقال : ( رؤوف رحيم ) فكأن المعنى أن يقول بسم الله الرحمن وبالرحيم ، أي وبمحمد صلى الله عليه وسلم وصلتم إلي ، أي باتباعه وبما جاء به وصلتم إلى ثوابي وكرامتي والنظر إلى وجهي والله أعلم .السابعة والعشرون : روي عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أنه قال في قوله ( بسم الله ) : إنه شفاء من كل داء ، وعون على كل دواء .

وأما الرحمن فهو عون لكل من آمن به ، وهو اسم لم يسم به غيره .

وأما الرحيم فهو لمن تاب وآمن وعمل صالحا .وقد فسره بعضهم على الحروف ; فروي عن عثمان بن عفان أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تفسير ( بسم الله الرحمن الرحيم ) فقال : أما الباء فبلاء الله وروحه ونضرته وبهاؤه وأما السين [ ص: 103 ] فسناء الله وأما الميم فملك الله وأما الله فلا إله غيره وأما الرحمن فالعاطف على البر والفاجر من خلقه وأما الرحيم فالرفيق بالمؤمنين خاصة .

وروي عن كعب الأحبار أنه قال : الباء بهاؤه والسين سناؤه فلا شيء أعلى منه والميم ملكه وهو على كل شيء قدير فلا شيء يعازه .

وقد قيل : إن كل حرف هو افتتاح اسم من أسمائه ; فالباء مفتاح اسمه " بصير " ، والسين مفتاح اسمه " سميع " ، والميم مفتاح اسمه " مليك " ، والألف مفتاح اسمه " الله " ، واللام مفتاح اسمه " لطيف " ، والهاء مفتاح اسمه هاد ، والراء مفتاح اسمه " رازق " ، والحاء مفتاح اسمه " حليم " ، والنون مفتاح اسمه " نور " ; ومعنى هذا كله دعاء الله تعالى عند افتتاح كل شيء .الثامنة والعشرون : واختلف في وصل ( الرحيم ) ب ( الحمد لله ) ; فروي عن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( الرحيم ألحمد ) يسكن الميم ويقف عليها ، ويبتدئ بألف مقطوعة .

وقرأ به قوم من الكوفيين .

وقرأ جمهور الناس : ( الرحيم الحمد ) تعرب الرحيم بالخفض وبوصل الألف من ( الحمد ) .

وحكى الكسائي عن بعض العرب أنها تقرأ ( الرحيم الحمد ) ، بفتح الميم وصلة الألف ; كأنه سكنت الميم وقطعت الألف ثم ألقيت حركتها على الميم وحذفت .

قال ابن عطية : ولم ترو هذه قراءة عن أحد فيما علمت .

وهذا نظر يحيى بن زياد في قوله تعالى : الم الله .

[ ص: 104 ][ ص: 105 ]

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ بِسْمِ اللَّهِ } أي: أبتدئ بكل اسم لله تعالى, لأن لفظ { اسم } مفرد مضاف, فيعم جميع الأسماء [الحسنى].

{ اللَّهِ } هو المألوه المعبود, المستحق لإفراده بالعبادة, لما اتصف به من صفات الألوهية وهي صفات الكمال.

{ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } اسمان دالان على أنه تعالى ذو الرحمة الواسعة العظيمة التي وسعت كل شيء, وعمت كل حي, وكتبها للمتقين المتبعين لأنبيائه ورسله.

فهؤلاء لهم الرحمة المطلقة, ومن عداهم فلهم نصيب منها.

واعلم أن من القواعد المتفق عليها بين سلف الأمة وأئمتها, الإيمان بأسماء الله وصفاته, وأحكام الصفات.

فيؤمنون مثلا, بأنه رحمن رحيم, ذو الرحمة التي اتصف بها, المتعلقة بالمرحوم.

فالنعم كلها, أثر من آثار رحمته, وهكذا في سائر الأسماء.

يقال في العليم: إنه عليم ذو علم, يعلم [به] كل شيء, قدير, ذو قدرة يقدر على كل شيء.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( بسم الله الرحمن الرحيم ) بسم الله الباء أداة تخفض ما بعدها مثل من وعن والمتعلق به الباء محذوف لدلالة الكلام عليه تقديره أبدأ بسم الله أو قل بسم الله .

وأسقطت الألف من الاسم طلبا للخفة وكثرة استعمالها وطولت الباء قال القتيبي ليكون افتتاح كلام كتاب الله بحرف معظم كان عمر بن عبد العزيز رحمه الله يقول لكتابه طولوا الباء وأظهروا السين وفرجوا بينهما ودوروا الميم .

تعظيما لكتاب الله تعالى وقيل لما أسقطوا الألف ردوا طول الألف على الباء ليكون دالا على سقوط الألف ألا ترى أنه لما كتبت الألف في " اقرأ باسم ربك " ( 1 - العلق ) ردت الباء إلى صيغتها ولا تحذف الألف إذا أضيف الاسم إلى غير الله ولا مع غير الباء .

والاسم هو المسمى وعينه وذاته قال الله تعالى : " إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى " ( 7 - مريم ) أخبر أن اسمه يحيى ثم نادى الاسم فقال : يا يحيى " وقال : ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها " ( 40 - يوسف ) وأراد الأشخاص المعبودة لأنهم كانوا يعبدون المسميات وقال : سبح اسم ربك " ( 1 - الأعلى ) ، وتبارك اسم ربك " ثم يقال للتسمية أيضا اسم فاستعماله في التسمية أكثر من المسمى فإن قيل ما معنى التسمية من الله لنفسه؟

قيل هو تعليم للعباد كيف يفتتحون القراءة .

واختلفوا في اشتقاقه قال المبرد من البصريين هو مشتق من السمو وهو العلو فكأنه علا على معناه وظهر عليه وصار معناه تحته وقال ثعلب من الكوفيين : هو من الوسم والسمة وهي العلامة وكأنه علامة لمعناه والأول أصح لأنه يصغر على السمي ولو كان من السمة لكان يصغر على الوسيم كما يقال في الوعد وعيد ويقال في تصريفه سميت ولو كان من الوسم لقيل وسمت .

قوله تعالى " الله " قال الخليل وجماعة هو اسم علم خاص لله عز وجل لا اشتقاق له كأسماء الأعلام للعباد مثل زيد وعمرو .

وقال جماعة هو مشتق ثم اختلفوا في اشتقاقه فقيل من أله إلاهة أي عبد عبادة وقرأ ابن عباس رضي الله عنهما " ويذرك وآلهتك " ( 127 - الأعراف ) أي عبادتك - معناه أنه مستحق للعبادة دون غيره وقيل أصله إله قال الله عز وجل " وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق " ( 91 - المؤمنون ) قال المبرد : هو من قول العرب ألهت إلى فلان أي سكنت إليه قال الشاعر ألهت إليها والحوادث جمة فكأن الخلق يسكنون إليه ويطمئنون بذكره ويقال ألهت إليه أي فزعت إليه قال الشاعر ألهت إليها والركائب وقف وقيل أصل الإله " ولاه " فأبدلت الواو بالهمزة مثل وشاح وإشاح اشتقاقه من الوله لأن العباد يولهون إليه أي يفزعون إليه في الشدائد ويلجئون إليه في الحوائج كما يوله كل طفل إلى أمه وقيل هو من الوله وهو ذهاب العقل لفقد من يعز عليك .

قوله ( الرحمن الرحيم ) قال ابن عباس رضي الله عنهما هما اسمان رقيقان أحدهما أرق من الآخر .

واختلفوا فيهما منهم من قال هما بمعنى واحد مثل ندمان ونديم ومعناهما ذو الرحمة وذكر أحدهما بعد الآخر تطميعا لقلوب الراغبين .

وقال المبرد : هو إنعام بعد إنعام وتفضل بعد تفضل ومنهم من فرق بينهما فقال الرحمن بمعنى العموم والرحيم بمعنى الخصوص .

فالرحمن بمعنى الرزاق في الدنيا وهو على العموم لكافة الخلق .

والرحيم بمعنى المعافي في الآخرة والعفو في الآخرة للمؤمنين على الخصوص ولذلك قيل في الدعاء يا رحمن الدنيا ورحيم الآخرة فالرحمن من تصل رحمته إلى الخلق على العموم والرحيم من تصل رحمته إليهم على الخصوص ولذلك يدعى غير الله رحيما ولا يدعى غير الله رحمن .

فالرحمن عام المعنى خاص اللفظ والرحيم عام اللفظ خاص المعنى والرحمة إرادة الله تعالى الخير لأهله .

وقيل هي ترك عقوبة من يستحقها وإسداء الخير إلى من لا يستحق فهي على الأول صفة ذات وعلى الثاني صفة ( فعل ) .

واختلفوا في آية التسمية فذهب قراء المدينة والبصرة وفقهاء الكوفة إلى أنها ليست من فاتحة الكتاب ولا من غيرها من السور والافتتاح بها للتيمن والتبرك .

وذهب قراء مكة والكوفة وأكثر فقهاء الحجاز إلى أنها من الفاتحة وليست من سائر السور وأنها كتبت للفصل وذهب جماعة إلى أنها من الفاتحة ومن كل سورة إلا سورة التوبة وهو قول الثوري وابن المبارك والشافعي لأنها كتبت في المصحف بخط سائر القرآن .

واتفقوا على أن الفاتحة سبع آيات فالآية الأولى عند من يعدها من الفاتحة ( بسم الله الرحمن الرحيم ) وابتداء الآية الأخيرة ( صراط الذين ) ومن لم يعدها من الفاتحة قال ابتداؤها " الحمد لله رب العالمين " وابتداء الآية الأخيرة " غير المغضوب عليهم " واحتج من جعلها من الفاتحة ومن السور بأنها كتبت في المصحف بخط القرآن وبما أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الكسائي أنا أبو محمد عبد العزيز بن أحمد الخلال ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم أنا الربيع بن سليمان أنا الشافعي أنا عبد المجيد عن ابن جريج قال أخبرني أبي عن سعيد بن جبير ( قال ) " ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم " ( 87 - الحجر ) هي أم القرآن قال أبي وقرأها علي سعيد بن جبير حتى ختمها ثم قال : بسم الله الرحمن الرحيم " الآية السابعة قال سعيد : قرأتها على ابن عباس كما قرأتها عليك ثم قال بسم الله الرحمن الرحيم الآية السابعة ، قال ابن عباس : فذخرها لكم فما أخرجها لأحد قبلكم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«بسم الله الرحمن الرحيم»

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

سورة الفاتحة سميت هذه السورة بالفاتحة؛ لأنه يفتتح بها القرآن العظيم، وتسمى المثاني؛ لأنها تقرأ في كل ركعة، ولها أسماء أخر.

أبتدئ قراءة القرآن باسم الله مستعينا به، (اللهِ) علم على الرب -تبارك وتعالى- المعبود بحق دون سواه، وهو أخص أسماء الله تعالى، ولا يسمى به غيره سبحانه.

(الرَّحْمَنِ) ذي الرحمة العامة الذي وسعت رحمته جميع الخلق، (الرَّحِيمِ) بالمؤمنين، وهما اسمان من أسمائه تعالى، يتضمنان إثبات صفة الرحمة لله تعالى كما يليق بجلاله.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

{ بسم ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ }الاسم: اللفظ الذى يدل على ذات أو معنى.

وقد اختلف النحويون فى اشتقاقه على وجهين، فقال البصريون: هو مشتق من السمو، وهو العلو والرفعة، فقيل: اسم، لأن صاحبه بمنزلة المرتفع به.وقال الكوفيون: إنه مشتق من السمة وهى العلامة، لأن الاسم علامة لمن وضع له، فأصل اسم على هذا " وسم ".ويرى المحققون أن رأى البصريين أرجح، لأنه يقال فى تصغير " اسم " سُمىَ، وفى جمعه أسماء، والتصغير والجمع يردان الأشياء إلى أصولها.

ولو كان أصله وسم - كما قال الكوفيون - لقيل فى جمعه: أوسام، وفى تصغيره وسيم.ولفظ الجلالة وهو " الله " علم على ذات الخالق - عز وجل - تفرد به - سبحانه - ولا يطلق على غيره، ولا يشاركه فيه أحد.قال القرطبى: قوله " الله " هذا الاسم أكبر أسمائه - سبحانه - وأجمعها حتى قال بعض العلماء: إنه اسم الله الأعظم ولم يتسم به غيره، ولذلك لم يثن ولم يجمع: فالله اسم للموجود الحق الجامع لصفات الإِلهية، المنعوت بنعوت الربوبيه، المنفرد بالوجود الحقيقى، لا إله إلا هو - سبحانه -و { ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ } صفتان مشتقتان من الرحمة.

والرحمة فى أصل اللغة: رقة فى القلب تقتضى الإِحسان، وهذا المعنى لا يليق أن يكون وصفاً لله - تعالى-، ولذا فسرها بعض العلماء بإرادة الإِحسان.

وفسرها آخرون بالإِحسان نفسه.والموافق لمذهب السلف أن يقال: هى صفة قائمة بذاته - تعالى - لا نعرف حقيقتها، وإنما نعرف أثرها الذى هو الإِحسان.وقد كثرت أقوال المفسرين فى العلاقة بين هاتين الصفتين، فبعضهم يرى أن { ٱلرَّحْمـٰنِ } هو المنعم على جميع الخلق.

وأن { ٱلرَّحِيمِ } هو المنعم على المؤمنين خاصه.

ويرى آخرون أن { ٱلرَّحْمـٰنِ } هو المنعم بجلائل النعم، وأن { ٱلرَّحِيمِ } هو المنعم بدقائقها.ويرى فريق ثالث أن الوصفين بمعنى واحد وأن الثانى منهما تأكيد للأول.

والذى يراه المحققون من العلماء أن الصفتين ليستا بمعنى واحد، بل روعى فى كل منهما معنى لم يراع فى الآخر، فالرحمن بمعنى عظيم الرحمة، لأن فعلان صيغة مبالغة فى كثرة الشئ وعظمته، ويلزم منه الدوام كغضبان وسكران.

والرحيم بمعنى دائم الرحمة، لأن صيغته فعيل تستعمل فى الصفات الدائمة ككريم وظريف.

فكأنه قيل: العظيم الرحمة الدائمة.أو أن { ٱلرَّحْمـٰنِ } صفة ذاتية هى مبدأ الرحمة والإِحسان.

و { ٱلرَّحِيمِ } صفة فعل تدل على وصول الرحمة والإِحسان وتعديهما إلى المنعم عليه.ولعل مما يؤيد ذلك أن لفظ الرحمن لم يذكر فى القرآن إلا مجرى عليه الصفات كما هو الشأنِ فى أسماء الذات.

قال - تعالى-:{ ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ } و{ ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ }{ قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ }وهكذا...أما لفظ الرحيم فقد كثر فى القرآن استعماله وصفاً فعلياً، وجاء فى الغالب بأسلوب التعدية والتعلق بالمنعم عليه.

قال - تعالى -{ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ }{ وَكَانَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً }{ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً }إلخ.قال بعض العلماء " وهذا الرأى فى نظرنا هو أقوى الآراء، فإن تخصيص أحد الوصفين بدقائق النعم أو ببعض المنعم عليهم لا دليل عليه، كما أنه ليس مستساغاً أن يقال فى القرآن: إن كلمة ذكرت بعد أخرى لمجرد تأكيد المعنى المستفاد منها ".والجار والمجرور " بسم " متعلق بمحذوف تقديره ابتدئ.والمعنى: ابتدئ قراءتى متبركاً ومتيمناً باسم الله الذى هو الأول والآخر، والظاهر والباطن، والذى رحمته وسعت كل شئ، وأتبرأ مما كان يفعله المشركون والضالون، من ابتدائهم قراءتهم وأفعالهم باسم اللات أو باسم العزى أو باسم غيرهما من الآلهة الباطلة.هذا وقد أجمع العلماء على أن البسملة جزء آية من سورة النمل فى قوله - تعالى -{ إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ }ثم اختلفوا بعد ذلك فى كونها آية مستقلة أنزلت للفصل بين السور مرة واحدة، أو هى آية من سورة الفاتحة ومن كل سورة ألخ.فبعضهم يرى أن البسملة آية من الفاتحة ومن كل سورة، ومن حججهم أن السلف قد أثبتوها فى المصحف مع الأمر بتجريد القرآن مما ليس منه، ولذا لم يكتبوا " آمين ".

فثبت بهذا أن البسملة جزء من الفاتحة ومن كل سورة.وبهذا الرأى قال ابن عباس وابن عمر وأبو هريرة وسعيد بن جبير والشافعى، وأحمد فى أحد قوليه.ويرى آخرون أن البسملة ليست آية من الفاتحة ولا من غيرها من السور، وقالوا: إنها آية فذة.

من القرآن أنزلت للفصل والتبرك للابتداء بها، ومن حججهم أنها لو كانت آية من الفاتحة ومن كل سورة، لما اختلف الناس فى ذلك، ولما اضطربت أقوالهم فى كونها آية من كل سورة أو من الفاتحة فقط.وكما وقع الخلاف بين العلماء فى كونها آية مستقلة أو آية من كل سورة، فقد وقع الخلاف بينهم - أيضاً - فى وجوب قراءتها فى الصلاة، وفى الجهر بها أو الإِسرار إذا قرئت.وتحقيق القول فى ذلك مرجعه إلى كتب الفقه، وإلى كتب التفسير التى عنيت بتفسير آيات الأحكام.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

تفسير البسملة: وأما قوله جل جلاله: ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرحمن الرحيم ﴾ ففيه نوعان من البحث: النوع الأول: قد اشتهر عند العلماء أن لله تعالى ألفاً وواحداً من الأسماء المقدسة المطهرة، وهي موجودة في الكتاب والسنّة، ولا شك أن البحث عن كل واحد من تلك الأسماء مسألة شريفة عالية، وأيضاً فالعلم بالاسم لا يحصل إلا إذا كان مسبوقاً بالعلم بالمسمى، وفي البحث عن ثبوت تلك المسميات، وعن الدلائل الدالة على ثبوتها، وعن أجوبة الشبهات التي تذكر فيها نفيها مسائل كثيرة، ومجموعها يزيد على الألوف.

النوع الثاني: من مباحث هذه الآية: أن الباء في قوله: ﴿ بِسْمِ اللَّهِ ﴾ باء الإلصاق، وهي متعلقة بفعل، والتقدير: باسم الله أشرع في أداء الطاعات، وهذا المعنى لا يصير ملخصاً معلوماً إلا بعد الوقوف على أقسام الطاعات، وهي العقائد الحقة والأعمال الصافية مع الدلائل والبينات، ومع الأجوبة عن الشبهات، وهذا المجموع ربما زاد على عشرة آلاف مسألة.

ومن اللطائف أن قوله: ﴿ أَعُوذُ بالله ﴾ إشارة إلى نفي ما لا ينبغي من العقائد والأعمال، وقوله: ﴿ بِسْمِ اللَّهِ ﴾ إشارة إلى ما ينبغي من الاعتقادات والعمليات، فقوله: ﴿ بِسْمِ اللَّهِ ﴾ لا يصير معلوماً إلا بعد الوقوف على جميع العقائد الحقة، والأعمال الصافية، وهذا هو الترتيب الذي يشهد بصحته العقل الصحيح، والحق الصريح.

نعم الله تعالى التي لا تحصى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

قرّاء المدينة والبصرة والشأم وفقهاؤها على أنّ التسمية ليست بآية من الفاتحة ولا من غيرها من السور، وإنما كتبت للفصل والتبرك بالابتداء بها، كما بدئ بذكرها في كل أمر ذي بال، وهو مذهب أبي حنيفة- رحمه الله- ومن تابعه، ولذلك لا يجهر بها عندهم في الصلاة.

وقرّاء مكة والكوفة وفقهاؤهما على أنها آية من الفاتحة ومن كل سورة، وعليه الشافعي وأصحابه رحمهم الله، ولذلك يجهرون بها.

وقالوا: قد أثبتها السلف في المصحف مع توصيتهم بتجريد القرآن، ولذلك لم يثبتوا ﴿ آَمِينٌ ﴾ فلولا أنها من القرآن لما أثبتوها.

وعن ابن عباس: «من تركها فقد ترك مائة وأربع عشرة آية من كتاب الله تعالى» .

فإن قلت: بم تعلقت الباء؟

قلت: بمحذوف تقديره: بسم الله اقرأ أو أتلو؛ لأنّ الذي يتلو التسمية مقروء، كما أنّ المسافر إذا حلّ أو ارتحل فقال: بسم الله والبركات، كان المعنى: بسم الله أحل وبسم الله أرتحل؛ وكذلك الذابح وكل فاعل يبدأ في فعله؛ ب (بسم الله) كان مضمراً ما جعل التسمية مبدأ له.

ونظيره في حذف متعلق الجارّ قوله عزّ وجلّ: ﴿ في تسع آّيات إلى فرعون وقومه ﴾ [النمل: 12] ، أي اذهب في تسع آيات.

وكذلك قول العرب في الدعاء للمعرس: بالرفاء والبنين، وقول الأعرابي: باليمن والبركة، بمعنى أعرست، أو نكحت.

ومنه قوله: فقُلْتُ إلى الطَّعام فقَالَ مِنْهُم ** فَرِيقٌ نحْسُدُ الإِنْسَ الطَّعَامَا فإن قلت: لم قدّرت المحذوف متأخراً؟

قلت: لأنّ الأهم من الفعل والمتعلق به هو المتعلق به؛ لأنهم كانوا يبدءون بأسماء آلهتهم فيقولون: باسم اللات، باسم العزى، فوجب أن يقصد الموحد معنى اختصاص اسم الله عزّ وجلّ بالابتداء، وذلك بتقديمه وتأخير الفعل كما فعل في قوله: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾ ، حيث صرح بتقديم الاسم إرادة للاختصاص.

والدليل عليه قوله: ﴿ بِسْمِ الله مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا ﴾ [هود: 41] .

فإن قلت: فقد قال: ﴿ اقرأ باسم رَبّكَ ﴾ [العلق: 1] ، فقدّم الفعل.

قلت: هناك تقديم الفعل أوقع لأنها أوّل سورة نزلت فكان الأمر بالقراءة أهم.

فإن قلت: ما معنى تعلق اسم الله بالقراءة؟

قلت: فيه وجهان: أحدهما أن يتعلق بها تعلق القلم بالكتبة في قولك: كتبت بالقلم، على معنى أنّ المؤمن لما اعتقد أنّ فعله لا يجيء معتداً به في الشرع، واقعاً على السنة حتى يصدر بذكر اسم الله لقوله عليه الصلاة والسلام: «كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه باسم الله فهو أبتر» إلا كان فعلا كلا فعل، جعل فعله مفعولاً باسم الله كما يفعل الكتب بالقلم.

والثاني أن يتعلق بها تعلق الدهن بالإنبات في قوله: ﴿ تَنبُتُ بالدهن ﴾ [المؤمنون: 20] على معنى: متبرّكاً بسم الله أقرأ، وكذلك قول الداعي للمعرس: بالرفاء والبنين، معناه أعرست ملتبساً بالرفاء والبنين، وهذا الوجه أعرب وأحسن؛ فإن قلت: فكيف قال الله تبارك وتعالى متبركاً باسم الله أقرأ؟

قلت: هذا مقول على ألسنة العباد، كما يقولُ الرجل الشعر على لسان غيره، وكذلك: ﴿ الحمد للَّهِ رَبّ العالمين ﴾ إلى آخره، وكثير من القرآن على هذا المنهاج، ومعناه تعليم عباده كيف يتبركون باسمه، وكيف يحمدونه ويمجدونه ويعظمونه.

فإن قلت: من حق حروف المعاني التي جاءت على حرف واحد أن تبنى على الفتحة التي هي أخت السكون، نحو كاف التشبيه ولام الابتداء وواو العطف وفائه وغير ذلك، فما بال لام الإضافة وبائها بنيتا على الكسر؟

قلت: أما اللام فللفصل بينها وبين لام الابتداء، وأما الباء فلكونها لازمة للحرفية والجر، والاسم أحد الأسماء العشرة التي بنوا أوائلها على السكون، فإذا نطقوا بها مبتدئين زادوا همزة، لئلا يقع ابتداؤهم بالساكن إذا كان دأبهم أن يبتدئوا بالمتحرك ويقفوا على الساكن، لسلامة لغتهم من كل لكنة وبشاعة، ولوضعها على غاية من الإحكام والرصانة، وإذا وقعت في الدرج لم تفتقر إلى زيادة شيء.

ومنهم من لم يزدها واستغنى عنها بتحريك الساكن، فقال: سم وسم.

قال: بِاسْمِ الذِي في كلِّ سُورةٍ سِمُهْ وهو من الأسماء المحذوفة الأعجاز: كيد ودم، وأصله: سمو، بدليل تصريفه: كأسماء، وسمي، وسميت، واشتقاقه من السمو، لأنّ التسمية تنويه بالمسمى وإشادة بذكره، ومنه قيل للقب النبز: من النبز بمعنى النبر، وهو رفع الصوت.

والنبز قشر النخلة الأعلى.

فإن قلت: فلم حذفت الألف في الخط وأثبتت في قوله: باسم ربك؟

قلت: قد اتبعوا في حذفها حكم الدرج دون الابتداء الذي عليه وضع الخط لكثرة الاستعمال، وقالوا: طُوِّلَتِ الباء تعويضاً من طرح الألف.

وعن عمر بن عبد العزيز أنه قال لكاتبه: طوّل الباء وأظهر السنات ودوّر الميم.

و(الله) أصله الإله.

قال: مَعَاذَ الإِلهِ أَنْ تَكُونَ كظَبْيَةٍ ونظيره: الناس، أصله الأناس.

قال: إنَّ المَنايَا يَطَّلِعْـ ** ـنَ عَلَى الأنَاسِ الآمِنِينَا فحذفت الهمزة وعوّض منها حرف التعريف، ولذلك قيل في النداء: يا ألله بالقطع، كما يقال: يا إله، والإله من أسماء الأجناس كالرجل والفرس اسم يقع على كل معبود بحق أو باطل، ثم غلب على المعبود بحق، كما أن النجم اسم لكل كوكب ثم غلب على الثريا، وكذلك السنة على عام القحط، والبيت على الكعبة، والكتاب على كتاب سيبويه.

وأما (الله) بحذف الهمزة فمختص بالمعبود بالحق، لم يطلق على غيره.

ومن هذا الاسم اشتق: تأله، وأله، واستأله.

كما قيل: استنوق، واستحجر، في الاشتقاق من الناقة والحجر.

فإن قلت: أاسم هو أم صفة؟

قلت: بل اسم غير صفة، ألا تراك تصفه ولا تصف به، لا تقول: شيء إله، كما لا تقول: شيء رجل.

وتقول: إله واحد صمد، كما تقول: رجل كريم خير.

وأيضاً فإنّ صفاته تعالى لابد لها من موصوف تجرى عليه، فلو جعلتها كلها صفات بقيت غير جارية على اسم موصوف بها وهذا محال.

فإن قلت: هل لهذا الاسم اشتقاق؟

قلت: معنى الاشتقاق أن ينتظم الصيغتين فصاعداً معنى واحد، وصيغة هذا الاسم وصيغة قولهم: أله، إذا تحير، ومن أخواته: دله، وعله، ينتظمهما معنى التحير والدهشة، وذلك أنّ الأوهام تتحير في معرفة المعبود وتدهش الفطن، ولذلك كثر الضلال، وفشا الباطل، وقل النظر الصحيح.

فإن قلت: هل تفخم لأمه؟

قلت: نعم قد ذكر الزجاج أنّ تفخيمها سنة، وعلى ذلك العرب كلهم، وإطباقهم عليه دليل أنهم ورثوه كابراً عن كابر.

و(الرحمن) فعلان من رحم، كغضبان وسكران، من غضب وسكر، وكذلك (الرحيم) فعيل منه، كمريض وسقيم، من مرض وسقم، وفي (الرحمن) من المبالغة ما ليس في (الرحيم)، ولذلك قالوا: رحمن الدنيا والآخرة، ورحيم الدنيا، ويقولون: إنّ الزيادة في البناء لزيادة المعنى.

وقال الزّجّاج في الغضبان: هو الممتلئ غضباً.

ومما طنّ على أذني من ملح العرب أنهم يسمون مركباً من مراكبهم بالشقدف؟

وهو مركب خفيف ليس في ثقل محامل العراق، فقلت في طريق الطائف منهم لرجل ما اسم هذا المحمل؟

أردت المحمل العراقي فقال: أليس ذاك اسمه الشقدف؟

قلت: بلى، فقال: هذا اسمه الشقنداف، فزاد في بناء الاسم لزيادة المسمى، وهو من الصفات الغالبة كالدبران، والعيوق، والصعق لم يستعمل في غير الله عزّ وجلّ، كما أنّ (الله) من الأسماء الغالبة.

وأما قول بني حنيفة في مسيلمة: رحمان اليمامة، وقول شاعرهم فيه: وأَنْتَ غَيْثُ الوَرَى لا زِلْتَ رَحْمَانَا فباب من تعنتهم في كفرهم.

فإن قلت: كيف تقول: الله رحمن، أتصرفه أم لا؟

قلت: أقيسه على أخواته من بابه، أعني: نحو عطشان، وغرثان، وسكران، فلا أصرفه.

فإن قلت: قد شرط في امتناع صرف فعلان أن يكون فعلان فعلى واختصاصه بالله يحظر أن يكون فعلان فعلى، فلم تمنعه الصرف؟

قلت: كما حظر ذلك أن يكون له مؤنث على فعلى كعطشى فقد حظر أن يكون له مؤنث على فعلانة كندمانة، فإذاً لا عبرة بامتناع التأنيث للاختصاص العارض فوجب الرجوع إلى الأصل قبل الاختصاص وهو القياس على نظائره.

فإن قلت: ما معنى وصف الله تعالى بالرحمة ومعناها العطف والحنوّ ومنها الرحم لانعطافها على ما فيها؟

قلت: هو مجاز عن إنعامه على عباده؛ لأنّ الملك إذا عطف على رعيته ورق لهم أصابهم بمعروفه وإنعامه، كما أنه إذا أدركته الفظاظة والقسوة عنف بهم ومنعهم خيره ومعروفه.

فإن قلت: فلم قدّم ما هو أبلغ من الوصفين على ما هو دونه، والقياس الترقي من الأدنى إلى الأعلى كقولهم: فلان عالم نحرير، وشجاع باسل، وجواد فياض؟

قلت: لما قال: ﴿ الرَّحْمَنِ ﴾ فتناول جلائل النعم وعظائمها وأصولها، أردفه (الرحيم) كالتتمة والرديف ليتناول ما دقّ منها ولطف.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

(1 سُورَةُ الفاتِحَةِ) مَكِّيَّةٌ وآيُها سَبْعُ آياتٍ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَتُسَمّى أُمَّ القُرْآنِ، لِأنَّها مُفْتَتَحُهُ ومَبْدَؤُهُ فَكَأنَّها أصْلُهُ ومَنشَؤُهُ، ولِذَلِكَ تُسَمّى أساسًا.

أوْ لِأنَّها تَشْتَمِلُ عَلى ما فِيهِ مِنَ الثَّناءِ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، والتَّعَبُّدِ بِأمْرِهِ ونَهْيِهِ وبَيانِ وعْدِهِ ووَعِيدِهِ.

أوْ عَلى جُمْلَةِ مَعانِيهِ مِنَ الحِكَمِ النَّظَرِيَّةِ، والأحْكامِ العَمَلِيَّةِ الَّتِي هي سُلُوكُ الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ والِاطِّلاعُ عَلى مَراتِبِ السُّعَداءِ ومَنازِلِ الأشْقِياءِ.

وسُورَةُ الكَنْزِ والوافِيَةُ والكافِيَةُ لِذَلِكَ.

وسُورَةُ الحَمْدِ والشُّكْرِ والدُّعاءِ.

وتَعْلِيمِ المَسْألَةِ لِاشْتِمالِها عَلَيْها والصَّلاةِ لِوُجُوبِ قِراءَتِها أوِ اسْتِحْبابِها فِيها.

والشّافِيَةُ والشِّفاءُ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «هِيَ شِفاءٌ مِن كُلِّ داءٍ».

و «السَّبْعُ المَثانِي» لِأنَّها سَبْعُ آياتٍ بِالِاتِّفاقِ، إلّا أنَّ مِنهم مَن عَدَّ التَّسْمِيَةَ دُونَ ﴿ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ﴾ ، ومِنهم مَن عَكَسَ، وتُثَنّى في الصَّلاةِ، أوِ الإنْزالُ إنْ صَحَّ أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ حِينَ فُرِضَتِ الصَّلاةُ، وبِالمَدِينَةِ حِينَ حُوِّلَتِ القِبْلَةُ، وقَدْ صَحَّ أنَّها مَكِّيَّةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي ﴾ وهو مَكِّيٌّ بِالنَّصِّ.

﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ مِنَ الفاتِحَةِ، ومِن كُلِّ سُورَةٍ، وعَلَيْهِ قِراءَةُ مَكَّةَ والكُوفَةِ وفُقَهاؤُهُما وابْنُ المُبارَكِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى والشّافِعِيُّ.

وخالَفَهم قُرّاءُ المَدِينَةِ والبَصْرَةِ والشّامِ وفُقَهاؤُها ومالِكٌ والأوْزاعِيُّ، ولَمْ يَنُصَّ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى فِيهِ بِشَيْءٍ فَظُنَّ أنَّها لَيْسَتْ مِنَ السُّورَةِ عِنْدَهُ.

وَسُئِلَ مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ عَنْها فَقالَ: ما بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ كَلامُ اللَّهِ تَعالى.

ولَنا أحادِيثُ كَثِيرَةٌ: مِنها ما رَوى أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: «فاتِحَةُ الكِتابِ سَبْعُ آياتٍ، أُولاهُنَّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ».

وقَوْلُ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها «قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ  الفاتِحَةَ وعَدَّ « بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ» آيَةً» ومِن أجْلِهِما اخْتُلِفَ في أنَّها آيَةٌ بِرَأْسِها أمْ بِما بَعْدَها، والإجْماعُ عَلى أنَّ ما بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ كَلامُ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، والوِفاقُ عَلى إثْباتِها في المَصاحِفِ مَعَ المُبالَغَةِ في تَجْرِيدِ القُرْآنِ حَتّى لَمْ تُكْتَبْ آمِينَ.

والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: بِسْمِ اللَّهِ أقْرَأُ لِأنَّ الَّذِي يَتْلُوهُ مَقْرُوءٌ.

وكَذَلِكَ يُضْمَرُ كُلُّ فاعِلٍ ما يَجْعَلُ التَّسْمِيَةَ مَبْدَأً لَهُ، وذَلِكَ أوْلى مِن أنْ يُضْمَرَ أبْدَأُ لِعَدَمِ ما يُطابِقُهُ ويَدُلُّ عَلَيْهِ.

أوِ ابْتِدائِي لِزِيادَةِ إضْمارٍ فِيهِ، وتَقْدِيمُ المَعْمُولِ هاهُنا أوْقَعُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿ إيّاكَ نَعْبُدُ ﴾ لِأنَّهُ أهُمُّ وأدَلُّ عَلى الِاخْتِصاصِ، وأدْخَلُ في التَّعْظِيمِ وأوْفَقُ لِلْوُجُودِ فَإنَّ اسْمَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مُقَدَّمٌ عَلى القِراءَةِ، كَيْفَ لا وقَدْ جَعَلَ آلَةً لَها مِن حَيْثُ إنَّ الفِعْلَ لا يَتِمُّ ولا يُعْتَدُّ بِهِ شَرْعًا ما لَمْ يَصْدُرْ بِاسْمِهِ تَعالى لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «كُلُّ أمْرٍ ذِي بالٍ لا يُبْدَأُ فِيهِ بِبَسْمِ اللَّهِ فَهو أبْتَرُ» ، وقِيلَ الباءُ لِلْمُصاحَبَةِ، والمَعْنى مُتَبَرَّكًا باسِمِ اللَّهِ تَعالى اقْرَأْ، وهَذا وما بَعْدَهُ إلى آخِرِ السُّورَةِ مَقُولٌ عَلى ألْسِنَةِ العِبادِ لِيَعْلَمُوا كَيْفَ يُتَبَرَّكُ بِاسْمِهِ، ويُحْمَدُ عَلى نِعَمِهِ، ويُسْألُ مِن فَضْلِهِ، وإنَّما كُسِرَتْ ومِن حَقِّ الحُرُوفِ المُفْرَدَةِ أنْ تُفْتَحَ، لِاخْتِصاصِها بِاللُّزُومِ الحَرْفِيَّةِ والجَرِّ، كَما كُسِرَتْ لامُ الأمْرِ ولامُ الإضافَةِ داخِلَةٌ عَلى المُظْهَرِ لِلْفَصْلِ بَيْنَهُما وبَيْنَ لامِ الِابْتِداءِ، والِاسْمُ عِنْدَ أصْحابِنا البَصْرِيِّينَ مِنَ الأسْماءِ الَّتِي حُذِفَتْ أعْجازُها لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، وبُنِيَتْ أوائِلُها عَلى السُّكُونِ، وأُدْخِلَ عَلَيْها مُبْتَدَأٌ بِها هَمْزَةُ الوَصْلِ، لِأنَّ مِن دَأْبِهِمْ أنْ يَبْتَدِئُوا بِالمُتَحَرِّكِ ويَقِفُوا عَلى السّاكِنِ.

ويَشْهَدُ لَهُ تَصْرِيفُهُ عَلى أسْماءٍ وأسامِيَّ وسُمًى وسَمَيْتُ ومَجِيءُ سُمى كَهُدى لُغَةٌ فِيهِ قالَ: واللَّهُ أسْماكَ سُمًى مُبارَكًا...

آثَرَكَ اللَّهُ بِهِ إيَثارَكا والقَلْبُ بَعِيدٌ غَيْرُ مُطَّرِدٍ، واشْتِقاقُهُ مِنَ السُّمُوِّ لِأنَّهُ رِفْعَةٌ لِلْمُسَمّى وشِعارٌ لَهُ.

ومِنَ السِّمَةِ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ، وأصْلُهُ وسَمَ حُذِفَتِ الواوُ وعُوِّضَتْ عَنْها هَمْزَةُ الوَصْلِ لِيَقِلَّ إعْلالُهُ.

ورُدَّ بِأنَّ الهَمْزَةَ لَمْ تُعْهَدْ داخِلَةً عَلى ما حُذِفَ صَدْرُهُ في كَلامِهِمْ، ومِن لُغاتِهِ سِمٌ وسُمٌ قالَ: بِسْمَ الَّذِي في كُلِّ سُورَةٍ سِمُهْ والِاسْمُ إنْ أُرِيدَ بِهِ اللَّفْظُ فَغَيْرُ المُسَمّى، لِأنَّهُ يَتَألَّفُ مِن أصْواتٍ مُتَقَطِّعَةٍ غَيْرِ قارَّةٍ، ويَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأُمَمِ والأعْصارِ، ويَتَعَدَّدُ تارَةً ويَتَّحِدُ أُخْرى.

والمُسَمّى لا يَكُونُ كَذَلِكَ، وإنْ أُرِيدَ بِهِ ذاتُ الشَّيْءِ فَهو المُسَمّى لَكِنَّهُ لَمْ يَشْتَهِرْ بِهَذا المَعْنى وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ﴾ و ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ ﴾ المُرادُ بِهِ اللَّفْظُ لِأنَّهُ كَما يَجِبُ تَنْزِيهُ ذاتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وصِفاتِهِ عَنِ النَّقائِصِ، يَجِبُ تَنْزِيهُ الألْفاظِ المَوْضُوعَةِ لَها عَنِ الرَّفَثِ وسُوءِ الأدَبِ.

أوِ الِاسْمُ فِيهِ مُقْحَمٌ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُما وَإنْ أُرِيدَ بِهِ الصِّفَةُ، كَما هو رَأْيُ الشَّيْخِ أبِي الحَسَنِ الأشْعَرِيِّ، انْقَسَمَ انْقِسامَ الصِّفَةِ عِنْدَهُ: إلى ما هو نَفْسُ المُسَمّى، وإلى ما هو غَيْرُهُ، وإلى ما لَيْسَ هو ولا غَيْرَهُ.

وإنَّما قالَ: بِسْمِ اللَّهِ ولَمْ يَقُلْ بِاللَّهِ، لِأنَّ التَّبَرُّكَ والِاسْتِعانَةَ بِذِكْرِ اسْمِهِ.

أوْ لِلْفَرْقِ بَيْنَ اليَمِينِ والتَّيَمُّنِ.

ولَمْ تُكْتَبِ الألِفُ عَلى ما هو وضْعُ الخَطِّ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، وطُوِّلَتِ الباءُ عِوَضًا عَنْها.

واللَّهُ أصْلُهُ إلَهٌ، فَحُذِفَتِ الهَمْزَةُ وعُوِّضَ عَنْها الألِفُ واللّامُ ولِذَلِكَ قِيلَ: يا أللَّهُ، بِالقَطْعِ إلّا أنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالمَعْبُودِ بِالحَقِّ.

والإلَهُ في الأصْلِ لِكُلِّ مَعْبُودٍ، ثُمَّ غَلَبَ عَلى المَعْبُودِ بِالحَقِّ.

واشْتِقاقُهُ مِن ألَهَ ألَهَةً وأُلُوهَةً وأُلُوهِيَّةً بِمَعْنى عَبَدَ، ومِنهُ تَألَّهَ واسْتَأْلَهَ، وقِيلَ مِن ألِهَ إذا تَحَيَّرَ لِأنَّ العُقُولَ تَتَحَيَّرُ في مَعْرِفَتِهِ.

أوْ مِن ألِهْتُ إلى فُلانٍ أيْ سَكَنْتُ إلَيْهِ، لِأنَّ القُلُوبَ تَطْمَئِنُّ بِذِكْرِهِ، والأرْواحَ تَسْكُنُ إلى مَعْرِفَتِهِ.

أوْ مِن ألِهَ إذا فَزِعَ مِن أمْرٍ نَزَلَ عَلَيْهِ، وألَهَهُ غَيْرُهُ أجارَهُ إذِ العائِذُ يَفْزَعُ إلَيْهِ وهو يُجِيرُهُ حَقِيقَةً أوْ بِزَعْمِهِ.

أوْ مِن ألِهَ الفَصِيلُ إذا ولِعَ بِأُمِّهِ، إذِ العِبادُ يَوْلَعُونَ بِالتَّضَرُّعِ إلَيْهِ في الشَّدائِدِ.

أوْ مِن ولِهَ إذا تَحَيَّرَ وتَخَبَّطَ عَقْلُهُ، وكانَ أصْلُهُ وِلاهٌ فَقُلِبَتِ الواوُ هَمْزَةً لِاسْتِثْقالِ الكَسْرَةِ عَلَيْها اسْتِثْقالَ الضَّمَّةِ في وُجُوهٍ، فَقِيلَ إلَهٌ كَإعاءٍ وإشاحٍ، ويَرُدُّهُ الجَمْعُ عَلى آلِهَةٍ دُونَ أوْلِهَةٍ.

وقِيلَ أصْلُهُ لاهٌ مَصْدَرُ لاهَ يَلِيهُ لَيْهًا ولاهًا، إذا احْتَجَبَ وارْتَفَعَ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مَحْجُوبٌ عَنْ إدْراكِ الأبْصارِ، ومُرْتَفِعٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وعَمّا لا يَلِيقُ بِهِ ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: كَحِلْفَةٍ مِن أبِي رَباحٍ...

∗∗∗ يُشْهِدُها لاهَهُ الكُبارُ وَقِيلَ عَلَمٌ لِذاتِهِ المَخْصُوصَةِ لِأنَّهُ يُوصَفُ ولا يُوصَفُ بِهِ، ولِأنَّهُ لا بُدَّ لَهُ مِنِ اسْمٍ تَجْرِي عَلَيْهِ صِفاتُهُ ولا يَصْلُحُ لَهُ مِمّا يُطْلَقُ عَلَيْهِ سِواهُ، ولِأنَّهُ لَوْ كانَ وصْفًا لَمْ يَكُنْ قَوْلُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، تَوْحِيدًا مِثْلَ: لا إلَهَ إلّا الرَّحْمَنُ، فَإنَّهُ لا يَمْنَعُ الشَّرِكَةَ، والأظْهَرُ أنَّهُ وصْفٌ في أصْلِهِ لَكِنَّهُ لَمّا غَلَبَ عَلَيْهِ بِحَيْثُ لا يُسْتَعْمَلُ في غَيْرِهِ وصارَ لَهُ كالعَلَمِ مِثْلَ: الثُّرَيّا والصَّعِقِ أُجْرِيَ مَجْراهُ في إجْراءِ الأوْصافِ عَلَيْهِ، وامْتِناعِ الوَصْفِ بِهِ، وعَدَمِ تَطَرُّقِ احْتِمالِ الشَّرِكَةِ إلَيْهِ، لِأنَّ ذاتَهُ مِن حَيْثُ هو بِلا اعْتِبارٍ أمْرٌ آخَرُ حَقِيقِيٌّ أوْ غَيْرُهُ غَيْرُ مَعْقُولٍ لِلْبَشَرِ، فَلا يُمْكِنُ أنْ يُدَلَّ عَلَيْهِ بِلَفْظٍ، ولِأنَّهُ لَوْ دَلَّ عَلى مُجَرَّدِ ذاتِهِ المَخْصُوصَةِ لَما أفادَ ظاهِرُ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ وَهُوَ اللَّهُ في السَّماواتِ ﴾ مَعْنًى صَحِيحًا، ولِأنَّ مَعْنى الِاشْتِقاقِ هو كَوْنُ أحَدِ اللَّفْظَيْنِ مُشارِكًا لِلْآخَرِ في المَعْنى والتَّرْكِيبِ، وهو حاصِلٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ الأُصُولِ المَذْكُورَةِ، وقِيلَ أصْلُهُ لاها بِالسُّرْيانِيَّةِ فَعُرِّبَ بِحَذْفِ الألِفِ الأخِيرَةِ، وإدْخالِ اللّامِ عَلَيْهِ، وتَفْخِيمِ لامِهِ إذا انْفَتَحَ ما قَبْلَهُ أوِ انْضَمَّ سُنَّةً، وقِيلَ مُطْلَقًا، وحَذْفُ ألِفِهِ لَحْنٌ تُفْسُدُ بِهِ الصَّلاةُ، ولا يَنْعَقِدُ بِهِ صَرِيحُ اليَمِينِ، وقَدْ جاءَ لِضَرُورَةِ الشِّعْرِ: ألا لا بارَكَ اللَّهُ في سُهَيْلٍ...

∗∗∗ إذا ما اللَّهُ بارَكَ في الرِّجالِ وَ (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) اسْمانِ بُنِيا لِلْمُبالَغَةِ مِن رَحِمَ، كالغَضْبانِ مِن غَضِبَ، والعَلِيمِ مِن عَلِمَ، والرَّحْمَةُ في اللُّغَةِ: رِقَّةُ القَلْبِ، وانْعِطافٌ يَقْتَضِي التَّفَضُّلَ والإحْسانَ، ومِنهُ الرَّحِمُ لِانْعِطافِها عَلى ما فِيها.

وأسْماءُ اللَّهِ تَعالى إنَّما تُؤْخَذُ بِاعْتِبارِ الغاياتِ الَّتِي هي أفْعالٌ دُونَ المَبادِي الَّتِي تَكُونُ انْفِعالاتٍ.

و (الرَّحْمَنِ) أبْلَغُ مِنَ (الرَّحِيمِ)، لِأنَّ زِيادَةَ البِناءِ تَدُلُّ عَلى زِيادَةِ المَعْنى كَما في قَطَّعَ وقَطَعَ وكُبّارٍ وكِبارٍ، وذَلِكَ إنَّما يُؤْخَذُ تارَةً بِاعْتِبارِ الكَمِّيَّةِ، وأُخْرى بِاعْتِبارِ الكَيْفِيَّةِ، فَعَلى الأوَّلِ قِيلَ: يا رَحْمَنَ الدُّنْيا لِأنَّهُ يَعُمُّ المُؤْمِنَ والكافِرَ، ورَحِيمَ الآخِرَةِ لِأنَّهُ يَخُصُّ المُؤْمِنَ، وعَلى الثّانِي قِيلَ: يا رَحْمَنَ الدُّنْيا والآخِرَةِ، ورَحِيمَ الدُّنْيا، لِأنَّ النِّعَمَ الأُخْرَوِيَّةَ كُلُّها جِسامٌ، وأمّا النِّعَمُ الدُّنْيَوِيَّةُ فَجَلِيلَةٌ وحَقِيرَةٌ، وإنَّما قُدِّمَ والقِياسُ يَقْتَضِي التَّرَقِّيَ مِنَ الأدْنى إلى الأعْلى، لِتَقَدُّمِ رَحْمَةِ الدُّنْيا، ولِأنَّهُ صارَ كالعِلْمِ مِن حَيْثُ إنَّهُ لا يُوصَفُ بِهِ غَيْرُهُ لِأنَّ مَعْناهُ المُنْعِمُ الحَقِيقِيُّ البالِغُ في الرَّحْمَةِ غايَتَها، وذَلِكَ لا يَصْدُقُ عَلى غَيْرِهِ لِأنَّ مَن عَداهُ فَهو مُسْتَعِيضٌ بِلُطْفِهِ وإنْعامِهِ يُرِيدُ بِهِ جَزِيلَ ثَوابٍ أوْ جَمِيلَ ثَناءٍ أوْ مَزِيجَ رِقَّةِ الجِنْسِيَّةِ أوْ حُبَّ المالِ عَنِ القَلْبِ، ثُمَّ إنَّهُ كالواسِطَةِ في ذَلِكَ لِأنَّ ذاتَ النِّعَمِ ووُجُودَها، والقُدْرَةَ عَلى إيصالِها، والدّاعِيَةَ الباعِثَةَ عَلَيْهِ، والتَّمَكُّنَ مِنَ الِانْتِفاعِ بِها، والقُوى الَّتِي بِها يَحْصُلُ الِانْتِفاعُ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن خَلْقِهِ لا يَقْدِرُ عَلَيْها أحَدٌ غَيْرُهُ.

أوْ لِأنَّ الرَّحْمَنَ لَمّا دَلَّ عَلى جَلائِلِ النِّعَمِ وأُصُولِها ذَكَرَ الرَّحِيمَ لِيَتَناوَلَ ما خَرَجَ مِنها، فَيَكُونَ كالتَّتِمَّةِ والرَّدِيفِ لَهُ.

أوْ لِلْمُحافَظَةِ عَلى رُءُوسِ الآيِ.

والأظْهَرُ أنَّهُ غَيْرُ مَصْرُوفٍ وإنَّ حَظَرَ اخْتِصاصِهِ بِاللَّهِ تَعالى أنْ يَكُونَ لَهُ مُؤَنَّثٌ عَلى فُعْلى أوْ فَعْلانَةٍ إلْحاقًا لَهُ بِما هو الغالِبُ في بابِهِ.

وإنَّما خَصَّ التَّسْمِيَةَ بِهَذِهِ الأسْماءِ لِيَعْلَمَ العارِفُ أنَّ المُسْتَحَقَّ لِأنْ يُسْتَعانَ بِهِ في مَجامِعِ الأُمُورِ هو المَعْبُودُ الحَقِيقِيُّ الَّذِي هو مَوْلى النِّعَمِ كُلِّها عاجِلِها وآجِلِها، جَلِيلِها وحَقِيرِها، فَيَتَوَجَّهُ بِشَراشِرِهِ إلى جَنابِ القُدْسِ، ويَتَمَسَّكُ بِحَبْلِ التَّوْفِيقِ، ويَشْغَلُ سِرَّهُ بِذِكْرِهِ والِاسْتِعْدادِ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{الحمد} الوصف الجميل على جهة التفضيل وهو رفع بالابتداء وأصله النصب وقد قرئ باظمار فعله على أنه من المصادر المنصوبة بأفعال مظمرة في معنى الإخبار كقولهم شكراً وكفراً والعدول عن النصب إلى الرفع للدلالة على ثبات المعنى واستقراره والخبر {لله} اللام متعلق بمحذوف أي واجب أو ثابت وقيل الحمد والمدح أخوان وهو الثناء والنداء على الجميل من نعمة وغيرها تقول حمدت الرجل على إنعامه وحمدته على شجاعته وحسبه وأما الشكر فعلى النعمة خاصة وهو بالقلب واللسان والجوارح قال ...

أفادتكم النعماء مني ثلاثة ...

يدي ولساني والضمير المحجبا ...

أي القلب والحمد باللسان وحده وهو إحدى شعب الشكر ومنه الحديث الحمد رأس الشكر ما شكر الله عبد لم يحمده وجعله رأس الشكر لأن ذكر النعمة باللسان أشيع لها من اللاعتقاد وآداب الجوارح لخفاء عمل القلب وما في عمل الجوارح من الاحتمال ونقيض الحمد الذم ونقيض الشكر الكفران وقيل المدح ثناء على ما هو له من أوصاف الكمال ككونه باقياً قادراً عالماً أبدياً أزلياً والشكر ثناء على ما هو منه من أوصاف الإفضال والحمد يشملها والألف واللام فيه للإستغراق عندنا خلافاً للمعتزلة ولذا قرن باسم

الله لأنه اسم ذات فيستجمع صفات الكمال وهو بناء على مسألة خلق الأفعال وقد حققته في مواضع {رَبّ العالمين} الرب المالك ومنه قول صفوان لأبي سفيان لأن يربني رجل من قريش أحب إليّ من أن يربني رجل من هوازن تقول ربه يربه رباً فهو رب ويجوز أن يكون وصفاً بالمصدر للمبالغة كما وصف بالعدل ولم يطلقوا الرب إلاّ في الله وحده وهو فى العبد مع التقيد إنه ربى أحسن مثواى قال ارجع إلى ربك وقال الواسطى هو الخالق ابتداء

الفاتحة (٢ - ٤)

والمربي غذاء والغافر انتهاء وهو اسم الله الأعظم والعالم هو ما علم به الخالق من الأجسام والجواهر والأعراض أوكل موجود سوى الله تعالى سمي به لأنه علم على وجوده وإنما جمع بالواو والنون مع أنه يختص بصفات العقلاء أو مافى حكمها من الأعلام لما فيه من معنى الوصفية وهي الدلالة على معنى العلم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ فِيها أبْحاثٌ (البَحْثُ الأوَّلُ) اخْتَلَفَ العُلَماءُ فِيها، هَلْ هي مِن خَواصِّ هَذِهِ الأُمَّةِ أمْ لا؟

فَنَقَلَ العَلّامَةُ أبُو بَكْرٍ التُّونُسِيُّ إجْماعَ عُلَماءِ كُلِّ مِلَّةٍ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى افْتَتَحَ كُلَّ كِتابٍ بِها، ورَوى السُّيُوطِيُّ فِيما نَقَلَهُ عَنْهُ السِّرْمِينِيُّ والعُهْدَةُ عَلَيْهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فاتِحَةُ كُلِّ كِتابٍ، وذَهَبَ هَذا الرّاوِي إلى أنَّ البَسْمَلَةَ مِنَ الخُصُوصِيّاتِ لِما رُوِيَ «أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ يَكْتُبُ: بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ، إلى أنْ نَزَلَ: ﴿ بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها ﴾ فَأمَرَ بِكِتابَةِ: بِسْمِ اللَّهِ، حَتّى نَزَلَ: ﴿ قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ ﴾ فَأمَرَ بِكِتابَةِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، إلى أنْ نَزَلَتْ آيَةُ النَّمْلِ، فَأمَرَ بِكِتابَةِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ،» ولِما اشْتُهِرَ أنَّ مَعانِيَ الكُتُبِ في القُرْآنِ، ومَعانِيَهُ في الفاتِحَةِ، ومَعانِيَها في البَسْمَلَةِ، ومَعانِيَ البَسْمَلَةِ في الباءِ، فَلَوْ كانَتْ في الكُتُبِ القَدِيمَةِ لَأُمِرَ أوَّلَ الأمْرِ بِكِتابَتِها، ولَكانَتْ مَعانِي القُرْآنِ في كُلِّ كِتابٍ، واللّازِمُ مُنْتَفٍ، فَكَذا المَلْزُومُ، وفِيهِ أنَّ الأمْرَ بِذَلِكَ التَّفْصِيلِ لا يَسْتَلْزِمُ النَّفْيَ لِاحْتِمالِ نَفْيِ العِلْمِ إذْ ذاكَ، ولا ضَيْرَ، وأنَّ المُخْتَصَّ بِالقُرْآنِ اللَّفْظُ العَرَبِيُّ بِهَذا التَّرْتِيبِ، والكُتُبُ السَّماوِيَّةُ بِأسْرِها خِلافًا لِلْغَيْطِيِّ غَيْرُ عَرَبِيَّةٍ، وما في القُرْآنِ مِنها مُتَرْجَمٌ، فَلَرُبَّما لِهَذِهِ الألْفاظِ مَدْخَلٌ في الِاشْتِمالِ عَلى جَمِيعِ المَعانِي، فَلا تَكُونُ في غَيْرِ القُرْآنِ كَما تَوَهَّمَهُ السِّرْمِينِيُّ، وإنْ كانَ هُناكَ بَسْمَلَةٌ، عَلى أنَّ في أوَّلِ الدَّلِيلَيْنِ بِظاهِرِهِ دَلِيلًا عَلى عَدَمِ الخُصُوصِيَّةِ، (البَحْثُ الثّانِي) وهو مِن أُمَّهاتِ المَسائِلِ حَتّى أفْرَدَهُ جَمْعٌ بِالتَّصْنِيفِ، اخْتَلَفَ النّاسُ في البَسْمَلَةِ في غَيْرِ النَّمْلِ، إذْ هي فِيها بَعْضُ آيَةٍ بِالِاتِّفاقِ عَلى عَشَرَةِ أقْوالٍ، (الأوَّلُ) إنَّها لَيْسَتْ آيَةً مِنَ السُّوَرِ أصْلًا، (الثّانِي) أنَّها آيَةٌ مِن جَمِيعِها غَيْرَ بَراءَةٌ، (الثّالِثُ) أنَّها آيَةٌ مِنَ الفاتِحَةِ دُونَ غَيْرِها، (الرّابِعُ) أنَّها بَعْضُ آيَةٍ مِنها فَقَطِ، (الخامِسُ) أنَّها آيَةٌ فَذَّةٌ، أُنْزِلَتْ لِبَيانِ رُؤُسِ السُّوَرِ تَيَمُّنًا، ولِلْفَصْلِ بَيْنَها، (السّادِسُ) أنَّهُ يَجُوزُ جَعْلُها آيَةً مِنها، وغَيْرَ آيَةٍ لِتَكَرُّرِ نُزُولِها بِالوَصْفَيْنِ، (السّابِعُ) أنَّها بَعْضُ آيَةٍ مِن جَمِيعِ السُّوَرِ، (الثّامِنُ) أنَّها آيَةٌ مِنَ الفاتِحَةِ، وجُزْءُ آيَةٍ مِنَ السُّوَرِ، (التّاسِعُ) عَكْسُهُ، (العاشِرُ) أنَّها آياتٌ فَذَّةٌ، وإنْ أُنْزِلَتْ مِرارًا فابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ المُبارَكِ، وأهْلُ مَكَّةَ كابْنِ كَثِيرٍ، وأهْلُ الكُوفَةِ كَعاصِمٍ، والكِسائِيِّ، وغَيْرِهِما، سِوى حَمْزَةَ، وغالِبِ أصْحابِ الشّافِعِيِّ والإمامِيَّةِ عَلى الثّانِي، وقالَ بَعْضُ الشّافِعِيَّةِ، وحَمْزَةُ ونُسِبَ لِلْإمامِ أحْمَدَ بِالثّالِثِ، وأهْلُ المَدِينَةِ ومِنهم مالِكٌ، والشّامِ ومِنهُمُ الأوْزاعِيُّ، والبَصْرَةِ ومِنهم أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ عَلى الخامِسِ، وهو المَشْهُورُ مِن مَذْهَبِنا، وعَلى المَرْءِ نُصْرَةُ مَذْهَبِهِ، والذَّبُّ عَنْهُ وذَلِكَ بِإقامَةِ الحُجَجِ عَلى إثْباتِهِ وتَوْهِينِ أدِلَّةِ نُفاتِهِ، وكُنْتُ مِن قَبْلُ أعُدُّ السّادَةَ الشّافِعِيَّةَ لِي غَزِيَّةً، ولا أعُدُّ نَفْسِي إلّا مِنها، وقَدْ مَلَكَتْ فُؤادِي غُرَّةُ أقْوالِهِمْ، كَما مَلَكَتْ فُؤادَ قَيْسٍ لَيْلى العامِرِيَّةُ، فَحَيْثُ لاحَتْ لا مُتَقَدَّمَ ولا مُتَأخَّرَ لِي عَنْها.

أتانِي هَواها قَبْلَ أنْ أعْرِفَ الهَوى فَصادَفَ قَلْبًا خالِيًا فَتَمَكَّنا إلى أنْ كانَ ما كانَ فَصِرْتُ مَشْغُولًا بِأقْوالِ السّادَةِ الحَنَفِيَّةِ، وأقَمْتُ مِنها بِرِياضِ شَقائِقِ النُّعْمانِ، واسْتَوْلى عَلَيَّ مِن حُبِّها ما جَعَلَنِي أتَرَنَّمُ بِقَوْلِ القائِلِ: مَحا حُبُّها حُبَّ الأُلى كُنَّ قَبْلَها ∗∗∗ وحَلَّتْ مَكانًا لَمْ يَكُنْ حُلَّ مِن قَبْلُ وقَدْ أطالَ الفَخْرُ في هَذا المَقامِ المَقالَ، وأوْرَدَ سِتَّ عَشْرَةَ حُجَّةً لِإثْباتِ أنَّها آيَةٌ مِنَ الفاتِحَةِ كَما هو نَصُّ كَلامِهِ، ولا عِبْرَةَ بِالتَّرْجَمَةِ، فَها أنا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعالى رادُّهُ، ولا فَخْرَ، وناصِرٌ مَذْهَبِيِ بِتَأْيِيدِ اللَّهِ تَعالى، ومِنهُ التَّأْيِيدُ، والنَّصْرُ، فَأقُولُ: قالَ (الحُجَّةُ الأُولى) رَوى الشّافِعِيُّ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أنَّها قالَتْ: «(قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فاتِحَةَ الكِتابِ، فَعَدَّ ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ آيَةً، ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ آيَةً، ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ آيَةً، ﴿ مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ آيَةً، ﴿ إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ آيَةً، ﴿ اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ ﴾ آيَةً، ﴿ صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ ﴾ آيَةً)،» وهَذا نَصٌّ صَرِيحٌ، (الحُجَّةُ الثّانِيَةُ) رَوى سَعِيدٌ المَقْبُرِيُّ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «(فاتِحَةُ الكِتابِ سَبْعُ آياتٍ، أُولاهُنَّ: ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ )» .

(الحُجَّةُ الثّالِثَةُ) رَوى الثَّعْلَبِيُّ بِإسْنادِهِ، عَنْ أبِي بُرْدَةَ، عَنْ أبِيهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «(ألا أُخْبِرُكَ بِآيَةٍ لَمْ تَنْزِلْ عَلى أحَدٍ بَعْدَ سُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ غَيْرِي؟

فَقُلْتُ: بَلى، قالَ: بِأيِّ شَيْءٍ تَسْتَفْتِحُ القُرْآنَ إذا افْتَتَحْتَ الصَّلاةَ؟

فَقُلْتُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، قالَ: هي هِيَ)،» (الحُجَّةُ الرّابِعَةُ) رَوى الثَّعْلَبِيُّ بِإسْنادِهِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أبِيهِ، «عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ لَهُ: (كَيْفَ تَقُولُ إذا قُمْتَ إلى الصَّلاةِ؟

قالَ: أقُولُ: ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ قالَ: قُلْ: ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ )،» ورَوى أيْضًا بِإسْنادِهِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ يَقْرَأُ: ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ ،» ورَوى أيْضًا بِإسْنادِهِ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ كانَ إذا افْتَتَحَ السُّورَةَ في الصَّلاةِ يَقْرَأُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وكانَ يَقُولُ: مَن تَرَكَ قِراءَتَها فَقَدْ نَقَصَ، ورَوى أيْضًا بِإسْنادِهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي والقُرْآنَ العَظِيمَ ﴾ قالَ: فاتِحَةُ الكِتابِ، فَقِيلَ لِابْنِ عَبّاسٍ: فَأيْنَ السّابِعَةُ؟

فَقالَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وبِإسْنادِهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «(إذا قَرَأْتُمْ أُمَّ القُرْآنِ فَلا تَدَعُوا: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَإنَّها إحْدى آياتِها)،» وبِإسْنادِهِ أيْضًا، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، «عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: (قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْنِي وبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، فَإذا قالَ: ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ قالَ اللَّهُ تَعالى: مَجَّدَنِي عَبْدِي، وإذا قالَ: ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ قالَ اللَّهُ: حَمِدَنِي عَبْدِي، وإذا قالَ: ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ قالَ: أثْنى عَلَيَّ عَبْدِي، فَإذا قالَ: ﴿ مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ قالَ اللَّهُ تَعالى: فَوَّضَ إلَيَّ عَبْدِي، وإذا قالَ: ﴿ إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ قالَ اللَّهُ تَعالى: هَذا بَيْنِي وبَيْنَ عَبْدِي، وإذا قالَ: ﴿ اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ ﴾ قالَ اللَّهُ تَعالى: هَذا لِعَبْدِي ولِعَبْدِي ما سَألَ)،» وبِإسْنادِهِ أيْضًا «عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في المَسْجِدِ، والنَّبِيُّ يُحَدِّثُ أصْحابَهُ إذْ دَخَلَ رَجُلٌ يُصَلِّي، فافْتَتَحَ الصَّلاةَ، وتَعَوَّذَ، ثُمَّ قالَ: ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ فَسَمِعَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ذَلِكَ، فَقالَ لَهُ: (يا رَجُلُ، قَطَعْتَ عَلى نَفْسِكَ الصَّلاةَ، أما عَلِمْتَ أنَّ ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ مِنَ الحَمْدِ، فَمَن تَرَكَها فَقَدْ تَرَكَ آيَةً مِنها، ومَن تَرَكَ آيَةً مِنها فَقَدْ قَطَعَ عَلَيْهِ صَلاتَهُ، فَإنَّهُ لا صَلاةَ إلّا بِها، فَمَن تَرَكَ آيَةً مِنها فَقَدْ بَطَلَتْ صَلاتُهُ)،» وبِإسْنادِهِ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «(مَن تَرَكَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَقَدْ تَرَكَ آيَةً مِن كِتابِ اللَّهِ)».

(الحُجَّةُ الخامِسَةُ) قِراءَةُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ واجِبَةٌ في أوَّلِ الفاتِحَةِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ تَكُونَ آيَةً مِنها، (بَيانُ الأوَّلِ ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ﴾ ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ الباءُ صِلَةٌ لِأنَّ الأصْلَ أنْ تَكُونَ لِكُلِّ حَرْفٍ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى فائِدَةٌ، وإذا كانَ الحَرْفُ مُفِيدًا كانَ التَّقْدِيرُ: اقْرَأْ مُفْتَتِحًا بِاسْمِ رَبِّكَ، وظاهِرُ الأمْرِ الوُجُوبُ، ولَمْ يَثْبُتْ في غَيْرِ القِراءَةِ لِلصَّلاةِ، فَوَجَبَ إثْباتُهُ في القِراءَةِ فِيها صَوْنًا لِلنَّصِّ عَنِ التَّعْطِيلِ.

(الحُجَّةُ السّادِسَةُ) التَّسْمِيَةُ مَكْتُوبَةٌ بِخَطِّ القُرْآنِ، وكُلُّ ما لَيْسَ مِنَ القُرْآنِ فَإنَّهُ غَيْرُ مَكْتُوبٍ بِخَطِّ القُرْآنِ، ألا تَرى أنَّهم مَنَعُوا كِتابَةَ أسامِي السُّوَرِ في المُصْحَفِ، ومَنَعُوا مِنَ العَلاماتِ عَلى الأعْشارِ، والأخْماسِ، والغَرَضُ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ أنْ يَمْنَعُوا أنْ يَخْتَلِطَ بِالقُرْآنِ ما لَيْسَ بِقُرْآنٍ، فَلَوْ لَمْ تَكُنِ التَّسْمِيَةُ مِنَ القُرْآنِ لَما كَتَبُوها بِخَطِّ القُرْآنِ.

(الحُجَّةُ السّابِعَةُ) أجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّ ما بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ كَلامُ اللَّهِ تَعالى، والبَسْمَلَةَ مَوْجُودَةٌ بَيْنَهُما، فَوَجَبَ جَعْلُها مِنهُ.

(الحُجَّةُ الثّامِنَةُ) أطْبَقَ الأكْثَرُونَ عَلى أنَّ الفاتِحَةَ سَبْعُ آياتٍ إلّا أنَّ الشّافِعِيَّ قالَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ آيَةٌ، وأبُو حَنِيفَةَ قالَ: إنَّها لَيْسَتْ آيَةً، لَكِنْ ﴿ صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ﴾ آيَةٌ، وسَنُبَيِّنُ أنَّ قَوْلَهُ مَرْجُوحٌ ضَعِيفٌ، فَحِينَئِذٍ يَبْقى أنَّ الآياتِ لا تَكُونُ سَبْعًا إلّا بِجَعْلِ البَسْمَلَةِ آيَةً تامَّةً مِنها.

(الحُجَّةُ التّاسِعَةُ) أنْ نَقُولَ: قِراءَةُ التَّسْمِيَةِ قَبْلَ الفاتِحَةِ واجِبَةٌ، فَوَجَبَ كَوْنُها آيَةً مِنها، بَيانُ الأوَّلِ: أنَّ أبا حَنِيفَةَ يُسَلِّمُ أنَّ قِراءَتَها أفْضَلُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ، فالظّاهِرُ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قَرَأها، فَوَجَبَ أنْ يَجِبَ عَلَيْنا قِراءَتُها لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واتَّبِعُوهُ ﴾ وإذا ثَبَتَ الوُجُوبُ ثَبَتَ أنَّها مِنَ السُّورَةِ، لِأنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ، وقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «(كُلُّ أمْرٍ ذِي بالٍ لا يُبْدَأُ فِيهِ بِاسْمِ اللَّهِ فَهو أبْتَرُ)،» وأعْظَمُ الأعْمالِ بَعْدَ الإيمانِ الصَّلاةُ، فَقِراءَةُ الفاتِحَةِ بِدُونِ قِراءَتِها تُوجِبُ كَوْنَ الصَّلاةِ عَمَلًا أبْتَرَ، ولَفْظُهُ يَدُلُّ عَلى غايَةِ النُّقْصانِ والخَلَلِ بِدَلِيلِ أنَّهُ ذَكَرَ ذَمًّا لِلْكافِرِ الشّانِئِ، فَوَجَبَ أنْ يُقالَ لِلصَّلاةِ الخالِيَةِ عَنْها في غايَةِ النُّقْصانِ والخَلَلِ، وكُلُّ مَن أقَرَّ بِذَلِكَ قالَ بِالفَسادِ، وهو يَدُلُّ عَلى أنَّها مِنَ الفاتِحَةِ.

(الحُجَّةُ العاشِرَةُ) ما رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: (ما أعْظَمُ آيَةٍ في القُرْآنِ؟

قالَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)،» فَصَدَّقَهُ النَّبِيُّ في قَوْلِهِ، وجْهُ الِاسْتِدْلالِ أنَّ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا المِقْدارَ آيَةٌ تامَّةٌ، ومَعْلُومٌ أنَّها لَيْسَتْ بِتامَّةٍ في النَّمْلِ، فَلا بُدَّ أنْ تَكُونَ في غَيْرِها، ولَيْسَ إلّا الفاتِحَةُ.

(الحُجَّةُ الحادِيَةَ عَشْرَةَ) عَنْ أنَسٍ أنَّ مُعاوِيَةَ قَدِمَ المَدِينَةَ، فَصَلّى بِالنّاسِ صَلاةً جَهْرِيَّةً، فَقَرَأ أُمَّ القُرْآنِ، ولَمْ يَقْرَإ البَسْمَلَةَ، فَلَمّا قَضى صَلاتَهُ، ناداهُ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ مِن كُلِّ ناحِيَةٍ: أنَسِيتَ، أيْنَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ حِينَ اسْتَفْتَحْتَ القُرْآنَ؟

فَأعادَ مُعاوِيَةُ الصَّلاةَ وجَهَرَ بِها.

(الحُجَّةُ الثّانِيَةَ عَشْرَةَ) أنَّ سائِرَ الأنْبِياءِ كانُوا عِنْدَ الشُّرُوعِ في أعْمالِ الخَيْرِ يَبْتَدِئُونَ بِاسْمِ اللَّهِ، فَقَدْ قالَ نُوحٌ: ﴿ بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها ﴾ وسُلَيْمانُ: ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ ﴿ ألا تَعْلُوا عَلَيَّ ﴾ فَوَجَبَ أنْ يَجِبَ عَلى رَسُولِنا ذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ ﴾ وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ في حَقِّهِ ثَبَتَ أيْضًا في حَقِّنا لِقَوْلِهِ تَعالى: ”فاتَّبَعُوهُ“ وإذا ثَبَتَ في حَقِّنا ثَبَتَ أنَّها آيَةٌ مِن سُورَةِ الفاتِحَةِ.

(الحُجَّةُ الثّالِثَةَ عَشْرَةَ) أنَّهُ تَعالى قَدِيمٌ والغَيْرُ مُحْدَثٌ، فَوَجَبَ بِحُكْمِ المُناسَبَةِ العَقْلِيَّةِ أنْ يَكُونَ ذِكْرُهُ سابِقًا عَلى ذِكْرِ غَيْرِهِ، والسَّبْقُ في الذِّكْرِ لا يَحْصُلُ إلّا إذا كانَتْ قِراءَةُ البَسْمَلَةِ سابِقَةً، وإذا ثَبَتَ أنَّ القَوْلَ بِوُجُوبِ هَذا التَّقْدِيمِ فَما رَآهُ المُؤْمِنُونَ حَسَنًا فَهو عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ، وإذا ثَبَتَ وُجُوبُ القِراءَةِ ثَبَتَ أنَّها آيَةٌ مِنَ الفاتِحَةِ، لِأنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ.

(الحُجَّةُ الرّابِعَةَ عَشْرَةَ) أنَّهُ لا شَكَّ أنَّها مِنَ القُرْآنِ في سُورَةِ النَّمْلِ، ثُمَّ إنّا نَراهُ مُكَرَّرًا بِخَطِّ القُرْآنِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مِنَ القُرْآنِ، كَما أنّا رَأيْنا قَوْلَهُ تَعالى: ”ويْل يَوْمئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ“، ”فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تَكْذِبانِ“ مُكَرَّرًا كَذَلِكَ، قُلْنا: إنَّ الكُلَّ مِنهُ.

(الحُجَّةُ الخامِسَةَ عَشْرَةَ) رُوِيَ: «(أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَكْتُبُ: بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ)» الحَدِيثَ، وهو يَدُلُّ عَلى أنَّ أجْزاءَ هَذِهِ الكَلِمَةِ كُلَّها مِنَ القُرْآنِ، مَجْمُوعُها مِنهُ، وهو مُثْبَتٌ فِيهِ، فَوَجَبَ الجَزْمُ بِأنَّهُ مِنَ القُرْآنِ، إذْ لَوْ جازَ إخْراجُهُ مَعَ هَذِهِ المُوجِباتِ، والشُّهْرَةِ لَكانَ جَوازُ إخْراجِ سائِرِ الآياتِ أوْلى، وذَلِكَ يُوجِبُ الطَّعْنَ في القُرْآنِ العَظِيمِ.

(الحُجَّةُ السّادِسَةَ عَشْرَةَ) قَدْ بَيَّنّا أنَّهُ ثَبَتَ بِالتَّواتُرِ أنَّ اللَّهَ تَعالى كانَ يُنْزِلُ هَذِهِ الكَلِمَةَ عَلى مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَأْمُرُ بِكِتابَتِها بِخَطِّ المُصْحَفِ فِيهِ، وبَيَّنّا أنَّ حاصِلَ الخِلافِ في أنَّهُ: هَلْ تَجِبُ قِراءَتُهُ؟

وهَلْ يَجُوزُ لِلْمُحْدِثِ مَسُّهُ؟

فَنَقُولُ: ثُبُوتُ هَذِهِ الأحْكامِ أحْوَطُ، فَوَجَبَ المَصِيرُ إلَيْهِ، لِقَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «(دَعْ ما يُرِيبُكَ إلى ما لا يُرِيبُكَ)،» انْتَهى كَلامُهُ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّ البَعْضَ مِنهُ مُجابٌ عَنْهُ، والبَعْضَ لا يَقُومُ حُجَّةً عَلَيْنا، لِأنَّ الصَّحِيحَ مِن مَذْهَبِنا أنَّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ آيَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، وهي مِنَ القُرْآنِ، وإنْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الفاتِحَةِ نَفْسِها، وقَدْ أوْجَبَ الكَثِيرُ مِنّا قِراءَتَها في الصَّلاةِ، وذَكَرَ الزَّيْلَعِيُّ في شَرْحِ الكَنْزِ: أنَّ الأصَحَّ أنَّها واجِبَةٌ، وذَكَرَ الزّاهِدِيُّ عَنِ المُجْتَبى: أنَّ الصَّحِيحَ أنَّها واجِبَةٌ في كُلِّ رَكْعَةٍ تَجِبُ فِيها القِراءَةُ، وهي الرِّوايَةُ الصَّحِيحَةُ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وقالَ ابْنُ وهْبانَ في مَنظُومَتِهِ: ولَوْ لَمْ يُبَسْمِلْ ساهِيًا كُلَّ رَكْعَةٍ ∗∗∗ فَيَسْجُدُ إذْ إيجابُها قالَ الأكْثَرُ وفِي غُنْيَةِ المُتَمَلِّي: وهو الأحْوَطُ، وبِهِ أقُولُ خِلافًا لِقاضِي خانْ، وصاحِبِ الخُلاصَةِ، وغَيْرِهِمْ، والحَقُّ أحَقُّ بِالِاتِّباعِ، والقَوْلُ عَنْ بَعْضِ هَذا أنَّهُ مِن طُغْيانِ القَلَمِ غايَةُ الطُّغْيانِ، ونِهايَةٌ في التَّعَصُّبِ مِن غَيْرِ إتْقانٍ، ولْنَتَكَلَّمْ عَلى ما ذَكَرَهُ هَذا العَلّامَةُ عَلى التَّفْصِيلِ، (فَنَقُولُ): أمّا ما ذَكَرَهُ في الحُجَّةِ الأُولى مِن حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ بِالوَجْهِ الَّذِي رَواهُ مُخالِفٌ لِما في البَيْضاوِيِّ المُخالِفِ لِما في الكُتُبِ الحَدِيثِيَّةِ، فَيُجابُ عَنْهُ بِأنَّ أبا مُلَيْكَةَ لَمْ يَثْبُتْ سَماعُهُ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، وبِتَقْدِيرِهِ لِلْمُعاصَرَةِ، يُقالُ: إنَّ هَذا اللَّفْظَ لَمْ يُوجَدْ في المَشْهُورِ، ولَعَلَّهُ نَقَلَ بِالمَعْنى لِبَعْضِ الرِّواياتِ الآتِيَةِ عَلى حَسَبِ ما يَلُوحُ لَهُ، فَقَدْ أخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وأحْمَدُ، وأبُو داوُدَ بِلَفْظِ: «(كانَ رَسُولُ اللَّهِ  يُقَطِّعُ قِراءَتَهُ آيَةً آيَةً ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ ﴿ مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ )،» وابْنُ الأنْبارِيِّ، والبَيْهَقِيُّ: «(كانَ إذا قَرَأ قَطَّعَ قِراءَتَهُ آيَةً آيَةً يَقُولُ: ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ ثُمَّ يَقِفُ، ثُمَّ يَقُولُ: ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ ثُمَّ يَقِفُ، ثُمَّ يَقُولُ: ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ ثُمَّ يَقِفُ، ثُمَّ يَقُولُ: ﴿ مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ )،» وابْنُ خُزَيْمَةَ، والحاكِمُ بِلَفْظِ: «(أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَرَأ في الصَّلاةِ: ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ ، فَعَدَّها آيَةً ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ اثْنَيْنِ، ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ ثَلاثَ آياتٍ، ﴿ مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ أرْبَعَ آياتٍ، وقالَ: هَكَذا ﴿ إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ وجَمَعَ خَمْسَ أصابِعِهِ)،» والدّارَقُطْنِيّ بِلَفْظِ: «(كانَ يَقْرَأُ: ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ إلى آخِرِها، قَطَّعَها آيَةً آيَةً وعَدَّها عَدَّ الأعْرابِ، وعَدَّ: ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ ولَمْ يَعُدَّ: ﴿ عَلَيْهِمْ ﴾ )،» والرِّوايَةُ الأُولى والثّانِيَةُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: عَنَتْ بِهِما بَيانَ كَيْفِيَّةِ قِراءَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِسائِرِ القُرْآنِ، وذَكَرَتْ بَعْضًا مِنهُ عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ، ولَمْ تَسْتَوْعِبْ، ولَيْسَ فِيهِما سِوى إثْباتِ أنَّها آيَةٌ، وهو مُسَلَّمٌ، لَكِنْ مِنَ القُرْآنِ، وأمّا أنَّها مِنَ الفاتِحَةِ فَلا، وكَذا في الرِّوايَةِ الثّالِثَةِ إثْباتُ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ يَقْرَؤُها في الصَّلاةِ، ويَعُدُّها آيَةً لِوُقُوفِهِ عَلَيْها، وهو مُسَلَّمُنا أيْضًا، وهي الآيَةُ الأُولى مِنَ القُرْآنِ، والآيَةُ الثّانِيَةُ مِنهُ ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ وهَكَذا إلى الخامِسَةِ، وجَمَعَتِ الأصابِعَ، وانْقَطَعَ الكَلامُ، وأمّا الرِّوايَةُ الرّابِعَةُ فَلَيْسَتْ نَصًّا أيْضًا في أنَّ البَسْمَلَةَ آيَةٌ مِنَ الفاتِحَةِ، إذْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: كانَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقْرَأُ في بَعْضِ الأوْقاتِ في الصَّلاةِ أوْ غَيْرِها، ولا دَوامَ، لا وضْعًا ولا اسْتِعْمالًا مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى: ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ إلى آخِرِها، أيِ الآياتُ قَطَّعَها آيَةً آيَةً، ولَمْ يُوصِلْ بَعْضَها بِبَعْضٍ، وعَدَّها عَدَّ الأعْرابِ، واحِدَةً واحِدَةً، وعَدَّ ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ ولَمْ يُسْقِطْها لِوُجُوبِها في الصَّلاةِ، ولِلِاعْتِناءِ بِها في غَيْرِها لِما فِيها مِن عَظائِمِ الأسْرارِ ودَقائِقِ الأفْكارِ، ومِن هَذا أوْجَبَ الكَثِيرُ مِن عُلَمائِنا سُجُودَ السَّهْوِ عَلى مَن تَرَكَها، وقَدْ أزالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِذَلِكَ ظَنَّ أنَّها لَيْسَتْ مِنَ القُرْآنِ لِاسْتِعْمالِها في أوائِلِ الرَّسائِلِ، ومَبادِي الشُّؤُونِ، ولَمْ يَعُدَّ ﴿ صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ﴾ ولَمْ يَقِفْ عَلَيْها، بَلْ وصَلَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ تِلْكَ المَرَّةَ، لِبَيانِ الجَوازِ وعَدَمِ تَخَيُّلِ شَيْءٍ يُنافِي كَوْنَها آيَةً، بَلْ هُناكَ ما يُشْعِرُ بِهِ، فَإنَّ تَقارُبَ الآيِ في الطُّولِ والقِصَرِ كَتَقارُبِ الفَقَراتِ، شَيْءٌ مَرْغُوبٌ فِيهِ، وعَدَمُ التَّشابُهِ في المَقاطِعِ لا يَضُرُّ، فَأيْنَ أفْواجًا مِنَ الفَتْحِ، فَلُزُومُ الرِّعايَةِ غَيْرُ لازِمٍ، وكَوْنُ المَوْصُوفِ في آيَةٍ والصِّفَةِ في آيَةٍ أُخْرى مَسْبُوقٌ بِالمَثَلِ، وسابِقٌ عَلى الأمْثالِ، ومَن أنْعَمَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ، وعَرَفَ الَّذِينَ ﴿ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ﴾ وجَدَهُ تامًّا، وعَدَّ تَوَقُّفَهُ عَلى الشَّرْطِ المَفْهُومِ مِن غَيْرِ المَغْضُوبِ كَلامًا ناقِصًا، وعَلى هَذا لَمْ يَثْبُتْ في هَذِهِ الرِّوايَةِ سِوى أنَّ البَسْمَلَةَ آيَةٌ مِنَ القُرْآنِ، وهو مُسَلَّمٌ عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ، وأمّا إنَّها مِنَ الفاتِحَةِ، فَدُونَهُ خَرْطُ القَتادِ.

وأمّا ما ذَكَرَهُ في الحُجَّةِ الثّانِيَةِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ فَقَدْ أخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ بِلَفْظِ: «( ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ سَبْعُ آياتٍ، ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ إحْداهُنَّ، وهي السَّبْعُ المَثانِي والقُرْآنُ العَظِيمُ، وهي أُمُّ القُرْآنِ، وهي فاتِحَةُ الكِتابِ)،» وأخْرَجَهُ الدّارَقُطْنِيّ بِلَفْظِ: «(إذا قَرَأْتُمُ الحَمْدَ، فاقْرَءُوا: ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ إنَّها أُمُّ القُرْآنِ، وأُمُّ الكِتابِ، والسَّبْعُ المَثانِي، و ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ إحْدى آياتِها)،» ومَعْنى الرِّوايَةِ الأُولى ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ إلى آخِرِ الآياتِ سَبْعُ آياتٍ، وبِهِ قالَ الحَنَفِيُّونَ، ولَمّا لاحَظَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ تَوَهُّمَ السّامِعِينَ مِن عَدَمِ التَّعَرُّضِ لِلْبَسْمَلَةِ مَعَ تِلْكَ الشُّبْهَةِ السّالِفَةِ كَوْنِها لَيْسَتْ بِآيَةٍ مِنَ القُرْآنِ أزالَ هَذا التَّوَهُّمَ بِوَجْهٍ بَلِيغٍ فَقالَ: ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ إحْداهُنَّ، أيْ مِثْلُ إحْداهُنَّ في كَوْنِها آيَةً مِنَ القُرْآنِ، ومَعْنى الثّانِيَةِ: إذا أرَدْتُمْ قِراءَةَ الحَمْدَ إلى آخِرِ ما يَلِيهِ فاقْرَءُوا قَبْلَهُ ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ إنَّها أيِ الحَمْدَ إلى الآخَرِ أُمُّ القُرْآنِ، وأُمُّ الكِتابِ، والسَّبْعُ المَثانِي، وهَذا كالتَّعْلِيلِ، أوِ التَّرْغِيبِ، بِقِراءَةِ ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ إلى آخِرِها، وقَوْلُهُ: و ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ إحْدى آياتِها عَلى حَدِّ ما ذُكِرَ في مَعْنى الرِّوايَةِ الأُولى، وهو كالتَّعْلِيلِ، أوِ التَّرْغِيبِ أيْضًا في قِراءَةِ البَسْمَلَةِ، وما ذَكَرْناهُ، وإنْ كانَ فِيهِ ارْتِكابُ مَجازٍ، لَكِنْ دَعانا إلَيْهِ إجْراءُ صَدْرِ الكَلامِ عَلى حَقِيقَتِهِ، وإنْ أُجْرِيَ هَذا عَلى ظاهِرِهِ فَلا بُدَّ مِنِ ارْتِكابِ المَجازِ في الصَّدْرِ كَما لا يَخْفى، وهو ارْتِكابٌ خِلافُ الأصْلِ قَبْلَ الحاجَةِ إلَيْهِ، وأمّا ما ذَكَرَهُ في الحُجَّةِ الثّالِثَةِ فَلَيْسَ سِوى إثْباتِ أنَّ التَّسْمِيَةَ مِنَ القُرْآنِ كَما أقَرَّ هو بِهِ، ولَسْنا مِمَّنْ نُخالِفُهُ فِيهِ، وأمّا ما ذَكَرَهُ في الرّابِعَةِ، فالحَدِيثُ الأوَّلُ، والثّانِي، والثّالِثُ، والسّادِسُ مَعَ ضَعْفِهِ، والثّامِنُ لا تَدُلُّ عَلى المَقْصُودِ، ونَحْنُ نَقُولُ بِما تَدُلُّ عَلَيْهِ، والرّابِعُ مَوْقُوفٌ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ، ولا نُسَلِّمُ أنَّ حُكْمَهُ الرَّفْعُ لِجَوازِ الِاجْتِهادِ، وإنْ قُلْنا أنَّ الصَّحِيحَ أنَّ الآيَةَ إنَّما تُعْلَمُ بِتَوْقِيفٍ مِنَ الشّارِعِ كَمَعْرِفَةِ السُّورَةِ مَثَلًا، ولِذَلِكَ عَدُّوا ”الم“ آيَةً حَيْثُ وقَعَتْ، ولَمْ يَعُدُّوا ”المر“ لِأنّا لَمْ نَقُلْ: إنَّها جُزْءُ آيَةٍ، واجْتَهَدَ فَجَعَلَها آيَةً، بَلْ قُلْنا: إنَّها آيَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ مِنَ القُرْآنِ، واجْتَهَدَ وجَعَلَها آيَةً مِنَ الفاتِحَةِ، أوْ نَقُولُ: إنَّهُ قالَ ذَلِكَ أيْضًا عَنْ تَوْقِيفٍ، لَكِنْ عَلى ظَنِّهِ واجْتِهادِهِ أنَّهُ تَوْقِيفٌ، والخامِسُ لِي شَكٌّ في صِحَّتِهِ بِهَذا اللَّفْظِ، ولَعَلَّهُ بِاللَّفْظِ الَّذِي خَرَّجَهُ بِهِ الدّارَقُطْنِيّ، وقَدْ سَلَفَ بِتَقْرِيرِهِ، ولَيْسَ لِي اعْتِمادٌ عَلى الفَخْرِ في الأحادِيثِ، ولَيْسَ مِن حُفّاظِها، وأُراهُ إذا نَقَلَ بِالمَعْنى غَيَّرَ، ولَيْسَ عِنْدِي تَفْسِيرُ الثَّعْلَبِيِّ لِأراهُ، فَإنَّ النَّقْلَ مِنهُ، والسّابِعُ لا تَلُوحُ عَلَيْهِ طَلاوَةُ كَلامِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ولا فَصاحَتُهُ، وهو أفْصَحُ مَن نَطَقَ بِالضّادِ بَلْ مَن مارَسَ الأحادِيثَ جَزَمَ بِوَضْعِ هَذا، ولَعَمْرِي لَوْ كانَ صَحِيحًا لاكْتَفى بِهِ الشّافِعِيَّةُ أوْ لَقَدَّمُوهُ عَلى سائِرِ أدِلَّتِهِمْ، ويالَيْتَهُ ذَكَرَ إسْنادَهُ لِنَراهُ، وأمّا الحُجَّةُ الخامِسَةُ فَفِيها أنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ وُجُوبَها في أوَّلِ الفاتِحَةِ مُسْتَلْزِمٌ لِكَوْنِها آيَةً مِنها، واسْتِدْلالُهُ في هَذا المَقامِ بِقَوْلِهِ: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ﴾ واهٍ جِدًّا مِن وُجُوهٍ أظْهَرَ مِنَ الشَّمْسِ، فَلا نُتْعِبُ البَنانَ بِبَيانِها، وأمّا الحُجَّةُ السّادِسَةُ فَهو أقْوى ما يَسْتَدِلُّ بِهِ عَلى كَوْنِ البَسْمَلَةِ مِنَ القُرْآنِ، وأمّا عَلى أنَّها مِنَ الفاتِحَةِ فَلا، وتَعَرَّضَ نُفاةُ كَوْنِها قُرْآنًا لِلتَّكَلُّمِ في هَذا الدَّلِيلِ مِمّا لا يَرْضاهُ الطَّبْعُ السَّلِيمُ والذِّهْنُ المُسْتَقِيمُ، والإنْصافُ نِصْفُ الدِّينِ، والِانْقِيادُ لِلْحَقِّ مِن أخْلاقِ المُؤْمِنِينَ، وأمّا الحُجَّةُ السّابِعَةُ فَلَنا لا عَلَيْنا كَما لا يَخْفى، وأمّا الحُجَّةُ الثّامِنَةُ فَدُونَ إثْباتِ مَدارِها - وهو تَوْهِينُ كَلامِ مَوْلانا أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - جِبالٌ راسِياتٌ، وأمّا الحُجَّةُ التّاسِعَةُ فَهي كالحُجَّةِ الخامِسَةِ حَذْوَ القُذَّةِ بِالقُذَّةِ، واسْتِدْلالُهُ بِقَوْلِهِ: (كُلُّ أمْرٍ ذِي بالٍ) إلَخْ، لَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّ الفاتِحَةَ جُزْءٌ مِنَ الصَّلاةِ المُفْتَتَحَةِ بِالتَّكْبِيرِ المُقارِنِ لِلنِّيَّةِ الَّذِي هو رُكْنٌ مِنها، فَحَيْثُ لَمْ تُفْتَتَحْ بِالبَسْمَلَةِ عُدَّتْ بَتْراءَ، فَبَطَلَتْ، وكَذا الرُّكُوعُ والسُّجُودُ الَّذِي أقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ فِيهِ إلى رَبِّهِ، كُلٌّ مِنهُما أمْرٌ ذُو بالٍ، فَإذا لَمْ يُفْتَتَحْ بِالبَسْمَلَةِ كانَ أبْتَرَ باطِلًا، فَحُسْنُ الظَّنِّ بِدِيانَةِ العَلّامَةِ وعِلْمِهِ أنَّهُ كانَ يُبَسْمِلُ أوَّلَ صَلاتِهِ، وعِنْدَ رُكُوعِهِ وسُجُودِهِ، وسائِرِ انْتِقالاتِهِ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ، وأمّا الحُجَّةُ العاشِرَةُ فَلا تَقُومُ عَلَيْنا لِأنّا أعْلَمْناكَ بِمَذْهَبِنا، وأمّا الحُجَّةُ الحادِيَةَ عَشْرَةَ فَقُصارى ما تَدُلُّ عَلَيْهِ ظاهِرٌ أبْعَدُ تَسْلِيمِها أنَّ مُعاوِيَةَ لَمّا لَمْ يَقْرَإ البَسْمَلَةَ وتَرَكَ الواجِبَ ولَمْ يَسْجُدْ لِلسَّهْوِ، أعادَ الصَّلاةَ لِتَقَعَ سَلِيمَةً مِنَ الخَلَلِ، ولِهَذا أمْهَلُوهُ إلى أنْ فَرَغَ لِيَرَوْا أيَجْبُرُ الخَلَلَ بِسُجُودِ السَّهْوِ أمْ لا، واعْتِراضُهم عَلَيْهِ بِتَرْكِ واجِبٍ يُجْبَرُ بِالسُّجُودِ لَيْسَ أغْرَبَ مِنِ اعْتِراضِهِمْ عَلَيْهِ في تِلْكَ الصَّلاةِ أيْضًا بِتَرْكِ هَيْئَةٍ، حَيْثُ رَوى الشّافِعِيُّ نَفْسُهُ كَما نَقَلَهُ الفَخْرُ نَفْسُهُ أنَّ مُعاوِيَةَ قَدِمَ المَدِينَةَ، فَصَلّى بِهِمْ، ولَمْ يَقْرَأْ ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ ولَمْ يُكَبِّرْ عِنْدَ الخَفْضِ إلى الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، فَلَمّا سَلَّمَ، ناداهُ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ: يا مُعاوِيَةُ، سَرَقْتَ مِنَ الصَّلاةِ، أيْنَ ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ وأيْنَ التَّكْبِيرُ عِنْدَ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ؟

ثُمَّ أنَّهُ أعادَ الصَّلاةَ مَعَ التَّسْمِيَةِ، والتَّكْبِيرِ، وهَذا لا يَضُرُّنا، نَعَمْ، يَبْقى الجَهْرُ، والبَحْثُ عَنْهُ مَخْفِيٌّ الآنَ، وأمّا الحُجَّةُ الثّانِيَةَ عَشْرَةَ فَفِيها كَما تَقَدَّمَ أنَّ الوُجُوبَ لا يَسْتَلْزِمُ الجُزْئِيَّةَ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: أنَّ سائِرَ الأنْبِياءِ يَبْتَدِئُونَ عِنْدَ الشُّرُوعِ بِأعْمالِ الخَيْرِ بِذِكْرِ اللَّهِ، فَوَجَبَ أنْ يَجِبَ عَلى رَسُولِنا ذَلِكَ إلَخْ، واسْتَدَلَّ عَلى الوُجُوبِ عَلَيْهِ، إذْ وجَبَ عَلَيْهِمْ، عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ ﴾ لا أدْرِي ما أقُولُ فِيهِ سِوى أنَّهُ جَهْلٌ بِالتَّفْسِيرِ، وعَدَمُ اطِّلاعٍ عَلى أخْبارِ البَشِيرِ النَّذِيرِ، وأمّا الحُجَّةُ الثّالِثَةَ عَشْرَةَ فَلا تُجْدِيهِ نَفْعًا في مُقابَلَتِنا أيْضًا، وفِيها ما في أخَواتِها، وأمّا الحُجَجُ الباقِيَةُ فَكَكَثِيرٍ مِنَ الماضِيَةِ، لا تَنْفَعُ في البَحْثِ مَعَنا إلّا بِتَسْوِيدِ القِرْطاسِ، وتَضْيِيعِ نَفائِسِ الأنْفاسِ، عَلى أنَّ بَعْضَ ما ذَكَرَهُ مُعارَضٌ بِما أخْرَجَ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: قالَ اللَّهُ تَعالى: «(قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْنِي وبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، ولِعَبْدِي ما سَألَ، فَإذا قالَ العَبْدُ: ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ قالَ اللَّهُ تَعالى: حَمِدَنِي عَبْدِي، وإذا قالَ: ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ قالَ: أثْنى عَلَيَّ عَبْدِي، وإذا قالَ: ﴿ مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ قالَ اللَّهُ تَعالى: مَجَّدَنِي عَبْدِي، وإذا قالَ: ﴿ إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ قالَ اللَّهُ تَعالى: هَذا بَيْنِي وبَيْنَ عَبْدِي، ولِعَبْدِي ما سَألَ، فَإذا قالَ: ﴿ اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ ﴾ ﴿ صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ ﴾ قالَ: هَذا لِعَبْدِي ولِعَبْدِي ما سَألَ)،» وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ البَسْمَلَةَ لَيْسَتْ مِنَ الفاتِحَةِ، وأنَّها سَبْعٌ بِدُونِها، حَيْثُ جَعَلَ الوُسْطى ﴿ إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ والثَّلاثَ قَبْلَها لِلَّهِ تَعالى، والثَّلاثَ بَعْدَها لِلْعَبْدِ، ولَيْسَ فِيهِ نَفْيُ أنَّها مِنَ القُرْآنِ، ولا شَكَّ أنَّ هَذِهِ الرِّوايَةَ أصَحُّ مِن رِوايَةِ الثَّعْلَبِيِّ، ولا أُقَدِّمُ ثَعْلَبِيًّا عَلى مُسْلِمٍ، وكَذا مِن رِوايَةِ السِّجِسْتانِيِّ، ومَتى خالَفَ الرّاوِي الثِّقَةُ مَن هو أوْثَقُ مِنهُ بِزِيادَةٍ أوْ نَقْصٍ فَحَدِيثُهُ شاذٌّ، ولَيْسَ هَذا مِن بابِ النَّفْيِ والإثْباتِ كَما ظَنَّهُ مَن لَيْسَ لَهُ في هَذا الفَنِّ رُسُوخٌ، ولا ثَباتٌ، وحَمْلُ النِّصْفِ فِيهِ عَلى النِّصْفِ في المَعْنى أوِ الصِّنْفِ مِن عَدَمِ الإنْصافِ، إذْ ذاكَ مَجازٌ ولا حاجَةَ إلَيْهِ، ولا قَرِينَةَ عَلَيْهِ، وجَعْلُهُ حَقِيقَةً لَكِنْ بِاعْتِبارِ الدُّعاءِ والثَّناءِ يُكَذِّبُهُ العَدُّ والقَوْلُ، بِأنَّ مَدارَ الرِّوايَةِ العَلاءُ، وقَدْ ضَعَّفَهُ ابْنُ مَعِينٍ، فَهو عَلى جَلالَةِ الرَّجُلِ لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ، لِأنَّ المُوَثَّقَ كَثِيرٌ، وتَقْدِيمَ الجَرْحِ عَلى التَّعْدِيلِ لَيْسَ بِالمُطْلَقِ، بَلْ إنْ لَمْ يَكْثُرِ المُعَدِّلُونَ جِدًّا، وقَدْ كَثُرُوا هُنا، وكَوْنُ التَّقْسِيمِ لِما يَخُصُّ الفاتِحَةَ والبَسْمَلَةَ مُشْتَرِكَةً مَعَ كَوْنِهِ خِلافَ الظّاهِرِ لا تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ، إذْ هي عِنْدَ الخَصْمِ أشْرَفُ الأجْزاءِ، وكَوْنُ المُرادِ بَعْضَ قِراءَةِ الصَّلاةِ إذِ الظّاهِرُ لا يُمْكِنُ أنْ يُرادَ لِوُجُودِ الأعْمالِ، وضَمِّ السُّورَةِ، ويَتَحَقَّقُ البَعْضُ بِهَذا البَعْضِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، إذِ اللّائِقُ أنْ يَكُونَ البَعْضُ مُسْتَقِلًّا بِمَبْدَءٍ، ومَقْطَعٍ، والثّانِي مَوْجُودٌ، والأوَّلُ عَلى قَوْلِنا، وأيْضًا الفاتِحَةُ سُورَةٌ كالكَوْثَرِ والمُلْكِ، وقَدْ نَصَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فِيما رَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ عَنْهُ بِأنَّ الأُولى ثَلاثُ آياتٍ، والثّانِيَةَ ثَلاثُونَ، ووَقَفَهم عَلَيْها، ولَمْ يَعُدَّ البَسْمَلَةَ، ولَوْ عَدَّها مُسْتَقِلَّةً لَزادَ العَدَدَ أوْ جُزْءًا لَوَرَدَ، وعَلى المُثْبِتِ البَيانُ، وأنّى هُوَ، عَلى أنَّهُ يَرُدُّ عَلى الثّانِي اسْتِلْزامَهُ لِلتَّحَكُّمِ بِدَعْوى الِاسْتِقْلالِ في الفاتِحَةِ، والبَعْضِيَّةِ في غَيْرِها، وقَوْلُ الرّازِيِّ هَذا غَيْرُ بَعِيدٍ، فَـ ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ آيَةٌ تارَةً، وجُزْءُ آيَةٍ أُخْرى، كَما في ﴿ وآخِرُ دَعْواهُمْ ﴾ الآيَةَ، بَعِيدٌ بَلْ قِياسٌ باطِلٌ لِوُجُودِ المُقْتَضِي لِلْجُزْئِيَّةِ هُناكَ، وانْتِفائِهِ هُنا، وأيْضًا نَزَلَ الكَثِيرُ مِنَ السُّوَرِ بِلا بَسْمَلَةٍ، ثُمَّ ضُمَّتْ بَعْدُ، وحَدِيثُ الصَّحِيحِ في بَدْءِ الوَحْيِ يُبْدِي صِحَّةَ ما قُلْنا، وهَذا يُبْعِدُ كَوْنَها آيَةً مِنَ السُّورَةِ أوْ جُزْءَ آيَةٍ، وكَوْنُها لَمْ تَنْزِلْ بَعْدُ يُبْعِدُ الثّانِيَ إنْ لَمْ يُبْعِدِ الأوَّلَ، وحَدِيثُ أنَّها أوَّلُ ما نَزَلَتْ، لَيْسَ بِالقَوِيِّ، بَلِ الثّابِتِ، ويُشْكِلُ عَلَيْهِ ما رُوِيَ أنَّهُ كانَ يَكْتُبُ: بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ إلَخْ، عَلى أنَّ الأوَّلِيَّةَ إنْ سَلِمَتْ وسُلِّمَتْ لا تَضُرُّنا، وبِالجُمْلَةِ يَكادُ أنْ يَكُونَ اعْتِقادُ عَدَمِ كَوْنِ البَسْمَلَةِ جُزْءًا مِن سُورَةٍ مِنَ الفِطْرِيّاتِ، كَما لا يَخْفى عَلى مَن سَلَّمَ لَهُ وِجْدانَهُ، فَهي آيَةٌ مِنَ القُرْآنِ مُسْتَقِلَّةٌ، ولا يَنْبَغِي لِمَن وقَفَ عَلى الأحادِيثِ أنْ يَتَوَقَّفَ في قُرْآنِيَّتِها، أوْ يُنْكِرَ وُجُوبَ قِراءَتِها، ويَقُولَ بِسُنِّيَّتِها، فَواللَّهِ لَوْ مُلِئَتْ لِي الأرْضُ ذَهَبًا، لا أذْهَبُ إلى هَذا القَوْلِ، وإنْ أمْكَنَنِي - والفَضْلُ لِلَّهِ تَعالى - تَوْجِيهُهُ، كَيْفَ وكُتُبُ الأحادِيثِ مَلْأى بِما يَدُلُّ عَلى خِلافِهِ، وهو الَّذِي صَحَّ عِنْدِي عَنِ الإمامِ، والقَوْلُ بِأنَّهُ لَمْ يَنُصَّ بِشَيْءٍ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وكَيْفَ لا يَنُصُّ إلى آخِرِ عُمْرِهِ في مِثْلِ هَذا الأمْرِ الخَطِيرِ الدّائِرِ عَلَيْهِ أمْرُ الصَّلاةِ مِن صِحَّتِها أوِ اسْتِكْمالِها، ويُمْكِنُ أنْ يُناطَ بِهِ بَعْضُ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ، وأُمُورُ الدِّياناتِ، كالطَّلاقِ، والحَلِفِ، والتَّعْلِيقِ، وهو الإمامُ الأعْظَمُ، والمُجْتَهِدُ الأقْدَمُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، والإخْفاءُ بِها في الجَهْرِيَّةِ لا يَدُلُّ عَلى السُّنِّيَّةِ، فَإنَّ القَوْلَ بِوُجُوبِها لا يُنافِي إخْفاءَها اتِّباعًا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «(لَمْ يَجْهَرِ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالبَسْمَلَةِ حَتّى ماتَ)،» ورَوى مُسْلِمٌ، «عَنْ أنَسٍ: (صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وأبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ، وعُثْمانَ فَلَمْ أسْمَعْ مِنهم أحَدًا يَقْرَأُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)،» ولَمْ يَرِدْ نَفْيُ القِراءاتِ بَلْ سَماعُها لِلْإخْفاءِ بِدَلِيلِ ما صُرِّحَ بِهِ عَنْهُ، فَكانُوا لا يَجْهَرُونَ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، رَواهُ أحْمَدُ والنَّسائِيُّ بِإسْنادٍ عَلى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، ورَوى الطَّبَرانِيُّ بِإسْنادٍ عَنْهُ: «(أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ يُسِرُّ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وأبا بَكْرٍ، وعُمَرَ، وعُثْمانَ، وعَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ)،» ورُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُغَفَّلِ، ولا نُسَلِّمُ ضَعْفَهُ أنَّهُ قالَ: «سَمِعَنِي أبِي وأنا أقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَقالَ: أيْ بُنَيَّ، إيّاكَ والحَدَثَ في الإسْلامِ، فَقَدْ صَلَّيْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وخَلْفَ أبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ، وعُثْمانَ فابْتَدَءُوا القِراءَةَ بِـ ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ فَإذا صَلَّيْتَ فَقُلِ: ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ » أيِ اجْهَرْ بِها، وأخْفِ البَسْمَلَةَ، وهو مَذْهَبُ الثَّوْرِيِّ، وابْنِ المُبارَكِ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ الزُّبَيْرِ، وعَمّارِ بْنِ ياسِرٍ، والحَسَنِ ابْنِ أبِي الحُسَيْنِ، والشَّعْبِيِّ، والنَّخَعِيِّ، وقَتادَةَ، وعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، والأعْمَشِ، والزُّهْرِيِّ، ومُجاهِدٍ، وأحْمَدَ، وغَيْرُهم خَلْقٌ كَثِيرٌ، وأحادِيثُ الجَهْرِ لَمْ يَصِحَّ مِنها سِوى حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ الَّذِي أخْرَجَهُ الشّافِعِيُّ عَنْهُ: «(كانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَجْهَرُ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)،» وهو مُعارَضٌ بِما تَقَدَّمَ عَنْهُ، أوْ مَحْمُولٌ عَلى أنَّهُ كانَ يَجْهَرُ بِها أحْيانًا لِبَيانِ أنَّهُ تُقْرَأُ فِيها كَما جَهَرَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِالثَّناءِ لِلتَّعْلِيمِ، وكَما شُرِعَ الجَهْرُ بِالتَّكْبِيرِ لِلْإعْلامِ، وحَتّى ماتَ، هُناكَ قَيْدٌ لِلْمَنفِيِّ لا لِلنَّفْيِ فَلا يَتَنافَيانِ، عَلى أنَّهُ رُوِيَ عَنْ بَعْضِ الحُفّاظِ لَيْسَ حَدِيثٌ صَرِيحٌ في الجَهْرِ إلّا وفي إسْنادِهِ مَقالٌ، وعَنِالدّارَقُطْنِيّ أنَّهُ صَنَّفَ كِتابًا في الجَهْرِ، فَأقْسَمَ عَلَيْهِ بَعْضُ المالِكِيَّةِ لِيُعَرِّفَهُ الصَّحِيحَ فَقالَ: لَمْ يَصِحَّ في الجَهْرِ حَدِيثٌ، والقَوْلُ بِأنَّ الرِّوايَةَ عَنْ أنَسٍ سِتٌّ مُتَعارِضَةٌ، فَتارَةً يُرْوى عَنْهُ الجَهْرُ وأُخْرى الإخْفاءُ، لِلْخَوْفِ مِن بَنِي أُمَيَّةَ المُخالِفِينَ لِعَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، إذْ مَذْهَبُهُ الجَهْرُ لا يَضُرُّنا، إذْ يُقَدَّمُ عِنْدَ التَّعارُضِ الأقْوى إسْنادًا، وهو هُنا ما يُوافِقُنا، إذْ هو عَلى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وتُهْمَةُ الرّاوِي المُخالِفِ بِالكَذِبِ عَلى أنَسٍ أهْوَنُ عِنْدِي مِن تُهْمَةِ أنَسٍ صاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالكَذِبِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ومُقَدَّمِي أصْحابِهِ.

(١) (١) اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

بسم الله الرحمن الرحيم حدثنا القاضي الخليل بن أحمد قال: حدثنا السراج قال: حدثنا قتيبة بن سعيد قال: حدثنا خالد، عن داود، عن عامر قال: كان النبيّ  يكتب: باسمك اللهم فلما نزل في سورة هود بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها [هود: 41] كتب: بسم الله فلما نزل في سُورَةِ بَنِي إسْرَائِيلَ قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ [الإسراء: 110] كتب بسم الله الرحمن فلما نزل في سورة النمل إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [النمل: 30] كتب: بسم الله الرحمن الرحيم.

ففي هذا الخبر دليل على أنه ليس من أول كل سورة، ولكنه بعض آية من كتاب الله تعالى من سورة النمل.

فأما تفسير قوله: بِسْمِ اللَّهِ، يعني: بدأت باسم الله، ولكن لم يذكر بدأت، لأن الحال ينبئ أنك مبتدئ فيستغنى عن ذكره.

وأصله: باسم الله بالألف، ولكن حذفت من الاسم لكثرة الاستعمال، لأنها ألف وصل، وليست بأصلية، بدليل أنها تسقط عند التصغير، فتقول سميّ.

وقال بعضهم: معنى قوله بِسْمِ اللَّهِ، يعني: بدأت بعون الله وتوفيقه وبركته، وهذا تعليم من الله تعالى لعباده، ليذكروا اسم الله تعالى عند افتتاح القراءة وغيرها، حتى يكون الافتتاح ببركة اسم الله تعالى.

وقوله اللَّهِ هو اسم موضوع ليس له اشتقاق، وهو أجلّ من أن يذكر له الاشتقاق، وهو قول الكسائي.

قال أبو الليث رحمه الله: هكذا سمعت أبا جعفر يقول: روي عن محمد بن الحسن أنه قال: هو اسم موضوع ليس له اشتقاق.

وروي عن الضحاك أنه قال: إنّما سمي اللَّهِ إلها، لأن الخلق يولهون إليه في قضاء حوائجهم، ويتضرعون إليه عند شدائدهم.

وذكر عن الخليل بن أحمد البصري أنه قال: لأن الخلق يألهون إليه، بنصب اللام، ويألهون بكسر اللام أيضا، وهما لغتان وقيل أيضا: إنه اشتق من الارتفاع.

وكانت العرب تقول للشيء المرتفع «لاه» ، وكانوا يقولون إذا طلعت الشمس: طلعت لاهة، غربت لاهة وقيل أيضا: إنما سمي اللَّهِ، لأنه لا تدركه الأبصار، «ولاه» معناه احتجب كما قال القائل: لاه ربّي عن الخلائق طرّا ...

خالق الخلق لا يرى ويرانا وقيل أيضا: سمي اللَّهِ لأنه يوله قلوب العباد بحبه.

وأما «الرحمن» فالعاطف على جميع خلقه بالرزق لهم، ولا يزيد في رزق التقيّ لأجل تقاه، ولا ينقص من رزق الفاجر لأجل فجوره.

وما كان في لغة العرب على ميزان «فعلان» يراد به المبالغة في وصفه، كما يقال: شبعان، وغضبان، إذا امتلأ غضبا.

فلهذا سمى نفسه رحمانا، لأن رحمته وسعت كل شيء، فلا يجوز أن يقال لغير الله تعالى «الرحمن» ، لأن هذا الوصف لا يوجد في غيره.

وأما «الرحيم» فالرفيق بالمؤمنين خاصة، يستر عليهم ذنوبهم في الدنيا، ويرحمهم في الآخرة، ويدخلهم الجنة.

وقيل أيضا: إنما سمى نفسه رحيما، لأنه لا يكلف عباده جميع ما يطبقون، وكل ملك يكلف عباده جميع ما يطيقون، فليس برحيم.

وروي عن علي بن أبي طالب  أنه قال في قوله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ قال: اسمه شفاء من كل داء، وعون على كل دواء.

وأما الرحمن فهو عون لمن آمن به، وهو اسم لم يسم به غيره.

وأما «الرحيم» فلمن تاب وآمن وعمل صالحاً.

وقد فسره بعضهم على الحروف، وروى عبد الرحمن المديني، عن عبد الله بن عمر: أن عثمان بن عفان-  م- سأل  عن تفسير بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فقال: أما الباء: فبلاء الله وروحه، ونصره وبهاؤه وأما السين: فسناء الله، وأما الميم: فملك الله وأما الله: فلا إله غيره وأما الرحمن: فالعاطف على البر والفاجر من خلقه وأما الرحيم: فالرفيق بالمؤمنين خاصة.

وروي عن كعب الأحبار أنه قال: الباء، بهاؤه، والسين: سناؤه ولا شيء أعلى منه، والميم: ملكه، وَهُوَ على كُلّ شَىْء قدير، فلا شيء يعازه.

وقد قيل: إن كل حرف هو افتتاح اسم من أسمائه فالباء: مفتاح اسمه بصير، والسين: مفتاح اسمه سميع، والميم: مفتاح اسمه ملك، والألف: مفتاح اسمه الله، واللام: مفتاح اسمه لطيف، والهاء: مفتاح اسمه هادي، والراء: مفتاح اسمه رزاق، والحاء: مفتاح اسمه حليم، والنون: مفتاح اسمه نور.

ومعنى هذا كله: دعاء الله عند الافتتاح.

سبع آيات مدنية روي عن مجاهد أنه قال: سورة فاتحة الكتاب مدنية، وروى أبو صالح عن ابن عباس أنه قال: هي مكية.

ويقال: نصفها نزل بمكة ونصفها نزل بالمدينة.

حدثنا الحاكم أبو الفضل، محمد بن الحسين الحدادي قال: حدثنا أبو حامد المروزي قال: حدثنا إبراهيم بن مرزوق قال: حدثنا عمر بن يونس قال: حدثنا جهضم بن عبد الله بن العلاء عن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة-  - قال: قال رسول الله  : «إنَّ فِي كِتَابِ الله لَسُورَةً مَا أَنْزَلَ الله عَلَى نَبِيٍ مِثْلَهَا، فسأله أبي بن كعب عنها فقال: إنِّي لأرْجُو أنْ لا تَخْرُجَ مِنَ البَابِ حَتَّى تَعْلَمَهَا، فجعلتُ أتبطَّأ، ثم سأله أبيٌّ عنها فقال: كَيْفَ تَقْرَأُ فِي صَلاتِكَ؟

قال: بأمِّ الكتاب.

فقال: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا أُنْزِلَ فِي التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ وَالقُرْآنِ مِثْلُهَا، وَإنَّهَا السَّبْعُ المَثَانِي وَالقُرآنُ العَظِيمُ الَّذِي أُعْطِيتُهُ» وقال بعضهم: السبع المثاني، هي السبع الطوال سورة: البقرة، وآل عمران، والخمس التي بعدها، وسماها مثاني لذكر القصص فيها مرتين.

وقال أكثر أهل العلم: هي سورة الفاتحة وإنما سميت السبع، لأنها سبع آيات وإنما سميت المثاني، لأنها تثنى بقراءتها في كل صلاة.

وقال: حدثنا أبي قال: حدّثنا أبو عبد الله، محمد بن حامد الخزعوني قال: حدّثنا علي بن إسحاق قال: حدثنا محمد بن مروان، عن محمد بن السائب الكلبي، عن أبي صالح، مولى أم هانئ، عن ابن عباس-  ما- في قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ قال: الشكر لله.

ومعنى قول ابن عباس: الشكر لله، يعني الشكر لله على نعمائه كلها وقد قيل: (الحمد لله) يعني الوحدانية لله.

وقد قيل: الألوهية لله.

وروي عن قتادة أنه قال: معناه الحمد لله، الذى لم يجعلنا من المغضوب عليهم ولا الضالين.

ثم معنى قوله (الحمد لله) قال بعضهم: «قل» فيه مضمر يعني: قُلِ: الحمد لِلَّهِ.

وقال بعضهم: حمد الرب نفسه، ليعلم عباده فيحمدوه.

وقال أهل اللغة: الحمد هو الثناء الجميل، وحمد الله تعالى هو: الثناء عليه بصفاته الحسنى، وبما أنعم على عباده، ويكون في الحمد معنى الشكر وفيه معنى المدح وهو أعم من الشكر، لأن الحمد يوضع موضع الشكر، ولا يوضع الشكر موضع الحمد.

وقال بعضهم: الشكر أعم، لأنه باللسان وبالجوارح وبالقلب، والحمد يكون باللسان خاصة.

كما قال اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً [سبأ: 13] .

وروي عن ابن عباس أنه قال: الحمد لله كلمة كل شاكر، وذلك إن آدم  ، قال حين عطس: الحمد لله فقال الله تعالى: يرحمك الله، فسبقت رحمته غضبه.

وقال الله تعالى لنوح: فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [المؤمنون: 28] وقال إبراهيم-  -: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ [إبراهيم: 39] وقال في قصة داود وسليمان: وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ [النمل: 15] وقال لمحمد-  -: وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً [الإسراء: 111] وقال أهل الجنة: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ [فاطر: 34] فهي كلمة كل شاكر.

وقوله تعالى: رَبِّ الْعالَمِينَ قال ابن عباس-  ما-: سيد العالمين.

وهو رب كل ذي روح تدب على وجه الأرض.

ويقال: معنى قوله رَبِّ الْعالَمِينَ: خالق الخلق ورازقهم ومربيهم ومحولهم من حال إلى حال، من نطفة إلى علقة، ومن علقة إلى مضغة.

والرب في اللغة: هو السيد قال الله تعالى: ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ [يوسف: 50] ، يعني إلى سيدك.

والربّ: هو المالك يقال: ربّ الدار، وربّ الدابة والرب هو المربي من قولك: ربى يربي.

وقوله: (العالمين) كل ذي روح ويقال: كل من كان له عقل يخاطب، مثل بني آدم والملائكة والجن، ولا يقع على البهائم ولا على غيرها.

وروي عن رسول الله  أنه قال: «إن لله تَعَالَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ ألْفَ عَالَمٍ، وَإنَّ دُنْيَاكُمْ مِنْهَا عَالَمٌ وَاحِدٌ» ويقال: كل صنف من الحيوان عالم على حده.

قوله عَزَّ وَجَلَّ: الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قال في رواية الكلبي: هما اسمان رقيقان، أحدهما أرق من الآخر.

وقال بعض أهل اللغة: هذا اللفظ شنيع، فلو قال: هما اسمان لطيفان، لكان أحسن ولكن معناه عندنا- والله أعلم- أنه أراد بالرقة الرحمة، يقال: رق فلان لفلان إذا رحمه.

يقال: رق يرق إذا رحم.

وقوله: أحدهما أرق من الآخر قال بعضهم: الرحمن أرق، لأنه أبلغ في الرحمة لأنه يقع على المؤمنين والكافرين وقال بعضهم: الرحيم أرق، لأنه في الدنيا وفي الآخرة.

وقال بعضهم: كل واحد منهما أرق من الآخر من وجه، فلهذا المعنى لم يبين، وقال: أحدهما أرق من الآخر، يعني كل واحد منهما أرق من الآخر.

قوله تعالى: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ قرأ نافع وابن كثير وحمزة وأبو عمرو بن العلاء وابن عامر: ملك بغير الألف، وقرأ عاصم والكسائي بالألف.

فأما من قرأ بالألف قال: لأن المالك أبلغ في الوصف، لأنه يقال: مالك الدار، ومالك الدابة، ولا يقال ملك: إلا لملك من ملوك.

وأما الذي قرأ: ملك بغير ألف قال: «لأن الملك أبلغ في الوصف، لأنك إذا قلت: فلان ملك هذه البلدة، يكون ذلك كناية عن الولاية دون الملك وإذا قلت فلان مالك هذه البلدة، كان ذلك عبارة عن ملك الحقيقة.

وروى مالك بن دينار عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله  وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي يفتتحون الصلاة ب الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ وكلهم يقرءون مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ بالألف.

قال الفقيه- رحمه الله-: سمعت أبي يحكي بإسناده عن أبي عبد الله، محمد بن شجاع البلخي يقول: كنت أقرأ بقراءة الكسائي مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ بالألف، فقال لي بعض أهل اللغة: الملك أبلغ في الوصف، فأخذت بقراءة حمزة وكنت أقرأ ملك يَوْمِ الدين، فرأيت في المنام كأنه أتاني آت فقال لي: لم حذفت الألف من مالك؟

أما بلغك الخبر عن رسول الله  أنه قال: «اقرءوا القُرْآنَ فَخْماً مُفَخَّماً» ، فلم أترك القراءة ب: «ملك» حتى أتاني بعد ذلك آت في المنام فقال لي: لم حذفت الألف من مالك؟

أما بلغك عن رسول الله  أنه قال: من قرأ القُرْآنَ فَلَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ عَشْرُ حَسَناتٍ، فَلِمَ نقّصت من حسناتك عشراً في كل قراءة؟

فلما أصبحت، أتيت قطرباً- وكان إماماً في اللغة- فقلت له: ما الفرق بين ملك ومالك؟

فقال: بينهما فرق كثير.

فأما ملك فهو ملك من الملوك، وأما مالك فهو مالك الملوك.

فرجعت إلى قراءة الكسائي.

ثم معنى قوله «مالك» يعني: قاضي وحاكم يَوْمِ الدِّينِ يعني: يوم الحساب كما قال تعالى: ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ [التوبة: 36 وغيرها] ، يعني الحساب القيم.

وقيل أيضاً: معنى يَوْمُ الدين، يعني يوم القضاء.

كما قال تعالى: مَا كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ [يوسف: 76] يعني: في قضائه وقيل أيضاً: يوم الدين أي يوم الجزاء، كما يقال: كما تدين تدان، يعني كما تجازي تجازى به.

فإن قيل: ما معنى تخصيص يوم الدين؟

وهو مالك يوم الدين وغيره، قيل له: لأن في الدنيا، كانوا منازعين له في الملك، مثل فرعون ونمرود وغيرهما.

وفي ذلك اليوم لا ينازعه أحد في ملكه، وكلهم خضعوا له.

كما قال تعالى: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ [غافر: 16] فأجاب جميع الخلق لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ [الرعد: 16، وغيرها] فكذلك هاهنا.

قال: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ يعني في ذلك اليوم لا يكون مالك، ولا قاض، ولا مجاز غيره.

قوله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ هو تعليم علم المؤمنين كيف يقولون، إذا قاموا بين يديه في الصلاة، فأمرهم بأن يذكروا عبوديتهم وضعفهم، حتى يوفقهم ويعينهم فقال إِيَّاكَ نَعْبُدُ أي نوحد ونطيع.

وقال بعضهم إِيَّاكَ نَعْبُدُ يعني إياك نطيع طاعة نخضع فيها لك.

وقوله تعالى: وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ يقول: بك نستوثق على عبادتك وقضاء الحقوق.

وفي هذا دليل على أن الكلام قد يكون بعضه على وجه المغايبة وبعضه على وجه المخاطبة، لأنه افتتح السورة بلفظ المغايبة وهو قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ ثم ذكر بلفظ المخاطبة، فقال: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ وهذا كما قال في آية أخرى هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ [يونس: 22] فذكر بلفظ المخاطبة، ثم قال: وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها [يونس: 22] هذا ذكر على المغايبة ومثل هذا في القرآن كثير.

قوله تعالى: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ رويت القراءتان عن ابن كثير أنه قرأ «السراط» بالسين، وروي عن حمزة أنه قرأ بالزاي، وقرأ الباقون بالصاد وكل ذلك جائز، لأن مخرج السين والصاد واحد، وكذلك الزاي مخرجه منهما قريب، والقراءة المعروفة بالصاد قال ابن عباس  ما: اهْدِنَا يعني أرشدنا، الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ وهو الإسلام فإن قيل: أليس هو الطريق المستقيم؟

وهو الإسلام فما معنى السؤال؟

قيل له: الصراط المستقيم، هو الذي ينتهي بصاحبه إلى المقصود.

فإنما يسأل العبد ربه أن يرشده إلى الثبات على الطريق الذي ينتهي به إلى المقصود، ويعصمه من السبل المتفرقة.

وقد روي عن عبد الله بن مسعود-  - أنه قال: خط لي رسول الله  خطاً مستقيماً، وخط بجنبه خطوطاً، ثم قال: إن هذا الصراط المستقيم وهذه السبل، وعلى رأس كل طريق شيطان يدعو إليه ويقول: هلم إلى الطريق.

وفي هذا نزلت هذه الآية وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [الأنعام: 153] فلهذا قال: اهدنا الصراط المستقيم واعصمنا من السبل المتفرقة.

قال الكلبي: أمتنا على دين الإسلام.

وروي عن علي بن أبي طالب-  - أنه قال: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ يعني ثبتنا عليه.

ومعنى قول علي: ثبتنا عليه.

يعني احفظ قلوبنا على ذلك، ولا تقلبها بمعصيتنا.

وهذا موافق لقول الله تعالى: وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً [الفتح: 2] فكذلك هاهنا.

قوله تعالى: صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ يعني طريق الذين مننت عليهم، فحفظت قلوبهم على الإسلام حتى ماتوا عليه.

وهم أنبياؤه وأصفياؤه وأولياؤه.

فامنن علينا كما مننت عليهم.

أخبرنا الفقيه، أبو جعفر قال: حدثنا أبو بكر، أحمد بن محمد بن سهل، القاضي قال: حدثنا أحمد بن جرير قال: حدثنا عمر بن إسماعيل بن مجالد قال: حدثنا هشام بن القاسم قال: حدثنا حمزة بن المغيرة، عن عاصم، عن أبي العالية في قوله تعالى: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ قال: هو النبي  وصاحباه من بعده أبو بكر- وعمر  ما- قال عاصم: فذكرت ذلك للحسن البصري فقال: صدق والله أبو العالية ونصح.

وقوله تعالى: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ أي غير طريق اليهود.

يقول: لا تخذلنا بمعصيتنا، كما خذلت اليهود فلم تحفظ قلوبهم، حتى تركوا الإسلام.

وَلَا الضَّالِّينَ يعني ولا النصارى، لم تحفظ قلوبهم وخذلتهم بمعصيتهم حتى تنصروا.

وقد أجمع المفسرون أن المغضوب عليهم أراد به اليهود، والضالين أراد به النصارى، فإن قيل: أليس النصارى من المغضوب عليهم؟

واليهود أيضاً من الضالين؟

فكيف صرف المغضوب إلى اليهود، وصرف الضالين إلى النصارى؟

قيل له: إنّما عرف ذلك بالخبر واستدلالاً بالآية.

فأما الخبر، فما روي عن رسول الله  أن رجلاً سأله وهو بوادي القرى: من المغضوب عليهم؟

قال: اليهود قال: ومن الضالين؟

فقال: النصارى وأما الآية، فلأن الله تعالى قال في قصة اليهود: فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ [البقرة: 90] وقال تعالى في قصة النصارى: قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ [المائدة: 77] .

«آمين» ليس من السورة.

ولكن روي عن النبيّ  أنه كان يقوله ويأمر به، ومعناه ما قال ابن عباس: يعني كذلك يكون.

وروي عن مجاهد أنه قال: هو اسم ن أسماء الله تعالى ويكون معناه: يا الله استجب دعاءنا.

وقال بعضهم: هي لغة بالسريانية.

وروي عن النبيّ  أنه قال: مَا حَسَدَتْكُمْ اليَهُودُ فِي شَيْءٍ، كَحَسَدِهِمْ فِي «آمين» خَاتَمِ رَبِّ العَالَمِينَ، يَخْتِمُ بِهِ دُعَاءَ عِبَادِهِ المُؤْمِنِينَ.

وقال مقاتل: هو قوة للدعاء واستنزال للرحمة.

وروى الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس-  ما-: سألت رسول الله  ما معنى آمين؟

قال: رَبِّ افْعَلْ.

ويقال: فيه لغتان «أمين» بغير مد، و «آمين» بالمد، ومعناهما واحد، وقد جاء في أشعارهم كلا الوجهين.

قال القائل: تَبَاعَدَ عَنِّي فُطْحُلٌ إِذْ دَعَوْتُه ...

آمِينَ فَزَادَ الله مَا بَيْنَنَا بُعْدَا وقال الآخر: يَا رَبِّ لا تَسْلُبَنِّي حُبَّهَا أَبَدَا ...

وَيَرْحَمُ الله عَبْداً قَالَ: آمِينَا وصلى الله على سيدنا محمد.

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

ت: ونحو حديث أبيّ حديث أبي سعيد بن المعلّى «١» إذ قال له صلّى الله عليه وسلم: «ألا أعلّمك أعظم سورة في القرآن الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ هي السّبع المثاني، والقرآن العظيم الّذي أوتيته» .

رواه البخاري، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجة.

انتهى من «سلاح المؤمن» تأليف الشيخ المحدّث أبي الفتح تقي الدّين محمّد بن علي بن همام «٢» - رحمه الله-.

الحَمْدُ: معناه الثناء الكاملُ، والألف واللام فيه لاِستغراقِ الجنس من المحامد، وهو أعم من الشكر لأنَّ الشكر إنما يكون على فِعْلٍ جميل يسدى إِلى الشاكر، والحمد المجرَّد هو ثناء بصفات المحمود.

قال ص «٣» : وهل الحمدُ بمعنى الشكْر أو الحمدُ أَعمُّ، أو الشكر ثناءٌ على اللَّه بأفعاله، والحمد ثناء عليه بأوصافه؟

ثلاثةُ أقوال.

انتهى.

قال الطبريُّ «٤» : الحمدُ لِلَّهِ: ثناءٌ أثنى به على نفسه تعالى، وفي ضمنه أمر عباده أن يثنوا به عليه فكأنه قال: قولوا: الحمد للَّه/، وعلى هذا يجيء: قولوا: إِيَّاكَ، واهْدِنَا.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

* فَصْلٌ في ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ قالَ ابْنُ عُمَرَ: نَزَلَتْ في كُلِّ سُورَةٍ.

وَقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ: هَلْ هي آيَةٌ كامِلَةٌ، أمْ لا؟

وفِيهِ [عَنْ ] أحْمَدَ رِوايَتانِ.

واخْتَلَفُوا: هَلْ هي مِنَ الفاتِحَةِ، أمْ لا؟

فِيهِ عَنْ أحْمَدَ رِوايَتانِ أيْضًا.

فَأُمًّا مَن قالَ: إنَّها مِنَ الفاتِحَةِ، فَإنَّهُ يُوجِبُ قِراءَتَها في الصَّلاةِ إذا قالَ بِوُجُوبِ الفاتِحَةِ، وأمّا مَن لَمْ يَرَها مِنَ الفاتِحَةِ فَإنَّهُ يَقُولُ: قِراءَتُها في الصَّلاةِ سُنَّةٌ.

ما عَدا مالِكًا فَإنَّهُ لا يَسْتَحِبُّ قِراءَتَها في الصَّلاةِ.

واخْتَلَفُوا في الجَهْرِ بِها في الصَّلاةِ فِيما يَجْهَرُ بِهِ، فَنَقَلَ جَماعَةٌ عَنْ أحْمَدَ: أنَّهُ لا يُسَنُّ الجَهْرُ بِها، وهو قَوْلُ أبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ، وعُثْمانَ، وعَلِيِّ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وعَمّارِ بْنِ ياسِرٍ، وابْنِ مُغَفَّلٍ، وابْنِ الزُّبَيْرِ، وابْنِ عَبّاسٍ، وقالَ بِهِ مِن كُبَراءِ التّابِعِينَ ومَن بَعْدَهُمُ: الحَسَنُ، والشَّعْبِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وإبْراهِيمُ، وقَتادَةُ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، والأعْمَشُ، وسُفْيانُ الثَّوْرِيُّ، ومالِكٌ، وأبُو حَنِيفَةَ، وأبُو عَبِيدٍ في آَخَرِينَ.

وَذَهَبَ الشّافِعِيُّ إلى أنَّ الجَهْرَ مَسْنُونٌ، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ أبِي سُفْيانَ، وعَطاءٍ، وطاوُوسٍ، ومُجاهِدٍ.

فَأُمًّا تَفْسِيرُها: فَقَوْلُهُ "بِسْمِ اللَّهِ" اخْتِصارٌ، كَأنَّهُ قالَ: أبْدَأُ بِسْمِ اللَّهِ أوْ: بَدَأْتُ بِاسْمِ اللَّهِ.

وَفِي الِاسْمِ خَمْسُ لُغاتٍ: "إسْمٌ" بِكَسْرِ الألِفِ، و"أُسْمٌ" بِضَمِّ الألِفِ إذا ابْتَدَأْتَ بِها، و"سِمٌ" بِكَسْرِ السِّينِ، و"سُمٌ" بِضَمِّها، و"سَمًا" .

قالَ الشّاعِرُ: واللَّهُ أسْماكَ سُمًا مُبارَكًا آَثَرَكَ اللَّهُ بِهِ إيثارَكا وَأنْشَدُوا: بِاسْمِ الَّذِي في كُلِّ سُورَةٍ سِمُهُ قالَ الفَرّاءُ: بَعْضُ قَيْسٍ [يَقُولُونَ ] "سِمُهُ"، يُرِيدُونَ: اسْمَهُ، وبَعْضُ قُضاعَةَ يَقُولُونَ: سُمُهُ.

أنْشَدَنِي بَعْضُهُمْ: وعامُنا أعْجَبَنا مُقَدِّمُهُ ∗∗∗ يُدْعى أبا السَّمْحِ وقِرْضابٌ سُمُهُ والقِرْضابُ: القِطاعُ، يُقالُ: سَيْفٌ قِرْضابٌ.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ في اسْمِ اللَّهِ الَّذِي هو "اللَّهُ": فَقالَ قَوْمٌ: إنَّهُ مُشْتَقٌّ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ عِلْمٌ لَيْسَ بِمُشْتَقٍّ.

وَفِيهِ عَنَ الخَلِيلِ رِوايَتانِ.

إحْداهُما: أنَّهُ لَيْسَ بِمُشْتَقٍّ، ولا يَجُوزُ حَذْفُ الألِفِ واللّامِ مِنهُ كَما يَجُوزُ مِنَ الرَّحْمَنِ.

والثّانِيَةُ: رَواها عَنْهُ سِيبَوَيْهِ: أنَّهُ مُشْتَقٌّ.

وَذَكَرَ أبُو سُلَيْمانَ الخَطّابِيُّ عَنْ بَعْضِ العُلَماءِ أنَّ أصْلَهُ في الكَلامِ مُشْتَقٌّ مِن: ألَهَ الرَّجُلُ يَأْلَهُ: إذا فَزِعَ إلَيْهِ مِن أمْرٍ نَزَلَ بِهِ.

فَألَهَ، أيْ: أجارَهُ وأمِنَهُ، فَسُمِّيَ إلَهًا كَما يُسَمّى الرَّجُلُ إمامًا.

وَقالَ غَيْرُهُ: أصْلُهُ ولّاهُ.

فَأُبْدِلَتِ الواوُ هَمْزَةً فَقِيلَ: إلَهٌ كَما قالُوا: وِسادَةٌ وإسادَةٌ، ووِشاحٌ وإشاحٌ.

واشْتُقَّ مِنَ الوَلَهِ، لِأنَّ قُلُوبَ العِبادِ تُوَلَّهُ نَحْوَهُ.

كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ إذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإلَيْهِ تَجْأرُونَ  ﴾ .

وَكانَ القِياسُ أنْ يُقالَ: مَأْلُوهٌ، كَما قِيلَ: مَعْبُودٌ، إلّا أنَّهم خالَفُوا بِهِ البِناءَ لِيَكُونَ عِلْمًا، كَما قالُوا لِلْمَكْتُوبِ: كِتابٌ، ولِلْمَحْسُوبِ: حِسابٌ.

وَقالَ بَعْضُهُمْ: أصْلُهُ مِن: ألَهَ الرَّجُلُ يَأْلَهُ إذا تَحَيَّرَ؛ لِأنَّ القُلُوبَ تَتَحَيَّرُ عِنْدَ التَّفَكُّرِ في عَظَمَتِهِ.

وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِ اللُّغَوِيِّينَ: ألَهَ الرَّجُلُ يَأْلَهُ إلاهَةً، بِمَعْنى: عَبَدَ يَعْبُدُ عِبادَةً.

وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: ﴿ وَيَذَرَكَ وآلِهَتَكَ  ﴾ أيْ: عِبادَتُكَ.

قالَ: والتَّألُّهُ: التَّعَبُّدُ.

قالَ رُؤْبَةُ: لِلَّهِ دَرُّ الغانِياتِ المَدَّهْ ∗∗∗ سَبَّحْنَ واسْتَرْجَعْنَ مَن تَأْلِهِي فَمَعْنى الإلَهُ: المَعْبُودُ.

فَأمّا "الرَّحْمَنُ": فَذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الرَّحْمَةِ، مَبْنِيٌّ عَلى المُبالَغَةِ، ومَعْناهُ: ذُو الرَّحْمَةِ الَّتِي لا نَظِيرَ لَهُ فِيها.

وَبِناءُ فِعْلانِ في كَلامِهِمْ لِلْمُبالَغَةِ، فَإنَّهم يَقُولُونَ لِلشَّدِيدِ الِامْتِلاءِ: مَلْآَنُ، ولِلشَّدِيدِ الشِّبَعِ: شَبْعانُ.

قالَ الخَطّابِيُّ: فِـ "الرَّحْمَنُ": ذُو الرَّحْمَةِ الشّامِلَةِ الَّتِي وسِعَتِ الخَلْقَ في أرْزاقِهِمْ ومَصالِحِهِمْ، وعَمَّتِ المُؤْمِنَ والكافِرَ.

وَ"الرَّحِيمُ": خاصٌّ لِلْمُؤْمِنِينَ.

قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَكانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا  ﴾ .

والرَّحِيمُ: بِمَعْنى الرّاحِمِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

القَوْلُ في تَفْسِيرِ ﴿ بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ ﴾ رُوِيَ عن جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصادِقِ، رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: البَسْمَلَةُ تِيجانُ السُوَرِ.

ورُوِيَ «أنَّ رَجُلًا قالَ بِحَضْرَةِ النَبِيِّ  : تَعِسَ الشَيْطانُ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ  : لا تَقُلْ ذَلِكَ؛ فَإنَّهُ يَتَعاظَمُ عِنْدَهُ، ولَكِنْ قُلْ: بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ؛ فَإنَّهُ يَصْغُرُ حَتّى يَصِيرَ أقَلَّ مِن ذُبابٍ».

وقالَ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ رَضِيَ اللهُ عنهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ في القُرْآنِ وحْدَهُ ولَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ نُفُورًا  ﴾ قالَ: مَعْناهُ: إذا قُلْتَ: (بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ).

ورُوِيَ عن جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أنَّ النَبِيَّ  قالَ لَهُ: «كَيْفَ تَفْتَتِحُ الصَلاةَ يا جابِرُ ؟

قالَ: بِالحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.

قالَ: "قُلْ: بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ".» ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ أنَّ النَبِيَّ  قالَ: " «أتانِي جِبْرِيلُ، فَعَلَّمَنِي الصَلاةَ، فَقَرَأ: بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ، -يَجْهَرُ بِها-".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذانِ الحَدِيثانِ يَقْتَضِيانِ أنَّها آيَةٌ مِنَ الحَمْدِ، ويَرُدُّ ذَلِكَ حَدِيثُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ الصَحِيحُ؛ إذْ قالَ لَهُ النَبِيُّ  : «هَلْ لَكَ ألّا تَخْرُجَ مِنَ المَسْجِدِ حَتّى تَعْلَمَ سُورَةً ما أُنْزِلَ في التَوْراةِ ولا في الإنْجِيلِ ولا في الفُرْقانِ مِثْلُها"؟

قالَ: فَجَعَلْتُ أُبْطِئُ في المَشْيِ رَجاءَ ذَلِكَ، فَقالَ لِي: كَيْفَ تَقْرَأُ إذا افْتَتَحْتَ الصَلاةَ؟

قالَ: فَقَرَأْتُ: ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ حَتّى أتَيْتُ عَلى آخِرِها.» ويَرُدُّهُ الحَدِيثُ الصَحِيحُ: «يَقُولُ اللهُ تَعالى: قَسَمْتُ الصَلاةَ بَيْنِي وبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، يَقُولُ العَبْدُ: ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ ».

ويَرُدُّهُ أنَّهُ لَمْ يُحْفَظْ عَنِ النَبِيِّ  ، ولا عن أبِي بَكْرٍ، ولا عن عُمَرَ، ولا عُثْمانَ، رَضِيَ اللهُ عنهم أنَّهم قَرَءُوا في صَلاتِهِمْ: «بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ».

ويَرُدُّهُ عَدَدُ آياتِ السُورَةِ؛ لِأنَّ الإجْماعَ أنَّها سَبْعُ آياتٍ إلّا ما رُوِيَ عن حُسَيْنٍ الجُعْفِيِّ أنَّها سِتُّ آياتٍ، وهَذا شاذٌّ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وكَذَلِكَ رُوِيَ عن عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ أنَّهُ جَعَلَ ﴿ إيّاكَ نَعْبُدُ ﴾ آيَةً، فَهي عَلى عَدِّهِ ثَمانِي آياتٍ، وهَذا أيْضًا شاذٌّ.

وقَوْلُ اللهِ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي  ﴾ هو الفَصْلُ في ذَلِكَ.

والشافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ يَعُدُّ: (بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ) آيَةً مِنَ الحَمْدِ، وكَثِيرٌ مِن قُرّاءِ مَكَّةَ والكُوفَةِ، ولا يَعُدُّونَ ﴿ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ﴾ .

ومالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ، وأبُو حَنِيفَةَ، وجُمْهُورُ الفُقَهاءِ والقُرّاءُ لا يَعُدُّونَ البَسْمَلَةَ آيَةً.

والَّذِي يَحْتَمِلُهُ عِنْدِي حَدِيثُ جابِرٍ، وأبِي هُرَيْرَةَ -إذا صَحّا- أنَّ النَبِيَّ  رَأى قِراءَةَ جابِرٍ وحِكايَتَهُ أمْرَ الصَلاةِ قِراءَةً في غَيْرِ الصَلاةِ عَلى جِهَةِ التَعَلُّمِ، فَأمَرَهُ بِالبَسْمَلَةِ لِهَذا، لا لِأنَّها آيَةٌ، وكَذَلِكَ في حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ رَآها قِراءَةَ تَعْلِيمٍ، ولَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ مَعَ أُبَيٍّ لِأنَّهُ قَصَدَ تَخْصِيصَ السُورَةِ، ووَسَمَها مِنَ الفَضْلِ بِما لَها، فَلَمْ يُدْخِلْ مَعَها ما لَيْسَ مِنها، ولَيْسَ هَذا القَصْدُ في حَدِيثِ جابِرٍ وأبِي هُرَيْرَةَ، واللهُ أعْلَمُ.

وقالَ ابْنُ المُبارَكِ: إنَّ البَسْمَلَةَ آيَةٌ في أوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ، وهَذا قَوْلٌ شاذٌّ رَدَّ الناسُ عَلَيْهِ.

ورَوى الشَعْبِيُّ والأعْمَشُ «أنَّ رَسُولَ اللهِ  كانَ يَكْتُبُ «بِاسْمِكَ اللهُمَّ»، حَتّى أُمِرَ أنْ يَكْتُبَ: «بِسْمِ اللهِ» فَكَتَبَها.

فَلَمّا نَزَلَتْ: ﴿ قُلِ ادْعُوا اللهَ أوِ ادْعُوا الرَحْمَنَ  ﴾ كَتَبَ: «بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ».

فَلَمّا نَزَلَتْ: ﴿ إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ  ﴾ كَتَبَها،» ورَوى عَمْرُو بْنُ شُرَحْبِيلٍ: «أنَّ جِبْرِيلَ أوَّلَ ما جاءَ النَبِيَّ عَلَيْهِ السَلامُ قالَ لَهُ: قُلْ: "بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ"»، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ بِهِ جِبْرِيلُ: "بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ"، وفي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ خَدِيجَةَ، وحَمْلِها رَسُولَ اللهِ  إلى ورَقَةَ، «أنَّ جِبْرِيلَ قالَ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِما السَلامُ: قُلْ: "بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ" فَقالَها: فَقالَ: اقْرَأْ، قالَ: ما أنا بِقارِئٍ»...

الحَدِيثَ.

والبَسْمَلَةُ تِسْعَةَ عَشَرَ حَرْفًا.

فَقالَ بَعْضُ الناسِ: إنَّ رِوايَةً بَلَغَتْهم أنَّ مَلائِكَةَ النارِ الَّذِينَ قالَ اللهُ فِيهِمْ: ﴿ عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ  ﴾ إنَّما تَرَتَّبَ عَدَدُهم عَلى حُرُوفِ بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ، لِكُلِّ حَرْفٍ مَلَكٌ، وهم يَقُولُونَ في كُلِّ أفْعالِهِمْ: "بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ" فَمِن هُنالِكَ هي قُوَّتُهُمْ، وبِاسْمِ اللهِ اسْتَضْلَعُوا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ مِن مِلَحِ التَفْسِيرِ، ولَيْسَتْ مِن مَتِينِ العِلْمِ، وهي نَظِيرُ قَوْلِهِمْ في لَيْلَةِ القَدْرِ: إنَّها لَيْلَةُ سَبْعٍ وعِشْرِينَ، مُراعاةً لِلَفْظَةِ (هِيَ) في كَلِماتِ سُورَةِ: (إنّا أنْزَلْناهُ)، ونَظِيرُ قَوْلِهِمْ في عَدَدِ المَلائِكَةِ الَّذِينَ ابْتَدَرُوا قَوْلَ القائِلِ: "رَبَّنا ولَكَ الحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبارَكًا فِيهِ"، فَإنَّها بِضْعَةٌ وثَلاثُونَ حَرْفًا، قالُوا: فَلِذَلِكَ قالَ النَبِيُّ  : «لَقَدْ رَأيْتُ بِضْعَةً وثَلاثِينَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَها أيُّهم يَكْتُبُها أوَّلَ».

والباءُ فِي: بِسْمِ اللهِ مُتَعَلِّقَةٌ عِنْدَ نُحاةِ البَصْرَةِ بِاسْمٍ تَقْدِيرُهُ: ابْتِداءٌ مُسْتَقِرٌّ أو ثابِتٌ بِسْمِ اللهِ.

وعِنْدَ نُحاةِ الكُوفَةِ بِفِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: ابْتَدَأْتُ "بِسْمِ اللهِ"، فَ: "بِسْمِ اللهِ" في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، وفي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ، كَذا أطْلَقَ القَوْلَ قَوْمٌ، والظاهِرُ مِن مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ: أنَّ الباءَ مُتَعَلِّقَةٌ بِاسْمٍ كَما تَقَدَّمَ، و"بِسْمِ اللهِ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ مُتَعَلِّقَةٌ بِثابِتٍ أو مُسْتَقِرٍّ بِمَنزِلَةِ "فِي الدارِ" مِن قَوْلِكَ: (زَيْدٌ في الدارِ)، وكُسِرَتْ باءُ الجَرِّ لِيُناسِبَ لَفْظُها عَمَلَها، أو لِكَوْنِها لا تَدْخُلُ إلّا عَلى الأسْماءِ، فَخُصَّتْ بِالخَفْضِ الَّذِي لا يَكُونُ إلّا في الأسْماءِ، ولِيُفَرَّقَ بَيْنَها وبَيْنَ ما قَدْ يَكُونُ مِنَ الحُرُوفِ اسْمًا نَحْوَ (الكافِ) في قَوْلِ الأعْشى: أتَنْتَهُونَ ولا يَنْهى ذَوِي شَطَطٍ كالطَعْنِ يَذْهَبُ فِيهِ الزَيْتُ والفَتْلُ وحُذِفَتِ الألِفُ مِن "بِسْمِ اللهِ" في الخَطِّ اخْتِصارًا وتَخْفِيفًا لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، واخْتَلَفَ النُحاةُ إذا كُتِبَ "بِاسْمِ الرَحْمَنِ، وبِاسْمِ القاهِرِ" فَقالَ الكِسائِيُّ، وسَعِيدٌ الأخْفَشُ: يُحْذَفُ الألِفُ.

وقالَ يَحْيى بْنُ زِيادٍ: لا تُحْذَفُ إلّا مَعَ "بِسْمِ اللهِ" فَقَطْ؛ لِأنَّ الِاسْتِعْمالَ إنَّما كَثُرَ فِيهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: فَأمّا في غَيْرِ اسْمِ اللهِ تَعالى فَلا خِلافَ في ثُبُوتِ الألِفِ.

واسْمٌ أصْلُهُ "سِمُوٌّ" بِكَسْرِ السِينِ أو "سُمُوٌّ" بِضَمِّها، وهو عِنْدَ البَصْرِيِّينَ مُشْتَقٌّ مِنَ السُمُوِّ، يُقالُ: سَما يَسْمُو، فَعَلى هَذا تُضَمُّ السِينُ في قَوْلِكَ: سُمُوٌّ، ويُقالُ: سَمِيَ يَسْمى فَعَلى هَذا تُكْسَرُ، وحُذِفَتِ الواوُ مِن سُمُوٍّ، وكُسِرَتِ السِينُ مِن "سِمٍ"، كَما قالَ الشاعِرُ: بِاسْمِ الَّذِي في كُلِّ سُورَةٍ سِمُهْ ∗∗∗......................................

وسُكِّنَتِ السِينُ مِن بِسْمِ اعْتِلالًا عَلى غَيْرِ قِياسٍ، وإنَّما اسْتُدِلَّ عَلى هَذا الأصْلِ الَّذِي ذَكَرْناهُ بِقَوْلِهِمْ في التَصْغِيرِ (سُمَيٌّ)، وفي الجَمْعِ أسْماءٌ، وفي جَمْعِ الجَمْعِ (أسامِيُّ)، وقالَ الكُوفِيُّونَ: أصْلُ اسْمٍ واسْمٌ مِنَ (السِمَةِ)، وهي العَلامَةُ؛ لِأنَّ الِاسْمَ عَلامَةٌ لِمَن وُضِعَ لَهُ، وحُذِفَتْ فاؤُهُ اعْتِلالًا عَلى غَيْرِ قِياسٍ، والتَصْغِيرُ والجَمْعُ المَذْكُورانِ يَرُدّانِ هَذا المَذْهَبَ الكُوفِيَّ، وأمّا المَعْنى فِيهِ فَجَيِّدٌ، لَوْلا ما يَلْزَمُهم مِن أنْ يُقالَ في التَصْغِيرِ "وُسَيْمٌ"، وفي الجَمْعِ "أوسامٌ"؛ لِأنَّ التَصْغِيرَ والجَمْعَ يَرُدّانِ الأشْياءَ إلى أُصُولِها.

وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ في هَذا المَوْضِعِ "الِاسْمَ والمُسَمّى" هَلْ هُما واحِدٌ؟

فَقالَ الطَبَرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: إنَّهُ لَيْسَ بِمَوْضِعٍ لِلْمَسْألَةِ، وأنْحى في خُطْبَتِهِ عَلى المُتَكَلِّمِينَ في هَذِهِ المَسْألَةِ ونَحْوِها، ولَكِنْ بِحَسْبِ ما قَدْ تُدُووِلَ القَوْلُ فِيها، فَلْنَقُلْ: إنَّ الِاسْمَ "كَزَيْدٍ، وأسَدٍ، وفَرَسٍ" قَدْ يَرِدُ في الكَلامِ، يُرادُ بِهِ الذاتُ، كَقَوْلِكَ: "زَيْدٌ قائِمٌ" "والأسَدُ شُجاعٌ"، وقَدْ يَرِدُ ويُرادُ بِهِ التَسْمِيَةُ ذاتُها، كَقَوْلِكَ: "أسَدٌ ثَلاثَةُ أحْرُفٍ"، فَفي الأوَّلِ يُقالُ: الِاسْمُ هو المُسَمّى، بِمَعْنى "يُرادُ بِهِ المُسَمّى"، وفي الثانِي: لا يُرادُ بِهِ المُسَمّى، ومِن وُرُودِ الأوَّلِ قَوْلُكَ: "يا رَحْمَنُ، اغْفِرْ لِي" وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الرَحْمَنُ  ﴾ ﴿ عَلَّمَ القُرْآنَ  ﴾ ، ومِنَ الوُرُودِ الثانِي قَوْلُكَ: "الرَحْمَنُ وصْفُ اللهِ تَعالى"، وأمّا "اسْمٌ" الَّذِي هو "ألِفٌ، وسِينٌ، ومِيمٌ"، فَقَدْ يَجْرِي في لُغَةِ العَرَبِ مَجْرى الذاتِ، يُقالُ: "ذاتٌ، ونَفْسٌ، واسْمٌ، وعَيْنٌ" بِمَعْنًى، وعَلى هَذا حَمَلَ أكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى  ﴾ ، وقَوْلَهُ: ﴿ تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ  ﴾ ، وقَوْلَهُ: ﴿ ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إلّا أسْماءً سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكُمْ  ﴾ ، وعَضَّدُوا ذَلِكَ بِقَوْلِ لَبِيَدٍ: إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَلامِ عَلَيْكُما ∗∗∗ ومَن يَبْكِ حَوْلًا كامِلًا فَقَدِ اعْتَذَرَ وقالُوا: إنَّ لَبَيْدًا أرادَ التَحِيَّةَ.

وقَدْ يَجْرِي "اسْمٌ" في اللُغَةِ مَجْرى ذاتِ العِبارَةِ، وهو الأكْثَرُ مِنَ اسْتِعْمالِهِ، فَمِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها  ﴾ ، عَلى أشْهَرِ التَأْوِيلاتِ فِيهِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ: «إنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً إلّا واحِدًا، مَن أحْصاها دَخَلَ الجَنَّةَ»، وعَلى هَذا النَحْوِ اسْتَعْمَلَ النَحْوِيُّونَ الِاسْمَ في تَصْرِيفِ أقْوالِهِمْ فالَّذِي يَتَنَخَّلُ مِن هَذا أنَّ الأسْماءَ قَدْ تَجِيءُ يُرادُ بِها ذَواتُ المُسَمَّياتِ، وفي هَذا يُقالُ: الِاسْمُ هو المُسَمّى، وقَدْ تَجِيءُ يُرادُ بِها ذَواتُها نَفْسُها لا مُسَمَّياتُها، ومَرَّ بِي أنَّ مالِكًا رَحِمَهُ اللهُ سُئِلَ عَنِ الِاسْمِ.

أهُوَ المُسَمّى؟

فَقالَ: "لَيْسَ بِهِ، ولا هو غَيْرُهُ"، يُرِيدُ دائِمًا في كُلِّ مَوْضِعٍ، وهَذا مُوافِقٌ لِما قُلْناهُ.

والمَكْتُوبَةُ الَّتِي لَفَظَها (اللهُ) أبْهَرُ أسْماءِ اللهِ تَعالى، وأكْثَرُها اسْتِعْمالًا، وهو المُتَقَدِّمُ لِسائِرِها في الأغْلَبِ، وإنَّما تَجِيءُ الأُخَرُ أوصافًا.

واخْتَلَفَ الناسُ في اشْتِقاقِهِ: فَقالَتْ فِرْقَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: هو اسْمٌ مُرْتَجَلٌ، لا اشْتِقاقَ لَهُ مِن فِعْلٍ، وإنَّما هو اسْمٌ مَوْضُوعٌ لَهُ تَبارَكَ وتَعالى، والألِفُ واللامُ لازِمَةٌ لَهُ، لا لِتَعْرِيفٍ ولا لِغَيْرِهِ، بَلْ هَكَذا وُضِعَ الِاسْمُ.

وذَهَبَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِن ألِهَ الرَجُلُ إذا عَبَدَ، وتَألَّهَ إذا تَنَسَّكَ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ رُؤْبَةَ بْنِ العَجّاجِ: لِلَّهِ دَرُّ الغانِياتِ المُدَّهِ ∗∗∗ سَبَّحْنَ واسْتَرْجَعْنَ مِن تَألُّهِي ومِن ذَلِكَ قَوْلُ اللهِ تَعالى: "وَيَذَرَكَ وإلَهَتَكَ" عَلى هَذِهِ القِراءَةِ، فَإنَّ ابْنَ عَبّاسٍ وغَيْرَهُ قالَ: وعِبادَتَكَ، قالُوا: فاسْمُ اللهِ مُشْتَقٌّ مِن هَذا الفِعْلِ؛ لِأنَّهُ الَّذِي يَأْلَهُهُ كُلُّ خَلْقٍ ويَعْبُدُهُ، حَكاهُ النَقّاشُ في صَدْرِ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

فَإلَهٌ فِعالٌ مِن هَذا.

واخْتُلِفَ -كَيْفَ تَعَلَّلَ (إلَهٌ) حَتّى جاءَ (اللهُ)؟

فَقِيلَ: حُذِفَتِ الهَمْزَةُ حَذْفًا عَلى غَيْرِ قِياسٍ، ودَخَلَتِ الألِفُ واللامُ لِلتَّعْظِيمِ عَلى (لاهٍ)، وقِيلَ: بَلْ دَخَلَتا عَلى (إلَهٍ) ثُمَّ نُقِلَتْ حَرَكَةُ الهَمْزَةِ إلى اللامِ فَجاءَ (ألَّلاهُ)، ثُمَّ أُدْغِمَتِ اللامُ في اللامِ.

وقِيلَ: إنَّ أصْلَ الكَلِمَةِ (لاهٍ)، وعَلَيْهِ دَخَلَتِ الألِفُ واللامُ، والأوَّلُ أقْوى.

ورُوِيَ عَنِ الخَلِيلِ أنَّ أصْلَ إلَهٍ (وَلاهٌ) وأنَّ الهَمْزَةَ مُبْدَلَةٌ مِن واوٍ كَما هي في إشاحٍ ووِشاحٍ وإسادَةٍ ووِسادَةٍ، وقِيلَ: إنَّ أصْلَ الكَلِمَةِ (وَلاهٌ) كَما قالَ الخَلِيلُ، إلّا أنَّها مَأْخُوذَةٌ مِن (وَلِهَ) الرَجُلُ إذا تَحَيَّرَ؛ لِأنَّهُ تَعالى تَتَحَيَّرُ الألْبابُ في حَقائِقِ صِفاتِهِ، والفِكْرُ في المَعْرِفَةِ بِهِ، وحُذِفَتِ الألِفُ الأخِيرَةُ مِنَ اللهِ لِئَلّا يُشْكِلَ بِخَطِّ اللاتِ، وقِيلَ: طُرِحَتْ تَخْفِيفًا، وقِيلَ: هي لُغَةٌ فاسْتُعْمِلَتْ في الخَطِّ، ومِنها قَوْلُ الشاعِرِ: أقْبَلَ سَيْلٌ جاءَ مِن أمْرِ اللهْ ∗∗∗ يَحْرُدُ حَرْدَ الجَنَّةِ المُغِلَّةْ (والرَحْمَنُ) صِفَةُ مُبالَغَةٍ مِنَ الرَحْمَةِ، ومَعْناها أنَّهُ انْتَهى إلى غايَةِ الرَحْمَةِ، كَما يَدُلُّ عَلى الِانْتِهاءِ سَكْرانُ وغَضْبانُ، وهي صِفَةٌ تَخْتَصُّ بِاللهِ ولا تُطْلَقُ عَلى البَشَرِ.

وهي أبْلَغُ مِن فَعِيلٍ، وفَعِيلٌ أبْلَغُ مِن فاعِلٍ؛ لِأنَّ راحِمًا يُقالُ لِمَن رَحِمَ ولَوْ مَرَّةً واحِدَةً، ورَحِيمًا يُقالُ لِمَن كَثُرَ مِنهُ ذَلِكَ، والرَحْمَنُ النِهايَةُ في الرَحْمَةِ.

وقالَ بَعْضُ الناسِ: الرَحْمَنُ الرَحِيمُ بِمَعْنًى واحِدٍ، كالنَدْمانِ والنَدِيمِ، نَعَمْ إنَّهُما مِن فِعْلٍ واحِدٍ، ولَكِنَّ أحَدَهُما أبْلَغُ مِنَ الآخَرِ.

وأمّا المُفَسِّرُونَ فَعَبَّرُوا عَنِ "الرَحْمَنِ الرَحِيمِ" بِعِباراتٍ، فَمِنها أنَّ العَرْزَمِيَّ قالَ: مَعْناهُ الرَحْمَنُ بِجَمِيعِ خَلْقِهِ في الأمْطارِ، ونِعَمِ الحَواسِّ، والنِعَمِ العامَّةِ، الرَحِيمُ بِالمُؤْمِنِينَ في الهِدايَةِ لَهُمْ، واللُطْفِ بِهِمْ، ومِنها أنَّ أبا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ وابْنَ مَسْعُودٍ رَوَيا أنَّ رَسُولَ اللهِ  قالَ: «الرَحْمَنُ رَحْمَنُ الدُنْيا والآخِرَةِ، والرَحِيمُ رَحِيمُ الآخِرَةِ».

وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: الرَحْمَنُ اسْمٌ عامٌّ في جَمِيعِ أنْواعِ الرَحْمَةِ يَخْتَصُّ بِهِ اللهُ.

والرَحِيمُ: إنَّما هو مِن جِهَةِ المُؤْمِنِينَ كَما قالَ: ﴿ وَكانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا  ﴾ وهَذِهِ كُلُّها أقْوالٌ تَتَعاضَدُ.

وقالَ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ: كانَ الرَحْمَنُ، فَلَمّا اخْتُزِلَ، وسُمِّيَ بِهِ مُسَيْلِمَةُ الكَذّابُ قالَ اللهُ سُبْحانَهُ لِنَفْسِهِ: (الرَحْمَنُ الرَحِيمُ)، فَهَذا الِاقْتِرانُ بَيْنَ الصِفَتَيْنِ لَيْسَ لِأحَدٍ إلّا لِلَّهِ تَعالى، وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنَ الرَحِيمِ كانَ قَبْلَ أنْ يَنْجُمَ أمْرُ مُسَيْلِمَةَ.

وأيْضًا فَتَسَمِّي مُسَيْلِمَةَ بِهَذا لَمْ يَكُنْ مِمّا تَأصَّلَ وثَبَتَ.

وقالَ قَوْمٌ: إنَّ العَرَبَ كانَتْ لا تَعْرِفُ لَفْظَةَ الرَحْمَنِ، ولا كانَتْ في لُغَتِها، واسْتَدَلُّوا عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِ العَرَبِ: ﴿ وَما الرَحْمَنُ أنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا  ﴾ ، وهَذا القَوْلُ ضَعِيفٌ، وإنَّما وقَفَتِ العَرَبُ عَلى تَعْيِينِ الإلَهِ الَّذِي أُمِرُوا بِالسُجُودِ لَهُ لا عَلى نَفْسِ اللَفْظِ.

واخْتُلِفَ في وصْلِ الرَحِيمِ بِالحَمْدِ، فَرُوِيَ عن أُمِّ سَلَمَةَ «عَنِ النَبِيِّ  (الرَحِيمْ الحَمْدُ)» تُسَكَّنُ المِيمُ، ويُوقَفُ عَلَيْها ويُبْتَدَأُ بِألِفٍ مَقْطُوعَةٍ، وقَرَأ بِهِ قَوْمٌ مِنَ الكُوفِيِّينَ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ (الرَحِيمِ الحَمْدُ) يُعْرِبُ (الرَحِيمِ) بِالخَفْضِ، وتُوصَلُ الألِفُ مِنَ الحَمْدِ، ومَن شاءَ أنْ يُقَدِّرَ أنَّهُ أسْكَنَ المِيمَ، ثُمَّ لَمّا وصَلَ حَرَّكَها لِلِالتِقاءِ، ولَمْ يُعْتَدَّ بِألِفِ الوَصْلِ فَذَلِكَ سائِغٌ، والأوَّلُ أخْصَرَ، وحَكى الكِسائِيُّ عن بَعْضِ العَرَبِ أنَّها تُقْرَأُ (الرَحِيمَ الحَمْدُ) بِفَتْحِ المِيمِ وصِلَةِ الألِفِ، كَأنَّها سُكِّنَتِ المِيمُ وقُطِعَتِ الألِفُ، ثُمَّ أُلْقِيَتْ حَرَكَتُها عَلى المِيمِ وحُذِفَتْ، ولَمْ تُرْوَ هَذِهِ قِراءَةً عن أحَدٍ فِيما عَلِمْتُ، وهَذا هو نَظَرُ يَحْيى بْنِ زِيادٍ في قَوْلِهِ تَعالى:(الم اللهُ).

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ *** ﴿ بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُوسى بْنُ جَعْفَرٍ، عن أبِيهِ، وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ، وقَتادَةُ، وأبُو العالِيَةِ، ومُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى بْنِ حِبّانَ: إنَّها مَكِّيَّةٌ، ويُؤَيِّدُ هَذا أنَّ في سُورَةِ الحِجْرِ: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي  ﴾ والحِجْرِ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ.

وفِي حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: «إنَّها السَبْعُ المَثانِي، والسَبْعُ الطُوَلِ» نَزَلَتْ بَعْدَ الحِجْرِ بِمَدَدٍ، ولا خِلافَ أنْ فَرْضَ الصَلاةِ كانَ بِمَكَّةَ، وما حَفِظَ أنَّهُ كانَتْ قَطُّ في الإسْلامِ صَلاةٌ بِغَيْرٍ ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ ، ورُوِيَ عن عَطاءِ بْنِ يَسارٍ، وسِوادَةَ بْنِ زِيادٍ، والزُهْرِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ عُبَيْدٍ بْنِ عُمَيْرٍ أنَّ سُورَةَ الحَمْدِ مَدَنِيَّةٌ.

وأمّا أسْماؤُها - فَلا خِلافَ أنَّها يُقالُ لَها: فاتِحَةُ الكِتابِ، لِأنَّ مَوْضِعَها يُعْطِي ذَلِكَ، واخْتَلَفَ هَلْ يُقالُ لَها: أُمُّ الكِتابِ؟

فَكَرِهَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ ذَلِكَ، فَقالَ: أُمُّ الكِتابِ الحَلّالِ والحَرامِ.

قالَ اللهُ تَعالى: ﴿ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتابِ وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ  ﴾ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: يُقالُ لَها: أُمُّ الكِتابِ.

وقالَ البُخارِيُّ: سُمِّيَتْ أُمَّ الكِتابِ لِأنَّهُ يُبْدَأُ بِكِتابَتِها في المُصْحَفِ، وبِقِراءَتِها في الصَلاةِ.

وفي تَسْمِيَتِها بِأُمِّ الكِتابِ حَدِيثٌ رَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ، واخْتَلَفَ هَلْ يُقالُ لَها أُمُّ القُرْآنِ؟

فَكَرِهُ ذَلِكَ ابْنُ سِيرِينَ، وجَوَّزَهُ جُمْهُورُ العُلَماءِ، قالَ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ: أُمُّ القُرى مَكَّةُ، وأُمُّ خُراسانَ مَرْوٌ، وأُمُّ القُرْآنِ سُورَةُ الحَمْدِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: اسْمُها أُمُّ القُرْآنِ، وأمّا المَثانِي فَقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تُثَنّى في كُلِّ رَكْعَةٍ، وقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها اسْتُثْنِيَتْ لِهَذِهِ الأُمَّةِ فَلَمْ تَنْزِلْ عَلى أحَدٍ قَبْلَها ذُخْرًا لَها.

وأمّا فَضْلُ هَذِهِ السُورَةِ فَقَدْ «قالَ رَسُولُ اللهِ  في حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: إنَّها لَمْ يَنْزِلْ في التَوْراةِ ولا في الإنْجِيلِ ولا في الفُرْقانِ مِثْلُها» ويُرْوى أنَّها تَعْدِلُ ثُلْثَيِ القُرْآنِ، وهَذا العَدْلُ إمّا أنْ يَكُونَ في المَعانِي، وإمّا أنْ يَكُونَ تَفْضِيلًا مِنَ اللهِ تَعالى لا يُعَلَّلُ، وكَذَلِكَ يَجِيءُ عَدْلُ ﴿ قُلْ هو اللهُ أحَدٌ  ﴾ ، وعَدْلُ ﴿ إذا زُلْزِلَتِ  ﴾ وغَيْرُها.

وَرَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ أنَّ النَبِيَّ  قالَ: «لِلْحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ فَضْلُ ثَلاثِينَ حَسَنَةً عَلى سائِرِ الكَلامِ»، ووَرَدَ حَدِيثٌ آخَرُ أنَّ النَبِيَّ  قالَ: «مَن قالَ: لا إلَهَ إلّا اللهُ كُتِبَتْ لَهُ عِشْرُونَ حَسَنَةً، ومَن قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ كُتِبَتْ لَهُ ثَلاثُونَ حَسَنَةً» وهَذا الحَدِيثُ هو في الَّذِي يَقُولُها مِنَ المُؤْمِنِينَ مُؤْتَجِرًا طالِبَ ثَوابٍ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ( الحَمْد لِلَّهِ ) في ضِمْنِها التَوْحِيدُ الَّذِي هو مَعْنى لا إلَهَ إلّا اللهُ، فَفي قَوْلِهِ تَوْحِيدٌ وحَمْدٌ، وفي قَوْلِ: "لا إلَهَ إلّا اللهُ" تَوْحِيدٌ فَقَطْ، فَأمّا إذا أُخِذا بِمَوْضِعِهِما مِن شَرْعِ المِلَّةِ، ومَحَلِّهُما مِن دَفْعِ الكُفْرِ والإشْراكِ، فَـ "لا إلَهَ إلّا اللهُ" أفْضَلُ، والحاكِمُ بِذَلِكَ قَوْلُ النَبِيِّ  : «أفْضَلُ ما قُلْتُهُ أنا والنَبِيُّونَ مِن قَبْلِي: لا إلَهَ إلّا اللهُ».

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

البسملة اسم لكلمة باسم الله، صيغ هذا الاسم على مادَّةٍ مؤلفة من حروف الكلمتين باسم والله على طريقة تسمى النَّحْت، وهو صوغ فعللِ مُضِيٍ على زنة فَعْلَل مؤلفةٍ مادِّتُه من حروف جملة أو حروففِ مركَّب إِضَافِيَ، مما ينطق به الناس اختصاراً عن ذكر الجملة كلها لقصد التخفيف لكثرة دوران ذلك على الألسنة.

وقد استعمل العرب النحت في النَّسَب إلى الجملة أو المركب إذا كان في النسببِ إلى صدر ذلك أو إلى عَجزه التباس، كما قالوا في النسبة إلى عبد شمس عَبْشَمِيّ خشية الالتباس بالنسب إلى عبدٍ أو إلى شمس، وفي النسبة إلى عبد الدار عَبْدَرِيّ كذلك وإلى حضرموت حضرمي قال سيبويه في باب الإضافة (أي النسَب) إلى المضاف من الأسماء: «وقد يجعلون للنسب في الإضافة اسماً بمنزلة جَعْفَري ويجعلون فيه من حروف الأول والآخر ولا يخرجونه من حروفهما ليُعْرَف» ا ه، فجاء من خلفهم من مولدي العرب واستعملوا هذه الطريقة في حكاية الجمل التي يكثر دورانها في الألسنة لقصد الاختصار، وذلك من صدر الإسلام فصارت الطريقة عربية.

قال الراعي: قَومٌ على الإسلام لَمَّا يمنعوا *** ما عونَهم ويُضيِّعوا التَهْلِيلا أي لم يتركوا قول: لا إله إلا الله.

وقال عُمر بن أبي ربيعة: لقد بسملت ليلَى غداةَ لقيتُها *** ألا حَبَّذا ذاك الحبيبُ المُبَسْمِلُ أي قالت بسم الله فَرَقاً منه، فأصل بسمل قال بسم الله ثم أطلقه المولدون على قول بسم الله الرحمن الرحيم، اكتفاء واعتماداً على الشهرة وإن كان هذا المنحوتُ خِليَّاً من الحاء والراء اللذين هما من حروف الرحمان الرحيم، فشاع قولهم بسمل في معنى قال بسم الله الرحمن الرحيم، واشتق من فعل بسمل مصدر هو البسملة كما اشتق من هَلَّل مصدر هو الهيللة وهو مصدر قياسي لفعلل.

واشتق منه اسم فاعل في بيت عمر بن أبي ربيعة ولم يسمع اشتقاق اسم مفعول.

ورأيت في «شرح ابن هارون التونسي على مختصر ابن الحاجب» في باب الأذان عن المطرز في كتاب «اليواقيت»: الأفعالُ التي نحتت من أسمائها سبعة: بَسْمَلَ في بسم الله، وسَبْحَلَ في سبحان الله، وحَيْعَلَ في حي على الصلاة، وحَوْقَلَ في لا حول ولا قوة إلا بالله، وحَمْدَلَ في الحمدُ لله، وهَلَّل في لا إله إلا الله، وجَيْعَل إذا قال: جُعلت فِداك، وزاد الطَّيْقَلَة في أَطال الله بقاءك، والدَّمْعَزَةَ في أدام الله عزك.

ولَما كان كثير من أيمة الدين قائلاً بأنها آية من أوائل جميع السور غير براءة أو بعض السور تعين على المفسر أن يفسر معناها وحكمها وموقعها عند من عدوها آية من بعض السور.

وينحصر الكلام عليها في ثلاثة مباحث.

الأول: في بيان أهي آية من أوائل السور أم لا؟.

الثاني: في حكم الابتداء بها عند القراءة.

الثالث في تفسير معناها المختص بها.

فأما المبحث الأول فهو أن لا خلاف بين المسلمين في أن لفظ ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ هو لفظ قرآني لأنه جزء آية من قوله تعالى: ﴿ إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ [النمل: 30] كما أنهم لم يختلفوا في أن الافتتاح بالتسمية في الأمور المهمة ذوات البال ورد في الإسلام، وروي فيه حديث: " كل أمر ذي بال لا يُبدأ فيه بسم الله الرحمن الرحيم فهو أقطع " لم يروه أصحاب «السنن» ولا «المستدركات»، وقد وصف بأنه حسن، وقال الجمهور إن البسملة رسمها الذين كتبوا المصاحف في أوائل السور ما عدا سورة براءة، كما يؤخذ من محادثة ابن عباس مع عثمان، وقد مضت في المقدمة الثامنة، ولم يختلفوا في أنها كتبت في المصحف في أول سورة الفاتحة وذلك ليس موضع فصل السورة عما قبلها، وإنما اختلفوا في أن البسملة هل هي آية من سورة الفاتحة ومن أوائل السور غير براءة، بمعنى أن الاختلاف بينهم ليس في كونها قرآناً، ولكنه في تكرر قرآنيتها كما أشار إليه ابن رشد الحفيد في «البداية»، فذهب مالك والأوزاعي وفقهاء المدينة والشام والبصرة وقيل باستثناء عبد الله بن عمرو ابن شهاب من فقهاء المدينة إلى أنها ليست بآية من أوائل السور لكنها جزء آية من سورة النمل، وذهب الشافعي في أحد قوليه وأحمد وإسحاق وأبو ثور وفقهاء مكة والكوفة غير أبي حنيفة، إلى أنها آية في أول سورة الفاتحة خاصة، وذهب عبد الله بن المبارك والشافعي في أحد قوليه وهو الأصح عنه إلى أنها آية من كل سورة.

ولم ينقل عن أبي حنيفة من فقهاء الكوفة فيها شيء، وأخذ منه صاحب «الكشاف» أنها ليست من السور عنده فعَدَّه في الذين قالوا بعدم جزئيتها من السور وهو الصحيح عنه.

قال عبد الحكيم لأنه قال بعدم الجهر بها مع الفاتحة في الصلاة الجهرية وكره قراءتها في أوائل السور الموصولة بالفاتحة في الركعتين الأوليين.

وأَزِيدُ فأقول إنه لم ير الاقتصار عليها في الصلاة مجزئاً عن القراءة.

أما حجة مذهب مالك ومن وافقه فلهم فيها مسالك: أحدها من طريق النظر، والثاني من طريق الأثر، والثالث من طريق الذوق العربي.

فأما المسلك الأول: فللمالكية فيه مقالة فائقة للقاضي أبي بكر الباقلاني وتابَعَه أبو بكر ابن العربي في «أحكام القرآن» والقاضي عبد الوهاب في كتاب «الإشراف»، قال الباقلاني: «لو كانت التسمية من القرآن لكان طريق إثباتها إما التواتر أو الآحاد، والأول: باطل لأنه لوثبت بالتواتر كونها من القرآن لحصل العلم الضروري بذلك ولامتنع وقوع الخلاف فيه بين الأُمَّة، والثاني: أيضاً باطل لأن خبر الواحد لا يفيد إلا الظن فلو جعلناه طريقاً إلى إثبات القرآن لخرج القرآن عن كونه حجة يقينية، ولصار ذلك ظنياً، ولو جاز ذلك لجاز ادعاء الروافض أن القرآن دخله الزيادة والنقصان والتغيير والتحريف» ا ه وهو كلام وجيه والأقيسة الاستثنائية التي طواها في كلامه واضحة لمن له ممارسة للمنطق وشرطياتها لا تحتاج للاستدلال لأنها بديهية من الشريعة فلا حاجة إلى بسطها.

زاد أبو بكر بن العربي في «أحكام القرآن» فقال: يكفيك أنها ليست من القرآن الاختلافُ فيها، والقرآن لا يُختلف فه ا ه.

وزاد عبد الوهاب فقال: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بين القرآن بياناً واحداً متساوياً ولم تكن عادته في بيانه مختلفة بالظهور والخفاء حتى يختص به الواحد والاثنان؛ ولذلك قطعنا بمنع أن يكون شيء من القرآن لم ينقل إلينا وأبطلنا قول الرافضة إن القرآن حِمْل جَمَل عند الإمام المعصوم المنتظر فلو كانت البسملة من الحمد لبيّنها رسول الله بياناً شافياً» ا ه.

وقال ابن العربي في «العارضة»: إن القاضي أبا بكر بن الطيب، لم يتكلم من الفقه إلا في هذه المسألة خاصة لأنها متعلقة بالأصول.

وقد عارض هذا الدليل أبو حامد الغزالي في «المستصفى» فقال: «نُفي كون البسملة من القرآن أيضاً إن ثبت بالتواتر لزم أن لا يبقى الخلاف (أي وهو ظاهر البطلان) وإن ثبت بالآحاد يصير القرآن ظنياً، قال: ولا يقال: إن كون شيء ليس من القرآن عدم والعدم لا يحتاج إلى الإثبات لأنه الأصل بخلاف القول بأنها من القرآن، لأنّا نجيب بأن هذا وإن كان عدماً إلا أن كون التسمية مكتوبة بخط القرآن يوهن كونها ليست من القرآن فهاهنا لا يمكننا الحكم بأنها ليست من القرآن إلا بالدليل ويأتي الكلام في أن الدليل ما هو، فثبت أن الكلام الذي أورده القاضي لازم عليه ا ه، وتبعه على ذلك الفخر الرازي في «تفسيره» ولا يخفى أنه آل في استدلاله إلى المصادرة إذ قد صار مرجع استدلال الغزالي وفخر الدين إلى رسم البسملة في المصاحف، وسنتكلم عن تحقيق ذلك عند الكلام على مدرك الشافعي.

وتعقب ابن رشد في «بداية المجتهد» كلام الباقلاني والغزالي بكلام غير محرر فلا نطيل به.

وأما المسلك الثاني: وهو الاستدلال من الأثر فلا نجد في صحيح السنة ما يشهد بأن البسملة آية من أوائل سور القرآن والأدلة ستة: الدليل الأول: ما روى مالك في «الموطأ» عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " قال الله تعالى قسمت الصلاة نصفين بيني وبين عبدي فنصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل، يقول العبد: ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾ ، فأقول: حمدني عبدي " الخ، والمراد في الصلاة القراءة في الصلاة ووجه الدليل منه أنه لم يذكر بسم الله الرحمن الرحيم.

الثاني: حديث أُبيّ بن كعب في «الموطأ» و«الصحيحين» أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: " ألا أعلمك سورة لم يُنْزَل في التوراة ولا في الإنجيل مثُلها قبل أن تخرج من المسجد "؟

قال: بلى، فلما قارب الخروج قال له: كيف تقرأ إذا افتتحت الصلاة؟

قال أبيٌّ فقرأت ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾ حتى أتيت على آخرها، فهذا دليل على أنه لم يقرأ منها البسملة.

الثالث: ما في «صحيح مسلم» و«سنن أبي داود» و«سنن النسائي» عن أنس بن مالك من طرق كثيرة أنه قال: صليت خلف رسول الله وأبي بكر وعمر فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين لا يذكرون (بسم الله الرحمن الرحيم)، لا في أول قراءة ولا في آخرها.

الرابع: حديث عائشة في «صحيح مسلم» و«سنن أبي داود» قالت: كان رسول الله يستفتح الصلاة بالتكبير والقراءةَ بالحمد الله رب العالمين.

الخامس: ما في «سنن الترمذي والنسائي» عن عبد الله بن مغفل قال: صليت مع النبيء وأبي بكر وعمر وعثمان، فلم أسمع أحداً منهم يقول: (بسم الله الرحمن الرحيم)، إذا أنت صليت فقل ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾ .

السادس وهو الحاسم: عمل أهل المدينة، فإن المسجد النبوي من وقت نزول الوحي إلى زمن مالك صلى فيه رسول الله والخلفاء الراشدون والأمراء وصلى وراءهم الصحابة وأهل العلم ولم يسمع أحد قرأ (بسم الله الرحمن الرحيم) في الصلاة الجهرية، وهل يقول عالم أن بعض السورة جهر وبعضها سر، فقد حصل التواتر بأن النبيء والخلفاء لم يجهروا بها في الجهرية، فدل على أنها ليست من السورة ولو جهروا بها لما اختلف الناس فيها.

وهناك دليل آخر لم يذكروه هنا وهو حديث عائشة في بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو معتبر مرفوعاً إلى النبي، وذلك قوله: «ففَجِئَه الملَك فقال: اقرأ قال رسول الله فقلت ما أنا بقارئ إلى أن قال فغطني الثالثة ثم قال: ﴿ اقرأ باسم ربك الذي خلق ﴾ [العلق: 1] الحديث.

فلم يقل فقال لي بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ اقرأ بسم ربك ﴾ ، وقد ذكروا هذا في تفسير سورة العلق وفي شرح حديث بدء الوحي.

وأما المسلك الثالث وهو الاستدلال من طريق الاستعمال العربي فيأتي القول فيه على مراعاة قول القائلين بأن البسملة آية من سورة الفاتحة خاصة، وذلك يوجب أن يتكرر لفظان وهما ﴿ الرحمن الرحيم ﴾ في كلام غير طويل ليس بينهما فصل كثير وذلك مما لا يحمد في باب البلاغة، وهذا الاستدلال نقله الإمام الرازي في «تفسيره» وأجاب عنه بقوله: إن التكرار لأجل التأكيد كثير في القرآن وإن تأكيد كونه تعالى رحماناً رحيماً من أعظم المهمات.

وأَنَا أَدْفع جوابه بأن التكرار وإن كانت له مواقع محمودة في الكلام البليغ مثل التهويل، ومقام الرثاء أو التعديد أو التوكيد اللفظي، إلا أن الفاتحة لا مناسبة لها بأغراض التكرير ولا سيما التوكيد لأنه لا منكر لكونه تعالى رحماناً رحيماً، ولأن شأن التوكيد اللفظي أن يقترن فيه اللفظان بلا فصل فتعين أنه تكرير اللفظ في الكلام لوجود مقتضى التعبير عن مدلوله بطريق الاسم الظاهر دون الضمير، وذلك مشروط بأن يبعد ما بين المكرَّرَيْن بُعداً يقصيه عن السمع، وقد علمتَ أنهم عدوا في فصاحة الكلام خلوصه من كثرة التكرار، والقربُ بين الرحمن والرحيم حين كررا يمنع ذلك.

وأجاب البيضاوي بأن نكتة التكرير هنا هي تعليل استحقاق الحمد، فقال السلكوتي أشار بهذا إلى الرد على ما قاله بعض الحنفية: إن البسملة لو كانت من الفاتحة للزم التكرار وهو جواب لا يستقيم لأنه إذا كان التعليل قاضياً بذكر صفتي ﴿ الرحمن الرحيم ﴾ فدفع التكرير يقتضي تجريد البسملة التي في أول الفاتحة من هاتين الصفتين بأن تصير الفاتحة هكذا: (بسم الله الحمد لله الخ).

وأنا أرى في الاستدلال بمسلك الذوق العربي أن يكون على مراعاة قول القائلين بكون البسملة آية من كل سورة فينشأ من هذا القوللِ أَنْ تكون فواتح سور القرآن كلُّها متماثلة وذلك مما لا يحمد في كلام البلغاء إذ الشأن أن يقع التفنن في الفواتح، بل قد عد علماء البلاغة أَهَمَّ مواضع التأنق فاتحةَ الكلام وخاتمتَه، وذكروا أن فواتح السور وخواتمها واردة على أحسن وجوه البيان وأكملها فكيف يسوغ أن يُدَّعَى أَن فواتح سورة جملةٌ واحدة، مع أن عامة البلغاء من الخطباء والشعراء والكتاب يتنافسون في تفنن فواتح منشآتهم ويعيبون من يلتزم في كلامه طريقة واحدة فما ظنك بأبلغ كلام.

وأما حجة مذهب الشافعي ومن وافقه بأنها آية من سورة الفاتحة خاصة فأمور كثيرة أنهاها فخر الدين إلى سبع عشرة حجة لا يكاد يستقيم منها بعد طرح المتداخل والخارج عن محل النزاع وضعيف السند أو واهيه إلا أمران: أحدهما أحاديث كثيرة منها ما روى أبو هريرة أن النبيء عليه الصلاة والسلام قال: " فاتحة الكتاب سبع آيات أولاهن ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ " وقول أم سلمة قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم الفاتحة وعدَّ: ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين ﴾ آية.

الثاني: الإجماع على أن ما بين الدفتين كلام الله.

والجواب: أما عن حديث أبي هريرة فهو لم يخرجه أحد من رجال الصحيح إنما خرجه الطبراني وابن مردويه والبيهقي فهو نازل عن درجة الصحيح فلا يعارض الأحاديث الصحيحة، وأما حديث أم سلمة فلم يخرجه من رجال الصحيح غير أبي داود وأخرجه أحمد بن حنبل والبيهقي، وصحح بعض طرقه وقد طعن فيه الطحاوي بأنه رواه ابن أبي مليكة، ولم يثبت سماع ابن أبي مليكة من أم سلمة، يعني أنه مقطوع، على أنه روى عنها ما يخالفه، على أن شيخ الإسلام زكرياء قد صرح في «حاشيته على تفسير البيضاوي» بأنه لم يرو باللفظ المذكور وإنما روي بألفاظ تدل على أن ﴿ بسم الله ﴾ آية وحدها، فلا يؤخذ منه كونها من الفاتحة، على أن هذا يفضي إلى إثبات القرآنية بغير المتواتر وهو ما يأباه المسلمون.

وأما عن الإجماع على أن ما بين الدفتين كلام الله، فالجواب أنه لا يقتضي إلا أن البسملة قرآن وهذا لانزاع فيه، وأما كون المواضع التي رسمت فيها في المصحف مما تجب قراءتها فيها، فذلك أمر يتبع رواية القراء وأخبار السنة الصحيحة فيعود إلى الأدلة السابقة.

وهذا كله بناء على تسليم أن الصحابة لم يكتبوا أسماء السور وكونها مكية أو مدنية في المصحف وأن ذلك من صنع المتأخرين وهو صريح كلام عبد الحكيم في «حاشية البيضاوي»، وأما إذا ثبت أن بعض السلف كتبوا ذلك كما هو ظاهر كلام المفسرين والأصوليين والقراء كما في «لطائف الإشارات» للقسطلاني وهو مقتضى كتابة المتأخرين لذلك لأنهم ما كانوا يجرأون على الزيادة على ما فعله السلف فالاحتجاج حينئذٍ بالكتابة باطل من أصله ودعوى كون أسماء السور كتبت بلون مخالف لحِبْر القرآن، يرده أن المشاهد في مصاحف السلف أن حبرها بلون واحد ولم يكن التلوين فاشياً.

وقد احتج بعضهم بما رواه البخاري عن أنس أنه سئل كيف كانت قراءة النبيء؟

فقال كانت مدًّا ثم قرأ ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ يمد ﴿ بسم الله ﴾ ويمد بالرحمن ويمد بالرحيم، ا ه، ولا حجة في هذا لأن ضمير قرأ وضمير يمد عائدان إلى أنس، وإنما جاء بالبسملة على وجه التمثيل لكيفية القراءة لشهرة البسملة.

وحجةُ عبد الله بن المبارك وثاني قولي الشافعي ما رواه مسلم عن أنس قال: «بينا رسول الله بين أظهرنا ذات يوم إذْ أغفَى إِغفَاءَةً ثم رفع رأسه متبسماً فقلنا ما أضحكك يا رسول الله؟

قال: أنزلت عليَّ سورة آنفاً فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ إنا أعطيناك الكوثر ﴾ [الكوثر: 1] السورة، قالوا وللإجماع على أن ما بين الدفتين كلام الله ولإثبات الصحابة إياها في المصاحف مع حرصهم على أن لا يدخلوا في القرآن ما ليس منه ولذلك لم يكتبوا آمين في الفاتحة.

والجواب عن الحديث أنا نمنع أن يكون قرأ البسملة على أنها من السورة بل افتتح بها عند إرادة القراءة لأنها تغني عن الاستعاذة إذا نوى المبسمل تقديرَ أستعيذ باسم الله وحذَفَ متعلق الفعل، ويتعين حمله على نحو هذا لأن راويه أنساً بن مالك جزم في حديثه الآخر أنه لم يسمع رسول الله بسمل في الصلاة.

فإن أبوا تأويله بما تأولناه لزم اضطراب أنس في روايته اضطراباً يوجب سقوطها.

والحق البين في أمر البسملة في أوائل السور، أنها كتبت للفصل بين السور ليكون الفصل مناسباً لابتداء المصحف، ولئلا يكون بلفظ من غير القرآن، وقد روى أبو داود في «سننه» والترمذي وصححه عن ابن عباس أنه قال: قلت لعثمان بن عفان: «ما حملكم أن عمدتم إلى براءة وهي من المئين وإلى الأنفال وهي من المثاني فجعلتموهما في السبع الطوال ولم تكتبوا بينهما سطراً بسم الله الرحمن الرحيم»، قال عثمان كان النبيء لما تنزل عليه الآياتُ فيدعو بعض من كان يكتب له ويقول له ضع هذه الآية بالسورة التي يذكر فيها كذا وكذا، أو تنزل عليه الآية والآيتان فيقول مثل ذلك، وكانت الأنفال من أول ما أنزل عليه بالمدينة، وكانت براءة من آخر ما أنزل من القرآن وكانت قصتها شبيهة بقصتها فقُبِض رسول الله ولم يبين لنا أنها منها، فظننتُ أنها منها، فمن هناك وضعتُها في السبع الطوال ولم أكتب بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم».

وأرى في هذا دلالة بينة على أن البسملة لم تكتب بين السور غيرِ الأنفال وبراءةَ إلا حينَ جُمع القرآن في مصحف واحد زمن عثمان، وأنها لم تكن مكتوبة في أوائل السور في الصحف التي جمعها زيد بن ثابت في خلافة أبي بكر إذ كانت لكل سورة صحيفة مفردة كما تقدم في المقدمة الثامنة من مقدمات هذا التفسير.

وعلى أن البسملة مختلف في كونها آية من أول كل سورة غيرِ براءة، أو آية من أول سورة الفاتحة فقط، أو ليست بآية من أول شيء من السور؛ فإن القراء اتفقوا على قراءة البسملة عند الشروع في قراءة سورة من أولها غير براءة.

ورووا ذلك عمن تلقَّوْا، فأما الذين منهم يروون اجتهاداً أو تقليداً أن البسملة آية من أول كل سورة غيرِ براءة، فأمرهم ظاهر، وقراءة البسملة في أوائل السور واجبة عندهم لا محالة في الصلاة وغيرها، وأما الذين لا يروون البسملة آية من أوائل السور كلها أو ما عدا الفاتحة فإن قراءتهم البسملة في أول السورة عند الشروع في قراءة سورة غير مسبوقة بقراءة سورة قبلها تُعلَّل بالتيمن باقتفاء أثر كُتَّاب المصحف، أي قصد التشبُه في مجرد ابتداء فعل تشبيهاً لابتداء القراءة بابتداء الكتابة.

فتكون قراءتهم البسملة أمراً مستحباً للتأسي في القراءة بما فعله الصحابة الكاتبون للمصحف، فقراءة البسملة عند هؤلاء نظير النطْق بالاستعاذة ونظير التهليل والتكبير بين بعض السور مِن آخر المفصَّل، ولا يبسملون في قراءة الصلاة الفريضة، وهؤلاء إذا قرأوا في صلاة الفريضة تجري قراءتهم على ما انتهى إليه فهمهم من أمر البسملة من اجتهاد أو تقليد.

وبهذا تعلم أنه لا ينبغي أن يؤخذ من قراءتهم قولٌ لهم بأن البسملة آية من أول كل سورة كما فعل صاحب «الكشاف» والبيضاوي.

واختلفوا في قراءة البسملة في غير الشروع في قراءة سورةٍ من أولها، أي في قراءة البسملة بين السورتين.

فورش عن نافع في أشهر الروايات عنه وابنُ عامر، وأبو عمرو، وحمزة، ويعقوبُ، وخلف، لا يبسملون بين السورتين وذلك يعلل بأن التشبُّه بفعل كتَّاب المصحف خاص بالابتداء، وبحملهم رسمَ البسملة في المصحف على أنه علامة على ابتداء السورة لا على الفصل، إذ لو كانت البسملة علامة على الفصل بين السورة والتي تليها لما كتبت في أول سورة الفاتحة، فكان صنيعُهم وجيهاً لأنهم جمعوا بين ما روَوه عن سلفهم وبين دليللِ قصد التيمن، ودليل رأيهم أن البسملة ليست آية من أول كل سورة.

وقالون عن نافع وابنُ كثير وعاصمٌ والكسائي وأبو جعفر يبسملون بين السورتين سوى ما بين الأنفال وبراءة، وعدوه من سنة القراءة، وليس حظهم في ذلك إلا اتباع سلفهم، إذ ليس جميعهم من أهل الاجتهاد، ولعلهم طردوا قصد التيمن بمشابهة كُتَّاب المصحف في الإشعار بابتداء السورة والإشعار بانتهاء التي قبلها.

واتفق المسلمون على ترك البسملة في أول سورة براءة وقد تبين وجه ذلك آنفاً، ووجَّهه الأئمة بوجوه أخر تأتي في أول سورة براءة، وذكر الجاحظ في «البيان والتبيين» أن مُؤرِّجاً السَّدُوسي البصري سمع رجلاً يقول: «أميرُ المؤمنين يَرُدُّ على المظلوم» فرجع مؤرج إلى مُصحفه فردَّ على براءة بسم الله الرحمن الرحيم، ويحمل هذا الذي صنعه مُؤَرج إن صح عنه إنما هو على التمليح والهزل وليس على الجد.

وفي هذا ما يدل على أن اختلاف مذاهب القراء في قراءة البسملة في مواضع من القرآن ابتداء ووصلاً كما تقدم لا أثر له في الاختلاف في حكم قراءتها في الصلاة، فإن قراءتها في الصلاة تجري على أحكام النظر في الأدلة، وليست مذاهب القراء بمعدودة من أدلة الفقه، وإنما قراءاتهم روايات وسنة متبعة في قراءة القرآن دون استناد إلى اعتبار أحكام رواية القرآن من تواتر ودونه، ولا إلى وجوب واستحباب وتخيير، فالقارئ يقرأ كما روى عن معلميه ولا ينظر في حكم ما يقرأه من لزوم كونه كما قرأ أو عدم اللزوم، فالقراء تجري أعمالهم في صلاتهم على نزعاتهم في الفقه من اجتهاد وتقليد، ويوضح غلط من ظن أن خلاف الفقهاء في إثبات البسملة وعدمه مبني على خلاف القراء، كما يوضح تسامح صاحب «الكشاف» في عده مذاهب القراء في نسق مذاهب الفقهاء.

وإنما اختلف المجتهدون لأجل الأدلة التي تقدم بيانها، وأما الموافقة بينهم وبين قراء أمصارهم غالباً في هاته المسألة فسببه شيوع القول بين أهل ذلك العصر بما قال به فقهاؤه في المسائل، أو شيوع الأدلة التي تلقاها المجتهدون من مشائخهم بين أهل ذلك العصر ولو من قبل ظهور المجتهد مثل سَبْق نافِعِ بن أبي نعيم إلى عدم ذكر البسملة قبل أن يقول مالك بعدم جزئيتها؛ لأن مالكاً تلقى أدلة نفيِ الجزئية عن علماء المدينة وعنهم أو عن شيوخهم تلقى نافع بن أبي نعيم، وإذ قد كنا قد تقلدنا مذهب مالك واطمأننا لمداركه في انتفاء كون البسملة آية من أول سورة البقرة كان حقاً علينا أن لا نتعرض لتفسيرها هنا وأن نرجئه إلى الكلام على قوله تعالى في سورة النمل (30): ﴿ إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ غير أننا لما وجدنا من سلفنا من المفسرين كلهم لم يهملوا الكلام على البسملة في هذا الموضع اقتفينا أثرهم إذ صار ذلك مصطلح المفسرين.

واعلم أن متعلق المجرور في ﴿ بسم الله ﴾ محذوف تقديره هنا أقرأ، وسبب حذف متعلق المجرور أن البسملة سنت عند ابتداء الأعمال الصالحة فَحُذف متعلق المجرور فيها حذفاً ملتزماً إيجازاً اعتماداً على القرينة، وقد حكى القرآن قول سحرة فرعون عند شروعهم في السحر بقوله: ﴿ فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون ﴾ [الشعراء: 44] وذكر صاحب «الكشاف» أن أهل الجاهلية كانوا يقولون في ابتداء أعمالهم: «باسم اللاتتِ باسم العُزَّى» فالمجرور ظرف لغو معمول للفعل المحذوف ومتعلق به وليس ظرفاً مستقراً مثل الظروف التي تقع أخباراً، وَدليل المتعلق ينبئ عنه العمل الذي شُرع فيه فتعين أن يكون فعلاً خاصاً من النوع الدال على معنى العمل المشروع فيه دون المتعلِّق العام مثل أبتَدِئ لأن القرينة الدالة على المتعلق هي الفعل المشروع فيه المبدوء بالبسملة فتعين أن يكون المقدر اللفظ الدال على ذلك الفعل، ولا يجري في هذا الخلاف الواقع بين النحاة في كون متعلق الظروف هل يقدر اسماً نحو كائن أو مُستقر أم فعلاً نحو كان أو استقر لأن ذلك الخلاف في الظروف الواقعة أخباراً أو أحوالاً بناء على تعارض مقتضى تقدير الاسم وهو كونه الأصل في الأخبار والحالية، ومقتضى تقدير الفعل وهو كونه الأصل في العمل لأن ما هنا ظرف لغو، والأصل فيه أن يعدى الأفعال ويتعلق بها، ولأن مقصد المبتدئ بالبسملة أن يكون جميع عمله ذلك مقارناً لبركة اسم الله تعالى فلذلك ناسب أن يقدر متعلق الجار لفظاً دالاً على الفعل المشروع فيه.

وهو أنسب لتعميم التيمن لإجزاء الفعل، فالابتداء من هذه الجهة أقل عموماً، فتقدير الفعل العام يخصص وتقدير الفعل الخاص يعمم وهذا يشبه أن يلغز به.

وهذا التقدير من المقدرات التي دلت عليها القرائن كقول الداعي للمُعَرِّس «بالرفاء والبنين» وقول المسافر عند حلوله وترحاله «باسم الله والبركات» وقول نساء العرب عندما يَزفُفْنَ العروس «ياليُمْننِ والبركة وعلَى الطائر الميمون» ولذلك كان تقدير الفعل هاهنا واضحاً.

وقد أسعف هذا الحذف بفائدة وهي صلوحية البسملة ليَبتَدِئ بها كلُّ شارع في فعل فلا يلجأ إلى مخالفة لفظ القرآن عند اقتباسه، والحذف من قبيل الإيجاز لأنه حذف ما قد يصرح به في الكلام، بخلاف متعلقات الظروف المستقرة نحو عندك خير، فإنهم لا يظهرون المتعلق فلا يقولون خير كائن عندك ولذلك عدوا نحو قوله: فإنك كالليل الذي هو مُدركي *** من المساواة دون الإيجاز يعني مع ما فيه من حذف المتعلق.

وإذ قد كان المتعلق محذوفاً تعين أن يقدر في موضعه متقدِّماً على المتعلِّق به كما هو أصل الكلام؛ إذ لا قصد هنا لإفادة البسملة الحَصر، ودعوى صاحب «الكشاف» تقديره مُؤخراً تعمق غير مقبول، لا سيما عند حالة الحذف، فالأنسب أن يقدر على حسب الأصل.

والباء باء الملابسة والملابسة، هي المصاحبة، وهي الإلصاق أيضاً فهذه مترادفات في الدلالة على هذا المعنى وهي كما في قوله تعالى: ﴿ تنبت بالدهن ﴾ [المؤمنون: 20] وقولهم: «بالرفاء والبنين» وهذا المعنى هو أكثر معاني الباء وأشهرها، قال سيبويه: الإلصاق لا يفارق الباء وإليه ترجع تصاريف معانيها ولذلك قال صاحب «الكشاف»: «وهذا الوجه (أي الملابسة) أعْرَبُ وأحسن» أي أحسن من جعل الباء للآلة أي أدخل في العربية وأحسن لما فيه من زيادة التبرك بملابسة جميع أجزاء الفعل لاسمه تعالى.

والاسم لفظ جُعِل دالاً على ذات حسية أو معنوية بشخصها أو نوعها، وجعله أئمة البصرة مشتقاً من السمو وهو الرفعة لأنها تتحقق في إطلاقات الاسم ولو بتأويل فإن أصل الاسم في كلام العرب هو العلم ولا توضع الأعلام إلا لشيء مهتم به، وهذا اعتداد بالأصل والغالب، وإلا فقد توضع الأعلام لغير ما يهتم به كما قالوا فَجَارِ علم للفَجْرة.

فأصل صيغته عند البصريين من الناقص الواوي فهو إما سِمْو بوزن حِمْل، أو سُمْو بوزن قفل فحذفت اللام حذفاً لمجرد التخفيف أو لكثرة الاستعمال ولذلك جرى الإعراب على الحرف الباقي، لأنه لو حذفت لامه لعلة صرفية لكان الإعراب مقدراً على الحرف المحذوف كما في نحو قاضضٍ وجَوارٍ، فلما جرى الإعراب على الحرف الباقي الذي كان ساكناً نقلوا سكونه للمتحرك وهو أول الكلمة وجلبوا همزة الوصل للنطق بالساكن؛ إذ العرب لا تستحسن الابتداء بحرف ساكن لابتناء لغتهم على التخفيف، وقد قضوا باجتلاب الهمزة وطراً ثانياً من التخفيف وهوعود الكلمة إلى الثلاثي لأن الأسماء التي تبقى بالحذف على حرفين كيدٍ ودممٍ لا تخلو من ثِقل، وفي هذا دليل على أن الهمزة لم تجتلب لتعويض الحرف المحذوف وإلا لاجتلبوها في يدٍ ودممٍ وغدٍ.

وقد احتجوا على أن أصله كذلك بجمعه على أسماء بوزن أفعال، فظهرت في آخره همزة وهي منقلبة عن الواو المتطرفة إثر ألف الجمع، وبأنه جمع على أساميّ وهو جمع الجمع بوزن أفاعيل بإدغام ياء الجمع في لام الكلمة ويجوز تخفيفها كما في أثافِي وأَماني، وبأنه صُغِّر على سُمَي.

وأن الفعل منه سمَّيْت، وهي حجج بينة على أن أصله من الناقص الواوي.

وبأنه يقال سُمىً كهدى؛ لأنهم صاغوه على فُعَل كرُطَب فتنقلب الواو المتحركة ألفاً إثر الفتحة وأنشدوا على ذلك قول أبي خالد القَنَاني الراجز: واللَّهُ أَسْمَاكَ سُمًى مُبارَكاً *** آثَرَكَ اللَّهُ بِهِ إِيثَارَكا وقال ابن يعيش: لا حجة فيه لاحتمال كونه لغة من قال سُم والنصب فيه نصب إعراب لا نصب الإعلال، ورده عبد الحكيم بأن كتابته بالإمالة تدل على خلاف ذلك.

وعندي فيه أن الكتابة لا تتعلق بها الرواية فلعل الذين كتبوه بالياء هم الذين ظنوه مقصوراً، على أن قياسها الكتابة بالألف مطلقاً لأنه واوي إلا إذا أريد عدم التباس الألف بألف النصب.

ورَأْيُ البصريين أرجح من ناحية تصاريف هذا اللفظ.

وذهب الكوفيون إلى أن أصله وِسْم بكسر الواو لأنه من السمة وهي العَلامة، فحذفت الواو وعوضت عنها همزة الوصل ليبقى على ثلاثة أحرف ثم يتوسل بذلك إلى تخفيفه في الوصل، وكأنهم رأوا أن لا وجه لاشتقاقه من السمو لأنه قد يستعمل لأشياء غير سامية وقد علمتَ وجه الجواب، ورأي الكوفيين أرجح من جانب الاشتقاق دون التصريف، على أن همزة الوصل لم يعهد دخولها على ما حذف صدره وردوا استدلال البصريين بتصاريفه بأنها يحتمل أن تكون تلك التصاريف من القلب المكاني بأن يكون أصل اسم وسم، ثم نقلت الواو التي هي فاء الكلمة فجعلت لاماً ليتوسل بذلك إلى حذفها ورد في تصرفاته في الموضع الذي حذف منه لأنه تنوسي أصله، وأجيب عن ذلك بأن هذا بعيد لأنه خلاف الأصل وبأن القلب لا يلزم الكلمة في سائر تصاريفها وإلا لما عرف أصل تلك الكلمة.

وقد اتفق علماء اللغة على أن التصاريف هي التي يعرف بها الزائد من الأصلي والمنقلب من غيره.

وزعم ابن حزم في كتاب «الملل والنحل» أن كلا قولي البصريين والكوفيين فاسد افتعله النحاة ولم يصح عن العرب وأن لفظ الاسم غير مشتق بل هو جامد وتطاول ببذاءته عليهم وهي جرأة عجيبة، وقد قال تعالى: ﴿ فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ﴾ [النحل: 43].

وإنما أقحم لفظ اسم مضافاً إلى علم الجلالة إذ قيل (بسم الله) ولم يقل بالله لأن المقصود أن يكون الفعل المشروع فيه من شؤون أهل التوحيد الموسومة باسم الإله الواحد فلذلك تقحم كلمة اسم في كل ما كان على هذا المقصد كالتسمية على النسك قال تعالى: ﴿ فكلوا مما ذكر اسم الله عليه ﴾ [الأنعام: 118] وقال: ﴿ وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه ﴾ [الأنعام: 119] وكالأفعال التي يقصد بها التيمن والتبرك وحصول المعونة مثل: ﴿ اقرأ باسم ربك ﴾ [العلق: 1] فاسم الله هو الذي تمكن مقارنته للأفعال لا ذاته، ففي مثل هذا لا يحسن أن يقال بالله لأنه حينئذٍ يكون المعنى أنه يستمد من الله تيسيراً وتصرفاً من تصرفات قدرته وليس ذلك هو المقصود بالشروع، فقوله تعالى: ﴿ فسبح باسم ربك العظيم ﴾ [الواقعة: 74] أَمْرٌ بأن يقول سبحان الله، وقوله: ﴿ وسبحه ﴾ [الإنسان: 26] أمْرٌ بتنزيه ذاته وصفاته عن النقائص، فاستعمال لفظ الاسم في هذا بمنزلة استعمال سمات الإبل عند القبائل، وبمنزلة استعمال القبائل شعار تعارفهم، واستعمال الجيوش شعارهم المصطلح عليه.

والخلاصة أن كل مقام يقصد فيه التيمن والانتساب إلى الرب الواحد الواجب الوجود يعدى فيه الفعل إلى لفظ اسم الله كقوله: ﴿ وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها ﴾ [هود: 41] وفي الحديث في دعاء الاضطجاع: " باسمك ربي وضعت جنبي وباسمك أرفعه " وكذلك المقام الذي يقصد فيه ذكر اسم الله تعالى كقوله تعالى: ﴿ فسبح باسم ربك العظيم ﴾ أي قل سبحان الله: ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ [الأعلى: 1] وكل مقام يقصد فيه طلب التيسير والعون من الله تعالى يعدى الفعل المسؤول إلى علم الذات باعتبار ما له من صفات الخلق والتكوين كما في قوله تعالى: ﴿ فاسجد له ﴾ [الإنسان: 26] وقوله في الحديث: " اللهم بك نصبح وبك نمسي " أي بقدرتك ومشيئتك وكذلك المقام الذي يقصد فيه توجه الفعل إلى الله تعالى كقوله تعالى: ﴿ فاسجد له ﴾ ﴿ وسبحه ﴾ أي نزه ذاته وحقيقته عن النقائص.

فمعنى (بسم الله الرحمن الرحيم) أقرأ قراءة ملابسة لبركة هذا الاسم المبارك.

هذا وقد ورد في استعمال العرب توسعات في إطلاق لفظ الاسم مرة يعنون به ما يرادف المسمى كقول النابغة: نبئتُ زُرعة والسفاهةُ كاسمها *** يُهدى إليَّ غرائبَ الأَشعار يعني أن السفاهة هي هي لا تُعرَّف للناس بأكثر من اسمها وهو قريب من استعمال اسم الإشارة في قوله تعالى: ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطاً ﴾ [البقرة: 143].

أي مثل ذلك الجعل الواضح الشهير ويطلقون الاسم مقحماً زائداً كما في قول لبيد: إلى الحوللِ ثم اسم السلام عليكُما *** يعني ثم السلام عليكما وليس هذا خاصاً بلفظ الاسم بل يجئ فيما يرادفه مثل الكلمة في قوله تعالى: ﴿ وألزمهم كلمة التقوى ﴾ [الفتح: 26] وكذلك «لفظ» في قول بشار هاجياً: وكذاك، كان أبوك يؤثر بالهُنَى *** ويظل في لَفْظِ النَّدى يتَرَدَّد وقد يطلق الاسم وما في معناه كنايةً عن وجود المسمى، ومنه قوله تعالى: ﴿ وجعلوا لله شركاء قل سموهم ﴾ [الرعد: 33] والأمر للتعجيز أي أثبتوا وجودهم ووضعَ أسماء لهم.

فهذه اطلاقات أخرى ليس ذكر اسم الله في البسملة من قبيلها، وإنما نبهنا عليها لأن بعض المفسرين خلط بها في تفسير البسملة، ذكرتها هنا توضيحاً ليكون نظركم فيها فسيحاً فشدوا بها يداً ولا تتبعوا طرائق قدداً.

وقد تكلموا على ملحظ تطويل الباء في رسم البسملة بكلام كله غير مقنع، والذي يظهر لي أن الصحابة لما كتبوا المصحف طولوها في سورة النمل للإشارة إلى أنها مبدأ كتاب سليمان فهي من المحكي، فلما جعلوها علامة على فواتح السور نقلوها برسمها، وتطويل الباء فيها صالح لاتخاذه قدوة في ابتداء الغرض الجديد من الكلام بحرف غليظ أو ملون.

والكلام على اسم الجلالة ووصفه يأتي في تفسير قوله تعالى: ﴿ الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم ﴾ [الفاتحة: 2، 3].

ومناسبة الجمع في البسملة بين علم الجلالة وبين صفتي الرحمن الرحيم، قال البيضاوي إن المُسمِّي إذا قصَد الاستعانة بالمعبود الحق الموصوف بأنه مُولي النعم كلها جليلها ودقيقها يذكر عَلَم الذات إشارة إلى استحقاقه أن يستعان به بالذات، ثم يذكر وصف الرحمن إشارة إلى أن الاستعانة على الأعمال الصالحة وهي نعم، وذكر الرحيم للوجوه التي سنذكرها في عطف صفة الرحيم على صفة الرحمن.

وقال الأستاذ الإمام محمد عبده: إن النصارى كانوا يبتدئون أدعيتهم ونحوها باسم الأب والابن والروح القدس إشارة إلى الأقانيم الثلاثة عندهم، فجاءت فاتحة كتاببِ الإسلام بالرد عليهم موقظة لهم بأن الإله الواحد وإن تعددت أسماؤه فإنما هو تعدد الأوصاف دون تعدد المسميات، يعني فهو رد عليهم بتغليظ وتبليد.

وإذا صح أن فواتح النصارى وأدعيتهم كانت تشتمل على ذلك إذ الناقل أمين فهي نكتة لطيفة.

وعندي أن البسملة كان ما يرادفها قد جرى على ألسنة الأنبياء من عهد إبراهيم عليه السلام فهي من كلام الحنيفية، فقد حكى الله عن إبراهيم أنه قال لأبيه: ﴿ يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن ﴾ [مريم: 45]، وقال: ﴿ سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفياً ﴾ [مريم: 47] ومعنى الحفي قريب من معنى الرحيم.

وحُكِي عنه قوله: ﴿ وتُب علينا إنك أنت التواب الرحيم ﴾ [البقرة: 128].

وورد ذكر مرادفها في كتاب سليمان إلى ملكة سبأ: ﴿ إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين ﴾ [النمل: 30، 31].

والمظنون أن سليمان اقتدى في افتتاح كتابه بالبسملة بسنة موروثة من عهد إبراهيم جعلها إبراهيم كلمة باقية في وارثي نبوته، وأن الله أحيا هذه السنة في الإسلام في جملة ما أوحى له من الحنيفية كما قال تعالى: ﴿ ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل ﴾ [الحج: 78].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ الفاتِحَةِ قالَ قَتادَةُ: هي مَكِّيَّةٌ، وقالَ مُجاهِدٌ: هي مَدَنِيَّةٌ.

وَلَها ثَلاثَةُ أسْماءٍ: فاتِحَةُ الكِتابِ، وأُمُّ القُرْآنِ، والسَّبْعُ المَثانِي.

رَوى ابْنُ أبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  قالَ: " «هِيَ أُمُّ القُرْآنِ، وهي فاتِحَةُ الكِتابِ، وهي السَّبْعُ المَثانِي» ".

فَأمّا تَسْمِيَتُها بِفاتِحَةِ الكِتابِ فَلِأنَّهُ يُسْتَفْتَحُ الكِتابُ بِإثْباتِها خَطًّا وبِتِلاوَتِها لَفْظًا.

فَأمّا تَسْمِيَتُها بِأُمِّ القُرْآنِ، فَلِتَقَدُّمِها وتَأخُّرِ ما سِواها تَبَعًا لَها، صارَتْ أُمًّا لِأنَّهُ أمَّتْهُ أيْ تَقَدَّمَتْهُ، وكَذَلِكَ قِيلَ لِرايَةِ الحَرْبِ: أُمٌّ لِتَقَدُّمِها واتِّباعِ الجَيْشِ لَها، قالَ الشّاعِرُ: عَلى رَأْسِهِ أُمٌّ لَها يُقْتَدى بِها جِماعُ أُمُورٍ لا يُعاصى لَها أمْرُ وَقِيلَ لِما مَضى عَلى الإنْسانِ مِن سِنِي عُمْرِهِ، أُمٌّ لِتَقَدُّمِها.

قالَ الشّاعِرُ: إذا كانَتِ الخَمْسُونَ أُمَّكَ لَمْ يَكُنْ ∗∗∗ لِرَأْيِكَ إلّا أنْ يَمُوتَ طَبِيبُ واخْتُلِفَ في تَسْمِيَتِها بِأُمِّ الكِتابِ، فَجَوَّزَهُ الأكْثَرُونَ، لِأنَّ الكِتابَ هو القُرْآنُ، ومَنَعَ مِنهُ الحَسَنُ، وابْنُ سِيرِينَ، وزَعَما أنَّ أُمَّ الكِتابِ، اسْمُ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، فَلا يُسَمّى بِهِ غَيْرُهُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ  ﴾ .

وَأمّا [تَسْمِيَةُ] مَكَّةَ بِأُمِّ القُرى، فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها سُمِّيَتْ أُمَّ القُرى، لِتَقَدُّمِها عَلى سائِرِ القُرى.

والثّانِي: أنَّها سُمِّيَتْ بِذَلِكَ، لِأنَّ الأرْضَ مِنها دُحِيَتْ، وعَنْها حَدَثَتْ، فَصارَتْ أُمًّا لَها لِحُدُوثِها عَنْها، كَحُدُوثِ الوَلَدِ عَنْ أُمِّهِ.

وَأمّا تَسْمِيَتُها بِالسَّبْعِ المَثانِي، فَلِأنَّها سَبْعُ آياتٍ في قَوْلِ الجَمِيعِ.

وَأمّا الثّانِي، فَلِأنَّها تُثَنّى في كُلِّ صَلاةٍ مِن فَرْضٍ وتَطَوُّعٍ، ولَيْسَ في تَسْمِيَتِها بِالمَثانِي ما يَمْنَعُ مِن [تَسْمِيَتِهِ] غَيْرَها بِهِ قالَ أعْشى هَمْدانَ فَلِجُوا المَسْجِدَ وادْعُوا رَبَّكم ∗∗∗ وادْرُسُوا هَذِي المَثانِيَ والطُّوَلْ *** قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ أجْمَعُوا أنَّها مِنَ القُرْآنِ في سُورَةِ النَّمْلِ، وإنَّما اخْتَلَفُوا في إثْباتِها في فاتِحَةِ الكِتابِ، وفي أوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ، فَأثْبَتَها الشّافِعِيُّ في طائِفَةٍ، ونَفاها أبُو حَنِيفَةَ في آخَرِينَ.

واخْتُلِفَ في قَوْلِهِ: ( بِسْمِ ): فَذَهَبَ أبُو عُبَيْدَةَ وطائِفَةٌ إلى أنَّها صِلَةٌ زائِدَةٌ، وإنَّما هو اللَّهُ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، واسْتَشْهَدُوا بِقَوْلِ لَبِيدٍ: إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُما ومَن يَبْكِ حَوْلًا كامِلًا فَقَدِ اعْتَذَرْ فَذِكْرُ اسْمِ السَّلامِ زِيادَةٌ، وإنَّما أرادَ: ثُمَّ السَّلامُ عَلَيْكُما.

واخْتَلَفَ مَن قالَ بِهَذا في مَعْنى زِيادَتِهِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: لِإجْلالِ ذِكْرِهِ وتَعْظِيمِهِ، لِيَقَعَ الفَرْقُ بِهِ بَيْنَ ذِكْرِهِ وذِكْرِ غَيْرِهِ مِنَ المَخْلُوقِينَ، وهَذا قَوْلُ قُطْرُبٍ.

والثّانِي: لِيَخْرُجَ بِهِ مِن حُكْمِ القَسَمِ إلى قَصْدِ التَّبَرُّكِ، وهَذا قَوْلُ الأخْفَشِ.

وَذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ (بِسْمِ) أصْلٌ مَقْصُودٌ، واخْتَلَفُوا في مَعْنى دُخُولِ الباءِ عَلَيْهِ، فَهَلْ دَخَلَتْ عَلى مَعْنى الأمْرِ أوْ عَلى مَعْنى الخَبَرِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: دَخَلَتْ عَلى مَعْنى الأمْرِ وتَقْدِيرُهُ: ابْدَؤُوا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ.

والثّانِي: عَلى مَعْنى الإخْبارِ وتَقْدِيرُهُ: بَدَأْتُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.

وَحُذِفَتْ ألِفُ الوَصْلِ، بِالإلْصاقِ في اللَّفْظِ والخَطِّ، لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ كَما حُذِفَتْ مِنَ الرَّحْمَنِ، ولَمْ تُحْذَفْ مِنَ الخَطِّ في قَوْلِهِ: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴾ \[العَلَقِ: آيَةُ ١\] لِقِلَّةِ اسْتِعْمالِهِ.

الِاسْمُ: كَلِمَةٌ تَدُلُّ عَلى المُسَمّى دِلالَةَ إشارَةٍ، والصِّفَةُ كَلِمَةٌ تَدُلُّ عَلى المَوْصُوفِ دِلالَةَ إفادَةٍ، فَإنْ جَعَلْتَ الصِّفَةَ اسْمًا، دَلَّتْ عَلى الأمْرَيْنِ: عَلى الإشارَةِ والإفادَةِ.

وَزَعَمَ قَوْمٌ أنَّ الِاسْمَ ذاتُ المُسَمّى، واللَّفْظَ هو التَّسْمِيَةُ دُونَ الِاسْمِ، وهَذا فاسِدٌ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ أسْماءُ الذَّواتِ هي الذَّواتَ، لَكانَ أسْماءُ الأفْعالِ هي الأفْعالَ، وهَذا مُمْتَنِعٌ في الأفْعالِ فامْتَنَعَ في الذَّواتِ.

واخْتَلَفُوا في اشْتِقاقِ الِاسْمِ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ السِّمَةِ، وهي العَلامَةُ، لِما في الِاسْمِ مِن تَمْيِيزِ المُسَمّى، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ.

والثّانِي: أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ السُّمُوِّ، وهي الرِّفْعَةُ لِأنَّ الِاسْمَ يَسْمُو بِالمُسَمّى فَيَرْفَعُهُ مِن غَيْرِهِ، وهَذا قَوْلُ الخَلِيلِ والزَّجّاجِ.

وَأنْشَدَ قَوْلَ عَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبَ: إذا لَمْ تَسْتَطِعْ أمْرًا فَدَعْهُ ∗∗∗ وجاوِزْهُ إلى ما تَسْتَطِيعُ ∗∗∗ وصِلْهُ بِالدُّعاءِ فَكُلُّ أمْرٍ ∗∗∗ سَما لَكَ أوْ سَمَوْتَ لَهُ وُلُوعُ وَتَكَلَّفَ مَن راعى مَعانِيَ الحُرُوفِ بِبِسْمِ اللَّهِ تَأْوِيلًا، أجْرى عَلَيْهِ أحْكامَ الحُرُوفِ المَعْنَوِيَّةَ، حَتّى صارَ مَقْصُودًا عِنْدَ ذِكْرِ اللَّهِ في كُلِّ تَسْمِيَةٍ، ولَهم فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ الباءَ بَهاؤُهُ وبَرَكَتُهُ، وبِرُّهُ وبَصِيرَتُهُ، والسِّينَ سَناؤُهُ وسُمُوُّهُ وسِيادَتُهُ، والمِيمَ مَجْدُهُ ومَمْلَكَتُهُ ومَنُّهُ، وهَذا قَوْلُ الكَلْبِيِّ.

والثّانِي: أنَّ الباءَ بَرِيءٌ مِنَ الأوْلادِ، والسِّينَ سَمِيعُ الأصْواتِ والمِيمَ مُجِيبُ الدَّعَواتِ، وهَذا قَوْلُ سُلَيْمانَ بْنَ يَسارٍ.

والثّالِثُ: أنَّ الباءَ بارِئُ الخَلْقِ، والسِّينَ ساتِرُ العُيُوبِ، والمِيمَ المَنّانُ، وهَذا قَوْلُ أبِي رَوْقٍ.

وَلَوْ أنَّ هَذا الِاسْتِنْباطَ يُحْكى عَمَّنْ يُقْتَدى بِهِ في عِلْمِ التَّفْسِيرِ لَرُغِبَ عَنْ ذِكْرِهِ، لِخُرُوجِهِ عَمّا اخْتَصَّ اللَّهُ تَعالى بِهِ مِن أسْمائِهِ، لَكِنْ قالَهُ مَتْبُوعٌ فَذَكَرْتُهُ مَعَ بُعْدِهِ حاكِيًا، لا مُحَقِّقًا لِيَكُونَ الكِتابُ جامِعًا لِما قِيلَ.

وَيُقالُ لِمَن قالَ (بِسْمِ اللَّهِ بَسْمَلَ عَلى لُغَةٍ مُوَلَّدَةٍ، وقَدْ جاءَتْ في الشِّعْرِ، قالَ عُمَرُ بْنُ أبِي رَبِيعَةَ: لَقَدْ بَسْمَلَتْ لَيْلى غَداةَ لَقِيتُها ∗∗∗ فَيا حَبَّذا ذاكَ الحَبِيبُ المُبَسْمِلُ فَأمّا قَوْلُهُ: (اللَّهِ)، فَهو أخَصُّ أسْمائِهِ بِهِ، لِأنَّهُ لَمْ يَتَسَمَّ بِاسْمِهِ الَّذِي هو (اللَّهُ) غَيْرُهُ.

والتَّأْوِيلُ الثّانِي: أنَّ مَعْناهُ: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ شَبِيهًا، وهَذا أعَمُّ التَّأْوِيلَيْنِ، لِأنَّهُ يَتَناوَلُ الِاسْمَ والفِعْلَ.

وَحُكِيَ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ أنَّهُ الِاسْمُ الأعْظَمُ مِن أسْمائِهِ تَعالى، لِأنَّ غَيْرَهُ لا يُشارِكُهُ فِيهِ.

واخْتَلَفُوا في هَذا الِاسْمِ هَلْ هو اسْمُ عَلَمٍ لِلذّاتِ أوِ اسْمٌ مُشْتَقٌّ مِن صِفَةٍ، عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْمُ عَلَمٍ لِذاتِهِ، غَيْرُ مُشْتَقٍّ مِن صِفاتِهِ، لِأنَّ أسْماءَ الصِّفاتِ تَكُونُ تابِعَةً لِأسْماءِ الذّاتِ، فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِن أنْ يَخْتَصَّ بِاسْمِ ذاتٍ، يَكُونُ عَلَمًا لِتَكُونَ أسْماءُ الصِّفاتِ والنُّعُوتُ تَبَعًا.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِن ألِهَ، صارَ بِاشْتِقاقِهِ عِنْدَ حَذْفِ هَمْزِهِ، وتَفْخِيمِ لَفْظِهِ اللَّهَ.

واخْتَلَفُوا فِيما اشْتُقَ مِنهُ إلَهٌ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الوَلَهِ، لِأنَّ العِبادَ يَأْلَهُونَ إلَيْهِ، أيْ يَفْزَعُونَ إلَيْهِ في أُمُورِهِمْ، فَقِيلَ لِلْمَأْلُوهِ إلَيْهِ: إلَهٌ، كَما قِيلَ لِلْمُؤْتَمِّ بِهِ: إمامٌ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الأُلُوهِيَّةِ، وهي العِبادَةُ، مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ يَتَألَّهُ، أيْ يَتَعَبَّدُ، قالَ رُؤْبَةُ بْنُ العَجّاجِ لِلَّهِ دَرُّ الغانِياتِ المُدَّهِ ∗∗∗ لَمّا رَأيْنَ خَلِقَ المُمَوَّهِ سَبَّحْنَ واسْتَرْجَعْنَ مِن تَألُّهِ أيْ مِن تَعَبُّدٍ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ: ﴿ وَيَذَرَكَ وآلِهَتَكَ ﴾ أيْ وعِبادَتَكَ.

ثُمَّ اخْتَلَفُوا، هَلِ اشْتُقَّ اسْمُ الإلَهِ مِن فِعْلِ العِبادَةِ، أوْ مِنِ اسْتِحْقاقِها، عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِن فِعْلِ العِبادَةِ، فَعَلى هَذا، لا يَكُونُ ذَلِكَ صِفَةً لازِمَةً قَدِيمَةً لِذاتِهِ، لِحُدُوثِ عِبادَتِهِ بَعْدَ خَلْقِ خَلْقِهِ، ومَن قالَ بِهَذا مَنَعَ مِن أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى إلَهًا لَمْ يَزَلْ، لِأنَّهُ قَدْ كانَ قَبْلَ خَلْقِهِ غَيْرَ مَعْبُودٍ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنِ اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ ذَلِكَ صِفَةً لازِمَةً لِذاتِهِ، لِأنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُسْتَحِقًّا لِلْعِبادَةِ، فَلَمْ يَزَلْ إلَهًا، وهَذا أصَحُّ القَوْلَيْنِ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ مُشْتَقًّا مِن فِعْلِ العِبادَةِ لا مِنِ اسْتِحْقاقِها، لَلَزِمَ تَسْمِيَةُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلَهًا، لِعِبادَةِ النَّصارى لَهُ، وتَسْمِيَةُ الأصْنامِ آلِهَةً، لِعِبادَةِ أهْلِها لَها، وفي بُطْلانٍ هَذا دَلِيلٌ عَلى اشْتِقاقِهِ مِنِ اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ، لا مِن فِعْلِها، فَصارَ قَوْلُنا: (إلَهٌ عَلى هَذا القَوْلِ صِفَةً مِن صِفاتِ الذّاتِ، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ مِن صِفاتِ الفِعْلِ.

وَأمّا (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)، فَهُما اسْمانِ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، والرَّحِيمُ فِيها اسْمٌ مُشْتَقٌّ مِن صِفَتِهِ.

وَأمّا الرَّحْمَنُ فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْمٌ عِبْرانِيٌّ مُعَرَّبٌ، ولَيْسَ بِعَرَبِيٍّ، كالفُسْطاطِ رُومِيٌّ مُعَرَّبٌ، والإسْتَبْرَقِ فارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ، لِأنَّ قُرَيْشًا وهم فَطَنَةُ العَرَبِ وفُصَحاؤُهُمْ، لَمْ يَعْرِفُوهُ حَتّى ذُكِرَ لَهُمْ، وقالُوا ما حَكاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ: ﴿ وَما الرَّحْمَنُ أنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وزادَهم نُفُورًا  ﴾ ، وهَذا قَوْلُ ثَعْلَبٍ واسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ جَرِيرٍ أوَتَتْرُكُونَ إلى القَسَّيْنِ هِجْرَتَكم ∗∗∗ ومَسْحَكم صُلْبَهم رَحْمَنَ قُرْبانًا قالَ: ولِذَلِكَ جَمَعَ بَيْنَ الرَّحْمَنِ والرَّحِيمِ، لِيَزُولَ الِالتِباسُ، فَعَلى هَذا يَكُونُ الأصْلُ فِيهِ تَقْدِيمَ الرَّحِيمِ عَلى الرَّحْمَنِ لِعَرَبِيَّتِهِ، لَكِنْ قَدَّمَ الرَّحْمَنَ لِمُبالَغَتِهِ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الرَّحْمَنَ اسْمٌ عَرَبِيٌّ كالرَّحِيمِ لِامْتِزاجِ حُرُوفِهِما، وقَدْ ظَهَرَ ذَلِكَ في كَلامِ العَرَبِ، وجاءَتْ بِهِ أشْعارُهُمْ، قالَ الشَّنْفَرى: ألا ضَرَبَتْ تِلْكَ الفَتاةُ هَجِينَها ∗∗∗ ألا ضَرَبَ الرَّحْمَنُ رَبِّي يَمِينَها فَإذا كانا اسْمَيْنِ عَرَبِيَّيْنِ فَهُما مُشْتَقّانِ مِنَ الرَّحْمَةِ، والرَّحْمَةُ هي النِّعْمَةُ عَلى المُحْتاجِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وَما أرْسَلْناكَ إلا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ  ﴾ ، يَعْنِي نِعْمَةً عَلَيْهِمْ، وإنَّما سُمِّيَتِ النِّعْمَةُ رَحْمَةً لِحُدُوثِها عَنِ الرَّحْمَةِ.

والرَّحْمَنُ أشَدُّ مُبالَغَةً مِنَ الرَّحِيمِ، لِأنَّ الرَّحْمَنَ يَتَعَدّى لَفْظُهُ ومَعْناهُ، والرَّحِيمُ لا يَتَعَدّى لَفْظُهُ، وإنَّما يَتَعَدّى مَعْناهُ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ قَوْمٌ بِالرَّحِيمِ، ولَمْ يَتَسَمَّ أحَدٌ بِالرَّحْمَنِ، وكانَتِ الجاهِلِيَّةُ تُسَمِّي اللَّهَ تَعالى بِهِ وعَلَيْهِ بَيْتُ الشَّنْفَرى، ثُمَّ إنَّ مُسَيْلِمَةَ الكَذّابَ تَسَمّى بِالرَّحْمَنِ، واقْتَطَعَهُ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، قالَ عَطاءٌ: فَلِذَلِكَ قَرَنَهُ اللَّهُ تَعالى بِالرَّحِيمِ، لِأنَّ أحَدًا لَمْ يَتَسَمَّ بِالرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ لِيَفْصِلَ اسْمَهُ عَنِ اسْمِ غَيْرِهِ، فَيَكُونُ الفَرْقُ في المُبالَغَةِ، وفَرَّقَ أبُو عُبَيْدَةَ بَيْنَهُما، فَقالَ: بِأنَّ الرَّحْمَنَ ذُو الرَّحْمَةِ، والرَّحِيمَ الرّاحِمُ.

واخْتَلَفُوا في اشْتِقاقِ الرَّحْمَنِ والرَّحِيمِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُما مُشْتَقّانِ مِن رَحْمَةٍ واحِدَةٍ، جُعِلَ لَفْظُ الرَّحْمَنِ أشَدَّ مُبالَغَةً مِنَ الرَّحِيمِ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُما مُشْتَقّانِ مِن رَحْمَتَيْنِ، والرَّحْمَةَ الَّتِي اشْتُقَّ مِنها الرَّحْمَنُ، غَيْرُ الرَّحْمَةِ الَّتِي اشْتُقَّ مِنها الرَّحِيمُ، لِيَصِحَّ امْتِيازُ الِاسْمَيْنِ، وتَغايُرُ الصِّفَتَيْنِ، ومَن قالَ بِهَذا القَوْلِ اخْتَلَفُوا في الرَّحْمَتَيْنِ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ الرَّحْمَنَ مُشْتَقٌّ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ، والرَّحِيمَ مُشْتَقٌّ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ لِأهْلِ طاعَتِهِ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الرَّحْمَنَ مُشْتَقٌّ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى لِأهْلِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، والرَّحِيمَ مُشْتَقٌّ مِن رَحْمَتِهِ لِأهْلِ الدُّنْيا دُونَ الآخِرَةِ.

والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ الرَّحْمَنَ مُشْتَقٌّ مِنَ الرَّحْمَةِ الَّتِي يَخْتَصُّ اللَّهُ تَعالى بِها دُونَ عِبادِهِ، والرَّحِيمَ مُشْتَقٌّ مِنَ الرَّحْمَةِ الَّتِي يُوجَدُ في العِبادِ مِثْلُها.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

قوله تعالى: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّّهِ ﴾ أخرج عبد الرزاق في المصنف والحكيم الترمذي في نوادر الأصول والخطابي في الغريب والبيهقي في الأدب والديلمي في مسند الفردوس والثعلبي عن عبد الله بن عمرو بن العاص «عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قرأ ﴿ الحمد ﴾ رأس الشكر، فما شكر الله عبد لا يحمده» .

وأخرج الطبراني في الأوسط بسند ضعيف عن النوّاس بن سمعان قال: سرقت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «لئن ردها الله لأشكرن ربي، فوقعت في حي من أحياء العرب فيهم امرأة مسلمة، فوقع في خلدها أن تهرب عليها، فرأت من القوم غفلة فقعدت عليها ثم حركتها فصبحت بها المدينة، فلما رأها المسلمون فرحوا بها، ومشوا بمجيئها حتى أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رأها قال: ﴿ الحمد لله ﴾ فانتظروا هل يحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم صوماً أو صلاة؟

فظنوا أنه نسي فقالوا: يا رسول الله قد كنت قلت لئن ردها الله لأشكرن ربي.

قال: ألم أقل ﴿ الحمد لله ﴾ ؟» .

وأخرج ابن جرير والحاكم في تاريخ نيسابور والديلمي بسند ضعيف عن الحكم بن عمير وكانت له صحبة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا قلت ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾ فقد شكرت الله فزادك» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس قال: ﴿ الحمد لله ﴾ كلمة الشكر إذا قال العبد ﴿ الحمد لله ﴾ قال الله شكرني عبدي.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: ﴿ الحمد ﴾ هو الشكر والاستحذاء لله، والاقرار بنعمه، وهدايته، وابتدائه.

وغير ذلك.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: قال عمر: قد علمنا سبحان الله، ولا إلَه إلا الله، فما الحمد؟

قال علي: كلمة رضيها الله لنفسه، وأحب أن تقال.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن كعب قال: ﴿ الحمد لله ﴾ ثناء على الله.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الضحاك قال: ﴿ الحمد لله ﴾ رداء الرحمن.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي عبد الرحمن الجبائي قال: الصلاة شكر، والصيام شكر، وكل خير تفعله لله شكر، وأفضل الشكر ﴿ الحمد ﴾ .

وأخرج الترمذي وحسنه والنسائي وابن ماجة وابن حبان والبيهقي في شعب الإِيمان عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء ﴿ الحمد لله ﴾ » .

وأخرج ابن ماجة والبيهقي بسند حسن عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أنعم الله على عبده نعمة فقال: ﴿ الحمد لله ﴾ إلاَّ كان الذي أعطى أفضل مما أخذه» .

وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من عبد ينعم الله عليه بنعمة إلاَّ كان ﴿ الحمد ﴾ أفضل منها» .

وأخرج عبد الرزاق والبيهقي في الشعب عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أنعم الله على عبد نعمة يحمد الله عليها إلاَّ كان حمد الله أعظم منها، كائنة ما كانت» .

وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو أن الدينا كلها بحذافيرها في يد رجل من أمتي، ثم قال: ﴿ الحمد لله ﴾ لكان الحمد أفضل من ذلك» .

وأخرج أحمد ومسلم والنسائي عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الطهور شطر الإيمان ﴿ والحمد لله ﴾ تملأ الميزان، وسبحان الله تملآن أو تملأ مابين السماء والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو.

فبائع نفسه، فمعتقها أو موبقها» .

وأخرج سعيد بن منصور وأحمد والترمذي وحسنه وابن مردويه عن رجل من بني سليم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «سبحان الله نصف الميزان، والحمد لله تملأ الميزان، والله أكبر يملأ ما بين السماء والأرض، والطهور نصف الميزان، والصوم نصف الصبر» .

وأخرج الترمذي عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «التسبيح نصف الميزان، والحمد لله تملأه ولا إله إلا الله ليس لها دون الله حجاب حتى تخلص إليه» .

وأخرج أحمد والبخاري في الأدب المفرد والنسائي والحاكم وصححه وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في شعب الإِيمان عن الأسود بن سريع التميمي قال: «قلت: يا رسول الله ألا أنشدك محامد حمدت بها ربي تبارك وتعالى قال: أما أن ربك يحب الحمد» .

وأخرج ابن جرير عن الأسود بن سريع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس شيء أحب إليه الحمد من الله، ولذلك أثنى على نفسه فقال: ﴿ الحمد لله ﴾ » .

وأخرج البيهقي عن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «التأنّي من الله، والعجلة من الشيطان، وما شيء أكثر معاذير من الله، وما شيء أحب إلى الله من الحمد» .

وأخرج ابن شاهين في السنة والديلمي من طريق أبان عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «التوحيد ثمن الجنة، و ﴿ الحمد لله ﴾ ثمن كل نعمة، ويتقاسمون الجنة بأعمالهم» .

وأخرج الخطيب في تالي التلخيص من طريق ثابت عن أنس مرفوعاً: «التوحيد ثمن الجنة، والحمد وفاء شكر كل نعمة» .

وأخرج أبو داود والنسائي وابن ماجة وابن حبان والبيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل أمر ذي بال لايبدأ فيه بحمد الله فهو أقطع» .

وأخرج البخاري في الأدب المفرد عن ابن عباس قال: إذا عطس أحدكم فقال: ﴿ الحمد لله ﴾ قال الملك: رب العالمين فإذا قال رب العالمين قال الملك يرحمك الله.

وأخرج البخاري في الأدب وابن السني وأبو نعيم كلاهما في الطب النبوي عن علي بن أبي طالب قال: من قال عند كل عطسة سمعها ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾ على كل حال ما كان.

لم يجد وجع الضرس والأذن أبداً.

وأخرج الحكيم الترمذي عن واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من بادر العاطس بالحمد لم يضره شيء من داء البطن» .

وأخرج الحكيم الترمذي عن موسى بن طلحة قال: أوحى إلى سليمان: إن عطس عاطس من وراء سبعة أبحر فاذكرني.

وأخرج البيهقي عن علي قال: «بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية من أهله فقال: اللهم لك عليّ إن رددتهم سالمين أن أشكرك حقّ شكرك.

فما لبثوا أن جاؤوا سالمين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ الحمد لله ﴾ على سابغ نعم الله فقلت يا رسول الله ألم تقل إن ردهم الله أن أشكره حق شكره فقال أو لم أفعل» .

وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب الشكر وابن مردويه والبيهقي من طريق سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة عن أبيه عن جده قال: «بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثاً من الأنصار وقال: إن سلمهم الله وأغنمهم فإن لله علي في ذلك شكراً.

فلم يلبثوا أن غنموا وسلموا فقال بعض أصحابه: سمعناك تقول إن سلمهم الله وأغنمهم فإن لله عليّ في ذلك شكراً قال: قد فعلت!

قلت: اللهم شكراً، ولك الفضل المن فضلاً» .

وأخرج أبو نعيم في الحلية والبيهقي عن جعفر بن محمد قال: فقد أبي بغلته فقال: لئن ردها الله عليّ لأحمدنَّه بمحامد يرضاها، فما لبث أن أتى بها بسرجها ولجامها، فركبها فلما استوى عليها رفع رأسه إلى السماء فقال: ﴿ الحمد لله ﴾ لم يزد عليها فقيل له في ذلك....

فقال: وهل تركت شيئاً أو أبقيت شيئاً؟

جعلت الحمد كله لله عز وجل.

وأخرج البيهقي من طريق منصور عن ابراهيم قال: يقال إن ﴿ الحمد لله ﴾ أكثر الكلام تضعيفاً.

وأخرج أبو الشيخ والبيهقي عن محمد بن حرب قال: قال سفيان الثوري: ﴿ الحمد لله ﴾ ذكر وشكر، وليس شيء يكون ذكراً وشكراً غيره.

وأخرج ابن أبي الدنيا وأبو نعيم في الحلية عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: إن العبد إذا قال: سبحان الله فهي صلاة الخلائق، وإذا قال: ﴿ الحمد لله ﴾ فهي كلمة الشكر التي لم يشكر الله عبد قط حتى يقولها؛ وإذا قال لا إله إلا الله فهي كلمة الإِخلاص التي لم يقبل الله من عبد قط عملاً حتى يقولها، وإذا قال: الله أكبر ملأ ما بين السماء والأرض، وإذا قال: لا حول ولا قوّة إلا بالله قال الله: أسلم واستسلم.

قوله تعالى: ﴿ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وصححه من طرق عن ابن عباس في قوله: ﴿ رب العالمين ﴾ قال: الجن والإِنس.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ رب العالمين ﴾ قال: الجن والإِنس.

وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير، مثله.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ رب العالمين ﴾ قال: إله الخلق كله.

السموات كلهن ومن فيهن، والأرضون كلهن ومن فيهن ومن بينهن مما يعلم ومما لا يعلم.

وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول وأبو يعلي في مسنده وابن عدي في الكامل وأبو الشيخ في العظمة والبيهقي في شعب الإِيمان والخطيب في التاريخ بسند ضعيف عن جابر بن عبد الله قال: قل الجراد في سنة من سني عمر التي ولي فيها، فسأل عنه فلم يخبر بشيء، فاغتنم لذلك فأرسل راكباً يضرب إلى كداء، وآخر إلى الشام، وآخر إلى العراق، يسأل هل رؤي من الجراد شيء أو لا؟

فأتاه الراكب الذي من قبل اليمن بقبضة من جراد، فألقاها بين يديه.

فلما رآها كبر ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «خلق الله ألف أمة.

ستمائة في البحر، وأربعمائة في البر، فأول شيء يهلك من هذه الأمم الجراد، فإذا أهلكت تتابعت مثل النظام إذا قطع سلكه» .

وأخرج ابن جريج عن قتادة في قوله: ﴿ رب العالمين ﴾ قال: كل صنف عالم.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن تتبع الجهري قال: العالمون ألف أمة..

فستمائة في البحر، وأربعمائة في البر.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله: ﴿ رب العالمين ﴾ قال: الإِنس عالم، والجن عالم، وما سوى ذلك ثمانية عشر ألف عالم من الملائكة، وللأرض أربع زوايا في كل زاوية ثلاثة آلاف عالم وخمسمائة عالم خلقهم لعبادته.

وأخرج الثعلبي من طريق شهر بن حوشب عن أبي كعب قال: العالمون الملائكة وهم ثمانون ثمانية عشر ألف ملك، منهم أربعمائة أو خمسمائة ملك بالمشرق، ومثلها بالمغرب، ومثلها بالكتف الثالث من الدنيا، ومثلها بالكتف الرابع من الدنيا، مع كل ملك من الأعوان ما لا يعلم عددهم إلا الله.

وأخرج أبو الشيخ وأبو نعيم في الحلية عن وهب قال: إن لله عز وجل ثمانية عشر ألف عالم.

الدنيا منها عالم واحد.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله عز وجل (١) ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ اختلفت عبارة النحويين في تسمية هذِه الباء الجارة، فسموها مرة: حرف إلصاق، ومرة: حرف استعانة، ومرة: حرف إضافة، وكل هذا صحيح من قولهم (٢) أما الإلصاق: فنحو قولك: تمسكت بزيد، وذلك أنك ألصقت محل قدرتك به، وبما اتصل به، فقد صح إذن معنى الإلصاق (٣) وأما الاستعانة: فقولك: ضربت بالسيف، وكتبت بالقلم، وبريت بالمدية، أي: استعنت بهذِه الأدوات على هذِه الأفعال.

وأما الإضافة: فقولك: مررت بزيد، أضفت مرورك إلى زيد بالباء (٤) وأما قول النحويين (٥) (٦) ألا ترى أن (اليوم تنساه) لا باء فيه، ولا كاف (٧) وحذاق النحويين لا يسمونها زوائد، بل يقولون في الباء واللام: إنهما حرفا إضافة (٨) (٩) وهذِه حروف أدوات عاملة (١٠) (١١) وإنما جرت (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) مُعَاويَ إِنَّناَ بَشَرٌ فَأَسْجِحْ ...

فَلَسْنَا بِالجِبَالِ ولَا الحَدِيدَا (٢٣) (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) (٢٨) (وجميع (٢٩) فأما (الباء) في (بزيد) فإنما كسرت لمضارعتها (اللام) الجارة (٣٠) ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ  ﴾ إن شاء الله (٣١) (٣٢) فأما المتعلق به (الباء) في قوله ﴿ بِسْمِ اللَّهِ ﴾ فإنه محذوف، ويستغنى عن إظهارها لدلالة الحال عليه، وهو معنى الابتداء، كأنه قيل (بدأت بسم الله) (٣٣) (٣٤) وحذفت الألف من بسم الله؛ لأنها وقعت (٣٥) ﴿ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ  ﴾ لأن هذا لا يكثر كثرة (بسم الله) ألا ترى أنك تقول: (بسم الله) عند ابتداء كل شيء (٣٦) ولا تحذف الألف إذا أضيف (الاسم) إلى غير (٣٧) (٣٨) (٣٩) (٤٠) فأما معنى: (الاسم) واشتقاقه ومأخذه من اللغة، فقد كثر فيها الاختلاف، فقال (٤١) (٤٢) (٤٣) (٤٤) وقال مشيخة البصرة: (الاسم) مشتق من السمو، لأنه يعلو المسمى، فالاسم: ما علا وظهر (٤٥) (٤٦) (٤٧) (٤٨) وعند المتكلمين أنه اشتق من السمو؛ لأنه سما عن حد العدم إلى الوجود (٤٩) (٥٠) (٥١) (٥٢) (٥٣) (٥٤) (٥٥) (٥٦) قالوا: و (٥٧) وأيضا فلو كان من الوسم لكان تصغيره (وسيما)، كما يقول: (وعيدة) و (وصيلة) في تصغير: صلة وعدة (٥٨) وأما معنى (الاسم) ففيه مذهبان (٥٩) (٦٠) والثاني وهو الصحيح: أن الاسم هو المسمى (٦١) (٦٢) ﴿ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ  ﴾ فلو كان الاسم غير المسمى وجب أن يكون المأمور بطاعته غير الله وغير الرسول، وإذا قال القائل: رأيت زيدا، وجب أن يكون لم ير شخص زيد.

وسئل أحمد بن يحيى (٦٣) (٦٤) (٦٥) وإذا كان الاسم هو المسمى فمعنى قول القائل: (بسم الله) أي بالله، ومعناه بالله أفعل، أي بتوفيقه، أو بالله تكونت الموجودات، أو ما أشبه هذا من الإضمار (٦٦) وأدخل الاسم ليكون فرقا بين اليمين والتيمن (٦٧) وأكثر ما يستعمل الاسم يستعمل بمعنى التسمية (٦٨) (٦٩) (٧٠) ودلالة الإفادة هو ما أفاد السامع معنى، كقولك: قام وذهب (٧١) (٧٢) (٧٣) بالكسر والضم وقوله (٧٤) (٧٥) (٧٦) أحدهما: قال: كان أصل هذا الاسم إلاها (٧٧) (٧٨) (٧٩) (٨٠) (٨١) ويدل عليه (٨٢) (٨٣) (٨٤) (٨٥) (٨٦) وفي تعويضهم من همزة (إلاه) ما يدل على أن حذفها ليس على حد القياس (٨٧) (٨٨) (٨٩) فلو كانت غير عوض لم تثبت كما لم تثبت في غير هذا الاسم، ولما اختص هذا الاسم بقطع الهمزة فيه عَلِمنا أن ذلك لمعنى ليس في غيره، وهو كونها عوضا من المحذوف الذي هو (الفاء).

ألا ترى أنك إذا أثبت الهمزة في (الإله) لم تكن (الألف واللام) فيه على حدهما في قولنا: (الله) لأن قطع همزة الوصل لا يجوز في (الإله)، كما جاز في قولنا: (الله) لأنهما ليسا بعوض من شيء (٩٠) القول الثاني: في أصل هذِه الكلمة: أن أصله (لَاهٌ) ووزنه على هذا (فَعْلٌ) (٩١) (٩٢) (٩٣) (٩٤) (٩٥) (٩٦) فالألف -على هذا القول- في الاسم منقلبة عن (الياء) لظهورها في موضع (اللام) المقلوبة إلى موضع (العين) وهي في (٩٧) (٩٨) وحكى أبو بكر محمد بن السري (٩٩) (١٠٠) وأما اشتقاق هذا الاسم من اللغة فذهبت طائفة منهم الخليل (١٠١) (١٠٢) (١٠٣) (١٠٤) (١٠٥) ﴿ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا  ﴾ (١٠٦) (١٠٧) ورُويَ عن ابن عباس أنه كان يقرأ (ويذرك وإِلاهَتَك) [الأعراف: 127] قال معناه: عبادتك (١٠٨) (١٠٩) (١١٠) سَبَّحْنَ واسْتَرْجَعْنَ (١١١) (١١٢) وقد سَمَّت (١١٣) (١١٤) (١١٥) وإنما سموها الإلاَهَة على نحو تعظيمهم لها وعبادتهم إياها كفرا.

وعلى ذلك نهاهم الله وأمرهم بالتوجه في العبادة إليه في قوله جل وعلا: ﴿ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ  ﴾ [فصلت: 37] الآية (١١٦) (١١٧) قال الله تعالى: ﴿ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ  ﴾ وهي أصنام كان يعبدها (١١٨) (١١٩) كَحَلْفَةٍ مِنْ أَبِي رِيَاحٍ ...

يَسْمَعُهَا لاَهُهُ (١٢٠) (١٢١) (١٢٢) قالوا: وهو (١٢٣) (١٢٤) (١٢٥) وأخبرني أبو الفضل أحمد بن محمد بن عبد الله العروضي -رحمه الله- قال: أبنا (١٢٦) (١٢٧) (١٢٨) (١٢٩) ﴿ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ  ﴾ ولا يكون إلهًا حتى يكون معبودًا، وحتى يكون لعابده (١٣٠) (١٣١) (١٣٢) (١٣٣) وحكي عن أبي عمرو بن العلاء أنه مشتق من أَلِهْت في الشيء آلَهُ إلها إذا تحيرت فيه (١٣٤) وتسمى المفازة ميلها.

وقال الأعشى (١٣٥) وَبَهْمَاءَ تِيهٍ تَأْلهَ العَيْنُ وَسْطَهَا ...

وَتَلْقَى بِهَا بَيْضَ النَّعَام تَرَائِكَا (١٣٦) (١٣٧) وعند متكلمي أصحابنا (١٣٨) (١٣٩) وقد أشار أبو الهيثم إلى هذا فيما ذكر، قالوا: وانما سَمَّت العرب معبوداتهم آلهة (١٤٠) والإمالة في اسم الله تعالى جائزة في قياس العرب (١٤١) (١٤٢) فإن كانت زائدة جازت فيها الإمالة من وجهين: أحدهما: أن الهمزة المحذوفة كانت مكسورة، وكسرها يوجب الإمالة في الألف، كما أن الكسرة في (عماد) توجب إمالة ألفه.

فإن قلت: كيف تمال الألف من أجل الكسرة في الهمزة وهي محذوفة؟

فالقول فيها إنها وإن كانت محذوفة، موجبة للإمالة (١٤٣) (١٤٤) (١٤٥) (١٤٦) والوجه الثاني: (لام) (١٤٧) (١٤٨) (١٤٩) (١٥٠) (١٥١) وقوله: ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ .

معنى الرحمة في صفة الله تعالى: إرادته الخير والنعمة بأهله، وهي صفة ذات، وفي صفة أحدنا تكون رقة قلب وشفقة (١٥٢) قال أبو بكر محمد بن القاسم بن (١٥٣) (١٥٤) (١٥٥) (١٥٦) (١٥٧) فأنكر عليه بعض الناس (١٥٨) أَلاَ ضَرَبَت تِلْكَ الفَتَاة (١٥٩) (١٦٠) فقال (١٦١)  يذكره قالوا: ما نعرف الرحمن إلا رجلًا باليمامة (١٦٢) ﴿ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ  ﴾ وإنما يذكر بعض الشعراء الرحمن في الجاهلية، إذ (١٦٣) (١٦٤) (١٦٥) (١٦٦) (١٦٧) ومراد أبي العباس أن الرحمن يتكلم به بالعبرانية (١٦٨) (١٦٩) (١٧٠) والصحيح أنه مشتق من الرحمة، وأنه اسم عربي لوجود هذا البناء في كلامهم، كاللهفان والندمان والغضبان (١٧١) ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ اسمان، اشتقاقهما (١٧٢) (١٧٣) وقال أبو عبيدة: هما صفتان لله تعالى، معناهما ذو الرحمة (١٧٤) ﴿ وَمَا الرَّحْمَنُ  ﴾ فهو سؤال عن الصفة، ولذلك قالوا: ﴿ وَمَا الرَّحْمَنُ ﴾ ، ولم يقولوا: ومن، والقوم جهلوا صفته، والاسم كان معلوما لهم في الجملة (١٧٥) (١٧٦) فإن قيل: على هذا كان الرحمن أشد مبالغة، فلم بدئ بذكره (١٧٧) (١٧٨) (١٧٩) والجواب: أنه بدئ (١٨٠) (١٨١) (١٨٢) (١٨٣) وقال وكيع: الرحيم أشد مبالغة؛ لأنه ينبئ عن رحمته في الدنيا والآخرة ورحمة الرحمانية في الدنيا دون الآخرة (١٨٤) وقال آخرون: إنهما بمعنى واحد كندمان ونديم، ولهفان ولهيف، وجيء بهما للتأكيد والإشباع، كقولهم: جادٌّ ومُجِدُّ (١٨٥) (١٨٦) مَتَى أَدْنُ مِنْه يَنْأَ مِنِّي (١٨٧) (١٨٨) (١٨٩) وأَلْفى قَولَهَا كَذِبًا وَمَيْنَا (١٩٠) في أمثال لهذا، وروي عن ابن عباس أنه قال.

الرحمن الرحيم، اسمان رقيقان أحدهما أرق من الآخر (١٩١) قال الحسين (١٩٢) (١٩٣) (١٩٤) (١٩٥) (١٩٦) وقال بعضهم: الرحمن خاص اللفظ عام المعنى، والرحيم عام اللفظ خاص المعنى (١٩٧) (١) قوله (عز وجل) ساقط من (ج).

(٢) نقل الواحدي الكلام عن (الباء) من كتاب "سر صناعة الإعراب" لأبي الفتح ابن جني 1/ 122 بالنص في الغالب، وقد يتصرف بالعبارة أحيانا.

وللباء معان كثيرة أوصلها المزني إلى واحد وعشرين معنى.

انظر: "الحروف" للمزني ص 54، "حروف المعاني" للزجاجي ص 47، 86، 87، "مغني اللبيب" 1/ 101، "البحر المحيط" 1/ 14.

(٣) "سر صناعة الإعراب" 1/ 123، وفيه (ألصقت محل قدرتك أو ما اتصل بمحل قدرتك به أو بما اتصل به ..).

وسمى سيبويه هذا المعنى: إلزاقا واختلاطا "الكتاب" 4/ 217، قال ابن هشام: وهو معنى لا يفارقها، ولهذا لم يذكر سيبويه غيره.

"مغني اللبيب" 1/ 101، ولكن نجد سيبويه ذكر معنى الإضافة في "الكتاب" 1/ 421.

(٤) "سر صناعة الإعراب" 1/ 123، انظر: "الكتاب" 1/ 121، "المقتضب" 1/ 177، "مغني اللبيب" 1/ 101، "البحر المحيط" 1/ 14.

(٥) "سر صناعة الإعراب" 1/ 120.

(٦) في (ب): (لتعلموا).

(٧) (اليوم تنساه) جملة يستعملها النحويون تجمع الحروف الزوائد وهي عشرة حروف، والمراد أن (الباء) و (الكاف) ليستا من الحروف الزوائد.

انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 120، "التبصرة والتذكرة" للصيمري 2/ 788.

(٨) عند أبي الفتح: (فأما حذاق أصحابنا فلا يسمونها بذلك، يقولون في الباء واللام أنهما حرفا إضافة).

"سر صناعة الإعراب" 1/ 121، وهذا قول سيبويه.

انظر: "الكتاب" 1/ 421، وانظر: "المقتضب" 1/ 183، 4/ 136 - 143، ووسمها ابن هشام في "مغني اللبيب" بالزيادة 1/ 106.

(٩) انظر: "الكتاب" 4/ 217، "المقتضب" 4/ 140، "مغني اللبيب" 1/ 176 - 179.

(١٠) في (ب): (عاملات).

(١١) قوله: (وهذِه حروف أدوات ..) ليس من كلام أبي الفتح والنص في "سر صناعة الإعراب": (وهذا موضع لابد فيه من ذكر العلة التي لها صارت حروف الإضافة هذِه جارة ..

إلى أن قال: إنما جرت الأسماء ..) 1/ 123.

وعن عمل حروف الجر، وهل هي حروف أو أسماء؟.

انظر: "الكتاب" 1/ 419 - 420، "المقتضب" 4/ 136، "الأصول في النحو" لابن السراج 1/ 408.

قال الصيمري في "التبصرة والتذكرة": الحروف تنقسم قسمين: أحدهما يستعمل حرفا وغير حرف، والآخر يكون حرفا لا غير.

فأما== ما يستعمل حرفا وغير حرف فنحو (على) و (عن) و (كاف التشبيه) و (منذ) و (مذ) فهذِه تكون حروفا في حال، وأسماء في أخرى ..

وأما ما لا يستعمل إلا حرفا في هذا الباب: فالباء الزائدة ..

واللام الزائدة ..

و (من) و (إلى) و (في) و (رب) و (حتى) إذا كانت غاية.

"التبصرة والتذكرة" 1/ 282 - 285.

(١٢) في (ج): (وإنما تدخل جرت).

(١٣) في (ج): (القرن).

(١٤) في (أ)، (ج): (في الاستعمال) وفي "سر صناعة الإعراب" (لضعف هذِه الأفعال في العرف والعاة والاستعمال عن إفضائها إلى هذِه الأسماء ..) 1/ 124.

(١٥) في (ج): (موصولة).

(١٦) في "سر صناعة الإعراب": (نظرت إلى عمرو) 1/ 124.

(١٧) هذا مذهب البصريين في سبب تسميتها حروف جر، أما الكوفيون فيسمونها حروف خفض، قالوا: لانخفاض الحنك الأسفل عند النطق به، انظر: "الإيضاح في علل النحو" ص 93.

(١٨) من "سر صناعة الإعراب" 1/ 124، 125، مع اختصار بعض الجمل.

(١٩) الواو ساقطة من (ب).

(٢٠) "سر صناعة الإعراب" 1/ 130، وانظر: "المقتضب" 4/ 33، قال النحاس عند قوله ﴿ بسم الله ﴾ : (موضع الباء وما بعدها عند الفراء نصب، وعند البصريين رفع، وقال الكسائي: الباء لا موضع لها من الإعراب).

"إعراب القرآن" 1/ 116، وانظر: "مشكل إعراب القرآن" 1/ 6، "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 4.

(٢١) هذا أحد وجهين ذكرهما أبو الفتح للدلالة على صحة دعوى أن الفعل إذا أوصله حرف جر إلى الاسم، فإن الجار والمجرور في موضع نصب بالفعل الذي قبلهما.

"سر صناعة الإعراب" 1/ 130.

(٢٢) (على هذا) مكرر في (ب).

(٢٣) البيت لـ (عقيبة الأسدي) ونسبه بعضهم لعبد الله بن الزبير، ومعنى (أسجح) سهل علينا حتى نصبر، فلسنا بجبال ولا حديد.

والبيت من شواهد سيبويه، استشهد به في مواضع من كتابه 1/ 67، 2/ 291، 2/ 344، 3/ 91، وورد في "المقتضب" 2/ 337، 4/ 112، 4/ 371، "جمل الزجاجي" ص 54، "شرح أبيات سيبويه" للسيرافي 1/ 22، 300، "مغني اللبيب" 2/ 477، "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 440، "الإنصاف" ص 284، "شرح المفصل" 2/ 109، 4/ 9.

والشاهد فيه: نصب الحديد، وعطفه على موضع الباء، وقد أنكر بعضهم على سيبويه استشهاده بالبيت، ورووه مجرورًا، ورد ذلك السيرافي وقال: إن البيت جاء بروايتين.

انظر: "شرح أبيات سيبويه" للسيرافي 1/ 22، 300، "الخزانة" 2/ 260 - 264.

(٢٤) في (ب): (الجبال).

(٢٥) انظر: "الكتاب" 1/ 92، والنص من "سر صناعة الإعراب" 1/ 131.

(٢٦) في "سر صناعة الإعراب" (يريد) وهذا أقرب، فأبو الفتح يقول: يريد سيبويه.

(٢٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ج).

(٢٨) بنصه من "سر صناعة الإعراب" 1/ 144.

(٢٩) بنصه عن أبي الفتح من "سر صناعة الإعراب" 1/ 144.

(٣٠) قال الثعلبي العلة في كسرها أن (الباء) حرف ناقص ممال، والإمالة من دلائل الكسرة.

"تفسير الثعلبي" 1/ 15.

(٣١) في "سر صناعة الإعراب" وسنذكر العلة في كسر (اللام) في موضعها ...

، 1/ 144، وقد تكلم الواحدي عن العلة في كسر (اللام) عند الكلام عن اللام الجارة في لفظ الجلالة في قوله ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ ونقل في ذلك عن أبي الفتح ابن جني.

(٣٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 3، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 116، "تفسير الثعلبي" 1/ 15/ ب، "المشكل" لمكي 1/ 5، "الكشاف" 1/ 23.

(٣٣) في (ب): (إعراب باسم بالله).

(٣٤) قال الطبري: أغنت دلالة ما ظهر من قول القائل: (بسم الله)، على ما بطن من مراده الذي هو محذوف.

ومفهوم أنه مريد بذلك: (أقرأ بسم الله الرحمن الرحيم).

"تفسير الطبري" 1/ 50، وانظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 1، "الوسيط" للواحدي 1/ 14، "الكشاف" 1/ 26، "لباب التفسير" للكرماني 1/ 26 (رسالة دكتوراه).

(٣٥) في (ب): (وقفت).

(٣٦) أخذه عن "معاني القرآن" للفراء، مع اختلاف يسير في اللفظ ص 36، وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 117، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 3.

(٣٧) في (ص): (لغير).

(٣٨) "معاني القرآن" للفراء 1/ 2، وانظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 3، "المشكل" لمكي 1/ 5، "تفسير ابن عطية" 1/ 84، "الكشاف" 1/ 35.

(٣٩) في (ب): (ولا منها).

(٤٠) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 1، وانظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 147، "إعراب القرآن" للنحاس 117.

(٤١) في (ب): (فقالوا).

(٤٢) (نحويو) مكانها بياض في (ب).

(٤٣) حذفت فاؤه اعتلالا على غير قياس، والأصل في اسم (وسم) فحذفت الفاء التي هي (الواو) من (وسم).

انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 2، "تفسير ابن عطية" 1/ 84، "الإنصاف في مسائل الخلاف" ص 4، "البيان في غريب إعراب القرآن" 1/ 32، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 6.

(٤٤) انظر: "تهذيب اللغة"، وفيه (الاسم رسم وسمة ..)، (سما) 2/ 1748، "اللسان" (سما) 4/ 2109، "الإنصاف" ص 4.

(٤٥) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 2، "تهذيب اللغة" للأزهري (سما) 2/ 1748، "اشتقاق أسماء الله" للزجاجي ص 255، "الإنصاف" ص 5، "تفسير ابن عطية" 1/ 84، "الكشاف" 1/ 34، 35، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 6.

(٤٦) هذا قول الزجاج، وفيه إشارة إلى أن الاسم هو المسمى، انظر: "معاني القرآن" 1/ 2، "الإنصاف" ص 5.

(٤٧) في (ب): (عما).

(٤٨) انظر: "الإيضاح في علل النحو" ص 49، "الإنصاف" ص 6.

(٤٩) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 16/ ب.

(٥٠) أو (سمو) بالضم.

انظر: "المقتضب" 1/ 229، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 6.

(٥١) في (ب): (فتو أفتاء).

(٥٢) في (ب): (استقلالا).

(٥٣) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 2، "اشتقاق أسماء الله" ص 255، "المنصف" 1/ 60.

(٥٤) في (ب): (تكن).

(٥٥) في (ب): (الذي).

(٥٦) انظر: "اشتقاق أسماء الله" ص 256، 257، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 117، "الكشاف" 1/ 34، قال الزمخشري: (ومنهم من لم يزدها، أي: الألف، واستغنى عنها بتحريك الساكن فقال: (سم) و (سم).

(٥٧) (الواو) ساقطة من (ج).

(٥٨) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 2، "اشتقاق أسماء الله" ص 255 - 257، "المخصص" 17/ 134، "تفسير ابن عطية" 1/ 84، "الإنصاف" لابن الأنباري وقد ذكر خمسة وجوه في (بيان فساد مذهب الكوفيين) ص 4، "تهذيب اللغة" (سما) 2/ 1747.

(٥٩) ذكر الرازي وابن كثير فيه ثلاثة مذاهب وهي: 1 - الاسم نفس المسمى وغير التسمية.

2 - الاسم غير المسمى ونفس التسمية.

3 - الاسم غير المسمى وغير التسمية.

"التفسير الكبير" للرازي 1/ 108، "تفسير ابن كثير" 1/ 20، وقد كثر الخوض في هذِه المسألة، وجعل بعضهم كثرة الحديث فيها من باب العبث الذي لا طائل تحته.

انظر: "تفسير الرازي" 1/ 109.

قال الطبري: (وليس هذا هو الموضع من مواضع الإكثار في الإبانة عن الاسم: أهو المسمى أم غيره، أم هو صفة له؟

فنطيل الكتابة، وإنما هذا موضع من مواضع الإنابة عن الاسم المضاف إلى الله، أهو اسم أم مصدر بمعنى التسمية؟

..) ثم أخذ ابن جرير يرد على أبي عبيدة قوله: إن الاسم هو المسمى بتقريع مرير.

وقد علق الأستاذ (محمود شاكر) على كلام الطبري بكلام جيد.

انظر: "تفسير الطبري" 1/ 188 - 122.

(تحقيق محمود شاكر) كما تكلم عن هذا ابن عطية في تفسير "المحرر الوجيز" 1/ 85.

وقد أوضح العلامة ابن أبي العز في شرح "العقيدة الطحاوية" المنهج الصحيح في هذا حيث قال: قولهم: الاسم عين المسمى أو غيره؟

وطالما غلط كثير من الناس في ذلك، وجهلوا الصواب فيه، فالاسم يراد به المسمى تارة، ويراد به اللفظ الدال عليه أخرى، فإذا قلت: قال الله كذا، أو سمع الله لمن حمده، ونحو ذلك.

فهذا المراد به المسمى== نفسه، وإذا قلت: الله اسم عربي، والرحمن اسم عربي، والرحيم من أسماء الله تعالى ونحو ذلك، فالاسم ها هنا هو المراد لا المسمى، ولا يقال غيره، لما في لفظ الغير من الإجمال ..)، "شرح الطحاوية" ص 82.

وقد ذكر ابن عطية في "تفسيره" أن مالكا رحمه الله سئل عن الاسم أهو المسمى؟

فقال: ليس به ولا غيره، قال ابن عطية: يريد دائما في كل موضع 1/ 89.

(٦٠) قال الرازي: قالت المعتزلة: الاسم غير المسمى ونفس التسمية، 1/ 108، وانظر: "تفسير ابن كثير" 1/ 20.

(٦١) وبه أخذ شيخه الثعلبي في تفسيره "الكشف والبيان" 1/ 16/ أ، وقرره أبو عبيدة في "مجاز القرآن" 1/ 16، والزجاج في "معاني القرآن" 1/ 2.

وقد رد الطبري هذا القول كما سبق، كما رد عليه ابن جني في كتابه "الخصائص" حيث أبان في (باب في إضافة الاسم إلى المسمى، والمسمى إلى الاسم) قال: (فيه دليل نحوي غير مدفوع يدل على فساد قول من ذهب إلى أن الاسم هو المسمى).

"الخصائص" 3/ 24، والصحيح هنا أنه لا يقال: الاسم هو المسمى ولا غيره، بل قد يكون هو المسمى في موضع وغيره في موضع آخر، كما سبق في بيان كلام ابن أبي العز في "شرح الطحاولة".

(٦٢) في (ب): (لقوله).

(٦٣) المعروف بـ (ثعلب).

(٦٤) انظر: "مجاز القرآن" 1/ 16.

(٦٥) ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" (سما) 2/ 1747، "اللسان" 4/ 2107.

(٦٦) ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 1/ 16/ أ.

(٦٧) ذلك أن قولك (بالله) يمين، وقولك: (باسم الله) تيمن.

انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 16/ أ.

(٦٨) سبق قريبًا اختيار الواحدي أن الاسم هو المسمى وليس بمعنى التسمية.

(٦٩) قال ابن سيده في "المخصص": (والاسم كلمة تدل على المسمى دلالة الإشارة دون الإفادة ..

الخ بنصه) 17/ 134.

والإشارة عند الأصوليين: دلالة اللفظ على المعنى من غير سياق الكلام له مثل قوله تعالى: ﴿ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ  ﴾ ففي قوله ﴿ له ﴾ إشارة إلى أن النسب للأب.

انظر: "التعريفات" للجرجاني ص 27، "كشاف اصطلاحات الفنون" للتهانوي 1/ 750.

(٧٠) في (ب): (زيدًا).

(٧١) في "المخصص" بعد هذا الكلام: (..

فأما الأول -يريد دلالة الإشارة- فإنما الغرض فيه أن تشير إليه ليتنبه عليه ..) 17/ 134.

(٧٢) انظر: "المقتضب" 1/ 229، "المخصص" 17/ 135.

(٧٣) أنشده أبو زيد.

قال: قال رجل زعموا أنه من كلب: أَرْسَلَ فِيَهِا بَازِلا يُقرِّمه ...

وَهْو بِهَا يَنْحو طَرِيقًا يَعْلَمْه باسم الذي في كل سورة سِمُهْ "نوادر أبي زيد" ص 461، 462.

ومعنى الرجز: يقول أرسل الراعي في الإبل للضراب بعيرا في التاسعة من عمره محجوزًا عن العمل ليقوى على الضِرَاب، أرسله باسم الله الذي يُذكر اسمه في كل سورة.

ورد البيت في "المقتضب" 1/ 229، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 1، "تهذيب اللغة" (سما) 2/ 1747، "المنصف" 1/ 16، "المخصص" 17/ 135، "الإنصاف" 1/ 12، "اللسان" (سما) 4/ 2107.

(٧٤) أي: قول الله عز وجل.

(٧٥) تكلم أبو علىِ الفارسي عن أصل لفظ الجلالة (الله) وأطال في كتابه "الإغفال" متعقبا الزجاج فيما ذكره في "معاني القرآن" ونقل عنه الواحدي ذلك مع تصرف يسير في العبارة، ولم يعزه له، ونقل كلام أبي علي ابن سيده في "المخصص" وعزاه له.

"الإغفال" ص 4 - 49 (محقق رسالة ماجستير)، وانظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 5، "المخصص" 17/ 136 - 151.

(٧٦) في "الإغفال" ص 11: فقد حمله سيبويه على ضربين، "المخصص" 17/ 138، وذكر الزجاج فيه أربعة أقوال، أحدها: أنه غير مشتق، وعن الخليل: أن أصله (ولاه) من الوله والتحير، وقولان مثل قولي سيبويه.

"اشتقاق أسماء الله" ص 23.

(٧٧) "الكتاب" 2/ 195.

(٧٨) في (ب)، (ج): (بالحاء) المهملة في الموضعين.

و (الخبء) ما خبِّئ، سمي بالمصدر، انظر: "اللسان" (خبأ) 2/ 1085.

(٧٩) أي: على التخفيف القياسي، اختصر الواحدي كلام الفارسي، حيث افترض أن سائلا يسأل لماذا كان على هذا التقدير؟

ولم يكن على التخفيف، فأجاب عنه بما محصله ما ذكر.

انظر: "الإغفال" ص 11.

(٨٠) (الجَيْأَل) الضبع.

انظر: "معجم مقاييس اللغة" (جيل) 1/ 499.

(٨١) أي على نية بقائها ساكنة كما كانت قبل التخفيف (جَيْأَل).

(٨٢) ترك بعض حجج الفارسي.

انظر: "الإغفال" ص 12.

(٨٣) في "المخصص" (تبينهم) 17/ 138.

(٨٤) في (ج): (بدون همز).

(٨٥) في (ب): (أودعت).

(٨٦) في (ب): (ربابه) وباب مَرْمِي هو كل كلمة التقت فيها الواو والياء والأولى منهما ساكنة، تقلب فيها (الواو) (ياء) وتدغم في (الياء).

انظر: "أوضح المسالك" ص 310.

(٨٧) أورد كلام أبي علي مختصرا.

انظر: "الإغفال" ص 12، 13.

(٨٨) في (ج): (القيم).

(٨٩) انظر: "الكتاب" 2/ 195.

(٩٠) قوله: (ألا ترى ..

إلى شيء) ورد في "الإغفال" في موضع آخر بعيدا عما قبله.

وانظر: "الإغفال" ص 35، "المخصص" 17/ 146.

(٩١) "الإغفال" ص 26، "المخصص" 17/ 143، "اشتقاق أسماء الله" ص 27.

(٩٢) أي سيبويه فهذا قوله الثاني، قال في "الإغفال": (فأما القول الآخر الذي قاله سيبويه في اسم الله تعالى فهو أن الاسم أصله (لاه) ..

والذي دله على ذلك أن بعضهم يقول: (لَهْيَ أبوك)، ...

"الإغفال" ص 26، وانظر: "الكتاب" 3/ 498.

(٩٣) في (ج): (الاها).

(٩٤) قوله (لاه) زيادة ليست في "الإغفال" ولا في "الكتاب".

(٩٥) مبنية على الفتح، انظر: "المسائل الحلبيات" ص 103.

(٩٦) انتهى كلام سيبويه، "الكتاب" 3/ 498، "الإغفال" ص 26، "المخصص" 17/ 143، "المسائل الحلبيات" للفارسي ص101، "المسائل البصريات" للفارسي 2/ 909.

(٩٧) في (ب): (من).

(٩٨) انظر بقية كلام أبي علي الفارسي في "الإغفال" ص 26 وما بعدها.

(٩٩) في "الإغفال" (أبو بكر بن السراج) ص 34، وفي "المخصص" (أبو بكر) 17/ 145.

وابن السراج: هو أبو بكر محمد بن السري بن السراج النحوي.

(١٠٠) في (ب): (الأول) ولم يرد لفظ (الأول) أو (الثاني) في "الإغفال" وإنما فيه (اختار في هذا الاسم أن يكون أصله لاها ....) وهذا هو القول الثاني لسببويه.

"الإغفال" ص 34، "المخصص" 17/ 145، وقد أورد المبرد في "المقتضب" القول الأول لسيبويه 4/ 240، وانظر: "اشتقاق أسماء الله" للزجاجي ص 25، "الخزانة" 2/ 266، 267.

(١٠١) هو أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد الفراهيدي، البصري، صاحب العربية والعروض (100 - 175 هـ).

انظر ترجمته في: "معجم الأدباء" 3/ 300، "طبقات النحويين == واللغويين" للزبيدي ص 47، "إنباه الرواة" 1/ 376، "وفيات الأعيان" 2/ 244، ومقدمة "تهذيب اللغة" 1/ 32، "إشارة التعيين" ص 114.

(١٠٢) هو أبو الحسين محمد بن أحمد بن كيسان، النحوي، كان يجمع بين المذهبين البصري والكوفي، وإلى مذهب البصريين أميل، توفي سنة تسع وتسعين ومائتين.

انظر ترجمته في "طبقات النحويين" للزبيدي ص 139، "تاريخ بغداد" 1/ 335، "إنباه الرواة" 3/ 57.

(١٠٣) هو محمد بن علي بن إسماعيل، أبو بكر الشاشي القفال، أحد أعلام المذهب الشافعي، يتكرر ذكره في التفسير والحديث والأصول والكلام، توفي سنة خمس وستين وثلاثمائة على الصحيح.

انظر ترجمته في "الأنساب" 7/ 244، "وفيات الأعيان" 4/ 200، "طبقات الشافعية" لابن قاضي شهبة 1/ 148.

(١٠٤) في (ب): (الحسن).

(١٠٥) الحسين بن الفضل، هو أبو علي الحسين بن الفضل بن عمير البجَلِي الكوفي ثم النيسابوري، المفسر، توفي سنة اثنتين وثمانين ومائتين.

انظر ترجمته في: "العبر" 1/ 406، "طبقات المفسرين" للداودي 1/ 159.

(١٠٦) انظر: "تفسير أسماء الله" للزجاجي، وانظر: "اشتقاق اسماء الله" للزجاجي: ص 28 "تفسير الثعلبي" 1/ 18 أ "الزينة" 2/ 12.

(١٠٧) انظر: "الإغفال" ص 5، "المخصص" 17/ 136، "تفسير الثعلبي" 1/ 18/ أ، "تفسير أسماء الله" ص 26، "اشتقاق أسماء الله" ص 3023، "تهذيب اللغة" (الله) 1/ 189.

(١٠٨) أخرجه الطبري عن ابن عباس ومجاهد، من طرق، 1/ 84، 9/ 25 - 26، وذكره ابن خالويه في "الشواذ" ص 50، وابن جني في "المحتسب" وعزاه كذلك إلى علي وابن مسعود وأنس بن مالك وعلقمة الجحدري والتيمي وأبي طالوت وأبي رجاء، 1/ 256، والفارسي في "الإغفال" ص 5، وانظر: "المخصص" 17/ 136، "تفسير الماوردي" 2/ 248، "تهذيب اللغة" (الله) 1/ 190، "البحر" 4/ 367.

(١٠٩) هو سعيد بن أوس بن ثابت، أبو زيد الأنصاري، صاحب النحو واللغة، مات سنة خمس عشرة ومائتين.

انظر ترجمته في مقدمة "تهذيب اللغة" 1/ 34 - 35، "تاريخ بغداد" 9/ 77، "طبقات النحويين واللغويين" ص 165، "إنباه الرواة" 2/ 30.

(١١٠) "الإغفال" ص 6، "المخصص" 17/ 136.

(١١١) في (ج): (استرحبن).

(١١٢) البيت لرؤبة وقبله: لله دَرُّ الغَانِيَاتِ المُدَّهِ.

(المُدَّه) جمع مَادِه، بمعنى المادح، يقول: إن هؤلاء سبحن: وقلن إنا لله وإنا إليه راجعون، يقلنها حسرة كيف تنسك وهجر الدنيا.

ورد البيت في "الطبري" 1/ 54، "الإغفال" ص 6، "المخصص" 17/ 136، "المحتسب" 1/ 256، "تفسير أسماء الله" للزجاج ص 26، "اشتقاق أسماء الله" ص 24، "التهذيب" (الله) 1/ 189، "شرح المفصل" 1/ 3، "زاد المسير" 1/ 9، وابن عطية 1/ 57، "تفسير الثعلبي" 1/ 18/ أ، "ديوان رؤبة" ص 165.

(١١٣) في (ج): (سمعت).

(١١٤) نسبه الطبري لبنت عتيبة 9/ 26، ونسبه بعضهم لـ (مية) وهو اسمها وكذا (أم البنين) وقيل: لنائحة عتيبة، والأقرب أنه لبنت عتيبة ترثي أباها حين قتله (بنو أسد) يوم (خَوّ) مع أبيات أخرى ذكرها في "معجم البلدان" 5/ 18.

(١١٥) (اللعباء) مكان بين الربذة وأرض بني سليم، وقيل: غير ذلك، وقوله: (أرضا) يروى (عصرا) ويروى (قصرا) أي: عشيا.

ورد البيت في الطبري 9/ 26، "الإغفال" ص 8، 9، "المخصص" 17/ 137، "تهذيب اللغة" (الله) 1/ 190، "معجم ما استعجم" 4/ 1156، "معجم البلدان" 5/ 18، "تفسير الثعلبي" 1/ 18 ب، "المحتسب" 2/ 123، "اللسان" (لعب) 7/ 4041.

(١١٦) انظر: "الإغفال" ص 9.

(١١٧) في (ب): (الإله).

(١١٨) في (ب): (كانوا يعبدوها).

(١١٩) انظر: "الإغفال" ص 10، 11، "تهذيب اللغة" 1/ 190.

(١٢٠) في (ب): (لأهه) (١٢١) من قصيدة للأعشى، قالها فيما كان بينه وبين بني جحدر، و (أبو رياح) رجل من بني ضبيعة، قتل جارا لبني سعد بن ثعلبة، فسألوه الدية، فحلف لا يفعل، ثم قُتِل بعد حلفته، و (لاهه): الهه، (الكبار): العظيم، ويروى (بحلفة) ويروى (كدعوة).

انظر: "ديوان الأعشى" ص 72، "الجمهرة" 1/ 327، "اشتقاق أسماء الله" ص 27، "تفسير الثعلبي" 1/ 17 ب، "الزينة" 2/ 18، "معاني القرآن" للفراء 1/ 207، والقرطبي 4/ 53، "اللسان" (أله) 1/ 116، و (لوه) 7/ 4107، "شرح المفصل" 1/ 3، "الخزانة" 7/ 176.

(١٢٢) وهو أن أصل (الله): (لاه).

(١٢٣) في (ب): (وهم).

(١٢٤) بنصه في "الإغفال" ص 6، "المخصص" عن "الإغفال" 17/ 136.

(١٢٥) انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 189، "معجم مقاييس اللغة" (أله) 1/ 127، "الصحاح" (أله) 6/ 2223، "اللسان" (أله) 1/ 114.

(١٢٦) (أبنا) ساقط من (ج).

(١٢٧) صاحب "تهذيب اللغة" سبقت ترجمته.

(١٢٨) في (ج): (أن).

(١٢٩) هو محمد بن أبي جعفر المنذري اللغوي (أبو الفضل) يروي عن أبي العباس ثعلب، وأبي الهيثم الرازي، روى عنه الأزهري كثيرًا.

انظر مقدمة "تهذيب اللغة" 1/ 30، 41، "اللباب" 3/ 262.

(١٣٠) في (ب): (لعباده).

(١٣١) في (ب): (وهو مخلوق).

(١٣٢) يقال ليس دونه وِجاح، ووَجاح، ووُجاح، وأجاح، إجاح: أي: ستر "اللسان" (وجح) 8/ 4769.

(١٣٣) كلام أبي الهيثم ورد في "التهذيب" ضمن كلام طويل له قال الأزهري: (وأخبرني المنذري عن أبي الهيثم أنه سأله عن اشتقاق اسم الله في اللغة فقال ..) ثم ذكره، "التهذيب" (الله والإله) 1/ 189، وانظر: "اللسان" (أله) 1/ 114.

(١٣٤) ذكره الثعلبي 1/ 18 أ.

(١٣٥) هو أبو بَصير، ميمون بن قيس، من فحول شعراء الجاهلية، ويدعى (الأعشى الكبير) تمييزًا له عن غيره ممن سمي (الأعشى)، أدرك الإسلام آخر عمره، وعزم على الدخول فيه، فصدته قريش في قصة مشهورة.

انظر ترجمته في "الشعر والشعراء" ص 154، "معاهد التنصيص" 1/ 196، "خزانة الأدب" 1/ 175.

(١٣٦) في (ج): (برائكا).

البيت في وصف صحراء مطموسة المعالم، (ترائكا) متروكة، ورواية الشطر الأول في الديوان: وَيَهْمَاءَ قَفْرٍ تَخْرُجْ العَيْنَ وَسْطَهَا.

وعليه فلا شاهد في البيت هنا.

(الديوان) ص 130، والثعلبي بعد أن ذكر قول أبي عمرو ابن العلاء استشهد بقول زهير: == وَبَيْدَاء تِيهٍ تَألْهُ العَيْنُ وَسْطَهَا ...

مُخَفَّقةٍ غَبْرَاءَ صَرْمَاءَ سَمْلَقِ الثعلبي 1/ 18 أ، وكذا في "الزينة" 2/ 19.

(١٣٧) الثعلبي 1/ 18 ب، وانظر: "الزينة" 2/ 19.

(١٣٨) هم المتكلمون من الأشاعرة، الذين تكلموا في العقائد بالطرق العقلية.

انظر: "درء تعارض العقل والنقل" 1/ 28، 38، "الرسالة التدمرية" لابن تيمية ص 147.

(١٣٩) هذا التفسير لمعنى الإلَهية هو منهج المتكلمين، وعند أهل السنة هو المستحق للعبادة.

قال ابن تيمية: (وليس المراد بـ) بالإله (هو القادر على الاختراع كما ظنه من ظنه من أئمة المتكلمين ..

بل الإله الحق هو الذي يستحق أن يعبده فهو إله بمعنى مألوه لا إله بمعنى آله ..)، "الرسالة التدمرية" ص 186.

(١٤٠) مرَّ كلام أبي الهيثم قريبا، وليس فيه دليل على أن الإلهية: القدرة على الاختراع، بل يدل على المعنى الثاني وهو أن الإلهية؛ استحقاق العبادة، وقوله: (لأنهم اعتقدوا فيها صفة التعظيم ..).

ليس من كلام أبي الهيثم، انظر: "تهذيب اللغة" أله 1/ 189.

(١٤١) الكلام عن إمالة (الألف) من لفظ الجلالة نقله عن أبي علي الفارسي من "الإغفال" ص 46، قال الفارسي: (فأما الإمالة في الألف من اسم الله تعالى فجائزة في قياس العربية، والدليل على جوازها ..).

ونقل ابن سيده كلام الفارسي.

"المخصص" 17/ 150.

ومعنى الإمالة: هو تقريب الألف نحو الياء والفتحة التي قبلها نحو الكسرة وهناك ثلاث علل للإمالة: هي الكسرة، وما أميل ليدل بالإمالة على أصله، والإمالة لإمالة بعده.

انظر: "الكشف عن وجوه القراءات السبع" لمكي 1/ 168، 170.

(١٤٢) في (جـ): (كالذي).

(١٤٣) في (أ)، (ج): (الإمالة) وما في (ب) موافق لـ"الإغفال" ص 47.

(١٤٤) في (أ)، (ب)، (ج): (صاد) بالصاد، وصححت الكلمة على ما ورد في "الإغفال" ص 48، "المخصص" 17/ 150، ووردت كذلك عند سيبويه (جاد وماد) 7/ 132، ولا تصح بالصاد؛ لأن الإمالة تمنع بعد (الصاد) لأنه حرف مستعمل.

انظر: "الكتاب" 4/ 128.

(١٤٥) في (ب): (المنونة).

(١٤٦) حكى كلام الفارسي بالمعنى، انظر: "الإغفال" ص 48، "الكتاب" 4/ 122، 132، "المخصص" 17/ 150.

(١٤٧) في "الإغفال" (وتجوز إمالتها من جهة أخرى، وهي أن لام الفعل منجرة ..) ص 48.

(١٤٨) في (ب): (ليس).

(١٤٩) في (ب): (الباء) وكذا قوله: (وظهور الباء).

(١٥٠) مرت هذِه الصيغة قريبا وهي بمعنى (لله أبوك) انظر ص 252.

(١٥١) انتهى عن "الإغفال" لأبي علي الفارسي، وقال بعده: (فإن ثبتت بها قراءة فهذِه جهة جوازها) ص 49، وانظر: "المخصص" 17/ 151.

(١٥٢) الرحمة صفة من صفات الله تعالى، نثبتها له تعالى، كما أثبتها لنفسه، ولا يلزم من إثباتها مشابهة صفة المخلوقين، ولا نؤولها بإرادة الخير كما فعل الواحدي هنا.

انظر: "تفسير الطبري" 1/ 58 - 59، (الرسالة التدمرية) لابن تيمية ص 23، 30.

(١٥٣) هو أبو بكر بن الأنباري، سبقت ترجمته عند الحديث عن مصادر الواحدي.

(١٥٤) هو أبو العباس ثعلب كما صرح بذلك الزجاجي في "اشتقاق أسماء الله" ص 42، وانظر: "الزاهر" 1/ 153، "تهذيب اللغة" (رحم) 2/ 1383، "الزينة" 2/ 25، "الاشتقاق" لابن دريد ص 58، ووهم القرطبي فقال: زعم المبرد فيما ذكر ابن الأنباري في كتاب "الزاهر" 1/ 104، وإنما هو ثعلب كما سبق وليس أبا العباس المبرد.

(١٥٥) هو أبو حَرْزَة، جرير بن عطية بن حذيفة من بني كليب بن يربوع، أحد فحول الشعراء في صدر الإسلام، توفي سنة عشر ومائة.

انظر ترجمته في "الشعر والشعراء" ص 304، "طبقات فحول الشعراء" 2/ 297، "الخزانة" 1/ 75.

(١٥٦) في (ج): (القيز).

(١٥٧) البيت من قصيدة له يهجو فيها الأخطل وهو نصراني، فحكى في البيت قول النصارى، ولهذا نصب (رحمن): (قربانا) أي قائلين ذلك، ويروى البيت (هل تتركن)، (مسحكم) وفي "الزينة" (رخمن) بالمعجمة وهو بمعنى: الحاء.

انظر: "الزينة" 2/ 25، "الزاهر" 1/ 153، "اشتقاق أسماء الله" ص 43، "تهذيب اللغة" (رحم) 2/ 1383، "تفسير الماوردي" 1/ 52 "تفسير القرطبي" 1/ 91، "اللسان" (رحم) 3/ 1612.

(١٥٨) ممن أنكر ذلك الطبري في "تفسيره" حيث قال: (وقد زعم بعض أهل الغباء أن العرب كانت لا تعرف (الرحمن) ولم يكن ذلك في لغتها ...) 1/ 57، والزجاجي في "اشتقاق أسماء الله" ص 42، وابن سيده في "المخصص" 17/ 151 وغيرهم.

(١٥٩) في (ب): (الفتاو).

(١٦٠) لم يعرف له قائل وقد ذكره الطبري في "تفسيره" 1/ 58، وابن سيده في "المخصص" 17/ 152، وقال محمد محمود التركزي الشنقيطي في تعليقه على "المخصص": إن البيت من صنع بعض الرجال الذين يحبون إيجاد الشواهد المعدومة لدعاويهم.

ورد عليه ذلك محمود شاكر في حاشيته على الطبري 1/ 131، وذكره ابن دريد في "الاشتقاق"، وقال: (وقد روي بيت في الجاهلية، ولم ينقله الثقات وهو للشنفرى: لَقَدْ لَطَمَتْ تَلِكَ الفَتَاةُ هَجِينَهَا ...

أَلاَ بَتَرَ الرَّحْمَنُ رَبَّي يَمِينَهَا "الاشتقاق" ص 58، ورواية هذا البيت تختلف قليلا عن البيت المستشهد به، وانظر (اشتقاق أسماء الله) ص 82، (تفسير الماوردي) 1/ 52.

(١٦١) أي ثعلب، ولم أجده، ولعله في كتب ابن الأنباري المفقودة، وأورد نحوه الطبري في == "تفسيره" 1/ 58، وانظر: "الاشتقاق" ص 58، والماوردي في "تفسيره" 1/ 52، والقرطبي في "تفسيره" 1/ 104.

(١٦٢) انظر الطبري فىِ "تفسيره" 19/ 29، والقرطبي في "تفسيره" 13/ 64.

(١٦٣) في (ج): (إذا).

(١٦٤) في (ب): (لقيته) (١٦٥) واسمه عبد الله بن ربيعة بن عوف الثقفي، سمع النبي  شعره فقال: "آمن شعره وكفر قلبه" وكان يخبر أن نبيا يخرج قد أظل زمانه، فلما خرج النبي  كفر به حسدا، ومات كافرا سنة ثمان أو تسع.

انظر: "الشعر والشعراء" ص 300، "طبقات فحول الشعراء" ص 101، "الاشتقاق" ص 143، "الخزانة" 1/ 247.

(١٦٦) زيد بن عمرو بن نفيل، والد سعيد بن زيد أحد العشرة، مات قبل المبعث.

انظر: "الإصابة" 1/ 569، "تجريد أسماء الصحابة" 1/ 200.

(١٦٧) هو ورقة بن نوفل بن أسد، ابن عم خديجة  ا، قال ابن منده: اختلف في إسلامه، والأظهر أنه مات قبل الرسالة، وبعد النبوة وكذا قال الذهبي في "تجريد أسماء الصحابة" 2/ 128، وانظر: "الإصابة" 3/ 633، "الخزانة" 3/ 391.

(١٦٨) في (ج): (بالعبراني).

(١٦٩) في (ب): (أوتى).

(١٧٠) لعل هذا من قول ابن الأنباري، لأن كلام الواحدي بعد هذا يدل على ذلك، لأنه رجح أن أصله عربي، وأنه مشتق، وأورد بعض الردود على أبي العباس كما سيأتي.

قال الزجاجي رادا على من قال: إن أصله غير عربي ...

الرحمن معروف (الاشتقاق) والتصريف في كلام العرب، والأعجمي لا معنى له في كلام العرب ولا تصريف "اشتقاق أسماء الله" ص 42.

وقول أبي العباس: إنه أورد (الرحيم) لأنها تعرفه العرب، مع (الرحمن) الذي يلتبس بكلام غيرهم.

فكأنه جعلهما بمعنى واحد.

وجمهور العلماء على أن لكل واحد منهما معنى غير معنى الآخر، وأن (الرحمن) عربي، وانما الكلام لم قدم (الرحمن) على (الرحيم)؟

وأجاب عنه الطبري في "تفسيره" 1/ 58 - 59، ويرد قريبا في كلام الواحدي.

(١٧١) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 55، "اشتقاق أسماء الله" ص 38، "المخصص" 1/ 151.

(١٧٢) في (ب): (اشتقاقهم).

(١٧٣) "تهذيب اللغة" (رحم) 2/ 1383.

(١٧٤) "مجاز القرآن" 1/ 21، "تهذيب اللغة" (رحم) 2/ 1383، والنص من "التهذيب"، وقد رد الطبري على أبي عبيدة قوله وأغلظ له حيث قال: (وقد زعم بعض من ضعفت معرفته بتأويل أهل التأويل، وقلت روايته لأقوال السلف من أهل التفسير أن (الرحمن) مجازه: ذو الرحمة ..) الطبري في "تفسيره" 1/ 58.

(١٧٥) وجعله الطبري من إنكار العناد والمكابرة، وإن كانوا عالمين بصحته، وليس ذلك منهم إنكارا لهذا الاسم، الطبري في "تفسيره" 1/ 57 - 58، وقال ابن عطية: وإنما وقفت العرب على تعيين الإله الذي أمروا بالسجود له، لا على نفس اللفظة 1/ 93، وانظر ابن كثير في "تفسيره" 1/ 23، والقرطبي في "تفسيره" 13/ 67.

(١٧٦) انظر الطبري في "تفسيره" 1/ 55، "تهذيب اللغة" (رحم) 2/ 1383، "المخصص" 17/ 151، "معاني القرآن" للزجاج 58، "اشتقاق أسماء الله" ص 40.

(١٧٧) هذا التساؤل والإجابة عنه بنصه في "المخصص" 17/ 151.

(١٧٨) في (ج): (تتبع).

(١٧٩) في (أ)، (ج): (الماتين) وفي (ب): (المايتين) وما أثبت من "المخصص".

(١٨٠) في (ب): (بدأ).

(١٨١) (به) ساقط من (ج).

(١٨٢) في (ج): (تتبع).

(١٨٣) إلى هنا بنصه في "المخصص" 17/ 151، وإلى نحوه ذهب الطبري في "تفسيره" == 1/ 58، وانظر: "اشتقاق أسماء الله" ص 40، وابن عطية في "تفسيره" 1/ 92.

(١٨٤) لم أجده، عن وكيع فيما اطلعت عليه، والله أعلم.

قال ابن كثير: وقد زعم بعضهم أن (الرحيم) أشد مبالغة من (الرحمن)، ثم رد هذا القول ابن كثير في "تفسيره" 1/ 23، وعند جمهور العلماء أن (الرحمن) أشد مبالغة من (الرحيم) وأن (الرحمن) أعم فهو في الدنيا والآخرة ولجميع الخلق، و (الرحيم) خاص بالمؤمنين.

انظر الطبري في "تفسيره" 1/ 55، "تفسير أسماء الله" للزجاج ص 29، "المخصص" 17/ 151، والثعلبي في "تفسيره" 1/ 19 أ، والماوردي في "تفسيره" 1/ 52 - 53، وابن عطية في "تفسيره" 1/ 91، والقرطبي في "تفسيره" 1/ 105، 106، "الدر" 1/ 29، وابن كثير في "تفسيره" 1/ 22 - 23.

(١٨٥) هذا قول أبي عبيدة، ونسبه ابن الأنباري كذلك لقطرب، وبهذا النص مع الشواهد ذكره الثعلبي، أما أبو عبيدة فذكر شواهد غيرها، انظر: "مجاز القرآن" 1/ 21، والثعلبي في "تفسيره" 1/ 19 أ، "الزاهر" 1/ 153، "تفسير أسماء الله" ص 29، "اشتقاق أسماء الله" ص 38، 39، وقد رد الطبري على أبي عبيدة، وأغلظ له الرد، وسبق ذكر بعض كلامه.

انظر: "تفسيره" 1/ 58.

(١٨٦) هو الشاعر الجاهلي المشهور، عُدَّ بعد امرئ القيس في الشعر، واسمه (عمرو) ولقب بـ (طَرْفَه) وأحد الطرفاء لبيت قاله، قتل وهو ابن ست وعشرين سنة، وقيل: ابن عشرين.

ترجمته في "الشعر والشعراء" ص 103، "الخزانة" 2/ 419.

(١٨٧) في (ب): (عنى).

(١٨٨) صدره: مَالِي أَرَانِي وابْنَ عَمِّي مَالِكًا والبيت من معلقة طرفة المشهورة، يتحدث عما كان بينه وبين ابن عمه (مالك) من == جفوة وخصام، (ينأ عني) و (يبعد) معناهما واحد، وإنما جاء بهما لأن اللفظين مختلفان، والمعنى يبعد ثم يبعد بعد ذلك، وقيل: ينأ: بالفعل، ويبعد: بالنفس لشدة بغضه لي.

أورد البيت الثعلبي في "تفسيره" 1/ 19 أ، وانظر: "ديوان طرفة" ص 34 تحقيق وتحليل د.

علي الجندي.

(١٨٩) عدي بن زيد بن حماد، من بني امرئ القيس بن زيد بن مناة بن تميم شاعر فصيح، من شعراء الجاهلية، وكان نصرانيا، قتله النعمان بن المنذر ملك الحيرة.

ترجمته في "الشعر والشعراء" ص 130، "معاهد التنصيص" 1/ 325، "الخزانة" 1/ 381.

(١٩٠) من قصيدة قالها عدي بن زيد، في قصة طويلة مشهورة بين الزَّباء وجذيمة وردت في كتب التاريخ والأدب وصدر البيت: وَقدَّدَت الأَدِيَم لِرَاهِشيْه ...

..

..

..

..

ويروي (قدمت) و (الراهش) عرق في باطن الذراع و (المين) بمعنى: الكذب، ورد البيت في "معاني القرآن" للفراء 1/ 37، "الشعر والشعراء" ص 132، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 175، "تفسير الثعلبي" 1/ 19 أ، 73 أ، "أمالي المرتضى" 2/ 258، "المستقصى" 1/ 243، "مغني اللبيب" 2/ 357، "الهمع" 5/ 226، "معاهد التنصيص" 1/ 310، "اللسان" (مين) 7/ 4311، والقرطبي في "تفسيره" 1/ 399، "الدر المصون" 1/ 358.

والشاهد (كذبا ومَيْنا) فأكد الكذب بالمين وهو بمعناه.

(١٩١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 19 ب، وابن الأنباري في "الزاهر" 1/ 152، والأزهري في "تهذيب اللغة" (رحم) 2/ 1383، والقرطبي في "تفسيره" 1/ 92، وابن كثير عن القرطبي في "تفسيره" 1/ 22، وقد أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما عن ابن عباس، قال: (الرحمن الفعلان من الرحمة، وهو من كلام العرب قال: الرحمن الرحيم: الرقيق الرفيق بمن أحب أن يرحمه، والبعيد الشديد على من أحب أن يعنف == عليه) في سنده ضعف.

انظر الطبري 1/ 57، "تفسير ابن أبي حاتم" (رسالة دكتوراه) 1/ 148، وابن كثير في "تفسيره" 1/ 23، "المفسر عبد الله بن عباس والمروي عنه" (رسالة ماجستير) 1/ 130.

(١٩٢) في (ب): (الحسن).

(١٩٣) ذكره القرطبي، وذكر نحوه عن الخطابي 1/ 92، وذكره ابن كثير في "تفسيره" في القرطبي 1/ 22.

(١٩٤) (الواو) ساقطة من (ب).

(١٩٥) أخرجه مسلم (2593) كتاب البر، باب: فضل الرفق، وأبو داود (4807) كتاب الأدب، باب: في الرفق، وأحمد في "مسنده" عن علي 1/ 112، وعن عبد الله بن مغفل 4/ 87، وأخرج البخاري عن عائشة وفيه: (إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله (6927) كتاب استتابة المرتدين، باب: إذا عرض الذمي وغيره بسب النبي  .

(١٩٦) في (ج): (تقول).

(١٩٧) الثعلبي في "تفسيره" 1/ 19/ أ.

ومعنى أن (الرحمن) خاص اللفظ لأنه لا يطلق إلا على الله، عام المعنى؛ لأنه لجميع الخلق في الدنيا والآخرة، و (الرحيم) عام اللفظ لأنه يطلق على الله بما يليق به، ويطلق على غيره بما يليق به، وخاص المعنى: لأنه خاص بالمؤمنين، أو بالآخرة.

انظر الطبري في "تفسيره" 1/ 56 - 58، وابن كثير في "تفسيره" 1/ 22 - 23.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

وتسمى سورة الحمد لله، وفاتحة الكتاب، والواقية، والشافية، والسبع المثاني.

وفيها عشرون فائدة، سوى ما تقدّم في اللغات من تفسير ألفاظها، واختُلف هل هي مكية أو مدنية؟

ولا خلاف أن الفاتحة سبع آيات، إلاّ أن الشافعي يعدّ البسملة آية منها، والمالكيّ يسقطها، ويعدّ أنعمت عليهم آية.

الفائدة الأولى: قراءة الفاتحة في الصلاة واجبة عند مالك والشافعي، خلافاً لأبي حنيفة.

وحجتهما؛ قوله صلى الله عليه وسلم: «اقرأ ما تيسر من القرآن» .

الفائدة الثانية: اختلف هل أوّل الفاتحة على إضمار القول تعليماً للعباد: أي قولوا: الحمد لله، أو هو ابتداء كلام الله، ولابدّ من إضمار القول في ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾ وما بعده.

الفائدة الثالثة: الحمد أَعَمُّ من الشكر؛ لأنّ الشكر لا يكون إلاّ جزاء على نعمة، والحمد يكون جزاء كالشكر، ويكون ثناء ابتداء، كما أنّ الشكر قد يكون أعم من الحمد، لأن الحمد باللسان؛ والشكر باللسان والقلب، والجوارح.

فإذا فهمتَ عموم الحمد: علمتَ أن قولك: الحمد لله يقتضي الثناء عليه؛ لما هو من الجلال والعظمة والوحدانية والعزة والإفضال والعلم والمقدرة والحكمة وغير ذلك من الصفات، ويتضمن معاني أسمائه الحسنى التسعة والتسعين، ويقتضي شكره والثناء عليه بكل نعمة أعطى ورحمة أولى جميعَ خلقه في الآخرة والأولى، فيا لها من كلمة جمعت ما تضيق عنه المجلدات، واتفق دون عدّهَ عقول الخلائق، ويكفيك أن الله جعلها أوّل كتابه، وآخر دعوى أهل الجنة.

الفائدة الرابعة: الشكر باللسان هو الثناء على المنعم والتحدث بالنعم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «التحدث بالنعم شكر» والشكر بالجوارح هو العمل بطاعة الله وترك معاصيه، والشكر بالقلب هو معرفة مقدار النعمة.

والعلم بأنها من الله وحده، والعلم بأنها تفضلا باستحقاق العبد.

واعلم أن النعم التي يجب الشكر عليها لا تحصى، ولكنها تنحصر في ثلاثة أقسام: نعم دنيوية: كالعافية والمال، ونعم دينية: كالعلم، والتقوى.

ونعم أخروية: وهي جزاؤه بالثواب الكثير على العمل القليل في العمر القصير.

والناس في الشكر على مقامين: منهم من يشكر على النعم الواصلة إليه خاصة، ومنهم من يشكر الله عن جميع خلقه على النعم الواصلة إلى جميعهم، والشكر على ثلاثة درجات: فدرجات العوام الشكر على النعم والنقم وعلى كل حال، ودرجة خواص الخواص أن يغيب عن النعمة بمشاهدة المنعم، قال رجل لإبراهيم بن أدهم: الفقراء إذا مُنعوا شكروا.

وإذا أعطوا آثروا ومن فضيلة الشكر أنه من صفات الخلق فإنّ من أسماء الله: الشاكر والشكور، وقد فسرتهما في اللغة.

الفائدة الخامسة: قولنا: ﴿ الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين ﴾ أفضل عند المحققين من لا إله إلا الله لوجهين: أحدهما ما خرّجه النسائي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قال لا إله كتب له عشرون حسنة، ومن قال الحمد لله رب العالمين كتب له ثلاثون حسنة» والثاني: أن التوحيد الذي يقتضيه لا إله إلا الله حاصل في قولك ﴿ رَبِّ العالمين ﴾ وزادت بقولك الحمد لله، وفيه من المعاني ما قدّمنا، وأما قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله» ، فإنما ذلك للتوحيد الذي يقتضيه، وقد شاركتها الحمد لله رب العالمين في ذلك وزادت عليها، وهذا المؤمن يقولها لطلب الثواب، أما لمن دخل في الإسلام فيتعين عليه لا إله إلا الله.

الفائدة السادسة: الرب وزنه فعل بكسر العين ثم أدغم، ومعانيه أربعة: الإله، والسيد، والمالك، والمصلح.

وكلها في رب العالمين، إلا أن الأرجح معنى الإله: لاختصاصه لله تعالى، كما أن الأرجح في العالمين: أن يراد به كل موجود سوى الله تعالى، فيعم جميع المخلوقات.

الفائدة السابعة: ملك قراءة الجماعة بغير ألف من الملك، وقرأ عاصم والكسائي بالألف والتقدير على هذا: مالك مجيء يوم الدين، أو مالك الأمر يوم الدين، وقراءة الجماعة أرجح من الملك فهو سيد الناس، والثاني: قوله: وله الملك يوم ينفخ في الصور.

والثالث: أنها لا تقتضي خلاف الأصل.

وأما قراءة الجماعة فإضافة ملك إلى يوم الدين فهي على طريقة الاتساع، وأُجري الظرف مجرى المفعول به، والمعنى على الظرفية: أي الملك في يوم الدين، ويجوز أن يكون المعنى ملك الأمور يوم الدين، فيكون فيه حذف.

وقد رويت القراءتان في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد قرئ ملك بوجوه كثيرة إلاّ أنها شاذة.

الفائدة الثامنة: الرحمن، الرحيم، مالك: صفات، فإن قيل: كيف جرّ مالك ومالك صفة للمعرفة، وإضافة اس الفاعل غير محضة؟

فالجواب: أنها تكون غير محضة إذا كان بمعنى الحال أو الاستقبال، وأما هذا فهو مستمر دائماً فإضافته محضة.

الفائدة التاسعة: هو يوم القيامة ويصلح هنا في معاني الحساب والجزاء والقهر، ومنه ﴿ أَإِنَّا لَمَدِينُونَ ﴾ [الصافات: 53].

الفائدة العاشرة: إياك في الموضعين مفعول بالفعل الذي بعده، وإنما قدّم ليفيد الحصر فإنّ تقديم المعمولات يقتضي الحصر، فاقتضى قول العبد إياك نعبد أن يعبد الله وحده لا شريك له، واقتضى قوله: ﴿ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ اعترافاً بالعجز والفقر وأنا لا نستعين إلاّ بالله وحده.

الفائدة الحادية عشرة: إياك نستعين: أي نطلب العون منك على العبادة وعلى جميع أمورنا، وفي هذا دليل على بطلان قول القدرية والجبرية، وأنّ الحق بين ذلك.

الفائدة الثانية عشرة: اهدنا: دعاء بالهدى.

فإن قيل: كيف يطلب المؤمنون الهدى وهو حاصل لهم؟

فالجواب: إن ذلك طلب للثبات عليه إلى الموت، أو الزيادة منه فإنّ الارتقاء في المقامات لا نهاية له.

الفائدة الثالثة عشرة: قدم الحمد والثناء على الدعاء لأنّ تلك السنة في الدعاء وشأن الطلب أن يأتي بعد المدح، وذلك أقرب للإجابة.

وكذلك قدّم الرحمن على ملك يوم الدين لأن رحمة الله سبقت غضبه، وكذلك قدّم إياك نعبد على إياك نستعين لأن تقديم الوسيلة قبل طلب الحاجة.

الفائدة الرابعة عشرة: ذكر الله تعالى في أول هذه السورة على طريقة الغيبة، ثم على الخطاب في إياك نعبد وما بعده، وذلك يسمى الالتفات، وفيه إشارة إلى أن العبد إذا ذكر الله تقرّب منه فصار من أهل الحضور فناداه.

الفائدة الخامسة عشرة: الصراط في اللغة الطريق المحسوس الذي لا عوج فيه، فالصراط المستقيم الإسلام، وقيل القرآن، والمعنيان متقاربان، لأنّ القرآن يضمّن شرائع الإسلام وكلاهما مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم وقرئ الصراط بالصاد والسين وبين الصاد والزاي، وقد قيل إنه قرئ بزاي خالصة، والأصل فيه السين، وإنما أبدلوا منها صاداً لموافقة الطاء في الاستعلاء والإطباق، وأما الزاي فلموافقة الطاء في الجهر.

الفائدة السادسة عشرة: الذين أنعمت عليهم: قال ابن عباس: هم النبيون والصديقون والشهداء والصالحون.

وقيل: المؤمنون وقيل الصحابة، وقيل قوم موسى وعيسى قبل أن يغيروا، والأوّل أرجح لعمومه، ولقوله: ﴿ مَعَ الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم مِّنَ النبيين والصديقين والشهدآء والصالحين ﴾ [النساء: 69].

الفائدة السابعة عشرة: إعراب غير المغضوب بدل، ويبعد النعت لأن إضافته غير مخصوصة وهو قد جرى عن معرفة وقرئ بالنصب على الاستثناء أو الحال.

الفائدة الثامنة عشرة: إسناد أنعمت عليهم إلى الله.

والغضب لما لم يسم فاعله على وجه التأدب: كقوله: ﴿ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ﴾ [الشعراء: 80] وعليهم أوّل في موضع نصب، والثاني في موضع رفع.

الفائدة التاسعة عشرة: المغضوب عليهم اليهود، والضالين: النصارى، قال ابن عباس وابن مسعود وغيرهما، وقد روي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم وجلاله قائله وذكر ولا في قوله: ولا الضالين دليل على تغاير الطائفتين وأن الغضب صفة اليهود في مواضع من القرآن: كقوله: ﴿ فَبَآءُو بِغَضَبٍ ﴾ [البقرة: 90]، والضلال صفة النصارى لاختلاف أقوالهم الفاسدة في عيسى بن مريم عليه السلام، ولقول الله فيه: ﴿ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيراً وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ السبيل ﴾ [المائدة: 77].

الفائدة العشرون: هذه السور جمعت معاني القرآن العظيم كله فكأنها نسخة مختصرة منه فتأملها بعد تحصيل الباب السادس من المقدّمة الأول تعلم ذلك في الألوهية حاصلاً في قوله: كلها من الاعتقادات والأحكام التي تقتضيها الأوامر والنواهي في قوله: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾ والشريعة كلها في قوله: الصراط المستقيم، والأنبياء وغيرهم في قوله الذين أنعمت عليهم، وذكر طوائف الكفار في قوله غير المغضوب عليهم ولا الضالين.

خاتمة: أمر بالتأمين عند خاتمة الفاتحة للدعاء الذي فيها، وقولك: آمين اسم فعل معناه: اللهم استجب، وقيل: هو من أسماء الله، ويجوز فيه مدّ الهمزة وقصرها، ولا يجوز تشديد الميم، وليؤمن في الصلاة المأموم والفذ والإمام إذا أسرّ، واختلفوا إذا جهر.

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: "مالك": بالألف سهل ويعقوب وعاصم وعلي وخلف، والباقون ملك: ﴿ الرحيم ملك ﴾ مدغماً: أبو عمرو، كذلك يدغم كل حرفين التقيا من كلمتين إذا كانا من جنس واحد مثل ﴿ قال لهم  ﴾ أو مخرج واحد مثل ﴿ ولتأت طائفة  ﴾ أو قريبي المخرج مثل ﴿ خلقكم  ﴾ و ﴿ لقد جاءكم  ﴾ سواء كان الحرف المدغم ساكناً مثل ﴿ أنبتت سبع سنابل  ﴾ ويسمى بالإدغام الصغير، أو متحركاً فأسكن للإدغام مثل ﴿ قيل لهم  ﴾ و ﴿ لذهب بسمعهم  ﴾ ويسمى بالإدغام الكبير إلا أن يكون مضاعفاً نحو ﴿ أحل لكم  ﴾ و ﴿ مس سقر  ﴾ أو منقوصاً مثل ﴿ وما كنت ترجو  ﴾ و ﴿ كنت تراباً  ﴾ ونعني بالمنقوص الأجوف المحذوف العين أو مفتوحاً قبله ساكن مثل { ﴿ البحر لتأكلوا  ﴾ و ﴿ والحمير لتركبوها  ﴾ إلا في مواضع أربعة { ﴿ كاد يزيغ  ﴾ و ﴿ قال رب ﴾ \[المؤمنون: 26\] في كل القرآن و ﴿ الصلاة طرفي النهار  ﴾ و ﴿ بعد توكيدها  ﴾ أو يكون الإظهار أخف من الإدغام نحو ﴿ أفأنت تهدي  ﴾ ﴿ أفأنت تسمع  ﴾ وعن يعقوب إدغام الجنسين في جميع القرآن إذا التقيا من كلمتين.

"الصراط" بإشمام الراء ههنا وفي جميع القرآن: حمزة.

وعن يعقوب بالسين في كل القرآن، وعن الكسائي بإشمام السين كل القرآن، والباقون بالصاد.

"عليهم": وإليهم ولديهم بضم الهاآت كل القرآن: حمزة وسهل ويعقوب.

ضم كل ميم جمع يزيد وابن كثير غير ورش، بضم الميم عند ألف القطع فقط نحو ﴿ أأنذرتهم أم  ﴾ .

الوقوف: العالمين (لا) لاتصال الصفة بالموصوف.

الرحيم (لا) لذلك.

الدين (ط) للعدول عن الغائب إلى المخاطب.

نستعين (ط) لابتداء الدعاء.

المستقيم (لا) لاتصال البدل بالمبدل.

أنعمت عليهم (لا) لاتصال البدل أو الصفة.

الضالين(ه).

التفسير: روي عن جندب عن رسول الله  : "من قال في كتاب الله عز وجل برأيه فأصاب فقد أخطأ" وعن ابن عباس قال: قال رسول الله  : "من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار" فذكر العلماء أن النهي عن تفسير القرآن بالرأي لا يخلو إما أن يكون المراد به الاقتصار على النقل والمسموع وترك الاستنباط، أو المراد به أمر آخر، وباطل أن يكون المراد به أن لا يتكلم أحد في تفسير القرآن إلا بما سمعه فإن الصحابة  م قد فسروا القرآن واختلفوا في تفسيره على وجوه.

وليس كل ما قالوه سمعوه، كيف وقد " دعا النبي  لابن عباس اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل" فإن كان التأويل مسموعاً كالتنزيل فما فائدة تخصيصه بذلك؟!

وإنما النهي يحمل على وجهين: أحدهما: أن يكون له في الشيء رأي وإليه ميل من طبعه وهواه فيتأوّل القرآن على وفق هواه ليحتج على تصحيح غرضه، ولو لم يكن له ذلك الرأي والهوى لا يلوح له من القرآن ذلك المعنى.

وهذا قد يكون مع العلم بأن المراد من الآية ليس ذلك، ولكن يلبس على خصمه.

وقد يكون مع الجهل وذلك إذا كانت الآية محتملة فيميل فهمه إلى الوجه الذي يوافق غرضه ويترجح ذلك الجانب برأيه وهواه، ولولا رأيه لما كان يترجح عنده ذلك الوجه.

وقد يكون له غرض صحيح فيطلب له دليلاً من القرآن ويستدل عليه بما يعلم أنه ما أريد به كمن يدعو إلى مجاهدة القلب القاسي فيقول: المراد بفرعون في قوله  ﴿ اذهب إلى فرعون إنه طغى  ﴾ هو النفس.

الوجه الثاني: أن يتسارع إلى تفسير القرآن بظاهر العربية من غير استظهار بالسماع والنقل فيما يتعلق بغريب القرآن وما فيه من الألفاظ المبهمة والاختصار والحذف والإضمار والتقديم والتأخير.

فالنقل والسماع لا بد منه في ظاهر التفسير أوّلاً ليتقي به مواضع الغلط، ثم بعد ذلك يتسع للتفهم والاستنباط.

والغرائب التي لا تفهم إلا بالسماع كثيرة كقوله  { ﴿ وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها  ﴾ معناه آية مبصرة فظلموا أنفسهم بقتلها.

فالناظر إلى ظاهر العربية يظن المراد أن الناقة كانت مبصرة ولم تكن عمياء، وما يدري بما ظلموا وإنهم ظلموا غيرهم أو أنفسهم.

وما عدا هذين الوجهين فلا يتطرق النهي إليه ما دام على قوانين العلوم العربية والقواعد الأصلية والفرعية.

واعلم أن مقتضى الديانة أن لا يؤوّل المسلم شيئاً من القرآن والحديث بالمعاني بحيث تبطل الأعيان التي فسرها النبي  ، والسلف الصالح مثل: الجنة والنار والصراط والميزان والحور والقصور والأنهار والأشجار والثمار وغيرها، ولكنه يجب أن يثبت تلك الأعيان كما جاءت.

ثم إن فهم منها حقائق أخرى ورموزاً ولطائف بحسب ما كوشف فلا بأس، فإن الله  ما خلق شيئاً في عالم الصورة إلا وله نظير في عالم المعنى، وما خلق شيئاً في عالم المعنى وهو الآخرة إلا وله حقيقة في عالم الحق وهو غيب الغيب، وما خلق في العالمين شيئاً إلا وله أنموذج في عالم الإنسان والله  أعلم.

والتفسير أصله الكشف والإظهار وكذلك سائر تقاليبه.

من ذلك: سفرت المرأة كشفت عن وجهها، والسفر لأنه يكشف به عن وجوه الحوائج، ومنه السرف لأنه يكشف به عن ماله حينئذ.

والرفس لأنه يكشف عن عضوه وانكشاف حال المقيد في رسفانه واضح.

فمن التفسير ما يتعلق باللغة ومنه ما يتعلق بالصرف أو النحو أو المعاني أو البيان إلى غير ذلك من العلوم كما أشرنا إلى ذلك في آخر المقدمة العاشرة، ومنه أسباب النزول وذكر القصص والأخبار وغير ذلك.

ونحن على أن نورد بعد القرآن مع الترجمة القراءة ثم الوقوف ثم أسباب النزول ثم التفسير الشامل لجميع ذلك، ثم التأويل إن كان، ولم نذكره في التفسير ونذكر منه ما هو أقرب إلى الإمكان والله المستعان.

فلنشتغل بتفسير الفاتحة فنقول: في البسملة مسائل: الأولى: الجار والمجرور لا بد له من متعلق وليس بمذكور فيكون مقدراً وأنه يكون فعلاً أو اسماً فيه رائحة الفعل.

وعلى التقديرين فإما أن يقدر مقدماً أو مؤخراً نحو: ابدأ بسم الله، أو ابتدائي بسم الله، أو بسم الله أبتدئ، أو بسم الله ابتدائي أو الابتداء، وتقدير الفعل أولى من تقدير الاسم لأن كل فاعل يبدأ في فعله ببسم الله يكون مضمراً ما جعل التسمية مبدأ له، فيكون المراد أن إنشاء ذلك الفعل إنما هو على اسم الله فيقدر ههنا بسم الله أقرأ أو أتلو أو أبدأ، لأن الذي يتلو التسمية مقروء ومبدوء به كما أن المسافر إذا حل وارتحل فقال: بسم الله متبركاً، كان المعنى بسم الله أحل أو ارتحل وكذلك الذابح.

ونظيره في حذف متعلق الجار قولهم في الدعاء للمعرس: بالرفاء والبنين، أي بالرفاء أعرست، وتقدير المحذوف متأخر أولي على نحو قوله  ﴿ بسم الله مجريها ومرساها  ﴾ لأن تقديم ذكر الله أدخل في التعظيم، ولأن ما هو السابق في الوجود يستحق السبق في الذكر، ولهذا قال المحققون: ما رأينا شيئاً إلا ورأينا الله  قبله.

ولأنهم كانوا يبدأون بأسماء آلهتهم فيقول: باسم اللات باسم العزى، فوجب أن يقصد الموحد معنى اختصاص اسم الله عز وجل بالابتداء وذلك بتقديمه وتأخير الفعل كما في ﴿ إياك نعبد ﴾ صرح بتقديم الاسم إرادة الاختصاص.

قال في الكشاف: وإنما قدم الفعل في ﴿ اقرأ باسم ربك  ﴾ لأن تقديم الفعل هناك أوقع لأنهما أول سورة نزلت فكان الأمر بالقراءة أهم.

وقال صاحب المفتاح: الصواب أن يقال: معنى إقرأ أوجد القراءة، ثم يكون باسم ربك متعلقاً باقرأ الثاني.

وذكر في معنى تعلق اسم الله بالقراءة وجهان: إما تعلق القلم بالكتبة في قولك "كتبت بالقلم" كان فعله لا يجيء معتداً به شرعاً إلا بعد تصديره بذكر الله قال  : "كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر" وإما تعلق الدهن بالإنبات في قوله  ﴿ تنبت بالدهن ﴾ \[المؤمنون: 20\] أي متبركاً باسم الله أقرأ كما في قوله "بالرفاء والبنين" أي أعرست متلبساً بالرفاء وهذا أعرب وأحسن.

أما كونه أدخل في العربية فلأنه لا يعرفه إلا من له دربة بفنون الاستعمالات بخلاف الأول فإنه مبتذل.

وأما كونه أحسن فلأن جعل اسم الله كالآلة خروج عن الأدب، لأن الآلة من حيث إنها آلة غير مقصود بالذات، واسم الله  عند الموحد أهم شيء وأنه مقول على ألسنة العباد تعليماً لهم كيف يتبركون باسمه وكيف يعظمونه، وكذلك الحمد لله رب العالمين إلى آخره.

الثانية: أنهم استحسنوا تفخيم اللام وتغليظها من لفظ "الله" بعد الفتحة والضمة دون الكسرة أما الأول فللفرق بينه وبين لفظ اللات في الذكر، ولأن التفخيم مشعر بالتعظيم، ولأن اللام الرقيقة تذكر بطرف اللسان والغليظة تذكر بكل اللسان فكان العمل فيه أكثر، فيكون أدخل في الثواب وهذا كما جاء في التوراة: أحبب ربك بكل قلبك.

وأما الثاني فلأن النقل من الكسرة إلى اللام الغليظة ثقيل على اللسان لكونه كالصعود بعد الانحدار.

وإنما لم يعدّوا اللام الغليظة حرفاً والرقيقة حرفاً آخر كما عدوا الدال حرفاً والطاء حرفاً آخر مع أن نسبة الرقيقة إلى الغليظة كنسبة الدال إلى الطاء، فإن الدال بطرف اللسان والطاء بكل اللسان، لإطراد استعمال الغليظة مكان كل رقيقة ما لم يعق عائق الكسرة وعدم إطراد الطاء مكان كل دال.

الثالثة: طولوا الباء من بسم الله إما للدلالة على همزة الوصل المحذوفة، وإما لأنهم أرادوا أن لا يستفتحوا كتاب الله إلا بحرف معظم.

وكان يقول عمر بن عبد العزيز لكتابه: طولوا الباء وأظهروا السين ودوّروا الميم تعظيماً لكتاب الله.

وقال أهل الإشارة: الباء حرف منخفض في الصورة، فلما اتصل بكتابة لفظ "الله" ارتفعت واستعملت.

فلا يبعد أن القلب إذا اتصل بحضرة الله يرتفع حاله ويعلو شأنه.

الرابعة: إبقاء لام التعريف في الخط على أصله في لفظ الله كما في سائر الأسماء المعرفة، وأما حذف الألف قبل الهاء فلكراهتهم اجتماع الحروف المتشابهة في الصورة عند الكتابة ولأنه يشبه اللات في الكتابة.

قال أهل الإشارة: الأصل في قولنا "الله" الإله وهو ستة أحرف ويبقى بعد التصرف أربعة في اللفظ: ألف ولامان وهاء، فالهمزة من أقصى الحلق، واللام من طرف اللسان، والهاء من أقصى الحلق، وهذه حال العبد يبتدئ من النكرة والجهالة ويترقى قليلاً قليلاً في مقامات العبودية حتى إذا وصل إلى آخر مراتب الوسع والطاقة ودخل في عالم المكاشفات والأنوار، أخذ يرجع قليلاً قليلاً حتى ينتهي إلى الفناء في بحر التوحيد كما قيل: النهاية رجوع إلى البداية.

وأما حذف الألف قبل النون من لفظ "الرحمن" فهو جائز في الخط ولو كتب كان أحسن.

الخامسة: الاسم أحد الأسماء العشرة التي بنوا أوائلها على السكون، وهو عند البصريين في الأصل سمو بدليل تكسيره على أسماء وتصغيره على سميّ وتصريفه على سميت ونحوه، فاشتقاقه من السمو وهو العلو مناسب لأن التسمية تنويه بالمسمى وإشادة بذكره.

وقيل: لأن اللفظ معرف للمعنى، والمعرف متقدم على المعرف في المعلومية فهو عالٍ عليه حذفوا عجزه كما في "يد" و "دم" فبقي حرفان أولهما متحرك والثاني ساكن، فلما حرك الساكن للإعراب أسكن المتحرك للاعتدال فاحتيج إلى همزة الوصل إذ كان دأبهم أن يبتدؤا بالمتحرك ويقفوا على الساكن حذراً من اللكنة والبشاعة.

ومنهم من لم يزد الهمزة وأبقى السين بحاله فيقول: سم كما قال: باسم الذي في كل سورة سمه.

وقد يضم السين فيقال: "سم" كأن الأصل عنده "سمو".

وعند الكوفيين اشتقاق الاسم من الوسم والسمة، لأن الاسم كالعلامة المعرّفة.

وزيف بأنه لو كان كذلك لكان تصغيره وسيماً وحجمه أوساماً.

السادسة: قال بعض المتكلمين ومنهم الأشعري: إن الاسم غير المسمى وغير التسمية وهو حق، لأن الاسم قد يكون موجوداً والمسمى معدوماً كلفظ المعدوم والمنفي ونحو ذلك، وقد يكون بالعكس كالحقائق التي لم توضع لها أسماء، ولأنّ الأسماء قد تكون كثيرة مع كون المسمى واحداً كالأسماء المترادفة وكأسماء الله التسعة والتسعين، أو بالعكس كالأسماء المشتركة، ولأن كون الاسم اسماً للمسمى وكونه المسمى مسمى له من باب الإضافة كالمالكية والمملوكية، والمضافان متغايران لا محالة.

ولا يشكل ذلك بكون الشخص عالماً بنفسه لأنهما متغايران اعتباراً، ولأن الاسم أصوات وحروف هي أعراض غير باقية والمسمى قد يكون باقياً بل واجب الوجود لذاته، ولأنه لا يلزم من التلفظ بالعسل وجود الحلاوة في اللسان، ومن التلفظ بالنار وجود الحرارة.

وقال المعتزلة: الاسم نفس المسمى لقوله  ﴿ تبارك اسم ربك  ﴾ مكان "تبارك ربك": والجواب أنه كما يجب علينا تنزيه ذات الله  من النقائص يجب تنزيه اسمه مما لا ينبغي.

وأيضاً قد يزاد لفظ الاسم مجازاً كقوله: إلى الحول ثم اسم السلام عليكما.

قالوا: إذا قال الرجل: زينب طالق.

وكان له زوجة مسماة بزينب طلقت شرعاً.

قلنا: المراد الذات التي يعبر عنها بهذا اللفظ طالق فلهذا وقع الطلاق عليها، والتسمية أيضاً مغايرة للمسمى وللاسم لأنها عبارة عن تعيين اللفظ المعين لتعريف الذات المعينة، وذلك التعيين معناه قصد الواضع وإرادته، والاسم عبارة عن ذلك اللفظ المعين فافترقا.

السابعة: وضع الأسماء والأفعال سابق على وضع الحروف، لأن الحروف رابطة بينهما.

والظاهر أن وضع الأسماء سابق على وضع الأفعال لأن الاسم لفظ دال على الماهية والفعل لفظ دال على حصول الماهية لشيء من الأشياء في زمان معين، فكأن الاسم مفرد والفعل مركب والمفرد سابق على المركب طبعاً فيكون سابقاً عليه وضعاً.

وأيضاً الفعل مفتقر إلى الفاعل، والفاعل لا يفتقر إلى الفعل.

وأيضاً الاسم مستغن في الإفادة عن الفعل دون العكس، والأظهر أن أسماء الماهيات سابقة بالرتبة على الأسماء المشتقات، لأن الأولى مفردة والثانية مركبة، ويشبه أن تكون أسماء الصفات سابقة بالرتبة على أسماء الذوات القائمة بأنفسها لأنا لا نعرف الذوات إلا بتوسط الصفات القائمة بها والمعرف معلوم قبل المعرّف فيناسب السبق في الذكر.

الثامنة: أقسام الأسماء الواقعة على المسميات تسعة: أولها: لاسم الواقع على الذات.

ثانيها: الاسم الواقع على الشيء بحسب جزء من أجزائه كالحيوان على الإنسان ثالثها: الواقع عليه بحسب صفة حقيقية قائمة بذاته كالأسود والحارّ.

رابعها: الواقع عليه بحسب صفة إضافية كقولنا للشيء إنه معلوم ومفهوم ومالك ومملوك.

خامسها: الواقع عليه بحسب صفة سلبية كالأعمى والفقير.

سادسها: الواقع عليه بحسب صفة حقيقية مع صفة إضافية كالعالم والقادر عند القائل بأن العلم صفة حقيقية، ولها إضافة إلى المعلومات وكذا القدرة.

سابعها: صفة حقيقية مع صفة سلبية كالمفهوم من مجموع قولنا قادر لا يعجز عن شيء وعالم لا يجهل شيئاً.

ثامنها: صفة إضافية مع صفة سلبية كالأول، فإن معناه سابق غير مسبوق.

تاسعها صفة حقيقية مع صفة إضافية وصفة سلبية، فهذه أقسام الأسماء لا تكاد تجد اسماً خارجاً عنها، سواء كان لله  أو لمخلوقاته.

التاسعة: هل لله  بحسب ذاته المخصوصة اسم أم لا؟

ذكر بعضهم أن حقيقته تعالى لما كانت غير مدركة للبشر فكيف يوضع له اسم مخصوص بذاته؟

وما الفائدة في ذلك؟

أقول: لا ريب أن الإدراك التام عبارة عن الإحاطة التامة، والمحاط لا يمكن أن يحيط بمحيطه أبداً، وأنه  بكل شيء محيط فلا يدركه شيء مما دونه كما ينبغي، إلا أن وضع الاسم للذات لا ينافي عدم إدراكه كما ينبغي، وإنما ينافي عدم إدراكه مطلقاً.

فيجوز أن يقال الشيء الذي تدرك منه هذه الآثار واللوازم مسمى بهذا اللفظ، وأيضاً إذا كان الواضع هو الله  وأنه يدرك ذاته لا محالة على ما هو عليه، فله أن يضع لذاته اسماً مخصوصاً لا يشاركه فيه غيره حقيقة، وإذا كان وضع الاسم لتلك الحقيقة المخصوصة ممكناً فينبغي أن يكون ذلك الاسم أعظم الأسماء وذلك الذكر أشرف الأذكار، لأن شرف العلم والذكر بشرف المعلوم والمذكور.

فلو اتفق لعبد من عبيده المقربين الوقوف على ذلك الاسم حال ما يكون قد تجلى له معناه، لم يبعد أن تنقاد له عوالم الجسمانيات والروحانيات.

ثم القائلون بأن الاسم الأعظم موجود اختلفوا فيه على وجوه.

منهم من قال: هو ذو الجلال والإكرام ولهذا قال  : "ألظوا بيا ذا الجلال والإكرام" ورد بأن الجلال من الصفات السلبية والإكرام من الإضافية، ومن البين أن حقيقته المخصوصة مغايرة للسلوب والإضافات.

ومنهم من يقول: إنه الحي القيوم " "لقوله  لأبيّ بن كعب حين قال له: ما أعظم آية في كتاب الله؟

فقال: الله لا إله إلا هو الحي القيوم.

فقال  :ليهنك العلم يا أبا المنذر" وزيف بأن الحي هو الدرّاك الفعال وهذا ليس فيه عظمة ولأنه صفة، وأما القيوم فمعناه كونه قائماً بنفسه مقوّماً لغيره، والأول مفهوم سلبي وهو استغناؤه عن غيره، والثاني إضافي.

ومنهم من قال: إن أسماء الله  كلها عظيمة لا ينبغي أن يفاوت بينها، ورد بما مرّ من أن اسم الذات أشرف من اسم الصفة، ومنهم من قال: إن الإسم الأعظم هو الله وهذا أقرب، لأنا سنقيم الدلالة على أن هذا الاسم يجري مجرى اسم العلم في حقه  ، وإذا كان كذلك كان دالاً على ذاته المخصوصة، ويؤيد ذلك ما روت أسماء بنت زيد أن رسول الله  قال: "اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين ﴿ وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم  ﴾ وفاتحه سورة آل عمران ﴿ ألم الله لا إله إلا هو الحي القيوم ﴾ " [آل عمران: 1 - 2] وعن بريدة " "أن رسول الله  سمع رجلاً يقول: اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد.

فقال: والذي نفسي بيده لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى" ولا شك أن اسم الله في الآية والحديث أصل والصفات مرتبة عليه هذا، وأما الاسم الدال على المسمى بحسب جزء من أجزائه فمحال في حق الله  ، لأن ذاته  مبرأ عن شائبة التركيب بوجه من الوجوه.

وأما الاسم الدال بحسب صفة حقيقية قائمة بذاته المخصوصة، فتلك الصفة إما أن تكون هي الوجود، وإما أن تكون كيفية من كيفيات الوجود، وإما أن تكون صفة أخرى مغايرة للوجود ولكيفيات الوجود، فهذه ثلاثة أقسام: القسم الأول: الأسماء الدالة على الوجود منها الشيء ويجوز إطلاقه على الله  عند الأكثرين لقوله  ﴿ قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم  ﴾ ﴿ كل شيء هالك إلا وجهه  ﴾ أي ذاته.

وفي الخبر "كان الله ولم يكن شيء غيره" ولأن الشيء عبارة عما يصح أن يعلم ويخبر عنه وذاته  كذلك.

حجة المخالف قوله  ﴿ الله خالق كل شيء  ﴾ فلو كان الله  شيئاً لزم أن يكون خالق نفسه.

ومثله { ﴿ وهو على كل شيء قدير  ﴾ قلنا: خص بالدليل العقلي.

قالوا: ليس من صفات المدح.

قلنا: نعم هو خير من لا شيء، وإن كان سائر الأشياء مشتركة معه في ذلك كالموجود والكريم والحليم، فإن كلاً منها مدح بالنسبة إلى من لا وجود له ولا كرم ولا حلم، بل الشيء بالحقيقة هو وباقي الأشياء شيئيتها مستعارة كوجودها ومنها الموجود.

وأطبق المسلمون على جواز إطلاقه عليه  وكيف لا؟

ومعنى قول الموحد لا إله إلا الله أي لا إله في الوجود إلا الله.

ومنها الذات ولا شك في جواز إطلاقه عليه إذ يصدق على كل حقيقة أنها ذات الصفات أي صاحبة الصفات القائمة بها، ويؤيد ذلك ما روي عن أبي هريرة أن رسول الله  قال: "إن إبراهيم لم يكذّب إلا في ثلاث: ثنتين في ذات الله" - أي في طلب مرضاته ـ ومنها النفس قال  : ﴿ تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك  ﴾ وقال  : "أنت كما أثنيت على نفسك" أي على ذاتك وحقيقتك.

ومنها الشخص قال: "لا شخص أغير من الله  ومن أجل غيرته حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا شخص أحب إليه العذْر من الله ومن أجل ذلك بعث المرسلين مبشرين ومنذرين ولا شخص أحب إليه المدحة من الله" والمراد بالشخص الحقيقة المتعينة الممتازة عما عداها.

ومنها النور قال عز من قائل: ﴿ الله نور السماوات والأرض  ﴾ وليس المراد به ما يشبه الكيفية المبصرة وإنما المراد أنه الظاهر في نفسه المظهر لغيره.

وإذ لا ظهور ولا إظهار فوق ظهوره وإظهاره فإنه واجب الوجود لذاته أزلاً وأبداً، ومخرج جميع الممكنات من العدم إلى الوجود.

فإذن هو نور الأنوار  وتقدس، وسوف يأتيك تمام التحقيق إذا وصلنا إلى سورة النور وهو أعلم بحقائق الأمور.

ومنها الصورة وقد ورد في الخبر "أن الله خلق آدم على صورته" فقيل: معناه خلق آدم على صورته التي كان عليها يعني ما تولد من نطفة ودم وما كان جنيناً، ورضيعاً بل خلقه الله  رجلاً كاملاً دفعة واحدة.

وقيل في حديث آخر "لا تقبحوا الوجه فإن الله  خلق آدم على صورة الرحمن" المراد من الصورة الصفة كما يقال: صورة هذه المسألة كذا أي خلقه على صفته في كونه خليفة في أرضه متصرفاً في جميع الأجسام الأرضية كما أنه  نافذ القدرة في جميع العالم.

ويمكن أن يقال: الصورة إشارة إلى وجه المناسبة التي ينبغي أن تكون بين كل علة ومعلولها، فإن الظلمة لا تصدر عن النور وبالعكس، وكنا قد كتبنا في هذا رسالة.

ومنها الجوهر وأنه لا يطلق عليه بمعنى موجود لا في موضوع، أي إذا وجد كان وجودهن بحيث لا يحتاج إلى محل يقوم به ويستغني المحل عنه، لأن ذلك ينبئ عن كون وجوده زائداً على ماهيته.

وإنما يمكن أن يطلق عليه بمعنى آخر وهو كونه قائماً بذاته غير مفتقر إلى شيء في شيء أصلاً لكن الإذن الشرعي حيث لم يرد بذلك وجب الامتناع عنه.

ومنها الجسم ولا يطلقه عليه إلا المجسمة، فإن أرادوا الجوهر القابل للأبعاد الثلاثة فمحال للزوم التركيب والتجزي، وإن أرادوا معنى يليق بذاته من كونه موجوداً قائماً بالنفس غنياً عن المحل فالإذن الشرعي لم يرد به فلزم الامتناع.

ومنها الماهية والآنية أي الحقيقة التي يسأل عنها بما هي وثبوته الدال عليه لفظ "ان"، ولا بأس بإطلاقهما عليه إذا أريد بهما الحقيقة والذات المخصوصة إلا من حيث الشرع.

ومنها الحق فإنه  أحق الأشياء بهذا الاسم، إما بحسب ذاته فلأنه الموجود الذي يمتنع عدمه وزواله، والحق يقال بإزاء الباطل والباطل يقال للمعدوم قال لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل.

وإما بحسب ما يقال إن هذا الخبر حق وصدق فهذا الخبر أحق وأصدق، وإما بحسب ما يقال إن هذا الاعتقاد حق فلأن اعتقاد وجوده ووجوبه أصوب الاعتقادات المطابقة.

القسم الثاني في الأسماء الدالة على كيفية الوجود منها القديم وهو في اللغة يفيد طول المدة، وفي الشرع يرادفه الأزلي، ويراد بهما ما لا أول له في الطرف الماضي كالأبدي في الطرف المستقبل.

وكذا السرمدي واشتقاقه من السرد التوالي والتعاقب، زيدت الميم للمبالغة.

ونعني بالنسبة في هذه الألفاظ أنه  منسوب إلى عدم البداية والنهاية في كلا طرفي الامتداد الوهمي المسمى بالزمان.

ومنها الممتد والمستمر ونعني بهما تلاحق الأجزاء وتعاقب الأبعاض، ولا يخفى أن أمثال هذه الألفاظ إنما يصح إطلاقها بالحقيقة على الزمان والزمانيات، وأما في حق الله جل ذكره فلا يصح إلا بالمجاز بعد التوقيف.

ومنها الباقي قال تعالى: ﴿ كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام  ﴾ وأنه تعالى أحق الأشياء بهذا الاسم.

ومنها الدائم وهو كالباقي.

ومنها واجب الوجود لذاته أي ذاته اقتضى وجوده، وما بالذات لا ينفك عنه أبداً فهو ممتنع الفناء والعدم أزلاً وأبداً ولهذا قيل: خداي معناه خوداي أي أنه جاء بنفسه.

ومنها الكائن قال  : ﴿ وكان الله عليماً حكيماً  ﴾ وفي بعض الأدعية المأثورة عن النبي  "يا كائناً قبل كل كون، ويا حاضراً مع كل كون، ويا باقياً بعد انقضاء كل كون" واعلم: أن لفظة "كان" تفيد الحصول والثبوت والوجود، إلا أن هذا قسمان: منه ما يفيد حصول الشيء في نفسه، ومنه ما يفيد حصول موصوفية شيء بشيء.

والأول يتم باستناده إلى ذلك الشيء وهي التامة، والثاني لا يتم إلا بذكر شيئين وهي الناقصة نحو: كان زيد عالماً أي حصل موصوفية زيد بالعلم وكلا القسمين يجوز إطلاقه عليه  .

القسم الثالث في الصفات الحقيقية المغايرة للوجود ولكيفيات الوجود.

الفلاسفة والمعتزلة أنكروا قيام مثل هذه الصفات بذات الله  أشد إنكار لأن واجب الوجود لذاته يجب أن يكون واحداً من جميع جهاته، ولأن تلك الصفة لو كانت واجبة الوجود لزم شريك للباري مع أن الجمع بين الوجود الذاتي وبين كونه صفة للغير، والصفة مفتقرة إلى الموصوف محال، وإن كانت ممكنة الوجود فلها علة موجدة، ومحال أن يكون هو الله  لأنه قابل لها فلا يكون فاعلاً لها، ولأن ذاته لو كانت كافية في تحصيل تلك الصفة فتكون ذاته بدون تلك الصفة كاملة في العلية وهو المطلوب، وإن لم تكن كافية لزم النقص المنافي لوجوب الوجود.

حجة المثبتين أن إله العالم يجب أن يكون عالماً قادراً حياً، ثم إنا ندرك التفرقة بين قولنا: "ذات الله  ذات" وبين قولنا: "ذاته عالم قادر" وذلك يدل على المغايرة بين الذات وهذه الصفات.

وإذا قلنا بإثبات الصفة الحقيقية فنقول: العلم صفة يلزمها كونها متعلقة بالمعلوم، والقدرة صفة يلزمها صحة تعلقها بإيجاد المقدور.

والصفة الحقيقية العارية عن النسب والإضافات في حقه  ليست إلا صفة الحياة إن لم نقل إنها عبارة عن الدرّاكية والفعالية، بل يقال: إنها صفة باعتبارها يصح أن يكون عالماً وقادراً، والتحقيق أن الحياة عبارة عن كون الشيء بحيث يصدر عنه ما من شأنه أن يصدر عنه كما ينبغي أن يصدر عنه، ولا ريب أن واجب الوجود  أحق الأشياء بهذا الاسم، لأن وجوب الوجود يقتضي اتصافه بجميع الصفات الكمالية وصدور الأشياء الممكنة عنه على النحو الأفضل، ولهذا مدح الله  به نفسه قائلاً ﴿ الله لا إله إلا هو الحي القيوم  ﴾ ﴿ وعنت الوجوه للحي القيوم  ﴾ وأما الأسماء الدالة على الصفات الإضافية، فمنها التكوين وهو عند المعتزلة والأشعري نفس المكوّن.

وقال غيرهم: إنه غيره.

حجة الأولين أن الصفة المسماة بالتكوين إما أن تؤثر على سبيل الصحة وهي القدرة لا غير، أو على سبيل الوجوب.

ويلزم كونه موجباً بالذات لا فاعلاً بالاختيار.

وأيضاً إن كانت قديمة لزم قدم الآثار، وإن كانت حادثة افتقرت إلى تكوين آخر وتسلسل الآخرون.

قالوا: كونه خالقاً رازقاً ليس عبارة عن الصفة الإضافية فقط، بل هو عبارة عن صفة حقيقية موصوفة بصفة إضافية، لأن المعقول من كونه موجداً مغاير للمعقول من كونه قادراً، فإن القادر على الفعل قد يوجد وقد لا يوجد.

ومنها كونه  معلوماً ومذكوراً مسبحاً ممجداً فيقال: يا أيها المسبح بكل لسان، ويا أيها الممدوح عند كل إنسان، ويا أيها المرجوع إليه في كل حين وأوان.

ولما كان هذا النوع من الإضافات غير متناه كانت الأسماء الممكنة لله بحسب هذا النوع من الصفات غير متناهية.

ومنها ألفاظ متقاربة تدل على مجرد كونه موجداً مثل الموجد ومعناه المؤثر في الموجود، والمحدث وهو أخص لأنه الذي جعله موجوداً بعد العدم، والمكوّن وهو كالموجد والمنشئ ومعناه ينشئ على التدريج والمبدع والمخترع ويفهم منهما الإيجاد الدفعي، وكذا الفاطر مثل الصانع ويفهم منه تكلف، وأما الخلق فهو التقدير وأنه في حق الله تعالى يرجع إلى العلم، وأما الباري فهو الذي يحدثه على الوجه الموافق للمصلحة.

يقال: برى القلم إذا أصلحه وجعله موافقاً لغرض معين.

ومنها ألفاظ تدل على إيجاد شيء بعينه وأنها تكاد تكون غير متناهية.

ومنها ألفاظ تدل على إيجاد النوع الفلاني لأجل الحكمة الفلانية، فإذا خلق المنافع سمي نافعاً، وإذا خلق الألم سمي ضاراً، وإذا خلق الحياة سمي محيياً، وإذا خلق الموت سمي مميتاً، وإذا خصهم بالإكرام سمي براً لطيفاً، وإذا خصهم بالقهر سمي قهاراً جباراً، وإذا أقلّ العطاء سمي قابضاً، وإذا أكثر سمي باسطاً، وإذا جازى الذنوب بالعقاب سمي منتقماً، وإذا ترك ذلك الجزاء سمي عفوّاً غفوراً رحماناً رحيماً، وإذا حصل المنع والإعطاء في المال سمي قابضاً باسطاً، وإذا حصلا في الجاه والحشمة سمي خافضاً رافعاً.

وأما الصفات السلبية فمنها ما يعود إلى الذات كقولنا إنه ليس جوهراً ولا جسماً ولا مكانياً ولا زمانياً ولا حالاً ولا محلاً ولا مفتقراً إلى شيء غيره،  في ذاته وفي صفاته، وإنه لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد.

ومنها ما يعود إلى الصفات، ولا يخفى أن كل صفة من صفات النقص يجب تنزيه الله عنها، وذلك إما راجع إلى أضداد العلم كنفي النوم { ﴿ لا تأخذه سنة ولا نوم  ﴾ وكنفي النسيان ﴿ وما كان ربك نسياً  ﴾ وكنفي الجهل ﴿ لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض  ﴾ وكأن لا يمنعه العلم ببعض المعلومات عن العلم بغيره لا يشغله شأن عن شأن.

وإما راجع إلى أضداد القدرة ككونه منزهاً في أفعاله عن التعب والنصب ﴿ وما مسنا من لغوب  ﴾ وإنه لا يحتاج في فعله إلى الآلات وتقديم المادة والمدّة ﴿ إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون  ﴾ وأنه لا يتفاوت في قدرته القليل والكثير ﴿ وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب  ﴾ وأنه لا تنتهي قدرته ﴿ إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد وما ذلك على الله بعزيز  ﴾ وإما راجع إلى صفة الوحدة كنفي الأنداد والأضداد ﴿ ليس كمثله شيء  ﴾ ﴿ ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله ﴾ \[المؤمنون: 91\] أو إلى صفة الاستغناء ﴿ وهو يطعم ولا يُطْعَم  ﴾ ﴿ وهو يجير ولا يجار عليه ﴾ } [المؤمنون: 88] ومنها ما يعود إلا الأفعال لا يخلق الباطل ﴿ وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً  ﴾ لا يخلق اللعب ﴿ وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين  ﴾ لا يخلق العبث ﴿ أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً ﴾ \[المؤمنون: 115\] لا يرضى بالكفر، لا يريد الظلم، لا يحب الفساد لا يؤذي من غير سابقة جرم ﴿ ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم  ﴾ لا ينتفع بطاعات المطيعين ولا يتضرر بمعاصي المذنبين { ﴿ إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها  ﴾ ليس لأحد أن يعترض عليه في أفعاله وأحكامه ﴿ لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون  ﴾ ﴿ لا يخلف الميعاد  ﴾ ومن أسماء السلوب القدوس والسلام لأنه منزه وسالم من نقائص الإمكان.

ومنها العزيز وهو الذي لا يوجد له نظير أو لا يغلبه شيء، والحليم الذي لا يعاجل بالعقوبة ولا يمنع من إيصال الرحمة، والصبور الذي لا يعاقب المسيء مع القدرة عليه، وربما يفرق بينهما بأن المكلف يأمن العقوبة في صفة الحليم دون صفة الصبور.

وأما الأسماء الدالة على الصفات الحقيقية مع الإضافية فمنها: القادر والقدير والمقتدر والمالك والملك ومالك الملك والمليك والقوي وذو القوة ومعانيها ترجع إلى القدرة ومنها ما يرجع إلى العلم ﴿ ولا يحيطون بشيء من علمه  ﴾ ﴿ عالم الغيب والشهادة  ﴾ ﴿ وهو بكل شيء عليم  ﴾ ﴿ علام الغيوب  ﴾ ﴿ الله أعلم حيث يجعل رسالته  ﴾ ﴿ علم الله أنكم كنتم تختانون  ﴾ ﴿ والله يعلم ما تسرون وما تعلنون  ﴾ ﴿ وعلم آدم الأسماء  ﴾ ولم يرد علامة وإن كان يفيد المبالغة لأن ذلك بتأويل أمة أو جماعة.

والخبير يقرب من العليم وكذا الشهيد إذا فسر بكونه مشاهداً لها، وإذ أخذ من الشهادة كان من وصف الكلام.

والحكمة تشارك العلم من حيث إنه إدراك حقائق الأشياء كما هي وتباينه بأنها أيضاً صدور الأشياء عنه كما ينبغي.

واللطيف قد يراد به إيصال المنافع إلى الغير بطرق خفية عجيبة، والتحقيق أنه الذي ينفذ تصرفه في جميع الأشياء.

ومنها ما يرجع إلى الكلام ﴿ وكلم الله موسى تكليماً  ﴾ ﴿ وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً  ﴾ ﴿ وإذ قال ربك  ﴾ ﴿ ما يبدل القول لديَّ  ﴾ ﴿ ومن أصدق من الله قيلاً  ﴾ ﴿ إنما أمره  ﴾ ﴿ إن الله يأمركم  ﴾ ﴿ وعد الله حقاً  ﴾ ﴿ فأوحى إلى عبده ما أوحى  ﴾ ﴿ وكان الله شاكراً عليماً  ﴾ ﴿ كان سعيكم مشكوراً  ﴾ وذلك أنه أثنى على عبده بمثل قوله ﴿ كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون  ﴾ وهذا صورة الشكر.

ومنها ما يرجع إلى الإرادات ﴿ يريد الله بكم اليسر  ﴾  م أي صار مريداً لأفعالهم ﴿ يحبهم ويحبونه  ﴾ ﴿ والله يحب المطهرين  ﴾ يريد إيصال الخير إليهم ﴿ كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروهاً  ﴾ .

الأشعرية: الكراهية عبارة عن إرادة عدم الفعل.

المعتزلة: له صفة أخرى غير الإرادة.

ومنها ما يرجع إلى السمع والبصر ﴿ إنني معكما أسمع وأرى  ﴾ ﴿ إنه هو السميع البصير  ﴾ ﴿ لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار  ﴾ وأما الصفات الإضافية مع السلبية فكالأول لأنه مركب من معنيين: أحدهما أنه سابق على غيره، والثاني لا يسبق عليه غيرهن وكالآخر فإنه الذي يبقى بعد غيره ولا يبقى بعد غيرهن، وكالقيوم فإنه الذي يفتقر إليه غيره ولا يفتقر إلى غيره، والظاهر إضافة محضة وكذا الباطن، أي أنه ظاهر بحسب الدلائل باطن بحسب الماهية.

وأما الاسم الدال على مجموع الذات والصفات الحقيقية والإضافية والسلبية فالإله، ولا يجوز إطلاق هذا اللفظ في الإسلام على غير الله وأما الله، فسيأتي أنه اسم علم.

وقد بقي ههنا أسماء يطلقها عليه  أهل التشبيه ككونه متحيزاً أو حالاً في المتحيز استبعاداً منهم أنه كيف يكون موجود خالياً عن كلا الوصفين وهو عند أهل التقديس محال للزوم الافتقار، اللهم إلا أن يقال استصحاب المكان لا يستلزم الافتقار إلى المكان ومنها العظيم والكبير وهما متقاربان لقوله  في موضع ﴿ وهو العلي العظيم  ﴾ وفي آخر ﴿ وهو العلي الكبير  ﴾ وقد يفرق بينهما بأنه ورد "الكبرياء ردائي و العظمة إزاري" والرداء أرفع من الإزار.

وأيضاً اختص تحريم الصلاة بالله أكبر دون الله أعظم.

ولا ريب أن إطلاق العظمة والكبر على الله  بحسب الحجمية والمقدار كما للأجسام محال للزوم التبعيض والتجزئة.

ومنها العلي والمتعالي، فإن العلو بالمعنى المستلزم للتمكن محال على الله فإما أن يراد بمثل هذه الألفاظ مزيد الرتبة والشرف على الممكنات، وإما أن يقال: إنا نطلق هذه الأسماء للإذن الشرعي فنكل معانيها إلى مراد الله  ، وإما أن نستمد في إدراكها بضرب من الكشف والعيان.

(العاشر في الأسماء المضمرة) قال عز من قائل: ﴿ إنني أنا الله لا إله إلا أنا  ﴾ ولا يصح لغيره هذا الذكر إلا حكاية.

وما جاء من قول بعض أهل الكمال: أنا من أهوى ومن أهوى أنا.

إشارة إلى كمال المحبة وغاية إرادة الاتصاف بصفة المحبوب وفناء إرادته في إرادته، وقال: ﴿ لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين  ﴾ ولا يصح هذا إلا من العبد بشرط الحضور والمشاهدة.

وقال ﴿ لا إله إلا هو  ﴾ وإنما يصح هذا من الغائبين.

واعلم أن درجات الحضور مختلفة بالقرب والبعد وكمال التجلي ونقصانه، فكل حاضر غائب بالنسبة إلى ما فوق تلك الدرجة، ورب غائب حاضر كما قيل: أيا غائباً حاضراً في الفؤاد *** سلام على الغائب الحاضر وفي لفظة "هو" أسرار عجيبة منها: أن العبد إذا قال: يا هو فكأنه يقول: ما للتراب ورب الأرباب؟

وما المناسبة بين المتولد من النطفة والدم وبين الموصوف بالأزلية والقدم؟

فلهذا ينادي نداء الغائبين ويقول: يا هو.

ومنها أنه إذا قال: يا هو فقد حكم على كل ما سوى الله  بأنه نفي محض، لأنه لو حصل في الوجود شيئان لكان قوله "هو" صالحاً لهما جميعاً فلا يتعين النداء.

ومنها إذا قال: يا رحمن فكأنه يتذكر رحمته أو يطلب رحمته، وكذا إذا قال: يا كريم وغيره من الصفات.

فأما إذا قال: "يا هو" فكأنه استغرق في بحر العرفان وفني عما سوى الذات.

ومنها إذا قال: "يا هو" فكأنه يقول: أجلّ حضرتك أن أمدحك، وأثني عليك بسلب نقائص المخلوقات عنك وهي صفات الجلال نحو: لا جسم ولا جوهر ولا عرض ولا في المحل، أو بإسناد كمالات الممكنات إليك وهي صفات الإكرام ككونه مرتباً للموجودات على النحو الأكمل، بل لا أمدحك ولا أثني عليك إلا بهويتك من حيث هي.

ومنها أن هذا الذكر يفيد أن المنادي بسيط محض لا طريق إلى تصوره إلا بالإشارة العقلية.

ومنها أن العبد كأنه دهش حتى ذهل عن كل ما يوصف به مالكه إلا عن هذه الإشارة.

ولاختصاص هذا الذكر بهذه الأسرار ذكر الغزالي لا إله إلا الله توحيد العوام، ولا إله إلا هو توحيد الخواص.

وذلك أن قوله "لا هو" معناه كل شيء هالك، وقوله "إلا هو" معناه إلا وجهه.

ومن جملة الأذكار الشريفة: يا هو يا من لا هو إلا هو، يا أزل يا أبد يا دهر يا ديهور يا من هو الحي الذي لا يموت.

ولقد لقنني بعض المشايخ من الذكر: يا هو يا من هو هو يا من لا هو إلا هو يا من لا هو بلا هو إلا هو.

فالأول فناء عما سوى الله، والثاني فناء في الله، والثالث فناء عما سوى الذات، والرابع فناء عن الفناء عما سوى الذات.

الحادي عشر في بقية مباحث الأسماء اختلفوا في أسماء الله  توقيفية أم لا.

فمال بعضهم إلى التوقيف لأنا نصف الله تعالى بكونه عالماً ولا نصفه بكونه طبيباً وفقيهاً ومستيقناً، فلولا أن أسماءه توقيفية لوصف بمثلها وإن كان على سبيل التجوز.

القائلون بعدم التوقيف احتجوا بأن أسماء الله  وصفاته مذكورة بالفارسية والتركية وأن شيئاً منها لم يرد في القرآن ولا في الأخبار، مع أن المسلمين أجمعوا على جواز إطلاقها.

والجواب أن عدم التوقيف في غير اللغة العربية لا يوجب عدمه في العربية، وبأن الله  قال: ﴿ ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها  ﴾ وكل اسم دل على صفات الكمال ونعوت الجلال كان حسناً ويجوز إطلاقه.

والجواب أنه يجوز ولكن بعد التوقيف لم قلتم إنه ليس كذلك؟

والغزالي فرق بين اسم الذات وبين أسماء الصفات فمنع الأول وجوّز الثاني.

واعلم أنه قد ورد في القرآن ألفاظ دالة على معانٍ لا يمكن إثباتها بالحقيقة في حق الله  منها: الاستهزاء ﴿ الله يستهزئ بهم  ﴾ والاستهزاء مذموم لكونه جهلاً ﴿ قالوا أتتخذنا هزواً قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين  ﴾ .

ومنها المكر ﴿ ومكروا ومكر الله  ﴾ ومنها الغضب ﴿ وغضب الله عليهم  ﴾ ومنها التعجب ﴿ بل عجبت ويسخرون  ﴾ فيمن قرأ بضم التاء.

والتعجب حالة للقلب تعرض عند الجهل بسبب الشيء ومنها التكبر ﴿ الجبار المتكبر  ﴾ ومنها الحياء ﴿ إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلاً  ﴾ والحياء تغير يعرض للقلب والوجه عند فعل شيء قبيح.

والقانون في تصحيح هذه الألفاظ أن يقال لكل واحدة من هذه الأحوال أمور توجد معها في البداية وآثار تصدر منها في النهاية مثاله: الغضب حالة تحصل في القلب عند غليان دمه وسخونة مزاجه، والأثر الحاصل منها في النهاية إيصال الضرر إلى المغضوب عليه.

فالغضب في حقه  محمول على الأثر الحاصل في النهاية لا الأمر الكائن في البداية، وقس على هذا.

قيل: إن لله  أربعة آلاف اسم، ألف منها في القرآن والأخبار، وألف في التوراة، وألف في الإنجيل، وألف في الزبور.

وقد يقال: ألف آخر في اللوح المحفوظ ولم يصل ذلك إلى البشر وهذا غير مستبعد، فإن أقسام صفات الله  بحسب السلوب والإضافات لا تكاد تنحصر، وكل من كان اطلاعه على آثار حكمة الله  في تدبير العالم العلوي والعالم السفلي أكثر كان اطلاعه على أسماء الله أكثر.

وإن قلنا: إن له بكل مخلوق اسماً وكذا بكل خاصية ومنفعة فيه كمنافع الأعضاء والحيوان والنبات والأحجار، خرجت الأسماء عن حيز العد والإحصاء كما قال عز من قائل: ﴿ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها  ﴾ فإن قلت: إنا نرى في كتب العزائم أذكاراً غير معلومة ورقى غير مفهومة وقد تكون كتابتها أيضاً غير معلومة، فما بال تلك الأذكار والرقى؟

قلت: لا نشك أن تلك الكلمات إن لم تدل على شيء أصلاً لم تفد، وإن دلت فأحسن أحوال تلك الكلمات أن تكون شيئاً من هذه الأدعية.

ولا ريب أن الأذكار المعلومة أدخل في التأثير من قراءة تلك المجهولات، إلا أن أكثر الناس إذا قرأوا هذه الأذكار المعلومة ولم يكن لهم نفوس مشرقة تجذب بهم إلى عالم القدس ويلوح عليهم أثر الإلهيات، لم يكد يظهر عليهم شروق أنوارها ولهذا قد ورد "رب تال للقرآن والقرآن يلعنه" نعوذ بالله من هذه الحالة.

أما إذا قرأوا تلك الألفاظ المجهولة ولم يفهموا منها شيئاً وحصلت عندهم أوهام أنها كلمات عالية، استولى الفزع والرعب على قلوبهم فيحصل لهم بهذا السبب نوع تجرد عن الجسمانيات وتوجه إلى الروحانيات فتتأثر نفوسهم وتؤثر، وهذا وجه مناسب في قراءة الرقى المجهولة.

واعلم أن بين الخلق وبين أسماء الله  مناسبات عجيبة، والنفوس مختلفة والجنسية علة الضم، فكل اسم يغلب معناه على بعض النفوس فإذا واظب صاحبه على ذلك الاسم كان انتفاعه به أسرع والله الموفق.

حكي أن الشيخ أبا النجيب البغدادي كان يأمر المريد بالأربعين مرة أو مرتين بقدر ما يرى مصلحته فيه، ثم يقرأ عليه الأسماء التسعة والتسعين.

وكان ينظر إلى وجهه فإن رآه عديم التأثر عند قراءتها عليه قال له: اخرج إلى السوق واشتغل بمهمات الدنيا فإنك ما خلقت لهذا الطريق، وإن رآه تأثر مزيد تأثر عند سماع اسم خاص أمره بالمواظبة على ذلك الذكر وقال: إن أبواب المكاشفات تنفتح عليك من هذا الطريق.

وذلك أن الرياضة والمجاهدة لا تغلب النفوس عن أحوالها الفطرية، ولكنها تضعف بحيث لا تستولي على الإنسان ولهذا قال  "الناس معادن كمعادن الذهب والفضة" "الأرواح جنود مجندة" "اعملوا فكل ميسر لما خلق له" فهذا تمام البحث عن مطلق الأسماء.

(الثاني عشر في الأبحاث المختصة باسم الله) المختار عند الخليل ومتابعيه وعند أكثر الأصوليين والفقهاء أن هذا اللفظ ليس بمشتق ألبتة، وأنه اسم علم له  وتعالى .

لأنه لو كان مشتقاً لكان معناه معنى كلياً لا يمنع نفس مفهومه من وقوع الشركة فيه، وحينئذ لا يكون قولنا "إلا الله" موجباً للتوحيد المحض.

فلا يدخل الكافر بقوله: "أشهد أن لا إله إلا الله" في الإسلام كما لو قال: "أشهد أن لا إله إلا الرحمن" أو "إلا الملك" لا يدخل بذلك في الإسلام بالاتفاق.

وأيضاً الترتيب العقلي ذكر الذات ثم تعقيبه بالصفات نحو: زيد الفقيه الأصولي النحوي.

ثم إنا نقول: الله الرحمن الرحيم العالم القادر ولا نقول بالعكس، فدل ذلك على أن "الله" اسم علم.

وقراءة من قرأ ﴿ إلى صراط العزيز الحميد الله الذي له ما في السموات وما في الأرض  ﴾ بخفض اسم الله ليست لأجل أن جعله وصفاً وإنما هو للبيان، فوازنه وزان قولك: "مررت بالعالم الفاضل الكامل زيد".

وأيضاً قال  : { ﴿ هل تعلم له سمياً  ﴾ وليس المراد به الصفة والإلزام خلاف الواقع، فوجب أن يكون المراد اسم العلم وليس ذلك إلا الله.

حجة القائلين باشتقاقه قوله عز من قائل { ﴿ وهو الله في السموات وفي الأرض  ﴾ فإنه لا يجوز أن يقال هو زيد في البلد وإنما يقال هو العالم في البلد.

قلنا: لم لا يجوز أن يكون ذلك جارياً مجرى قولك "هو زيد الذي لا نظير له في البلد"؟

قالوا: لما كانت الإشارة ممتنعة في حقه  ، كان اسم العلم له ممتنعاً.

وأيضاً العلم للتمييز ولا مشاركة فلا حاجة إلى التمييز.

قلنا: وضع العلم لتعيين الذات المعينة ولا حاجة فيه إلى الإشارة الحسية، ولا يتوقف على حصول الشركة، وكأن النزاع بين الفريقين لفظي، لأن القائلين بالاشتقاق متفقون على أن الإله مشتق من أله بالفتح إلاهة أي عبد عبادة، وأنه اسم جنس كالرجل والفرس يقع على كل معبود بحق أو باطل، ثم غلب على المعبود بحق كما أن النجم اسم لكل كوكب ثم غلب على الثريا، وكذلك السنة على عام القحط والبيت على الكعبة والكتاب على كتاب سيبويه.

وأما "الله" بحذف الهمزة فمختص بالمعبود الحق لم يطلق على غيره.

وينبغي أن يكون المراد من كون الله  معبوداً كونه مستحقاً ومستأهلاً لأن يعبده كل من سواه كما يليق بحال العابد، فإن اللائق بحال المعبود لا يقدر عليه أحد من المخلوقات.

ولا يخفى أن الاستحقاق والاستئهال حاصل له أزلاً وأبداً، فيكون إلهاً أزلاً وأبداً وإن كل من سواه عابد له بقدر استعداده وعلى حسب حاله، حتى النبات والجماد والكافر والفاسق ﴿ وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم  ﴾ ﴿ إن كل من في السموات والأرض إلا آتى الرحمن عبدا  ﴾ والعبد الصالح من يعبد الله  لذاته لا لغرض رغبة في الثواب ورهبة من العقاب، حتى لو فرض حصول المرغوب أو فقد المرهوب لم يكن عابداً، ومع ذلك فينبغي أن يقطع النظر عن عبادته أيضاً.

وقيل: اشتقاقه من ألهت إلى فلان أي سكنت إليه.

فالنفوس لا تسكن إلا إليه  ، والعقول لا تقف إلا لديه، لأن الكمال محبوب لذاته ﴿ ألا بذكر الله تطمئن القلوب الذين آمنوا  ﴾ وقيل: من الوله وهو ذهاب العقل سواء فيه الواصلون إلى ساحل بحر العرفان والواقفون في ظلمات الجهالة وتيه الخذلان.

وقيل: من لاه ارتفع لأنه  ارتفع عن مشابهة الممكانات ومناسبة المحدثات.

وقيل: من أله في الشيء إذا تحير فيه، لأن العقل وقف بين إقدام على إثبات ذاته نظراً إلى وجود مصنوعاته، وبين تكذيب لنفسه لتعاليه عن ضبط وهمه وحسه، فلم يبق إلا أن يقر بالوجود والكمال مع الاعتراف بالعجز عن إدراك كنه الجلال والجمال، وههنا العجز عن درك الإدراك إدراك.

وقيل: من لاه يلوه إذا احتجب، لأنه بكنه صمديته محتجب عن العقول.

فإنا إنما نستدلّ على كون الشعاع مستفاداً من الشمس بدورانه معها وجوداً وعدماً وشروقاً وأفولاً، ولو كانت الشمس ثابتة في كبد السماء لما حصل اطمئنان يكون الشعاع مستفاداً منها، ولما كان ذاته  باقياً على حاله وكذا الممكنات التابعة له، فربما يخطر ببال الضعفاء أن هذه الأشياء موجودة بذواتها فلا سبب لاحتجاب نوره إلا كمال ظهوره، فالحق محتجب والخلق محجوب.

وقيل: من أله الفصيل إذا ولع بأمه، لأن العباد مولعون بالتضرع إليه في البليات { ﴿ وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه  ﴾ هذا شأن الناقصين، وأما الكاملون فهو جليسهم وأنيسهم أبداً.

شكا بعض المريدين كثرة الوسواس فقال الشيخ: كنت حدّاداً عشر سنين وقصاراً عشراً وبواباً عشراً.

فقيل: وكيف وما رأينا منك؟

قال: القلب كالحديد ألينه بنار الخوف عشراً، ثم شرعت في غسله عن الأوضار والأوزار عشراً، ثم وقفت على باب القلب عشراً أسل سيف "لا إله إلا الله" فلم أترك حتى يخرج منه حب غير الله ويدخل فيه حب الله، فلما خلت عرصة القلب من غيره وقويت فيه محبته سقطت من بحر عالم الجلال قطرة من النور فغرق القلب فبقي في تلك القطرة وفني عن الكل ولم يبق فيه إلا محض سر "لا إله إلا الله".

وقيل: من أله الرجل يأله إذا فزع من أمر نزل به فألهه أي أجاره.

والمجير للخلائق من كره المضارّ هو الله ﴿ وهو يجير ولا يجار عليه ﴾ \[المؤمنون: 88\] ومن لطائف اسم الله أنك إذا لم تتلفظ بالهمزة بقي "الله" ﴿ ولله جنود السموات والأرض  ﴾ فإن تركت من هذه البقية اللام الأولى بقيت البقية على صورة "له" ﴿ له ما في السموات وما في الأرض  ﴾ وإن تركت اللام الباقية أيضاً بقي الهاء المضمومة من "هو" ﴿ قل هو الله أحد  ﴾ والواو زائدة بدليل سقوطها في التثنية والجمع هما هم.

هذا بحسب اللفظ، وأما بحسب المعنى فإذا دعوت الله به فكأنك دعوته بجميع الصفات بخلاف سائر الأسماء ولهذا صحت كلمة الشهادة به فقط والله  أعلم.

(الثالث عشر فيما يتعلق بالرحمن الرحيم) الرحمن فعلان من رحم، والرحيم فعيل منه واشتقاقه من الرحمة وهي ترك عقوبة من يستحقها أو إرادة الخير لأهله.

وأصله الرقة والتعطف ومنه الرحم لرقتها وانعطافها على ما فيها.

واختلف في منع صرف رحمن إذ ليس له مؤنث على فعلى كعطشى، ولا على فعلانة كندمانة، فمن شرط في منع صرف فعلان صفة وجود فعلي صرفه، ومن شرط فيه انتفاء فعلانة لم يصرفه، وإذا تساقط الدليلان للتعارض فللصرف وجه، وهو أن الأصل في الأسماء الصرف ولمنع الصرف وجه وهو القياس على أخوته من بابه نحو: عطشان وغرثان.

وزعم قوم أنهما بمعنى واحد كندمان ونديم، وجمع بينهما للتأكيد والاتساع كقولهم جاد مجدّ قال طرفة.

متى أدن منه ينأ عني ويبعد *** وقال قوم: الرحمن أشد مبالغة استدلالاً بالزيادة في اللفظ على الزيادة في المعنى.

قالوا: ولهذا جاء رحمن الدنيا والآخرة ورحيم الدنيا، وربما يقال رحمن الدنيا ورحيم الآخرة، لأن رحمته في الدنيا عمت المؤمن والكافر والبر والفاجر، وفي الآخرة اختصت بالمؤمنين.

فالرحمن خاص اللفظ عام المعنى والرحيم بالعكس.

أما خصوص الرحمن فمن حيث لا يسمى به إلا الله  لأنه من الصفات الغالبة كالدبران والعيوق، وأما عمومه فمن حيث إنه يشمل جميع الموجودات من طريق الخلق والرزق والنفع.

وأما عموم الرحيم فاشتراك تسمية الخلق به، وأما خصوصه فرجوعه إلى اللطف بالمؤمنين والتوفيق.

الضحاك: الرحمن بأهل السماء حيث أسكنهم السموات وطوقهم الطاعات وأنطق ألسنتهم بأنواع التسبيحات وجنبهم الآفات وقطع عنهم المطامع واللذات، والرحيم بأهل الأرض حيث أرسل إليهم الرسل وأنزل عليهم الكتب.

فقال عكرمة: الرحمن برحمة واحدة والرحيم بمائة رحمة كما قال  : " إن لله  مائة رحمة وإنه أنزل منها رحمة واحدة إلى الأرض فقسمها بين خلقه فيها يتعاطفون وبها يتراحمون وأخر تسعاً وتسعين لنفسه يرحم بها عباده يوم القيامة" قال ابن المبارك: الرحمن الذي إذا سئل أعطى، والرحيم الذي إذا لم يسأل غضب.

قال  : "من لم يسأل الله يغضب عليه" الرحمن بالنعماء وهي ما أعطى وحبا، والرحيم باللأواء وهي ما صرف وزوى.

الرحمن بالإنقاذ من النار ﴿ وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها  ﴾ والرحيم بإدخالهم الجنان ﴿ ادخلوها بسلام آمنين ﴾ } [الحجر: 46] الرحمن الراحم القادر على كشف الضر، والرحيم الراحم وإن لم يقدر على كشف الضر.

وتسمية مسيلمة الكذاب بالرحمن تعنت منهم واقتطاع من أسماء الله تعالى.

قال عطاء: ولذلك قرنه الله  بالرحيم لأن هذا المجموع لم يسم غيره.

وإنما قدم الرحمن وهو الأعلى على الرحيم، والعادة التدرج من الأدنى إلى الأعلى، لأن الرحمن يتناول عظائم النعم وأصولها، فإردافه بالرحيم كالتتمة ليتناول ما دق منها ولطف.

واعلم أن الأشياء التي أنعم الله  بها على الخلق أربعة أقسام: الأول: ما يكون نافعاً وضرورياً معاً وذلك في الدنيا التنفس، فإنه لو انقطع لحظة واحدة مات، وفي الآخرة معرفة الله فإنها إذا زالت عن القلب لحظة واحدة مات القلب واستوجب عذاب الأبد.

الثاني: أن يكون نافعاً لا ضرورياً كالمال في الدنيا وكسائر العلوم والمعارف في الآخرة.

الثالث: أن يكون ضرورياً لا نافعاً كالآفات والعلل ولا نظير لهذا القسم في الآخرة الرابع: أن لا يكون نافعاً ولا ضرورياً كالفقر في الدنيا والعذاب في الآخرة.

وبالجملة فكل نعمة أو نقمة دنيوية أو أخروية فإنما تصل إلى العبد أو تندفع عنه برحمة الله  وفضله من غير شائبة غرض ولا ضميمة علة، لأنه الجواد المطلق والغني الذي لا يفتقر، فينبغي أن لا يرجى إلا رحمته ولا يخشى إلا عقابه.

(الرابع عشر في نكت شريفة).

الأولى: كل العلوم تندرج في الكتب الأربعة، وعلومها في القرآن، وعلوم القرآن في الفاتحة، وعلوم الفاتحة في "بسم الله الرحمن الرحيم"، وعلومها في الباء، من بسم الله، وذلك أن المقصود من كل العلوم وصول العبد إلى الرب، وهذه الباء للإلصاق، فهو يوصل العبد إلى الرب وهو نهاية المطلب وأقصى الأمد.

وقيل: إنما وقع ابتداء كتاب الله  بالباء دون الألف، لأن الألف تطاول وترفع والباء انكسار وتساقط ومن تواضع لله رفعه الله.

الثانية: مرض موسى  واشتد وجع بطنه، فشكا إلى الله فدله على عشب في المفازة فأكله فعوفي بإذن الله، ثم عاوده ذلك المرض في وقت آخر فأكل ذلك العشب فازداد مرضه، فقال: يا رب أكلته أوّلاً فاشتفيت به وأكلته ثانياً فضرني.

فقال: لأنك في المرة الأولى ذهبت مني إلى الكلأ فحصل فيه الشفاء.

وفي الثانية: ذهبت منك إلى الكلأ فازداد المرض.

أما علمت أن الدنيا كلها سم وترياقها اسمي.

الثالثة: باتت رابعة ليلة في التهجد والصلاة، فلما انفجر الصبح نامت فدخل السارق دارها وأخذ ثيابها، وقصد الباب فلم يهتد إلى الباب فوضعها فوجد الباب، وفعل ذلك ثلاث مرات فنودي من زاوية البيت: ضع القماش واخرج فإن نام الحبيب فالسلطان يقظان.

الرابعة: كان بعض العارفين يرعى غنماً فحضر في غنمه الذئب ولا يضر أغنامه، فمر عليه رجل وناداه متى اصطلح الغنم والذئب؟

قال الراعي: من حين اصطلح الراعي مع الله.

الخامسة: روي أن فرعون قبل أن ادعى الألوهية قصد أو أمر أن يكتب باسم الله على بابه الخارج، فلما ادعى الألوهية وأرسل الله إليه موسى ودعا فلم ير به أثر الرشد قال: إلهي كم أدعوه ولا أرى به خيراً، فقال  : يا موسى لعلك تريد إهلاكه، أنت تنظر إلى كفره وأنا أنظر إلى ما كتبه على بابه.

والنكتة أن من كتب هذه الكلمة على بابه الخارج صار آمناً من الهلاك وإن كان كافراً، فالذي كتبه على سويداء قلبه من أول عمره إلى آخره كيف يكون حاله!؟

السادسة: سمى نفسه رحماناً ورحيماً فكيف لا يرحم؟

روي أن سائلاً وقف على باب رفيع فسأل شيئاً فأعطي قليلاً فجاء بفأس وأخذ يخرب الباب، فقيل له: لم تفعل؟

قال: إما أن تجعل الباب لائقاً بالعطية أو العطية لائقة بالباب.

إلهي كما أثبت في أول كتابك صفة رحمتك فلا تجعلنا محرومين من فضلك.

السابعة: إذا اشترى العبيد شيئاً من الدواب أو المتاع وضعوا عليه سمة الملك لئلا يطمع فيه العدوّ، فالله  يقول: عبدي عدوّك الشيطان فإذا شرعت في عمل وطاعة فاجعل عليها سمتي وقل: ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ .

الثامنة: اجعل ذكر الله قرينك حتى لا تبعد عنه في أحوالك.

روي أن النبي  دفع خاتماً إلى أبي بكر وقال: اكتب فيه "لا إله إلا الله" فدفعه إلى النقاش وقال: اكتب فيه "لا إله إلا الله محمد رسول الله  " فكتب النقاش ذلك، فأتى أبو بكر بذلك الخاتم إلى النبي  فرأى النبي فيه "لا إله إلا الله محمد رسول الله  أبو بكر الصديق" فقال: يا أبا بكر ما هذه الزوائد؟

فقال: يا رسول الله ما رضيت أن أفرق اسمك من اسم الله فما رضي الله أن يفرق اسمي عن اسمك.

التاسعة: أن نوحاً  لما ركب السفينة قال: ﴿ بسم الله مجريها ومرساها  ﴾ فنجا بنصف هذه الكلمة، فما ظنك بمن واظب على الكلمة طول عمره كيف يبقى محروماً عن النجاة؟

العاشرة: الناس ثلاثة: سابق بالخيرات ومقتصد وظالم لنفسه.

فقال: الله للسابقين، الرحمن للمقتصدين، الرحيم للظالمين.

الله معطي العطاء، الرحمن المتجاوز عن زلات الأولياء، الرحيم الساتر لعيوب الأغنياء.

يعلم منك ما لو علمه أبواك لفارقاك، ولو علمت المرأة لجفتك، ولو علمت الأمة لأقدمت على الفرار، ولو علم الجار لسعى في تخريب الدار.

الله يوجب ولايته ﴿ الله ولي الذين آمنوا  ﴾ الرحمن يستدعي محبته ﴿ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا  ﴾ الرحيم يفيض رحمته ﴿ وكان بالمؤمنين رحيماً  ﴾ هو رحيم بهم في ستة مواضع: في القبر وحسراته، والقيامة وظلماته، وقراءة الكتب وفزعاته، والصراط ومخافاته، والنار ودركاته والجنة ودرجاته.

الحادية عشرة: مر عيسى  بقبر فرأى ملائكة العذاب يعذبون ميتاً، فلما انصرف من حاجته مر بالقبر فرأى ملائكة الرحمة معهم أطباق من نور.

فتعجب من ذلك فصلى ودعا الله فأوحى الله  إليه: يا عيسى، كان هذا العبد عاصياً وكان قد ترك امرأة حبلى فولدت وربت ولده حتى كبر فسلمته إلى الكتاب فلقنه المعلم "بسم الله الرحمن الرحيم" فاستحييت من عبدي أن أعذبه بناري في بطن الأرض وولده يذكر اسمي على ظهر الأرض.

الثانية عشرة: كتب عارف "بسم الله الرحمن الرحيم" وأوصى أن تجعل في كفنه.

فقيل له في ذلك؟

فقال: أقول يوم القيامة: إلهي بعثت كتاباً وجعلت عنوانه "بسم الله الرحمن الرحيم" فعاملني بعنوان كتابك.

الثالثة عشرة: "بسم الله الرحمن الرحيم" تسعة عشر حرفاً والزبانية تسعة عشر، فالله تعالى يدفع بليتهم بهذه الحروف التسعة عشر.

الرابعة عشرة: اليوم بليلته أربع وعشرون ساعة، ثم فرض خمس صلوات في خمس ساعات فبقي التسعة عشرة ساعة لا تستغرق بذكر الله  ، وهذه التسعة عشر حرفاً تقع كفارات للذنوب الواقعة في تلك التسع عشرة.

الخامسة عشرة: لما كانت سورة التوبة مشتملة على القتال والبراءة لم يكتب في أولها "بسم الله الرحمن الرحيم" وأيضاً السنة أن يقال عند الذبح: "بسم الله والله أكبر" ولا يقال: "بسم الله الرحمن الرحيم" فلما وفقك الله لذكر هذه الكلمات كل يوم سبع عشرة مرة في الصلوات المفروضة دل ذلك على أنه ما خلقك للقتل والعذاب وإنما خلقك للرحمة والثواب.

السادسة عشرة: قال  : "من رفع قرطاساً من الأرض فيه بسم الله الرحمن الرحيم إجلالاً لله  كتب عند الله من الصدّيقين وخفف عن والديه وإن كانا من المشركين" وعن علي  قال: لما نزلت "بسم الله الرحمن الرحيم" قال رسول الله  : أول ما نزلت هذه الآية على آدم قال: أمن ذريتي من العذاب ما داموا على قراءتها، ثم رفعت فأنزلت على إبراهيم  فتلاها وهو في كفة المنجنيق فجعل الله عليه النار برداً وسلاماً، ثم رفعت بعده فما أنزلت إلا على سليمان وعندها قالت الملائكة: الآن تم والله ملكك، ثم رفعت فأنزلها الله  عليّ، ثم يأتي أمتي يوم القيامة وهم يقولون: "بسم الله الرحمن الرحيم" فإذا وضعت أعمالهم في الميزان ترجحت حسناتهم.

وعن أبي هريرة أنه  قال "يا أبا هريرة إذا توضأت فقل: بسم الله الرحمن الرحيم فإن حفظتك لا يستريحون أن يكتبوا لك الحسنات حتى تفرغ، وإذا غشيت أهلك فقل: بسم الله الرحمن الرحيم فإن حفظتك يكتبون لك الحسنات حتى تغتسل من الجنابة، فإن حصل من تلك المواقعة ولد كتبت لك من الحسنات بعدد نفس ذلك الولد وبعدد أنفاس أعقابه إن كان له عقب حتى لا يبقى منهم أحد.

يا أبا هريرة إذا ركبت دابة فقل: باسم الله والحمد لله يكتب لك الحسنات بعدد كل خطوة، وإذا ركبت سفينة فقل: باسم الله والحمد لله يكتب لك الحسنات حتى تخرج منها" وعن أنس أن رسول الله  قال: "ستر ما بين أعين الجن وعورات بني آدم إذا نزعوا ثيابهم أن يقولوا بسم الله الرحمن الرحيم" والإشارة فيه إذا صارهذا الاسم حجاباً بينك وبين أعدائك من الجن في الدنيا أفلا يصير حجاباً بينك وبين الزبانية في العقبى؟

كانت لنفسي أهواء مفرّقة *** فاستجمعت إذ رأتك النفس أهوائي فصار يحسدني من كنت أحسده *** وصرت مولى الورى مذ صرت مولاي تركت للناس دنياهم ودينهم *** شغلاً بذكرك يا ديني ودنيائي هذا تمام الكلام في تفسير البسملة.

وأما تفسير الفاتحة ففيه أيضاً مسائل: الأولى: في أسماء هذه السورة وهي كثيرة، وكثرة الأسماء تدل على شرف المسمى.

فالأول: فاتحة الكتاب سميت بذلك لأنه يفتتح بها في المصاحف وفي التعليم وفي القراءة في الصلاة، ولأن الحمد فاتحة كل كتاب كما هي فاتحة القرآن.

وقيل: لأنها أول سورة نزلت من السماء.

الثاني: سورة الحمد لأن أولها الحمد.

الثالث: أم الكتاب وأم القرآن لأنها أصل القرآن وأصل كل كتاب منزل لاشتمالها على الإلهيات والمعاد وإثبات القضاء والقدر والنبوات، أو لأن فيها حاصل جميع الكتب السماوية وذلك هو الثناء على الله والاشتغال بالخدمة والطاعة وطلب المكاشفات والمشاهدات، أو لأن المقصود من جميع العلوم معرفة عزة الربوبية وذلة العبودية، أو لأنها أفضل سور القرآن كما أن مكة وهي أم القرى أشرف البلدان، أو أصل لجميع البلدان حيث دحيت من تحتها، وكما أن الحمى سميت أم ملدم لأنهم جعلوها معظم الأوجاع واللدم الضرب.

الرابع: السبع المثاني لأنها سبع آيات ولأنها تثنى في كل صلاة، أو لأن نصفها ثناء العبد للرب والنصف الآخر إعطاء الرب العبد، أو لأنها مستثناة لهذه الأمة قال  : "والذي نفسي بيده ما أنزلت في التوراة والإنجيل ولا في الزبور مثل هذه السورة وإنها السبع المثاني والقرآن العظيم" أو لأنها نزلت مرتين، أو لأنها أثنية ومدائح لله  .

الخامس: الوافية لأنها تجب قراءة كلها ولا يجزئ بعضها في الصلاة.

السادس: الكافية قال  : "أم القرآن عوض عن غيرها وليس غيرها عوضاً عنها" السابع: الشفاء والشافية لقوله  "فاتحة الكتاب شفاء من كل سقم" الثامن: الأساس لأنها أول سور القرآن فهي كالأساس، أو لأنها تشتمل على أساس العبادات والمطالب.

قال الشعبي: سمعت عبد الله بن عباس يقول: أساس الكتب القرآن، وأساس القرآن فاتحة الكتاب، وأساس الفاتحة "بسم الله الرحمن الرحيم" فإذا اعتللت أو اشتكيت فعليك بالأساس تشف بإذن الله  .

التاسع: الصلاة قال النبي  حكاية عن الله  : "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين" .

يعني الفاتحة وهو من باب تسمية الشيء بمعظم أركانه.

ومنه يعلم وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة.

العاشر: سورة تعليم المسألة لأن الله  علم عباده فيها آداب السؤال فبدأ بالثناء ثم بالإخلاص ثم بالدعاء.

الحادي عشر: سورة الكنز لما روي عن علي بن أبي طالب  أنه قال: نزلت فاتحة الكتاب بمكة من كنز تحت العرش ولهذا قال أكثر العلماء: إنها مكية وخطؤا مجاهداً في قوله: إنها مدنية، وكيف لا؟

وقد صح عن النبي  في حديث أبي بن كعب أنها من أول ما نزل من القرآن وأنها السبع المثاني، وسورة الحجر مكية بلا خلاف وفيها قوله تعالى: ﴿ ولقد آتيناك سبعاً من المثاني  ﴾ ولا يسعنا القول بأن رسول الله  لبث بضع عشرة سنة بلا فاتحة الكتاب.

وقد جمع طائفة من العلماء بين القولين فقالوا إنها نزلت بمكة مرة وبالمدينة أخرى، وعلى هذا فإنها لم تثبت في المصحف مرتين لأنه لم يقع التواتر على نزولها مرتين.

ومن فضائل هذه السورة أنه لم يوجد فيها الثاء وهو الثبور ﴿ لا تدعوا اليوم ثبوراً واحداً وادعوا ثبوراً كثيراً  ﴾ والجيم وهو جهنم ﴿ وإن جهنم لموعدهم أجمعين  ﴾ والخاء وهو الخزي ﴿ يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه  ﴾ والزاء وهو الزفير والزقوم.

والشين وهو الشهيق ﴿ لهم فيها زفير وشهيق  ﴾ والظاء وهو لظى ﴿ كلا إنها لظى  ﴾ والفاء وهو الفراق ﴿ ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون  ﴾ فلما أسقط الله  من الفاتحة هذه الحروف الدالة على العذاب وهي بعدد أبواب جهنم لقوله  : ﴿ لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم  ﴾ غلب على الظن أن من قرأ الفاتحة نجا من جهنم ودخول أبوابها وتخلص من دركات النار وعذابها.

الثانية: في المباحث اللفظية.

الحمد مبتدأ والله خبره أي الحمد ثابت لله.

وأصله النصب الذي هو قراءة بعضهم بإضمار فعله كقولهم شكراً وعجباً وسبحانك ومعاذ الله، فعدل إلى الرفع للدلالة على ثبات المعنى واستقراره نحو قوله  ﴿ قالوا سلاماً قال سلام  ﴾ ولهذا كان تحية إبراهيم  أحسن من تحيتهم كما جاء ﴿ وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها  ﴾ ومما يدل على أن أصله النصب أن قوله ﴿ إياك نعبد وإياك نستعين ﴾ بيان لحمدهم فكأنه قيل: كيف يحمدون؟

فقيل: إياك نعبد.

والأصل توافق الجملتين.

واللام في "الحمد" لتعريف الجنس ومعناه الإشارة إلى ما يعرفه كل أحد من أن الحمد ما هو والاستغراق وهم لأنه لو سلم كونه اللام للاستغراق فحمد أبويه مثلاً لا يدخل فيه.

وأيضاً نحو نحمد الله لا يفهم منه إلا حقيقة الحمد من حيث هي فكذا ما ناب منابه وهو الحمد لله.

وقرأ بعضهم بكسر الدال إتباعاً، وبعضهم بضم اللام.

الرب المالك، ربه يربه فهو رب، أو مصدر وصف به للمبالغة كالعدل.

وهو مطلقاً مختص بالله  ، ومضافاً يجوز إطلاقه على غيره نحو: رب الدار ﴿ ارجع إلى ربك  ﴾ وقرئ بالنصب على المدح أو بتقدير نحمد.

والعالم اسم موضوع للجمع كالأنام والرهط، وهو ما يعقل من الملائكة والثقلين قاله ابن عباس والأكثرون.

وقيل: كل ما علم به الخالق من الجواهر والأعراض كقوله  ﴿ قال فرعون وما رب العالمين قال رب السموات والأرض وما بينهما  ﴾ فعلى الأول مشتق من العلم وخصوا بالذكر للتغليب، وعلى الثاني من العلامة وجمع ليشمل كل جنس مما سمي به، وجمع بالواو والنون تغليباً لما فيه من صفات العقلاء.

﴿ مالك يوم الدين ﴾ صفة أخرى.

واليوم هو المدة من طلوع نصف جرم الشمس إلى غروب نصف جرمها، أو من ابتداء طلوعها إلى غروب كلها، أو من طلوع الفجر الثاني إلى غروبها، وهذا في عرف الشرع.

ويراد به في الآية الوقت لعدم الشمس ثمة.

والدين الجزاء بالخير والشر "كما تدين تدان" وإضافة اسم الفاعل إلى الظرف اتساع وإجراء للظرف مجرى المفعول به مثل: يا سارق الليلة أهل الدار.

وإنما أفادت التعريف حتى جاز وقوعه صفة للمعرفة لأنه إما بمعنى الماضي نحو ﴿ ونادى أصحاب الأعراف  ﴾ ﴿ وسيق الذين اتقوا ربهم  ﴾ أو بمعنى الاستمرار نحو: زيد مالك العبيد.

فيكون بمعنى من يملك المفيد للاستمرار نحو: فلان يعطي ويمنع.

وحينئذ لا تعمل، فتكون الإضافة حقيقية، وقرئ بنصب الكاف ورفعها مدحاً، وبسكون اللام مخفف ملك مكسور اللام وبجعله فعلاً ماضياً ونصب يوم و مليك رفعاً ونصباً وجراً.

"إيا" ضمير منصوب منفصل ولا محل لكاف الخطاب نحو "أرأيتك" وهو مذهب الأخفش والمحققين وحكاية الخليل "إذا بلغ الرجل الستين فإياه وإيا الشواب" شاذ.

والأصل نعبدك ونستعينك، فلما قدم الضمير المتصل للاختصاص صار منفصلاً.

وقرئ إياك بتخفيف الياء، وأياك بفتح الهمزة والتشديد، وهياك بقلب الهمزة هاء، قال طفيل: فهياك والأمر الذي إن تراحبت *** موارده ضاقت عليك مصادره فإن قيل: لم عدل عن الغيبة إلى الخطاب؟

قلنا: هذا يسمى الالتفات في علم البيان وذلك على عادة افتنانهم في الكلام والتنقل من أسلوب إلى أسلوب تطرية لنشاط السامع.

وقد يختص مواقعه بفوائد وسننظم لك في سلك التقرير فائدته في هذا الموضع.

والعبادة أقصى غاية الخضوع.

طريق معبد أي مذلل، وثوب ذو عبدة في غاية الصفاقة وقوة النسج هدى يتعدى باللام أو بإلى ﴿ إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم  ﴾ ﴿ وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم  ﴾ فعومل معاملة اختار في قوله  ﴿ واختار موسى قومه  ﴾ والأصل فيه الإمالة ومنه ﴿ إنا هدنا إليك  ﴾ أي ملنا والهدية لأنها تمال من ملك إلى ملك والهدي للذي يساق إلى الحرم أي أمل قلوبنا إلى الحق.

والصراط الجادة، وأصله السين من سرط الشيء ابتلعه لأنه يسرط السابلة إذا سلكوه كما سمي لقماً لأنه يلتقمهم، ومثله مسيطر ومصيطر.

والصراط يذكر ويؤنث كالطريق والسبيل و ﴿ صراط الذين أنعمت عليهم ﴾ بدل الكل من ﴿ الصراط المستقيم ﴾ وفائدته التوكيد كقولك: هل أدلك على أكرم الناس وأفضلهم فلان؟

ويكون ذلك أبلغ في وصفه بالكرم والفضل من قولك: هل أدلك على فلان الأكرم الأفضل، لأنك بينت ذكره مجملاً أوّلاً ومفصلاً ثانياً.

وقراءة ابن مسعود ﴿ صراط من أنعمت عليهم وغير المغضوب ﴾ بدل من "الذين" أو صفة.

وإنما جاز وقوعه صفة للمعرفة لأنه تعريف الذين كلاً تعريف كقوله: "ولقد أمر على اللئيم يسبني".

أو لأن المغضوب عليهم والضالين خلاف المنعم عليهم فهو كقولك: عليك بالحركة غير السكون ويجوز أن يكون بدلاً وإن كان نكرة من معرفة ولا نعت للإفادة.

والفرق بين عليهم الأولى والثانية، أن الأولى محلها النصب على المفعولية، والثانية محلها الرفع على أنها مفعول أقيم مقام الفاعل.

وأصل النعمة المبالغة والزيادة يقال: دققت الدواء فأنعمت دقه أي بالغت في دقه.

وكل ما في القرآن من ذكر النعمة بكسر النون فهي المنة والعطية.

والنعمة بفتح النون التنعم وسعة العيش ﴿ ونعمة كانوا فيها فاكهين  ﴾ والغضب في اللغة الشدة وقد عرفت معناه بحسب إطلاقه على الخلق وعلى الخالق.

وأصل الضلال الغيبوبة ضل الماء في اللبن إذا غاب فيه، وضل الكافر غاب عن الحق.

قال  : ﴿ أئذا ضللنا في الأرض  ﴾ و "غير" ههنا بمعنى "لا" و "لا" بمعنى "غير" ولذلك جاز عطف أحدهما على الآخر.

تقول: أنا زيداً غير ضارب كما تقول: أنا زيداً لا ضارب.

ويعضده ما قرئ وغير الضالين وقرأ أيوب السختياني ولا الضألين بالهمزة كما قرأ عمرو بن عبيد ﴿ ولا جأنّ ﴾ وآمين مداً وقصراً معناه استجب، كما أن رويد معناه أمهل.

وعن ابن عباس عن رسول الله  معناه إفعل.

(الثالث في المباحث الفقهية).

البحث الأول: أجمع الأكثرون ومنهم الشافعي على أن قراءة الفاتحة واجبة في الصلاة وإن ترك منها حرفا واحداً وهو يحسنها لم تصح صلاته.

وعند أبي حنيفة قراءتها غير واجبة لنا أنه  واظب طول عمره على قراءتها في الصلاة فتجب علينا لقوله  ﴿ فاتبعوه  ﴾ وأيضاً أقيموا الصلاة معناه الصلاة التي أتى بها الرسول  ، لكنه كان يقرأ الفاتحة فيها فتجب.

وأيضاً روي في ذلك أخبار كثيرة مثل "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" " كل صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج" وروى رفاعة بن مالك "أن رجلاً دخل المسجد وصلى، فلما فرغ من صلاته وذكر الخبر إلى أن قال الرجل: علمني الصلاة يا رسول الله.

فقال  : إذا توجهت إلى القبلة فكبر واقرأ بفاتحة الكتاب" ، وظاهر الأمر للوجوب ولا سيما في معرض التعليم.

وأيضاً الخلفاء الراشدون واظبوا على قراءتها طول العمر وقال  : "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين" وأيضاً المواظبة على قراءة الفاتحة توجب هجران سائر السور وذلك غير جائز إن لم تكن واجبة فثبت أنها واجبة.

حجة أبي حنيفة ﴿ فاقرءوا ما تيسر من القرآن  ﴾ قلنا: الفاتحة هي المتيسرة المحفوظة على جميع الألسنة.

ثم قال: إذا قرأ آية واحدة كفت مثل ﴿ الم ﴾ أو ﴿ حم  ﴾ ﴿ والطور  ﴾ و ﴿ مدهامتان  ﴾ .

أبو يوسف ومحمد: لا بد من قراءة ثلاث آيات أو آية واحدة طويلة مثل آية الدين.

البحث الثاني: قراء المدينة والبصرة والشام وفقهاؤها على أن التسمية ليست بآية من الفاتحة ولا من غيرها من السور، وإنما كتبت للفصل والتبرك وهو مذهب أبي حنيفة ومن تابعه، ولذلك لا يجهر بها عندهم في الصلاة.

وقراء مكة والكوفة وفقهاؤهما على أنها آية من كل سورة وعليه الشافعي وأصحابه لما روي عن أم سلمة  ا أنها قالت: قرأ رسول الله  فاتحة الكتاب فعد ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ آية، ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾ آية، ﴿ الرحمن الرحيم ﴾ آية، ﴿ مالك يوم الدين ﴾ آية، ﴿ إياك نعبد وإياك نستعين ﴾ آية، ﴿ اهدنا الصراط المستقيم ﴾ آية ﴿ صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ﴾ آية.

وعن سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله  قال: "فاتحة الكتاب سبع آيات أولاهن بسم الله الرحمن الرحيم" وروى الثعلبي في تفسيره بإسناده عن أبي بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله  ألا أخبرك بآية لم تنزل على أحد بعد سليمان بن داود غيري؟

فقلت: بلى فقال: بأي شيء تفتتح القرآن إذ افتتحت الصلاة؟

قلت: ببسم الله الرحمن الرحيم.

قال: هي هي.

وبإسناده عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن النبي  قال له: كيف تقول إذا قمت إلى الصلاة؟

قال: أقول "الحمد لله" قال: قل "بسم الله الرحمن الرحيم" وبإسناده عن علي بن أبي طالب أنه كان إذا افتتح السورة في الصلاة يقرأ "بسم الله الرحمن الرحيم" وكان يقول: من ترك قراءتها فقد نقص في صلاته وبإسناده عن ابن عباس في قوله ﴿ ولقد آتيناك سبعاً من المثاني  ﴾ قال: فاتحة الكتاب.

فقيل لابن عباس: فأين السابع؟

فقال: "بسم الله الرحمن الرحيم".

وعن أبي هريرة أن النبي  قال: يقول الله  "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين.

فإذا قال العبد بسم الله الرحمن الرحيم قال الله: مجدني عبدي وإذا قال: الحمد لله رب العالمين قال الله: حمدني عبدي وإذا قال: الرحمن الرحيم قال الله: أثنى عليّ عبدي وإذا قال: مالك يوم الدين قال الله: فوّض إلي عبدي وإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين قال الله: هذا بيني وبين عبدي وإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم قال الله: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل" إلى غير ذلك من الأخبار.

وأيضاً التسمية مكتوبة بخط القرآن في مصاحف السلف مع توصيتهم بتجريد القرآن عما ليس منه ولذلك لم يثبتوا "آمين".

وأيضاً قال  لأبي بن كعب: ما أعظم آية في كتاب الله؟

قال: بسم الله الرحمن الرحيم، فصدّقه النبي  .

ومعلوم أنها ليست آية تامة في قوله ﴿ إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم  ﴾ فتكون آية في غير هذا الموضع.

وأيضاً إن أكثر الأنبياء أوجبوا على أنفسهم الابتداء بذكر الله قال نوح عند ركوب السفينة: ﴿ باسم الله مجريها ومرساها  ﴾ وكتب سليمان إلى بلقيس "بسم الله الرحمن الرحيم" وقوله ﴿ إنه من سليمان ﴾ من قول بلقيس قبل فتح الكتاب، فلما فتحت الكتاب قرأت التسمية فقالت: وإنه ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ ولما ثبت الابتداء بالتسمية في حقهم ثبت في حق نبينا أيضاً { ﴿ أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده  ﴾ وعن عبد الله بن مسعود قال: كنا لا نعلم فصل ما بين السورتين حتى تنزل "بسم الله الرحمن الرحيم".

وعن ابن عمر قال: نزلت "بسم الله الرحمن الرحيم" في كل سورة.

وأيضاً البسملة من القرآن في النمل ثم إنا نراه مكرراً بخط القرآن فوجب أن نعتقد كونه من القرآن مثل ﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان ﴾ } [الرحمن: 13] ﴿ ويل يومئذ للمكذبين  ﴾ حجة المخالف خبر أبي هريرة أيضاً في رواية أخرى قال: "يقول الله قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فإذا قال العبد الحمد لله رب العالمين يقول الله حمدني عبدي" إلى آخره.

قال: لم يذكر التسمية، ولو كانت آية من الفاتحة لذكرها.

قلنا: إذا تعارضت الروايتان فالترجيح للمثبت لا للنافي.

قالوا: التنصيف إنما يحصل إذا لم تعد التسمية آية حتى يحصل للرب ثلاث آيات ونصف وللعبد ثلاث ونصف من "إياك نستعين" إلى آخر السورة.

أما إذا قلنا التسمية آية صار القسم الأول أربع آيات ونصفاً فينخرم التنصيف.

قلنا: نحن نعد التسمية آية ولا نعد "أنعمت عليهم" وهذا أولى رعاية لتشابه المقاطع، ولأن غير صفة أو بدل ويختل الكلام بجعله منقطعاً عما قبله لأن طلب الاهتداء بصراط المنعم عليهم لا يجوز إلا بشرط كون المنعم عليه غير مغضوب عليه ولا ضالاً بدليل قوله  : ﴿ ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً ﴾ } [إبراهيم: 28] فهذا المجموع كلام واحد، وهذا بخلاف ﴿ الرحمن الرحيم ﴾ فإنا لو قطعنا النظر عن الصفة كان الكلام مع الموصوف غير مختل النظام.

قالوا: روت عائشة أن النبي  كان يفتتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين.

قلنا: قال الشافعي: لعل عائشة جعلت ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾ اسماً لهذه السورة كما يقال قرأ فلان "الحمد لله الذي خلق السموات والأرض".

قالوا: لو كانت من الفاتحة لزم التكرار في ﴿ الرحمن الرحيم ﴾ قلنا: التكرار للتأكيد غير عزيز في القرآن.

فإن قيل: إذا عد التسمية آية من كل سورة على ما يروى عن ابن عباس، فمن تركها فقد ترك مائة وأربع عشرة آية من كتاب الله.

فما وجه ما روي عن أبي هريرة أن النبي  قال في سورة الملك: إنها ثلاثون آية وفي الكوثر إنها ثلاث آيات مع أن العدد حاصل بدون التسمية؟

قلنا: إما أن تعد التسمية مع ما بعدها آية وذلك غير بعيد، ألا ترى أن قوله "الحمد لله رب العالمين" آية تامة، وفي قوله ﴿ وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين  ﴾ بعض آية؟

وإما أن يراد ما هو خاصة الكوثر ثلاث آيات، فإن التسمية كالشيء المشترك فيه بين السور.

البحث الثالث: عن أحمد بن حنبل أن التسمية آية من الفاتحة، ويسرّ بها في كل ركعة.

أبو حنيفة: ليست بآية ويسر بها.

مالك: لا ينبغي أن يقرأها في المكتوبة لا سراً ولا جهراً.

الشافعي: آية ويجهر بها لأنها بعد ما ثبت كونها من الفاتحة والقرآن لا يعقل فرق بينها وبين باقي الفاتحة حتى يسر بهذه ويجهر بذلك.

وأيضاً إنه ثناء على الله وذكر له فوجب أن يكون الإعلان به مشروعاً لقوله عز من قائل ﴿ فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكراً  ﴾ وأيضاً الإخفاء والسر إنما يليق بما فيه نقيصة ومثلبة لا بما فيه مفخرة وفضيلة.

قال  : "طوبى لمن مات ولسانه رطب من ذكر الله" وكان علي بن أبي طالب يقول: يا من ذكره شرف للذاكرين.

وكان مذهبه الجهر بها في جميع الصلوات، وقد ثبت هذا منه تواتراً ومن اقتدى به لن يضل.

قال  : "اللهم أدر الحق معه حيث دار" وروى البيهقي في السنن الكبرى عن أبي هريرة قال: كان رسول الله  يجهر في الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم.

وروي عن عمر وابنه وابن عباس وابن الزبير مثل ذلك، وروى الشافعي بإسناده أن معاوية قدم المدينة فصلى بهم ولم يقرأ ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ ولم يكبر عند الخفض إلى الركوع والسجود، فلما سلم ناداه المهاجرون والأنصار: يا معاوية سرقت من الصلاة أين "بسم الله الرحمن الرحيم" أين التكبير عند الركوع والسجود؟

ثم إنه أعاد الصلاة مع التسمية والتكبير.

قال: وكان معاوية شديد الشكيمة ذا شوكة، فلولا أن الجهر بالتسمية كان مقرراً عند كل الصحابة لم يجسروا على ذلك حجة المخالف ما روى البخاري في صحيحه عن أنس قال: صليت خلف رسول الله  وخلف أبي بكر وعمر وعثمان فكانوا يستفتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين.

وفي رواية ولم أسمع أحداً منهم قال: ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ وفي رواية ولم يجهر أحد منهم ببسم الله الرحمن الرحيم.

وعن عبد الله بن المغفل أنه قال: سمعني أبي وأنا أقول ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ فقال: أي بني، إياك والحدث في الإسلام!

وقد صليت خلف أبي بكر فقال: ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾ وصليت خلف عمر فقال: ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾ وصليت خلف عثمان فقال: ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾ فإذا صليت فقل" ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾ .

والجواب أن حديث أنس معارض بما يروى عنه أيضاً أن معاوية لما ترك التسمية في الصلاة أنكر عليه المهاجرون والأنصار.

وروى أيضاً أبو قلابة عن أنس أن رسول الله  وأبا بكر وعمر كانوا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم.

ويروى أيضاً أنه سئل عن الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم والإسرار به فقال: لا أدري هذه المسألة، وإذا اضطربت الروايات عنه وجب الرجوع إلى سائر الدلائل.

وأيضاً ففيها تهمة أخرى وهي أن علياً  كان يبالغ في الجهر بالتسمية، فلما كان زمن بني أمية بالغوا في المنع من الجهر سعياً في إبطال آثار علي بن أبي طالب، فلعل أنساً خاف منهم فلهذا اضطربت أقواله.

وأيضاً من المعلوم أن النبي  كان يقدم أولى الأحلام والنهي والأكابر والعلماء على غيرهم، ولا شك أن علياً وابن عباس وابن عمر كانوا أعلى حالاً من أنس وابن المغفل وأقرب موقفاً، وأنه  ما كان يبالغ في الجهر لقوله  ﴿ ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلاً  ﴾ فلهذا لم يسمعا.

ورواية المثبت أولى من رواية النافي، والدلائل العقلية معنا ويؤيدها عمل علي بن أبي طالب كما مر.

البحث الرابع: تقديم التسمية على الوضوء سنة عند عامة العلماء وليست بواجبة خلافاً لبعض أهل الظاهر حيث قالوا: لو تركها عمداً أو سهواً لم تصح صلاته لنا قوله  "توضأ كما أمرك الله" والتسمية غير مذكورة في آية الوضوء.

والصحيح عندنا أن الجنب والحائض لا يقولها بقصد القراءة، والتسمية عند الذبح وعند الرمي إلى الصيد وعند إرسال الكلب مستحبة، فلو تركها عامداً أو ناسياً، لم تحرم الذبيحة عند الشافعي ولكن تركها عمداً مكروه، وعند أبي حنيفة إن ترك التسمية عمداً لم يحل، وإن نسي حل.

والعلماء أجمعوا على أنه يستحب أن لا يشرع في عمل من الأعمال إلا أن يقول: باسم الله، فإذا نام قال باسم الله، وإذا انتبه قال: باسم الله، وإذا قام من المقام قال: باسم الله، وإذا أكل أو شرب قال: باسم الله، وإذا أعطى أو أخذ قال: باسم الله، ويستحب للقابلة إذا أخذت الولد من الأم أن تقول باسم الله وهذا أول أحواله من الدنيا وإذا مات وأدخل القبر قيل باسم الله وهذا آخر أحواله من الدنيا، وإذا قام من القبر قال: باسم الله، وإذا حضر الموقف قال: باسم الله، فلا جرم يدخل الجنة ببركة اسم الله.

البحث الخامس: قال الشافعي: ترجمة القرآن لا تكفي في صحة الصلاة لا في حق من يحسن القراءة ولا في حق من لا يحسنها.

وقال أبو حنيفة: إنها كافية في حق القادر والعاجز.

وقال أبو يوسف ومحمد: كافية في حق العاجز لا القادر لنا أنه  والخلفاء من بعده وجميع الصحابة ما قرأوا في الصلاة إلا هذا القرآن العربي فوجب علينا اتباعهم، وكيف يجوّز عاقل قيام الترجمة بأي لغة كانت وهي كلام البشر مقام كلام خالق القوى والقدر؟

وقالوا: وروي عن عبدالله بن مسعود أنه كان يعلم رجلاً أن شجرة الزقوم طعام الأثيم والرجل لا يحسنه.

فقال: قل طعام الفاجر، ثم قال عبدالله: ليس الخطأ في القرآن أن تقرأ مكان العليم الحكيم إنما الخطأ بأن تضع آية الرحمة مكان آية العذاب.

قلنا: الظن بابن مسعود غير ذلك.

قالوا ﴿ وإنه لفي زبر الأولين  ﴾ ﴿ إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى  ﴾ ولا ريب أن القرآن بهذا اللفظ ما كان في زبر الأولين لكن بالعبرية والسريانية.

قلنا إن القصص والمواعظ موجودة لا باللفظ بل بالمعنى، ولا يلزم من ذلك أن يكون الموجود فيها قرآناً، فإن النظم المعجز جزء من ماهية القرآن والكل بدون الجزء مستحيل.

البحث السادس: الشافعي في القول الجديد قال: تجب قراءة الفاتحة على المقتدي سواء أسر الإمام بالقراءة أو جهر بها.

وفي القديم: تجب إذا أسر الإمام ولا تجب إذا جهر وهو قول مالك وأحمد أبو حنيفة: تكره القراءة خلف الإمام بكل حال لنا قوله  { ﴿ فاقرءوا ما تيسر من القرآن  ﴾ وقوله: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" يشمل المنفرد والمقتدي، وأيضاً روى الترمذي في جامعه بإسناده عن عبادة بن الصامت "أن النبي  صلى الصبح فثقلت عليه القراءة، فلما انصرف  قال: إني أراكم تقرأون خلف إمامكم قلنا: أي والله، قال: لا تفعلوا إلا بأم القرآن فإنه لا صلاة لمن لا يقرأ بها" قال: وهذا حديث حسن.

وأيضاً قراءتها لا تبطل الصلاة عندهم ولكن يجوّزون تركها ويبطلها عدم القراءة عندنا، فالأحوط قراءتها.

احتج المخالف بقوله  ﴿ وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا  ﴾ وبأخبار بين ضعفها البيهقي في كتابه، ونحن نقول: أما القرآن فمخصوص بغير الفاتحة لما مر، وأما الأخبار فهب أنها صحيحة إلا أن الترجيح معنا لأن الاشتغال بقراءة القرآن من أعظم الطاعات ولأنه أحوط.

البحث السابع: مذهب الشافعي أن الفاتحة واجبة في كل ركعة فإن تركها في ركعة بطلت صلاته، وبه قال أبو بكر وعمر وعلي عليهم السلام وابن مسعود ومعظم الصحابة، لأنه  كان يقرأوها في كل ركعة، ولأنه قال للأعرابي الذي علمه الصلاة وكذلك فأفعل في كل ركعة.

"وعن أبي سعيد الخدري أنه قال: أمرنا النبي  أن نقرأ فاتحة الكتاب في كل ركعة فريضة كانت أو نافلة" وأيضاً القراءة في كل ركعة أحوط فيجب المصير إليها.

وقيل: غير واجبة أصلاً، وقيل: تجب في كل صلاة في ركعة واحدة فقط وبه يحصل امتثال قوله "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" وعند أبي حنيفة القراءة تجب في الركعتين الأوليين لقول عائشة: فرضت الصلاة في الأصل ركعتين فأقرّت في السفر وزيدت في الحضر.

فهما أصل والزائد تبع.

قلنا: ما ذكرنا أحوط، وقيل: تجب الفاتحة في الأوليين وتكره في الآخرتين.

وعند مالك تجب في أكثر الركعات، ففي الثنائية فيهما وفي الثلاثية في اثنتين وفي الرباعية في ثلاث.

البحث الثامن: إذا ثبت أن القراءة شرط في الصلاة فلو تركها أو حرفاً من حروفها عمداً بطلت صلاته وكذا سهواً على الجديد.

وما روي أن عمر بن الخطاب صلى المغرب فترك القراءة فقيل له: تركت القراءة.

قال: كيف كان الركوع والسجود؟

قالوا: حسناً.

قال: فلا بأس، معارض بما روى الشعبي عنه أنه أعاد الصلاة.

وأيضاً لعله ترك الجهر بالقراءة لا نفس القراءة.

البحث التاسع: يجب رعاية الترتيب في أجزاء الفاتحة وما وقع غير مرتب فغير محسوب.

البحث العاشر: إن لم يحفظ شيئاً من الفاتحة قرأ بقدرها من غيرها من القرآن، ثم من ذكر من الأذكار، ثم عليه مثل وقفة بقدرها فإن تعلم قرأ ما لم يفرغ منه.

البحث الحادي عشر: نقل عن ابن مسعود أنه كان ينكر أن تكون الفاتحة والمعوذتان من جملة القرآن والظن به أن هذا النقل عنه كذب وإلا فجحد المتواتر كيف يليق بحاله؟

الرابع فيما يختص بتفسير الحمد لله من الفوائد.

الفائدة الأولى في الفرق بين الحمد والمدح والشكر.

المدح للحي ولغير الحي كاللؤلؤة والياقوتة الثمينة، والحمد للحي فقط.

والمدح قد يكون قبل الإحسان وقد يكون بعده، والحمد إنما يكون بعد الإحسان.

والمدح قد يكون منهياً عنه قال  : "احثوا التراب في وجوه المداحين" والحمد مأمور به مطلقاً قال  : "من لم يحمد الناس لم يحمد الله" والمدح عبارة عن القول الدال على أنه مختص بنوع من أنواع الفضائل باختياره وبغير اختياره، والحمد قول دال على أنه مختص بفضيلة اختيارية معينة وهي فضيلة الإنعام إليك وإلى غيرك، ولا بد أن يكون على جهة التفضيل لا على سبيل التهكم والاستهزاء، والشكر على النعمة الواصلة إليك خاصة وهو باللسان، وقد يكون بالقلب والجوارح قال الشاعر: أفادتكم النعماء مني ثلاثة *** يدي ولساني والضمير المحجبا والحمد باللسان وحده فهو إحدى شعب الشكر ومنه قوله  "الحمد رأس الشكر ما شكر الله عبد لم يحمده" وإنما جعله رأس الشكر لأن ذكر النعمة باللسان والثناء على موليها أشيع لها وأدل على مكانها من الاعتقاد وأداء الجوارح لخفاء عمل القلب، وما في عمل الجوارح من الاحتمال بخلاف عمل اللسان وهو النطق الذي يفصح عن كل خفي.

والحمد نقيضه الذم ولهذا قيل: الشعير يؤكل ويذم.

والمدح نقيضه الهجاء، والشكر نقيضه الكفران، إذا عرفت ذلك فنقول: إذا قال المدح لله لم يدل ذلك على كونه  فاعلاً مختاراً لما مر أن المدح قد يكون لغير المختار.

ولو قال: الشكر لله كان ثناء بسبب إنعام وصل إلى ذلك القائل.

وإذا قال: الحمد لله فكأنه يقول سواء أعطيتني أو لم تعطني فإنعامك واصل إلى كل العالمين وأنت مستحق للحمد العظيم، ولا ريب أن هذا أولى.

وقيل: الحمد لله على ما دفع من البلاء، فكأنه يقول: أنا شاكر لأدنى النعمتين فكيف بأعلاهما؟

ويمكن أن يقال: إن المنع غير متناه والإعطاء متناه، والابتداء بشكر دفع البلاء الذي لا نهاية له أولى، وأيضاً دفع الضرر أهم من جلب النفع فتقديمه أحرى.

الثانية: لو قال: أحمد الله أفاد كون ذلك القائل على حمده، وإذا قال: الحمد لله أفاد أنه كان محموداً قبل حمد الحامدين وقبل شكر الشاكرين.

وأيضاً الحمد لله معناه أن مطلق الحمد والثناء حق لله وملكه كما ينبئ عنه اللام الجنسية واللام الجارة وذلك بسبب كثرة إيلائه أنواع آلائه على عبيده وإمائه.

ولا يخفى أن هذا أولى من أن يحمده شخص واحد فقط، ولهذا لو سئلت هل حصل لفلان عليك نعمة؟

فإن قلت نعم فقد حمدته ولكن حمداً ضعيفاً، ولو قلت في الجواب بل نعمه على كل الخلائق كان أكمل.

فإن قيل: أليس أن المنعم يستحق الحمد من المنعم عليه؟

فالأستاذ يستحق الحمد من التلميذ، والسلطان العادل يستحق الحمد من الرعية، وقال  : "من لم يحمد الناس لم يحمد الله" قلنا: المنعم في الحقيقة هو الله لأنه خلق تلك الداعية في ذلك المنعم بعد أن خلق تلك النعمة وسلط المنعم عليها ومكن المنعم عليه من الانتفاع وأمنه من فوات الانقطاع، ولهذا قال عز من قائل ﴿ وما بكم من نعمة فمن الله  ﴾ وأيضاً كل مخلوق ينعم على غيره فإنه يطلب بذلك الإنعام عوضاً إما ثواباً أو ثناء، أو تحصيل خلق أو تخلصاً من رذيلة البخل.

وطالب العوض لا يكون منعماً ولا مستحقاً للحمد في الحقيقة، أما الله  فإنه كامل لذاته والكامل لذاته لا يطلب الكمال، لأن تحصيل الحاصل محال فكان عطاؤه جوداً محضاً، فثبت أن لا مستحق للحمد إلا الله  .

الثالثة: إنما لم يقل "احمدوا الله" لأن الإنسان عاجز عن الإتيان بحمد الله وشكره فلم يحسن أن يكلف فوق ما يستطيعه، وذلك أن نعم الله على العباد غير محصورة ﴿ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها  ﴾ وإذا امتنع الوقوف عليها امتنع اقتداره على الشكر والثناء اللائق بها.

وأيضاً إنما يمكنه القيام بحمد الله وشكره إذا أقدره الله على ذلك الحمد والشكر وخلق في قلبه داعية ذلك وأزال عنه العوائق والصوارف، وكل ذلك إنعام من الله فيتسلسل.

وأيضاً الاشتغال بالحمد والشكر معناه أن المنعم عليه يقابل إنعام المنعم بشكر نفسه، ومن اعتقد أن حمده وشكره يساوي نعمة الله فقد أشرك، وهذا معنى قول الواسطي "الشكر شرك" أما إذا قال: "الحمد لله" فالمعنى أن كمال الحمد حقه وملكه سواء قدر الخلق على الإتيان به أو لم يقدروا.

ونقل أن داود  قال: يا رب كيف أشكرك وشكري لك لا يتم إلا بإنعامك علي وهو أن توفقني لذلك الشكر؟

فقال: يا داود لما علمت عجزك عن شكري فقد شكرتني بحسب قدرتك وطاقتك.

الرابعة: عن النبي  "إذا أنعم الله على عبد فقال: الحمد لله يقول الله  : انظروا إلى عبدي أعطيته ما لا قدر له فأعطاني ما لا قيمة له " ومعناه أن ما أنعم الله على العبد شيء واحد، وإذا قال: الحمد لك فمعناه المحامد التي أتى بها الأولون والآخرون من الملائكة والثقلين لله  ، وكذا المحامد التي سيذكرونها إلى وقت قوله  ﴿ دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيّتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين  ﴾ وإلى أبد الآبدين ودهر الداهرين فالمنعم به متناه والحمد غير متناه، وإذا أسقط المتناهي من غير المتناهي بقي غير المتناهي.

فالذي بقي للعبد طاعات غير متناهية فلا بد من مقابلتها بنعم غير متناهية، فلهذا يستحق العبد الثواب الأبدي والخير السرمدي.

الخامسة: لا شك أن الوجود خير من العدم، وأن وجود كل ما سوى الله فإنه حصل بإيجاد الله وجوده، فإنعام الله  واصل إلى كل من سواه، فإذا قال العبد: "الحمد لله" فكأنه قال: الحمد لله على كل مخلوق خلقه، وعلى كل محدث أحدثه من نور وظلمة وسكون وحركة وعرش وكرسي وجني وإنسي وذات وصفة وجسم وعرض من أزل الآزال إلى أبد الآباد، وأنا أشهد أنها بأسرها لك لا شركة لأحد فيها معك.

السادسة: التسبيح مقدم على التحميد لأنه يقال: سبحان الله والحمد لله.

فما السبب في وقع البداءة بالتحميد؟

والجواب أن التسبيح داخل في التحميد دون العكس، فإن التسبيح يدل على كونه مبرأ في ذاته وصفاته عن النقائص، والتحميد يدل على كونه محسناً إلى العباد، ولا يكون محسناً إليهم إلا إذا كان عالماً بجميع المعلومات ليعلم مواقع الحاجات وإلا إذا كان قادراً على المقدورات ليقدر على تحصيل ما يحتاجون إليه، وإلا إذا كان غنياً في نفسه وإلا شغله حاجة نفسه عن حاجة غيره، فثبت أن كونه محسناً لا يتم إلا بعد كونه منزهاً عن النقائص والآفات.

السابعة: الحمد له تعلق بالماضي وهو وقوعه شكراً على النعم السابقة، وتعلق بالمستقبل وهو اقتضاء تجدد النعم لقوله  ﴿ لئن شكرتم لأزيدنكم  ﴾ فبالأول يغلق عنك أبواب النيران، وبالثاني يفتح لك أبواب الجنان، فإن الحمد لله ثمانية أحرف بعدد أبواب الجنة.

الثامنة: الحمد لله كلمة جليلة لكنه يجب أن تذكر في موضعها ليحصل المقصود.

قال السري: منذ ثلاثين سنة أستغفر الله لقولي مرة واحدة الحمد لله.

وذلك أنه وقع الحريق في بغداد وأحرقت دكاكين الناس فأخبرني واحد أن دكاني لم يحترق فقلت: الحمد لله.

وكان من حق الدين والمروءة أن لا أفرح بذلك، فأنا في الاستغفار منذ ثلاثين سنة.

فالحمد على نعم الدين أفضل من الحمد على نعم الدنيا، والحمد على أعمال القلوب أولى من الحمد على أعمال الجوارح، والحمد على النعم من حيث إنها عطية المنعم أولى من الحمد عليها من حيث هي نعم، فهذه مقامات يجب اعتبارها حتى يقع الحمد في موضعه اللائق به.

التاسعة: أول ما بلغ الروح إلى سرة آدم عطس فقال: ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾ وآخر دعوى أهل الجنة ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾ .

ففاتحة العالم مبنية على الحمد وخاتمته مبنية على الحمد، فاجتهد أن يكون أول أعمالك وآخرك مقروناً بكلمة الحمد.

العاشرة: لا يحسن عندنا أن يقدّر قولوا: "الحمد لله" لأن الإضمار خلاف القياس، ولأن الوالد إذا قال لولده: أعمل كذا وكذا فلم يمتثل كان عاقاً، فالأولى أن يقول الأمر الفلاني ينبغي أن يفعل.

ثم إن كان الولد باراً فإنه يجيبه ويطيعه وإن كان عاقاً كان إثمه أقل، فكذلك إذا قال: الحمد لله فمن كان مطيعاً حمده ومن كان عاصياً كان إثمه أقل، بخلاف ما لو قدر "قولوا الحمد لله".

الحادية عشرة: شنعت الجبرية على المعتزلة ومن يجري مجراهم بأنكم تثبتون للعبد فعلاً واختياراً، واستحقاق الحمد إنما يكون على أشرف النعم وهو الإيمان، فلو كان الإيمان بفعل العبد لكان المستحق للحمد هو العبد.

والجواب أن الإيمان باختيار العبد لكن الاختيار أيضاً مستند إلى الله  فاستحق الحمد لذلك.

وشنعت المعتزلة على الجبرية بأن قوله "الحمد لله" لا يتم إلا على مذهبنا لأن المستحق للحمد على الإطلاق هو الذي لا قبح في فعله ولا جور في قضيته، وعندكم لا قبح إلا وهو فعله، ولا جور إلا وهو حكمه.

والجواب أن القبح والجور إنما يثبتان لو أمكن تصور الفعل المخصوص في القابل المخصوص أحسن وأتم مما صدر لكنه محال، فإنه  حكيم وكل ما يصدر عن الحكيم كان على أفضل ما يمكن بالنسبة إلى المحل المخصوص.

الثانية عشرة: اختلفوا في أن شكر المنعم واجب عقلاً أو شرعاً.

فمنهم من قال عقلاً ومن جملة أدلتهم قوله "الحمد لله" فإنه يدل على ثبوت الاستحقاق على الإطلاق.

وأيضاً عقبه بقوله "رب العالمين" وترتيب الحكم على الوصف المناسب يدل على كون ذلك الحكم معللاً بذلك الوصف، فدل ذلك على أن استحقاقه للحمد ثابت بكونه رباً للعالمين قبل مجيء الشرع وبعده.

والجواب أن استحقاقه لمثل هذا الحمد عرفناه من قبل الشرع.

واعلم أن الحمد سبيله سبيل سائر الأذكار والعبادات في أنها إنما يؤتى بها لا لأن الله  مستكمل بها ولا لأنه  مجازي بها، ولكنها لتحقيق نسبة العبودية وإضافة الإمكان الله حسبي الخامس في فوائد قوله رب العالمين.

الأولى: الموجود إما واجب لذاته وهو الله  وتعالى فقط، وإما ممكن لذاته وهو كل ما سواه ويسمى العالم كما مر، وذلك إما متحيز أو صفة للمتحيز أو لا هذا ولا ذاك.

القسم الأوّل: إن كان قابلاً للقسمة فهو الجسم وإلا فالجوهر الفرد.

فالجسم إما علوي أو سفلي، والعلوي كالسماويات ويندرج فيها العرش والكرسي وسدرة المنتهى واللوح والقلم والجنة والكواكب، والسفلي إما بسيط وهو العناصر الأربعة: الأرض بما عليها وفيها والماء وهو البحر المحيط وما يتشعب منه في القدر المكشوف من الأرض، والهواء ومنه كرة البخار وكرة النسيم ومنه الهواء الصافي والنار.

وإما مركب وهو المعادن والنبات والحيوان على تباين أنواعها وأصنافها.

القسم الثاني: الأعراض بأجناسها وأنواعها.

القسم الثالث: الأرواح وهي إما سفلية خيرة كالجن، أو شريرة كالشياطين.

وإما علوية متعلقة بالأجسام كملائكة السموات قال  : "ما في السموات موضع شبر إلا وفيه ملك قائم أو قاعد" أو غير متعلقة وهي الملائكة المقربون ﴿ وما يعلم جنود ربك إلا هو  ﴾ ولأن كل موجود سوى الواجب يحتاج إلى الواجب في الوجود.

وفي البقاء أيضاً فهو إله العالمين من حيث إنه أخرجها من العدم إلى الوجود، ورب العالمين من حيث إنه يبقيها حال استقرارها.

فكل من كان أكثر إحاطة بأحوال الموجودات وتفاصيلها كان أكثر وقوفاً على تفسير قوله ﴿ رب العالمين ﴾ .

الثانية: المربي قسمان: أحدهما أن يربي ليربح عليهم، والثاني أن يربي ليربحوا عليه.

والأول شأن المخلوقين الذين غرضهم من التربية إما ثواب أو ثناء أو تعصب أو غير ذلك، والثاني دأب الحق  وتعالى كما قال: "خلقتكم لتربحوا عليّ لا لأربح عليكم" وكيف لا يربحون عليه وأنه متعال عن الاستكمال منزه عن أن يحدث في خزائنه بسبب التربية والإفادة والإفاضة اختلال يحب الملحين في الدعاء ﴿ ويزيد في الخلق ما يشاء  ﴾ يكفي علمه من المقال ويغني كرمه عن السؤال ﴿ وسع كل شيء علماً  ﴾ ويربي كل حي كرماً وحلماً ﴿ ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقةً فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاماً فكسونا العظام لحماً ثم أنشأناه خلقاً آخر فتبارك الله أحسن الخالقين ﴾ \[المؤمنون: 12 - 13، 14\] ﴿ فلينظر الإنسان إلى طعامه أنا صببنا الماء صباً ثم شققنا الأرض شقاً فأنبتنا فيها حباً وعنباً وقضباً وزيتوناً ونخلاً وحدائق غلباً وفاكهة وأباً متاعاً لكم ولأنعامكم  ﴾ ﴿ ألم نجعل الأرض مهاداً والجبال أوتاداً وخلقناكم أزواجاً وجعلنا نومكم سباتاً وجعلنا الليل لباساً وجعلنا النهار معاشاً وبنينا فوقكم سبعاً شداداً وجعلنا سراجاً وهاجاً وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجاً لنخرج به حباً ونباتاً وجناتٍ ألفافاً  ﴾ .

الثالثة: لما كان الله أحسن الأسماء عقبه بأكمل الصفات وهو ﴿ رب العالمين ﴾ إذ معناه أن وجود ما سواه فائض عن تربيته، وإحسانه وجوده وامتنانه، فالأول يدل على التمام والثاني على أنه فوق التمام.

الرابعة: رب العالمين ثم إنه يربيك كأنه ليس له عبد سواك وهو الله الواحد الأحد الصمد، وأنت تخدمه كأنّ لك أرباباً غيره فما إنصافك أيها الإنسان؟

﴿ قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن  ﴾ خلقت لعبادة الرب فلا تهدم حقيقتك بمعصية الرب، الآدمي بنيان الرب ملعون من هدم بنيان الرب.

السادس: في فوائد قوله ﴿ الرحمن الرحيم ﴾ .

الأولى: الرحمن بما لا يتصور صدوره من العباد، والرحيم بما يقدر عليه العباد.

أنا الرحمن لأنك تسلم إليّ نطفة مذرة فأسلمها إليك صورة حسنة، أنا الرحيم لأنك تسلم إليّ طاعة ناقصة فأسلم إليك جنة خالصة.

الثانية: ذهب بعضهم إلى ملك فقال: جئتك لمهم يسير.

فقال: أطلب المهم اليسير من الرجل اليسير.

فكأن الله  يقول: لو اقتصرت على الرحمن لاحتشمت مني ولتعذر عليك سؤالي الأمور اليسيرة، فأنا الرحمن لتطلب مني الأمور العظيمة، وأنا الرحيم لتطلب مني شراك نعلك وملح قدرك.

الثالثة: الوالد إذا أهمل حال ولده ولم يؤدبه ظن أن ذلك رحمة وهو في الحقيقة عذاب.

من لم يؤدبه الأبوان أدبه الملوان، وعكسه حال من تقطع يده لأكلة فيها، أو يضرب لتعليم حرفة، أو لتأدب بخصلة شريفة.

فكل ما في العالم من محنة وبلية فهو في الحقيقة رحمة ونعمة ﴿ وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم  ﴾ وقصة موسى مع الخضر كما تجيء في موضعها تؤيد ما ذكرناه، والحكيم المحقق هو الذي يبني الأمور على الحقائق لا على الظواهر، فإن ترك الخير الكثير لأجل الشر القليل شر كثير.

الرابعة: أعطى مريم عليها السلام رحمة ﴿ ولنجعله آية للناس ورحمة منّا  ﴾ فصارت سبباً لنجاتها من توبيخ الكفار والفجار، وأعطانا رحمة ﴿ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين  ﴾ فكيف لا ننجو بسببه من عذاب النار.

الخامسة: وصف النبي  بالرحمة فكان من حاله أنه لما كسرت أسنانه قال: اللهم اهد قومي فإنهم لا يعملون، وأنه يوم القيامة يقول: أمتي أمتي.

فلما وصف نفسه بكونه رحماناً رحيماً أيضاً فكأنه يقول: الرحمة الواحدة لا تكفي لصلاح المخلوقات فذرني وعبيدي فإني أنا الرحمن الرحيم، رحمتي غير متناهية ومعصيتهم متناهية والمتناهي لا يدرك غير المتناهي فستغرق معصيتهم في بحار رحمتي ﴿ ولسوف يعطيك ربك فترضى  ﴾ .

السادسة: حكي عن إبراهيم بن أدهم أنه قال: كنت ضيفاً لبعض القوم، فقدم المائدة فنزل غراب وسلب رغيفاً فاتبعته تعجباً، فنزل في بعض التلال فإذا هو برجل مقيد مشدود اليدين، فألقى الغراب ذلك الرغيف على وجهه.

وعن ذي النون أنه قال: كنت في البيت إذ وقعت في قلبي داعية أن أخرج من البيت، فانتهيت إلى شط النيل فرأيت عقرباً قوياً يعدو، فلما وصل إلى النيل فإذا هو بضفدع على طرف النهر، فقفز العقرب عليه وأخذ الضفدع يسبح، فركبت السفينة فاتبعته حتى إذا وصل الضفدع إلى الطرف الآخر نزل العقرب عن ظهره وأخذ يعدو، فتبعته فرأيت شاباً نائماً تحت شجرة وعنده أفعى يقصده، فلما قرب الأفعى من ذلك الشاب وصلت العقرب إلى الأفعى ولدغتها والأفعى أيضاً لدغتها وماتتا معاً.

وفي أدعية العرب: يا رازق النعاب في عشه.

وحكايته أن ولد الغراب لما يخرج من البيض يكون كأنه قطعة لحم فتهجره أمه تنفراً منه، حتى إذا خرج ريشه عادت إليه، فيبعث الله  إليه في تلك المدة ذباباً يغتذي به.

وروي "أن فتى قربت وفاته واعتقل لسانه عن شهادة أن لا إله إلا الله، فأتوا النبي  وأخبروه، فقام فدخل عليه وكان يعرض عليه الشهادة ولا يعمل لسانه فقال  : أما كان يصلي أما كان يزكي أما كان يصوم؟

فقالوا: بلى.

فقال: فهل عق والدته؟

قالوا: نعم.

فقال: هاتوا أمه.

فأتي بعجوز عوراء.

فقال النبي  : هلا عفوت عنه؟

فقالت: لا أعفو عنه لأنه لطمني ففقأ عيني.

فقال  : هاتوا بالحطب والنار فقالت: وما تصنع بالنار؟

فقال  : أحرقه بالنار بين يديك جزاء بما عمل.

فقالت: عفوت عفوت أللنار حملته تسعة أشهر أللنار أرضعته سنتين فأين رحمة الأم؟

فعند ذلك انطلق لسانه وذكر أشهد أن لا إله إلا الله" والنكتة أنها كانت رحيمة فقط ولم تجوّز الإحراق، فالرحمن الرحيم كيف يجوز إحراق عبد واظب على ذكر الرحمن الرحيم سبعين سنة؟

قال  : "إن لله  مائة رحمة أنزل منها رحمة واحدة بين الإنس والجن والطير والبهائم والهوام فيها يتعاطفون ويتراحمون، وأخر تسعاً وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة" ولعل هذا على سبيل التفهيم والتمثيل وإلا فكرمه بلا غاية ورحمته بلا نهاية.

السابع: في فوائد قوله ﴿ مالك يوم الدين ﴾ .

الأولى: من قضية العدالة الفرق بين المحسن والمسيء، والمطبع والعاصي، والموافق والمخالف، ولا يظهر ذلك إلا في يوم الجزاء ﴿ إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى  ﴾ ﴿ يومئذ يصدر الناس أشتاتاً ليروا أعمالهم فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره  ﴾ روي أنه يجاء برجل يوم القيامة وينظر في أحوال نفسه فلا يرى لنفسه حسنة ألبتة، فيأتيه النداء يا فلان ادخل الجنة بعملك.

فيقول: إلهي ماذا عملت؟

فيقول الله: ألست لما كنت نائماً تقلب من جنب إلى جنب ليلة كذا فقلت في خلال ذلك "الله"، ثم غلبك النوم في الحال فنسيت؟

أما أنا فلا تأخذني سنة ولا نوم، فما نسيت ذلك.

ويجاء برجل وتوزن حسناته بسيئاته فتخف حسناته فتأتيه بطاقة فتثقل ميزانه فإذا فيها شهادة "أن لا إله إلا الله" فلا يثقل مع ذكر الله غيره.

واعلم أن حقوق الله  على المسامحة لأنه غني عن العالمين، وأما حقوق العباد فهي أولى بالاحتراز عنها.

روي عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله  : "أتدرون ما المفلس؟

قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع قال: إن المفلس من يأتي يوم القيامة بصلاة وزكاة وصيام ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم يطرح في النار" الثانية: من قرأ "مالك" احتج بوجوه: الأول أن فيه حرفاً زائداً فيكون ثوابه أكثر.

الثاني: في القيامة ملوك ولا مالك إلا الله.

الثالث: المالكية سبب لإطلاق التصرف والملكية ليست كذلك.

الرابع: العبد أدون حالاً من الرعية فيكون القهر في المالكية أكثر منه في الملكية.

الخامس: الرعية يمكنهم إخراج أنفسهم عن كونهم رعية لذلك الملك بالاختيار بخلاف المملوك.

السادس: الملك يجب عليه رعاية حال الرعية "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" ولا يجب على الرعية خدمة الملك، أما المملوك فيجب عليه خدمة مالكه وأن لا يستقل في الأمر إلا بإذنه حتى إنه لا يصح منه القضاء والإمامة والشهادة، ويصير مسافراً إذا نوى مولاه السفر، ومقيماً إذا نوى الإقامة.

حجة من قرأ "ملك" أن كل واحد من أهل البلد يكون مالكاً، والملك لا يكون إلا أعلاهم شأناً.

وأيضاً ﴿ قل أعوذ برب الناس ملك الناس  ﴾ لم يقرأ فيه غير "ملك" فتعين.

وأيضاً الملك أقصر ومالك يلزم منه تطويل الأمل فإنه يمكن أن يدركه الموت قبل تمام التلفظ به.

وأجيب بأن العزم يقوم مقام الفعل لو مات قبل الإتمام، كما لو نوى بعد غروب الشمس صوم يوم يجب صومه بخلاف ما لو نوى في النهار عن الغد.

ثم يتفرع على كل من القراءتين أحكام، أما المتفرعة على الأول فقراءة "مالك" أرجى من قراءة "ملك" لأن أقصى ما يرجى من الملك العدل والإنصاف وأن ينجو الإنسان منه رأساً برأس، والمالك يطلب العبد منه الكسوة والطعام والتربية والإنعام "يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم.

يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم" والملك يطمع فيك والمالك أنت تطمع فيه، والملك لا يختار من العسكر إلا كل قوي سويّ ويترك من كان مريضاً عاجزاً، والمالك إن مرض عبده عالجه، وإن ضعف أعانه.

الملك له هيبة وسياسة، والمالك له رأفة ورحمة واحتياجنا إلى الرأفة والرحمة أشد من احتياجنا إلى الهيبة والسياسة.

وأما المتفرعة على الثانية فإنه في الدنيا ملك الملوك ﴿ قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء  ﴾ وفي الآخرة لا ملك إلا هو ﴿ لمن الملك اليوم لله الواحد القهار  ﴾ وملكه لا يشبه ملك المخلوقين لأنهم إذ بذلوا قلَّت خزائنهم ونفدت ذخائرهم، وأنه  كلما كان أكثر عطاء كان أوسع ملكاً.

فإن أعطاك عشرة أولاد زاد في ملكه عشرة أعبد.

ومن لوازم ملكه كمال الرحمة فلهذا قرن بقوله "ملك يوم الدين" قوله "رب العالمين الرحمن الرحيم" ومثله ﴿ الملك يومئذ الحق للرحمن  ﴾ ﴿ قل أعوذ برب الناس ملك الناس  ﴾ فمن اتصف بهذه الصفة من ملوك الدنيا صدق عليه أنه ظل الله في الأرض.

الكفر سبب لخراب العالم ﴿ تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدّا.

أن دعوا للرحمن ولداً  ﴾ والطاعة تتضمن صلاح المعاش والمعاد ﴿ من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون  ﴾ فعلى الناس أن يطيعوا ملوكهم، وعلى الملوك أن يطيعوا مالك الملك حتى تنتظم أمور معاشهم ومعادهم لما وصف نفسه بأنه "ملك يوم الدين" أظهر للعالمين كمال عدله بنفي الظلم تارة ﴿ وما ربك بظلام للعبيد  ﴾ وبثبوت العدل أخرى ﴿ ونضع الموازين القسط ليوم القيامة  ﴾ فلا خلة للملك أعم نفعاً وأتم وقعاً من أن يكون عادلاً.

ومن هنا تظهر البركة في العالم أو ترتفع إن كان السلطان عادلاً أو جائراً.

يحكى أن أنوشروان خرج يوماً إلى الصيد وانقطع عن عسكره واستولى عليه العطش، فرأى بستاناً فيه رمان.

فلما دخله قال لصبي فيه: أعطني رمانة، فأعطاه فعصرها وأخرج منها ماء كثيراً، فشربه وأعجبه ذلك، فعزم على أن يأخذ ذلك البستان من مالكه.

ثم قال لذلك الصبي: أعطني رمانة أخرى، فأعطاه فعصرها فخرج منها ماء قليل فشربه فوجده عفصاً.

فقال: أيها الصبي، لم صار الرمان هكذا؟

فقال الصبي: فلعل ملك البلد عزم على الظلم فلشؤم ظلمه صار هكذا، فتاب أنوشروان في قلبه وأناب، وقال للصبي: أعطني رمانة أخرى فعصرها فوجدها أطيب من الأولى فقال للصبي: لم بدلت هذه الحالة؟

فقال: لعل الملك تاب عن ظلمه.

فلما وجد أنوشروان مقالة الصبي مطابقة لأحواله في قلبه تاب بالكلية، فكان من ميامن عدله أن ورد في حقه قول نبينا  "ولدت في زمن الملك العادل".

الثالثة: كونه مالكاً وملكاً معناه أنه قادر على ترجيح جانب وجود الممكنات على عدمها، وأنه قادر على نقلها من صفة إلى صفة كما يشاء من غير مانع ولا منازع.

وعلى قضية الحكمة والعدالة فهو الملك الحق وأنه ملك يوم الدين أيضاً، لأن القدرة على إحياء الخلق بعد إماتتهم والعلم بتلك الأجزاء المتفرقة من أبدان الناس لا يختص به أحد غيره، فإذا كان الحشر والنشور لا يتأتى إلا بعلم يتعلق بجميع المعلومات وقدرة تنفذ في كل الممكنات، فلا مالك ليوم الدين إلا الله.

فإن قيل: لا يكون مالكاً إلا إذا كان المملوك موجوداً لكن القيامة غير موجودة فينبغي أن يقال "مالك يوم الدين" بالتنوين بدليل أنه لو قال: أنا قاتل زيد كان إقراراً، ولو قال: أنا قاتل زيداً كان تهديداً.

قلنا: لما كان قيام القيامة أمراً حقاً لا يجوز الإخلال به في الحكمة، جعل وجوده كالشيء القائم في الحال.

ولو قيل: من مات فقد قامت قيامته زال السؤال.

الرابعة: قالت القدرية: إن كان الكل من الله فثواب الرجل على ما لم يعمله عبث وعقابه على ما لم يفعله ظلم، فيبطل كونه مالكاً ليوم الدين.

قلنا: خلق الجنة وخلق اهلاً لها، وخلق النار وخلق أهلاً لها، وذلك أن له صفة لطف وصفة قهر كما ينبغي لكل ملك.

فخلق لكل صفة مظهراً ولا يسأل عما يفعل، لأن كل سؤال ينقلب فهو باطل.

الخامسة: في هذه السورة من أسماء الله  خمسة: الله، الرب، الرحمن، الرحيم، المالك.

كأنه يقول: خلقتك أولاً فأنا الله، ثم ربيتك بأصناف النعم فأنا الرب، ثم عصيت فسترت عليك فأنا الرحمن، ثم تبت فغفرت لك فأنا الرحيم، ثم أجازيك بما عملت فأنا مالك يوم الدين وذكر الرحمن الرحيم مرة في التسمية ومرة أخرى في السورة دليل على أن العناية بالرحمة أكثر منها بسائر الأوصاف، ومع ذلك عقبها بقوله "مالك يوم الدين" كيلا يغتروا بها.

ونظيره ﴿ غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب  ﴾ .

السادسة: الحمد والمدح والتعظيم فيما بين الناس إنما يكون لكونه كاملاً في ذاته وإن لم يكن له إحسان إليك، وإما لكونه محسناً إليك، وإما رجاء وطمعاً في المستقبل، وإما خوفاً ورهبة، فكأنه  يقول: إن كنتم تعظمون للكمال الذاتي فاحمدوني فإني أنا الله، وإن كنتم تعظمون للإحسان السالف فأنا رب العالمين، وإن كنتم تعظمون للإحسان المترقب فأنا الرحمن الرحيم، وإن كنتم تعظمون رهبة عن العقاب فأنا مالك يوم الدين.

الثامن: في فوائد قوله "إياك نعبد".

الأولى: لا شك أن تقديم المفعول مفيد للاختصاص أي لا نعبد أحداً سواك والحاكم فيه الذوق السليم.

واستحقاق هذا الاختصاص لله  ظاهر، لأن العبادة عبارة عن نهاية التعظيم فلا تليق إلا لمن صدر منه غاية الإنعام وهو الله  .

وذلك أن للعبد أحوالاً ثلاثة: الماضي والحاضر والمستقبل.

أما الماضي فقد كان معدوماً فأوجده ﴿ وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئاً  ﴾ ﴿ أو من كان ميتاً فأحييناه  ﴾ ﴿ وكنتم أمواتاً فأحياكم  ﴾ وكان جاهلاً فعلمه ﴿ أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً  ﴾ ثم أسمعه وأبصره وأعقله ﴿ وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة  ﴾ فهو إله بهذه المعاني.

وأما الحاضر فحاجاته كثيرة، ووجوه افتقاره غير محصورة من أول عمره إلى آخره مع انفتاح أبواب المعصية وانخلاع ربقة الطاعة، فهو رب رحمن رحيم من هذه الوجوه.

وأما المستقبل فأموره المتعلقة بما بعد الموت وأنه مالك يوم الدين بهذه الحيثية، فلا مفزع للعبد في شيء من أحواله إلا إليه، فلا يستحق عبادة العبد إلا هو.

وأيضاً ثبت بالدلائل القاطعة وجوب كونه  عالماً قادراً جواداً غنياً حكيماً إلى غير ذلك من الصفات الكمالية، وأما كون غيره من الفلكيات والطبائع والنفوس كذلك فمشكوك فيه وإن كنا نجزم بأنه لا تأثير لها فوجب طرح المشكوك والأخذ باليقين، فلا معبود بالحق إلا الله  ، وأيضاً العبودية ذلة ومهانة، فكلما كان المولى أشرف وأعلى كانت العبودية أهنأ وأمرأ.

ولما كان الله  أشرف الموجودات وأعلاها وأولاها بالصفات العلى، فعبوديته أولى، وأيضاً كل ما سوى الواجب الغني ممكن فقير، والفقير مشغول بحاجة نفسه فلا يمكنه إفادة غيره.

فدافع الحاجات هو الله فلا يستحق العبادة إلا هو ﴿ وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه  ﴾ .

الثانية: تقديم ذكر الله  يورث الخشية والمهابة حتى لا يلتفت في العبادة يميناً وشمالاً بخلاف العكس.

(يحكى) أن واحداً من المصارعين الأستاذين صارع بعض من هو دونه ولا يعرفه، فصرع الأستاذ مراراً فقيل له: فلان الأستاذ فانصرع في الحال وما ذاك إلا لاحتشامه بعد عرفانه.

وأيضاً ذكره  أوّلاً مما يورث العبد قوة يسهل بها عليه ثقل العبودية فوجب تقديمه، كما أن من أراد حمل ثقيل يقدم عليه دواء أو غذاء بعينه على ذلك، كما أن العاشق يسهل عليه جميع الآلام عند حضور معشوقه.

وأيضاً ﴿ إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون  ﴾ فالنفس إذا مسها طائف الشيطان من الكسل والغفلة والبطالة طلع لها جلال الله من مشرق "إياك نعبد" فتصير مبصرة مستعدة لأداء حق العبودية.

وأيضاً إن بدأ بالعبادة فض إبليس قلبه أن المعبود من هو فيلقي في نفسه وساوس، أما إذا غير هذا الترتيب وقال: "إياك نعبد" كان بعيداً عن احتمال الشرك.

وأيضاً الواجب لذاته متقدم في الوجود فيناسب أن يكون مقدماً في الذكر.

وأيضاً المحققون نظرهم على المعبود لا على العبادة، وعلى المنعم لا على النعمة، ولهذا قيل لبني إسرائيل ﴿ اذكروا نعمتي  ﴾ ولأمة محمد ﴿ اذكروني  ﴾ فذكر المعبود عندهم أولى من ذكر العبادة.

الثالثة: النون في قوله "نعبد" فيه وجوه من الحكمة منها: أنه تشريف من الله  للعبد حيث لقنه لفظاً ينبئ عن التعظيم والتكريم كقوله حكاية عن نفسه ﴿ نحن نقص عليك أحسن القصص  ﴾ كأنه قال: لما أظهرت عبوديتي ولم تستنكف أن تكون عبداً ليّ جعلناك أمة ﴿ إن إبراهيم كان أمة  ﴾ ومنها أنه لو قال: إياك أعبد كان إخباراً عن كونه عبداً فقط، ولما قال: "إياك نعبد" صار معناه إني واحد من عبيدك، ولا ريب أن الثاني أدخل في الأدب والتواضع.

ومنها أن يكون تنبيهاً على أن الصلاة بالجماعة أولى قال  : "التكبيرة الأولى في صلاة الجماعة خير من الدنيا وما فيها" وههنا نكتة وهي أن الإنسان إذا أكل الثوم أو البصل فليس له أن يحضر الجماعة كيلا يتأذى منه جاره، وإذا كان ثواب الجماعة لا يفي بهذا القدر من الإيذاء فكيف يفي بما هو أكثر من ذلك إيذاء للمسلمين من الغيبة والتهمة والنميمة والسعاية وسائر أنواع الظلم؟

ومنها أن يكون المراد أعبدك والملائكة معي والحاضرون بل جميع عبادك الصالحين.

ومنها أن المؤمنين إخوة فكأن الله تعالى قال: لما أثنيت عليّ بقولك ﴿ الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين ﴾ ارتفعت منزلتك عندنا، فلا تقتصر على إصلاح حالك بل عليك بالسعي في إصلاح حال جميع إخوانك فقل: ﴿ إياك نعبد وإياك نستعين ﴾ .

ومنها أن العبد يقول: إلهي عبادتي مخلوطة بالتقصير وإني أخلطها بعبادة جميع العابدين، فلا يليق بكرمك أن تميز بين العبادات، ولا أن ترد الكل وفيها عبادة الأنبياء والأولياء بل الملائكة المقربين.

وهذا كما أن الرجل إذا باع من غيره عشرة أعبد، فالمشتري إما أن يقبل الكل أو يرد الكل وليس له أن يقبل البعض دون البعض في تلك الصفقة.

الرابعة: من عرف فوائد العبادة طاب له الاشتغال بها وثقل عليه الاشتغال بغيرها لأن الكمال محبوب لذاته وأكمل أحوال الإنسان اشتغاله بخدمة مولاه، فإنه يستنير قلبه بنوره ويشرق عليه من جماله ولهذا قد ورد "من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار" وأيضاً التكاليف أمانة ﴿ إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان  ﴾ وأداء الأمانة واجب عقلاً وشرعاً ﴿ إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها  ﴾ وأداء الأمانات من أحد الجانبين سبب لأدائها من الجانب الآخر.

قال بعض الصحابة: أتى أعرابي باب المسجد فنزل عن ناقته وتركها ودخل المسجد وصلى بالسكينة والوقار ودعا بما شاء فتعجبنا، فلما خرج لم يجد الناقة فقال: إلهي أديت أمانتك فأين أمانتي؟

قال الرواي: فزدنا تعجباً، فلم يمكث حتى جاء رجل على ناقته وقد قطع يده وسلم الناقة إليه.

"وقال  لابن عباس: يا غلام احفظ الله في الخلوات يحفظك في الفلوات" وأيضاً الاشتغال بالعبادة انتقال من عالم الغرور إلى دار السرور، وركون من الخلق إلى حضرة الحق، وذلك يوجب كمال اللذة والبهجة.

(يحكى) عن أبي حنيفة أن حية سقطت من السقف وتفرق الناس وهو في الصلاة فلم يشعر بها.

ووقعت الأكلة في بعض أعضاء عبد الله بن الزبير واحتاجوا إلى قطع ذلك العضو فقطع وهو في الصلاة ولم يشعر به.

وعن رسول الله  أنه كان حين يشرع في الصلاة كانوا يسمعون من صدره أزيزاً كأزيز المرجل.

ومن استبعد فليقرأ قوله  ﴿ فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن  ﴾ فإذا كان لجمال البشر مثل هذا التأثير فكيف جلال الله وعظمته إذا تجلى على قلب الموحد العابد؟!

وقد تحدث الحيرة والدهش عن رؤية بعض السلاطين فكيف إذا كان الوقوف بين يدي رب العالمين؟!

واعلم أن العبادة لها ثلاث درجات، لأنه إما أن يعبد الله رغبة في ثوابه أو رهبة من عقابه، ويختص باسم الزاهد حيث يعرض عن متاع الدنيا وطيباتها طمعاً فيما هو أشرف منها وأدوم، وهذه مرتبة نازلة عند المحققين.

وإما أن يعبد الله تشرفاً بعبادته أو بقبول تكاليفه أو بالانتساب إليه، وهذه مرتبة متوسطة وتسمى بالعبودية.

وإما أن يعبد الله لكونه إلهاً ولكونه عبداً له، والإلهية توجب العزة والهيبة، والعبودية تقتضي الخضوع والذلة، وهذه أعلى الدرجات وتسمى بالعبودية وإليها الإشارة بقول المصلي: أصلي لله فإنه لو قال: أصلي لثواب الله أو هرباً من عقابه فسدت صلاته.

(يحكى) أن عابداً في بني إسرائيل اعتزل وعبد الله  سبعين سنة، فأرسل الله  إليه ملكاً فقال: إن عبادتك غير مقبولة فلا تشق على نفسك ولا تجاهد، فأجاب العابد بأن الذي عليّ هو العبودية وإني لا أزال أفعل ما عليّ، فأما القبول وعدم القبول فموكول إلى المعبود.

فرجع الملك فقال الله: بم أجاب العابد؟

فقال: أنت أعلم يا رب، إنه قال كذا وكذا.

فقال الله تعالى: ارجع إليه وقل له: قبلنا طاعتك بسبب ثبات نيتك.

والتحقيق أن إثبات نسبة الإمكان هو قصارى مجهود العابدين ونهاية مطامح أبصار العارفين.

وفي العبادة انشراح صدور المؤمنين وإنها عاقبة حال المتقين.

قال عز من قائل ﴿ ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون.

فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين.

واعبد ربك حتى يأتيك اليقين  ﴾ ولأن العبودية أشرف المقامات.

مدح الله  نبيه في قوله ﴿ سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً  ﴾ وافتخر عيسى بذلك أول ما نطق فقال: ﴿ إني عبد الله  ﴾ وكان عليّ يقول: كفاني فخراً أن أكون لك عبداً وكفاني شرفاً أن تكون لي رباً.

اللهم إني وجدتك إلهاً كما أردت، فاجعلني عبداً كما أردت.

ومنهم من قال: العبودية أشرف من الرسالة، فبالعبودية ينصرف من الخلق إلى الحق، وبالرسالة ينصرف من الحق إلى الخلق، وبالعبودية ينعزل عن التصرفات، وبالرسالة يقبل على التصرفات، ولهذا نال شرف التقدم في قول الموحد "أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله" ﴿ لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً لله ولا الملائكة المقربون  ﴾ .

التاسع: في فوائد قوله ﴿ وإياك نستعين ﴾ .

الأولى: لا شك أن للعبد قدرة بها يتمكن من الفعل والترك، وإنما يحصل الرجحان بمرجح.

ولو كان ذلك المرجح من عند العبد عاد التقسيم، فلا بد أن ينتهي إلى الله  .

وأيضاً كل الخلائق يطلبون طريق الحق مع استوائهم في القدرة والعقل والجد والطلب، ولا يفوز به إلا بعضهم، فليس ذلك إلا بإعانة الحق.

وأيضاً قد يطلب الإنسان حاجة من غيره ويدافعه مدة مديدة ثم يقضي حاجته، فإلقاء تلك الداعية في القلب ليس إلا من الله، فثبت أنه لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله، ولا قوة على طاعة الله إلا بتوفيق الله.

وتظهر فائدة الاستعانة في أنه ربما جعل الله  ذلك واسطة إلى نيل المطلوب كالشبع الحاصل عقيب أكل الطعام ونحوه، فيسقط اعتراض الجبري والقدري فافهم.

الثانية: لقائل أن يقول: الاستعانة على العمل إنما تحسن قبل الشروع فيه لا بعده،فهلا قدّمت الاستعانة على ذكر العبادة؟

والجواب كأنه يقول: شرعت في العبادة فأستعين بك على إتمامها حتى لا يمنعني مانع ولا يعارضني صارف، فإن قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن.

وأيضاً إن قيل: الاستعانة مطلقة تتناول كل مستعان فيه فذكر العبادة كالوسيلة إلى طلب الإعانة على الحوائج وتقديم الوسيلة مناسب.

الثالثة: لا أريد بالإعانة غيرك إقتداء بالخليل  حيث قيد نمروذ يديه ورجليه ورماه إلى النار فجاءه جبرائيل وقال: هل لك حاجة؟

فقال له: أما إليك فلا.

قال: فاسأل الله.

قال: حسبي من سؤالي علمه بحالي.

وهنا نكتة وهي أن المؤمن في الصلاة مقيدة رجلاه عن المشي، ويداه عن البطش، ولسانه إلا عن القراءة والذكر، فكما أن الله قال ﴿ يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم  ﴾ فكذلك تقول له نار جهنم: جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي.

الرابعة: لا أستعين غيرك لأن الغير لا يمكنه إعانتي إلا إذا أعنته، فأنا أقطع الواسطة ولا أنظر إلا إلى إعانتك.

الخامسة: "إياك نعبد" تورث العجب بالعبادة فأردفه بقوله "وإياك نستعين" لإزالة ذلك.

السادسة: ههنا مقامان: معرفة الربوبية ومعرفة العبودية، وعند اجتماعهما يحصل الربط المذكور في قوله ﴿ أوفوا بعهدي أوف بعهدكم  ﴾ أما معرفة الربوبية فكمالها مذكور في قوله ﴿ الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين ﴾ فانتقال العبد من العدم السابق إلى الوجود يدل على كونه إلهاً، وحصول الفوائد للعبد حال وجوده يدل على كونه رباً رحماناً رحيماً، وأحوال معادة تدل على أنه مالك يوم الدين، وأما معرفة العبودية فمبدؤها "إياك نعبد" وكمالها "إياك نستعين" في جميع المطالب، وإذا تم الوفاء بالعهدين ترتبت عليه الثمرة وهو قوله: "اهدنا" إلى آخره.

وهذا ترتيب لا يتصور أحسن منه.

السابعة: في الالتفات الوارد في السورة وجوه: منها أن المصلي كان أجنبياً عند الشروع في الصلاة، فلا جرم أثنى على الله بالألفاظ الغائبة إلى قوله: ﴿ مالك يوم الدين ﴾ .

ثم الله  كأنه يقول: حمدتني وأقررت بأني إله، رب العالمين، رحمن رحيم، مالك يوم الدين، فنعم العبد أنت يا عبد.

رفعنا الحجاب وأبدلنا البعد بالقرب فتكلم بالمخاطبة وقل "إياك نعبد".

ومنها أنه لما ذكر الحقيق بالحمد وأجرى عليه تلك الصفات العظام من كونه رباً لا يخرج شيء من ملكوته منعماً على الخلق بأنواع النعم - جلائلها ودقائقها - مالكاً للأمر كله في العاقبة، تعلق العلم بمعلوم عظيم الشأن حقيق بغاية الخضوع والاستعانة في المهام، فخوطب ذلك المعلوم المتميز بتلك الصفات فقيل "إياك" يا من هذه صفاته نخص بالعبادة والاستعانة، ليكون الخطاب أدل على أن العبادة له لذلك التميز الذي لا تحق العبادة إلا به.

ومنها أن الدعاء بالحضور أولى كما أن الثناء في الغيبة أوقع وأحرى، وهكذا فعل الأنبياء عليهم السلام ﴿ ربنا ظلمنا أنفسنا  ﴾ ﴿ رب هب لي حكماً  ﴾ ﴿ رب زدني علماً  ﴾ ﴿ ربي أرني  ﴾ ﴿ رب لا تذرني فرداً وأنت خير الوارثين  ﴾ ومنها أنه إذا شرع في الصلاة نوى القربة فأثنى على الله بما هو أهله، فاستجاب الله دعاءه في تحصيل تلك القربة ونقله إلى مقام الحضور من مقام الغيبة.

الثامنة: اعلم أن المشركين طوائف، منهم من اتخذ إلهه من الأجسام المعدنية كالحجر والذهب والفضة والنحاس، ومنهم من اتخذه من النبات كالشجر المعين، ومنهم من اتخذه من الإنسان كعبدة المسيح وعزير، ومنهم من اتخذه من الأجسام البسيطة، إما السفلية كعبدة النار وهم المجوس، أو العلوية كعبدة الشمس والقمر وسائر الكواكب.

ومنهم من قال: مدبر العالم نور وظلمة وهم الثنوية، ومنهم من قال: الملائكة عبارة عن الأرواح الفلكية ولكل إقليم روح من الأرواح الفلكية يدبره وكذا لكل نوع من أنواع هذا العالم، فيتخذون لتلك الأرواح صوراً وتماثيل ويعبدونها وهم عبدة الملائكة.

ومنهم من قال: للعالم إلهان، أحدهما خير وهو الله، والآخر شرير وهو إبليس.

إذا عرفت ذلك فنقول: قد مر أن "الحمد لله" يتضمن التسبيح له وسائر الصفات منبئة عن سبب إثبات جميع أنواع "الحمد لله" "وإياك نعبد" يدل على التوحيد المحض والبراءة من كل ما يعبد من دون الله، وأن الله أكبر من جميع المعبودين، فيقوم مقام قوله "لا إله إلا الله والله أكبر" "وإياك نستعين" يدل على قوله "لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم" فثبت أن سورة الفاتحة مشتملة إلى هنا على الذكر المشهور "سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم".

العاشر في فوائد قوله ﴿ اهدنا الصراط المستقيم ﴾ .

الأولى: سئل أن طلب الهداية من المؤمن وهو مهدي تحصيل للحاصل.

وأجيب بأن المراد منه صراط الأولين في تحمل ما يشق، وكان تحمل المشاق العظيمة لأجل مرضاة الله تعالى.

يحكى أن نوحاً  كان يضرب في كل يوم مرات بحيث يغشى عليه وكان يقول: اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون.

وأيضاً إن في كل خلق من الأخلاق طرفي إفراط وتفريط هما مذمومان، والحق هو الوسط والصواب.

فالمؤمن بعد أن عرف الله بالدليل صار مهتدياً، لكنه لا بد مع ذلك من حصول الملكات والأخلاق الفاضلة التي هي وسط بين الطرفين ومستقيم بين المنحرفين.

ففي القوة الشهوية طرف الإفراط فجور وطرف التفريط خمود وهما مذمومان، والوسط وهو استعمالها في مواضعها على قضية العدالة والشريعة محمود وهو العفة، وكذا في القوة الغضبية طرفا التهور والجبن مذمومان والوسط وهو الشجاعة محمود، وفي القوة النفسانية الجربزة والبله مذمومان والوسط وهو الحكمة محمود.

وبالجملة فإنه يحصل من توسيط استعمال القوة الشهوية الحياء والرفق والصبر والقناعة والورع والحرية والسخاء، ومن توابع السخاء الكرم والإيثاء والعفو والمروءة والمسامحة، ويلزم من توسط استعمال القوة الغضبية كبر النفس وعلو الهمة والثبات والحلم والسكون والتحمل والتواضع والحمية والرقة، ومن توسط استعمال القوة النطقية الذكاء وسرعة الفهم وصفاء الذهن وسهولة التعلم وحسن التعقل والتحفظ والتذكر، ويحصل من كمال التوسط في القوى الثلاث كمال العدالة ويتبعها الصداقة والألفة والوفاء والشفقة وصلة الرحم والمكافأة وحسن الشركة والتسليم والتوكل وتعظيم المعبود الحق وملائكته وأنبيائه وأولي الأمر والانقياد لأوامرهم ونواهيهم.

والتقوى تكمل هذه المعاني وتتممها، ولأن القوة النطقية ذاتية للإنسان، والشهوية والغضبية حصلتا له بواسطة التعلقِ البدني، فكمال التوسط في النطقية أن يستعملها بحيث لا يمكن أزيد منها.

وكمال التوسط في الأخريين أن يستعملهما بحيث لا يمكن أقل من ذلك ليفضي إلى تحصيل سعادة الدارين.

وأيضاً العلم النظري يقبل الزيادة بمعنى تواصل أوقاته وقلة الفترات، وبمعنى زيادة الأدلة فليس من علم بدليل كمن علم بأدلة، فلا موجود من أقسام الممكنات إلا وفيه دلالة على وجود الله وعلمه وقدرته، وجوده ورحمته وحكمته.

وربما صح دين الإنسان بالدليل الواحد وبقي غافلاً عن سائر الدلائل فكأنه يقول: عرفنا إلهنا ما في كل شيء من كيفية دلالته على ذاتك وصفاتك وعلمك وقدرتك.

وأيضاً قد يراد بالصراط المستقيم الاقتداء بالأنبياء، وهو أن يكون الإنسان معرضاً عما سوى الله مقبلاً بكلية قلبه وفكره وذكره على الله، حتى لو أمر بذبح ولده لأطاع كالخليل، ولو أمر أن يذبح لانقاد كإسماعيل، ولو أمر بإلقاء نفسه في البحر امتثل كيونس، ولو أمر بتلمذة من هو أعلم منه بعد بلوغه أعلى منصب ائتمر كموسى مع الخضر.

وعن خباب قال: شكونا إلى رسول الله  وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة فقلنا: ألا تستنصر لنا ألا تدعو لنا؟

فقال: قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه ويجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصدّه ذلك عن دينه.

وأيضاً كأن العبد يقول: الأحباب يدعونني إلى طريق، والأعداء إلى طريق ثانٍ، والشيطان إلى ثالث.

وكذا القول في الشهوة والغضب والاعتقادات والآراء، والعقل ضعيف، والعمر قصير، والقضاء عسير، فاهدني هذا الطريق السوي الذي لا أزيغ به.

حكي عن إبراهيم بن أدهم أنه كان يسير إلى بيت الله، فإذا أعرابي على ناقة له.

فقال: يا شيخ إلى أين؟

فقال: إلى بيت الله.

قال: كأنك مجنون، لا أرى لك مركباً ولا زاداً والسفر طويل!

فقال إبراهيم: إن لي مراكب كثيرة ولكنك لا تراها.

قال: وما هي؟

قال: إذا نزلت عليّ بلية ركبت مركب الصبر، وإذا أسديت إليّ نعمة ركبت مركب الشكر، وإذا ألم بي القضاء ركبت مركب الرضا، وإذا دعتني النفس إلى شيء علمت أن ما بقي من العمر أقل مما مضى.

فقال الأعرابي: سر بإذن الله فأنت الراكب وأنا الراجل.

وقيل: الصراط القرآن أو الإسلام وليس بشيء، إذ يصير المعنى اهدنا صراط المتقدمين، مع أنه لم يكن لهم قرآن ولا إسلام، اللهم إلا أن يراد أصول هذه الشريعة وقوانينها كما قال { ﴿ فبهداهم اقتده  ﴾ .

وعن علي كرم الله وجهه: ثبتنا على الهداية كقوله ﴿ ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا  ﴾ فكم من عالم يزل ومهتد يضل.

وفي اختيار لفظ الصراط دون الطريق أو السبيل، تذكير للصراط الذي هو الجسر الممدود بين طرفي جهنم، سهل الله  علينا عبوره ووروده.

الثانية: إنما قبل "اهدنا" بلفظ الجمع لأن الدعاء متى كان أعم كان إلى الإجابة أقرب، ولهذا قال بعض العلماء لتلميذه: إذا قلت قبل القراءة "رضي الله عنك، وعن جماعة المسلمين" فإياك وأن تنساني في قولك "وعن جماعة المسلمين" فإن ذلك أوقع عندي من قولك "رضي الله عنك"، لأن هذا تخصيص بالدعاء ويجوز أن لا يقبل، وأما قولك "وعن المسلمين" فإنه أرجى لأنه لا بد أن يكون في المسلمين من يستحق الإجابة، وإذا أجاب الله دعاء في البعض فهو أكرم من أن يرده في الباقي.

ومن هنا ورد في السنة أن يصلي على النبي صلى الله علبه وسلم قبل كل دعاء وبعده، لأن الدعاء في الطرفين مستجاب ألبتة لأنه في حق النبي  فيستجاب الوسط بتبعية ذلك لا محالة.

وأيضاً قال  : "ادعوا الله بألسنة ما عصيتموه بها.قالوا: يا رسول الله، ومن لنا بتلك الألسنة؟

قال: يدعو بعضكم لبعض لأنك ما عصيت بلسانه وهو ما عصى بلسانك " وأيضاً "الحمد لله" شامل لحمد جميع الحامدين، و "إياك نعبد" لعبادة الجميع، "وإياك نستعين" لاستعانة الكل، فلا جرم لما طلب الهداية طلبها للكل كما طلب الاقتداء بالصالحين جميعاً في قوله: ﴿ صراط الذين أنعمت عليهم ﴾ والفرار من الطالحين جميعاً في قوله: ﴿ غير المغضوب عليهم ولا الضالين ﴾ .

وإذاكان كذلك في الدنيا يرجى أن يكون كذلك في الآخرة ﴿ ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين وحَسُنَ أولئك رفيقاً  ﴾ .

الثالثة: الخط المستقيم أقرب خط يصل بين النقطتين، والعبد عاجز فلا يليق بضعفه إلا الطريق المستقيم.

وأيضاً المستقيم واحد وما سواه معوجة يشبه بعضها بعضاً في الاعوجاج، فكان أبعد من الخوف وأقرب إلى الخلاص.

وأيضاً ميل الطباع إلى الاستقامة أكثري فلهذه الأسباب سئل الصراط المستقيم.

الحادي عشر في فوائد قوله ﴿ صراط الذين أنعمت عليهم ﴾ .

الأولى: حد النعمة بأنها المنفعة المفعولة على جهة الإحسان إلى الغير، لأنه لو قصد الفاعل منفعة نفسه أولاً على جهة الإحسان لم يكن نعمة فلا يستحق الشكر.

ثم نقول: كل ما يصل إلى الخلق من نفع أو دفع ضر فهو من الله  لقوله ﴿ وما بكم من نعمة فمن الله  ﴾ ولأن الواصل من جهة غير الله ينتهي إليه أيضاً لأنه الخالق لتلك النعمة، وكذلك للمنعم ولداعية ذلك الإنعام فيه.

والنعم الواصلة إلينا بطاعاتنا هي أيضاً من الله تعالى لأنها بتوفيقه وإعانته بأن أتاح الأسباب وأزاح الأعذار.

وأول نعمة من الله  على عبيده نعمة الحياة التي بها يمكن الانتفاع بالمنافع والاحتراز عن المضارّ قال  : ﴿ كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم  ﴾ ثم عقب ذلك بقوله ﴿ هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً  ﴾ .

الثانية: هل لله  على الكافر نعمة أم لا؟

أنكر ذلك بعض أصحابنا لوجوه منها: قوله ﴿ صراط الذين أنعمت عليهم ﴾ فإنه لو كان له على الكفار نعمة لزم طلب صراط الكفار لأن المبدل منه وهو الصراط المستقيم في حكم المنحى.

والجواب أن قوله ﴿ غير المغضوب عليهم ولا الضالين ﴾ يدفع ذلك، ومنها قوله ﴿ ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً  ﴾ والجواب أنه لا يلزم من أن لا يكون الإملاء خيراً ونعمة لهم أن لا يكون أصل الحياة وسائر أسباب الانتفاع نعمة، فإن الإملاء تأخير النقمة بعد ثبوت استحقاقها، فما قبل هذه الحالة لا يكون كذلك.

على أن نفس الإملاء أيضاً تمتيع حالي ﴿ قال ومن كفر فأمتعه قليلاً ثم أضطره إلى عذاب النار  ﴾ وليس هذا كمن جعل السم في الحلواء على ما ظن، وإنما هو كمن ناول شخصاً حلواء لذيذة غير مسمومة ولكن ذلك الشخص لفساد مزاجه أو لاستعماله الحلواء لا كما ينبغي أفسد مزاج الحلواء أيضاً وصيره كالسم القاتل بالنسبة إليه، ولهذا قال  : "نعم المال الصالح للرجل الصالح" وكيف لا تعم نعم الله  وقد قال على العموم: ﴿ يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون.

الذي جعل لكم الأرض فراشاً والسماء بناء وأنزل من السماء ماء  ﴾ وقال: ﴿ وكنتم أمواتاً فأحياكم  ﴾ كل ذلك في معرض الامتنان وشرح النعم.

وقال: ﴿ وقليل من عبادي الشكور  ﴾ ﴿ ولا تجد أكثرهم شاكرين  ﴾ والشكر لا يكون إلا بعد النعمة.

الثالثة: ما المراد بالنعمة المذكورة في قوله "أنعمت عليهم"؟

قلنا: يتناول كل من كان لله عليه نعمة دينية ودنيوية.

ثم إنه يخرج بقوله ﴿ غير المغضوب عليهم ولا الضالين ﴾ كل من عليه نعمة دنيوية فقط ويبقى الذين أنعم الله عليهم في الدنيا والآخرة من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.

وكما أن أصل النعم الدنيوية هي الحياة المستتبعة لكل المنافع، فكذلك أصل النعم الدينية هو الإيمان المستلزم لجميع الخيرات والسعادات.

وكما أن كمال البدن بالحياة فكمال النفس بالإيمان وموتها بفقده ﴿ إنك لا تسمع الموتى  ﴾ ﴿ وما أنت بمسمع من في القبور  ﴾ وكما أن حياة البدن من الله فكذا الإيمان منه وبتوفيقه.

وإضافة الإيمان إلى العبد إضافة الأثر إلى القابل وبذلك القبول يستأهل الثواب.

والمؤمن لا يبقى مخلداً في النار، فإن من شرفه الله  بأعظم الأنعام لن يعاقبه بأشد الآلام، فما الإنعام إلا بالإتمام.

قيل: لو كان رعاية الأصلح على الله واجباً لم يكن ذلك إنعاماً لأن أداء الواجب لا يسمى إنعاماً.

قلت: النزاع لفظي لأن الأصلح لا بد أن يصدر عنه، ولا يليق بحكمته وكماله خلاف ذلك ثم ما شئت فسمه.

الثاني عشر في فوائد قوله ﴿ غير المغضوب عليهم ولا الضالين ﴾ الأولى: من المغضوب عليهم ومن الضالون؟

قلت: المغضوب عليهم هم المائلون في كل خلق أو اعتقاد إلى طرف التفريط ومنهم اليهود، والضالون هم المائلون إلى طرف الإفراط ومنهم النصارى.

وإنما خص الأولون بالغضب عليهم لأن الغضب يلزمه البعد والطرد، والمفرّط في شيء هو المعرض عنه غير مجد بطائل فهو بعيد عن ذلك.

وأما المفرط فقد أقبل عليه وجاوز حد الاعتدال، فغاب عن المقصود ومني بالحرمان ﴿ كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران  ﴾ فاليهود فرطوا في شأن نبي الله ولم يطيعوه وآذوه حتى قالوا بعد أن نجاهم الله من عدوّهم ﴿ يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة  ﴾ ﴿ لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة  ﴾ ولهذا قال عز من قائل ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا  ﴾ والنصارى أفرطوا وقالوا ﴿ المسيح ابن الله  ﴾ ﴿ إن الله ثالث ثلاثة  ﴾ روي عن عدي بن حاتم أن رسول الله  قال: "غير المغضوب عليهم اليهود والضالون النصارى" وتصديق ذلك من كتاب الله حيث قال في اليهود ﴿ وباءوا بغضب من الله  ﴾ وفي النصارى ﴿ وضلوا عن سواء السبيل  ﴾ هذا شأن الفريقين.

وأما المؤمنون فطلبوا الوسط بين المنحرفين وذلك من لطف الله  بهم وفضله عليهم ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطاً  ﴾ ﴿ كنتم خير أمة أخرجت للناس  ﴾ وخير الأمور أوسطها.

الثانية: الآية تدل على أن أحداً من الملائكة والأنبياء ما أقدم على عمل أو اعتقاد يخالف الحق وإلا لكان ضالاً لقوله  ﴿ فماذا بعد الحق إلا الضلال  ﴾ يصلح للاقتداء به والاهتداء بطريقه.

الثالثة: ما الفائدة في أن عدل من أن يقول اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين إلى ما عدل؟

قلت: الإيمان إنما يكمل بالرجاء والخوف كما قال  : "لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا" فقوله ﴿ صراط الذين أنعمت عليهم ﴾ يدل على الرجاء، وباقي الآية يدل على الخوف، فيكمل الإيمان بطرفيه وركنيه.

الثالث عشر: في تفسير السورة مجموعة وفيه مناهج: المنهج الأول نسبة عالم الغيب إلى عالم الشهادة، ونسبة الأصل إلى الفرع، والنور إلى الظلمة، فكل شاهد.

فله في الغائب أصل وإلا كان كسراب زائل وخيال باطل، وكل غائب فله في الشاهد مثال وإلا كان كشجرة بلا ثمرة ومدلول بلا دليل، وكل شريف فهو بالنسبة إلى ما دونه مطاع كما قال عز من قائل ﴿ ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين  ﴾ والمطاع في عالم الروحانيات مطاع في عالم الجسمانيات، والمطاع في عالم الأرواح هو المصدر، والمطاع في عالم الأجسام هو المظهر.

ولا بد من أن يكون بينهما ملاقاة ومجانسة وبهما تتم سعادة الدارين لأنهما يدعوان إلى الله بالرسالة.

وحاصل الدعوة أمور سبعة تشتمل عليها خواتيم سورة البقرة، أربعة منها تتعلق بالمبدأ وهي معرفة الربوبية أعني معرفة الله  وملائكته وكتبه ورسله ﴿ آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرّق بين أحد من رسله  ﴾ واثنان منها تتعلق بالوسط أحدهما مبدأ العبودية ﴿ وقالوا سمعنا وأطعنا  ﴾ والثاني كمال العبودية وهو الالتجاء إلى الله وطلب المغفرة منه ﴿ غفرانك ربنا  ﴾ وواحد يتعلق بالمعاد وهو الذهاب إلى حضرة الملك الوهاب ﴿ وإليك المصير  ﴾ ويتفرع على هذه المراتب سبع مراتب في الدعاء والتضرع أولها { ﴿ ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا  ﴾ فضد النسيان هو الذكر ﴿ واذكر ربك إذا نسيت  ﴾ وهذا الذكر إنما يحصل بقوله ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ .

وثانيها { ﴿ ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا  ﴾ ودفع الإصر والثقل يوجب ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾ .

وثالثها: ﴿ ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به  ﴾ .

ذلك إشارة إلى كمال رحمته "الرحمن الرحيم" ورابعها ﴿ واعف عنا  ﴾ لأنك أنت المالك للقضاء والحكومة في يوم الدين ﴿ مالك يوم الدين ﴾ .

وخامسها ﴿ واغفر لنا  ﴾ لأنا التجأنا بكليتنا إليك وتوكلنا في جميع الأمور عليك ﴿ إياك نعبد وإياك نستعين ﴾ .

وسادسها ﴿ وارحمنا  ﴾ لأنا طلبنا الهداية منك ﴿ اهدنا الصراط المستقيم ﴾ وسابعها ﴿ أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين  ﴾ ﴿ صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ﴾ .

فهذه المراتب ذكرها محمد  في عالم الروحانيات عند صعوده إلى المعراج، فلما نزل من المعراج فاض أثر المصدر على المظهر فوقع التعبير عنها بسورة الفاتحة، فمن قرأها في صلاته صعدت هذه الأنوار من المظهر إلى المصدر كما نزلت في عهد الرسول  من المصدر إلى المظهر، فلهذا السبب قال  : "الصلاة معراج المؤمن" المنهج الثاني: المداخل التي يأتي الشيطان من قبلها في الأصل ثلاثة: الشهوة والغضب والهوى.

الشهوة بهيمية، والغضب سبعية، والهوى شيطانية أرضية، ولهذا قال: فالشهوة آفة لكن الغضب أعظم منها، والغضب آفة لكن الهوى أعظم منه.

قال  ﴿ وينهىٰ عن الفحشاء  ﴾ أي الشهوة، والمنكر الغضب، والبغي الهوى، فبالشهوة يصير الإنسان ظالماً لنفسه، وبالغضب ظالماً لغيره، وبالهوى لربه، ولهذا قال  "الظلم ثلاثة: فظلم لا يغفر وظلم لا يترك وظلم عسى الله أن يتركه، فالظلم الذي لا يغفر هو الشرك بالله، والظلم الذي لا يترك هو ظلم العباد بعضهم بعضاً، والظلم الذي عسى الله أن يتركه هو ظلم الإنسان نفسه" ونتيجة الشهوة الحرص والبخل، ونتيجة الغضب العجب والكبر، ونتيجة الهوى الكفر والبدعة.

ويحصل من اجتماع هذه الست في بني آدم خصلة سابعة هي الحسد وهو نهاية الأخلاق الذميمة، كما أن الشيطان هو النهاية في الأشخاص المذمومة، ولهذا السبب ختم الله  مجامع الشرور الإنسانية بالحسد في قوله  : ﴿ ومن شر حاسد إذا حسد  ﴾ كما ختم جوامع الخبائث الشيطانية بالوسوسة في قوله ﴿ يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس  ﴾ روي أن إبليس أتى باب فرعون وقرع الباب فقال فرعون: من هذا؟

قال: إبليس ولو كنت إلهاً ما جهلت.

فلما دخل قال فرعون: أتعرف في الأرض شراً مني ومنك؟

قال: نعم، الحاسد، وبالحسد وقعت فيما وقعت.

ثم نقول: الأسماء الثلاثة في التسمية دافعة للأخلاق الثلاثة الأصلية، والآيات السبع التي هي الفاتحة دافعة للأخلاق السبعة، بيان ذلك من عرف الله تباعد عنه شيطان الهوى ﴿ أفرأيت من اتخذ إلهه هواه  ﴾ يا موسى خالف هواك فإني ما خلقت خلقاً نازعني في ملكي إلا هواك.

ومن عرف أنه رحمن لم يغضب لأن منشأ الغضب طلب الولاية والولاية للرحمن ﴿ الملك يومئذ الحق للرحمن  ﴾ ومن عرف أنه رحيم صحح نسبته إليه فلا يظلم نفسه ولا يلطخها بالأفعال البهيمية.

وأما الفاتحة فإذا قال "الحمد لله" فقد شكر الله واكتفى بالحاصل فزالت شهوته، ومن عرف أنه رب العالمين زال حرصه فيما لم يجد وبخله فيما وجد، ومن عرف أنه ﴿ مالك يوم الدين ﴾ بعد أن عرف إنه ﴿ الرحمن الرحيم ﴾ زال غضبه، ومن قال: ﴿ إياك نعبد وإياك نستعين ﴾ زال كبره بالأول وعجبه بالثاني، وإذا قال ﴿ اهدنا الصراط المستقيم ﴾ اندفع عنه شيطان الهوى، وإذا قال ﴿ صراط الذين أنعمت عليهم ﴾ زال عنه كفره، وإذا قال ﴿ غير المغضوب عليهم ولا الضالين ﴾ اندفعت بدعته، وإذا زالت عنه الأخلاق الستة اندفع عنه الحسد، ثم إن جملة القرآن كالنتائج والشعب من الفاتحة وكذا جميع الأخلاق الذميمة كالنتائج والشعب من تلك السبعة، فلا جرم القرآن كله كالعلاج لجميع الأخلاق الذميمة.

وهنا نكتة دقيقة تتعلق بالرب والإله وبسببها ختم القرآن عليها، كأنه قال: إن أتاك الشيطان من قبل الشهوة فقل أعوذ برب الناس، وإن أتاك من قبل الغضب فقل ملك الناس، وإن أتاك من قبل الهوى فقل إله الناس.

المنهج الثالث: في أن سورة الفاتحة جامعة لكل ما يفتقر إليه الإنسان في معرفة المبدأ والوسط والمعاد "الحمد لله" إشارة إلى إثبات الصانع المختار العليم الحكيم المستحق للحمد والثناء والتعظيم.

"رب العالمين" يدل على أن ذلك الإله واحد وأن كل العالمين ملكه وملكه وليس في العالم إله سواه، ولهذا جاء في القرآن الاستدلال بخلق الخلائق كثيراً ﴿ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت  ﴾ ﴿ الذي خلقني فهو يهدين  ﴾ ﴿ ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى  ﴾ ﴿ ربكم ورب آبائكم الأولين  ﴾ ﴿ اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم  ﴾ ﴿ اقرأ باسم ربك الذي خلق.

خلق الإنسان من علق  ﴾ وهذه الحالة كما أنها في نفسها دليل على وجود الرب فكذلك هي في نفسها إنعام عظيم، وذلك أن تولد الأعضاء المختلفة الطبائع والصور من النطفة المتشابهة الأجزاء لا يمكن إلا إذا قصد الخالق إيجاد تلك الأعضاء على تلك الصور والطبائع، وكل منها مطابق للمطلوب وموافق للغرض كما يشهد به علم تشريح الأبدان.

فلا أحق بالحمد والثناء من هذا المنعم المنان الكريم الرحمن الرحيم الذي شمل إحسانه قبل الموت وعند الموت وبعد الموت.

﴿ مالك يوم الدين ﴾ يدل على أن من لوازم حكمته ورحمته أن يقدر بعد هذا اليوم يوماً آخر يظهر فيه تمييز المحسن من المسيء والمظلوم من الظالم، وههنا تمت معرفة الربوبية.

ثم إن قوله "إياك نعبد" إشارة إلى الأمور التي لا بد من معرفتها في تقرير العبودية وهي نوعان: الأعمال والآثار المتفرعة على الأعمال أما الأعمال فلها ركنان: أحدهما الإتيان بالعبادة وهو قوله "إياك نعبد" والثاني علمه بأنه لا يمكنه ذلك إلا بإعانة الله وهو قوله "وإياك نستعين".

وأما الآثار المتفرعة على الأعمال فهي حصول الهداية والتحلي بالأخلاق الفاضلة المتوسطة بين الطرفين المستقيمة بين المنحرفين ﴿ اهدنا الصراط المستقيم ﴾ إلى آخره وفي قوله ﴿ صراط الذين أنعمت عليهم ﴾ دليل على أن الاستضاءة بأنوار أرباب الكمال خلة محمودة وسنة مرضية "هم القوم لا يشقى بهم جليسهم" ﴿ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله  ﴾ وفي قوله ﴿ غير المغضوب عليهم ولا الضالين ﴾ إشارة إلى أن التجنب عن مرافقة أصحاب البدع والأهواء واجب.

عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه *** فكل قرين بالمقارن يقتدي والجمر يوضع في الرماد فيخمد *** المنهج الرابع: قال  حكاية عن الله عز وجل قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فإذا قال العبد ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ يقول الله: ذكرني عبدي.

وإذا قال: ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾ يقول الله: حمدني عبدي وإذا قال: "الرحمن الرحيم" يقول الله: عظمني عبدي.

وإذا قال: ﴿ مالك يوم الدين ﴾ يقول الله: مجدني عبدي - وفي رواية فوض إلي عبدي - وإذا قال: "إياك نعبد" يقول الله: عبدني عبدي وإذا قال: "وإياك نستعين" يقول الله: توكّل عليّ عبدي - وفي رواية وإذا قال: ﴿ اهدنا الصراط المستقيم ﴾ يقول الله: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل فقوله "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي" إشارة إلى أن أهم مهمات العبد أن يستنير قلبه بمعرفة الربوبية ثم بمعرفة العبودية، لأنه إنما خلق لرعاية هذا العهد ﴿ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون  ﴾ ﴿ وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم  ﴾ فلا جرم أنزل الله  هذه السورة جامعة لكل ما يحتاج إليه العبد في الوفاء بذلك العهد وقوله "إذا قال العبد: بسم الله الرحمن الرحيم يقول الله ذكرني عبدي" مناسب لقوله  ﴿ فاذكروني أذكركم ﴾ "أنا جليس من ذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه" والذكر مقام عالٍ شريف ذكره الله  في القرآن كثيراً ﴿ يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً  ﴾ ﴿ واذكر ربك في نفسك  ﴾ ﴿ تذكروا فإذا هم مبصرون  ﴾ ﴿ الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم  ﴾ ولهذا وقع الإبتداء به.

وقوله "ذكرني عبدي" دل على أن ذاته المخصوصة صارت مذكورة بقوله ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ وهذا يدل على أن الله اسم علم.

وقوله "إذا قال: الله رب العالمين يقول الله: حمدني عبدي" يدل على أن مقام الحمد أعلى من مقام الذكر لأنه أول كلام في أول خلق العالم حيث قالت الملائكة: ﴿ ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك  ﴾ وآخر كلام في الجنة ﴿ وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين  ﴾ ولأن الفكر في ذات الله  غير ممكن "تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا في الله" وكل من تفكر في مخلوقاته ومصنوعاته كان وقوفه على رحمته وفضله وإحسانه أكثر فيحمد الله  أكثر، فقوله "حمدني عبدي" شهادة من الله  على وقوف العبد بعقله وفكره على وجوه فضله وإنعامه في ترتيب العالم وتربية العالمين، وأنه أقر بقلبه ولسانه بكرمه وإحسانه.

قوله "وإذا قال: الرحمن الرحيم" "يقول الله: عظمني عبدي" يدل ذلك على أن الإله الكامل المكمل المنزه عن الشريك والنظير والمثل والند والضد، هو في غاية الرحمة والفضل والكرم مع عباده.

ولا شك أن غاية ما يصل العقل والفهم والوهم إليه من تصور معنى الكمال والجلال ليس إلا هذا المقام وهو التعظيم لله.

وقوله "وإذا قال: مالك يوم الدين يقول الله: مجدني عبدي" أي نزهني وقدسني عن الظلم وعن شبهة الظلم حيث قضيت معاداً يحشر إليه العباد ويقضي فيه بين الظالم والمظلوم والقوي والضعيف.

أيحسب الظالم في ظلمه *** أهمله القادر أم أمهلا ما أهملوه بل لهم موعد *** لن يجدوا من دونه موئلا وقوله "وإذا قال العبد إياك نعبد وإياك نستعين قال الله هذا بيني وبين عبدي" معناه أن "إياك نعبد" يدل على إقدام العبد على الطاعة والعبادة ولا يتم ذلك إلا بإعانة الله بخلق داعية فيه خالصة عن المعارض، فإن العبد غير مستقل بالإتيان بذلك العمل فهو المراد من قوله "وإياك نستعين" وقوله "وإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم يقول الله: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل" تقريره أن أهل العلم مختلفون بالنفي والإثبات في جميع المسائل الإلهية أو أكثرها، وفي المعاد والنبوات وغيرها مع استواء الكل في العقل والنظر.

فالاهتداء إلى ما هو الحق في الأمر نفسه ليس إلا بهداية الله  وإرشاده كما قالت الملائكة ﴿ سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا  ﴾ وقال إبراهيم  ﴿ لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين  ﴾ وقال موسى ﴿ رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري  ﴾ .

المنهج الخامس: آيات الفاتحة سبع والأعمال المحسوسة في الصلاة أيضاً سبعة: القيام والركوع والانتصاب منه والسجود الأول والانتصاب منه والسجود الثاني والقعدة.

فهذه الأعمال كالشخص والفاتحة لها كالروح، وإنما يحصل الكمال عند اتصال الروح بالجسد، فقوله ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ بإزاء القيام، ألا ترى أن الباء في بسم الله لما اتصل باسم الله حصل قائماً مرتفعاً.

وأيضاً التسمية لبداية الأمور "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه باسم الله أبتر" والقيام أيضاً أول الأعمال.

وقوله ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾ بإزاء الركوع لأن الحمد في مقام التوحيد نظراً إلى الحق وإلى الخلق والمنعم والنعمة، لأنه الثناء على الله بسبب الإنعام الصادر منه إلى العبد، فهو حالة متوسطة بين الإعراض والاستغراق، كما أن الركوع متوسط بين القيام والسجود، وأيضاً ذكر النعم الكثيرة مما يثقل الظهر فينحني وقوله "الرحمن الرحيم" مناسب للانتصاب، لأن العبد لما تضرع إلى الله بالركوع فاللائق برحمته أن يرده إلى الانتصاب ولهذا قال  : "إذا قال العبد: سمع الله لمن حمده نظر الله إليه بالرحمة" وقوله ﴿ مالك يوم الدين ﴾ مناسب للسجدة الأولى لدلالته على كمال القهر والجلال والكبرياء وذلك يوجب الخوف الشديد المستتبع لغاية الخضوع.

وقوله ﴿ إياك نعبد وإياك نستعين ﴾ مناسب للقعدة بين السجدتين لأن إياك نعبد إخبار عن السجدة التي تقدمت و "إياك نستعين" استعانة بالله في أن يوفقه للسجدة الثانية، وقوله ﴿ اهدنا الصراط المستقيم ﴾ سؤال لأهم الأشياء فيليق به السجدة الثانية ليدل على نهاية الخشوع.

وقوله ﴿ صراط الذين أنعمت عليهم ﴾ إلخ.

مناسب للقعود لأن العبد لما أتى بغاية التواضع قابله الله بالإكرام والقعود بين يديه وحينئذ يقرأ "التحيات لله" كما أن محمداً  قرأها في معراجه فالصلاة معراج المؤمن.

المنهج السادس: آيات الفاتحة سبع وأعمال الصلاة المحسومة سبعة كما تقدم، ومراتب خلق الإنسان سبع ﴿ ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاماً فكسونا العظام لحماً ثم أنشأناه خلقاً آخر فتبارك الله أحسن الخالقين ﴾ \[المؤمنون: 12 - 14\] فنور آيات الفاتحة يسري إلى الأعمال السبعة، ونور الأعمال السبعة يسري إلى هذه المراتب فيحصل في القلب نور على نور، ثم ينعكس إلى وجه المؤمن "من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار".

المنهج السابع: إنه كان لرسول الله  معراجان: من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ثم من المسجد الأقصى إلى عالم الملكوت.

هذا في عالم الحس، وأما في عالم الأرواح، فمن الشهادة إلى الغيب، ثم من الغيب إلى غيب الغيب، فهذا بمنزلة قوسين متلاصقين، فتخطاهما محمد  فكان قاب قوسين.

وقوله "أو أدنى" إشارة إلى فنائه في نفسه.

والمراد بعالم الشهادة كل ما يتعلق بعالم الجسم والجسمانيات، وبعالم الأرواح ما فوق ذلك من الأرواح السفلية، ثم المتعلقة بسماء سماء إلى الملائكة الحافين من حول العرش، ثم إلى حملة العرش ومن عند الله الذين طعامهم ذكر الله وشرابهم محبته وأنسهم بالثناء عليه ولذتهم في خدمته ﴿ لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون يسبحون الليل والنهار لا يفترون  ﴾ وهكذا يتصاعد إلى أن ينتهي إلى نور الأنوار وروح الأرواح ولا يعلم تفاصيلها إلا الله أو من ارتضاه، والمقصود أن نبينا  لما عرج وأراد أن يرجع قال رب العزة: المسافر إذا عاد إلى وطنه أتحف أصحابه وإن تحفة أمتك الصلاة الجامعة بين المعراجين الجسماني بالأفعال والروحاني بالأذكار.

فليكن المصلي ثوبه طاهراً وبدنه طاهراً لأنه بالوادي المقدس طوى.

وأيضاً عنده ملك وشيطان، ودين ودنيا، وعقل وهوى، وخير وشر، وصدق وكذب، وحق وباطل، وحلم وطيش، وقناعة وحرص، وسائر الأخلاق المتضادة والصفات المتنافية، فلينظر أيها يختار فإنه إذا استحكمت المرافقة تعذرت المفارقة، اختار الصديق صحبة محمد  فلم يفارقه في الدنيا وفي القبر ويكون معه في القيامة وفي الجنة، وصحب كلب أصحاب الكهف فلزمهم في الدنيا والآخرة قال  : ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين  ﴾ ثم إذا تطهر فليرفع يديه إشارة إلى توديع الدنيا والآخرة وليوجه قلبه وروحه وسره إلى الله ثم ليقل "الله أكبر" أي من كل الموجودات بل هو أكبر من أن يقاس إليه غيره بأنه أكبر منه، ثم ليقل "سبحانك اللهم وبحمدك" وفي هذا المقام ينكشف له نور سبحات الجلال، ثم ليقل "تبارك اسمك" إشارة إلى الدوام المنزه عن الإفناء والإعدام ليطالع حقيقة الأزل في القدم وحقيقة الأبد في البقاء، فيتجلى له نور الأزل والأبد، ثم ليقل "وتعالى جدك" إشارة إلى أنه أعلى وأعظم من أن تكون صفات جلاله ونعوت كماله محصورة في القدر المذكور، ثم ليقل "ولا إله غيرك" إشارة إلى أن صفات الجلال وسمات الكمال له  لا لغيره فهو الكامل الذي لا كامل إلا هو وفي الحقيقة لا هو إلا هو، وههنا بكل اللسان وتدهش الألباب، ثم عد أيها المصلي إلى نفسك وحالك وقل "وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض" فقولك "سبحانك اللهم وبحمدك" معراج الملائكة المقربين حيث قالوا ﴿ ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك  ﴾ وهو أيضاً معراج محمد  لأن معراجه مفتتح بقوله "سبحانك اللهم وبحمدك" وقوله "وجهت وجهي" معراج الخليل  ، وقولك "إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي" معراج الحبيب محمد  .

فقد جمع المصلي بين معراج الملائكة المقربين ومعراج عظماء الأنبياء والمرسلين ثم إذا فرغت من هذه الحالة فقل "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" لتدفع العجب عن نفسك، وفي هذه المقام يفتح لك أحد أبواب الجنة وهو باب المعرفة، وبقولك ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ يفتح باب الذكر، وبقولك ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾ يفتح باب الشكر، وبقولك "الرحمن الرحيم" يفتح باب الرجاء، وبقولك ﴿ مالك يوم الدين ﴾ يفتح باب الخوف، وبقولك ﴿ إياك نعبد وإياك نستعين ﴾ يفتح باب الإخلاص المتولد من معرفة العبودية ومعرفة الربوبية وبقولك ﴿ اهدنا الصراط المستقيم ﴾ يفتح باب الدعاء والتضرع ﴿ ادعوني استجب لكم  ﴾ وبقولك: ﴿ صراط الذين أنعمت عليهم ﴾ الخ.

يفتح باب الاقتداء بالأرواح الطيبة والاهتداء بأنوارهم، فجنات المعارف الربانية انفتحت لك أبوابها الثمانية بهذه المقاليد الروحانية، فهذا بيان المعراج الروحاني في الصلاة، وأما الجسماني فأولى المراتب أن تقوم بين يدي الله كقيام أصحاب الكهف ﴿ إذ قاموا فقالوا ربنا رب السموات والأرض  ﴾ بل قيام أهل القيامة ﴿ يوم يقوم الناس لرب العالمين  ﴾ ثم اقرأ "سبحانك اللهم وبحمدك" ثم "وجهت وجهي" ثم "الفاتحة" وبعدها "ما تيسر لك من القرآن" واجتهد في أن تنظر من الله إلى عبادتك حتى تستحقرها، وإياك أن تنظر من عبادتك إلى الله فإنك إن فعلت ذلك صرت من الهالكين وهذا سر قوله: ﴿ إياك نعبد وإياك نستعين ﴾ واعلم أن نفسك إلى الآن جارية مجرى خشية عرضتها على نار خوف الجلال فلانت، فاجعلها منحنية بالركوع ثم اتركها لتستقيم مرة أخرى، فإن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق ولا تبغض طاعة الله إلى نفسك "فإن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى" فإذا عادت إلى استقامتها فانحدر إلى الأرض بغاية التواضع واذكر ربك بغاية العلو وقل: "سبحان ربي الأعلى" فإذا سجدت ثانية حصل لك ثلاثة أنواع من الطاعة...

ركوع واحد وسجدتان، فبالركوع تنجو من عقبة الشهوات، وبالسجود الأول من عقبة الغضب الذي هو رئيس المؤذيات، وبالسجود الثاني تنجو من عقبة الهوى الداعي إلى كل المضلات.

فإذا تجاوزت هذه الصفات وتخلصت عن هذه الدركات، وصلت إلى الدرجات العاليات وملكت الباقيات الصالحات، وانتهيت إلى عقبة جلال مدبر الأرض والسموات، فقل عند ذلك "التحيات المباركات" باللسان، و "الصلوات" بالأركان و "الطيبات" بالجنان وقوة الإيمان بالله، فيصعد نور روحك وينزل نور روح محمد  فيتلاقى الروحان ويحصل هناك الروح والريحان فقل "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته" فعند ذلك يقول محمد  "السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين" فكأنه قيل لك: بم نلت هذه الكرامات؟

فقل: بقولي: "أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له واشهد أن محمداً رسول الله" فقيل: إن محمداً الذي هداك أي شيء هديتك له  ؟

فقل "اللهم صل على محمد وآل محمد"، فقيل لك: إن إبراهيم  وهو الذي قال ﴿ ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم  ﴾ فما جزاؤك له  ؟

فقل "كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين" فيقال لك: هذه الخيرات من محمد وإبراهيم أو من الله؟

فقل: بل من الحميد المجيد "إنك حميد مجيد".

ثم إن العبد إذا ذكر الله  بهذه الأثنية والمدائح ذكره الله  في محافل الملائكة "إذا ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير من ملئه" فإذا سمع الملائكة ذلك اشتاقوا إلى العبد فقال الله  : إن الملائكة اشتاقوا إلى زيارتك وقد جاؤوك زائرين فابدأ بالسلام عليهم لتكون من السابقين، فقل عن اليمين وعن الشمال "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته" فلا جرم إذا دخل المصلون الجنة فالملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتهم فنعم عقبى الدار.

المنهج الثامن: أعظم المخلوقين جلالة ومهابة المكان والزمان، فالمكان فضاء لا نهاية له، وخلاء لا غاية له، والزمان امتداد وهمي شبيه بنهر خرج من قعر جبل الأزل فامتد ودخل في قعر الأبد، فلا يعرف لانفجاره مبدأ ولا لاستقراره منزل.

فالأول والآخر صفة الزمان، والظاهر والباطن صفة المكان، وكمال هذه الأربعة "الرحمن الرحيم" فالحق  وسع المكان ظاهراً وباطناً، ووسع الزمان أولاً وآخراً، وهو منزه عن الافتقار إلى المكان والزمان، فإنه كان ولا مكان ولا زمان، فعقد المكان بالكرسي ﴿ وسع كرسيه السموات والأرض  ﴾ وعقد الزمان بالعرش ﴿ وكان عرشه على الماء  ﴾ لأن جري الزمان يشبه جري الماء، فالعلو صفة الكرسي ﴿ وسع كرسيه  ﴾ والعظمة صفة العرش ﴿ رب العرش العظيم  ﴾ وكمال العلو والعظمة لله ﴿ ولا يؤده حفظهما وهو العلي العظيم  ﴾ والعلو والعظمة درجتان من درجات الكمال إلا أن العظمة أقوى وفوق الكل درجة الكبرياء "الكبرياء ردائي والعظمة إزاري" ولا يخفى أن الرداء أعظم من الإزار وفوق جميع الصفات صفة الجلال وهي تقدسه في هويته المخصوصة عن مناسبة الممكنات وبه استحق الإلهية، ولهذا قال  : "ألظوا بيا ذا الجلال والإكرام" وفي التنزيل ﴿ ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام  ﴾ فالمصلي يبتغي وجه الله، والداخل على السلطان يجب أن يتطهر من الأدناس والأرجاس، وأولى المراتب التطهر من دنس الذنوب ﴿ توبوا إلى الله توبة نصوحاً  ﴾ ثم من الدنيا حلالها وحرامها وهو الزهد، ثم من الكونين الدنيا والآخرة وهو مقام المعرفة، ثم من الالتفات إلى أعماله وهو مقام الإخلاص، ثم من الالتفات إلى عدم الالتفات وهو مقام المحسنين، ثم من الالتفات إلى كل ما سوى الله وهو مقام الصديقين، ثم قم قائماً ﴿ فأقم وجهك للدين حنيفاً  ﴾ واستحضر في نفسك جميع أقسام العالم من الروحانيات والجسمانيات فقل "الله أكبر" أي من الكل كما مر، أو من لا يراني ولا يسمع كلامي كما قال النبي  "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك" أو أكبر من أن تصل إليه عقول الخلق وأفهامهم كما قال علي بن أبي طالب  : التوحيد أن لا تتوهمه أو أكبر من أن يقدر الخلق على قضاء حق عبوديته فإذا قلت "الله أكبر" فأجل طرف عقلك في ميادين جلال الله وقل "سبحانك اللهم وبحمدك" ثم قل "وجهت وجهي" ثم انتقل إلى عالم الأمر والتكليف واجعل سورة الفاتحة مرآة لكي تبصر فيها عجائب الدنيا والآخرة، وتطلع منها على أنوار أسماء الله الحسنى وصفاته العليا والأديان السالفة والكتب الإلهية والشرائع النبوية فتصل إلى الشريعة ومنها إلى الطريقة ومنها إلىالحقيقة وتشاهد درجات الكاملين ودركات الناقصين، فإذا قلت ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ أبصرت به الدنيا فباسمه قامت السموات والأرضون، وإذا قلت ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾ أبصرت به الآخرة فبالحمد قامت الآخرة ﴿ وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين  ﴾ وإذا قلت ﴿ الرحمن الرحيم ﴾ أبصرت به عالم الجمال المشتمل على أصول النعم وفروع النوال، وإذا قلت ﴿ مالك يوم الدين ﴾ أبصرت به عالم الجلال وما يحصل هناك من الأحوال والأهوال، وإذا قلت "إياك نعبد" أبصرت به عالم الشريعة، وإذا قلت "وإياك نستعين" أبصرت به عالم الطريقة، وإذا قلت ﴿ اهدنا الصراط المستقيم ﴾ أبصرت به عالم الحقيقة وإذا قلت ﴿ صراط الذين أنعمت عليهم ﴾ أبصرت به درجات أرباب السعادات وأصحاب الكرامات، وإذا قلت ﴿ غير المغضوب عليهم ولا الضالين ﴾ لاحظت دركات أهل التفريط والإفراط فإذا انكشفت لك هذه المقامات فلا تظن أنك قد بلغت الغايات بل عد إلى الإقرار للحق بالكبرياء ولنفسك بالهوان وقل "الله أكبر" ثم انزل من صفة الكبرياء إلى العظمة وقل "سبحان ربي العظيم" ثم انتصب ثانياً وادع لمن وقف موفقك وحمد حمدك وقل "سمع الله لمن حمده" فإنك إذا سألتها لغيرك وجدتها لنفسك فالله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه المسلم.

ولا تكبير في هذا المقام لأن التكبير من الكبرياء والهيبة والخوف وهذا مقام الشفاعة، ثم عد إلى التكبير وانحدر به إلى غاية العلو وقل "سبحان ربي الأعلى" لأن السجود أكثر تواضعاً.

روي أن لله ملكاً تحت العرش اسمه حزقيل.

فأوحى إليه أيها الملك طر فطار ثلاثين ألف سنة، ثم ثلاثين ألف سنة، فلم يبلغ من أحد طرفي العرش إلى الثاني فأوحى الله إليه: لو طرت إلى نفخ الصور لم تبلغ إلى الطرف الثاني من العرش.

فقال الملك عند ذلك: سبحان ربي الأعلى.

أما فوائد السجدتين فالأولى الأزل والثانية الأبد، والقعدة بينهما هي الدنيا، فتعرف بأزليته أنه لا أول له فتسجد له، وبأبديته أنه لا آخر له فتسجد له ثانياً.

وأيضاً الأولى فناء الدنيا في الآخرة، والثانية فناء الآخرة في جلال الله تعالى، وأيضاً الأولى فناء الكل في أنفسها، والثانية بقاؤها ببقائه، وأيضاً الأولى انقياد عالم الشهادة لقدرته، والثانية انقياد عالم الأرواح لعزته ﴿ ألا له الخلق والأمر  ﴾ وأيضاً الأولى سجدة الشكر بمقدار ما أعطانا من معرفة ذاته وصفاته، والثانية سجدة الخوف مما فاتنا من أداء حقوق كبريائه.

وأيضاً صلاة القاعدة على النصف من صلاة القائم فتواضع السجدتين بإزاء تواضع ركوع واحد، وأيضاً ليكونا شاهدين للعبد على أداء العبادة، وأيضاً ليناسب الوجود الأخذ من الوحدة إلى الكثرة ومن الفردية إلى الزوجية، وأيضاً الانتصاب صفة الإنسان والانحناء صفة الأنعام والجثوم صفة النبات.

ففي الركوع هضم للنفس بمرتبة واحدة، وفي السجود بمرتبتين، ولعل ما فاتنا من الفوائد أكثر مما أدركنا.

المنهج التاسع في اللطائف: عن النبي  أن إبراهيم  سأل ربه فقال: ما جزاء من حمدك؟

فقال  : الحمد لله فاتحة الشكر وخاتمته.

فقال أهل التحقيق: من ههنا جعلها الله فاتحة كتابه وخاتمة كلام أحبائه في جنته ﴿ وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين  ﴾ وعن علي  أن أول ما خلق الله العقل من نوره المكنون، ثم قال له: تكلم فقال: الحمد لله فقال الرب: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً أعز عليّ منك.

ونقل عن آدم  لما عطس قال: الحمد لله فأول كلام لفاتحة المحدثات الحمد، وأول كلام لخاتمة المحدثات الحمد، فلا جرم جعلها الله  فاتحة كتابه.

وأيضاً أول كلام الله "الحمد لله" وآخر أنبيائه محمد رسول الله  وبين الأول والآخر مناسبة، فجعل "الحمد لله" أول آية من كتاب محمد رسول الله، ولما كان كذلك وضع لمحمد رسول الله من كلمة الحمد اسمان: محمد وأحمد.

وعند هذا قال  "أنا في السماء أحمد وفي الأرض محمد" فأهل السماء في تحميد الله ورسوله أحمدهم، والله  في تحميد أهل الأرض كما قال: ﴿ فأولئك كان سعيهم مشكوراً  ﴾ ورسول الله محمدهم.

أخرى: الحمد لا يحصل إلا عند الفوز بالرحمة والنعمة، فلما كان الحمد أول الكلمات وجب أن تكون النعمة والرحمة أول الأفعال فلهذا قال "سبقت رحمتي غضبي" أخرى: أن رسول الله  اسمه أحمد أي أكثر الحامدين حمداً فوجب أن تكون رحمة الله في حقه أكثر فلهذا جاء رحمة للعالمين.

أخرى: إن من أسماء رسول الله  سوى اسمه محمد وأحمد الحامد والمحمود على ما جاء في الروايات، وكلها تدل على الرحمة، لأن الحمد يتضمن النعمة فقال  : ﴿ نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم  ﴾ فقوله "نبئ" إشارة إلى محمد وهو مذكور قبل العباد، والياء في قوله "عبادي" ضمير الله  .

وكذا في "أني" و "أنا" و "الغفور" و "الرحيم" صفتان لله، فالعبد يمشي يوم القيامة وقدامه الرسول  مع خمسة أسماء تدل على الرحمة، وخلفه خمسة ألفاظ من أسماء الله  تدل على الرحمة، ورحمة الرسول كثيرة ﴿ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين  ﴾ ورحمة الله  غير متناهية ﴿ ورحمتي وسعت كل شيء  ﴾ فكيف يضيع المذنب فيما بين هذه الأصناف من الرحمة؟!.

أخرى: في الفاتحة عشرة أشياء، خمسة من صفات الربوبية: الله الرب الرحمن الرحيم المالك، وخمسة من صفات العبودية: العبادة الاستعانة طلب الهداية طلب الاستقامة طلب النعمة في قوله "أنعمت عليهم" وكأنه قيل "إياك نعبد" لأنك أنت الله "وإياك نستعين" يا رب اهدنا يا رحمن، وارزقنا الاستقامة يا رحيم، وأفض علينا سجال فضلك يا مالك.

أخرى: الإنسان مركب من خمسة أشياء: بدن ونفس شيطانية ونفس سبعية ونفس بهيمية وجوهر ملكي عقلي.

فتجلى اسم الله للجوهر الملكي فاطمأن إليه ﴿ ألا بذكر الله تطمئن القلوب  ﴾ وتجلى للنفس الشيطانية باسم الرب فلان وانقاد لطاعة الديان ﴿ رب أعوذ بك من همزات الشياطين ﴾ \[المؤمنون: 97\] وتجلى للنفس السبعية باسم الرحمن وهو مركب من القهر واللطف ﴿ الملك يومئذ الحق للرحمن  ﴾ فترك الخصومة والعدوان.

وتجلى للنفس البهيمية باسم الرحيم ﴿ أحل لكم الطيبات  ﴾ فترك العصيان، وتجلى للأبدان بصفة القهر والمالكية لأن البدن غليظ كثيف فيحتاج إلى قهر شديد ﴿ لمن الملك اليوم لله الواحد القهار  ﴾ فدان.

فلمكان هذه التجليات انغلقت له أبواب النيران وفتحت عليه أبواب الجنان ورجع القهقرى كما جاء، فلطاعة الأبدان قال: "إياك نعبد" ولطاعة النفس البهيمية قال: "وإياك نستعين" على ترك اللذات وارتكاب المنكرات، ولطاعة النفس السبعية قال: "اهدنا وأرشدنا وعلى دينك ثبتنا" ولطاعة النفس الشيطانية طلب الاستقامة فقال: ﴿ اهدنا الصراط المستقيم ﴾ ولجوهره العقلي الملكي طلب مرافقة الأرواح المقدسة لا المدنسة فقال: ﴿ صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ﴾ .

أخرى: بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت فشهادة أن لا إله إلا الله من تجلي نور اسم الله، وإقام الصلاة من تجلي نور اسم الرب لأن الرب من التربية، والعبد يربي أمانة عدد الصلاة، وإيتاء الزكاة من تجلي اسم الرحمن لأن الزكاة سببها الرحمة على الفقراء، وصوم رمضان من تجلي اسم الرحيم لأن الصائم إذا جاع يذكر جوع الفقراء فيعطيهم (يحكى) أن يوسف حين تمكن من مصر كان لا يشبع فقيل له في ذلك؟

فقال: أخاف أن أشبع فأنسى الجياع.

وأيضاً الصائم يرحم نفسه لأنه إذا جاع حصل له فطام عن الالتذاذ بالمحسوسات، فعند الموت يسهل عليه مفارقتها.

ووجوب الحج من تجلي اسم "مالك يوم الدين" لأن الحج يوجب هجرة الوطن ومفارقة الأهل والولد وذلك يشبه سفر القيامة.

وأيضاً الحاج يكون عارياً حافياً حاسراً وهو يشبه أحوال القيامة.

أخرى: الحواس خمس ولكل أدب فأدب البصر ﴿ ما زاغ البصر وما طغى  ﴾ ﴿ فاعتبروا يا أولي الأبصار  ﴾ وأدب السمع ﴿ الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه  ﴾ وأدب الذوق ﴿ يا أيها الرسل كلوا من الطيبات ﴾ \[المؤمنون: 51\] وأدب الشم ﴿ إني لأجد ريح يوسف  ﴾ وأدب المس ﴿ والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم ﴾ \[المؤمنون: 6\] فاستعن بأنوار الأسماء الخمسة: الله الرب الرحمن الرحيم المالك، على تأديب هذه الحواس الخمس.

أخرى: الشطر الأول من الفاتحة مشتمل على الأسماء الخمسة لله فيفيض أنوارها على الأسرار، والشطر الثاني مشتمل على الصفات الخمس للعبد فتصعد منها أسراره إلى تلك الأنوار ويحصل للعبد معراج في قراءته، وتقرير الأسرار أن حاجة العبد إما لدفع ضر أو جلب خير، وكل منهما إما في الدنيا وإما في الآخرة، فهذه أربعة، وههنا قسم خامس هو الأشرف وذلك الإقبال على طاعة الله وعبوديته لا لأجل رغبة أو رهبة، فإن شاهدت نور اسم الله لم تطلب منه شيئاً سوى الله، وإن طالعت نور الرب طلبت منه خيرات الجنة، وإن طالعت نور الرحمن طلبت منه خيرات الدنيا، وإن طالعت نور الرحيم طلبت منه العصمة عن مضار الآخرة، وإن طالعت نور "مالك يوم الدين" طلبت منه الصون عن آفات الدنيا الموقعة في عذاب الآخرة أعاذنا الله منها.

أخرى: للتجلي ثلاث مراتب: تجلي الذات ﴿ قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون  ﴾ وهذا لعظماء الأنبياء والملائكة المقربين وهذه نهاية الأحوال ويدل عليه اسم الله، وتجلي الصفات وهو في أواسط الأحوال ويكون للأولياء وأولي الألباب ﴿ الذين يتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً  ﴾ ويدل عليه اسم الرحمن.

وتجلي الأفعال والآيات وهو في بداية الأحوال ويكون لعامة العباد ﴿ الذي جعل لكم الأرض مهداً وسلك لكم فيها سبلاً وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به أزواجاً من نبات شتى كلوا وارعوا أنعامكم إن في ذلك لآيات لأولي النهي  ﴾ ويدل علي لفظ الرحيم ﴿ ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلماً  ﴾ .

أخرى: في الفاتحة كلمتان مضافتان إلى اسم الله "بسم الله" و "الحمد لله" بسم الله لبداية الأمور والحمد لله لخواتيم الأمور، "بسم الله" ذكر "والحمد لله" شكر بسم الله أستحق الرحمة رحمن الدنيا، وبالحمد لله أستحق رحمة أخرى رحيم الآخرة.

كلمتان أضيف إليهما اسمان لله "رب العالمين" "مالك يوم الدين" فالربوبية لبداية حالهم ﴿ ألست بربكم قالوا بلى  ﴾ والملك لنهاية حالهم ﴿ لمن الملك اليوم لله الواحد القهار  ﴾ وبينهما اسمان مطلقان لوسط حالهم "الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء".

المنهج العاشر: للخلق خمس أحوال: أولها: الإيجاد والتكوين والإبداع ويدل عليه اسم الله.

وثانيها: التربية في مصالح الدنيا ويدل عليه اسم الرب.

وثالثها: التربية في معرفة المبدأ ويدل عليها اسم الرحمن.

ورابعها: في معرفة المعاد ويدل عليها اسم الرحيم كي يقدم على ما ينبغي ويحجم عما لا ينبغي.

وخامسها: نقل الأرواح من عالم الأجساد إلى المعاد ويدل عليه اسم "مالك يوم الدين" ثم إن العبد إذا انتفع بهذه الأسماء صار من أهل المشاهدة فقال: "إياك نعبد" لأنك أنت الله الخالق "وإياك نستعين" لأنك أنت الرب الرازق "إياك نعبد" لأنك الرحمن "وإياك نستعين" لأنك الرحيم "إياك نعبد" لأنك الملك "وإياك نستعين" لأنك المالك، "إياك نعبد" لأنا ننتقل من دار الشرور إلى دار السرور ولا بد من زاد وخير الزاد العبادة، "وإياك نستعين" لأن الذي نكتسب بقوتنا وقدرتنا لا يكفينا فإن السفر طويل والزاد قليل.

ثم إذا حصل الزاد بإعانتك فالشقة شاسعة والطرق كثيرة، فلا طريق إلا أن يطلب الطريق ممن هو بإرشاد السالكين حقيق ﴿ اهدنا الصراط المستقيم ﴾ .

ثم إنه لا بد لسالك الطريق الطويل من رفيق ودليل ﴿ صراط الذين أنعمت عليهم ﴾ فالأنبياء أدلاء والصديقون والشهداء والصالحون رفقاء، غير المغضوب عليهم ولا الضالين لأن الحجب قسمان: نارية وهي الدنيا بما فيها، ونورية وهي ما سواها.

اللهم ادفع عنا كل ما يحجب بينك وبيننا إنك رب العالمين ومالك يوم الدين.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

التَّسْمِيةُ هِيَ آيةٌ مِنَ الْقُرْآن، وَلَيْسَتْ مِنْ فاتِحةِ الكِتاب.

دليل جعلها آية: ما روي عن النبي  أنه قال لأبيِّ بن كعب: "لأُعلِّمنَّكَ آيةً لَمْ تَنْزِلْ عَلَى أَحَدٍ قَبْلِي إِلاَّ عَلَى سُلَيْمَانَ بنِ دَاودَ فأَخْرَجَ إِحْدَى قَدَمَيْهِ، ثمَّ قَالَ له: بأَيِّ آيةٍ تفتتح بها القرآن؟

قال: ﴿ بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ ﴾ .

فَقَالَ: هِيَ هِيَ" ففي هذا أنها آية من القرآن، وأنها لو كانت من السور لكان يعلمه نَيِّفاً ومائةَ آيةٍ لا آيةٌ واحدةً.

ولو كانت منها أيضاً؛ لكان لا يجعلها مفتاح القرآن، بل يجعلها من السور.

ثم الظاهر أن من لم يتكلف تفسيرها عند ابتداء السورة ثبت أَنها ليست منها.

وكذلك تركُ الأُمةِ الجهرَ بها، على العلم بأنه لا يجوز أن يكون رسولُ الله  يجهر بها ثم يخفي ذلك على من معه، وأن يكونوا غفلوا ثم يضيعون سُنَّةً بلا نفع يحصل لهم، حتى توارثت الأُمةُ تركَها فيما يحتمل أن يكون الجهر سنة ثم يخفى، فيكون في فعل الناس دليل واضح أنها ليست من السور.

ودليل آخر على ذلك ما روي عن رسول الله  عن الله أنه قال: "قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْنِي وبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَينِ، فإِذَا قَالَ العَبْدُ: ﴿ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ﴾ إلى قوله: ﴿ مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ ﴾ .

فقال: هذا لي" .

وهي ثلاث آيات.

وقال بعد قوله: ﴿ ٱهْدِنَا ﴾ إلى آخرها: "هَذَا لِعَبْدِي" ، ثبت أنها ثلاثُ آيات؛ لتستويَ القسمة.

ثم قال في قوله: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ : "هذا بيني وبين عبدي نصفين" فثبت أنها آية واحدة؛ فصارت بغير التسمية سبعاً.

وذلك قول الجميع: إنها سبع آيات مع ما لم يذكر في خبر القسمة؛ فثبت أنها دونها سبع آيات.

وقد روى عن أنس بن مالك -  - أنه قال: "صَلَّيْتُ خلفَ رسولِ اللهِ  ، وخلف أبي بكرٍ، وعمرَ، وعثمان -  م - فَلمْ يكونوا يَجْهرُونَ بـ بسم الله الرحمن الرحيم" وروي ذلك عن علي -  - وعبد الله بن عمر وجماعة، وهو الأَمر المعروف في الأُمة، مع ما جاءَ في قصة السحر: أن العُقَد كانت إحدى عشرة، وقرأَ عليها المعوذتين دون التسمية؛ فكذا غيرها من السور مع ما إذا جعلت مفتاحاً كانت كالتعوذ، والله الموفق.

والأصل عندنا أن المعنى الذي تَضَمنُه فاتحةُ القرآن فرض على جميع البشر؛ إذ فيه الحمد لله والوصف له بالمجد، والتوحيد له، والاستعانة به، وطلب الهداية، وذلك كله يَلزَم كافَّةَ العقلاء من البشر، إذ فيه معرفة الصانع على ما هو معروف، والحمدُ له على ما يستحقه، إذ هو المبتدئ بنعمه على جميع خلقه، وإليه فقر كلِّ عبدٍ، وحاجةُ كلِّ محتاج، فصارت لنفسها - بما جمعت الخصال التي بَيَّنَّا - فريضةً على عباد الله.

ثم ليست هي في حق الصلاة فريضة، وذلك نحو التسبيحات بما فيها من تَنزيه الله.

والتكبيرات بما فيها من تعظيمه فريضة لنفسها؛ إذ ليس لأَحد ألا ينزه ربه، ولا يعظمه من غير أن يوجب ذلك فرضيتها في حق الصلاة، وفي حق كل مجعولة هي فيه، لا من طريق توضيح الفرضية من غير طريق الذي ذكرت.

ثم ليست هي بفريضة في حق القراءة في الصلاة؛ لوجوه: أحدها: أَن فرضية القراءَة عرفنا بقوله: ﴿ فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْآنِ  ﴾ وفيها الدلالة من وجهين: أحدهما: أنه قد يكون غيرها أَيسرَ.

والثاني: أن فرضيَّة القراءَة في هذه الآية من حيث الامتنان بالتخفيف علينا والتيسير، ولو لم يكن فريضة لم يكن علينا في التخفيف منَّةٌ إذاً بالترك.

ثم لا نخير في فاتحة القرآن، والآية التي بها عرفنا الفرضية فيما تخير ما يختار من الأَيسر، ثبت أنها رجعت إلى غيرها، وبالله التوفيق.

والثاني: أن نبيَّ الله أخبر عن الله: أنه جعل بها في حق الثناء، وهو ما ذكر في خبر القسمة فصارت تقرأ بذلك الحق، فلم يخلص لها حق القراءَة، بل أَلحق بها حق الدعاء والثناءِ، وليس ذلك من فرائض الصلاة، وبالله التوفيق.

والثالث: ما روي عن عبد الله بن مسعود -  -: "أَنَّ النبيَّ  أَحْيَا ليلة بقوله: ﴿ إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ﴾ الآية.

وبه كان يقوم، وبه كان يركع، وبه يسجد، وبه يقعد" .

فثبت أنه لا يتعين قراءَتها في الصلاة مع ما أَيَّده الخبر الذي فيه "أَنِ ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ" ؛ إذ قال له وقت التعليم: "اقْرَأْ مَا تيسَّرَ عَلَيْكَ" فثبت أَن المفروض ذلك.

وأيضاً روي عن رسول الله  أَنه قال: "لاَ صَلاةَ إِلاَّ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ" ثم روي عنه بيان محلها: "إِنَّ كُلَّ صَلاةٍ لَمْ يُقْرَأْ فيها بِفَاتِحَةِ الكتابِ فهِيَ خِدَاجٌ، نُقْصَانٌ، غَيْرُ تَمَامٍ" والفاسدُ لا يوصف بالنقصان، وإنما الموصوف بمثله ما جاز مع النقصان.

وبالله التوفيق.

ثم خص فاتحة القرآن بالتأْمين بما سُمِّي بالذي ذكَره خبرُ القسمة.

وغير الفاتحة وإن كان فيه الدعاءُ، فإنه لم يخص بهذا الاسم، لذلك لم يجهر به، فالسبيل فيه ما ذكرنا في القسمة، ما كان هو أخلص بمعنى الدعاء منها.

ثم السُّنَّة في جميع الدعوات المخافَتةُ.

والأَصل: أنَّ كل ذِكر يشترك فيه الإمام والقوم فَسُنتُه المخافتة إلا لحاجة الإعلام، وهذا يعلم من قوله: ﴿ وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ ﴾ فيزول معناه.

وسبيل مثله المخافتة مع ما جاءَ به مرفوعاً ومتوارثاً.

وخبرُ الجهر يحتمل: السبق، كما كان يُسْمِعُهُم في صلاة النهار أحياناً.

ويحتمل: الإعلام، أنه كان يقرأُ به.

وبالله التوفيق.

ثم جمعت هذه خصالاً من الخير، ثم كل خصلة منها تجمع جميع خصال الخير.

منها: أَن في الحرف الأَول من قوله: ﴿ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ شكراً لجميع النعم، وتوجيهاً لها إلى الله لا شريك له، ومَدْحاً له بأَعلى ما يحتمل المدح، وهو ما ذكرنا من عموم نعمه وآلائه جميعَ بريَّته.

ثم فيه الإقرار بوحدانيته في إنشاءِ البرِيَّة كلها، وتحقيق الربوبية له عليها بقوله: ﴿ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ وكل واحد منها يجمع خصال خير الدارين، ويوجب القائل به - عن صدق القلب - درك الدارين.

ثم الوصف لله - عز وجل - بالاسمين يتعالى عن أن يكون لأَحد من معناهما حقيقة، أو يجوز أن يكون منه الاستحقاق نحو "الله" و"الرحمن".

ثم الوصف بالرحمة التي بها نجاة كل ناج، وسعادة كل سعيد، وبها يتقي المهالكَ كلها مع ما من رحمته خلق الرحمة التي بها تعاطف بينهم وتراحمهم.

ثم الإيمان بالقيامة بقوله  : ﴿ مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ ﴾ مع الوصف له بالمجد، وحسن الثناء عليه.

ثم التوحيد، وما يلزم العباد من إخلاص العبادة له، والصدق فيها، مع جعل كل رفعة وشرف منالاً به عز وجل.

ثم رفع جميع الحوائج إليه، والاستعانة به على قضائها، والظفر بها على طمأْنينة القلب وسكونه، إذ لا خيبة عند معونته، ولا زيغ عند عصمته.

ثم الاستهداء إلى ما يرضيه، والعصمة عما يغويه في حادث الوقت، على العلم بأنه لا ضلال لأَحد مع هدايته في التحقيق.

والرجاء والخوف من الله لا من غيره.

وعلى ذلك جميع معاملات العباد، ومكاسبهم على الرجاء من الله  أَن يكون جعل ذلك سبباً به يصل إلى مقصوده، ويظفر بمراده.

ولا قوة إلا بالله.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

باسم الله أبدأ قراءة القرآن، مستعينًا به تعالى متبركًا بذكر اسمه.

وقد تضمنت البسملة ثلاثة من أسماء الله الحسنى، وهي: 1 - "الله"؛ أي: المعبود بحق، وهو أخص أسماء الله تعالى، ولا يسمى به غيره سبحانه.

2 - "الرَّحْمَن"؛ أي: ذو الرحمة الواسعة.

فهو الرحمن بذاته.

3 - "الرَّحِيم"؛ أي: ذو الرحمة الواصلة.

فهو يرحم برحمته من شاء من خلقه ومنهم المؤمنون من عباده.

<div class="verse-tafsir" id="91.dEgnl"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

سميت الفاتحة فاتحة لأنها أول القرآن في هذا الترتيب، وتسمى أم الكتاب، وقالوا: إن حديث النهي عن تسميتها هذا الاسم موضوع.

..

ويتكلمون عند الكلام عن السور على المكي والمدني، وهو يفيد في معرفة الناسخ والمنسوخ، وليس في الفاتحة ناسخ ولا منسوخ، وهي مكية خلافًا لمجاهد، فالإجماع على أن الصلاة كانت بالفاتحة لأول فريضتها، ولا ريب أن ذلك كان في مكة.

وقالوا: هي المراد بالسبع المثاني في قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنْ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ  ﴾ ، وهو مكي بالنص.

وقال بعضهم: إنها نزلت مرتين، مرة بمكة عند فريضة الصلاة، وأخرى بالمدينة حين حولت القبلة، وكأن صاحب هذا القول أراد الجمع بين القولين، وليس بشيء.

وقال كثيرون: إنها أول سورة أنزلت بتمامها.

والراجح عندي أنها أول ما نزل من القرآن على الإطلاق..

ولا أستثني من ذلك قوله تعالى: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ  خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ  اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ  الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ  عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ  ﴾ .

ومن آية ذلك أن السنة الإلهية في هذا الكون، سواء كان كون إيجاد أو كون تشريع أن يظهر سبحانه الشيء مجملًا، ثم يتبعه التفصيل بعد ذلك تدريجًا، وما مثل الهدايات الإلهية إلا مثل البذرة والشجرة العظيمة، فهي في بدايتها مادة حياة تحتوي على جميع أصولها ثم تنمو بالتدريج حتى تسبق فروعها، بعد أن تعظم دوحتها، ثم تجود عليك بثمرها.

والفاتحة مشتملة على مجمل ما ورد في القرآن، وكل ما فيه تفصيل للأصول التي وضعت فيها، ولست أعني بهذا ما يعبرون عنه بالإشارة ودلالة الحروف، كقولهم: إن أسرار القرآن في الفاتحة، وأسرار الفاتحة في البسملة، وأسرار البسملة في الباء، وأسرار الباء في نقطتها.

فإن هذا لم يثبت عن النبي  وأصحابه عليهم الرضوان، ولا هو معقول في نفسه، وإنما هو من مخترعات الغلاة الذين ذهب بهم الغلو إلى إعدام القرآن خاصته، وهي البيان.

وبيان ما أريد هو: أن ما نزل القرآن لأجله أمور: أحدها:التوحيد، لأن الناس كانوا كلهم وثنيين، وإن كان بعضهم يدعي التوحيد.

ثانيها:وعد من أخذ به وتبشيره بحسن المثوبة، ووعيد من لم يأخذ به وإنذاره بسوء العقوبة، والوعد يشمل ما للأمة وما للأفراد، فيعم نعم الدنيا والآخرة وسعادتهما، والوعيد كذلك يشمل نقمهما وشقاءهما فقد وعد الله المؤمنين بالاستخلاف في الأرض والعزة والسلطان والسيادة، وأوعد المخالفين بالخزي والشقاء في الدنيا، كما وعد في الآخرة بالجنة والنعيم وأوعد بنار الجحيم.

ثالثها:العبادة التي تحيي التوحيد في القلوب وتثبته في النفوس.

رابعها:بيان سبيل السعادة، وكيفية السير فيه، الموصل إلى نعم الدنيا والآخرة.

خامسها:قصص من وقف عند حدود الله تعالى، وأخذ بأحكام دينه، وأخبار الذين تعدوا حدوده، ونبذوا أحكام دينه ظهريًا، لأجل الاعتبار واختبار طريق المحسنين، ومعرفة سنن الله في البشر.

هذه هي الأمور التي احتوى عليها القرآن، وفيها حياة الناس وسعادتهم الدنيوية والأخروية، والفاتحة مشتملة عليها إجمالًا بغير ما شك ولا ريب.

فأما التوحيد: ففي قوله تعالى: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ  ﴾ ، لأنه ناطق بأن كل حمد وثناء يصدر عن نعمة ما فهو له تعالى، ولا يصح ذلك إلا إذا كان سبحانه مصدر كل نعمة في الكون تستوجب الحمد، ومنها نعمة الخلق والإيجاد والتربية والتنمية، ولم يكتف باستلزام العبارة لهذا المعنى، فصرح به بقوله: ﴿ رَبِّ الْعَالَمِينَ  ﴾ ، ولفظ ﴿ رَبِّ  ﴾ ليس معناه المالك والسيد فقط، بل فيه معنى التربية والإنماء، وهو صريح بأن كل نعمة يراها الإنسان في نفسه وفي الآفاق منه  فليس في الكون متصرف بالإيجاد والإشقاء والإسعاد سواه.

التوحيد أهم ما جاء لأجله الدين، ولذلك لم يكتف في الفاتحة بمجرد الإشارة إليه، بل استكمله بقوله: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ  ﴾ ، فاجتث بذلك جذور الشرك والوثنية التي كانت فاشية في جميع الأمم، وهي اتخاذ أولياء من دون الله، يستعان بهم على قضاء الحوائج في الدنيا، ويتقرب بهم إلى الله زلفى، وجميع ما في القرآن من آيات التوحيد ومقارعة المشركين هو تفصيل لهذا الإجمال.

وأما الوعد والوعيد: فالأول منهما مطوي في ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم  ﴾ ، فذكر الرحمة في أول الكتاب، وهي التي وسعت كل شيء - بالإحسان، لا سيما وقد كررها مرة ثانية تنبيهًا لنا على أمره إيانا بتوحيده وعبادته، رحمة منه سبحانه بنا، لأنه لمصلحتنا ومنفعتنا.

وقوله تعالى: ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ  ﴾ يتضمن الوعد والوعيد معًا، لأن معنى الدين الخضوع، أي أن له تعالى، في ذلك اليوم، السلطان المطلق والسيادة التي لا نزاع فيها، لا حقيقة ولا ادعاء، وأن العالم كله يكون فيه خاضعًا لعظمته ظاهرًا وباطنًا، يرجو رحمته ويخشى عذابه، وهذا يتضمن الوعد والوعيد.

أو معنى ﴿ الدِّينِ  ﴾ الجزاء وهو إما ثواب، للمحسن، وإما عقاب، للمسيء، وذلك وعد ووعيد.

وزد على ذلك أنه ذكر بعد ذلك ﴿ الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ  ﴾ .

وهو الذي من سلكه فاز ومن تنكبه هلك، وذلك يستلزم الوعد والوعيد.

وأما العبادة: فبعد أن ذكرت في مقام التوحيد بقوله.

﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ  ﴾ ، أوضح معناها بعض الإيضاح في بيان الأمر الرابع الذي يشملها ويشمل أحكام المعاملات وسياسة الأمة بقوله تعالى: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ  ﴾ ، أي أنه قد وضع لنا صراطًا سيبينه ويحدده وتكون السعادة في الاستقامة عليه هي روح العبادة.

ويشبه هذا قوله تعالى: ﴿ وَالْعَصْرِ  إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ  إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ  ﴾ ، فالتواصي بالحق والصبر هو كمال العبادة بعد التوحيد.

والفاتحة بجملتها تنفخ روح العبادة في المتدبر لها، وروح العبادة هي إشراب القلوب خشية الله وهيبته والرجاء لفضله، لا الأعمال المعروفة من فعل وكف وحركات اللسان والأعضاء، فقد ذكرت العبادة في الفاتحة قبل ذكر الصلاة وأحكامها والصيام وأيامه، وكانت هذه الروح في المسلمين قبل أن يكلفوا بهذه الأعمال البدنية، وقبل نزول أحكامها التي فصلت في القرآن تفصيلًا ما، وإنما الحركات والأعمال مما يتوسل به إلى حقيقة العبادة، ومخ العبادة والفكر والعبرة.

وأما الأخبار والقصص: ففي قوله تعالى: ﴿ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ  ﴾ ..

تصريح بأن هنالك قومًا تقدموا وقد شرع الله شرائع لهدايتهم، وصائح يصيح ألا فانظروا في الشؤون العامة التي كانوا عليها واعتبروا بها.

كما قال الله تعالى لنبيه يدعوه إلى الاقتداء بمن كان قبله من الأنبياء ﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ  ﴾ ، حيث بين أن القصص إنما هو للعظة والاعتبار.

وفي قوله تعالى: ﴿ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ  ﴾ تصريح بأن من دون المنعم عليهم فريقين: فريق ضل عن صراط الله وفريق جاحده وعاند من يدعو إليه فكان محفوفًا بالغضب الإلهي والخزي في الحياة الدنيا.

وباقي القرآن يفصل لنا في أخبار الأمم هذا الإجمال على الوجه الذي يفيد العبرة فيشرح حال الظالمين الذين قاوموا الحق عنادًا، والذين ضلوا فيه ضلالًا، وحال الذين حافظوا عليه وصبروا على ما أصابهم في سبيله.

فتبين من مجموع ما تقدم أن الفاتحة قد اشتملت إجمالًا على الأصول التي يفصلها القرآن تفصيلًا، فكان إنزالها أولًا موافقًا لسنة الله تعالى في الإبداع.

وعلى هذا تكون الفاتحة جديرة بأن تسمى (أم الكتاب)، كما نقول: إن النواة أم النخلة، فإن النواة مشتملة على شجرة النخلة كلها حقيقة لا كما قال بعضهم إن المعنى في ذلك أن الأم تكون أولًا ويأتي بعدها الأولاد.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ...

إنهاعلى كل حال من القرآن، فنتكلم عليها كسائر الآيات.

القرآن إمامنا وقدوتنا، فافتتاحه بهذه الكلمة إرشاد لنا بأن نفتتح أعمالنا بها، فما معنى هذا؟

ليس معناه أن نفتتح أعمالنا باسم من أسماء الله تعالى، بأن نذكره على سبيل التبرك أو الاستعانة به، بل أن نقول هذه العبارة: ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم  ﴾ ، فإنها مطلوبة لذاتها.

عندما تقول: إنني أذكر اسم الله تعالى كالعزيز والحكيم، لا تعني أنك تذكر لفظ"اسم"، فلو كان قولهم إن المراد من الابتداء بالكلمة"بسم الله"التبرك باسم الله هو الصواب لكان ينبغي أن يكون قولك"بالله الرحمن الرحيم"مثل (بسم الله الرحمن الرحيم)، وقوله تعالى ﴿ بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا  ﴾ ، وقد قال بعضهم: إن الإضافة ها هنا للبيان، أي أفتتح كلامي باسم هو الله ولكن هذا يقتضي أن يكون لفظ"الرحمن الرحيم"واردًا على اللفظ، وهو غير صحيح وإرادة أن الأسماء الثلاثة هي المبينة للفظ الاسم تَمَحُّلٌ ظاهر، فما المقصود إذًا من هذا التعبير؟

مثل هذا التعبير مألوف عند جميع الأمم، ومنهم العرب، وهو أن الواحد منهم إذا أراد أن يفعل أمْرًا ما لأجل أمير أو عظيم، بحيث يكون متجردًا من نسبته إليه ومنسلخًا عنه، يقول: عمله باسم فلان ويذكر اسم ذلك الأمير أو السلطان، لأن اسم الشيء دليل وعنوان عليه، فإذا كنت أعمل عملًا لا يكون له وجود ولا عنه أثر، لولا السلطان الذي به أمر، أقول..

إن عملي هو باسم السلطان، أي أنه معنون باسمه، ولولاه لما عملته، فمعنى ابتدئ عملي (باسم الله الرحمن الرحيم) أنني أعمل بأمره وله لا لي ولا أعمله باسمي مستقلًا به على أنني فلان، فكأني أقول: إن هذا العمل لله لا لحظ نفسي.

وفيه وجه آخر: وهو أن القدرة التي أنشأت بها العمل هي من الله تعالى، فلولا ما منحني منها لم أعمل شيئًا، فلم يصدر عني هذا العمل إلا باسم الله، ولم يكن باسمي، إذ لولا ما آتاني من القوة عليه لم أستطع أن آتيه، وقد تم هذا المعنى بلفظ (الرحمن الرحيم) كما هو ظاهر.

وحاصل المعنى أنني أعمل متبرئًا من أن يكون باسمي، بل هو باسمه تعالى، لأنني أستمد القوة والعناية منه، وأرجو إحسانه عليه، فلولاه لم اقدر عليه ولم أعمله، بل وما كنت عاملًا له على تقدير القدرة عليه لولا أمره ورجاء فضله، فلفظ الاسم معناه مراد، ومعنى لفظ الجلالة مراد أيضًا وكذلك كل من لفظ الرحمن والرحيم.

وهذا الاستعمال معروف مألوف في كل اللغات، وأقربه إليكم اليوم ما ترون في المحاكم النظامية حيث يبتدئون الأحكام قولًا وكناية باسم السلطان فلان أو الخديوي فلان.

ومعنى البسملة في الفاتحة أن جميع ما يقرر في القرآن من الأحكام والآيات وغيرها هو لله ومنه ليس لأحد غير الله فيه شيء.

والرحمن الرحيم: مشتقان من الرحمة، وهي معنى يلم بالقلب، فيبعث صاحبه ويحمله على الإحسان إلى غيره، وهو محال على الله تعالى بالمعنى المعروف عند البشر، لأنه في البشر ألم في النفس شفاؤه الإحسان، والله تعالى منزه عن الآلام والانفعالات، فالمعنى المقصود بالنسبة إليه من الرحمة أثرها وهو الإحسان.

وقد مشى"الجلال"في تفسيره، وتبعه"الصبان"على أن الرحمن والرحيم بمعنى واحد، وأن الثاني تأكيد للأول ومن العجيب أن يصدر مثل هذا القول عن عالم مسلم وما هي إلا غفلة نسأل الله أن يسامح صاحبها.

وأنا لا أجيز لمسلم أن يقول في نفسه أو بلسانه: إن في القرآن كلمة تغاير أخرى، ثم تأتي لمجرد تأكيد غيرها بدون أن يكون لها في نفسها معنى تستقل به.

نعم..

قد يكون في معنى الكلمة ما يزيد معنى الأخرى تقريرًا أو إيضاحًا، ولكن الذي لا أجيزه هو أن يكون معنى الكلمة هو عين معنى الأخرى بدون زيادة ثم يؤتى بها لمجرد التأكيد لا غير بحيث تكون مما يسمى بالمترادف في عرف أهل اللغة، فإن ذلك لا يقع إلا في كلام من يرمي في لفظه إلى مجرد التنميق والتزويق، وفي العربية طرق للتأكيد ليس هذا منها.

وأما ما يسمونه بالحرف الزائد الذي يأتي للتأكيد فهو حرف وضع لذلك، ومعناه هو التأكيد، وليس معناه معنى الكلمة التي يؤكدها، فالباء في قوله تعالى: ﴿ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا  ﴾ تؤكد معنى اتصال الكفاية بجانب الله جل شأنه بذاتها ومعناها الذي وضعت له، ومعنى وصفها بالزيادة أنها كذلك في الإعراب، وكذلك معنى"من"في قوله ﴿ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ  ﴾ ونحو ذلك.

أما التكرار للتأكيد أو التقريع أو التهويل فأمر سائغ في أبلغ الكلام عندما يظهر ذلك القصد منه كتكرار جملة ﴿ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ  ﴾ ونحوها عقيب ذكر كل نعمة، وهي عند التأمل ليست مكررة، فإن معناها: أفبهذه النعمة تكذبان، وهكذا كل ما جاء في القرآن على هذا النحو.

والجمهور على أن معنى الرحمن: المنعم بجلائل النعم، ومعنى الرحيم: المنعم بدقائقها.

وبعضهم يقول: إن الرحمن: هو المنعم بنعم عامة تشمل الكافرين مع غيرهم، والرحيم: المنعم بالنعم الخاصة بالمؤمنين.

وكل هذا تحكم في اللغة مبني على أن زيادة المبني تدل على زيادة المعنى.

ولكن الزيادة تدل على زيادة الوصل مطلقًا، فصفة الرحمن تدل على كثرة الإحسان الذي يعطيه، سواء كان جليلًا أو دقيقًا، وأما كون أفراد الإحسان التي يدل عليها اللفظ الأكثر حروفًا أعظم من أفراد الإحسان التي يدل عليها اللفظ الأقل حروفًا، فهو غير مَعْنيِّ ولا مراد.

وقد قارب من قال: إن معنى الرحمن: المحسن بالإحسان العام، ولكنه أخطأ في تخصيص مدلول الرحيم بالمؤمنين.

ولهل الذي حمل من قال: إن الثاني مؤكد للأول على قوله هذا هو عدم الاقتناع بما قالوه من التفرقة مع عدم التفطن لما هو أحسن منه.

والذي أقول: إن صيغة فَعْلَان تدل على وصف فعلي فيه معنى المبالغة كَفَعَّال، وهو في استعمال اللغة للصفت العارضة كعطشان وغرثان وغضبان، وأما صيغة فَعِيل فإنها تدل في الاستعمال على المعاني الثابتة كالأخلاق والسجايا في الناس كعليم وحكيم وجميل.

والقرآن لا يخرج عن الأسلوب العربي البليغ في الحكاية عن صفات الله  ، التي تعلو عن مماثلة صفات المخلوقين، فلفظ الرحمن يدل على من تصدر عنه آثار الرحمة بالفعل، وهي إفاضة النعم والإحسان، ولفظ الرحيم يدل على منشأ هذه الرحمة والإحسان وعلى أنها من الصفات الثابتة الواجبة، وبهذا المعنى لا يستغني بأحد الوصفين عن الآخر، ولا يكون الثاني مؤكدًا للأول، فإذا سمع العربي وصف الله جل ثناؤه بالرحمن وفهم منه أنه المفيض بالنعم فعلًا، لا يعتقد منه أن الرحمن من الصفات الواجبة له دائمًا لأن الفعل قد ينقطع إذا كان لم يكن عن صفة لازمة ثابتة، وإن كان كثيرًا، فعندما يسمع لفظ الرحيم يكمل اعتقاده على الوجه الذي يليق بالله تعالى ويرضيه سبحانه ويعلم أن لله صفة ثابتة هي صفة الرحمن التي عنها يكون أثرها، وإن كانت تلك الصفة على غير مثال صفات المخلوقين، ويكون ذكرها بعد الرحمن كذكر الدليل بعد المدلول ليقوم برهانًا عليه.

رسالة إلى أحد العلماء حضرة الأستاذ الفاضل..

أثابك الله على صدق مودتك، ونفعني بإخلاص الصادقين أمثالك، ووفقني الله وإياك للعمل فيما يفيد هذه الأمة، التي نهكتها البدع، وقتلها الزيغ عن الطريق المتبع، وإني أحمد الله على هذه البقية في المسلمين - بقية صالحة في نفوس مستعدة تنشد الحق وتتلمسه فإذا عثرت عليه حَنّت إليه- أمدها الله بالسعي الدائب، والغذاء الصالح، حتى تنمو وتكون شجرة طيبة، أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، لا أزيدك وصية بمزاولة البحث فيما يُنقِّي العقائد من شُبَه الإشراك، وغرور اليأس والأمل، وجراثيم التواكل والكسل، ثم نشر ذلك بكل وسيلة تمكن منه، ثم بالصبر على ما يقول المقلدون، ويهذي به المتكبرون، ممن يلقبون"بالعلماء"وهم لا يعلمون، ففي مثلهم يقول الله: ﴿ سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا  ﴾ ولا يكون كِبْرٌ في الأرض بغير الحق مثل هذا الكِبْر الذي ترتديه هذه النصب، وتظهر في سرابيله هذه التماثيل التي ينحلها الناس ما ليس لها، ويسمونها بأسماء لم ينزل الله بها من سلطان، وما هؤلاء القوم إلا أولئك السادات الذين سيقول المغترون بهم: ﴿ رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا  ﴾ .

أسأل الله أن يعينك على من يليك، ويوفقك لتأييد كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

أما مسألة التأكيد فالأمر فيها سهل، وتعلم أنني ممن يكتب، ويقال إن لي حظًا من معرفة دقائق البلاغة، وإن كنت لا أحسب لنفسي في ذلك حسابًا، ولا أزال أستعمل التوكيد في كلامي، وأذوق لذته، وأعرف موقعه من كلام غيري، وأنكر العبارة تخلو منه وهي محتاجة إليه، وهو معنى من المعاني المقصودة التي وضعت لها في اللغة ألفاظ خاصة كلفظ"إنّ"و"اللام"ونحوهما.

ثم من الألفاظ ما يكون فيه شيء من معنى الآخر، فيؤتي باللفظين ليؤكد أحدهما الآخر بما فيه من المعنى المشترك، ثم يزيد بما انفرد به، كالسيف والصارم، كل هذا لا أنكر شيئًا منه ولكني أنكر الذي يلجأون إليه بدون بيان صحيح، فيقال كلمة كذا توكيد بدون بيان وجه التوكيد، أو لفظ كذا زائد كما يقول"الجلال" في قوله تعالى ﴿ فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ فَقَدْ اهْتَدَوا  ﴾ إن لفظ"مثل"زائد، تعالى الكتاب عن ذلك،"فالجلال"و"الصبان" قالا إن ﴿ الرحيم  ﴾ توكيد، لظنهما أن لا معنى في ﴿ الرحيم  ﴾ سوى ما في ﴿ الرحمن  ﴾ ، وإني أنزه القرآن عما ظنا، حتى لو قصد التوكيد فإنه يكون بمنزلة الرحمن الرحيم، وإنما غاير اللفظ للتحلية وهذا ما أبرئ القرآن منه.

والذي صرحت به في هذا المعنى سبقني إليه"ابن جرير الطبري".

فقد صرح بأنه لا يوجد في القرآن كلمة زائدة لغير معنى مقصود، وهو الذي عنيته.

أما احتمال التوكيد، والوجه الذي ذكرته، فإني لا أراه لأنه لا علاقة بين التوحيد ومعنى الرحمة، ولو ذكر جميع الألفاظ المترادفة في هذا المعنى لم يفد شيئًا في نفي التعدد، ولم يسبق في التاريخ أن أحدًا ذهب إلى أن الرحمن معبود والرحيم معبود آخر حتى يرد عليه بأنهما شيء واحد، ولكن الذي عُرف هو قول النصارى: في ابتداء شؤونهم: باسم الآب والابن والروح القدس، وهو في زعمهم ثلاثة مختلفة الآحاد مع أنها واحد، فأراد الله أن يجعل للمسلمين فاتحة أعمال تحتوي على ثلاثة معان: الأول ذات والآخران صفتان، فلفظ الجلالة هو الذات وهو يقابل الآب عندهم والرحمن: وصف الفعل المتجدد الصادر من فيض الكرم، وهو يقابل الابن، لزعمهم أنه منبثق من الذات، والرحيم: يدل على الصفة الثابتة للذات الأقدس، وهي التي يرجع إليها الفعل المتجدد، وباعتبارها يصدر ويتجدد، وهو يقابل روح القدس، فإنه عندهم الصلة بين الآب والابن، وإن حاولوا ستر ذلك بضروب من العبارات، فأراد الكتاب أن يعلمنا كيف نضع التوحيد مكان التثليث، ونستبدل بألفاظ التشبيه خيرًا منها من ألفاظ التنزيه، ولا يفوتنا المعنى الذي يحتج بقصده من الآب والابن والروح القدس وهو معنى الرحمة وإفاضة النعمة، وهذا هو وجه تكرير هذه الفاتحة الكريمة في كل سورة، والندب إلى الافتتاح بها في كل عمل ذي بال، ولكن غفل كثير من المسلمين عن مرامي إشارات الكتاب فأتوا من عند أنفسهم بما ليس من معناه في شيء.

لا أجد وقتًا لإطالة البحث فيما ذكرت عن"السعد" وغيره وأظن أن فيما كتبته كفاية لذكر مثلك، وأرجو أن لا تنقطع عن مراسلتي، والسلام.

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ  ﴾ ..

قالوا: إن معنى الحمد: الثناء باللسان، وقيدوه بالجميل، لأن كلمة"ثناء"تستعمل في المدح والذم جميعًا، يقال أثنى عليه شرًا كما يقال: أثنى عليه خيرًا...

ويقولون: إن"أل"التي في"الحمد"هي للجنس في أي فرد من أفراده لا للاستغراق ولا للعهد المخصوص، لأنه لا يصار إلى كل منهما في فهم الكلام إلا بدليل، وهو غير موجود في الآية، ومعنى كون الحمد لله تعالى بأي نوع من أنواعه هو أن أي شيء يصح الحمد عليه فهو مصدره وإليه مرجعه، فالحمد لله على كل حال.

وهذه الجملة خبرية، ولكنها استعملت لإنشاء الحمد، فأما معنى الخبرية فهو إثبات أن الثناء الجميل في أي أنواعه تحقق فهو ثابت له تعالى وراجع إليه، لأنه متصف بكل ما يحمد عليه الحامدون، فصفاته أجمل الصفات، وإحسانه عم جميع الكائنات، ولأن جميع ما يصح أن يتوجه غليه الحمد مما سواه فهو منه جل ثناؤه، إذ هو مصدر الكون كله، فيكون له ذلك الحمد أولًا وبالذات.

والخلاصة: أن أي حمد يتوجه إلى محمود ما فهو لله تعالى، سواء لاحظه الحامد أو لم يلاحظه، وأما معنى الإنشائية فهو أن الحامد جعلها عبارة عما وجهه من الثناء إلى الله تعالى في الحال.

﴿ رَبِّ الْعَالَمِين  ﴾ : يشعر هذا الوصف ببيان وجه الثناء المطلق، ومعنى الرب: السيد المربي الذي يسوس مسوده ويربيه ويدبره، و ﴿ الْعَالَمِينَ  ﴾ جمع عالم، جمعه جمع المذكر العاقل تغليبًا، وأراد به جميع الكائنات الممكنة، أي أنه رب كل ما يدخل في مفهوم لفظ العالم.

وما جمعت العرب لفظ العالم هذا الجمع إلا لنكتة تلاحظها فيه، وهي أن هذا اللفظ لا يطلق عندهم على كل كائن وموجود كالحجر والتراب وإنما يطلقونه على كل جملة متمايزة لأفرادها صفات تقربها من العاقل الذي جمعت جمعه إن لم تكن منه، فيقال، عالم الإنسان وعالم الحيوان وعالم النبات.

ونحن نرى أن هذه الأشياء هي التي يظهر فيها معنى التربية الذي يعطيه لفظ"رب"لأن فيها مبدأها، وهو الحياة والتغذي والتوالد، وهذا ظاهر في الحيوان.

ولقد كان"السيد" رحمه الله تعالى يقول: الحيوان شجرة قطعت رجلها من الأرض، فهي تمشي، والشجرة حيوان ساخت رجلاه في الأرض، فهو قائم في مكانه يأكل ويشرب وإن كان لا ينام ولا يغفل.

﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ  ﴾ ..

تقدم معناهما، وبقي الكلام في إعادتهما والنكتة فيها ظاهرة، وهي أن تربيته للعالمين ليست لحاجة به إليهم كجلب منفعة أو دفع مضرة وإنما هي لعموم رحمته وشمول إحسانه.

وثم نكتة أخرى، وهي أن البعض يفهم من معنى"الرب"الجبروت والقهر فأراد الله تعالى أن يذكرهم برحمته وإحسانه ليجمعوا بين اعتقاد الجلال والجمال فذكر الرحمن وهو المفيض للنعم بسعة وتجدد لا منتهى لهما، والرحيم الثابت له وصف الرحمة لا يزايله أبدًا، فكأن الله تعالى أراد أن يتحبب إلى عباده فعرفهم أن ربوبيته ربوبية رحمة وإحسان ليعلموا أن هذه الصفة هي التي ربما يرجع إليها معنى الصفات، وليتعلقوا به ويقبلوا على اكتساب مرضاته منشرحة صدورهم مطمئنة قلوبهم.

ولا ينافي عموم الرحمة وسبقها ما شرعه الله من العقوبات في الدنيا وما أعده من العذاب في الآخرة للذين يتعدون الحدود وينتهكون الحرمات، فإنه وإن سمي قهرًا بالنسبة لصورته ومظهره فهو في حقيقته وغايته من الرحمة لأن فيه تربية للناس وزجرًا لهم عن الوقوع فيما يخرج عن حدود الشريعة الإلهية وفي الانحراف عنها شقاؤهم وبلاؤهم، وفي الوقوف عندها سعادتهم ونعيمهم، والوالد الرؤوف يربي ولده بالترغيب فيما ينفعه والإحسان عليه إذا قام به وربما لجأ إلى الترهيب والعقوبة إذا اقتضت ذلك الحال.

ولله المثل الأعلى لا إله إلا هو وإليه يرجعون.

﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ  ﴾ ..

قرأ عاصم والكسائي ويعقوب:"مالك"والباقون"مَلِك"، وعليها أهل الحجاز، والفرق بينهما أن المالك ذو المِلْك (بكسر الميم) والمَلِك ذو المُلْك (بضمها)، والقرآن يشهد للأولى بمثل قوله ﴿ يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا  ﴾ وللثانية بقوله ﴿ لِمَنْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ  ﴾ .

قال بعضهم: إن قراءة مَلِك أبلغ، لأن هذا اللفظ يفهم منه معنى السلطان والقوة والتدبير، وقال آخرون: إن القراءة الأخرى أبلغ لأن المالك هو الذي يدبر أعمال رعيته العامة ولا تصرف له بشيء من شؤونهم الخاصة، وإنما تظهر هذه التفرقة في عبد مملوك في مملكة لها سلطان، ولا ريب أن مالكه هو الذي يتولى جميع شؤونه دون سلطانه.

و ﴿ الدِّينِ  ﴾ يطلق في اللغة على المكافأة، وورد"كما تدين تدان"وقال الشاعر: ولم يبق سوى العدوا ن دناهم كما دانوا وعلى الجزاء وهو قريب من معنى المكافأة، وعلى الطاعة وعلى الإخضاع وعلى السياسة، يقال دَيَّنَ فلان فلانًا أي تولى سياسته، وهو قريب من معنى الإخضاع، وعلى الشريعة، وما يؤخذ العباد به من التكاليف.

والمناسب هنا من هذه المعاني الجزاء والخضوع، وإنما قال ﴿ يَوْمِ الدِّينِ  ﴾ ولم يقل"الدين"لتعريفنا بأن للدين يومًا ممتازًا عن سائر الأيام وهو اليوم الذي يلقى فيه كل عامل عمله ويوفى جزاءه.

ولسائل أن يسأل: أليست كل الأيام جزاء، وكل ما يلاقيه الناس في هذه الحياة من البؤس هو جزاء على تفريطهم في أداء الحقوق، والقيام بالواجبات عليهم؟

والجواب: بلى، إن أيامنا التي نحن فيها قد يقع فيها الجزاء على أعمالنا، ولكن ربما لا يظهر لأربابه إلا على بعضها دون جميعها.

والجزاء على التفريط في العمل الواجب إنما يظهر في الدنيا ظهورًا تامًا بالنسبة لمجموع الأمة لا لكل فرد من الأفراد، فما من أمة انحرفت عن صراط الله المستقيم، ولم تراع سننه في خليقته إلا وأحل بها العدل الإلهي ما تستحق من الجزاء، كالفقر والذل وفقد العزة والسلطة.

وأما الأفراد فإنا نرى كثيرًا من المسرفين الظالمين يقضون أعمارهم منغمسين في الشهوات واللذات نعم، إن ضمائرهم توبخهم أحيانًا، وإنهم لا يسلمون من المنغصات، وقد يصيبهم النقص في أموالهم وعافية أبدانهم وقوة عقولهم، ولكن هذا كله لم يقابل بعض أعمالهم القبيحة، لا سيما الملوك والأمراء الذين تشقى بأعمالهم السيئة أمم وشعوب.

كذلك نرى من المحسنين في أنفسهم وللناس من يبتلى بهضم الحقوق ولا ينال من الجزاء على عمله شيئًا مما يستحقه، وإن كان قد ينال من الجزاء رضى نفسه، وسلامة أخلاقه، وصحة ملكاته، ولكن ذلك ليس كل ما يستحق، وفي ذلك اليوم يوفى كل فرد من أفراد العاملين جزاءه كاملًا لا يظلم شيئًا منه، كما قال تعالى: ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه  وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه  ﴾ .

علمنا الله أنه رحمن رحيم، ليجذب قلوبنا إليه، ولكن..

هل يشعر كل عباده بهذه المنة فينجذبوا إليه الانجذاب المطلوب؟

..

كلا ..!!

..

أليس فينا من يسلك كل سبيل؟

لا يبالي بمستقيم ومعوج؟

..

بلى!

ولهذا أعقب سبحانه ذكر الرحمة بذكر الدين، فعرفنا أنه يدين العباد ويجازيهم على أعمالهم، فكان من رحمته بعباده أن رباهم بنوعي التربية كليهما -الترغيب والترهيب- كما تشهد بذلك آيات القرآن الكثيرة.

﴿ نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ  وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ  ﴾ .

﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ  ﴾ ما هي العبادة؟

يقولون: هي الطاعة مع غاية الخضوع.

وما كل عبارة تمثل المعنى تمام التمثيل، وتجليه للأفهام واضحًا لا يقبل التأويل، فكثيرًا ما يفسرون الشيء ببعض لوازمه، ويعرفون الحقيقة برسومها، بل يكتفون أحيانًا بالتعريف اللفظي ويبينون الكلمة بما يقرب من معناها، ومن ذلك هذه العبارة التي شرحوا بها معنى العبادة، فإن فيها إجمالًا وتساهلًا.

وإننا إذا تتبعنا آي القرآن وأساليب اللغة واستعمال العرب"لعبد"وما يماثلها ويقاربها في المعنى كخضع وخنع وأطاع وذل، نجد أنه لا شيء من هذه الألفاظ يضاهي"عبد"ويحل محلها ويقع موقعها، ولذلك قالوا: إن لفظ"العباد"مأخوذ من"العبادة"، فتكثر إضافته إلى الله تعالى ولفظ (العبيد) تكثر إضافته إلى غير الله تعالى، لأنه مأخوذ من العبودية بمعنى الرق، وفرق بين العبادة والعبودية بذلك المعنى.

ومن هنا قال بعض العلماء: إن العبادة لا تكون في اللغة إلا لله تعالى.

ولكن استعمال القرآن يخالفه.

يغلو العاشق في تعظيم معشوقه والخضوع له غلوًا كبيرًا حتى يفنى في هواه وتذوب إرادته في إرادته، ومع ذلك لا يسمى خضوعه هذا عبادة بالحقيقة، ويبالغ كثير من الناس في تعظيم الرؤساء والملوك والأمراء، فترى من خضوعهم لهم وتحريهم مرضاتهم ما لا تراه من المتحنثين القانتين، فضلًا عن سائر العابدين، ولم يكن العرب يسمون شيئًا من هذا الخضوع عبادة.

فما هي العبادة إذن؟

تدل الأساليب الصحيحة، والاستعمال العربي الصراح على أن العبادة ضرب من الخضوع بالغ حد النهاية، ناشيء عن استشعار القلب عظمة للمعبود لا يعرف منشأها، واعتقاده بسلطة لا يدرك كنهها، وماهيتها، وقصارى ما يعرفه منها أنها محيطة به ولكنها فوق إدراكه، فمن ينتهي إلى أقصى الذل لملك من الملوك لا يقال إنه عبده، وإن قبل مواطئ أقدامه، ما دام سبب الذل والخضوع معروفًا وهو الخوف من ظلمه المعهود، أو الرجاء بكرمه المحدود، اللهم إلا بالنسبة للذين يعتقدون أن المُلْك قوة غيبية سماوية أفيضت على الملوك من الملأ الأعلى، واختارتهم للاستعلاء على سائر أهل الدنيا، لأنهم أطيب الناس عنصرًا وأكرمهم جوهرًا، وهؤلاء هم الذين انتهى بهم هذا الاعتقاد إلى الكفر والإلحاد، فاتخذوا الملوك آلهة وأربابًا وعبدوهم عبادة حقيقية.

للعبادة صور كثيرة في كل دين من الأديان، شرعت لتذكير الإنسان بذلك الشعور بالسلطان الإلهي الأعلى الذي هو روح العبادة وسرها، ولكل عبادة من العبادات الصحيحة أثر في تقويم أخلاق القائم بها وتهذيب نفسه، والأثر إنما يكون على ذلك الروح والشعور الذي قلنا إنه منشأ التعظيم والخضوع، فإذا وجدت صورة العبادة خالية من هذا المعنى لم تكن عبادة، كما أن صورة الإنسان وتمثاله ليس إنسانًا.

خذ إليك عبادة الصلاة مثلًا، وانظر كيف أمر الله بإقامتها دون مجرد الإتيان بها، وإقامة الشيء هي الإتيان به مقومًا كاملًا يصدر عن علته وتصدر عنه آثاره.

وآثار الصلاة ونتائجها هي ما أنبأنا الله تعالى بها بقوله: ﴿ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ  ﴾ وقوله  : ﴿ إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا  إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا  وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا  إِلاَّ الْمُصَلِّينَ  ﴾ ، وقد توعد الذين يأتون بصورة الصلاة من الحركات والألفاظ مع السهو عن معنى العبادة وسرها فيها، المؤدي إلى غايتها بقوله: ﴿ فويل للمصلين  الذين هم عن صلاتهم ساهون  الذين هم يرآءون  ويمنعون الماعون  ﴾ ، فسماهم مصلين لأنهم أتوا بصورة الصلاة ووصفهم بالسهو عن الصلاة الحقيقية التي هي توجه القلب إلى الله تعالى المذكر بخشيته، والمشعر للقلوب بعظيم سلطانه، ثم وصفهم بأثر هذا السهو وهو الرياء ومنع الماعون.

والرياء ضربان: رياء النفاق، وهو العمل لأجل رؤية الناس، ورياء العادة، وهو العمل بحكمها من غير ملاحظة معنى العمل وسره وفائدته وملاحظة من يعمل له ويتقرب إليه به.

وهو ما عليه أكثر الناس فإن صلاة أحدهم في طور الرشد والعقل هي عين ما كان يحاكي به أباه في طور الطفولية عندما يراه يصلي يستمر على ذلك بحكم العادة من غير فهم ولا عقل وليس لله شيء في هذه الصلاة: وقد ورد في أحاديث كثيرة أن من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعدًا، وأنها تلف كما يلف الثوب البالي ويضرب بها وجهه.

وأما الماعون فهو المعونة والخير الذي تقدم في الآية الأخرى أن من شأن الإنسان أن يكون منوعًا له، إلا المصلين.

والاستعانة هي طلب المعونة، والمعونة هي سد العجز والمساعدة على إتمام العمل الذي يعجز عنه المستعين بنفسه.

أمرنا الله تعالى بأن لا نعبد غيره، لأن السلطة الغيبية التي هي وراء الأسباب ليست إلا له، دون غيره، فلا يشاركه فيها أحد فيعظم تعظيم العبادة، وأمرنا بأن لا نستعين بغيره أيضًا.

وهذا يحتاج إلى البيان لأنه أمرنا أيضًا في آيات أخرى بالتعاون فقال: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى  ﴾ ، فما معنى حصر الاستعانة به مع ذلك؟

الجواب: أن كل عمل يعمله الإنسان تتوقف ثمرته ونجاحه على حصول الأسباب التي اقتضت الحكمة الإلهية أن تكون مؤدية إليه، وانتفاء الموانع التي من شأنها، بمقتضى الحكمة، أن تحول دونه، وقد مكن الله تعالى الإنسان بما أعطاه من العلم والقوة من دفع بعض الموانع وكسب بعض الأسباب وحجب عنه البعض الآخر، فيجب علينا أن نقوم بما في استطاعتنا من ذلك ونبذل في إتقان أعمالنا كل ما نستطيع من حول وقوة، وأن نتعاون، ويساعد بعضنا بعضًا على ذلك، ونفوض الأمر فيما وراء كسبنا إلى القادر على كل شيء ونلجأ إليه وحده ونطلب المعونة المتممة للعمل والموصلة لثمرته منه سبحانه دون سواه، إذ لا يقدر على ما وراء الأسباب الممنوحة لكل البشر على السواء إلا سبب الأسباب ورب الأرباب، فقوله تعالى: ﴿ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ  ﴾ متمم لمعنى قوله: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ  ﴾ لأن الاستعانة بهذا المعنى فزع من القلب إلى الله وتعلق من النفس به، وذلك من مخ العبادة، فإذا توجه العبد بها إلى غير الله تعالى كانت ضربًا من ضروب العبادة الوثنية التي كانت ذائعة في زمن التنزيل وقبله وخصت بالذكر لئلا يتوهم الجهلاء أن الاستعانة بمن اتخذوه أولياء من دون الله واستعانوا بهم فيما وراء الأسباب المكتسبة لعامة الناس هي كالاستعانة بسائر الناس في الأسباب العامة فأراد الحق جل شأنه أن يرفع هذا اللبس عن عباده ببيان أن الاستعانة فيما هو في استطاعة الناس بالناس إنما هي ضرب من استعمال الأسباب المسنونة، وما منزلتها إلا كمنزلة الآلات فيما هي آلات له، بخلاف الاستعانة في شؤون تفوت الْقُدَرَ والقوى المعروفة في متناول الفهم، كالاستعانة على شفاء المرض بما وراء الدواء، وعلى غلبة العدو بما وراء العِدَّة والعُدَّة، فإن ذلك مما لا يجوز الفزع به لغير الله تعالى صاحب السلطان الأعظم على ما لا يصل إليه سلطان أحد من العالم.

فالزارع يبذل جهده في الحرث والعذق وتسميد الأرض وريها ويستعين بالله تعالى على إتمام ذلك بمنع الآفات والجوائح السماوية أو الأرضية، والتاجر يحذق في اختيار الأصناف، ويمهر في صناعة الترويج، ثم يتكل على الله فيما بعد ذلك.

ومن هنا تعلمون أن الذين يستعينون بأصحاب الأضرحة والقبور على قضاء حوائجهم وتيسير أمورهم وشفاء أمراضهم ونماء حرثهم وزرعهم وهلاك أعدائهم وغير ذلك من المصالح، عن صراط التوحيد ناكبون، وعن ذكر الله معرضون.

أرشدتنا هذه الكلمة الوجيزة ﴿ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ  ﴾ إلى أمرين عظيمين هما معراج السعادة في الدنيا والآخرة: أحدهما: أن نعمل الأعمال النافعة ونجتهد في إتقانها ما استطعنا، لأن طلب المعونة لا يكون إلا على عمل بذل فيه المرء طاقته فلم يوفه حقه أو يخشى أن لا ينجح فيه، فطلب المعونة على إتمامه وكماله.

ومن وقع من يده القلم على المكتب لا يطلب المعونة من أحد على إمساكه، ومن وقع تحت عبء ثقيل يعجز عن النهوض به وحده يطلب المعونة من غيره على رفعه، بعد استفراغ القوة في الاستقلال به، وهذا الأمر هو مرقاة السعادة الدنيوية وركن من أركان السعادة الأخروية.

وثانيهما: ما أفاده الحصر من وجوب تخصيص الاستعانة بالله تعالى وحده فيما وراء ذلك، وهو روح الدين وكمال التوحيد الخالص الذي يرفع نفوس معتقديه ويخلصها من رق الأغيار ويفك إرادتهم من أسر الرؤساء الروحانيين، والشيوخ الدجالين، ويطلق عزائمهم من قيد المهيمنين الكاذبين، من الأحياء والميتين، فيكون المؤمن مع الناس حرًا خالصًا وسيدًا كريمًا، ومع الله عبدًا خاضعًا ﴿ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا  ﴾ .

﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ  ﴾ الهداية في اللغة: الدلالة بلطف على ما يوصل إلى المطلوب.

منح الله تعالى الإنسان أربع هدايات يتوصل بها إلى سعادته: أولاها: هداية الوجدان الطبيعي والإلهام الفطري، وتكون للأطفال منذ ولادتهم فإن الطفل بعدما يولد يشعر بألم الحاجة إلى الغذاء فيصرخ طالبًا له بفطرته وعندما يصل الثدي إلى فيه يلهم التقامه وامتصاصه.

الثانية: هداية الحواس والمشاعر، وهي متمة للهداية الأولى في الحياة الحيوانية ويشارك الإنسان فيهما الحيوان الأعجم بل هو فيهما أكمل من الإنسان، فإن حواس الحيوان وإلهامه يكملان له بعد ولادته بقليل بخلاف الإنسان فإن ذلك يكمل فيه بالتدريج في زمن غير قصير، ألا تراه عقب الولادة لا تظهر عليه علامات إدراك الأصوات والمرئيات، ثم بعد مدة يبصر ولكنه لقصر نظره يجهل تحديد المسافات فيحسب البعيد قريبًا فيمد يديه إليه ليتناوله وإن كان قمر السماء ولا يزال يغلط حسه حتى في طور الكمال؟

الثالثة: هداية العقل.

خلق الإنسان ليعيش مجتمعًا ولم يعط من الإلهام والوجدان ما يكفي مع الحس الظاهر لهذه الحياة الاجتماعية كما أُعطي النحل والنمل، فإن الله قد منحها من الإلهام ما يكفيها لأن تعيش مجتمعة يؤدي كل واحد منها وظيفة العمل لجميعها، ويؤدي الجميع وظيفة العمل للواحد، وبذلك قامت حياة أنواعها كما هو مشاهد.

أما الإنسان فلم يكن من خاصة نوعه أن يتوفر له مثل ذلك الإلهام فحباه الله هداية هي أعلى من هداية الحس والإلهام وهي العقل الذي يصحح غلط الحواس والمشاعر ويبين أسبابه، وذلك أن البصر يرى الكبير على البعد صغيرًا ويرى العود المستقيم في الماء معوجًا والصفراوي يذوق الحلو مرًا والعقل هو الذي يحكم بفساد هذا الإدراك.

الرابعة: هداية الدين.

يغلط العقل في إدراكه كما تغلط الحواس وقد يهمل الإنسان استخدام حواسه وعقله فيما فيه سعادته الشخصية والنوعية، ويسلك بهذه الهدايات مسالك الضلال، فيجعلها مسخرة لشهواته ولذاته حتى تورده مورد الهلكة.

فإذا وقعت المشاعر في مزالق الذلل، واسترقت الحظوظ والأهواء العقل، فصار يستنبط لها ضروب الحيل، فكيف يتسنى للإنسان مع ذلك أن يعيش سعيدًا؟.

وهذه الحظوظ والأهواء ليس لها حد يقف الإنسان عنده، وما هو بعائش وحده، وكثيرًا ما تتطاول به إلى ما في يد غيره فهي لهذا تقضي أن يعدو بعض أفراده على بعض فيتنازعون ويتدافعون ويتجادلون ويتجالدون، ويتواثبون ويتناهبون، حتى يفني بعضهم بعضًا ولا تغني عنهم تلك الهدايات شيئًا، فاحتاجوا إلى هداية ترشدهم في ظلمات أهوائهم، إذا هي غلبت على عقولهم، وتبين لهم حدود أعمالهم ليقفوا عندها، ويكفوا أيديهم عما وراءها.

ثم إن مما أودع في غرائز الإنسان الشعور بسلطة غيبية متسلطة على الأكوان، ينسب إليها كل ما لا يعرف له سببًا، لأنها هي الواهبة كل موجود ما به قوام وجوده، وبأن له حياة وراء هذه الحياة المحدودة.

فهل يستطيع أن يصل بتلك الهدايات الثلاث إلى تحديد ما يجب عليه لصاحب تلك السلطة الذي خلقه وسواه ووهبه هذه الهدايات وغيرها وما فيه سعادته في تلك الحياة الثانية؟

كلا!

إنه في أشد الحاجة إلى هذه الهداية الرابعة -الدين- وقد منحه الله تعالى إياها.

أشار القرآن إلى أنواع الهداية التي وهبها الله تعالى للإنسان في آيات كثيرة منها قوله تعالى ﴿ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ  ﴾ أي طريق السعادة والشقاوة والخير والشر ..

وهذه تشمل هداية الحواس الظاهرة والباطنة وهداية العقل وهداية الدين.

ومنها قوله تعالى: ﴿ وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى  ﴾ أي دللناهم على طريق الخير والشر فسلكوا سبيل الشر المعبر عنه بالعمى.

ولكن ..

بقي معنا هداية أخرى، وهي المعبر عنها بقوله تعالى: ﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ  ﴾ ، فليس المراد من هذه الهداية ما سبق ذكره، فالهداية في الآيات السابقة بمعنى الدلالة، وهي بمنزلة إيقاف الإنسان على رأس الطريقين -المهلك والمنجي- مع بيان ما يؤدي إليه كل منهما وهي ما تفضل الله به على جميع أفراد البشر.

أما هذه الهداية فهي أخص من تلك، والمراد بها إعانتهم وتوفيقهم للسير في طريق الخير والنجاة مع الدلالة، وهي لم تكن ممنوحة لكل أحد كالحواس والعقل وشرع الدين.

ولما كان الإنسان عرضة للخطأ والضلال في فهم الدين وفي استعمال الحواس والعقل -على ما قدمنا- كان محتاجًا إلى المعونة الخاصة فأمرنا الله بطلبها منه في قوله: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ  ﴾ ، فمعنى ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ  ﴾ : دلنا دلالة تصحبها معونة غيبية من لدنك تحفظنا بها من الضلال والخطأ.

وما كان هذا أول داء علمنا الله تعالى إياه، إلا لأن حاجتنا إليه أشد من حاجتنا إلى كل شيء سواه.

والصراط: هو الطريق..

والمستقيم: هو ضد المعوج.

وليس المراد بمقابل المستقيم المعوج ذا التمعج والتعاريج، بل المراد كل ما فيه انحراف عن الغاية التي يجب أن ينتهي إليها، والمستقيم في عرف الهندسة أقرب موصل بين الطرفين، وهذا المعنى لازم للمعنى اللغوي، كما هو ظاهر بالبداهة، وإنما قلنا: إن المراد بمقابل المستقيم كل ما فيه انحراف لأن كل من يميل وينحرف عن الجادة يكون أضل عن الغاية ممن يسير عليها في خط ذي تعاريج، لأن هذا الأخير قد يصل إلى الغاية بعد زمن طويل، ولكن الأول لا يصل إليها قط، بل يزداد بعدًا كلما أوغل في السير وانهمك فيه، وقد قالوا: إن المراد بالصراط المستقيم: الدين أو الحق أو العدل والحدود.

ونحن نقول: إنه جملة ما يوصلنا إلى سعادتي الدنيا والآخرة من عقائد وآداب وأحكام وتعاليم.

لِمَ سمي الموصل إلى السعادة من ذلك صراطًا وطريقًا؟..

خذ الحق مثلًا، وهو الاعتقاد الصحيح بالله وبالنبوة وبأحوال الكون والناس تر معنى الصراط فيه واضحًا لأن السبيل أو الصراط هو ما أسلكه وأسير فيه لبلوغ الغاية التي أقصدها.

كذلك الحق الذي يبين لي الواقع في العقيدة الصحيحة هو كالجادة بين السبل المتفرقة المضلة، فالطريق الواضح للحس يشبهه الحق للعقل وللنفس، سير حسي، وسير معنوي، كذلك إذا اعتبرت المعنى في الحدود والأحكام تجده واضحًا..

قسمت أحكام الأعمال إلى واجب ومندوب ومباح ومحرم ومكروه، فكان هذا مريحًا لنا من تمييز الخير من الشر بأنفسنا واجتهادنا، فبيان الأحكام بالهداية الكبرى وهي الدين كالطريق الواضح يسلك بالعمل.

ومع هذا نجد الشهوات تتلاعب بالأحكام وترجعها إلى أهوائها كما يصرف السفهاء عقولهم وحواسهم فيما يرديهم، وهذا التلاعب بالدين إنما يصدر من علمائه .

واستحلال المحرمات بمثل هذا التأويل ليس بقليل، ولذلك كان الإنسان محتاجًا أشد الاحتياج إلى العناية الإلهية الخاصة لأجل الاستقامة والسير في تلك الهدايات الأربع سيرًا مستقيمًا يوصل إلى السعادة، لهذا نبهنا الله جل شأنه أن نلجأ إليه ونسأله الهداية ليكون عونًا لنا ينصرنا على أهوائنا وشهواتنا وأن تكون استعانتنا في ذلك به لا بسواه، بعد أن نبذل ما نستطيع من الفكر والجهاد في معرفة ما أنزل إلينا من الشرعية والأحكام وأخذ أنفسنا بما نعلم من ذلك.

وهذا أفضل ما نطلب فيه المعونة منه جل شأنه لاشتماله على خيري الدنيا والآخرة، فهو بهذه الآية يعلمنا كيف نستعين بعد أن علمنا اختصاصه بالاستعانة فيقوله ﴿ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ  ﴾ .

﴿ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ  ﴾ الصراط المستقيم: هو الموصل إلى الحق، ولكنه ما بينه بذلك كما بينه في نحو سورة العصر، وإنما بينه بإضافته إلى من سلك هذا الصراط كما قال في سورة الأنعام ﴿ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ  ﴾ ، وقد قلنا: إن الفاتحة مشتملة على إجمال ما فصل في القرآن حتى من الأخبار التي هي مثل الذكرى والاعتبار، وينبوع العظة والاستبصار، وأخبار القرآن كلها تنطوي في إجمال هذه الآية.

فسر بعضهم المنعم عليهم بالمسلمين والمغضوب عليهم باليهود والضالين بالنصارى.

ونحن نقول: إن الفاتحة أول سورة نزلت، كما قال الإمام على  وهو أعلم بهذا من غيره لأنه تربى في حجر النبي  ، وأول من آمن به، وإن لم تكن أول سورة على الإطلاق، فلا خلاف في أنها من أوائل السور.

ولم يكن المسلمون في أول نزول الوحي بحيث يطلب الاهتداء بهداهم وما هداهم إلا من الوحي، ثم هم المأمورون بأن يسألوا الله أن يهديهم هذه السبيل، سبيل من أنعم الله عليهم فأولئك غيرهم، وإنما المراد بهذا ما جاء في قوله تعالى: ﴿ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ  ﴾ وهم الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين من الأمم السالفة.

فقد أحال على معلوم أجمله في الفاتحة وفصله في سائر القرآن بقدر الحاجة.

فثلاثة أرباع القرآن تقريبًا قصص وتوجيه للأنظار إلى الاعتبار بأحوال الأمم في كفرهم وإيمانهم وشقاوتهم وسعادتهم، ولا شيء يهدي الإنسان كالمثلات والوقائع، فإذا امتثلنا الأمر والإرشاد ونظرنا في أحوال الأمم السالفة وأسباب علمهم وجهلهم وقوتهم وضعفهم وعزهم وذلهم وغير ذلك مما يعرض للأمم كان لهذا النظر أثر في نفوسنا يحملنا على حسن الأسوة والاقتداء بأخبار تلك الأمم فيما كان سبب السعادة والتمكن في الأرض واجتناب ما كان سبب الشقاوة أو الهلاك والدمار.

ومن هنا ينجلي للعاقل شأن علم التاريخ وما فيه من الفوائد والثمرات، وتأخذه الدهشة والحيرة إذا سمع أن كثيرًا من رجال الدين من أمة هذا كتابها يعادون التاريخ باسم الدين ويرغبون عنه ويقولون إنه لا حاجة إليه ولا فائدة له.

وكيف لا يدهش ويحار والقرآن ينادي بأن معرفة أحوال الأمم من أهم ما يدعو إليه هذا الدين؟

﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ الْمَثُلاتُ  ﴾ .

ههنا سؤال، وهو كيف يأمرنا الله تعالى باتباع صراط من تقدمنا وعندنا أحكام وإرشادات لم تكن عندهم، وبذلك كانت شريعتنا أكمل من شرائعهم وأصلح لزماننا وما بعده؟

والقرآن يبين لنا الجواب وهو أنه يصرح بأن دين الله في جميع الأمم واحد وإنما تختلف الأحكام بالفروع التي تختلف باختلاف الزمان وأما الأصول فلا خلاف فيها.

قال تعالى: ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ  ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿ إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ  ﴾ الآية، فالاعتقادات بالله وبالنبوة وبترك الشر وبعمل البر والتخلق بالأخلاق الفاضلة مستوفى الجميع، وقد أمرنا الله بالنظر فيما كانوا عليه والاعتبار بما صاروا إليه، فنقتدي بهم في القيام على أصول الخير وهو أمر يتضمن الدليل على أن في ذلك الخير والسعادة على حسب طريقة القرآن في قرن الدليل بالمدلول والعلة بالمعلول والجمع بين السبب والمسبب.

وتفصيل الأحكام التي هذه كلياتها بالإجمال تعرفه من شرعنا ونبينا  .

وأما قوله تعالى: ﴿ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ  ﴾ ، فالمغضوب عليهم هم الذين خرجوا من الحق بعد علمهم به والذين بلغهم شرع الله تعالى ودينه فرفضوه ولم يتقبلوه انصرافًا عن الدليل، ورضى بما ورثوه من القيل، ووقوفًا عند التقليد وعكوفًا على هوى غير رشيد، وغضب الله عقوبته وانتقامه.

وقوله: ﴿ وَلا الضَّالِّينَ  ﴾ قرن المعطوف فيه"بلا"، لما في"غير"من معنى النفي، أو: غير الضالين، ففيه تأكيد للنفي.

وهو يدل على أن الطوائف ثلاث: المنعم عليهم، والمغضوب عليهم، والضالون.

ولا شك أن المغضوب عليهم ضالون أيضًا، لأنهم بنبذهم الحق وراء ظهورهم قد استدبروا الغاية واستقبلوا غير وجهتها، فلا يصلون إلى مطلوب، ولا يهتدون إلى مرغوب.

ولكن فرقًا بين من عرف الحق فأعرض عنه على علم وبين من لم يظهر له الحق فهو تائه بين الطرق لا يهتدي إلى الجادة فيها وهم من لم تبلغهم الرسالة أو بلغتهم على وجه لم يتبين لهم فيه الحق، فهؤلاء هم أحق باسم الضالين، فإن الضال حقيقة هو التائه الواقع في عماية لا يهتدي معها إلى المطلوب، والعماية في الدين هي الشبهات التي تلبس الحق بالباطل وتشبه الصواب الخطأ.

الضالون على أقسام: القسم الأول: من لم تبلغهم الدعوة إلى الرسالة أو بلغتهم على وجه لا يسوق إلى النظر، فهؤلاء لم يتوفر لهم من أنواع الهداية سوى ما يحصل بالحس والعقل وحرموا رشد الدين فإن لم يضلوا في شؤونهم الدنيوية ضلوا لا محالة فيما تطَلْب به نجاة الأرواح وسعادتها في الحياة الأخرى، على أن من شأن الدين الصحيح أن يفيض على أهله من روح الحياة ما به يسعدون في الدنيا والآخرة معًا، فمن حرم الدين حرم السعادتين، وظهر أثر التخبط والاضطراب في أعماله المعاشية، وحل به من الرزايا ما يتبع الضلال والخبط عادة، سنة الله في هذا العالم ولن تجد لسنته تبديلًا.

أما أمرهم في الآخرة فعلى أنهم لن يساووا المهتدين في منازلهم، وقد يعفو الله عنهم، وهو الفعال لما يريد.

وأزيد في إيضاح هذا أن الذين حرموا هداية الدين لا يعقل أن يؤاخذوا في الآخرة على ترك شيء مما يعرف بهذه الهداية، وهذا معنى كونهم غير مكلفين، وعليه جمهور المتكلمين، لقوله تعالى في سورة الإسراء ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا  ﴾ ومن قال إنهم مكلفون بالعقل لا يظهر وجه لقوله إلا إذا أراد أن حالهم في الآخرة تكون على حسب ارتقاء أرواحهم بهداية العقل وسلامة الفطرة، إذ لا شك أن من لم يبعث فيهم رسول يتفاوتون في إدراكهم بتفاوت استعدادهم الفطري وما يصادفون من حسن التربية وقبحها.

وبهذا يجمع بين القولين في تكليفهم وعدمه أو يفصل بينهما، وما يعطيهم الله تعالى إياه في الآخرة على حسب حالهم في الخير والشر والفضيلة والرذيلة يكون جزاءً عادلًا على أعمالهم الاختيارية ويزيدهم من فضله إن شاء.

القسم الثاني:من بلغته الدعوة على وجه يبعث على النظر فساق همته إليه، واستفرغ جهده فيه، ولكن لم يوفق إلى الاعتقاد بما دعي إليه، وانقضى عمره وهو في الطلب، وهذا القسم لا يكون إلا أفرادًا متفرقة في الأمم ولا يعم حاله شعبًا من الشعوب فلا يظهر له أثر في أحوالها العامة وما يكون لها من سعادة وشقاء في حياتهم الدنيا.

أما صاحب هذه الحالة فقد ذهب بعض الأشاعرة إلى إنه ممن ترجى له رحمة الله تعالى، وينقل صاحب هذا الرأي قوله عن أبي الحسن الشعري، وعلى رأي الجمهور فلا ريب أن مؤاخذته أخف من مؤاخذة الجاحد الذي استعصى على الدليل وكفر بنعمة العقل أو رضي بحظه من الجهل.

القسم الثالث: من بلغتهم الرسالة وصدقوا بها بدون نظر في أدلتها ولا وقوف على أصولها، فاتبعوا أهواءهم في فهم ما جاءت به من أصول العقائد، وهؤلاء هم المبتدعة في كل دين، ومنهم المبتدعون في دين الإسلام، وهم المنحرفون في اعتقادهم عما تدل عليه جملة القرآن وما كان عليه السلف الصالح وأهل الصدر الأول، ففرقوا الأمة إلى مشارب، يغص بمائها الوارد، ولا يرتوي منها الشارب.

وإني أشير إلى طرف من آثارهم في الناس: يأتي الرجل دوائر القضاء فيستحلف بالله العلي العظيم أو بالمصحف الكريم، وهو كلام الله القديم، إنه ما فعل كذا، فيحلف، وعلامة الكذب بادية على وجهه، فيأتيه المستحلف من طريق آخر، ويحمله على الحلف بشيخ من المشايخ الذين يعتقد بهم الولاية، فيتغير لونه، وتضطرب أركانه، ثم يرجع في أليَّتِه ويقول الحق ويقر بأنه فعل ما حلف عليه أولًا أنه لم يفعله، تكريمًا لاسم ذلك الشيخ وخوفًا منه أن يسلب عنه نعمة أو يحل به نقمة إذا حلف باسمه كاذبًا، فهذا ضلال في أصول العقيدة يرجع إلى الضلال في الاعتقاد بالله وما يجب له من الوحدانية في الأفعال.

ولو أردنا أن نسرد ما وقع فيه المسلمون من الضلال في العقائد الأصلية بسبب البدع التي عرضت على دين الإسلام لطال المقال، واحتيج إلى وضع مجلدات في وجوه الضلال، ومن أشنعها أثرًا وأشدها ضررًا خوض رؤساء الفرق منهم في مسائل القضاء والقدر، والاختيار والجبر، وتحقيق الوعد والوعيد، وتهوين مخالفة الله على نفوس العبيد.

إذا وزنا في أدمغتنا من الاعتقادات بكتاب الله تعالى من غير أن ندخلها فيه أولًا يظهر لنا كوننا مهتدين أو ضالين، وأما إذا أدخلنا ما في أدمغتنا في القرآن، وحشرناها فيه أولًا، فلا يمكننا أن نعرف الهداية من الضلال، لاختلاط الموزون بالميزان، فلا يدري ما هو الموزون من الموزون به..

أريد أنه يجب أن يكون القرآن أصلًا تحمل عليه المذاهب والآراء في الدين، لا أن تكون المذاهب أصلًا والقرآن هو الذي يحمل عليها ويرجع بالتأويل أو التحريف إليها، كما جرى عليه المخذولون، وتاه فيه الضالون.

القسم الرابع:ضلال في الأعمال وتحريف للأحكام عما وضعت له، كالخطأ في فهم معنى الصلاة والصيام وجميع العبادات، والخطأ في فهم الأحكام التي جاءت في المعاملات.

ولنضرب لذلك مثلًا: الاحتيال في الزكاة بتحويل المال إلى ملك الغير قبل حلول الحول ثم استرداده بعد مضي قليل من الحول الثاني، حتى لا تجب الزكاة فيه، ظن المحتال أنه بحيلته قد خلص من أداء الفريضة، ونجا من غضب من لا تخفى عليه خافية، ولا يعلم أنه بذلك قد هدم ركنًا من أهم أركان دينه، وجاء بعمل من يعتقد أن الله قد فرض فرضًا، وشرع بجانب ذلك الفرض ما يذهب به، ويمحو أثره، وهو محال عليه، جل شأنه.

ثلاثة أقسام من هذا الضلال: أولها، وثالثها، ورابعها يظهر أثرها في الأمم فتختل قوى الإدراك فيها، وتفسد الأخلاق وتضطرب الأعمال، ويحل بها الشقاء، عقوبة من الله لا بد من نزولها بهم.

سنة الله في خلقه ولن تجد لسنته تحويلًا.

ويعد حلول الضعف ونزول البلاء بأمة من الأمم من العلامات والدلائل على غضب الله تعالى عليها لما أحدثته في عقائدها وأعمالها مما يخالف سننه ولا يتبع فيه سنته.

لهذا علمنا الله تعالى كيف ندعوه بأن يهدينا طريق الذين ظهرت نعمته عليهم بالوقوف عند حدوده، وتقويم العقول والأعمال بفهم ما هدانا إليه، وأن يجنبنا طرق الذين ظهرت فيهم آثار نعمته بالانحراف عن شرائعه، سواء كان ذلك عمدًا وعنادًا أو غواية وجهلًا.

إذا ضلت الأمة سبيل الحق، ولعب الباطل بأهوائها، ففسدت أخلاقها واعتلت أعمالها، وقعت في الشقاء لا محالة، وسلط الله عليها من يستذلها ويستأثر بشؤونها، ولا يؤخر لها العذاب إلى يوم الحساب -وإن كانت ستلاقي نصيبها منه أيضًا- فإذا تمادى بها الغي، وصل بها إلى الهلاك، ومحي أثرها من الوجود، لهذا علمنا الله تعالى كيف ننظر في أحوال من سبقنا، ومن بقيت آثارهم بين أيدينا من الأمم، لنعتبر ونميز بين ما به تسعد الأقوام وما به تشقى.

أما في الأفراد فلم تجر سنة الله بلزوم العقوبة لكل ضال في هذه الحياة الدنيا، فقد يستدرج الضال من حيث لا يعلم، ويدركه الموت قبل أن تزول النعمة عنه، وإنما يلقى جزاءه ﴿ يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ  ﴾ .

-٢-

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله